the short story project

search

1

وَهْوَ عَائِدٌ مِنَ المَدْرَسَةِ، اِعْتَرَضَهُ صَدِيقُهُ نَبِيلٌ.

كَانَ نَبِيلٌ يُمْسِكُ بِخَيْطٍ طَوِيلٍ يَصِلُهُ بِطَيَّارَتِهِ الوَرَقِيَّةِ وَهْوَ يَجْرِي مَعَ الرِّيحِ سَعِيدًا.

قَالَ نَبِيلٌ لِصَدِيقِهِ مُنِيرٍ، العَائِدِ لِتَوِّهِ مِنَ المَدْرَسَةِ: تَعَالَ وَشَارِكْنِي لُعْبَتِي!.

أَلْقَى مُنِيرٌ مِحْفَظَتَهُ جَانِبًا وَانْطَلَقَ مَعَ نَبِيلٍ يُسَابِقَانِ الرِّيحَ وَالطَّيَّارَةُ فَوْقَ رَأْسَيْهِمَا، فِي الجَوِّ، مُنْسَاقَةٌ مَعَ الرِّيحِ، لاَ يُعَرْقِلُ انْسِيَابَهَا شَيْءٌ.

قَالَ نَبِيلٌ: سَنُسَافِرُ الآنَ عَلَى مَتْنِ طَائِرَتِنَا إِلَى هُونُولُولُو.

صَاحَ مُنِيرٌ: هَيَّا إِلَى هُونُولُولُو!

ثُمَّ سَأَلَ مُنِيرٌ نَبِيلاً: لَكِنْ أَيْنَ تُوجَدُ هُونُولُولُو؟

هِيَ بِلاَدٌ بَعِيدَةٌ، رَدَّ نَبِيلٌ، تُوجَدُ حَيْثُ تُوجَدُ هَاوَاي.. هَيَّا إِلَى هَاوَاي!.

سَأَلَهُ مُنِيرٌ: وَأَيْنَ تُوجَدُ هَاوَاي؟

رَدَّ نَبِيلٌ وَهْوَ يُلاَحِقُ طَيَّارَتَهُ لاَهِثًا: هِيَ عَاصِمَةُ الأَنْوَاعِ المُهَدَّدَةِ بِالاِنْقِرَاضِ فِي العَالَمِ. هِيَ جَزِيرَةٌ عَلَى بُرْكَانٍ. هَكَذَا قَال لَنَا أُسْتَاذُ التَّارِيخُ وَالجُغْرَافِيَا. فِيهَا نَجِدُ الأَنَانَاسَ وَالمَوْزَ وَجَوْزَ الهِنْدِ وَقَصَبَ السُّكَّرِ.

صَاحَا مَعًا: هَيَّا إِلَى هَاوَايْ!

11

وَانْسَاقَا مَع الطَّيَّارَةِ غَيْرَ عَابِئَيْنِ بِشَيْءٍ، لاَ بِالزَّمَانِ وَلاَ بِالمَكَانِ.

حَتَّى وَجَدَا نَفْسَيْهِمَا، وَجْهَيْنِ لِوَجْهٍ، مَعَ وَحْشٍ، عَيْنَاهُ جَاحِظَتَانِ وَشَكْلُهُ غَرِيبٌ.

أَمْسَكَ الوَحْشُ بِذِرَاعِ كُلٍّ مِنْهُمَا.

أَطْلَقَ نَبِيلٌ وَمُنِيرٌ الطّيَّارَةَ كَيْ تَمْضِيَ، مَعَ الرِّيحِ، فِي حَالِ سَبِيلِهَا.

وَظَلاَّ يَرْتَعِدَانِ خَوْفًا.

سَأَلَهُمَا الوَحْشُ: مَاذَا تَفْعَلاَنِ هُنَا فِي أَرْضِ الأَغْوَالِ وَالأَهْوَالِ؟ هَذِهِ لأرْضُ لاَ يَدْخُلُهَا أَحَدٌ إِلاَّ بِإِذنِي.

تَوَسَّلاَ إلَيْهِ أَنْ يُخْلِيَ سَبِيلَهُمَا، قَائِلَيْنِ: سَاقَتْنَا الرِّيحُ إِلَى هُنَا.

لَنْ نَنْسَاقَ مَعَهَا، فِي المُسْتَقْبَلِ، أَبَدًا. هَذَا وَعْدٌ.

اِغْرَوْرَقَتْ عَيْنَا الوَحْشِ بِالدُّمُوعِ.

لَقَدْ فَقَدَ ٱبْنَهُ هَكَذَا. سَاقَتْهُ الرِّيحُ إِلَى الصَّحْرَاءِ

وَمِنْ يَوْمِهَا لَمْ يَعُدْ.

قَالَ الوَحْشُ: وَمِنْ يَوْمِهَا وَأنَا عَلَى هَذِهِ الحَالِ، وَحْدِي، فِي هَذِهِ الغَابَةِ، فِي انْتِظَارِ ابْنِي الغَائِبِ، حَتَّى تَغَيَّرَ شَكْلِي هَذَا، مِنْ كَائِنٍ آدَمِيٍّ إِلَى وَحْشٍ.

ثُمَّ أَرْدَفَ: سَأَعُودُ بِكُمَا الآنَ مِنْ حَيْثُ جِئْتُمَا.

لَوْ أَنَّ ابْنِي تَوَقَّفَ قَلِيلاً يَوْمَهَا لِيَنْظُرَ فِي أَيِّ اتِّجَاهٍ كَانَ يَسِيرُ لَمَا فَقَدْتُهُ.

لَكِنَّنِي، معَ ذَلِكَ، أَنَا عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّهُ سَيَعُودُ يَوْمًا.

 

1

ذات ليلة من ليالي الشتاء. جمعت سمكةٌ عجوز حولها في قاع البحر اثني عشر ألفاً من أبنائها وأحفادها وبدأت تقص عليهم الحكاية التالية:

كان يا ما كان. في قديم الزمان. كانت هناك سمكة سوداء صغيرة تعيش مع أمها في إحدى السواقي. وكانت تلك الساقية تنبع من صخور في الجبل وتجري في أعماق الوادي. وكان بيت السمكة الصغيرة وأمها يقع خلف صخرة سوداء تحت سقف من الطحالب. وكانت الاثنتان تنامان في الليل تحت ذلك السقف الطحلبي.

كانت السمكة الصغيرة تتمنى أن ترى ولو لمرة واحدة ضوء القمر ينسرب إلى داخل بيتها.

وكانت تلاحق أمها أينما سارت ليلاً أو نهاراً. وفي بعض الأحيان كانت السمكتان، الأم وصغيرتها، تنضمان إلى سرب الأسماك الأخرى فتنطلقان معها أينما صعد ذلك السرب ونزل.

كانت السمكة الصغيرة تلك نسيج وحدها لأن من بين عشرة آلاف بيضة من البيوض التي وضعتها أمها لم تفقس سوى بيضة واحدة سمكة سالمة.

مضت بضعة أيام والسمكة الصغيرة غارقة في التفكير. لم تكن تتحدث إلا قليلاً. بكثير من الكسل والتردد كانت تتحرك من هذه الجهة إلى تلك وتقضي معظم وقتها في تعقب أمها.

ظنت السمكة الأم أن ابنتها السمكة الصغيرة تعاني من مشكلة يمكن حلها سريعاً. لكن كانت للسمكة السوداء الصغيرة هموم أخرى.

وذات صباح باكر، وقبل أن تشرق الشمس، أيقظت السمكة الصغيرة أمها وسألتها قائلة:

ردت أمها الناعسة:

ردت السمكة الصغيرة:

ردت السمكة الأم:

ردت السمكة الصغيرة:

قالت الأم:

ردت السمكة السوداء الصغيرة:

ضحكت السمكة الأم وقالت:

أجابت السمكة السوداء الصغيرة:

قاطعتها أمها لتقول:

ردت السمكة السوداء الصغيرة:

حين انتهت السمكة الصغيرة من الكلام، ردت عليها الأم: “عزيزتي الصغيرة. وما علاقتك بهذه المواضيع الصعبة؟ الدنيا؟ عالم آخر؟ الدنيا هي حيث نعيش. والحياة هي هذه التي نملكها. هي وجودنا”.
في هذه الأثناء اقتربت سمكة كبيرة من البيت وقالت: أيتها الجارة. ما هذا الحديث بينك وبين صغيرتك؟ ألا تنوين التجول هذا اليوم؟

خرجت السمكة الأم من البيت حين سمعت صوت جارتها السمكة الكبيرة، وقالت: أي عصر هذا الذي نعيش فيه؟ يريد الصغار أن يعلموا أمهاتهم!

قالت السمكة الجارة: وكيف ذلك؟

قالت السمكة الأم: اسمعي إلى أين تريد هذه الفرخة أن تذهب؟ إنها تقول دائماً (أريد أن أرى ماذا يجري في الدنيا)! أي كلام طنان رنان هذا؟

أجابت الجارة: أيتها الصغيرة. يبدو أنك أصبحت عالمة وفيلسوفة وليس لنا خبر؟

ردت السمكة الصغيرة: يا سيدتي. لا أعلم على ماذا تطلقين صفة العالم أو الفيلسوف. أنا فقط سئمت التجول والدوران حول نفس المكان. لا أريد أن أستمر في هذا العمل المثير للضجر. لا أريد أن أكون سعيدة بجهلي. لا أريد أن أرى نفسي وقد كبرت في السن مثل الجميع لكنني باقية على الجهل كما الآن.

ردت السمكة الجارة: أوه. ما هذا الكلام؟

أردفت الأم: لم أتصوّر أن يكون لي ولد بهذا الشكل. لا أدري أي شرير يوسوس لابنتي اللطيفة بهذه الأفكار!
قالت السمكة الصغيرة. لا أحد يوسوس لي. أنا لي عقلي وفهمي الخاص. وكذلك لي عينان أرى بهما.
قالت السمكة الجارة للسمكة الأم: يا أختاه. هل تتذكرين تلك الحلزونة الملتوية؟
أجابت الأم: نعم. أنت على حق. كانت تلك الحلزونة تلاحق سمكتي الصغيرة كثيراً. يعلم الله ماذا سأفعل بها!

قالت السمكة الصغيرة: لا يا أمي. لقد كانت تلك الحلزونة صديقتي.

ردت الأم: صداقة بين سمكة وحلزونة؟ لم أسمع بهذا أبداً.

ردت الصغيرة: وأنا لم أسمع بأي عداوة بين الحلزون والسمك. لكنكم أردتم إغراق الحلزونة المسكينة.

قالت السمكة الجارة: اتركينا الآن من التحدث عن الماضي.

ردت السمكة الصغيرة: أنت بنفسك استحضرت الماضي في حديثك.

قالت الأم: كانت تستحق القتل. وهل نسيت ما كانت تقوله في كل مكان تذهب إليه؟

ردت السمكة الصغيرة: إذن اقتليني أنا أيضاً. لأنني أقول نفس ما كانت تقوله الحلزونة.

لماذا أوجع رؤوسكم بالتفاصيل؟ المهم أن جلبة النقاش جذبت الأسماك الأخرى أيضاً إلى بيت السمكة الصغيرة. انزعج الجميع من كلامها. قالت سمكة عجوز: هل تظنين أننا سنرحمك؟

بينما قالت سمكة أخرى: هذه السمكة بحاجة إلى أذن صغيرة لتسمع الكلام.

قالت الأم: ابتعدوا. لا تقتربوا من صغيرتي.

قالت إحدى السمكات: يا سيدتي. عندما لا تقومين بتربية صغيرتك فعليك أن تتوقعي العواقب.
بينما قالت السمكة الجارة: إنني أخجل من العيش بجواركم.
في حين قالت سمكة أخرى: دعونا نفعل بالسمكة الصغيرة ما فعلناه بالحلزونة قبل أن تسبب لنا المتاعب.

حين رأت صديقات السمكة السوداء الصغيرة أن السمكات الأخريات يردن القبض عليها، تحلقن حولها وأبعدنها عن ميدان المعركة.

ولولت السمكة الأم وضربت رأسها وصدرها قائلة: أواه. ماذا أفعل؟ يريدون أن يخطفوا مني صغيرتي. أي مصيبة هذه؟

ردت السمكة الصغيرة: أماه. لا تبكي علي. بل عليك البكاء على تلك السمكة العجوز.
صاحت سمكة من بعيد: أيتها القزمة إياك والإهانة.

قالت أخرى: لن أغفر لك عندما تندمين.
أردفت ثالثة: هذا من جنون الشباب.

أعقبت سمكة رابعة: ما الخطأ في الموضوع؟

رددت خامسة: ما من عالم آخر غير الذي نعيشه هنا. عودي إلى رشدك.

قالت سادسة: إن عدت إلى رشدك فسيتأكد لدينا أنك سمكة عاقلة وتفهمين الأمور.

رددت سمكة سابعة: انتظري. لقد تعودنا على أن تكوني قريبة منا.
تضرعت إليها أمها السمكة وقالت: ارحميني يا صغيرتي. لا تذهبي. لا تذهبي أرجوك.

لم تتفوه السمكة الصغيرة ولو بحرف واحد.

رافقتها حتى أحد الشلالات سمكات في مثل عمرها ثم عدن من هناك.

خاطبت السمكة الصغيرة رفيقاتها حين هممن بمغادرتها  قائلة: يا صديقاتي. سنلتقي بكل تأكيد. لا تنسوني.

قالت رفيقاتها: وكيف ننساك؟ لقد أيقظتنا من نومنا العميق. لقد فتحت أعيننا على أشياء لم تخطر على بالنا من قبل. إلى اللقاء أيتها الصديقة الشجاعة الذكية.
تركت السمكة الصغيرةُ الشلالَ ونزلت حتى سقطت في غدير كثير المياه.

في بداية الأمر فقدت السيطرة على زعانفها. ثم ما لبثت أن بدأت بالتجوال والسباحة داخل الغدير.لم تكن السمكة الصغيرة قد رأت مياهاً متجمعة بكثرة في مكان واحد مثل ذلك المكان من قبل.

كان ثمة آلاف الشراغيف تسبح في الماء. وما إن رأين السمكة السوداء الصغيرة حتى أصبحن يضحكن عليها ويسألنها: أية مخلوقة مضحكة! أخبرينا أية مخلوقة أنت؟

أمعنت السمكة الصغيرة النظر في تلك الشراغيف وقالت: أرجو ألا تسخرن مني. أنا اسمي السمكة السوداء الصغيرة. فما هي أسماءكن؟ أخبرنني عنها لأتعرف إليكن. قأأ

الت شرغوفة: نحن نسمي أنفسنا الشراغيف.

أردفت شرغوفة أخرى: نحن من أصل عريق.

قالت أخرى: ليس هناك في الدنيا أجمل منا.
رددت شرغوفة أخرى: لسنا مثلك بشعات المنظر وسيئات الهيئة.
أجابتهن السمكة السوداء: لم أتصور أنكن على هذا القدر من الاعتداد بالنفس والتكبر. لكن سأسامحكن. فهذا الكلام لا يصدر عنكن إلا بسبب الجهل.

ردت الشراغيف بصوت واحد: هل تعنين أننا جاهلات؟

قالت السمكة الصغيرة: لو لم تكنَّ جاهلات لعلمتنَّ أن في الدنيا كائنات كثيرة غيركن. أما أنتن فحتى أسماؤكن مقتبسة.
انزعجت الشراغيف كثيراً. لكنهن حين رأين أن السمكة الصغيرة على حق، جئنها من باب آخر وقلن لها:
– نحن نتجول في هذا العالم من الصباح وحتى المساء. لكننا لا نرى أحداً سوى أنفسنا، وسوى آبائنا وأمهاتنا. الديدان الصغيرة لا اعتبار لها بطبيعة الحال.

ردت السمكة الصغيرة: أنتن لا تستطعن الخروج من هذا الغدير. فكيف تتحدثن عن الدنيا كلها؟
ردت الشراغيف: وهل هناك عالم سوى الغدير التي نعيش فيها؟ قالت السمكة الصغيرة:

هل فكرتن في مصدر مياه هذا الغدير؟ هل فكرتن في الكائنات الموجودة خارجاً؟

سألت الشراغيف: خارج الغدير؟ وهل هناك شيء خارجه؟ نحن لم نر شيئاً من هذا القبيل. هاهاها.. لقد جننتِ بالتأكيد.

ضحكت السمكة السوداء الصغيرة أيضاً. ثم قالت لنفسها أن من الأفضل أن أترك الشراغيف هنا وأذهب لحال سبيلي. ثم فكرت أنها يجب أن تتكلم مع أم تلك الشراغيف قليلاً، فخاطبتها: أين هي أمكم الآن؟

فجأة ارتفع نقيق مزعج من إحدى الضفادع فجفلت السمكة الصغيرة.
كانت هناك ضفدعة جالسة فوق صخرة على ضفة الغدير. قفزت الضفدعة إلى الماء وجاءت حتى وقفت قرب السمكة الصغيرة وقالت: أنا هنا. تفضلي. ماذا تريدين؟

قالت السمكة الصغيرة. مرحباً أيتها السيدة العظيمة.
ردت الضفدعة: أيتها المخلوقة التافهة. هذا ليس وقتاً للتباهي والافتخار. ولا تغتري لأنك وجدتِ مخلوقات صغيرة تستمع إلى ادعاءاتك. أنا عشت عمراً طويلاً يكفيني لأعلم أن ليس هناك عالم غير هذا الغدير. الأفضل لك أن تذهبي إلى عملك ولا تفسدي أفكار أولادي.

ردت السمكة الصغيرة قائلة:. حتى لو عمرت مئة عمر مثل عمرك فما أنت إلا ضفدعة جاهلة ومسكينة.

انزعجت الضفدعة من كلام السمكة السوداء الصغيرة وقفزت نحوها بعصبية. هنا استدارت السمكة الصغيرة استدارة خاطفة وهربت كالبرق مثيرة وحل القاع وديدانه.
كان الوادي كثير الانحناءات والالتواءات. أما تيار الماء فكان يتدفق بشدة ويتوسع. ولو نظر المرء إلى الوادي من قمة الجبل لرآه مثل خيط أبيض نحيل.

في مكان ما، كانت صخرة كبيرة قد سقطت من الجبل وهوت في الوادي لتفصل الوادي والساقية إلى قسمين. كانت هناك سحلية بحجم الكف قد ألصقت بطنها بالصخرة. وكانت تستمتع بحرارة الشمس وتمعن النظر في سلطعون كبير الحجم في القاع الرملي حيث يقل عمق الماء. كان السلطعون مشغولاً بافتراس ضفدعة اصطادها للتو.

وقعت عين السمكة الصغيرة السوداء فجأة على السلطعون وانتابها الخوف. سلمت عليه من بعيد. نظر السلطعون إليها بزاوية عينه ثم خاطبها قائلاً:

يا لك من سمكة مؤدبة. تعالي أيتها الصغيرة. اقتربي.

ردت السمكة الصغيرة: أنا ذاهبة لأستكشف الدنيا ولا أريد أن أصبح فريسة لك أيها السلطعون المحترم.

رد السلطعون: لماذا أنت خائفة ومتشائمة إلى هذا الحد أيتها السمكة الصغيرة؟

أجابت السمكة: أنا لست متشائمة ولا خائفة. أنا فقط أتحدث عن كل ما تراه عيناي ويحدثني به عقلي.

