search
now reading: الباب المفتوح | Abd al Rahman Munif
search

Abd al Rahman Munif | Arabic

الباب المفتوح

***

– 1 –

…آخر شيء قررت أن أفعله، قبل السفر، وداع جدتي.

عند الظهر كنت اطل على غسرين، البلدة الصغيرة في بطن الوادي. بدت لي غريبة، منفرة بأشجارها الطويلة العارية وبيوتها المتراصة القديمة في الوسط، او تلك المتباعدة على أطراف التلال الغربية. الريح تعبر الشوارع بخشونة فتولد رعشة هي بين البرودة والخوف، حتى النهر الصغير، وأنا أعبر الجسر، يبدو لي مختلفاً الآن.

لم أشأ أن أتطلع كثيراً إلى الوجوه. كنت أحمل تحت إبطي هدية صغيرة، أردت أن أتركها لجدتي كذكرى أخيرة. كان ينتابني شعور أني لن أراها بعد هذه المرة. فإذا رجعت من سفرتي المجنونة ستكون قد رحلت عن هذه الدنيا. لقد كبرت جدتي كثيراً في السنين الاخيرة، وأصبحت تكبر كل يوم، مشيتها ثقيلة متعبة، التغضنات في وجهها مثل خطوط فدان يحرث أرضاً هشة، حتى العصا التي كانت تستعملها في الماضي غواية، تحولت إلى رجل ثالثة لا تفارقها أبداً.

قلت لنفسي وأنا أعبر الزقاق الذي يربض ببيت جدي في نهايته: “لن أتركها تتحدث هذه الليلة عن الذكريات، سوف أغرقها بالحديث عن الشجر والحيوانات والامطار، وسوف أدعي النعاس في وقت مبكر، حتى إذا جاء الصباح تحملت كل الكلمات الحزينة وهربت بسرعة.”

الأولاد في الزقاق يعبثون بالأتربة ويلاحقون الكلاب والقطط، النساء مثلما كن دائماً على أبواب البيوت.

سحبت نظراتي بسرعة لكي لا أترك لأحدٍ وقتاً ليتذكر، ويستوقفني، النساء يحلو لهن أن يتذكرن الأشياء الحزينة. قلت في نفسي: ” لا أريد مزيداً من الحزن” وتذكرت حكاية الأشجار المكررة ودون معنى التي تشبه رثاء النفس، كانت هذه الكلمات تخلق في أعماقي نرفزة أقرب إلى العناد، قلت وأنا أطرد الأفكار الحزينة: “سيموت الجميع، ستموت جدتي مثلما مات جدي ومثلما مات خالي… والحزن عادة يذكر بالموت بشكل ما، وأنا لا أريد الحزن ولا أريد لجدتي أن تموت الآن.”

ألقيت التحية، بسرعة، على امرأتين كانتا صديقتي أمي، دون أن أترك لهما فرصة للكلام وتابعت. كنت أعرف أن النظرات تلاحقني. جعلت خطواتي ثابتة وسريعة، لم أعد أهتم كثيراً بما يقال عني، لست متكبراً، ولا أحب الرجال المغرورين، لكن ليس لدي شيء أقوله. الناس هذه الأيام تشغلهم أفكار سوداء، أقلها البحث عن الطعام، وأنا الآن أسافر

بحثاً عن الطعام، لقد حالفني الحظ كثيراً. فحصوا الأوراق، أجروا المقابلة، سألوني أسئلة فجة، وانتهى الامر، قالوا: “السفر يوم الأربعاء”.

البلدة الآن هي ليست البلدة التي عشت فيها تلك الأصياف الرائعة البعيدة. أحس أنها تغيرت كثيراً. تغيرت من الداخل. صحيح أن الأماكن التي أعرفها ما تزال مثلما تركتها قبل عشر سنين، لكنها هرمت، تغضنت من الريح والموت، أصابها ما يشبه الدوار من فرط ما رأت وسمعت، ومع ذلك لا تزال تقف بشموخ أبله بانتظار كوارث جديدة.

قلت لنفسي بأسى: “الأماكن مثل الإنسان تتغير كثيراً”. وفكرت: الإنسان هو الذي يتغير، الاماكن لا تتغير إلا ببطء أخرس، تنجرد من الداخل، تفرغ، تصبح مثل قصة فارغة، ثم تنهار دفعة واحدة، الإنسان لا يفعل ذلك. الإنسان تقرضه دودة اسمها الحزن، وهذه الدودة سوداء، ولها أثداء صغيرة لا ترى بالعين، ولكن في الليل تكبر هذه الدودة حتى تصبح مثل حوت رمادي يجثم فوق الصدر. قلت في نفسي وأنا أضرب حجراً صغيراً أمامي: “الدودة التي قتلت الآخرين ستقتلني، وإذا قررت ان أترك جدتي والذكريات، فيجب علي قبل ذلك أن أنسى حكاية الدودة اللئيمة”.

بيت جدي في نهاية الزقاق بدا لي لفرط ما تغير أني لا أعرفه. قلت لنفسي بنزق: تغير ولم يتغير. أنا الذي تغيرت.

تمعنت به أكثر، فبدا أنه لا زال بنفس الارتفاع، أما السور بالمحيط بالبستان فقد سقطت حجارته من الناحية الشمالية. أرى الدجاج يعبث بأقدامه القذرة قريباً من السور وداخل البستان. شجرة الجوز القريبة من الباب عارية تماماً مثل شتاءٍ قاس.

