اكتب القصص

كنت بباب المسجد، وكان حديث السيد الإمام إليّ هذه الليلة غريبًا ومثيرًا. لقد ذكر أنّ حشودًا من القطط السوداء المتوحشة هاجمت الناحية، وأنها تقضي على كلّ ما تصادفه في طريقها. ولذلك فإن الناس لم يقدموا على صلاة العشاء هذه الليلة، لأنهم يعلمون أنها أصبحت في هذا الحي سيّدة الظلام لقد نشرت الرعب واستبدت بقلوب السكان. كان كلامه عجيبا، لكنه لم يطل فقد بادرني الرجل بدعاء للصلاة.

كنا ثلاثة أشخاص نصلّي في خشوع وسكون. الإمام في محرابه، ثم أنا وصديقي سعيد من ورائه. وكنت ثابتًا أشعر بسكينة واطمئنان، وكأنّي نسيت الحديث المفزع الذي سمعته منه. ثم بعد أن فرغنا من الصلاة، سألني الإمام أن أحمله في سيارتي إلى بيته، وافقت ورحبت بالطلب، ثم زدت فدعوت صديقي سعيد إلى المبيت معي الليلة في بيتي. كان الإمام يحمل عصا كبيرة، لم أسأله عن السر في ذلك، فقد بدأت أشك في سلامة عقله. لكن الأمر تغير حين ركبنا السيارة، فقد عاد الإمام إلى حديثه، فالتفت إلى صديقي ثم قلت: «ما رأيك في هذا يا سعيد؟» فأجابني وإمارات الجدّ بادية على محياه: «أجل أنا كذلك سمعت بهذا. فقد أخبرني أحد الجيران أن مجموعة من القطط، قد تعرضت للسيدة نفيسة. المرأة الحامل وهي عائدة من بيت أبويها بالحومة المجاورة. ثم حامت بها وجعلت تداعب ثوبها الطويل. فجمدت المسكينة في مكانها لا تدري ما الحيلة، ولم تجد غير الصراخ.. فصرخت بكل قواها، فأثار ذلك جنون القطط فانقضت عليها. ومن حسن حظّ المرأة أن السيد دانيال.. القناص الفرنسي، خرج لنجدتها وقد حمل بندقيته وصحبته كلابه الثلاثة التي ارتمت على القطط في صراع مروع. استطاع الرجل بعد معاناة انتشال السيدة نفيسة من بين مخالب الوحوش. وحملها إلى بيته، حملها وهي بين الموت والحياة. ثم عاد لنجدة كلابه، غير أنه ذعر حين رآها أسلمت للهررة تنال منها كيف تشاء».

لم يُكمل الصديق كلامه، فقد قاطعه الإمام قائلا: «نعم يا بني. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. لقد سمعت أنا أيضا بهذا وبغيره..» ثم قطع رده هذا وقال «هنا.. كفى.. شكرًا» ونزل بعد أن ألقى التحية والسلام. استأنفنا نحن مسيرتنا نحو المنزل نتبادل ذلك الحديث المهول والمثير. وفجأة سمعنا أصواتا عالية.. نعم، إنها هي، وهذا مواؤها يدوي تكاد الآذان تنفجر له، ثم هاهي تعدو حولنا. أشعلت الأضواء الكاشفة، وضغطت على المنبه، وحاولت أن أتجنبها لكنها كانت تتقاذف كالأمواج نحونا. لقد أصبنا بعضها، واختلط المواء بالصراخ. وامتلأت قلوبنا رعبا وخوفا، فشعرنا أن عتمة الليل تشتد، وكأنما انطفأ القمر أو انكسف. إلهي.. يا إلهي كيف الخروج كيف؟