قال السلطعون: حسناً. تفضلي وقولي لي ماذا رأت عيناك وماذا قال لك عقلك الذي تخيل أنني أريد افتراسك؟

قالت السمكة: لا تحاول أن تخدعني.
رد السلطعون: هل تقصدين الضفادع؟ أنت ما زلت طفلة صغيرة. إنني أحقد على الضفادع ولذلك أقوم باصطيادها. هل تعلمين أن الضفادع تعتقد أنها الوحيدة التي تعيش في هذا العالم وأنها سعيدة بهذا الاعتقاد؟

أما أنا فأريد أن أفهمها ما هو العالم الحقيقي. لذلك لا تخافي مني. اقتربي مني. تعالي.

قال السلطعون هذا الكلام ثم مشى صوب السمكة الصغيرة. كان يضحك وهو يمشي على جانبه مما جعل السمكة الصغيرة أيضاً تضحك وتقول: يا خائب! ها أنت لا تعرف المشي فكيف ستعرف حال الدنيا ومن يديرها؟ ثم اتخذت السمكة الصغيرة مسافة بينها وبين السلطعون. سرعان ما ظهرت ظلال على الماء وفجأة هوى السلطعون نحو رمل القاع بقوة وانغرز فيه.

ضحكت السحلية من منظر السلطعون حتى انزلقت وكادت أن تقع هي أيضاً في الماء. أما  السلطعون فلم يعد قادراً على الخروج من الماء. كان هناك قطيع من الماعز والأغنام قريباً من الغدير

نظرت السمكة الصغيرة فرأت راعياً صغيراً واقفاً على ضفة الغدير ينظر إليها وإلى السلطعون.
كان هناك قطيع من الماعز والأغنام يقترب من الغدير  لشرب الماء وارتفعت أصوات القطيع حتى ملأت الوادي.

انتظرت السمكة الصغيرة السوداء حتى انتهت الأغنام والماعز من الشرب وذهبت، حينها قالت للسحلية:
أيتها السحلية العزيزة. أنا السمكة الصغيرة السوداء وأريد أن أكتشف نهاية الساقية. أعتقد أنك مخلوق عاقل وفهيم ولذلك أود أن أطرح عليك سؤالاً.
ردت السحلية: اسألي ما تشائين.

قالت السمكة: لقد خوفوني طوال الطريق إلى هنا من الطيور التي تصطاد الأسماك ومن البجعات والأسماك المفترسة. أخبريني هل تعلمين شيئاً عن هذه الكائنات؟

ردت السحلية: لا توجد هنا أسماك مفترسة وطيور تصطاد الأسماك. أصلاً الأسماك المفترسة لا توجد إلا في البحر.  أما البجع فيمكن أن يتواجد في هذه الأماكن. احذري أن تراك إحدى البجعات فتلتقطك وتضعك في كيسها.

سألت السمكة الصغيرة: أي كيس؟
ردت السحلية: تملك البجعات أسفل مناقيرها ما يشبه الكيس ويمكن أن يمتلئ بكثير من الماء. تخوض البجعة في الماء وتفتح منقارها، وربما دخلت سمكة في المنقار واستقرت في الكيس دون أن تعلم ثم تدخل جوف البجعة وتصبح طعاماً لها. وحتى لو لم تكن البجعة جائعة فإنها تخزن الأسماك في ذلك الكيس لتتغذى عليها فيما بعد.

سألت السمكة: ألا يمكن للسمكة التي تدخل الكيس أن تخرج منه فيما بعد؟

ردت السحلية: لا أبداً. إلا إذا استطاعت السمكة تمزيق الكيس. سأمنحك خنجراً حتى تقومي بذلك لو التقطتك بجعةٌ ما.

وفي الحال دخلت السحلية شقاً في الصخرة ثم عادت ومعها خنجر حاد جداً.

أخذت السمكة الصغيرة الخنجر وقالت: عزيزتي السحلية! أنت كريمة وودودة جداً. لا أعرف كيف يجب أن أشكرك.
ردت السحلية: لا داعي لأن تشكريني يا عزيزتي. عندي كثير من الخناجر مثل هذا. أنا أجلس خلال أوقات فراغي لأصنع من الأعشاب السيفية خناجر وأعطيها للأسماك الذكية مثلك.
سألت السمكة: وهل مرت أسماك من هنا قبلي؟
أجابت السحلية. أسماك كثيرة مرت من هنا. وقد أصبحت الآن جماعة متماسكة تسبب كثيراً من المتاعب لصيادي السمك. سألت السمكة السوداء: اعذريني على ثرثرتي. واسمح لي بهذا السؤال الفضولي: كيف تسبب تلك الأسماكُ المتاعبَ للصياد؟
ردت السحلية: حين يلقي الصياد شبكته فإن الأسماك تتجمع وتدخل الشبكة معاً ثم تجرها وتأخذها معها صوب البحر.
وضعت السحلية أذنها على شق في الصخرة، أصغت قليلاً ثم قالت: أستأذنك الآن. لقد استيقظ صغاري.
ثم زحفت إلى داخل الشق.

اضطرت السمكة أن تواصل رحلتها. لكن الأسئلة التي شغل ذهنها واستمرت تطرحها على نفسها كانت: هل صحيح أن الساقية تصب في البحر؟ وهل صحيح أن هناك أسماكاً تقتل أبناء جنسها وتفترسها؟ وما سبب عداوة البجع لنا نحن الأسماك؟
استمرت السمكة الصغيرة في السباحة وهي تمعن التفكير. في كل مرحلة من مراحل الطريق كان ترى وتتعلم شيئاً جديداً. وبما أنها كانت تحب الشقلبة فقد رمت نفسها في مياه الشلال وصارت تسبح مرة أخرى حتى شعرت بدفء الشمس يلامس ظهرها.

في مكان ما كانت ثمة غزالة تشرب الماء بسرعة. سلمت السمكة الصغيرة عليها وسألتها:

أيتها الغزالة الجميلة. لماذا تستعجلين؟ ما الأمر؟
ردت الغزالة: لقد لاحقني أحد الصيادين. وأطلق علي النار. أصابني برصاصة. أنظري إنها هنا.

لم تجد السمكة الصغيرة أي أثر للرصاصة. لكنها عرفت أن الغزالة صادقة في كلامها بسبب مشيتها العرجاء.
في مكان ما كانت السلاحف تعرض درقاتها الصلبة لحرارة الشمس بينما ارتفعت في مكان آخر نقنقة طيور الحجل وهي تلف الوادي.
امتلأ الهواء برائحة عطر الأعشاب الجبلية واختلطت بالماء.

بعد الظهيرة، وصلت السمكة إلى مكان يتوسع فيه الوادي وتمر المياه من خلال دغل من الأشجار. هناك وجدت السمكة السوداء الصغيرة نفسها تسبح في مياه كثيرة فاستمتعت في الحقيقة كثيراً بذلك.

بعد قليل صادفت أسماكاً كثيرة. لم تكن السمكة السوداء الصغيرة منذ أن تركت أمها قد رأت أسماكاً.

تحلقت حولها بعض السمكات وقالت لها: يبدو أنك غريبة عن هذا المكان. أليس كذلك؟

ردت السمكة السوداء: نعم، أنا غريبة. أنا قادمة من مكان بعيد.

سألتها السمكات: وإلى أين تريدين الذهاب؟

ردت السمكة السوداء: سأذهب لأستكشف وأرى نهاية الساقية.

سألت السمكات المتحلقات: أي ساقية تقصدين؟
أجابت السمكة السوداء: الساقية نفسها التي نسبح فيها.
ردت السمكات: نحن نسمي هذا المكان نهراً.

لم تقل السمكة السوداء شيئاً. لكن إحدى السمكات من المجموعة قالت: هل تعرفين أن البجع يتربص بالأسماك في طريقك؟

ردت السمكة السوداء: نعم. أعرف هذا أيضاً.

قالت السمكات: ورغم ذلك تنوين الذهاب؟

ردت السمكة الصغيرة: نعم. أنا سأذهب في جميع الأحوال.

وسرعان ما انتشر هذا الخبر بين الأسماك: السمكة الصغيرة السوداء قادمة من مكان بعيد وتريد الذهاب حتى تكتشف نهاية النهر دون أن تخاف من البجعات! أسرَّت بضع سمكات فيما بينها نيتها بمصاحبة السمكة السوداء لكنها أخفت ذلك بسبب خوفها من الكبار. قالت تلك السمكات: لولا وجود البجع في الطريق لرافقناك في رحلتك. إننا نخاف أن تصطادنا البجعات في أكياسها.
كانت هناك قرية على ضفة النهر. وكانت نساء القرية وبناتها يغسلن الثياب في النهر. أصغت السمكة السوداء لبرهة من الزمن إلى صخب أولئك النسوة وشاهد الأطفال وهم يستحمون، ثم مضت في حال سبيلها. مضت السمكة ومضت ومضت حتى حلَّ الظلام فلجأت إلى صخرة ونامت تحتها.

استيقظت السمكة الصغيرة في منتصف الليل فرأت القمر في الماء وقد أضاء كل مكان.
كانت السمكة السوداء الصغيرة تحب القمر كثيراً. وكانت حين تراه في الماء في بعض الليالي تريد أن تخرج وتذهب إليه وتتحدث معه ببضع كلمات. لكن أمها كانت تستيقظ في كل مرة وتسحبها إلى بيتها وتأمرها بالنوم من جديد.
تقدمت السمكة الصغيرة صوب القمر وقالت له: مرحباً أيها القمر الجميل.

رد القمر: مرحباً أيتها السمكة السوداء الصغيرة. كيف وصلت إلى هذا المكان؟
قالت السمكة: أعمل جولة حول العالم.

قال القمر: العالم كبير جداً. وليس بإمكانك التجول في كل مكان منه.
ردت السمكة: سأذهب إلى الأمكنة التي أستطيع الوصول إليها.
قال القمر: كنت أود أن أبقى معك حتى الصباح. لكن غيمة سوداء كبيرة قادمة وستحجب نوري.
قالت السمكة: أيها القمر الجميل أنا أحب نورك كثيراً. وأتمنى أن يشع ويضيء علي دائماً.
قال القمر: أيتها السمكة العزيزة. في الحقيقة ليس هذا ضوئي أنا. الشمس تمنحنا النور وأنا أمنحها للأرض. لكن قولي لي هل سمعت أن البشر يريدون بعد سنوات أن يطيروا صوبي ويحطوا على سطحي؟

ردت السمكة: هذا غير ممكن.

قال القمر: إنه عمل صعب. لكن البشر يستطيعون ‌أن …

وقبل أن يكمل القمر حديثه وصلت الغيمة السوداء وحجبت وجهه فأظلم الليل من جديد وبقيت السمكة السوداء وحيدة هناك. حدقت السمكة لبضع دقائق، حائرة، في الظلام ثم سبحت إلى مكانها ونامت.

وفي الصباح الباكر نهضت السمكة السوداء الصغيرة من نومها فرأت بضع سمكات يتهامسن بالقرب منها. بقين هكذا إلى أن شعرن بأن السمكة السوداء الصغيرة استيقظت فقلن لها بصوت واحد: صباح الخير.
وسرعان ما عرفتهن السمكة الصغيرة فقالت لهن: صباح الخير. وأخيراً سلكتن مثلي هذا الطريق واتبعتنّني!
قالت سمكة من بين تلك المجموعة: صحيح. لكننا إلى الآن لم نتغلب على الخوف. نحن خائفات.
قالت سمكة أخرى: التفكير في البجعات حرمنا من الراحة.
ردت السمكة السوداء الصغيرة: أنتن تفكّرن كثيراً. ولكن دعونا نبدأ رحلتنا الآن وستشاهدن أن مخاوفنا كلها ستزول.
لكن فجأة رأت السمكات أن الماء ارتفع حتى أحاط بهن وأظلم المكان كله ولم يبقَ هناك منفذٌ للنجاة.

فهمت السمكة الصغيرة فوراً أنها والسمكات الأخريات وقعن في كيس بجعة من البجعات. قالت لرفيقاتها: يا صديقاتي! لقد وقعنا في كيس إحدى البجعات. ولكن لا بد لنا من طريقة للخروج من هذا المازق.

انخرطت السمكات الأخريات بالبكاء والعويل. قالت إحداهن: ليس هناك أمامنا مخرج من هذا المكان. أنت أيتها السمكة السوداء السبب في كل ما جرى لنا. لقد أغريتنا بالسير وراءك وحرفت بنا عن جادة الصواب.
قالت سمكة أخرى: الآن ستبدأ البجعة بابتلاعنا جميعاً وينتهي الأمر.

وفجأة ارتفع صدى قهقهة مخيفة في المياه. كانت البجعة تضحك. كانت تضحك وتقول: ياللأسماك التي قمت باصطيادها! هاهاهاهاها. في الحقيقة يحترق قلبي لأجلكن! لا يطاوعني قلبي على التهامكن أبداً. هاهاهاهاها..
بدأت السمكات بالترجي والتضرع قائلات: أيتها البجعة الموقرة! لقد سمعنا عنك وعن شهرتك منذ زمن بعيد. فإن تلطفت علينا وفتحت منقارك المبارك لكي نخرج من هنا فإننا سنبقى أبد الدهر ندعو لشخصك الكريم المبجل.
ردت البجعة: لا. لا أريد أن أبتلعكن الآن. عندي مؤونة كافية من السمك. أنظرن هناك إلى الأسفل..
كانت هناك سمكات مقطعة في عمق الكيس. فتضرعت السمكات مرة أخرى: أيتها البجعة الموقرة. نحن لم نفعل شيئاً. إننا بريئات. لكن هذه السمكة السوداء الصغيرة هي التي أضلتنا عن الطريق.
قالت السمكة الصغيرة: أيتها المذعورات! هل تعتقدن أن البجعة المحتالة مخلوق كريم سمحٌ حتى تتضرعن إليها هكذا؟
ردت عليها مجموعة السمكات: أنت أصلاً لا تفهمين ماذا تقولين. سترين الآن كيف أن البجعة المحترمة ستعفو عنا وتطلق سراحنا وتبتلعك أنت.
قالت البجعة: صحيح. سأطلق سراحكن ولكن بشرط.
ردت السمكات: تفضلي قولي شرطك. نفديك بأرواحنا.
قالت البجعة: اقتلن هذه السمكة الفضولية وستحصلن على حريتكن.
تنحَّتْ السمكة السوداء الصغيرة جانباً وقالت لمجموعة السمكات: لا تقبلن هذا الشرط. إن هذه البجعة المكَّارة تريد أن تؤلب بعضنا ضد بعض. أنا عندي خطة يتم بموجبها…
كانت السمكات الأخريات يفكرن فقط في إنقاذ أنفسهن ولم يشغل بالهن شيء آخر سوى ذلك فبدأن الهجوم على السمكة السوداء الصغيرة. تراجعت السمكة الصغيرة إلى زاوية من زوايا الكيس ثم قالت بهدوء: أيتها الرعديدات. أنتن هنا على كل حال ولا طريق أمامكن للهرب عبرها. ثم إنكن لا تملكن القوة الكافية للحاق بي.

قالت السمكات: يجب أن نقتلك. إننا نريد أن نتحرر من هنا.
ردت السمكة السوداء: لقد فقدتن العقل. حتى لو قتلتنني فلن تستطعن إيجاد طريق للنجاة. إياكن والوقوع في هذا الفخ.
قالت السمكات: أنت تقولين هذا الكلام فقط لكي تنقذي نفسك. نحن أصلاً لا نخطر على بالك.
قالت السمك: استمعن إلي جيداً وأنا سأخبركن بطريق للخلاص. سأتظاهر بالموت وأذهب لأندس بين السمكات الميتة. حينذاك سنرى إن كانت البجعة ستطلق سراحكن أم لا. وإن لم تقبلن بكلامي سأقتلكن جميعاً بهذا الخنجر أو سأمزق الكيس إرباً إرباً وأخرج بينما أنتن..

قاطعت سمكة من بين مجموعة السمكات كلام السمكة الصغيرة وصارت تصرخ: يكفي هذا! لا طاقة لي على تحمل حديثك هذا. إهي إهي إهي..

حين رأتها السمكة الصغيرة تبكي قالت: لماذا أتيتن بهذا الصغيرة الرقيقة الشاكية معكن؟

ثم سلَّت خنجرها وصارت تشهره في وجه مجموعة السمكات. اضطرت تلك السمكات إلى قبول اقتراح السمكة السوداء الصغيرة. تظاهرت السمكات بالتشاجر وافتعلت معركة قامت على إثرها السمكة السوداء بتمثيل دور السمكة الميتة. عندها صعدت السمكات وقلن للبجعة: أيتها البجعة المحترمة. لقد قتلنا السمكة المتطفلة.

ضحكت البجعة وقالت: لقد قمتن بعمل جيد. والآن سأقدم لكنَّ مكافأة على هذا العمل. سأقوم بابتلاعكن جميعاً وأنتن على قيد الحياة وهكذا ستستطعن عمل جولة في جوفي.
لم يكن أمام جماعة السمكات مجال آخر. مررن بسرعة البرق من بلعوم البجعة ووقعن في مصيبة كبيرة.
أما السمكة السوداء فقد سلت حنجرها من جديد وضربت الكيس ضربت واحدة فعملت فيه شقاً خرجت منه. صاحت البجعة من الألم وصارت تضرب الماء برأسها. لكنها لم تستطع اللحاق بالسمكة الصغيرة.
مضت السمكة الصغيرة. ثم مضت ومضت إلى أن بلغ الوقت منتصف النهار.

صار الجبل والوادي الآن خلف السمكة الصغيرة. وأصبح النهر يجري في سهل فسيح. من اليسار واليمين كانت فروع من أنهار صغيرة تصب فيه وتتحد معه في نهر واسع.

استمتعت السمكة السوداء بمنظر النهر الواسع وسرعان ما اكتشفت أن النهر عميق جداً. صارت تذهب يميناً وشمالاً وتغوص هنا وهناك دون أن تصل إلى أي مكان. كان الماء كثيراً لدرجة أن السمكة الصغيرة ضاعت فيه. سبحت في جميع الاتجاهات دون أن تصل إلى أي مكان.
فجأة شاهدت مخلوقاً كبيراً وطويلاً يتجه صوبها بسرعة خاطفة. كان ذلك المخلوق يحمل أمام فمه منشاراً مزدوجاً. قالت السمكة الصغيرة لنفسها: الآن سيقطعني سمك المنشار إلى قطع صغيرة. وبسرعة تنحت السمكة وأفسحت الطريق لذلك المخلوق ثم سبحت في الماء.

بعد برهة من الزمن غاصت السمكة مرة أخرى في الماء لترى قاع البحر. وفي الطريق إلى القاع صادفت سرباً من الأسماك. آلاف مؤلفة من الأسماك! سألت السمكة إحدى سمكات السرب: أيتها الرفيقة. أنا غريبة. أنا قادمة من مكان بعيد. قولي لي أين نحن الآن؟
صاحت تلك السمكة على رفيقاتها في السرب وقالت: أنظرن هنا! ها هي سمكة أخرى..

ثم التفتت إلى السمكة السوداء وقالت لها: أهلاً بك في البحر أيتها الرفيقة.

قالت سمكة أخرى من سرب السمكات: جميع السواقي والأنهار تصب في هذا المكان. وبلا شك فإن بعضها يمضي ويصب في المستنقعات أيضاً.