قلت لنفسي وأنا أتذكر: “هل هي نفس الشجرة التي كانت في ذلك الصيف أرجوحة وعشاً للعصافير؟” وفكرت وأنا أقترب: “يجب أن يكون دائماً في البيت رجل لكي يقوي سور البيت الخارجي ويدحل السطح. والمرأة، حتى لو كانت جدتي، لا يمكن أن تفعل كل شيء”.

الباب يترنح. الريح بهبات صغيرة تحركه دون تعب. نفس الباب الذي دخلت منه آلاف المرات. هل تتعب الأبواب من الحركة؟ من البقاء في مكانها؟ وتصورت “جدتي في الداخل، وإلا لماذا تركت الباب مفتوحاً؟” وبدأت تغزوني ملامحها: قامة قصيرة ضامرة، عينان واسعتان تتحركان ببطء، وكأن الأفكار التي تشتعل في رأسها لا تترك لها وقتاً لكي تحرك عينيها، الشفاه مطبقة بحزم لا يملكه إلا الناس القساة اليائسون. واليدان معروقتان، معروقتان لدرجة أن من ينظر إليهما يظن أنهما مقلوبتان، العروق نافرة، زرقاء، العظام واضحة محددة كأنها مغطاة بنخالة هشة. والأنف حاد صغير يتحرك حركات لاإرادية مثل حركة الباب المفتوح.

كانت جدتي إذا رأتني تنظر إلي بهدوء. لن تفعل مثل باقي النساء، حتى إذا تأكدت من أنا، ضربت الأرض بعصاها

وقامت مثل قطة تنفض عن نفسها الذكريات والأفكار، وتستعيد بذكرياتها فكرة تعذبها.

ظللت أسمع من جدتي نفس الكلمات والآن أتذكرها تثير في نفسي أفكاراً لا أحبها. كانت تقول: “يجب أن لا تكبر بسرعة. الذين يكبرون بسرعة يذهبون بسرعة” وتعانقني بعصبية. أشم في ثيابها وأنفاسها رائحة ما من الماضي؟ من الاحلام؟ رغبة غامضة بالحزن؟ لا أعرف. كانت تشدني إليها لفترة طويلة، وكلما حاولت أن أفلت منها أجد راحة يدها، وراء ظهري، مثل محراث ينغرز. لم أكن أقاوم، كنت أستستلم كثيراً وأنا أفكر “يجب أن يكون لهذه العجوز شيء تتعلق به، بعد أن ذهبوا”. إذا انتهى العناق، ينتهي ببطء، ولا أكاد أتطلع إلى وجهها حتى أجد بقايا دمعة صغيرة تعرف جيداً كيف تمسحها أو تخفيها.

ومن أجل أن أمتص حزن جدتي كنت أقول كلمات كبيرة، أتذكر أنني قلت لها ذات مرة: “ألا تعرفين غير الحزن جسراً لمحبتي؟” نظرت إلي وهي تسمع كلمات فجة تخرج من بين شفتي، نظرت طويلاً ورددت نفس الكلمات: “يجب ألا تكبر مثلهم، لقد كبروا بسرعة وذهبوا بسرعة، وأنت لا أحب أن أتذكرك إلا صغيراً، أتسمع، صغيراً، مثلما كنت وأنت لا تعرف الكلام” ويحاول كلانا بجهد، تظهر آثاره بسرعة، أن نخلق جواً جديداً. تبدأ تسألني نفس الأسئلة: “هل أنت تعب؟ هل أنت جائع؟ وأهز رأسي بالنفي، تتطلع إلي وتسالني بلهجة

جديدة قاسية: “لماذا تبدو هكذا شاحباً؟” وأردد نفس الكلمات “السفر، الدراسة، ولا شيء يا جدتي، غداً أستعيد نشاطي وترين بعينك”.

الباب يئن وأنا أتقدم. خطوات وأراها. سوف تكون جالسة على المصطبة مقابل الباب، أو في الغرفة الوسطى تدخن. ستدق الباب بعصاها وتنهض، كبرت هذه المرة. ستكون خطواتها بطيئة. أتذكر آخر مرة جاءت فيها إلى المدينة… كانت هرمة. رأيتها تكبر سنوات خلال الأيام الأربعة التي قضتها عندنا، وبعد تلك الايام رفضت بإصرار أن تبقى. صرخت في وجه أبي بحدة: “أتريد أن تقتل كل شيء؟ العجوز والحيوانات والأشجار.. دعوني أرجع، إذا بقيت هنا يوماً واحداً مت”. ولم يستطع أحد أن يقف في وجهها، ذهبت محاولات أمي عبثاً، أما خالاتي فقد حاولن الكثير. قدمن لها وعوداً مغرية، ورفضتها كلها، وعدما كنت أوصي السائق أن يوصلها إلى بيت جدي في القرية، مالت علي وقالت بهدوء أزعجني: “لا تكبر.. أنت بالذات يجب ألا تكبر”

لما وضعت قدماي على العتبة، ارتد الباب كأنه يريد أن يمنعني. دفعته ودخلت. نظرت تحت الدالية لم أجد جدتي.. كانت الغرفة الوسطى ببابها المفتوح تشتبك فيها الظلمة الخفية ببقايا الماضي.. تمهلت، أردت أن أترك لها فرحة اكتشافي، تنحنحت مثلما يفعل الرجال، ونظرت. بيت جدي: الغرف الأربع، غرفة خالي إلى اليسار، ثم غرفة داخلية وراء سورٍ عالٍ

دون سقف ثم الغرفتان ناحية اليمين، وقريباً من شباك غرفة خالي البئر.. ثم في الوسط أحواض الزرع، داليتان وشجرة كرز. ومقابل البئر، في الناحية الثانية، قن كبير عال ٍ للدجاج، وآخر أصغر منه للأرانب.