أوقفتُ السيارة أمام باب العمارة. استجمعت شجاعتي ثم قرّرتُ أن أنزل مهما كان الثمن. فتحتُ الباب. وضعْت قدمي على الرّصيف. حاولت أن أضع القدم الثاني، فوجدتها ترتمي عليّ مرّة واحدة وبكل قوة تدفعها رغبة عارمة إلى الثأر. كانت وحوشًا مسْعورة. سقطتُ على الأرض وأنا أضربُ بيديّ ورجلي في كل مكان. وكان سعيد يضغط دون انقطاع على الجرس المنبّه.. وكان الجيران يضربون بعصيهم وحبالهم في كل اتجاه.. وكنت أصيح: الماء!! الماء!! رشوا القطط المصابة بالسعار بالماء فانه يقضي على اهتياجها. الماء!! الماء!! ثم وجدتني مغمورًا به بعد ثوان. كان ينهمر من الأعلى والجوانب.. وكانت الهررة تتساقط. استطعت الإفلات وحملت بالأذرع إلى البيت صاحبي سعيد وأحد الجيران. أصررتُ أن أتوجه إلى الشرفة. كان الجو رطبًا وباردًا، وكانت القطط تتقافز من الغيظ والألم. شعرتُ بقطرات المطر تنزل من السماء. شيئًا فشيئًا بدأتْ تشتدّ وبدأ الصراخ يرتفع. ثم انتشر الماء والموتُ بالأسفل.. وتراكمتِ الجُثثُ. قررت أن أنزل لأثأر. قفزت إلى السلّم. نزلت ثمّ وجدْتني أمام مقبرة مكشوفة مهولة من الجثث الهامدة. صمّمتُ أن أمشي فوقها. الخطوة الأولى.. الخطوة الثانية، صرخة، انتفاضة.. القطط السوداءُ تتحرّك تنتفضُ تحتَ قدمي…

صرخْتُ. فتحت عينيّ. وجدتني في غرفتي وحدي..

 

سادتي الضباط اسمي جمال أحمد، أعمل كجندي مخابرة في وحدة الاستطلاع العميق رقم 312، المقابلة للعدو الأميركي في الجنوب.

أعترف أمامكم وأنا بكامل قواي العقلية، بأني قتلت سالم حسين، عريف المخابرة في وحدتنا، سحبت مسدسي وأصبته برصاصة في رأسه، لأنه ببساطة خائن، وعقوبة الخائن هي الموت.

أنا لا أنكر هذا الأمر أبداً، ومستعد للدفاع عن فعلتي هذه مهما كانت عقوبتكم لي.

فقد حكمت عليه بالموت ونفذت قرار الحكم بنفسي وبسلاحي. ذلك أني أثناء دخولي حجرة المخابرة قبضت عليه وهو يخاطب أحد ضباط الاستخبارات في القوات الأميركية، ظهر يوم الاثنين، فلم أحتمل لسانه المملوء بالقذارة والوحول، فسحبت مسدسي العسكري، براوونغ عيار 9 ملم، وأطلقت عليه ثلاث رصاصات، صوبتهن جيداً على بدنه، حيث استقرت واحدة في جبينه، وواحدة في قلبه، وواحدة أطلقتها على خصيتيه.

 أردت أن أخصيه لأن الخائن ليس رجلاً، بل عليه ألا يموت رجلاً هكذا هي أخلاقنا نحن العرب، الشرف والأرض أولاً، من خان الشرف عليه أن يموت بلا خصيتين ومن خان الأرض عليه أن يموت بلا قبر.

سادتي الضباط أنا لم أظلمه بهذا الأمر أبداً، فقد تعذبت وفكرت كثيراً قبل أن أقدم على قتله. حتى فقدت القدرة على النوم، منذ شهرين وأنا لم أذق طعم النوم مطلقاً، حتى عقدت له محكمة بيني وبين نفسي، بل وضعت له محامياً بخيالي، ولكن في النهاية استنتجت أنه خائن، وعقوبة الخائن لا محالة هي الموت.

 أرجوكم سادتي الضباط لا تظنوا خيانة عريف المخابرة في وحدتنا غامضة، فقد دخلت عليه مساء الثلاثاء، ووجدته يتصل بالأميركان ويعطيهم إحداثيات ومواقع عسكرية كثيرة، لقد سمعته بأذني هاتين اللتين سيأكلهما الدود بعد موتي، ونظرته بعيني هاتين وهو يخون أمامي دون أن يرف له جفن على ما فعل.

إنه جاسوس ببساطة، وحين واجهته بالأمر اعترف بأنه جاسوس يعمل لصالح الأميركان، ولكنه ندم على فعلته أو خاف من الوشاية به، فطلب مني أن أطلق عليه رصاصة واحدة في رأسه، وهي رصاصة الرحمة، فسحبت مسدسي براوننغ 9 ملم وأطلقت عليه رصاصة واحدة. فسقط صريعاً.

نعم لقد كانت رصاصة واحدة في الرأس كافية لمقتله، ولا أعرف عن أمر الرصاصتين الأخريين، فلم يكن بحاجة لرصاصات أكثر كي يموت الخائن فلا عقوبة للخائن غير الموت كما تعرفون ولا أظن أن أحداً في هذا في العالم أجمع يتنكر لذلك.