قالت لها سمكة أخرى: متى ما شئت فإن بإمكانك الانضمام إلى سربنا هذا.
فرحت السمكة السوداء الصغيرة لأنها وصلت أخيراً إلى البحر فقالت: الأفضل أن أقوم الآن وقبل كل شيء بجولة ثم أعود لأنضم إلى سربكنَّ. أتمنى أن أكون هذه المرة معكن حين تقمن بتقطيع شبكة صياد السمك.
ردت إحدى السمكات قائلة: ستتحقق أمنيتك قريباً جداً. اذهبي الآن وقومي بجولتك. ولكن حين تصبحين عند سطح الماء راقبي طائر البلشون. إنه شرس هذه الأيام ولا يحسب حساباً لأحد. وهو لا يكف عن إزعاجنا إلا بعد أن يصطاد لنفسه بضع سمكات.

في تلك اللحظة انفصلت السمكة السوداء عن سرب السمكات البحرية وذهبت تسبح متجولة هنا وهناك. بعد فترة وجيزة وصلت إلى سطح ماء البحر. كانت الشمس الدافئة تنشر نورها هناك. أحست السمكة الصغيرة السوداء بحرارة الشمس تلسع ظهرها فاستمتعت بذلك. صارت تسبح بهدوء واستمتاع عند سطح البحر وقالت لنفسها: يمكن أن أتعرض الآن للموت بكل سهولة. لكنني يجب ألا أعرّض نفسي للموت ما دمت قادرة على الحياة.
لكن إن حدث وصرت في يوم من الأيام، وهذا ما سيحصل، بمواجهة الموت فليس الأمر ذا أهمية. المهم هو كيف سيؤثر موتي أو ستؤثر حياتي على حياة الآخرين..
وبينما كانت السمكة السوداء الصغيرة غارقة في هذه التأملات جاء طائر بلشون فالتقطها وطار.

حاولت السمكة السوداء الإفلات من منقار الطائر الطويل فتحركت وضربت بزعانفها هنا وهناك لكنها لم تستطع أن تحرر نفسها.
كان طائر البلشون قد أحكم قبضته على السمكة بحيث كادت تموت بسبب ذلك. أصلاً كم من الوقت يمكن لسمكة صغيرة أن تعيش خارج الماء؟

فكرت السمكة في أن الطائر لو قام بابتلاعها فوراً فإن رطوبة جوفه والماء الذي في معدته قد تبقيانها على قيد الحياة لبضع دقائق. وهكذا خاطبت طائر البلشون: لماذا لا تبتلعني وأنا حية؟ إنني أنتمي إلى نوع من الأسماك التي تتحول إلى أجسام سامة بعد موتها.
لم يجبها طائر البلشون. قال في نفسه: أيتها المحتالة! أي عمل تنوين؟ هل تريدين أن أتكلم لتخرجي من بين منقاري؟
كانت قطعة من اليابسة تبدو من بعيد. ومع مرور الوقت كانت تقترب وتقترب. فكرت السمكة السوداء قائلة في نفسها: لو أوصلني الطائر إلى اليابسة فسينتهي أمري.
لذلك خاطبت طائر البشلون من جديد فقالت: إنني أعلم أنك تأخذني لتجعلني طعاماً لصغارك. لكن إلى أن نصل إلى اليابسة فإن جسمي كله سيتحول إلى قطعة من السم القاتل. لماذا لا تأخذك الرأفة بفراخك؟
فكر طائر البلشون في قرارة نفسه: الاحتياط واجب وعمل جيد. سألتهمك الآن ثم أصطاد لفراخي أسماكاً أخرى. لكن سنرى إن كان ما تقولين خطة ماكرة! لا. أنت لا تستطيعين القيام بأي شيء.
وبينما طائر البلشون مستغرق في هذه الأفكار إذ به يرى جسم السمكة السوداء متوقفاً عن الحركة. فقال لنفسه: هل يعني هذا أنها فارقت الحياة؟ الآن لا أستطيع أن آكلها أنا أيضاً. لقد ضيعت من يدي سمكة طرية لطيفة رغماً عني.
ثم نادى على السمكة السوداء: أيتها السمكة الصغيرة. هل ما زال فيك رمق من الحياة فأستطيع أن آكلك؟
ولكن بمجرد أن فتح طائر البلشون منقاره وحتى قبل أن يكمل كلامه سقطت السمكة السوداء صوب الأسفل.

أدرك طائر البلشون أنه تعرض للخداع فهوى خلف السمكة السوداء الصغيرة. لكن السمكة كانت تهوي بسرعة البرق. كانت السمكة تختنق في الهواء. ومن شدة شوقها إلى ماء البحر غابت عن الوعي. كانت تعرض فمها المتيبس لهواء البحر الرطب.

ولكن ما إن وصلت إلى الماء وصارت تتنفس من جديد حتى وصل طائر البلشون إليها كالبرق. هذه المرة اصطاد السمكة بسرعة خاطفة وابتلعها لدرجة أن السمكة السوداء لم تستوعب المصيبة التي وقعت على رأسها.
لقد شعرت فقط أن كل ما حولها رطب ومظلم. لا طريق ولا مهرب بينما يتناهى إلى سمعها صوت عويل وبكاء.
حين تعودت عيناها على الظلمة وصارت تتبين الأشياء رأت سمكة صغيرة جداً تجهش بالبكاء بلا توقف وتطلب أمها. اقتربت منها السمكة السوداء الصغيرة وقالت لها:

أيتها الصغيرة! عليك أن تفكري بطريق الخلاص. لماذا تبكين؟ ولماذا تطالبين بأمك؟
قالت السمكة الصغيرة جداً: وأنت؟ من أنت قولي لي؟ ألا ترين… ألا ترين… أنني.. أنني أموت؟ إهي إهي إهي.. أماه.  أنا.. لا أستطيع أن أذهب معك مرة أخرى لنقطع شبكة صياد السمك في البحر. إهي إهي..
قالت السمكة السوداء الصغيرة: كفاك بكاءً يا هذه. لقد جلبت العار لجميع الأسماك.

وحين توقفت السمكة الصغيرة جداً عن البكاء، خاطبتها السمكة السوداء قائلة: أنا عازمة على قتل طائر البلشون لأحرر باقي الأسماك. وقبل ذلك يجب أن أخرجك من هنا حتى لا تفسدي عملي.

ردت السمكة الصغيرة جداً: أنت نفسك مقبلة على الموت. فكيف ستقتلين طائر البلشون؟

أظهرت السمكة السوداء خنجرها وقالت:
هنا! من هذه الجهة سأشق بطنه. والآن أعيريني سمعك واستمعي لما سأقوله لك: سأذهب في هذا الاتجاه وذاك الاتجاه وأقوم بدغدغة الطائر. وحين يفتح فمه ليقهقه تقفزين من فمه وتذهبين.

سألت السمكة ألصغيرة جداً: وأنت؟ ماذا سيحدث لك؟

ردت السمكة السوداء: لا تشغلي بالك بي. لن أخرج من هنا قبل أن أقتل هذا الطائر اللعين.

وحالما أنهت السمكة السوداء الصغيرة كلامها بدأت بالتحرك في كل الاتجاهات وصارت تدغدغ بطن البلشون. كانت السمكة الصغيرة على أتم الاستعداد للهرب عند مدخل المعدة. في اللحظة التي بدأ عندها طائر البلشون يفتح منقاره ويقهقه قفزت السمكة الصغيرة جداً إلى الخارج وسقطت بعد قليل في الماء.
انتظرت السمكة الصغيرة جداً دون أن تسمع أي خبر عن السمكة السوداء. لكنها رأت فجأة كيف أن طائر البلشون صار يتلوى ثم يصرخ حتى بدأ أخيراً يخفق بجناحيه ورجليه معاً ويسقط في الماء. ثم بدأ يخفق بجناحيه وقدميه مرة أخرى إلى أن توقف عن الحركة.
لكن لم يظهر أي أثر للسمكة السوداء الصغيرة. وحتى الآن لا أحد يعلم شيئاً عن حالها.

أنهت السمكة العجوز قصتها وقالت لأبنائها وبناتها وأحفادها وحفيداتها الإثني عشر ألفاً: والآن يا صغاري حان وقت النوم. اذهبوا إلى النوم جميعاً.
سأل الأبناء والأحفاد: أيتها الجدة! أنت لم تخبرينا ماذا حصل للسمكة الصغيرة بعد ذلك؟
ردت السمكة العجوز: ليبق هذا وسنكمله في الليلة القادمة. الآن وقت النوم. تصبحون على خير.

قالت إحدى عشر ألفاً وتسعٌ وتسعون سمكةً “تصبحين على خير” ثم ذهبن إلى النوم. حتى السمكة العجوز أيضاً نامت. لكن سمكة حمراء صغيرة لم تستطع النوم بالرغم من محاولاتها الكثيرة.

بقيت من الليل وحتى الصباح تفكر في البحر.


 

3

أوقف أبو مصطفى عربته بمحاذاة الرصيف وربّت بيد كبيرة متشقّقة على رأس الحصان ثم قصد الدكان القريبة، وابتدأ يحمل على ظهره الاكياس الملآى بالحطب، وينقلها الى العربة. وكان الحصان حانقاً دونما سبب. وقد تبدد غضبه قليلا حين عثر على قطعة من قشور البطيخ، فَمَضى يقضمها بسكينة.

وتنبه فجأة الى أن ثمة ولدًا صغيرًا يقف على مقربة منه، ويرمقه مبتسمًا. فقال الحصان لنفسه: “أنا لا أعرفه وسأرفسه إذا دنا مني. سأرفسه رفسة قوية تكسر رأسه”.

وانتهى الحصان بعد حين من مضغ قشرة البطيخ، فانتابه الاسف لانتهائها، وراح يتطلع بغيظ الى الولد وهو يقول لنفسه: “سأرفسه”.

وكان أبو مصطفى في تلك اللحظات مازال منهمكاً في نقل أكياس الحطب ووضعها على سطح العربة٠ وأحس الحصان بالتعب، فقال لنفسه متذمراً: “العدالة مفقودة”.

وكان الحصان قد ولد في المدينة، وقضى حياته كلها في طرقاتها المفروشة بالأسفلت، ولم يغادرها مطلقا. وكان يعرف أن أجداده القدامى كانوا يمرحون طلقاء عبر البراري الشاسعة حيث لا أبنية فيها ولا جدران من حجر، ولكنهم ماتوا جميعاً.

وانحنى الولد، والتقط قشرة بطّيخ كانت بمنأى عن الحصان ثم اقترب على مهل، فَهمّ الحصان بالتراجع غير أنه تريث متشجعاً. ومد الولد قشرة البطيخ نحو فم الحصان. فتردد الحصان لحظةً خاطفة ثم تلقفها دهشًا، وطفق يمضغها بغبطة، وسمح للولد بأن يربت على عنقه بيد أنيسة صغيرة.

وأتمّ أبو مصطفى نقل أكياس الحطب الى العربة. وعندما لاحظ وجود الولد قرب الحصان صاح به: “ابتعد يا قرد”.

ثم لوّح بالسوط، مطلقًا صيحةً آمرةً بالمسير، فاندفع حينئذ الحصان الى الامام، يجر العربة الثقيلة بتباطؤ.

وسارت العربة عبر طرقات عديدة، و بلغت بعد حين شارعًا عريضًا تنتصب الأبنية الحجرية على جانبيه ولم تكد العربة تتوغل حتى اعترض طريقها واحد من رجال الشّرطة، فَصَرخَ أبو مصطفى بالحصان بصوت ممطوط: “هش”.

قال الشرطي: “ألا تعرف أن مرور العربات ممنوع في هذا الشارع؟”. فقال أبو مصطفى: “أعرف”.

“ولماذا جئت اذن من هنا؟”

“الحصان.. أنظر.. الحصان تعبان جداً، واذا مررت في هذا الشارع فسأوفّر على الحصان مشيًا كثيرًا”.

فغمر الحصان حنان عارم. وقال الشرطي: “سَير العربات ممنوع في هذا الشارع. انه للسيارات وللناس الذين يسرون على أقدامهم فقط”.

قال أبو مصطفى: “أعرف”.

ولعق شفتيه بلسانه، وأردف قائلاً: “الحصان تعبان وسينقطع رزقي اذا هلك، و أموت جوعاً ويموت  أولادي.. لي أربعة أولاد”.

“ارجع. ولن أعاقبك لمخالفتك النّظام والقانون”.

“لي أربعة أولاد يأكلون حتى الحجر”.

وأطلق أبو مصطفى ضحكة قصيرة جافة وكأنّها مدية صغيرة شرسة، ثم أضاف قائلاً: “سأقول الصدق.. أنا لا أخاف على الأولاد إنّما أخاف على أمهم”.

 فقال الشرطي متسائلا بفضول: “ولماذا تخاف عليها؟”

وكانت الاشجار خضراء على جانِبَي الشّارع، وتمتدّ في الأعلى سماء رحبة زرقاء. وأجاب أبو مصطفى: “أخاف أن يأكل الأولاد أمهم إذا جاعوا. أسنانهم فظيعة”.

ومرّت سيارة تسير بسرعة كبيرة، فَنَفخ الشرطيّ في صفّارته، فَلَم تتوقف السيارة، واستطاع الشرطي أن يلمح رقم لوحتها قبل أن تنأى عن بَصَره، فسجّله على غلاف دفتره. والتفت الى أبي مصطفى محتقن الوجه غيظاً، وقال له: “هيا ارجع”.

“دعني أمرّ هذه المرة فقط”.

 فقال الشرطيّ بصرامة: “ألم تسمع ما قلت؟ ارجع”.

“مرّة واحدة فقط”.

“ارجع. القانون قانون ولا فائدة من التوسّل”.

“الحصان تعبان”.

“هيا ارجع”.

“الله يحفظك لأمّك”.

“الله لا يحفظني، أنا لم أخترع القانون. أنا أنفّذ أوامر صادرة إليّ، وأنت يجب أن تطيع هذه الاوامر”.

فلم يفه أبو مصطفى بكلمة إنما تخيل القانون مخلوقاً ضخماً له آلاف الأيدي: القانون يأمر الشّرطيّ فيطيع الشّرطيّ، ويأمر الشّرطيّ أبا مصطفى ويجب أن يطيع أبو مصطفى الأوامر.

ووقف أبو مصطفى مترددًا هنيهات، فصاح به الشّرطيّ: “ارجع. واذا لم ترجع حالا فستندم”. فاتجه أبو مصطفى نحو العربة، وكان غضب الحصان عندئذ قد بلغ الذروة، فجمع قوته كلها، واندفع جامحًا الى الامام، فبوغت الشرطي بالعربة المندفعة نحوه، وحاول أن يقفز الى الرصيف، فلم يتمكن، وصدمه الحصان، فسقط على الارض منطرحاً على ظهره، ووطأت صدره سنابك الحصان ثم مرت فوقه عجلات العربة وتخضبت بالدم الاحمر. ودهش الحصان حين رأى صاحبه لم يبتهج إنما امتلكه الذعر والوجوم ثم انطلق يركض هارباً. وبعد لحظة توافد الناس مهرولين، وتحلّقوا حول العربة، يتألق في عيونهم الخوف الممتزج بالشهوة الخفية، كأن الشرطي المسحوق ليس إلا جسد امرأة جميلة.

ولم يتفرق الناس الا عندما حضر رجال الشرطة، وبادروا الى اعتقال القاتل. وَكان القاضي عادلا، فسيق الحصان في فجر أحد الايام الى ساحة رئيسية خيل الى الحصان أنها ما تبقّى من البراري.

ووقف الحصان مبتهجاً لأنّه قبل وصوله الى الساحة قد اجتاز شوارع عريضة كان يُمنع من السير فيها من قبل، ولكن بهجته لم تدم طويلا اذ تدلى بعد حين مشنوقًا.

(من مجموعته القصصية “الرّعد”، 1970)

 

4

1

 منذ ثلاثين عامًا وتزيد. تعرّفتُ إليه وهو في الرابعة والعشرين، وكان تخرّج للتوّ من مدرسة السياقة في المدينة. في بطاقة هويته كتبوا إلى جانب المهنة: “سائق باص”، وكانت هذه كفيلة، إلى جانب صورته البراقة، بأن تدخلني إلى قفص الزوجية الذي بناه لي، في قريتنا الجميلة النائية.

كنتُ في أثناء الخطوبة أحلمُ ليلَ نهارَ بالرحلات وبالفُسح الجميلة والطويلة التي سنقضيها سويةً، ولم أفهم حتى اليوم ما قصدته أختي الكبرى في إحدى ليالي السمر الصيفية على سطح البيت، حين قالت لي بدلع وحياءٍ مكظومٍ وصوتٍ مكتومٍ: “كرسي الباص الأخيرة طويلة، ولن تنسي طعمتها”.

قبل الزفاف بيومين، حين تجمعت كل صديقاتي في القرية لليلة الحناء، أخذنَ جميعهنّ بالتندر على شكلي وأنا جالسة في الكرسيّ الأول من وراء زوجي، وهو يصطحبني في رحل ونزهات كُنّ جميعهنّ يحلُمن بها. إحداهنّ حلُمت بالذهاب إلى القدس، والأخرى إلى يافا والثالثة قالت بتأكيد غريب: “بانياس أجمل الأماكن في العالم! دعيه يأخذك إلى البانياس”.

لم نفهم وقتها تأكيدَها القاطعَ هذا وسألناها عمّا إذا كانت ذهبت إلى البانياس، فأجابت بأنّ أخاها كان هناك قبل سنة وقال إنها أجمل الأماكن في العالم. وضحكنا حتى دمعت أعيننا… ثم قالت أختي الصغرى بحسد واضح وافقها الجميع عليه: “أنتِ ونحن نسمع بالأماكن والرحلات، بينما ستكون أختي هي الوحيدة التي سترى هذه الأماكن بحق وحقيقة”.

وتنهّدتُ بفرحٍ وخوفٍ كبيريْن.

2

أستيقظ في كلِّ صباح في الخامسة فجرًا. أطبخ لنفسي غلاية صغيرة من القهوة السوداء الحلوة وأستقبل الشمس القادمة من رحلتها وهي حمراء ناضجة نضوج التين “الحمّاري” في كرم والدي المرحوم. أشربُ قهوتي بصمت ولا أضايق الشمس الآتية من رحلتها اليومية. لا شكّ في أنها مرهقة جدًا الآن، ولا تنقصها ثرثارة مثلي لتروي لها عن حياتها مع زوجها سائق الباص. أشربُ القهوةَ وأحلمُ برحلات الشمس اللانهائية، وأتمنى لنفسي واحدةً منها على الأقل.

في تلك الهنيهة الصباحية لوحدي، أكتشفتُ لوحدي، أنّ الشمس تزور عمليًا كل العالم في 24 ساعة، كلّ يوم! ما أقواها وما أجمل حياتها، هذه الشمس. تطوفُ كلَّ العالم لوحدها، ومن دون كلل أو ملل، تطوفُ ولا تتعبُ، تمامًا مثلما وعدتْني أمّي قبلَ أن يأتي أهل العريس ليأخذوني من بيت أهلي بساعة. ثم مالتْ عليّ قليلاً وقالت بتوسّلٍ لم أعتقد أنه سيبدرُ عنها يومًا: “إبقي اذكريني في رحلاتكم الجميلة”.