لم يتحرك سوى صوت الريح يعبث ببقايا زهور الخريف في الحوض المستطيل على طول الممر الترابي حتى الغرف، والباب ورائي يئن بصوت أجش ملعون. تركت نفسي أمشي. إن خطواتي تنبه جدتي. وظلي يتقدمني ولا بد أن تراه إذا لم تشأ أن تسمع صوتي. باب الغرفة الوسطى مفتوح، وغليون جدتي في مكانه، أما الفراش فقد رص في صدر الغرفة ناحية اليمين.. تقدمت كثيراً حتى أصبحت لا أطيق هذا التجاهل. صرخت بصوت حاولت أن أحمله المرح والتخويف “جاء الغول.. أين أنت يا جدتي؟..” ودون أن أتوقف تابعت أقول لها “أين أنت مختبئة؟” ولم أسمع جواباً.. ودخلت الغرفة، فلم أجد أحداً. فكرت أن أقتحم غرفة خالي، لكن الفكرة ارتسمت في ذاكرتي على شكل لم أستطع أن احتمله. تركتها. ذهبت إلى كل مكان يمكن أن أجدها، لكن لم تكن هناك. اقتربت من البئر، جلست على حافته، نظرت إلى غرفة خالي، كانت ستارة بيضاء تتدلى على الشباك بشكل مائل، تتيح لمن يريد النظر أن يرى كل شيء.

من مكاني نظرت وأنا أحدد بعيوني، لعلي أرى شبح

جدتي، لكن صوت الريح والعتمة الخفيفة بداخل الغرفة لم تتيحا لي رؤية شيء!

وضعت يدي على مقبض الباب وأدرته. حتى تلك اللحظة كنت أظن أن جدتي لن تترك هذه الغرفة مفتوحة. إن في كل بيت غرفة بمثابة كعبة البيت. وغرفة خالي هي الكعبة، لا يمكن أن تترك دون حماية كافية. لا يجوز أن يدخلها أحد. كانت دائماً سرية وغامضة.

كانت سرية وغامضة منذ وقت طويل. منذ كنا صغار، “لا تقتربوا، إنه يقراً. إنه ينام. لا تزعجوه”. وعندما كبرنا “لا تقتربوا لم ينم طوال الليل، دعوه الآن ينام ساعة أو ساعتين، أخذ دواء كي ينام، والنوم لا يأتيه”.

ودخلت الغرفة في نطاق الأماكن المخيفة.

كيف تترك جدتي هذه الغرفة دون أن تقفلها؟ هكذا سألت نفسي وأن أدخل الغرفة. كانت نظيفة لدرجة لا أتصور أن في البلدة كلها غرفة بنظافتها. الجدران بيضاء على زرقة، وعلى الجدران صور لخيول ولاعب كرة وجياد، ثم مجموعة من الصور الصغيرة المتقاربة: طيور ونساء ورجل يضع رأسه بين راحتيه ويفكر. أما السرير فقد كان هابطاً في منتصفه آخذاً شكل الجسد، والأغطية في نهايتها مقلوبة لكي تتيح سهولة مغرية لمن يريد أن ينام.. أما الطاولة، تحت الشباك، فقد وضعت فوقها مجموعة من الكتب وفرشاة ملابس ومشط ومرآة دائرية صغيرة، في قسم منها حال الطلاء فبدت مغبشة.

وماذا في الغرفة؟ نظرت أريد أن أكتشف. وجدت أشياء أخرى تجعل منها غرفة تشبه غيرها: مقعد طويل، يمكن أن يكون سريراً ومقعداً في نفس الوقت، وكرسيان ومنافض سكائر وحزمة من القمح موضوعة في آنية فخارية.

إن شيئاً في الغرفة لا تراه العين. لكنه موجود أكثر من أي شيء آخر. إن فيها دفئاً، وجوداً حاضراً، آثار دخان سجائر، أنفاساً.. لم أستطع أن أميز هذا الشيء، ولكن أحسست بكثافته وثقله. وكأن أحداً غادرها منذ لحظة، وسوف يعود في اللحظة التالية.

مثلما قدرت.. فإن النساء يتميزن بحاستين اثنتين: الحزن وحب الفضول. إذ لم أكد استقر لحظات وأنا أحاول أن أكتشف غرفة خالي حتى سمعت دقات عصا جدتي تضرب الأرض. جلست على كرسي، قريباً من النافذة، وبدأت أنظر إليها وهي تتقدم.

كانت هرمة لدرجة أنها كبرت عشرات السنين منذ رأيتها قبل أربعة شهور في المدينة. خطواتها سريعة لكنها متعثرة. أما رأسها فكان يدور مثل من يسبح ويحاول أن يستنشق هواء كي لا يموت ولا يغرق… تركت كل الغرف وتوجهت إلى غرفة خالي. كأنها أحست أني هناك. وبنفس الهدوء الذي تعودته منذ سنين طويلة فتحت الباب لكي لا تزعج أحداً ودخلت.