سادتي الضباط الشرف أغلى ما عندنا…وأنا كما عرفتموني جندي شريف وشجاع لذا لم يحتمل شرفي العسكري أن أجد خائناً في وحدتنا وجاسوساً للأميركان ولا أنفذ فيه حكم الموت. فالأمر لم يكن غامضاً أبداً، كما شرحته لكم، لقد دخلت عليه في غرفة المخابرة ورأيته يضحك ويتكلم باللغة الإنكليزية مع ضابط أميركي، فواجهته بالأمر. إلا أنه أنكر قال أنه يتحدث مع عريف في وحدة الأشغال أسمه عادل يتمرن على الكلام بالإنكليزية مثله، فعرفت أنه يريد خداعي، وفي تلك اللحظة لم يكن سادتي الضباط مسدسي معي، ولكني نظرت إلى الجهة اليمنى من جهاز التومسن فلحظت مسدسه، ماركة براوننغ عيار 9، موضوعاً على الكرسي، وقد شعر بالخطر، وقبل أن يبادر ويتناوله، هجمت على المسدس وانتزعته عنوة منه، تراجعت خطوتين وهو باهت أمامي فأطلقت رصاصتين صوبه، واحدة أصابت قلبه والأخرى على خصيتيه، لأن الخائن ليس رجلاً!

 لا أعرف عن أمر الرصاصة التي أصابته في رأسه.

 في تلك اللحظة دخل علينا جندي المخابرة وحيد. دخل مباشرة بعد أن سمع الرصاصة التي انطلقت وشاهد الخائن صريعاً وأنا بيدي المسدس، وهو شاهد على أية حال، وأظنه قال لكم أنه دخل المكان بعد أن سمع الرصاصة ووجد العريف مقتولاً.  

لكن ما ذكره فيما بعد ليس دقيقاً، فأنا لم أكن داخل الحجرة وقتها، كنت أسير في الممر المؤدي إلى حجرة الضابط، ومررت بحجرة المخابرة بالصدفة وسمعت العريف وحيد يطلب مني الدخول، وحين دخلت رأيته يبكي ويرتجف، سألته ما به قال أنه خان وحدته العسكرية ولوث شرفه العسكري، فقد أعطى الأميركان إحداثيات مهمة كي تقوم الطائرات الأميركية بقصف القوات العراقية لقاء مبلغ من المال، وقد ندم على ذلك وقرر أن ينتحر. فسلمته مسدسي العسكري، أخذه مني بكل ثقة، وقف أمامي واضعاً المسدس في صدغه وأطلق رصاصة واحدة، وسقط صريعاً والمسدس بيده، فدخل جندي المخابرة وحيد الذي كان يدخن خارج غرفة المخابرة فوجدني هناك واقفاً من دون سلاح، وعريف المخابرة سقط صريعاً وبيده المسدس.

أنتم تعرفون سادتي الضباط أن الجندي وحيد شخص جاهل، لا يقرأ ولا يكتب، فلاح من الجنوب لا يفهم الانكليزية ولا يعرف إذا كان عريف المخابرة يتكلم مع الأميركان أم مع جندي في وحدة الأشغال مع أصدقائه، لكن هذا الأمر لا يخدعني أبداً، كنت أقف قريباً من غرفة المخابرة فسمعت أصوات غريبة ومشاجرة في الداخل بين عريف المخابرة سالم والجندي وحيد حيث كان عريف المخابرة يتسلم برقيات مجهولة المصدر على الأرجح من الأميركان، وأثناء المشاجرة انطلقت رصاصة المسدس من الجندي وحيد، وأصابت عريف المخابرة بخصيتيه، ذلك أن الجندي وحيد يتهم عريف المخابرة بقيامه بعلاقة مع زوجته عندما أرسل لها بيده مبلغاً من المال قبل شهرين، فاستغل الخائن هذا الأمر وعقد علاقة مع زوجة الجندي وحيد، وهذا ما أكده الجندي وحيد نفسه. 

أنتم تعرفون سادتي الضباط أن الجندي وحيد يكذب حينما قال أن عريف المخابرة لم يكن يتكلم مع الأميركان، وقال أنه هو الذي كان في الواجب، وكان يتكلم مع جندي يعرفه في فصيل الأشغال، وأن العريف وحيد كان نائماً، ودخلت أنا وأيقظته واتهمته بأنه أقام علاقة مع زوجتي حينما أرسلت بيده راتبي أثناء إجازته الدورية لها.