عندما يستيقظ زوجي تكون غلاية القهوة الثانية قد نزلت للتوِّ عن قرص النار. لا يُنظف أسنانه أبدًا ومع ذلك فإنها ناصعة وقوية مثل أسنان الحصان. أمي كانت تقول دومًا إنّ زوجي يأتي من عائلة كل رجالها مثل الخيل: أقوياء وأصحّاء وأسنانهم كبيرة وبيضاء. حتى إنّ أبي المرحوم لم يُخفِ حماسَه من أحفاده الذين سأنجبهم له، لأنهم “سيُولدون كالخيل، يرفعون الرأس إلى أعلى”.

ومع ذلك وددتُ لو ينظف أسنانه، خاصةً في الصباح، حين يهمّ بي أحيانًا، وأنا أيقظه، فيشدّني من يدي ويستلقي فوقي على السرير ولا يكترث بشيء. لا ينتظرني حتى لأستيقظ كما يجب، أو لأغسل وجهي. وما أن أستيقظ كما يجب حتى يكون قد انتهى من اللهاث السريع ذي الرائحة الكريهة، فينكفئ على الجانب الآخر ويسأل بهدوء: متى ستنهضين؟

ولكنني ربّيتُ أبنائي على تنظيف أسنانهم. لا أريد لأيٍّ منهم أن تتضايق منه زوجته في الصباح أو قبل النوم. على أبنائي أن يكونوا رجالا أصحاء وجميلين وحسّاسين لنسائهنّ. ولو كانت وُلدت لي ابنة -كما أملتُ دائمًا- لكنتُ صنعتُ منها أفضل امرأة في الدنيا. ولكنتُ بعثتُ بها إلى الجامعة وعادت إليّ طبيبة تطبّب لي عظامي المتفكّكة ومفاصلي التي بدأت تلتهب. طبيب القرية قال لي إنّ عليّ أن أريحَ جسدي وأن أتوقف عن القيام بأية مشاغل صعبة. الحمار. لا يكفي أن يذهب المرء إلى الجامعة ويصبح طبيبًا، عليه أن يكون ذكيًا أيضًا وفطينًا. ومن سيقوم بكلِّ مشاغل العائلة والبيت؟ هو؟ لو وُلدتْ لي ابنة وصارت طبيبة أفضلَ منه بألف مرة لكانت علّمته درسًا في الحياة يسوى كل المعدات الباردة التي يضعها على جسدي عندما أذهب إليه. يضعها ويطيلُ وضعَها ولا أتبرّم لسببٍ لا أعرفه.

3

خمسة أبناء وكُلهم رجال متعلمون مثل الورود الحمراء البراقة في لحظة صفاء نادرة. أنظر إليهم ولا أتحسّر إلا على المرات التي لم أقبّلهم فيها أكثرَ مما قبّلتهم، لا أتحسّر إلا على المرات التي كنتُ أعلم أنهم يقظون فيها يدرسون وأنا خالدة للنوم.

البكر مهندس والثاني معلم والثالث ممرض والرابع تاجر في سوق يسمونها البورصة والخامس يعمل في بنك القرية. ما زال أعزبَ “قريد العشّ”. الوحيد الذي لم يستقرّ في بيت له، ولكنني أتمنى بيني وبين نفسي أن يتأخرَ قليلا أكثرَ، كي يُؤنسَ وحدتي في العصريات الطويلة التي يكون فيها زوجي غائبًا، يسوقُ الباصَ آخذًا أربعين أو خمسين شخصًا في رحلة جميلة.

المرة الأولى التي ركبتُ فيها الباص كانت بعد الزواج بيوميْن. كان ما زال فرجي يؤلمني من ليلة الدخلة، وكنتُ كلما تذكرتُ اللحظة الأولى أهرعُ للتقيؤ في المرحاض، متعللة بأمٍر ما قد أكون أكلتُه في ليلةِ الزفاف. ولكنني كنتُ على الرغم من شعوري هذا أنتظر بلهفةٍ ركوبَ باص الشركة الذي يسُوقه زوجي وأن نمضي معًا في رحلات طويلة نلحق بها أثر الشمس الغائبة، فلا تغيبُ. في المرة الأولى ذهبنا في الباص إلى المدينة المجاورة وتعشيْنا سمكًا مشويًا. كان لذيذًا، واستغرقني أسبوع حتى علمتُ فيما بعد أنّ هذه “الرحلة” كانت شهر العسل الذي يتحدثون عنه.

لم آبه كثيرًا بشهر العسل القصير، فقد كنتُ متأكدة من أنّ شهورًا من هذا العسل آتية لا ريب فيها. بعد أربعة أيام عاد زوجي إلى العمل. ولمّا عاد، طلب مني أن أنظف الباص الذي ملأه الطلاب الملاعين بالمُسليّات والمُكسّرات والقيءِ. نظفتُه كما لو كان غرفةَ نومِنا. عادَ يلمع مثل البلّور وعاد فرجي يؤلمني في تلكَ الليلةِ تمامًا كما في الليلةِ الأولى. ولكنني لم أنبس بكلمةٍ؛ فغدًا سيأخذني إلى رحلةٍ جديدةٍ.

4

صارَ ينطلقُ في كلِّ صباح إلى عملِه، إلى رحلاتِه، ولا يعودُ إلا في المساء. وبعد أن يتعشى، آخذُ أدواتِ التنظيفِ وأصعدُ إلى الباصِ الطويلِ وأُعمِلُ فيه تنظيفًا، حتى يعودَ جديدًا كما خرجَ من الشركةِ. مع الوقتِ صرتُ خبيرةً بالنفايات التي أجمعها من الباص، وبواسطتها صرتُ أتكهّنُ بأعمار المسافرين وطباعِهم وأهدافِ رحلاتِهم. في مراتٍ كانَ يعودُ الباصُ نظيفًا إلا من بعضِ الأوراقِ البيضاءِ المكتوبةِ عليها كلماتٌ بلغةٍ لا أعرفُها؛ في مراتٍ أخرى كان يعود مليئًا بأغلفة المسليات والنقارش وعلب المشروبات الخفيفة الفارغة، وبعض القيء هنا وهناك.

ومع الوقت أيضًا لم أعدّ أحسّ بأية آلامٍ عندما يهمّ بي، كأنّ مصدر الألم انطفأ إلى الأبد، ففرحتُ لانطفائه ولم أزل.

عندما ولدتُ الأول، وعدني زوجي سائق الباص برحلةٍ خلابةٍ أستعيد فيها عافيتي وأعوّض على ولادتي العسيرة الأولى. ولكنه نسي، بعد أن توفت حماتي من ولادة البكر بثلاثة أيام، وأنا خجلتُ من أن أسألَه عن الرحلةِ الموعودةِ، لأنه صار يعودُ في أغلبِ الأحيانِ غاضبًا ومُزمجرًا ويبرطمُ بعباراتٍ فيها شتائم ومسبّات على صاحب الشركة وعلى زملائه وعلى ظروف العمل المهينة. عندما وُلد الثاني لم يقترح أية رحلة، وأنا لم أفاتحْه بالموضوع؛ فالولادة الثانية كانت سهلة نسبيًا للأولى، ولم أعتقد بيني وبين نفسي أنني أستحق رحلة في باص زوجي على ولادةٍ سهلةٍ.

بعد أن ولدتُ الثالثَ تيقنتُ نهائيًا من أنَّ الرحلةَ التي أنتظرُها لن تأتي أبدًا. كيف سنخرجُ في رحلةٍ جميلةٍ وطفلي رضيعٌ والطفلان الآخران يبكيان لأتفهِ الأسبابِ؟

كنتُ استقبل صديقاتي الفرحات العائدات من رحلاتهنّ مع أزواجهنّ إلى القدس ويافا وبانياس وأبتسم تأدبًا، وأنا أستمع إلى تفاصيل مثيرة وأخرى مملة لا يتعبنَ من تردادها، وأتجاهل الواحدة منهنّ حين تقول على حين غرة: “ألا تحديثننا عن رحلاتك في الباص الجميل”؟

ومن دون أن أدري تحوّلت علاقتي مع الباص إلى علاقةِ دلوٍ مليءٍ بالماءِ والصابونِ، ومكنسةٍ وبعض أقمشيةٍ باليةٍ. في كلِّ يومين أو ثلاثة أصعدُ إليه وأمسحُ بقايا القيءِ والأكياسِ التي خلّفها الصغارُ خلفَهم. صرتُ خبيرةً في أنواع الأكياس وألوانها وأسماء المسليات التي بها، وهكذا صرتُ أشتريها لأبنائي عندما يهمّون إلى رحلةٍ مدرسيةٍ. كنتُ أملأ حقائبَهم بأشهى المُسلّيات وأودّعُهم دامعةً وهم يركبونَ الباصَ في الرحلةِ المدرسيةِ التي لم يكونوا ينامون في الليلة التي تسبقها. كنتُ أسمع همسَهم في الليل وهم يتجاذبونَ أطرافَ الجّمَلِ حول المكان الذي سيذهبون إليه وحول زملائهم وما اشتروه وكيف أنني دائمًا أشتري لهم أفضلَ المسليات، إلا أنهم كانوا يُجمعون دائمًا على أنّ زوجي أفضلُ رجل في الدنيا لأنه يأخذهم في رحلات المدرسة ويحفظ لهم دائمًا المقعد الأخيرَ الطويلَ.

وكنتُ أتقلّب في سريري وأنظر إلى السقفِ المعتمِ وأتذكرُ أنّ خالتَهم أيضًا كانت من مُحبّي المقعدِ الطويلِ في الخلف، مع أنها هي الأخرى لم تُجرّبه في حياتها.

في كل صباح كانوا يخرجون إلى المدرسة في الباص الكبير، الذي عتق وصار مهترئًا، ويتركونني لوحدي على قارعةِ المدخلِ ألوّحُ بيدي وأستنشقُ رغمًا عني دخانَ “الديزل” الأسودِ الكريهِ.

عندما وُلد الرابعُ حصل زوجي على باص جديد من الشركة. كان منظرُه خلابًا ونظيفًا وجديدًا؛ كان يعبق براحةِ أغطيةِ الكراسي الجديدةِ وكدتُ لفرطِ اندهاشي أن أقعَ إلى الخلف عندما قال لي زوجي بفخرٍ إنّ به فيديو وتلفازًا! ولكنّ فرطَ الدهشة جعلني أيضًا أندفعُ إلى الخلف مُروَّعَةً فاندلق دلوُ الماءِ والصابونِ الذي أحضرتُه لتلميعِ الأرضيةِ اللماعةِ أصلاً، فتوسختِ الأرضُ بالماءِ ووسّخَ قسمٌ منه أرجلَ أبنائي الواقفين خلفي، فاندهشوا وتريّبوا! فلطمَني زوجي بيده على وجهِي، كما يفعلُ عادةً عندما يغضبُ، وصاحَ: يا بقرة! ألا يليقُ بكِ حتى باص جديد؟

لم يفعل أبنائي شيئًا، بل نكّسوا رؤوسهم وخرجوا بصمتٍ من الباص، تاركينني أمسحُ دموعِي وأمسحُ الماءَ عن أرضيةِ الباصِ بسرعةٍ وحرصٍ كبيريْن، كي يتركني بحال سبيلي، فالأولاد يروْن!

منذ تلك اللحظة صرتُ أكره هذا الباص الجديد. أنظفه رغمًا عني، وبكسل واضح. حتى إنني كنتُ “أنسى” في كثير من الأحيان أكياسًا صغيرة أو بقعة قيء أعرفُ أنّ رائحتها ستزكم أنفه في اليوم التالي. لم يكن يهمّني؛ لو كان يهتم بتنظيف أسنانه لاهتممتُ به أكثر!

5

بدأ الأبناءُ بتركِ البيتِ للدراسةِ وصرتُ أحترفُ الجلوسَ عصرًا عند مدخلِ البيتِ أنتظرُ شبحَ الباص الجديدِ. وقد أحسَنَ بِكري صُنعًا -وأيّما إحسانٍ- حين ركّب على سطح المنزل صحنًا كبيرًا مُدوّرًا قال إنه يزيد على القنوات في التلفاز أكثر من 100 محطة، فلم أصدّقه إلا حين أخذَ يقلّب بينها، وقامت قيامةُ الأبناءِ الآخرين وزوجي، كلٌ يريد أن يشاهد محطة بعينها، إلى أن صاحَ زوجي ونهرَ، ثم أخذ يقلّب حتى وصل محطةً كان فيها رجلان يصرخان على بعضهما البعض. بعد برهة قال “قريد العش”: “هذه محطة اسمها “الجزيرة”. “محطة أخبار”.

ولكنني لم أحبّ “الجزيرة” يومًا، فهم يصرخون على بعضهم البعض طيلة الوقت. كنتُ أحبُّ مشاهدةَ الأغاني وبرامج التطبيب بالأعشاب والمسلسلات العربية. لا أعرف حتى الآن كيف صمدتُ طيلة الوقتِ من دونِ هذه المسلسلات. وأكادُ أقسمُ بأنني أذكرُ حلقاتٍ كاملةً من مسلسل “مفيد الوحش” و”الجوارح” عن ظهر قلب؛ فما أن ينتهي بثّ حلقاتِ المسلسلِ على قناةٍ ما حتى تبدأ قناةٌ أخرى ببثها، لتعيد القناةُ الأولى ببثها من جديدٍ في الليل المتأخرِ، وقناة أخرى وأخرى وهكذا، حتى استغنيتُ عن أية صلة بما حولي وصرتُ أنا والصحن المدوّر الكبير أعزّ صديقيْن: أنا أؤنس وحدته في الصالة، وهو يأخذني في رحلات لم يكن ليحلم بها أيّ سائق باص.

كان كلما يطلّ زوجي من بعيد تعودُني ذكرى الألم القاتل إياه من ليلة الدخلة، فأهرع للتقيؤ خلف البيت. فيما بعد قال لي الطبيبُ إنّ عندي جرحٌ في المعدة وإنّ القيءَ الدائمَ الذي ينتابني سببُه موادّ التنظيف التي أستعملها، فنصحني باستبدالها، فاستبدلتُها. ولمّا لم يتوقف القيء قال يائسًا: المهم ألا تأكلي كثيرًا، فتتقيّئين أقلَّ. وهكذا صرتُ آكل قليلاً، وأتقيّأ قليلاً وأنحف كثيرًا، وصرتُ أسمح للطبيب بأن يطيلَ وضعَ أدواتِه على جسدي كيفما شاء، وأحيانًا كان يستغني عنها ويتحسس مواضع الألم بيديه، مرتعشًا حتى يهدأ.

6

عندما رأيتُ هذه القطعةَ المطاطيةَ الطويلةَ لم أفهم ما هي. كما أنني لم أتيقن من هذا السائل اللزج المحبوس بداخلها. كانت القطعة المطاطية ملقاة في نهاية الباص على الكرسي الأخير الطويل، نفس الكرسي الذي قالت لي أختي قبل دهر من السنين إنني لن أنسى طعمَه. عندما تعرفتُ على رائحة السائل اللزج لم أتمالك نفسي فتقيأتُ على الكرسي ووسخته شرّ توسيخ. ثم صرتُ بعد هذه الحادثة أفتعل النوم في تلك الصباحات التي يأتيني فيها من الخلف، فيبلغ مشتهاه وأنا “نائمة”- فأريحُ وأستريح!

7

أجلسُ في كل صباح لوحدي، في الخامسة صباحًا، وأسأل الشمس بصمت عن رحلتها الطويلة. أنظر إلى الباص الذي يقودُه زوجي في رحلاته الكثيرة وأودّ لو أسأله عن الأماكن التي زارَها وعن الناس الذين رقصُوا وغنّوا على مقاعدِهِ ليومٍ كاملٍ. حتى أبنائي الذين أحبُّهم أقلّوا من زياراتهم وهُم لاهون عني بزوجاتهم وأحفادي الذين أنتظرُهم بفارغ صبرٍ.

ومنذ أن وُلد أحفادي وكل أبنائي وزوجاتهم يغيبون في رحلات طويلة، لا يشبعون منها، وأنا أنتظرهم دائمًا ليعودوا إليّ بخِمار شتوي أو بقطعةِ قماش أخيّطها على ذوقي. أبنائي أشبه ما يكونون بالرحّالة، يحبّون الرحلاتِ أكثرَ من أيّ شيءٍ آخرَ. فهكذا علّمتُهم وهم صغار: لا تفوّتوا رحلةً في حيواتِكم، ولا تفوّتوا فرصةً للسّفر مهما حييتم. اسمعوا مني، فأنا أمّكم وأعرف أكثرَ منكم في الرحلات!

صرتُ أرحلُ كيفما أريدُ وأينما أريدُ، وأنا جالسةٌ في مقابل القنواتِ الكثيرةِ حتى صرتُ أكرهُ الرحلاتِ الحقيقيةَ والباصَ وزوجي، وصرتُ أقلِل من الخروج إلى الشرفةِ أو مبارحةِ مكاني في الصالة. بعد أن أنهكني المرضُ وداءُ المفاصل، موّل لي التأمين الوطني مساعِدةً تأتي لتعينَني على مهمّاتي الحياتيةِ ولترتبَ المنزلَ المُقفرَ. فـ “قريد العشّ” قرّرَ السكنَ في المدينة، حيث يسكن أخُوه الكبير، “ففرصُ العمل هناك أكثرَ”.

صرتُ أجلسُ ساعاتٍ وساعاتٍ، أسافرُ في أيةِ رحلةٍ أريدُ، وفي أيّ باص أختارُ، وعبرَ أيّ مسلسلٍ أرتئيه. ومع أنّ نظري خفّ كثيرًا وسمعي أكثرَ، إلا أنني ظللتُ قادرةً على التمييز بين الصُور والأحاديثِ وأطيافِ الأماكنِ التي أراها على الشاشة.

وهكذا سمعتُ صوتَه من الداخلِ يصيحُ: “إلحقيني، إلحقيني، عَم بموت!!” إلا أنني لم ألحقه ولم أفعلْ شيئًا. ماذا يريدُني أن أفعل؟ ثم إنّ نداءاته خفّتِ الآن، ثم توقفتْ تمامًا. أعتقد أنه نامَ الآن. فلينمْ، ماذا يريدُ مني أن أفعلَ؟ فلينتظرْ. فأنا الآن في رحلة وعليه أن ينتظر ريثما أعود.

1

كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، واتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

 لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلا ميّتا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له:

قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


*من المجموعة القصصيّة “الطلبيّة C345″، منشورات المتوسّط، ميلانو، 2018.

 

10

ما إن لمح صديقة القادم من الوطن في صالة الاستقبال في المطار، حتى بادره سائلاً إياه:

* هل أحضرت الأمانة؟

مد صديقه يده إلى حقيبة معلقة على كتفه ثم قال وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:

* لقد دوختني بمكالماتك وقولك: “أحضر لي حفنة تراب.” ألم يغترب أحد غيرك يا رجل؟!

ثم أخرج من حقيبته كيسا مليئا بالتراب.

نظر بوجه يخلو من أي مشاعر إلى صديقه الذي قدم لتوه من الوطن، تناول كيس التراب ثم توجه صامتاً إلى القطار.