لقد ارتكبت إساءة لا أغفرها لنفسي أبداً، إذ ما كادت تراني حتى رمت عصاها، كمن فقد الامل نهائياً وانهارت على

الأرض تبكي. امتلأت بالندم. وأحسست أن خطأ ما يحاصرنا. حاولت أن أنهضها، ولكن محاولاتي تمزقت وأنا أسمع بكاءها هذا.

إنها المرة الاولى التي أراها تبكي هكذا… المرات السابقة كنت أرى دموعها، أما هذه المرة فقط رأيت شيئاً أكبر من الدموع. كان يأساً أقرب إلى النهاية.

بعد فترة، بدت لي طويلة، جاءت بعض النسوة. قامت جدتي حزينة متعبة. غسلت وجهها وابتسمت أو حاولت الابتسام، وأنا أتظاهر بالبساطة، فأتكلم عن خالاتي والمدينة، وأسأل النساء عن البلدة والأمطار… وجدتي لا تتكلم أبداً. تنظر إلى بين فترة وأخرى نظرات فيها سؤال حائر أراه يتموج بين عينيها ورأسها الذي يدور بحركة آلية عابثة.

في الليل حاولت أن أخفف من الآلام التي أنزلتها بجدتي. قلت لها: “يجب أن ترحلي إلى المدينة، لأن بقائك في هذا البيت اللعين يتلف أعصابك”. وبابتسامة فيها تحد وسخرية لم تجب، نظرت إلى ولم تجب. كنت أعرف أن كلماتي تذوب في الهواء قبل أن تستقر في ذاكرتها. وكنت أعرف أن كلمات مثل هذه قيلت لها مرات كثيرة، لكن لم تنفع، بل وبدت غاضبة في كثير من الأحيان!

قالت جدتي، وهي تحثني أن آكل: “يجب أن لا تكبر… وكأني رأيتك اليوم أكبر مما تعودت أن أراك”.

قلت وأنا أطلب أن تشاركني الأكل:

يجب أن تأكلي، لا تخافي علي ما زلت صغيراً يا جدتي… العمر ما زال في أوله” ودون أن أنتظر نهضت وانتزعت من وسط الفراش الشال الذي خبأته. كنت أريد أن أفاجئها. فردته، ثم جعلته على شكل مثلث، ألقيت طرفيه على كتفيها، وتركت رأسه يسقط فوق ظهرها.

كان شالاً أسود مطرزاً بخيوط فضية هادئة. نظرت إليه بسرعة، ثم نظرت إلي. كان في عينها تساءل أقرب إلى الغضب، وكأنها توبخني. قلت وقد استولى على الارتباك:

– “لقد أرسلته أمي… هل أخطأت بإرساله؟”

ومن جديد نظرت إليه، تلمست طرفه بأصابعها الجافة المعروقة، ثم جرتني وقبلتني على خدي قبلة لم تكن بحرارة قبلتها السابقة ولا بالطريقة التي تعودتها منها. وساد صمت، كنت أسمع أفكار جدتي تحوم فوق رأسي هادرة مؤنبة… على الإسراف، وربما اللاجدوى في مثل هذه الأشياء نحملها إليها من المدينة، وهي لا تحتاج إليها.

لم أستطع حتى هذه اللحظة أن أقول لها شيئاً عن السفر. تصورت أن كلمة واحدة يمكن أن تؤدي إلى قتلها، فإذا لم تقتلها فربما جعلتها معذبة أكثر مما تطيق.

قبل ان أنام، ومثلما قررت أن لا أخوض بأحاديث من ذلك النوع الذي يسبب لجدتي ألماً، ارتمت فوق الفراش، قريباً من وسادتي، وقالت وهي تمر بيدها المعروقة فوق شعري:

– رأيتك اليوم كبيراً لدرجة سببت لي ألماً.

– وهل هذا الذي أبكاك يا جدتي عندما رأيتني؟

– هو وغيره.

– أنا حزين لبكائك. لو كنت أتصور أن مجيئي يسبب مثل هذا الألم لما جئت.

– لقد تعودت… يا ولدي، وأنت سوف تتعود.

– إذاً لماذا بكيت هكذا؟

– بكيت لأنني لم أجده… ظننتك..!

ولم تستطع أن تضيف كلمة واحدة. انزلقت من عينيها الدموع بسرعة وغزارة، ولكن دون صوت، حتى أني فرحت كثيراً لهذا الحديث الذي أردته نهاية لحزنها، وإذا به يجدده مرة أخرى.

بعد فترة صمت قاسية، مسحت عينيها بأكمامها، قالت بصوت فيه بقايا دموع:

– لو عرفت أنك أنت الذي أتى، لكنت الآن مسرورة، لكن النساء وهن يطلبن مني أن أسرع إلى البيت، لم يقلن لي من الذي أتى.

وببلاهة قلت لها لأخفف عنها:

– ألم تكوني تنتظرين مجيئي؟

– قلت لي إنك ستأتي… لكن هؤلاء النساء اللعينات.

– وهل قلن لك شيئاً آخر؟

– آه لو أنهن قلن أي شيء… لكن صرخن: أركضي أيتها العجوز… أركضي، فإن في البيت ضيفاً عزيزاً… لقد تركنني أفكر وأذهب بعيداً.

– ولكن كنت تنتظرين غيري؟… يا جدتي!

– يجب أن تنام الآن… أما أنا فعلي أن أعجن… ألا تنام الآن!

وفكرت وأنا أرى عينيها الكبيرتين لا تستقران على شيء، فكرت كثيراً، وتاه فكري وأحسست أن في الامر سراً، وإلا لما تصرفت جدتي بهذا الشكل.

تركتها تقوم. ذهبت وعادت أكثر من مرة، وهي تحمل الدقيق، وهي تحمل الماء، ولما استقرت على فراش صغير تريد أن تبدأ العجين قلت لها:

– جدتي… ماذا لو سافرت؟

استدارت نحوي تريد أن تنظر في عيني لتقرأ فيها أفكاري، قبل ان تجيب. لم أستطع أن أنظر اليها. كانت عيناها حادتين مثل مسامير ملتهبة، وشفاهها مطبقة بحزم أقرب إلى الاحتقار. ولما أبعدت عيني لأهرب منها، ندت عنها صرخة حادة:

– انظر إلي!

وبتسليم طفل مذنب نظرت إليها.

– كبرت أكثر مما ينبغي. وبعد فترة صمت قصيرة

أضافت… يجب أن تبقى صغيراً، وتابعت تخاطب نفسها بلهجة عتاب قاسية: لن أتركك تكبر أكثر من ذلك.

أجبت وقد حملت كلماتي المتسائلة نوعاً من الدعابة لأخفف عنها:

– جدتي… لن تكون سفرتي طويلة، وسوف أحمل لك هدايا كثيرة!

– أسكت… يجب أن تنام الآن.

– لا أطيق النوم… وأريد قبل ان أسافر أن ترضي علي وتوافقي على سفري!

قامت بهدوء. لم تفكر أن تستعمل عصاها، قفزت مثل إنسان يمشي على رمل ساخن وما كادت تصل أول الفراش حتى أمسكت برجلي تريد أن تستعين بهما حتى تصل إلي.

اعتدلت وأعطيتها يدي، لكا أمسكت بهما ضغطت عليهما وهي تقول:

– لا أعطي رضاي… ولا أريدك أن تسافر.

– ولكني لن أغيب طويلاً، وسوف أبعث بالرسائل، وأعود بسرعة.

– المسافرون لا يعودون، وإذا عادوا فبعد وقت طويل.

– ولكني سأعود يا جدتي.

– أتعرف لماذا بكيت عندما رأيتك اليوم؟

– لا أعرف… وما زلت أخاف أن أسألك.

– ظننته عاد… النساء لم يقلن إلا أن ضيفاً عزيزاُ في البيت.

– أنا الذي جئت، ألا تريدينني؟

– ولكنني ظننته هو… فأنا أنتظره منذ وقت طويل. لقد طالت سفرته، ولا بد أن يعود!

وفهمت بسرعة، جدتي كانت تنتظر عودة خالي.

***

– 2 –

كان خالي الابن الوحيد بين ثلاث أخوات، وكانت أمي وحدها أصغر منه، وظلت رابطة لها نكهة خاصة تربطه بنا، فلا تمر أيام قليلة ولا نراه بيننا. ولكن في كل مرة رأيت خالي كنت أحس أن شيئاً أقرب إلى الحزن يسيطر على البيت. كان حزناً لا تبدو له أسباب واضحة. كنت أراه جالساً بجانب البركة في بيتنا بالمدينة، أو في غرفة الجلوس والصمت ثقيل مثل غيمة. وأمي تحمل له القهوة ولا تتحدث معه إلا إذا أراد، وهو في صمته ينزلق لحظة بعد اخرى، حتى كأنه يريد أن يتلاشى، فلا يحس به أحد، وكان بوجهه الشاحب، وعينيه المتعبتين الحمراوين يثير فينا حزناً غامضاً. حاولت كثيراً أن أسأل أمي عن صمت خالي، لكن في كل مرة أجد جواباً جافاً يخلق في نفسي أسئلة أخرى لا جواب لها.

وفي القرية، حيث كنا نمضي كل صيف، بعد انتهاء السنة الدراسية، كنت أراه كثيراً: كان طويلاً أقرب إلى البياض، نحيف البنية، حتى أن شكله كان يثير في النفس شعوراً بحساسية لا تتناسب مع الرجال الذين كنا نراهم في الحقول أو في المتاجر. كان لا يفعل شيئاً سوى أن يقراً، وكانت أمي إذا أحست أن القراءة أتعبته تهمس في أذنه، وتحاول أن تنبهه من جديد:

– أنت تتعب نفسك كثيراً… يجب ان تكف عن السهر.

كل يوم، كل يوم سهر؟ ولا تنتظر منه جواباً إذ تتابع بنفس الهمس الحزين: يكفي أن تقرأ ساعة أو ساعتين.

وخالي يبتسم ولا يجيب. فإذا ألحت عليه يقول:

– القراءة أفضل من أن أشغل نفسي بأشياء أخرى. وتتحول لهجته وهو يسألها: ماذا تريدينني أن أفعل؟

– اقرأ… لكن للقراءة حدود. الإنسان ليس مثل الحديد، ولا يمكن أن تتحمل ذلك طويلاً.