بقي صامتاً في القطار أيضا، لم يكن يسمع قرقعة عجلات القطار على السكة ولا ضحكات مجموعة من الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزينة بالزمام أو فتيانا يتصايحون فرحا بنصر فريق كرة يؤيدونه. كان يمعن النظر إلى الكيس المليء بالتراب بين يديه.

كان الذين يمرون بقربه على عجل وينظرون إليه، يتخيلونه سكران أو نائما. حتى عندما طلب منه مفتش القطار تذكرة الركوب، أخرج تذكرته من جيبه ورفعها في وجه المفتش دون أن يرفع بصره عن كيس التراب، زم المفتش شفتيه وتغيرت ملامحه وهو يعيد تذكرته إلى يده التي كانت ما تزال معلقة في الهواء.

ثلاثة أعوام مرت وهو بعيد عن وطنه. وفي البلاد الجديدة التي لم تكن لتصبح وطنه صادف مصاعب شتى. قضى سنة بكاملها في سكن للاجئين، وسكن في السنتين الأخريين في منزل أشبه بالكوخ الحقير. لم تسنح له فرصة تعلم لغة البلاد التي وفد إليها، ولم يتمكن من عقد صداقة مع أحد ولم يستطع تأمين عمل يناسبه.

كانت الأيام تمر ثقيلة عليه في تلك المدينة التي لم تكن لتفتح أبوابها له. كان سيجن لو لم يمتلك الهاتف الجوال. ومع أن هاتفه لم يكن يرن إلا نادرا فقد كان يسليه، إذ كان يطلب أرقاما لا يعرف أصحابها ويسارع بالاعتذار قائلا: عفوا لقد أخطأت الرقم! كان يسمع مرات كثيرة أصواتا عنيفة غاضبة تقول: لا تخطئ مرة أخرى! لكنه لم يقلع عن تلك اللعبة لحاجته إلى سماع صوت آدمي والتحدث ولو لثوان قليلة.

كانت دائرة الخدمات الاجتماعية في البلدة تضغط عليه كثيرا ليعمل، لكنه وضع تعلم اللغة نصب عينيه هدفاً أساسياً، ولكن لم يكن هناك أحد ليساعده في تحقيق هدفه ذاك، إلى أن انخرط ذات يوم في البكاء عند موظف الخدمات الاجتماعية الذي يشبه كرة ذات عينين زرقاوين ولسان ألثغ! قال وهو يجهش بالبكاء:

* أرجوك امنحني فرصة تعلم اللغة قبل العمل!!

دخل دورة اللغة لمدة ثلاثة أشهر لم يتعلم خلالها سوى ” أنا فلان، من البلد الفلاني” وبضع جمل للمداولة اليومية.

انهمرت الرسائل القادمة من دائرة الخدمات الاجتماعية مرة أخرى على صندوق بريده البارد الصامت الذي لم يكن ليجد فيه سوى تلك الرسائل الرسمية الجافة الخالية من أي عاطفة!

اضطر لتوزيع الإعلانات، فكان يمشي لساعات في تلك الشوارع الموحشة مثل القبور ليوزع إعلانات للمطاعم والحلاقين وحتى بنات الهوى وكذلك جرائد الإعلانات التي توزع أيام السبت والأربعاء. اسودت أظافر قدميه حتى سقطت. كانت الكلاب في كثير من الصباحات تخيفه بعوائها إذ يقترب من أبواب المنازل ليدس الإعلانات في شقوقها. كان يحس بطعم المرارة في حلقه ثم يكمل مشواره.

ليست الكلاب وحدها، بل أصحاب الكلاب أيضا كانوا يزجرونه قائلين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إليه أو الرد على تحيته الصباحية:

* لا ترم هذه الأوساخ في صناديق بريدنا!!

ثم يستقلون سياراتهم ويمضون.

كان يطأطئ رأسه مضطراً وهو يبلع ريقه ثم يغادر صامتا إلى صندوق آخر.

* * *

توقف القطار في المحطة التي تسبق محطة بلدته، نزل بعض الركاب و صعد آخرون، كانت مجموعة الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزممة ما زلن يضحكن لكن قطيع مشجعي الفريق الذي ربح مباراته الأخيرة نزل من القطار وأفراده يرفعون علب البيرة في الهواء.

نظر إلى تلك الفتيات نظرة خاطفة، ثم عاد إلى التحديق في كيس التراب وشد عليه قبضته كمن يخاف اختطافه، وهدر القطار من جديد.

كان يشعر بالوحدة أنى ذهب. في القطارات، في المطاعم، في الاحتفالات التي يقيمها الناس في الشوارع، في المتاجر الكبرى. ما كان يجرؤ على النظر في وجوه الناس. كان يخشى أن يتحدث إليه أحدهم بتلك اللغة التي لا يتعلمها، فلا يرد على الناس ويتظاهر بأنه لا يسمع.

ولأنه لم يكن يتحدث بلغته أيضاً، فقد خاف من أن يصيبه الخرس وأصبح يتحدث إلى البسط والنوافذ، وإلى الغيوم والصلبان المنتصبة فوق أبراج الكنائس. حتى أنه بدأ يتحدث إلى المانيكانات التي تزين واجهات المحلات أيضاً.

عندما وصل إلى البيت، فتح الباب وهمس بصوت خفيض للتراب الصامت بين يديه في قعر الكيس:

* تفضل ادخل!

وما إن اجتاز العتبة حتى قال:

* اعذرني لأنني أتيت بك إلى هذه الغربة ولكن كان يجب عليك الحضور!!

توجه في بداية الأمر إلى غرفة نومه ووضع كيس التراب عند وسادته التي ينام عليها، لكنه استدرك قائلاً:

* لا. ليس هذا محلك!

دخل إلى الصالون ووضع الكيس هناك. لم يعجبه المكان وأخذته الحيرة فأخذ يتنقل به من زاوية إلى أخرى في شقته الصغيرة إلى أن استقر به المقام في الحمام، فسكب ما بداخل الكيس من تراب على الأرض الباردة الرطبة. ارتفعت كومة من التراب المتعب الجاف الصامت الذي شهد آثار خطواته آلاف المرات، على أرض الحمام. كاد يسمع أنين التراب إذ ينسكب ذرة ذرة على تلك الأرض الغريبة.

تضاعفت دقات قلبه واغرورقت عيناه بالدموع. نظر إلى كومة التراب ملياً ثم قال بصوت مرتجف:

* ها أنذا يا تراب وطني أشم منك رائحة الخراب.

سكب جرعات كبيرة من البيرة في جوفه ثم واصل التحدث قائلاً:

“مضت علي ثلاث سنوات وأنا بعيد عنك، اعذرني إن كنت نسيت اللغة التي كنت أحاورك بها. اعذرني إن خاطبتك في هذه الليلة الموحشة بعدم احترام. هل تذكر عندما حاصر البوليس منزلنا ثم اقتحموا غرفتي؟ أتذكر عندما حطموا قلمي وأحرقوا أوراقي التي سطرت عليها أشعارا تحكي حبي لك، أمام عيني وعينيك؟ أتذكر حينما صادروا كتبي ووضعوها مثل أرانب خائفة في أكياس قذرة؟ لقد قيدوا يدي أمام عينيك – إن كانت لك أعين – وأخرجوني وهم يركلونني ليرموني مثل كيس تبن في سيارة جيب لونها كان يحاكي لونك؟ لقد بقيت وقتها، أيها التراب، صامتا تلعق أحذية قوات الأمن دون أن تشعر بآلام معصمي المقيدين!! وعندما عدت بعد أسبوع في السيارة ذاتها، كنت أنظر من خلال زجاج النافذة إليك، كاد قلبي يتفطر وأنا أرى عجلات سيارة الأمن تزني بك!!

كنت أنت الشاهد الصامت للفجيعة حينما كانت أحذية المخابرات ترسم نقوشا متوحشة عليك وأنت في صمتك ونومك الترابي!!

هل تذكر حين طحن العشق قلبي ذات خريف؟

نعم، بدون شك ما زلت تذكر عندما كانت حبيبتي تحث الخطى كل ظهيرة فوقك لتأتي إلى غرفتي وتضع يديها على عيني المنتظرتين وهي تسأل ضاحكة: من أنا؟ كنت أتغابى فأتحسس بيدي يديها اللتين تشبهان حمامتين أليفتين ثم أرفع أصابعي إلى شفتيها المكتنزتين الدافئتين وأنزل بها إلى نهديها التفاحيين و فخذها اﻟ … وأقول: أنت جنية!!

كنا نتقلب كغمامتين ثائرتين تلهو بهما رياح مجنونة.

كانت حبيبتي تنسج بخطواتها كل ظهيرة بساط الأكاذيب، وكنت أنت على علم بالفخاخ التي تنصبها أمامي، لكنك لم تهمس ولو لمرة واحدة في أذني: حذار من أن تتعثر قدمك بالفخاخ! لم تقل لي ولو مرة واحدة: يا مجنون! لا تثق بالسراب، سيموت قلبك عطشا!! لم تقل لي: لتنته هذه اللعبة، قلبك يتعرض للطحن!!

كنا صديقين أيها التراب. كتبت فيك أروع الأشعار. كنت أشمك بكل ما في رئتي من قوة. كنت أبقي على غبارك الملتصق برموش عيني و ثيابي أسابيع و أياما ولا أنفضه عنها!!

كنت أقول: هذا غبار مقدس، غبار التراب، التراب الذي يغفو أمام باب الدار، التراب الذي يحتضن طفولتي المخنوقة وشبابي الضائع”.

احمرت عيناه رويدا رويدا، وأصبحت علب البيرة المرصوفة على رف المرآة تفرغ علبة إثر علبة، لكنه استمر في التحديق بكومة التراب المنسكبة على أرض الحمام العارية الصامتة وهو يقول:

“أصبحت تائها شريدا. حملت قلبي المحطم وطفت به في كل الأماكن دون أن أجد أحدا يلملم شظاياه. كنت تراني عشرات المرات في حيرتي – إن كانت لك أعين – لكنك كنت تبقى في صمتك الأزلي.

أما كان عليك أن تصبح أمام حزن خطواتي جنونا من غبار فتتطاير في سماء تلك المدينة المجرمة لتخبر الجميع بما يعانيه هذا القلب من آلام؟ أما كان عليك أن تخبرني بكل الفخاخ المنصوبة أمام قلبي؟ أنا الذي كنت أراك أما لي بل أكثر من أم؟

أحرقت منزلي وكتبي قهرا من حياتي البائسة وأوشكت على إحراق نفسي بينما كنت تنظر إلي صامتا، وربما كنت تقول في سرك وأنت تضحك: لقد جن الولد!!

كنت أرى معنى حياتي في حمايتك وحبك، وعندما أسمع كلمة سوء بحقك كنت أجن وأكاد أخفيك في عيني وأذود عنك بنور بصري. كنت مستعدا لبذل دمي فداء لك، ولكن أنت!! آآآآآه. بم أخبرك الليلة؟!

قل لي ما الذي فعلته لأجلي عندما ضاقت بي الأرض وسحقت طواحين الأمل قلبي لتجعله طحينا مشتعلا؟ ما الذي فعلته لأجلي عندما كنت تراني بائسا حزينا جائعا!! كنت أبكي لأجلك ولم أسمح حتى للريح بخطفك من أمام باب الدار، لم أذق للنوم طعما حتى أمنع لصوص التراب من نفيك إلى أرض المجهول!! قل لي – إن كان لك لسان – ما الذي فعلته لأجلي عندما هربت إلى هذه البلاد التي لا تصبح بلادي؟!

كنت تنظر إلي – إن كانت لك أعين – وتراني أروح وأجيء باحثا عن ذاتي التائهة، وعن حياة هادئة وحب صاف، لكنك لم تصبح وطنا لتلك الحياة ولا لذلك الحب!!

كنت تبقى صامتا، كما أنت الآن على هذه الأرض الباردة العارية وفي هذه الليلة الخرساء!! فلا تقل لي بعد: لم أتيت بي إلى هذه الغربة؟!

إنك أنت الذي دفعت بي إلى كل هذا الخراب، أنت من نفيتني. إنه ذنبك أيها التراب، ذنبك أنت. فلا تظنن أنني سأضعك بجانب رأسي على الوسادة لأشمك كل صباح وأقول: ياااه! تفوح من ذراتك رائحة الجنة!!

لا. لا أبداً. لكنني ﺴ…………. “

فجأة عمد إلى أزرار بنطاله وأخذ يحررها عن عراويها بسرعة، ثم بدأ يتبول على حفنة التراب المتكومة كأنين صامت على أرض الحمام الباردة الرطبة.

 

3

ليس هناك جسم جامد كالمفتاح يحمل المشاعر التي يحملها، فالبصمات التي تبقى عليه ولا يمحوها قانون التقادم هي رسم خفي لاحاسيس الناس الذين حملوا المفتاح واخترقوا عالمهم او خرجوا منه، كالرسم البياني على جهاز تخطيط القلب، يسجل الغضب والحزن والفرح والسكينة، فكيف يكون المفتاح حين يحمله شاعر غادر البيت حاملاً مفتاحه وديوان شعر وشحن على ظهر قارب في البحر أقلع به من حيفا إلى عكا، ثم الى بيروت وإلى.. وإلى..إلى أن التقينا في صوفيا.

في طفولتي لم يقل لي أحد شيئًا عن أبي سلمى.. لا في المدرسة ولا في البيت.. وحين كنّا صغارًا نحفظ الشعر ونتبارى فيه، كنا نبدأ المبارزة الشعرية بما أسميناه “المفتاح”، أي البيت الذي نفتتح به وكان:

أنشر على لهب القصيد        شكوى العبيد إلى العبيد

وكان يصّر على هذا المفتاح معلم اللغة العربية، لكنّه لم يقل لنا من هو قائله، والحقيقة أننا لم نسأل لأننا كنا نبحث عن أبيات ذات قافية صعبة، و”الدال” هو واحد منها، وأمّا معلم التاريخ الذي كان يستجيب إلى إلحاحنا لتمضية درس التاريخ الناشف بمبارزة شعرية فقد كان يصّر على مفتاح آخر، وهو:

ألعرب أشرف أمة               من شك في قولي كفر

ولا أعرف حتى اليوم من هو قائل هذا البيت، لكن معلم التاريخ لم يكمل السنة الدراسية، فقد افتقدناه يومًا وقيل لنا أنه يكتب الشعر وقد طُرد من المدرسة وسمعنا فيما بعد أنه غادر البلاد وصار يتنقل بين مصر وليبيا والاردن ولم يعد إلى وطنه، بل تركنا نسخر من أنفسنا ونحن نسأل:

هل حقًا، العرب أشرف أمة ؟

قد يعود الينا يومًا ويحكي عن العرب، مؤمنًا او كافرًا، ويعلم الله أنه بعد أن تعرف على حالة العرب في الخارج فسيأتينا معتذرًا ليس على كفره بل على يقينه في تلك الأيام.

أبو سلمى

بعد أن أنهيت المدرسة الثانوية في حيفا سمعت لأول مرة عن أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، ويحز في نفسي اليوم أنني كنت أمر يوميًا، ولأربع سنوات متتالية، قرب بيته ولا أعرف أن في ذلك البيت عاش وكتب “شاعرنا القوميّ”.

لم أعرف في ذلك الوقت ما معنى “الشاعر القوميّ” لأن معلمة اللغة العبرية، غرزت في رؤوسنا أن حايم نحمان بياليك هو شاعر قوميّ، ولا يجوز أن يكون هناك شاعر قوميّ لأمة إلا بياليك للأمة العبرية.

عندما كبرت صرت أسأل كطفل صغير:

لماذا لا يكون لنا شاعرنا القومي، مثلما أن لهم شاعرهم؟

وكم أردت أن يكون أبي ومعلم التاريخ شاعرًا كهذا.

إلتقيت أبا سلمى في صيف 1980، في صوفيا مدينة البلقان.

جاء ليلقي الشعر وذهبت لأدرس الشيوعية.

هناك تحدث عن حيفا، وإذا بها مدينة غير التي تعلمت فيها وأعرفها وأقضي معظم ساعات نهاري في غرفة صغيرة من غرف جريدة “الإتحاد” التي احتوت بين جدرانها على طاولة خشبية عريضة، هي طاولة أبي سلمى.

إحتفظنا نحن بطاولة مكتبه واحتفظ هو بمفتاح البيت.

كنا نتحدث إليه عبر طاولته وكان يتحدث إلينا عبر المفتاح.

مناجاة عشّاق لقمر لا يغيب، ولكنه بعيد، بعيد.

سأل عن شارع الملوك وساحة الحناطير وقال أن بيته في شارع البساتين، في حي الألمانية.

سأل:

هل تعرفون البيت؟

هل هناك أحد يحرسه؟

كان أبو سلمى يعاتبنا لأننا اكتفينا بطاولته ولم نحرس البيت، حتى أننا لم نعرفه، ولم نجرؤ على السؤال:

“لماذا ذهبت؟”

غجر

بين حيفا الأمس وحيفا اليوم درج من حجر.

ألماضي من تحت والحاضر من فوق.

بحرها يتراجع وقممها تفقد خضرتها يومًا بعد يوم.

أصبحت مدينة شاحبة مشحونة بدخان المصانع وزعيق البواخر في الميناء.

بكى وهو يحكي وبكينا نحن على بكائه.

“خرجت مع مفتاح وقصائدي.

وقعت قصائدي في البحر وظل المفتاح لأنني ربطته بخاصرتي..”

في طريقي اليه في فندق البلقان جلست على الارض امرأة غجرية وضعت في حضنها رضيعا والى جانبها وقف طفل في السابعة مادا يده للتسول. أردت أن أعطيه لكن مرافقتي البلغارية قالت:

“لا. انهم ليسوا بحاجة، فالدولة توفر لهم كل شيء وهم يرفضون هذه النعمة! الغجر يرفضون النعمة ويفضلون التسول! هذه هي حياتهم! لقد بنينا لهم المساكن وسلمناهم مفاتيح الشقق، فباعوا المفاتيح وتركوا البيوت فارغة وانتشروا في الشوارع.. يغنون ويرقصون ويتسولون..”

(شو هالحكي؟)

“لماذا تضحك يا رفيق؟”

– خذيني الى فندق البلقان واتركيني هناك مع الشيخ الغجري الفلسطيني!

إنه شاعرنا القومي؟ هل للغجر شاعر قومي؟

“لبلغاريا شاعرها!”

قالت الرفيقة نانا، وودعتني عند مدخل الفندق، ولما عانقت أبا سلمى لم يتسلل إلى أذني إلا شهقاته وطقطقة صرة المفاتيح التي حملتها موظفة جميلة وغابت في الردهات الطويلة.

تلة رضوان

رحلة البلقان كانت كالخرافات الموروثة، لا يحيكها سوى القضاء والقدر والمصادفات الجميلة، وفي صميمها إنسان تتقاذفه الأقدار، كهذا الشاعر العجوز الذي يحلم بالعودة إلى بيته ويصفه حجرًا حجرًا، ويسأل عن الدرج وعن غرفة “سعيد “وعن الحديقة ويعاتبنا لأننا لم نحرسها. وحين يبدأ رحلته يختار الأسطورة: “يُحكى عن راعٍ في تلة رضوان كان يغني لجواميسه ويعزف على الناي، أحب ابنة شيخ القبيلة وأحبته فبعث يطلب يدها.