– لا تخافي من هذه الناحية. صحتي جيدة، وعندما أتعب من القراءة أنام… وابتسم وهو يضيف ليخلق جواً من الثقة: القراءة ممتعة، وكل متعة تقوي الإنسان لا تضعفه.

– ولكن أمي تقول إنك لا تنام أكثر من ساعة في الليل، وكلما قامت وجدت ضوء في غرفتك ووجدتك تقرأ.

– أمك لا تريدني أن أقراً أبداً… تقول: عيونك، صحتك، وغير لهجته تماماً وتابع:

– أنا أنام كثيراً… أنام في الليل وبعد الظهر.

كانت القراءة تسلية خالي الوحيدة… ولا أذكر أني رأيته مع أصدقاء. كان له بعض المعارف، لكن الوقت الذي يقضيه معهم يبدو له مسئماً، فلا يرتاح إلا إذا عاد لكتبه وصمته.. لم يكن يقرأ كل الوقت، فقد راقبته أكثر من مره، يطوي الكتاب وتتيه نظراته وهو يحدق بالجدران أو بدالية العنب وبعض الاحيان كان يسقط الكتاب من يده، فيفيق، وكنت أراه أحياناً يتمتم بصوت خافت وكأنه يستعيد أبياتاً من الشعر، أو يغني. فإذا عاد إلى الكتاب يقرأ ببطء، حتى أن الصفحات لا تنقلب إلى نادراً.

هل كان يقراً؟ هل كان يفكر؟ لا أحد يستطيع أن يجيب على مثل هذه الأسئلة، والمرات القليلة التي أتيح لي فيها أن أطلع على الكتب التي يقرأها، بدت لي غامضة مثيرة… وكانت أمي تصر على أن تبعد هذه الكتب عنا، وتوصية أبي دائماً انتبهي على الاولاد، لا أريد أن يخربهم بكتبه وأفكاره، هذه الكتب تجلب المصائب، سياسة وكفر، رأيت كتباً فرنسية لم أفهم من عناوينها شيئاً، ورأيت على بعضها صور فتيات ورجالاً يحملون المسدسات ويدخنون… أما الكتب العربية فكانت قليلة، ولا يقرأ فيها إلا بفترات متباعدة.

في وقت ما قرر خالي أن يلتحق بوظيفة حكومية. لكن بعد أن عجز عن الارتباط بالزراعة، قال له أبوه مرات كثيرة أن يعمل معه، لكن المحاولات ذهبت دون أثر. والعجوز لا

تتدخل إلا من أجل الدفاع عن ابنها. كانت تتعارك مع جدي، تقول له كلمات قاسية إذا حاول مرة أن يتطاول، وتقول له هذا الولد لم يخلق للزراعة، والزراعة يكفيها الحصان… وتشير إليه. ويضحك جدي وقد امتلأ رضا عن نفسه، ولكن هذا الرضا يدوم لحظة، ينفجر بعد ذلك على شكل سؤال…

– وماذا تريدين أن يكون… إذا لم يعمل في الزراعة؟

– دعه يختار ما يشاء.

– ليعمل شيئاً… أي شيء.

– لا تخف… هذا ولدي… أرضعته من صدري وأعرف أي شيء سيكون.

– لا أخاف… ولكن أنت تعرفين أن الرجال لم يخلقوا للبيت.

– وهل تريد أن تقتله؟

– إنه يقتل نفسه إذا ظل هكذا.

وغالباً ما ينتهي النقاش بانتصار جدتي. كان جدي دائماً يقتنع، ولكن اقتناعاً مشوباً بالقلق والغموض. وجدتي تتحدث مع أمي… تطلب إليها أن تقنعه بأن يعمل شيئاً ما، أن يفكر بمستقبله. وأمي إذا تحدثت معه تختار كلمات هادئة رزينة تعلمتها في المدرسة الابتدائية، وغالباً ما كانا يتفقان. كان يقول لها:

– أريد أن أواصل دراستي… لا أريد أن أبقى هنا.

ولا أحد يفهم خالي.

وذات يوم، بعد وفاة جدي بثلاثة شهور التحق خالي بعمل في محكمة المدينة.

كان كابتاً… وكان ما إن يعود من عمله، حتى يبدو وقد تغير تماماً… الشحوب والتحدي اللذان كانا صفة عارضة في وجهه، أصبحا منذ أن عمل في المحكمة، شبحاً يرتسم في عينه ووجهه، طوال الليل والنهار.

سألت أمي ذات مرة، عن متاعب خالي وصمته، قال بعد تردد:

– كان له هم واحد، لكن منذ أن عمل في المحكمة أصبح له همان.

– عن أي هموم تتحدثين يا أمي؟

– كان خالك فاقد الثقة بكل شيء. كان يتصور أن الحياة مليئة بالتعاسة والفشل، ولم يكن يملك سنداً لذلك، لكن منذ أن عمل في المحكمة، أصبح لديه كل يوم عدد لا يحصى من الادلة.

وأسأل أمي بلهفة عن الأفكار التي تشغل خالي، لكن كلماتها تضيع، فلا أفهم منها شيئاً.

ذات يوم، بعد أن تغيرت طباع خالي تماماً، فأصبح أقرب إلى الحزن والأرق، لدرجة أن الشحوب لم يعد صفة تبدو على وجهه فقط، بل أصبح كل شيء فيه شاحباً. أصابعه ترتجف،

عيناه حمراوان وبعض الاحيان تتساقط منهما الدموع، وثيابه أصبحت فضفاضة لدرجة بدت وكأنها لرجل آخر أكبر منه وأضخم.

ذاك اليوم، بعد مشاورات طويلة، بين أمي وخالي، سافر.

سافر إلى مرسيليا، بعد أن اقتنعت أمي، ووفرت له بعض المال، وبعد أن أخذ سلفة من إدارة المحكمة… ولكن لم يكد يغادر حتى وضعت المحكمة الحجز على أموال جدي ضماناً لذلك الدين… وكانت جدتي حتى ذلك الوقت تظن أن الامر مجرد مزحة عارضة لا بد أن تنتهي بشكل ما… لكن الامور أخذت شكلاً آخر.

كان خالي قد وضع ثقته برجل فرنسي يسكن في مرسيليا، وكان هذا الرجل قد جاء قبل ذلك إلى هنا، وقامت بينه وبين جدي صلات وثيقة، انتهت بأن باعه كميات كبيرة من الحبوب من القرية ومن القرى المجاورة، ونتيجة هذه الصفقة، وصفقات غيرها، حيث كان خالي يقوم بالترجمة بينهما، تحدث الرجلان وكان حديثاً طويلاً عن الدراسة ومرسيليا وفرنسا.

سافر خالي إلى مرسيليا على أمل أن يواصل دراسته، لكن الأمور لم تسر على ما يرام. إذ ما كاد يصل إلى مرسيليا حتى وجد أن ذلك الرجل قد توفي. وضاعت بوفاته كل الآمال التي علقها على أن يحصل على منحة أو يواصل دراسته.

انتهت الأموال التي أخذها خلال الشهور الاولى، وبدأت رسائله لأمي تأخذ طابعاً يائساً… لم يكن يطلب مالاً. ولم يكن يريد شيئاً. كان يردد بلا انقطاع قصصاً عن تعاسته وشقائه، وكان يقول كلمات تخيف أمي… حتى كان يوماً اشترت أمي تذكرة سفر بالطائرة وأرسلتها لمرسيليا على عنوان خالي…

لكن…

جدتي لم تصدق أن خالي سافر… ظنت أنه غائب في مكان ما قريب لفترة من الزمن وظنت أن سبب ذلك امرأة، لا بد أن تظهر في وقت ما، وظلت لا تصدق كلام أمي وتعتبرها تخفي خبر هذه المرأة.

عادت البطاقة التي أرسلتها أمي. وعادت من إدارة الجامعة إلى عنوان أبي رسالة حزينة وعديمة الجدوى…

“نأسف أن نخبركم… أننا حصلنا على العنوان من أوراق الفقيد، فقد كان… مريضاً في المستشفى بعد انقطاع عن الجامعة استمر شهرين كاملين، كان المرض ناتجاً عن سوء التغذية، وقد أخبرتنا المستشفى أن الفقيد كان على وشك أن ينهي علاجه… لكن انتهى الأمر بغموض ودون مقدمات من أي نوع توحي بقراره، فقد تخلص الفقيد من الحياة يوم 17 نوفمبر سنة 1960، وطلبت إدارة المستشفى أن لا تتصرف بالجثة قبل أن تعرف رغبات أهله.

وإدارة الجامعة إذا تبعث إليكم بتعازيها وأسفها لهذا

الحادث المؤلم، تتوقع أن تبعثوا بالسرعة الممكنة جواباً حول رغبتكم، ويفضل مجيء أحد أفراد العائلة في حال وجود رغبة بدفنه في الوطن.

بانتظار جوابكم نكرر أسفنا الممزوج بالحزن العميق لهذا الحادث…”

كانت تلك نهاية خالي، وظلت غامضة محيرة بالنسبة لنا. أما جدتي فقد قالت عندما تسرب إليها الخبر عن طريق نساء البلدة:

لا يمكن أن يموت… كاذبون، كل من يقول إنه مات كاذب، ولا بد أن يعود.

ولم يناقشها أحد… سكتوا احتراماً لحزنها.

أما خالاتي وزوجات أقربائي فقد بكين كثيراُ ولكن تحدثن عن أمي بسوء، وقلن إن أمي هي التي قتلته عندما شجعته على السفر… وقال الرجال يجب أن لا يذكر أنه انتحر، فالانتحار ليس عيباً فقط وإنما مخالف للدين أيضاً، ولكن تنتهي القصة بصمت ودون أن تترك أثراً من أي نوع، بعثوا إلى إدارة المستشفى والجامعة برقيتين طلبا فيها أن يدفن خالي بمرسيليا…. وأصروا أن يذكروا في البرقية على أن الدفن يجب أن يجري على الطريقة الإسلامية!

بهذا الشكل انتهى خالي، أما جدتي فإنها لا تصدق حتى الآن… وقد ظنت عندما وصلت إلى البلدة لوداعها أن خالي قد عاد… هكذا ظنت أو هكذا توهمت من الكلمات التي

رددتها قبل أن تعجن، وهي ترتاح عند صدري على الفراش تلك الليلة.