غضب والدها على هذا الراعي “الوقح “الذي يجرؤ على مجرد التقدم اليه بطلب كهذا، فأمر بقطع أصابع يديه عقابًا له.. وكان هذا أقسى حكم ينزل على شاب ترقص أنامله الجواميس في المراعي.. في اليوم التالي رفضت الجواميس الخروج لأن الراعي لم يأتِ ولم يعزف.. وما كان من أهل القبيلة إلا أن قصوا أعواد القصب وركبوها في مكان الأصابع وعاد الراعي ليعزف على الناي فخرجت الجواميس إلى المراعي وتزوج ابنة الشيخ..

قال أبو سلمى أنه تأثر كثيرًا بهذه الحكاية وظلت ترافقه ومنها بدأ يكتب الشعر، كانت هي المفتاح للإلهام، مثلما كانت أصابع الراعي المقطعة المفتاح للموسيقى التي أطربت الجواميس، وهل هناك اقتحام لعالم روحانيّ أو ماديّ دون مفتاح؟

في عام النكبة فقدت عشرات ألوف المفاتيح، منها ما ظل في الأبواب المشرعة ومنها ما وقع على الطريق الوعرية أو في البحر، إذا لم يربط في الخاصرة، وها هم أصحابها ينتظرون أكثر من خمسين عامًا صابرين على فراقها مؤمنين “أن الصبر مفتاح الفرج” مستبدلين مفتاح البيت الحديدي بمفتاح الأمل الذي تبدد بعد أن قامت الجرافات وأخذت البيت والمفتاح.

ألبيت

مات أبو سلمى بعيدًا بعيدًا عن وطنه، بعد شهرين من لقائنا في البلقان.

مات في أمريكا ودفن في دمشق وترك المفتاح لابنه سعيد..

عدت إلى البيت في شارع البساتين، لأبحث عنه ولأسأله إن كان هو أيضًا يشتاق الى أهله مثلما يشتاق أهله له، وقد كنت أمّر يوميًا بجانبه ولا أراه، وربّما لأن معلمة المدنيات اليهودية قالت لنا: “العرب في حيفا هربوا خوفًا من البراميل التي دحرجناها في نزلة ستيلا مارس وعلى الدرج الذي يفصل بين حيفا من فوق وحيفا من تحت ففكروها طائرات ودبابات.. وتركوا بيوتهم وهربوا، ويقال ان امرأة حملت وسادة بدلا من ان تحمل رضيعها الذي نام في السرير.. وعندما دخلنا كان الطبيخ على النار.. “

عدت إلى حيفا بعد رحلة البلقان وذهبت إلى حنا نقارة، صديق أبي سلمى، وطلبت منه أن يأخذني إلى البيت.

وقع خطانا على السلم الخشبي لم يوقظ أهل البيت.

إنتظرنا أن يفتح أحد بابًا ويقول:تفضلوا!

كنا كمن يتحرك في كهف مهجور.

“هذه غرفة النوم”..

وضرب حنّا بكفه على جدار اهتز هزات خفيفة واختفى رجع الصدى، وفي عينيه علقت دمعتان.. أما السقوط على أرضية “الكوريدور” الخشبية وأما البقاء في عناق طويل مع الرموش الذابلة.

طرقنا على الباب.. لم يسمع صوت.

“ربما أنه مهجور”

طرقنا مرة اخرى.

“من هناك”؟

ردّت علينا امرأة كأننا أيقظناها من سبات عميق.

لم نعرف كيف نعرّف عن أنفسنا، ولو عرفنا لأثرنا خوفها في مدينة عندما يطرق غريب وصل بلا موعد على أبواب منازلها، فإما أن يكون حراميًا وإما أن يكون شرطيًا وكلاهما يثيران أشد أحاسيس الخوف.

“سلام عليك أيتها السيدة”

وجوم..

“هل تسكنين هنا منذ زمن بعيد؟ منذ عام1948؟”

عجوز في الستينات وقفت خلف بابها المشقوق وحدقت بنا حيرى ومرتبكة ونحن ألقينا بنظراتنا إلى باطن الغرفة.

“أسكن هنا منذ عام 1949”

أشار حنا إلى الغرفة الواسعة وقال، هذا هو الصالون.. كان يستقبلنا هنا.. وسألنا السيدة:

“هل تعرفين من كان يسكن الدار قبل مجيئك”؟

فأجابت السيدة:

“لا أعرف! عائلة بولونية.. قبلها سكنت عائلة ألمانية..”

قال حنا نقارة:

“هذا البيت لقريب لي توفّي قبل شهر.. نزح عنه قبل 32 عامًا..”

سألت السيدة:

“هل هو عربيّ؟”

إمرأة عجوز قدمت من رومانيا عندما كان صاحب هذا البيت يحمل المفتاح وقصائده ويركب قاربًا أبحر به بمحاذاة الشاطئ من حيفا، إلى عكا، إلى طرابلس..

“هل تعلمين أن صاحب هذا البيت هو شاعر فلسطيني كبير توفي قبل شهر؟ هل تعلمين أنه ظل يحتفظ بمفتاح البيت على أمل العودة؟”

حركت رأسها كأنها تقول: “مسكين هذا الشاعر!” ثم واصلت: “البيت قديم وقد طلبت من البلدية أن تعطيني بيتًا آخر، ولكن لا يوجد فلوس.. أسكن في غرفة واحدة، هنا مطبح وهنا حمام وهنا غرفة مسدودة بالباطون.. سدتها البلدية، إنها تدلف، جدرانها مشققة وشبابيكها محطمة..”

مد حنا يده وصافح السيدة العجوز. الدمعة التي تراخت على الرموش الذابلة انقسمت وتساقطت على خده. عدنا إلى السلم الخشبي، والكوريدور، وخرجنا من المدخل. هناك بيت فوزي بندر، كان وكيل شركة تأمين، وهذا بيت زكي التميمي، وهذا لحسين عبد الصمد، وهذا للدجاني وهذا للعنبتاوي، وهناك نصار الفرمشاني، وهذا بيت المحامي عيسى هزو.. هل حملوا مفاتيح بيوتهم التي بنيت من حجر وما زالت قائمة حتى اليوم؟

زنزانة

رهيبة صكصكة المفاتيح حين تجتمع وتتراقص على خاصرة راهب يمشي في دهليز إلى غرفة معتمة في الأديرة القديمة، أو حين تصطك في يد سجان تسمع وقع بسطاره عندما تكون منقبضا في زنزانة، وتعلو شيئا فشيئا إلى أن يتوقف، فتقف على رجليك لتصغي بترقب وتوتر إلى معركة حشر المفاتيح في الثقب الوحيد الذي يربطك بالعالم الخارجي، وعندما تسمع “طقة” وتتلوها أخرى اقوى منها تتنفس الصعداء لأن السجان يفتح الباب ويأمرك أن تخرج إلى أن يعيدك ثانية.

ليس بيني وبين المفاتيح علاقة عشق, وقد جاء مفتاح أبي سلمى ليحررني من حقد على المفاتيح كان اشتد في نفسي في ليلة من ليالي أيلول 1977.

في منتصف تلك الليلة حرقت كل سجائري، ولم يكن من عادتي أن لا أبقى سيجارة لقهوة الصباح، لكنني فعلتها في تلك الليلة، فتبين لي فيما بعد أن السيجارة في البيت كالحجاب يطرد “الوسواس الخناس” ويبعد الشياطين وأولاد الحرام وإلا كيف حدث أن في تلك الليلة وبعد أن أقفلت الباب واسترخيت على سريري وما كدت أغمض عيني حتى سمعت طرقا شديدا على الباب وهرجا ووقع خطى أيقظ طفليّ وزوجتي فقاموا مذعورين وأنا معهم، ولما فتحت الباب واذا بثلاثة رجال وأربعة وخمسة وعشرة تجمعوا في المدخل بلباس مدني وبوليسي وقال أولهم: “جئنا لنفتش البيت!”

وناولني ورقة لم أقرأها، ودخلوا بقوة وانتشروا في أركان البيت وفتشوا في المكتبة وفي الخزائن وفي الثلاجة وتحت الفراش، ووصل عددهم إلى أكثر من ثلاثين رجلاً ضاع بينهم طفلاي وهما يبكيان ولا يفهمان ما يدور في البيت. كان على طاولتي مفتاح كبير لبوابة قديمة ورثته عن جدي. حين كنت أتأمل فيه وأقرأه كان يعيدني إلى تلك الأيام وذلك الجيل وإلى الحالة الفلسطينية التي تجمعني بهذا الجيل المعذب، ويبدو أن ضابط العملية بذكائه المخابراتي الخارق أدرك عمق العلاقة بيني وبين هذا المفتاح فبدأ يحقق: “من أين لك هذا؟” وأمرني أن آخذه إلى البوابة الكبيرة، ولما أقنعته أن مثل هذه البوابات كان في زمن البيوت الحجرية الكبيرة التي هدمتها جرافاتهم، عندها سحبه بعصبية وقال: “سيكون شهادة ضدك”، وأمرني بأن أصعد الى السيارة واختفى المفتاح.

أمضيت ليلتين في زنزانة “الجلمة “ولم تكن المرة الأولى التيأعرف فيها السجن والزنزانة، ولكنها المرة الأولى التي شعرت فيها أن السيجارة تصبح في السجن وسيلة تعذيب. قلت للسجان: “أعطني سيجارة!” نظر إلي وابتسم ابتسامة خبيثة عبر الفتحة المربعة في وسط الباب وقال: “بعد قليل”، واصطكت مفاتيحه وغاب.. وكانت هذه “البعد قليل” ساعتين وأكثر عاد بعدها وفتح الطاقة وناولني سيجارة وقال: “نسيت علبة الكبريت, سأذهب لأحضرها بعد قليل”. وكانت “البعد قليل “الثانية أطول من سابقتها, وأدركت أن طقوس التعذيب قد بدأت… ولم أشعر بالانفراج إلا عندما كان السجان يفتح الباب ويقودني إلى غرفة التحقيق.

ثلاثة محققين كانوا هناك: طيب وشرير وبشع. ألطيب عرض علي سجائره والقهوة وكان مؤدبا وحاول اقناعي بأن أرتدع عن خطي السياسي المناهض للسلطة وعرض علي المال والوظيفة وحتى عضوية الكنيست. وفتح ملفا كبيرا وقال: “كل ما كتبته ونشرته وقلته محفوظ عندنا.. وهو مترجم حرفيا”.

قلت له: “أنا سعيد أن هناك من يهتم بما أكتب. وسعيد أكثر أن كتاباتي تترجم. حبذا لو تقومون بنشرها بلغتكم”.

أغاظه هذا الكلام “الصقع”, فهب من مكانه وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل عليّ الشرير وقال أنه يستطيع ان “يخرب بيتي” وأن “يجعل حياتي جحيما وأن الدولة التي انتصرت على مائتي مليون عربيّ لا تحسب حسابًا لواحد مثلي”.

قلت له: “أعرف أنكم اقوياء وأنا لا أتحدى دباباتكم”.

قال: “اذن ستظل مشاكسًا؟”

وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل البشع. شاب طويل وضخم ومفتول العضلات صار يبرم حولي ويلف ويدور وينظر إلي نظرات مرعبة, وقال: “من أنت؟ ماذا تساوي؟ أنت لا تساوي الرصاصة التي ستخترق دماغك. لا.. لن نخسر عليك رصاصة. نحن سنطلق سراحك. سنقول لك أنت حر, إذهب أينما شئت, وستركب سيارتك، وتسافر وفجأة تأتيك سيارة شحن كبيرة، سيمترلر،  وتدوس عليك كما يدوس الفيل على النملة، وبعدها ستركض زوجتك خلف شركة التأمين لتدفع التعويضات”

وتكررت هذه الجولة الثلاثية لمدة 48 ساعة. تعلمت منها درسا واحدا: أن لا أنام ليلة دون أن أترك سيجارة لقهوة الصباح.

أطل عليه..

وصرت أكره المفاتيح وصكصكتها. إلى أن كان ذلك اللقاء مع أبي سلمى في فندق البلقان في صوفيا. صار للمفتاح معنى آخر في حياتي. علمني مفتاحه أن ليلتي ويومي في سجن الجلمة كانت المفتاح إلى عالم من المواجهة ليس فيه تنازل ولا مساومة ولا التفاف على الحق.

“سنلتقي في حيفا”، قلت لأبي سلمى.

بعد شهرين رحل تاركا المفتاح وقد أُشبِعت قصائده الضائعة بملح البحر. بعد سنوات قليلة أَخلت العجوز الرومانية البيت، ربما انتقلت الى بيت آخر أو الى العالم الآخر. ظل البيت مهجورا لعدة سنوات أخرى. لم يقم أحد بزيارة البيت. مررت يوما من هناك، كانت الجرافات قد أنهت عملها، والبيت تحول الى ركام صارت الجرافات تحمله على شاحنة كبيرة وتطاير غبار كثير. لم يبقَ لبيتِ شاعرنا القومي أثر. هناك في حيفا، حي الألمانية ساحة كبيرة هي موقف سيارات أطل عليها من مكتبي في “معهد إميل توما”، فتأخذني بعيدا إلى فندق البلقان وإلى مفتاح على خاصرة شاعر لم يقدر على حماية قصائده فسقطت في البحر ولم نقدر على حماية بيته فمسحتها الجرافات.

0

ابنة بهمان، هي الملكة هوماي،

نالت حظّها من النّصر.

رغبَت عن توريث وَلَدها كرسي الحُكم.

فألقت به في النهر.

غاسلان انتشلا الولد،

الذي نشأ وكبر بقلب أسد.

سمّوه داراب، وللمعارك انجذب

وعن إيران بالروح والدم حارَب.

كان للملك بهمان ابن وابنة. اسم الابن ساسان، والابنة ايمها هوماي. كانت هوماي آيةً في الجمال، والذكاء والموهبة. حتى أنّ كلّ من رآها فاضَ قلبه فرحًا وحبًا. أحبّها بهمان أكثر من حبّه لأخيها. عندما اعتلّته علّة وأشرفَ على الموت، استدعى بهمان كبار رجال المملكة وأمرهم أن ترث هوماي العرش، وإذا ولدت ذكرًا وكبر- يرث تاجه وعرشه ويكون ملك الملوك. أثارت هذه الوصية حفيظة ساسان فغادر المملكة في فورة الغضب.

بعد وفاة الملك بهمان، تربّعت ابنته هومي على العرش إلى حين إتمامها أيام حملها. عندما أنجبت هوماي ولداً ذكرًا، كان عليها أن  تنقل الملكية إليه. لكنّ هوماي كانت ملكةً، وأيّ ملكة. أمدّت المقاتلين في جيشها بأجود الأسلحة، وكانت حاكمة عادلة وكريمة وطيّبة مع رعاياها. ازدهرت إيران وشعرت هوماي أن أيام تولّيها الحكم لم تنته بعد. إلى جانب ذلك، رغبت في الحكم والقيادة بشدّة، وحزّ في نفسها أن تتنازل عنهما. لذلك سلّمت الولد سراً لمرضعة، وكلما سأل أحدهم عنه، قالت إن المولود مات.

عندما بلغ عمر الطفل ثمانية أشهر، أمرت هوماي أحد النجّارين ببناء صندوق خشبيّ من شجرة فريدة تنمو في الجبال. وقد بطّنته بالحرير وطلته بالطين والزفت. ووضعت الرضيع على الحشية الرقيقة الناعمة وربطت حجارة ياقوت حول ذراعه، ونثرت حول مرقده الأحجار الكريمة والعملات الذهبية التي لا حصر لها، وغطّته ببطانية حريريّة ناعمة لتبقيه دافئًا، وعند منتصف الليل، بعد أن غطّ الطفل في نومه، سدّت هوماي  غطاء الصندوق وتركته في مياه نهر الفرات. أبحر الصندوق في النهر مثل سفينة يتبعه خادمان مخلصان وأمينان على السّر، كي يراقبا الصندوق وأين سيتوقف ومن سيعثر عليه وماذا سيفعل به.

عند طرف النهر، كان هناك منزل صغير عاش فيه غاسلٌ وزوجته. وُلد لهذين الزّوجين طفلٌ من مدّة وجيزة  لكنه توفي، وكانا الاثنان كسيرَين يعتصرهما الألم، وقضيا الأيام في البكاء.

في ذلك اليوم فجرًا، خرج الغاسل ليجلب الماء من النهر، فرأى صندوقًا يطفو فوق مياه النهر وقد أوقفه حجر استخدمه الغاسلون في تنظيف الملابس. انتشل الصندوق من النهر وفتحه وإذا به يفاجأ بالطفل نائمًا. بعد هنيهات من أثر المفاجأة عاد إلى رشده وأخذ الصندوق وعاد به إلى المنزل.

أحضر الغاسل الصندوق إلى المنزل، وفي يده ملابس رطبة. قالت زوجته في غضبٍ: “كيف سنعيد لزبائننا ملابس رطبة؟ من سيدفع لك لقاء هذا العمل؟ من أين سنأتي بخبزنا؟” ردّ عليها الغاسل: “لا حاجة لنا بأجر العمل بعد اليوم. جئت لك بماسة ومعها أحجار كريمة ثمينة لا حصر لها. سوف تضيء حياتك وتوسّع رزقنا.” فتح غطاء الصندوق ورأت الزوجة الرضيع النائم، جميلا ووديعًا كالبدر يشعّ بوهجٍ ملوكيّ. حول رأسه اللؤلؤ وعند قدميه العقيق وأحجار الزمرّد واليَشب، وعن شماله الدنانير، وعن يمينه أحجار الياقوت الأزرق والأحمر. فاض قلبها حبًا وسعادةً. وعلى الفور ضمّت الطفل إلى حضنها وأخذ تُرضعه.

بعد مضي ثلاثة أيام، حان الوقت ليمنحا الطفل اسمًا. بما أنّ “الماء” بالفارسيّة تعني آب، فقد أطلقا عليه اسم “داراب”، لأنهما انتشلاه من الماء.

بعد مدة من الزمن، قال الغاسل لزوجته: “سيءٌ هو حظّنا هنا، والجميع يعرفنا كغاسلين فقيرين. لقد تبدّل حظنا. والآن تعالي نغير مكاننا أيضًا، وننتقل إلى مدينة لا يعرفنا فيها أحد.” وانتقلا مع ابنهما داراب إلى مدينة أخرى، على بعد ستة فراسخ من المكان. ببعض الأحجار الكريمة والذهب اقتنيا منزلا فسيحًا من حوله بستانًا وأراض، وعاش الاثنان حياة يغمرها النعيم والسعادة. قالت المرأة لزوجها: “الآن وقد أصبحنا أثرياء، لا حاجة لك بالبحث عن عمل.” لكنّ الأب، الذي أحبّ مهنة غسل الملابس، أجابها: “كلّ عملٍ يحترم صاحبه!” وهكذا واصل الأب العمل وتوفير سبيل للعيش لعائلته، بينما اهتمت الأم بتربية الطفل ورعايته.

كانت نشأة داراب مثار إعجاب وقد تحوّل إلى فتى وسيم. بدا عليه أنّه فتى استثنائيّ. كان فتيًا ويشعّ منه مجد الملوك، وفي المصارعة هزم جميع أقرانه. في يومٍ استدعاه والده وقال له: “أنك في غنى عن البحث عن عمل. تعال أعلمك كيف تضرب الملابس في الحجر وتنظفها.” لكنّ داراب هرب إلى ركنٍ حيث بنى قوسًا ونشابًا من غصن وجده ومن حبل مرن، وخرج ليصطاد الطير. لم يرق للأب عمل الابن، لكنّ داراب لم يرغب قطّ في أن يصبح غاسلا. طلب من والده أن يجد له معلّمين يدرّسونه الكتب المقدّسة والفنون. تعلّم داراب القراءة والكتابة وكان بارعًا في ركوب الخيل، والرمي بالقوس والنشاب، وبفنون القتال والفنون الأخرى.

بعد مضيّ عدّة سنوات، وكان داراب ما زال بهيّ الطلعة، طويل القامة كثير المواهب، حضر إلى والده وقال له:” يا أبي! إنني في الظاهر ابنك، لكنّني لا أشبهك في شيء. قل لي أرجوك من أنا وما أصلي!”

قال له الأب: “الباحث عن أبيه، تجد سرّه عند أمّه.”

ذهب داراب إلى أمّه واستلّ سيفًا وقال: “ها أنا أسألك وأريد منك أن تجيبيني بصراحة: من أنا؟”

ذُهلت الأم ورَوَت له سيرته كما هي: “كنت طفلا معافىً وجميلا، لكننا لا نعلم شيئًا عن مولدك. في يومٍ، نزل والدك ليجلب الماء للغسل ووجدك تطفو فوق مياه النهر داخل صندوق على حشية حريريّة ومن حولك الأحجار الكريمة والعملات الذهبيّة، والياقوت مربوط إلى ذراعك- الياقوت الأحمر ذاته الذي تضعه حتى يومك هذا.”

سألها داراب: “هل بقي شيء من هذه الكنوز؟”

أجابت المرأة: “نعم”. ناولته الدنانير التي تبقت من الكنز واشترى داراب بها خيلا وسلاحًا وغادر لخدمة حارس الحدود في بلاده. راق داراب لحارس الحدود واهتمّ بترقيته وعيّنه في منصب كبير.

ثمّ أغارَ الرومان على إيران، تماما عند هذه النقطة الحدوديّة. قُتِلَ حارس الحدود في المعركة، وأرسل نائبه  للملكة هوماي إخطارًا بالأمر. عيّنت هوماي قائد جيشها رشنواد كي يحشد لها جيشًا ويخرج لمواجهة جيش روما، والتحقَ داراب بالمقاتلين.

قبل مواجهة روما، حضرت هوماي بجلالها في زيارة لجنودها. مرّ الجنود جنديًا جنديًا من أمامها وعندما جاء دور داراب انحبست أنفاسها عند رؤيتها له. فقد أسرها عنقه المنتصب، وقوّته وبهاؤه وجلال وجهه الملوكيّ. وفجأة، ودون نية أو سيطرة، صار صدرها ينزّ حليبا. سألت: “من أين هذا الفارس؟  يبدو بطلا حقيقيًا لا خوف يتملّكه، بقامته المنتصبة، وقوّته والمجد الساطع منه. لا بد أنه سليل ملوك وأبطال! لكن سلاحه لا يناسب مقامه وقدراته.” طلبت من رشنواد أن يزوّده بأجود الأسلحة.

واصلت التنقل والتعرّف إلى مقاتليها واحدًا واحدًا، واهتمّت بطلباتهم. اختارت يوما تسطع فيه نجوم إيران وأمرت رشنواد أن يشن هجومًا على روما في ذلك اليوم.

في يومٍ، وهم في طريقهم، كدرت السماء وهطل مطر غزير على الأرض. رعدت رعودٌ تصمّ الآذان وبروق تعمي العيون. أسرع كل الجنود إلى نصب خيام على الساحل وإيجاد ملاذ من المطر. لم تكن لداراب، الذي كان يمتطي الخيل لوحده، خيمة يهرب إليها. وجد خرابة متهافتة، وهناك، تحت  سقف آيل للسقوط، تمدد كي ينام على الأرض العارية الجافّة.

تجوّل رشنواد بين جنوده ليتفقد أحوالهم. فجأة، سمع صوت نشيد يأتي من إحدى الخرائب المجاورة.

يا سقفًا متهافتًا، اسمعني، ساعدني!

احم ملك إيران وصُنه.

لم يكن له ملجأ، فجاء إلى هنا.

ومن تحتك يمرّ ليله.

فكّر رشنواد: “هل أسمع كلامًا في رياحٍ تهب وفي رعودٍ تتدحرج؟” وفيما هو يفكّر، سمع النشيد ثانية:

أيها السقف الآيل للسقوط، اصغ إليّ رجاء:

لا تعمِ عينيك عن الحكمة!

فمن تحتك ابن الملك بهمان.

احمه من المطر، واستجب للدعاء.

هذه المرة كان رشنواد واثقًا من أن النشيد يأتي من الخرابة، وأصابته الدهشة لأنه لم ير إنسًا هناك.

أيها السقف الواهن، قف حارسًا!

صن من الأذى وقِ من المطر.

شدّ الأزر، استعد، احم ابن

بهمان شاه، ابن اسفنديار!

عندما تكرر النشيدُ ثلاثًا قرّر رشنواد أن يرى من في الخرابة ومن ينشد هناك. وجد الرسول جوادًا مبللا حتى عظامه وجنديا يرقد نائما على الأرض تحت سقف آيل للسقوط.

أخبر رشنواد بالأمر، وقد طلب الأخير إحضار داراب ولحظة خرج داراب من تحت السقف وامتطى جواده انهار السقف محدثًا صوتًا هائلا وانذهل الجميع. أوقدوا نارًا بمختلف العطور وشكروا الإله  أهورامزدا. سأل رشنواد داراب عن اسمه وأصله لكن داراب لم يعرف شيئًا عنها سوى ما سمعه من الغاسل وزوجته: ” نزل والدي ليجلب الماء للغسيل ووجدني أطفو فوق مياه النهر داخل صندوق على حشية حريريّة ومن حولي الأحجار الكريمة والعملات الذهبيّة، والياقوت مربوط إلى ذراعي- الياقوت الأحمر ذاته الذي أضعه حتى يومي هذا.. ها هو، هو آخر ما تبقى لي من هويتي السابقة.”

أعطى رشنواد داراب ملابس جميلة، أداة موسيقيّة وسلاحًا، ولأن المطر كان توقّف وطلع الفجر، انطق الجميع إلى ساحة المعركة بطاقات متجددة.

في ساحة المعركة أظهر داراب قدراته وسيطرته في فنّ القتال. أسقط عددًا كبيرًا من جنود العدو وفصل الجيش إلى قسمين. بفضل بطولته انتصرت ايران في المعركة وهُزم الرومان شر هزيمة ولاذوا بالفرار. أرسل قيصر روما رسولا يطلب السلام ووافق على حُكم إيران ودفع الجزية للملكة.

عاد رشنواد إلى إيران بمجد الانتصار محمّلاً بغنائم الحرب.

عندما وصل إلى منطقة الخرابة، استدعى إلى هناك الغاسل وزوجته وسألهما عن نسب داراب. رووا له القصة كما وقعت: “كنا غاسلين فقيرين فقدنا للتو طفلنا”، روى الأب. “في يومٍ، وجدتُ رضيعًا يطفو فوق مياه النهر داخل صندوق. أخذته معي الى المنزل لزوجتي، وتبنيناه. منذ ذلك الوقت ربيناه بحب وسرورٍ، لكننا لم نعلم شيئًا عن أصله. منذ نعومة أظفاره شدّه كلّ ما شغل المقاتلين والملوك، دون أن نوجّهه إليها.”

كتب رشنواد إلى هوماي كي يحكي لها عن انتصار الجيش. أثنى على بطولة داراب وأشار إلى أنّه بفضله انتصرت إيران واحتلت روما. كما روى لها بأدقّ التفاصيل حكاية النشيد الذي سمعه من الخرابة الخاوية، والسقف الذي سقط مباشرة بعد أن خرج داراب، وحكاية الغاسل وزوجته.

استدعته وطلبت منه الصفح والغفران عن الماضي. ثمّ جمعت كبار المملكة وروَت لهم القصّة وتوّجت داراب ملكًا. قدّمت له المشورة في طريقة قيادة الشعب.

مع بداية حكمه، كان قد وصلت هوماي إلى نهاية حكم امتدّت اثنين وثلاثين عامًا.

عندما تربع داراب على العرش قال لكبار المملكة والكهنة وكلّ الأبطال الشهيرين: “لم أبلغ العرش بجهد ومعاناة. القدر المفاجىء الذي كُتب لي كانت يد الله فيه بلا شك. لذلك، شكرًا لله، سأقود الناس دوما بالعدل والمساواة.” استدعى الغاسل وزوجته، الوالدان المتبنّيان، وأغدق عليهما الهدايا.

بعد بضعة معارك في الجبهات الأخرى، عاد داراب لمحاربة روما. خرج القيصر في اتجاهه، وبين الجيشين دارت معركة. هزم الرومان في المعركة. وهذه المرة أيضًا طلب القيصر معاهدة سلام. أشار مستشارو داراب عليه بالموافقة على طلب القيصر وإبرام ومعاهدة السلام مع روما لكن شريطة أن يدفع الرومان الجزية لإيران وأن يزوّج القيصر ابنته ناهيد لداراب.

وافق القيصر على دفع جزية قدرها مائة ألف بيضة ذهبيّة في السنة وأرسل ابنته ناهد لتكون زوجة لداراب في قافلة من الجِمال المحمّلة بالمال والذهب والثياب الملوكيّة.

في إحدى الليالي رقد داراب بجانب ناهيد، وفاحت من فمها رائحة كريهة. استدار داراب إلى الجهة الأخرى، وفي الصباح توجّه إلى الأطباء. أعطوه عشبة مداوية تدعى اسكندر تبدد الرائحة الكريهة، لكن ذاكرة الرائحة لم تتبدد من رأس داراب.

في نهاية المطاف، أعاد داراب ناهد إلى والدها، فيلكوس، قيصر روما. لكنّ داراب كانت حاملا، دون علم داراب، وبعد تسعة شهور جاء الطفل إلى العالم. سمّته أمّه اسكندر، على اسم العشبة المداوية التي تبدد الرائحة الكريهة من الفم.

في نفس الليلة، وُلد مهرٌ أبيض في مزرعة القيصر. رأى فيلكوس في ولادة المهر فأل خير. تبنّى اسكندر ابنًا له، حتى لا يقولوا في روما إنّهم أعادوا إليه ابنته الحامل من إيران.

كبر اسكندر بصفته ابن قيصر روما وصار فتى قويًا وبهي الطلعة وكثير المواهب.

أما داراب فقد تزوج من أخرى، وولدت له ابنا اسمه دارا.

بعد مضي اثني عشر عامًا في الحكم، توفي داراب بالمرض، وورث دارا العرش. وبعد مرور سنوات على الأمر، عاد اسكندر من مقدونيا إلى إيران، احتلّها وأنهى عصر الامبراطوريّة الفارسيّة العظمى.

********************

* القصّة مأخوذة من كتاب: أبطال، ملوك وتنانين- أساطير إيرانيّة لكلّ الأجيال (منشورات زرش، 2017).

 

0

اسمعي وانتبهي وأصغِي جيّدا، لأنّ هذا حدث ووقع، وأصبح وكان، أوه، يا حبيبتي العزيزة، في حقبة كانت فيها الحيوانات الأليفة حيوانات برّية. كان الكلبُ برّيا، والحصان برّيا، والبقرة برّية، والشّاة بريّة، والخنزير برّيا، كانت برّية بما أمكن أن تكون برّية. وكانت تسير بوحدتها البريّة، في الأدغال الرّطبة والبرّية. ولكن الأكثر برّية من كلّ الحيوانات البرّية، كان القطّ. كان يسير بمفرده، وكانت كلّ الأماكن في عينيه سواء.

بالطّبع، كان الرّجل برّيا أيضا. كان برّيّا إلى درجة مخيفة. حتى أنه لم يصبح أليفا إلاّ عندما قابل المرأة. قالت له بأنّها لا تريد العيش كبرّية. اختارت للنّوم كهفا جافّا وجميلا عوض مجموعة من الأوراق الرّطبة، ثمّ نشرت على الأرض رملا نظيفا وأشعلت نارًا لطيفة في عمق الكهف. علّقت أمام فتحة الكهف جلد حصان برّي جافّا يتدلّى ذيله للأسفل وقالت:

— جفّف قدميك عند دخولك، يا عزيزي. من الآن فصاعدا سندير منزلا هنا.

في تلك اللّيلة، يا أعزّ الناس، أكلا خروفا برّيّا مشويّا على الأحجار الملتهبة، منكّها بالثّوم البرّي والفلفل البرّي، وبطّا برّيا محشوّا بالأرزّ البرّي، وحِلبة برّية وكزبرة برّية، وعظما نخاعيّا لعجل برّي، وكرزا برّيا وجارناديالا برّية. ثمّ رقد الرّجل بجانب النّار، سعيدا جدّا، ولكنّ المرأة بقيت مستيقظة تمشّط شعرها. أخذت عظم كتف الخروف، ذاك العظم الكبير المسطّح، ثمّ أضافت حطبا إلى النّار وقامت بسِحر. قامت بأوّل سحر غنائيّ في العالم.

وهناك في الخارج، في الغابة الرّطبة البرّية، اجتمعت كلّ الحيوانات البرّية، هناك حيث استطاعت رؤية ضوء النّار من بعيد، وتساءلوا عن معنى ذلك.

وعندها خبط الحصان البرّي الأرض بحافره البرّي، وقال:

— أوه يا أصدقائي، أوه يا أعدائي، لماذا صنع الرّجل والمرأة هذا الضّوء الكبير في ذاك الكهف الكبير، وممّا علينا أن نخاف؟

رفع الكلب البرّي خطمه وتشمّم رائحة الخروف المشويّ وقال:

– سوف أذهب لأرى وأشاهد وأقول، لأنّ هذا يبدو لي لذيذا. أيّها القط، تعال معي.

— بلا ! قال القطّ. أنا القطّ الذي يسير بمفرده وبالنّسبة إليّ كلّ الأماكن متشابهة. لن أذهب.

— إذن لن نكون صديقين بعد الآن أبدا، قال الكلب البرّي.

ثمّ بدأ يعدو باتّجاه الكهف. ولكنّه لم يكد يغادر حتّى قال القطّ في نفسه:

— بالنسبة إلي، كلّ الأماكن متشابهة. لماذا لا أذهب أنا أيضا لأرى وأشاهد ثمّ أعود على سجيّتي؟

ثم بدأ يتّبع الكلب البرّي ببطء، ببطء شديد، واختبأ حيث بإمكانه الاستماع إلى كلّ شيء.

عندما أدرك الكلب البرّي مدخل الكهف، رفع بخطمه جلد الحصان الجافّ واشتمّ الرائحة الزكيّة للخروف المشويّ.  وهي تنظر إلى عظم الكتف، سمعته المرأة وضحكت وقالت:

— هذا هو الأوّل. أيّها الكائن البرّي في الغابة البرّية، ما مرادك؟

قال الكلب البرّي:

— أوه يا عدوّتي، وزوجة عدوّي، ما الذي يبدو زكيّ الرّائحة هكذا في الغابة البرّية؟

وأخذت المرأة عظم الخروف المشويّ ورمته للكلب البرّي وقالت:

— أيّها الكائن البرّي في الغابة البرّية، تذوّق وجرّب.

قضم الكلب البرّي العظم وكان من أشهى ما تذوّق في حياته، وقال:

– أوه يا عدوّتي وزوجة عدوّي، أعطني واحدا آخر.

قالت المرأة:

— أيّها الكائن البرّي في الغابة البرّية، ساعد زوجي على الصّيد خلال النّهار، واحرس هذا الكهف في اللّيل، وسأعطيك من العظم المشويّ ما تريد.

— آه، قال القطّ وهو يصيخ السّمع. هي ذي امرأة حاذقة جدّا، ولكنّها ليست أكثر دهاء منّي.

زحف الكلب البرّي داخل الكهف ووضع رأسه على ركبتي المرأة وقال:

— أوه يا سيّدتي وزوجة سيّدي، سأكون خادمك لأجل العشب الرّائع.

— آه، قال القط وهو يصيخ السّمع. هو ذا كلب شديد الغباء.

وانصرف إلى الغابة الرّطبة والبرّية، وهو يحرّك ذيله البرّي، سائرا بوحدته البريّة. ولكنّه لم يروِ شيئا لأحد.

عندما استيقظ الرّجل قال:

— ماذا يفعل الكلب البرّي هنا إذن؟

وقالت المرأة:

— لم يعد يُلقّب بالكلب البرّي، ولكن بالصّديق الأوّل، لأنّه سيصبح صديقنا دائما وإلى الأبد. اصطحبه معك عندما تذهب إلى الصّيد.

وفي المساء الموالي، جمعت المرأة من الوديان حفناتٍ من العُشبِ، قامت بتجفيفها أمام النّار، وكانت لها رائحة التّبن المقطوع حدِيثا، وجلست أمام مدخل الكهف وضفرت رسنا من جلد الحصان، ونظرت إلى عظم كتف الخروف، ذاك العظم الكبير المسطّح، وقامت بِسحر. قامت بثاني سحر غنائي في العالم.

وهناك في الغابة البرّية، كانت كلّ الحيوانات البرّية تتساءل عمّا حدث للكلب البرّي، وفي النّهاية، ضرب الحصان البرّي الأرض بحافره وقال:

— سوف أذهب لأرى وأخبركم لماذا لم يعد الكلب البرّي. أيّها القطّ، تعال معي.

— بلا، قال القطّ. أنا القطّ الذي يسير بمفرده وبالنّسبة إليّ كلّ الأماكن متشابهة.

ولكنّه تبع الحصان البرّي رغم كلّ شيء، ببطء، ببطء شديد، واختبأ هناك حيث يمكنه سماع كلّ شيء.

عندما سمعت المرأة الحصان البرّي يجفل ويتعثّر في عرفه الطّويل، ضحكت وقالت:

— هذا هو الثّاني. أيّها الكائن البرّي في الغابة البرّية، ماذا تريد؟

وقال الحصان البرّي:

— أوه يا عدوّتي، وزوجة عدوّي، أين الكلب البرّي؟

ضحكت المرأة وحملت عظم الكتف، نظرت نحوه وقالت:

— أيّها الكائن البرّي في الغابة البرّية، لم تأتِ من أجل الكلب البرّي، ولكن من أجل هذا العشب اللّذيذ.

وقال الحصان البرّي الذي يجفل ويتعثّر في عرفه الطّويل:

— هذا صحيح. أعطني منه لآكل.

وقالت المرأة:

— أيّها الكائن البرّي في الغابة البرّية، أحنِ رأسك البرّي وضَعْ ما سأعطيه لك، وستأكل من هذا العُشب اللّذيذ ثلاث مرّات في اليوم.

— آه، قال القطّ وهو يصيخ السّمع. هي ذي امرأة بارعة جدّا، ولكنّها ليست أكثر براعة منّي.

وأحنى الحصان البرّي رأسه البرّي، فوضعت المرأة حوله الرّسن الجلديّ الذي ضفرته، وهبّ الحصان البرّي نحو قدمي المرأة وقال:

— أوه يا سيّدتي وزوجة سيّدي، سأكون خادمك لأحصل على العشب اللّذيذ.