***

– 3 –

غادرت البلدة، وأمر سفري غامض. لم أقل لجدتي شيء… قلت لها… الوشاح هدية من أمي. أما أنا فلدي أمور في الداخل، وقد أسافر إلى الخارج لبعض الوقت، وجدتي اعتبرت كل ما قلته دعابة أو نوعاً من الدعابة الثقيلة التي لا تليق بشخص مثلي، وظلت طوال تلك الليلة، والصباح التالي، تردد:

– يجب أن لا تكبر… يجب أن تعود لأرض جدك، لن تكون وحيداً، سيأتي خالك ذات يوم وتعملان معاً. الأرض… الأرض يا ولدي تحتاج إلى رجال. والأرض… الأرض، بعد جدك لم تعد كما كانت، يجب أن تبقى فوق الأرض، وخالك عندما يعود ستغريه الأرض الخضراء والأشجار المثمرة… أما إذا عاد ووجدها أرضاً قاسية لا خضار فيها ولا أشجار، فقد يسافر مرة اخرى.

وأصمت لا أجيب. كنت أعرف أن خالي انتهى منذ سنوات طويلة، وأن عظامه ترقد الآن في إحدى مقابر مرسيليا… ستكون مقبرة مسيحية دون شك، لأن الناس عندما يموتون يتشابهون تماماً، لا فرق بين مسيحي ومسلم،

كلهم موتى، والموتى لا يختلفون، يرقدون بهدوء، دون أن يذكروا شيئاً عن ذويهم، وعن خلافاتهم السابقة.

وغادرت البلدة في الصباح التالي.

كانت الأشجار هرمة، كبيرة، بائسة. أما جدران البيوت فقد تساقطت عنها الأصبغة فبدت بلون القبور، حتى النهر الصغير، بدا لي زائداً منفراً، ولم أستطع النظر إلى مائه وأنا أعبر الجسر باتجاه محطة السيارات التي تقودني إلى المدينة.

أما جدتي، فقد خلعت الشال، وقالت وأنا أسألها أن تضعه:

– لن أضعه إلا إذا عدت مرة أخرى، إذا عدت أنت أو عاد خالك، وعندها يمكن أن استخرج من الصندوق أشياء كثيرة حلوة لم ألبسها منذ وقت طويل!

تركت كل شيء ورائي وأنا أشعر بحزن موجع… وفي فكري تثور أسئلة بلهاء، لا أجد لها جواباً أبداً: لماذا سافر خالي؟ لماذا قتل نفسه؟ وأنا… إذا سافرت هل أعود مرة أخرى؟ وجدتي هل تبقى حية حتى أعود؟

ظلت مثل هذه الأسئلة تشغل فكري، وظلت دون جواب. رجعت في الصيف… بعد سنة دراسة متعبة، شعرت خلالها أن السفر عذاب، وأنه مثل النهر الجاري يجدد شباب الإنسان ويدفعه نحو الشلالات الخطرة..، وكنت أحمل معي هدية حاولت أن أختارها بعناية لجدتي…

– اشتريت شالاً… وكان هذه المرة أسود، لا أعرف لماذا

اخترت هذا اللون ولكن قدرت أن جدتي وهي تنتظر خالي، لا بد وأن تكون قد كبرت كثيراً، وأن اللون الأسود يليق لها أكثر من أي لون آخر.

سألت أمي عن جدتي… فلم تجب… حاولت أن تهرب من السؤال. سألتها مرة أخرى ولكن لم أتلق جواباً… وكنت وأنا أسافر إلى البلدة في اليوم التالي، متأكداً أن كل شيء قد انتهى…

لقد كان صمت أمي، جواباً قاطعاً حاداً، أكثر من أية كلمات… ولكن لا أعرف لماذا تركتني أمي أسافر…

كانت البلدة ما تزال تربض بين الجبال… كانت الأشجار مورقة خضراء، الجو جاف، خشن، وأقرب إلى الحرارة، لكن ماء النهر وأنا أعبر الجسر كان يتدفق بعنفوان أخرس…

توقفت على الجسر، وثارت في رأسي أسئلة كثيرة: هل عاد خالي؟ وجدتي ألا تزال حية أم ماتت منذ وقت طويل…؟ وأنا هل كبرت أم لا أزال صغيراً؟ ومر الماء تحت الجسر متدفقاً غزيراً…

وعندما اجتزت الزقاق بسرعة، واقتربت من بيت جدي… وجدت الباب مفتوحاً… اشتدت دقات قلبي وانتابني شعور أن جدتي تقف عند الباب وإذا لم تكن هناك فلا بد أنها تنتظر في الغرفة الوسطى… سوف تقف بأرجلها الثلاث، سوف تهجم علي، سأشم في صدرها وثيابها رائحة الطفولة والأشجار الخضراء، رائحة الأرض…

اجتزت الباب، درت على الغرف، وجدت غرفة خالي على حالها، بنظافتها وصورها، ولكن شيئاً واحداً أثارني وخلق في حزناً لا أعرف له تفسيراً… كان الغبار على الفراش والطاولة…

وقبل أن أنتهي من جولتي جاءت أكثر من امرأة من جارات جدتي… ومن خلال العيون التي سبقت الكلمات، أحسست أن كل شيء قد انتهى.

لما غادرت البلدة… بدت لي الأشياء منفرة غريبة. الأشجار والأزقة والنهر الصغير…

وفي نهاية الزقاق توقفت ونظرت إلى الخلف… كان الباب لا يزال مفتوحاً، كأنه ينتظر قدوم أحدٍ!

    arrow2right arrow2right Stories that go together :

    If you enjoyed this story, here are few more we think are an excellent pairing

    The Short Story Project © | Ilamor LTD 2017

    Lovingly crafted by Oddity&Rfesty