— آه، قال القطّ وهو يصيخ السّمع، هو ذا حصان شديد الغباء.

وانصرف إلى الغابة الرّطبة والبرّية، وهو يحرّك ذيله البرّي، سائرا بوحدته البريّة. ولكنّه لم يروِ شيئا لأحد.

عندما عاد الرّجل والكلب من الصّيد، قال الرّجل:

— ماذا يفعل الحصان البرّي هنا؟

وقالت المرأة:

— لم يعد يُلقّب بالحصان البرّي ولكن بالخادم الأوّل، لأنّه سيحملنا من مكان إلى آخر دائما وإلى الأبد. اركب على ظهره عندما تذهب إلى الصّيد.

وفي الغد، كانت البقرة البرّية تتوجّه نحو الكهف، وهي تعدّل رأسها باستقامة حتّى لا يعلق قرناها البرّيان في أغصان الأشجار البرّية، وتبعها القطّ واختبأ كما في السّابق وحدث كلّ شيء كما في السّابق، وقال القطّ نفس الأشياء كما في السّابق. وعندما وعدت البقرة البرّية المرأة بأن تعطيها كلّ يوم حليبها مقابل العشب اللّذيذ، انصرف القطّ إلى الغابة الرّطبة والبرّية وهو يحرّك ذيله البرّي، سائرا بوحدته البريّة مثلما في السّابق. ولكنّه لم يتحدّث مع أحد قط. وعندما عاد الرّجل والحصان والكلب من الصّيد وطرحوا نفس الأسئلة كما في السّابق، قالت المرأة:

— لم تعد تلقّب بالبقرة البرّية ولكن بمانحة الطّعام الجيّد. ستمنحنا حليبا أبيض جيّدا ودافئا دائما وإلى الأبد، وسأهتمّ بها بينما تكونان في الصيّد أنتما، أيّها الصّديق الأوّل والخادم الأوّل.

وفي الغد، انتظر القطّ أن يحدث شيء مّا آخر برّي في الكهف، ولكن لم يتحرّك أحدٌ في الغابة الرطبة والبرّية، فذهب القطّ بمفرده، ورأى المرأة تحلب البقرة وضوء النّار في الكهف واشتمّ رائحة الحليب الأبيض اللّذيذ الدّافئ. قال القطّ:

— أوه يا عدوّتي وزوجة عدوّي، إلى أين ذهبت البقرة البرّية؟

ضحكت المرأة وقالت:

— أيّها الشّيء البرّي في الغابة البرّية، عد إلى الغابة لأنّي ضفرت شعري ووضعت عظم الكتف في مكانه، ولم نعد بحاجة إلى أصدقاء أو خدم في كهفنا.

قال القطّ:

— لست صديقا ولا خادما. أنا القطّ الذي يسير طريقه بمفرده وأرغب في الدّخول إلى كهفك.

قالت المرأة:

— إذن لماذا لم تأت مع الصّديق الأوّل في اللّيلة الأولى؟

غضب القطّ كثيرا وقال:

— هل روى الكلب البرّي أشياء عنّي؟

فضحكت المرأة وقالت:

— أنت القطّ الذي يسير بمفرده وبالنّسبة إليك كلّ الأماكن متشابهة. لست صديقا ولا خادما. قلت هذا بنفسك. اذهب، اذهب في حال سبيلك بمفردك في الأماكن المتشابهة.

تظاهر القطّ بالحزن وقال:

— إذن ألن أتمكن من الدّخول إلى الكهف أبدا؟ ولن أتمكن أبدا من الجلوس قرب النّار الدّافئة؟ ألن أتمكن أبدا من شرب الحليب الأبيض اللّذيذ الدّافئ؟ أنت امرأة حاذقة وجميلة جدّا. لا يجب أن تكوني قاسية، حتّى تجاه قطّ.

قالت المرأة:

— كنت أعرف أنّي حاذقة، ولكنّي لم أكن أعرف أنّي جميلة. ولهذا سأعقد معك اتفاق. إذا نطقت كلمة واحدة في مديحك، تستطيع الدّخول إلى الكهف.

— وإذا نطقت ثلاث؟ قال القطّ.

— لن يحدث هذا، قالت المرأة. ولكن إذا نطقت أنا ثلاث كلمات في مديحك تستطيع شرب الحليب الأبيض اللّذيذ الدّافئ ثلاث مرّات في اليوم دائما وإلى الأبد.

إذن أحنى القطّ ظهره وقال:

— فلتتذكّر السّتارة في مدخل الكهف والنّار في عمق الكهف وأوعية الحليب الموضوعة قرب النّار ما قالته عدوّتي وزوجة عدوّي.

وانصرف  إلى الغابة الرّطبة والبرّية، وهو يحرّك ذيله البرّي، سائرا بوحدته البريّة.

وفي ذلك المساء، عندما عاد الرّجل والحصان والكلب من الصّيد، لم تحدّثهم المرأة عن الاتفاق التي عقدتها مع القطّ لأنّها كانت خائفة بألاّ يعجبهم ذلك.

رحل القطّ بعيدا، بعيدا جدّا واختبأ في الغابة الرّطبة والبرّية في وحدته البرية، لوقت طويل، إلى أن نسيت المرأة أمره.

وحده الخفّاش الصّغير المعلّق برأسه إلى أسفل داخل الكهف، وحده الخفّاش كان يعرف أين يختبئ القطّ. وفي كلّ ليلة، كان الخفّاش يطير نحو القطّ ليعلمه بالأخبار الجديدة.

في ليلة ما، قال الخفّاش:

— هناك رضيع في الكهف. رضيع حديث العهد، ورديّ اللّون، صغير وبدين، والمرأة مولعة به.

— آه، قال القطّ وهو يصيخ السّمع، والرّضيع، بأيّ شيء مولع؟

— إنّه مولع بالأشياء اللّطيفة والمُدغدِغة، قال الخُفّاش. مولع بالأشياء الدافئة التي يحملها بين ذراعيه عندما ينام. يحبّ كثيرا أن يلعبوا معه. يحبّ كثيرا كلّ هذا.

— آه، قال القطّ وهو يصيخ السّمع. إذن جاءت فرصتي.

في اللّيلة الموالية، قطع القطّ الغابة الرّطبة والبرّية، واختبأ قرب الكهف، حتّى غادر الرّجل والكلب والحصان إلى الصّيد صباحا. كانت المرأة تطبخ ذاك الصّباح والرّضيع يبكي ويُزعجها. وهكذا وضعته خارج الكهف وقدّمت له حفنة من الحصى ليلعب بها. ولكنّ الرّضيع تابع البكاء.

عندها مجدّ القطّ قائمته وداعب خدّ الرّضيع فبدأ يَهدِلُ. فرك القطّ ما بين فخذيه البدينين ودغدغه بذيله تحت ذقنه البدين، فضحك الرّضيع وسمعته المرأة وابتسمت.

وهكذا قال الخُفّاش، الخُفّاش الصّغير المُعلّق برأسه إلى أسفل:

— أوه يا مضيّفتي وزوجة مضيّفي وأمّ ولد مضيّفي، ثمة كائن برّي من الغابة البرّية يلعب بلطف كبير مع رضيعك.

— فليُبارك هذا الكائن البرّي مهما كان، قالت المرأة وهي تعتدل، لأنّي امرأة مشغولة جدّا هذا الصّباح، وقد ساعدني.

في تلك اللّحظة والثّانية ذاتها، يا أعز الناس، سقطت ستارة جلد الحصان الجافّ التي يتدلّى  ذيله إلى أسفل – طف! –  لأنّها  تذكّرت الاتفاق التي عُقدت مع القطّ، وعندما ذهبت المرأة لتحملها، إذ بالقطّ، ويا للمفاجأة، يجلس بارتياح داخل الكهف.

— أوه يا عدوّتي، زوجة عدوّي وأمّ عدوّي، قال القطّ. إنّه أنا، لأنّك نطقتِ كلِمة في مديحي، ومن الآن فصاعدا أستطيع أن أبقى داخل الكهف دائما وإلى الأبد. ولكنّي مازلت القطّ الذي يسير بمفرده وبالنّسبة إليّ كلّ الطّرق متشابهة.

كانت  المرأة في غاية الغضب. زمّت شفتيها. أخذت مغزلها وبدأت تخيط.

ولكنّ الرّضيع كان يبكي لأنّ القطّ غادر ولم تستطع المرأة إسكاته. كان يقاوم ويركل وامتقع وجهه.

— أوه يا عدوّتي، زوجة عدوّي وأمّ عدوّي، قال القطّ. خذي طرف خيط ممّا تخيطين واربطيه بمغزلك، ثمّ جرّيه على الأرض. سأريك سحرا سوف يضحك رضيعك بنفس القوّة التي يبكي بها الآن.

— سأفعل هذا، قالت المرأة، لأنّ أعصابي على حافّة الانهيار، ولكن لا تنتظر منّي أن أشكرك.

ربطت الخيط إلى مغزل الصّلصال الصّغير ثمّ جرّته على الأرض، وهبّ القطّ راكضا وراءه، وضربه بضع ضربات بقائمته، وقام بشقلباتٍ ورماه للخلف فوق كتفيه وتبعه بين قائمتيه من الوراء، وادّعى أنّه أضاعه وقفز من جديد فوقه إلى أن بدأ الرّضيع يضحك بنفسِ القوّة التي كان يبكي بها. ثمّ ركض على أربع قوائم وراء القطّ وهو يمرح على امتداد الكهف، إلى أن تهالك متعبا ونام مع القطّ في أحضانه.

— الآن، قال القطّ، سوف أغنّي للرضيع أغنية ستجعله ينامُ لساعة.

في تلك اللّحظة نفسها يا أعزّ الناس، تصاعد من السّقفِ دخان النّار في عمق الكهف في سحابات – طف – لأنّه يتذكّر الاتفاق التي عُقِدت مع القطّ، وعندما تبدّد، ويا للمُفاجأة، كان القطّ يجلس بارتياح قرب النّار.

— أوه يا عدوّتي وزوجة عدوّي وأمّ عدوّي، قال القطّ. إنّي أنا، لأنّك قلتِ فيّ كلمةً طيّبة أخرى، من الآن فصاعدا، أستطيع الجلوس قرب النّار الدّافئة في عمق الكهف دائما وإلى الأبد. ولكنّي دائما القطّ الذي يسير بمُفرده، وبالنّسبة إليّ كلّ الطّرق متشابهة.

غضبت المرأة غضبًا شديدا. فكّت شعرها ووضعت من جديد الحطب في النّار وأخرجت عظم كتف الخروف العريض وانغمست في عمل سحر من المفترض أنّه سيمنعها من قول كلمة ثالثة في مديح القطّ. لم يكن سحرا غنائيّا، يا أعزّ الناس، كان سِحرا صامتا وأصبح الكهف رويدا رويدا صامتا للغاية إلى درجة أنّ فأرة صغيرة ضامرة خرجت من الزاوية وقطعت الكهف ركضا.

— أوه يا عدوّتي وزوجة عدوّي وأمّ عدوّي، قال القطّ. هل تنتمي هذه الفأرة الصغيرة إلى سحرك؟

— أوه لا، بالتأكيد لا. قالت المرأة.

ثمّ تركت عظم الكتف يسقط وقفزت فوق المقعد أمام النّار، وأعادت ربط شعرها بسُرعة، خوفا من أن تتسلّقه الفأرة.

— آه، قال القطّ متيقّظا. إذن لن تؤذني هذه الفأرة إذا أكلتها؟

— لا، قالت المرأة وهي تربط شعرها. كُلها بسُرعة وسأكون مدينة لك إلى الأبد.

بقفزة واحدة، أمسك القطّ بالفأرة الصّغيرة وقالت المرأة:

— ألف شكر لك. حتّى الصّديق الأوّل نفسه ليس له سرعتك في القبض على الفئران الصّغيرة. أنت بالتّأكيد حاذقٌ جدّا.

في الدّقيقة واللّحظة ذاتها، أوه يا أعزّ الناس، انشطر وعاء الحليب الموضوع قرب النّار إلى نصفين – فففففت – لأنّه تذكّر الاتفاق الذي عُقد مع القطّ. وعندما قفزت المرأة من المقعد، ويا للمُفاجأة، كان القطّ يلعق الحليب الأبيض اللّذيذ الدّافئ المتبقّي في إحدى القطع المكسورة.

— أوه يا عدوّتي وزوجة عدوّي وأمّ عدوّي، قال القطّ. إنّي أنا، لأنّك قلت فيّ كلمة ثالثة طيّبة، ومن الآن فصاعدا أستطيع أن أشرب الحليب الأبيض الدّافئ اللّذيذ ثلاث مرّات في اليوم دائما وإلى الأبد. ولكنّي دائما القطّ الذي يسير بمُفرده وبالنّسبة إليّ كلّ الأماكن متشابهة.

إذن ضحكت المرأة، ووضعت أمام القطّ وعاء من الحليب الأبيض الدّافئ اللّذيذ وقالت:

— أوه أيّها القطّ، أنت حاذق تماما مثل رجل، ولكن تذكّر بأنّ اتفاقنا لم ينعقد مع الرّجل أو مع الكلب وأجهل ما سيفعلان عندما يعودان.

— لا يهمنّي، قال القطّ. في اللحظة التي يكون لي فيها مكاني في الكهف قرب النّار، وحليبي الأبيض الدّافئ ثلاث مرّات في اليوم، فلَن يهمّني الرّجل ولا الكلب.

في تلك اللّيلة، عندما عاد الرّجل والكلب إلى الكهف، روت لهما المرأة كلّ حكاية الاتفاق، بينما كان القطّ يبتسم جالسا قرب زاوية النار. وهكذا قال الرّجل:

— نعم، ولكنّه لم يعقد اتفاقًا معي، ولا مع كلّ الرّجال من بعدي.

ثمّ خلع زوجي حذاءه الجلديّ وتناول فأسه الحجريّة الصّغيرة (هذا يجعلها ثلاثة) ، ثمّ ذهب يبحث عن قطعة من الخشب وفأسا صغيرة أخرى (هذا يجعلها خمسة) وصفّها أمامه ثمّ قال:

— والآن، علينا نحن الاثنين أن نعقد اتفاقًا! إذا لم تُمسك بالفئران وأنت دائما ودائما ودائما في الكهف، سأرميك بهذه الأشياء الخمسة كلّما اعترضتني، وهكذا سيفعل كلّ الرّجال من بعدي.

— آه، قالت المرأة وهي تُصيخ السّمع. إنّه قطّ حاذق، ولكن ليس أكثر من رجُلي.

عدّ القطّ الأشياء الخمسة (بدت منحوتة جيّدا) وقال:

— سوف أمسك بالفئران كلّما كنت في الكهف دائما وإلى الأبد، ولكنّي مازلتُ القطّ الذي يسير بُمفرده وبالنسبة إليّ كلّ الأماكن متشابهة.

— ليس عندما أكون هنا، قال الرّجل. إذا لم تقل هذه الكلمات، كنت سأجمع هذه الأشياء دائما وإلى الأبد، ولكن الآن، سأرميك بزوجي حذائي وفأسي الحجريّة الصّغيرة كلّما اعترضتني. وهكذا سيفعل كلّ الرّجال من بعدي.

إذن قال الكلب:

— انتظر دقيقة، إنّه لم يعقد اتفاقًا معي، ولا مع بقيّة الكلاب من بعدي.

ثمّ كشف عن أنيابه وقال:

— إذا لم تكن لطيفا مع الرّضيع عندما أكون في الكهف دائما وإلى الأبد، فسوف أتبعك حتّى أمسك بك وعندما أمسك بك فسوف أعضّك. وهكذا سيفعل كلّ الكلاب من بعدي.

— آه، قالت المرأة وهي تصيخ السّمع. إنّه قطّ حاذق جدّا، ولكن ليس كالكلب.

عدّ القطّ أنياب الكلب (بدت حادّة جدّا) وقال:

— سوف أكون لطيفا مع الرّضيع عندما أكون في الكهف، ما دام لا يسحب ذيلي بعنف دائما وإلى الأبد. ولكنّي مازلت القطّ الذي يسير بمفرده وبالنسبة إليّ كلّ الأماكن متشابهة.

— ليس عندما أكون هنا، قال الكلب. إذا لم تقل هذه الكلمات الأخيرة، كنت سأغلق فمي دائما وإلى الأبد، ولكن الآن سوف أجعلك تتسلّق الأشجار كلّ مرّة تعترضني فيها. وهكذا سيفعل كلّ الكلاب من بعدي.

    وهكذا رمى الرّجل زوجي حذائه وفأسه الحجريّة الصغيرة (هذا يجعلها ثلاثة) على القطّ، وهرب القطّ راكضا خارج الكهف، وجعله الكلب يتسلّق إلى أعلى شجرة. ومنذ ذلك اليوم إلى الآن، يا أعزّ الناس، لا يفوّت أبدا ثلاثة رجال من خمسة رمي أشياء على قطّ كلّما اعترضهم، وكلّ الكلاب الأخرى تركض خلفه ليجعلوه يتسلّق الأشجار. ولكنّ القطّ كان يحترم نصيبه من الاتفاق. كان يقتل الفئران ويتعامل مع الرّضيع بلطف كلّما كان في الكهف، بشرط ألاّ يسحبه من ذيله بعنف. ولكنّه بعد أن قام بكلّ هذا، وفي الأثناء، عندما يطلّ القمر ويخيّم اللّيل، كان ما يزال القطّ الذي يسير بمُفرده، وبالنّسبة إليه كلّ الأماكن متشابهة. وهكذا يمضي في الغابة الرّطبة والبرّية، أو إلى الأشجار الرّطبة والبرّية، أو فوق الأسقف الرّطبة والبرّية، وهو يحرّك ذيله البرّي، ماضيا وحيدا وبرّيا.     

قُطَيْطة في وسعها أن تكون إلى جانب النار، في وسعها أن تغنّي،

وأن تتسلّق كلّ الشجرْ

وتلهو بسدّاد فلّينة مضحكهْ

وفي وسعها أن تدورْ

وما ذاك حتّى تُسلّي قلبي ولكن ترفّه عن نفسها

غير أَنِّي أفضِّل كلبي بنكي 

فبنكي رشيد التصرّفْ

كذا، مثل حال المقدَّم في الأصدقاءْ،

كذا كان بنكي

وكنت أنا رجلًا داخل الكهفْ

ستلهو قُطيطة في صُحْبةٍ، ستلهو مع الرّجل فرايدي

إلى أن تبلّل كفًّا

وتمضي إلى حافّة النّافذهْ

(إلى حيث ما تركت قدمٌ من أثرْ رآه كروزو)

ومن بعدُ سوف تحرّك ذيلا، تموء

وتخدش دون انتباه إلى ما أقول

ولكنّ بنكي سيلعب ما قد أحدّد من لعبةٍ

فبنكي صديقي الحقيقيّ قبل الجميعْ

قُطيطة سَوْف تمسّح رأسًا على ركبتيّ 

لتزعم أنّ وراء التمسّح حبًّا كبيرًا

ولكنني حين أذهب للنوم

تجري قُطيطة نحو الفضاء

وتبقى هناك إلى أن يجيء النّهارْ

وهكذا أعلم أنّ التمسّح محض ادّعاء

ولكنّ بنكي، يظلّ يرابط، يشخر ملء المساء، إلى قدميّ،

وبنكي صديقي المقدَّم في الأصدقاء!

4