فالأمر ليس كذلك، أولاً هي ليست زوجتي إنها زوجة الجندي وحيد وهو الذي اتهمه بالخيانة، لكن فيما بعد اكتشفت أنه كان يتكلم مع الأميركان بالانجليزية وهكذا سادتي الضباط، فأنا لم أخرق القانون إنما طبقته، جزاء الخائن هو الموت، وحينما قبضت عليه وهو يخون الجندي وحيد ويتجسس لصالح الأميركان أخذ يتلعثم في بداية الأمر، ثم أنكر بصورة قاطعة، فتصور أني سأسامحه، قلت له أنا ليس لدي أي ثار معك، ولكن هنالك من سيطبق القانون عليك، فناولت الجندي وحيد مسدسي، وقلت له خذ بثأر شرفك، فهذا هو الذي لوث شرفك.

ما أن التفت العريف سالم حتى باغته الجندي وحيد برصاصة في قلبه، فتناولت المسدس من وحيد وأطلقت عليه رصاصتين واحدة وجهتها إلى خصيتيه كي يموت بلا رجولة وواحدة على صدغه ليفارق الحياة.

هذا الخائن سادتي الضباط يستاهل الموت بلا رحمة، هكذا هي قوانيننا، لم يكن بشراً، كانت قملة توجب دعسها!

 سادتي الضباط أنا جندي شريف، لا توجد ذرة غبار على شرفي، لم أفعل أي شيء في حياتي في غير موضعه. الوقت خريف، وهذا العام هو الثاني في خدمتي العسكرية، وقد أرسلتم بطلبي لسببٍ لا أعرفه.

 أنا لا أملك أي نقود، وليست لدي أية آمال، ولم أتصل أبداً بالأميركان، كل ما قالوه عني هو تشهير، افتراء، تشويه سمعة. لم أقتل عريف المخابرة سالم بسبب امرأة، والمرأة هي امرأتي وليست امرأة الجندي وحيد. فهو لم يكن هناك ولا أعرف من جلبه شاهداً. فهو لم ير أي شيء. لقد عشت سادتي الضباط إهانة مُطوَّلة، لقد خانتني زوجتي ولوثت شرفي بينما أنا هنا أدافع عن شرف الوطن. فاستحقت القتل.

 أما عريف المخابرة فأنا لا أعرف من قتله، ربما الجندي وحيد، بسبب خيانة أحدهما وعمله كجاسوس لدى الأميركان.

 أشياء كثيرة مرت علي لا أعرف معناها ولا أدري ما سببها. لقد عذبني عريف المخابرة طويلاً، قال لي من أجل أن تكون جندي مخابرة يجب أن يكون لك صوت خال من النشاز، يجب أن تفتح فمك وتنفخ من رئتيك كما لو كنت تغني، ليس من الضروري أن تحكي لكن عليك أن تعرف ماذا تحكي.

لقد هددني سادتي الضباط لأني لم أتقن عملي، قال لي أنه سيقتلني وسوف يرقص على جثتي القذرة، لقد كان يصرخ حينما أخطأ بنقل الرسائل مع الضباط، يبصق علي، يرفسني في بطني.

أنا جندي مسكين سادتي الضباط لم أنم منذ شهرين، من بدء الهجوم الأميركي علينا وحتى اليوم، لقد تحالف الجميع ضدي:

الزمن، القدر، الأميركان، عريف المخابرة وزوجتي.

مقدمة: هيئة التّحرير

كُتبت هذه القصة القصيرة المُرعبة والمبسّطة ضمن منافسةٍ  لتأليف قصص الرعب وقعت بين الشاعرين لورد بايرون وبرسي بيتش شيللّي عام 1816. أفرزت هذه المنافسة في النهاية الأثر الأدبيّ الشهير: “فرانكشتاين” لماري شيلّلي (زوجة بيرسي بيتش تشيللّي). نُشرت قصّة بايرون أوّل مرّة عام 1819، تحت عنوان “مقطع”، في مجموعة “مازيبّاMazeppa /“. بالرّغم من أنّها لم تحتلّ مكانةً مركزيّة في مجموعة أعمال بايرون، فقد أثّرت بشكلٍ كبير في أدبِ مصّاصي الدّماء في إنجلترا ومثّلت إلهامًا لجون وليامز بوليدوري في “مصّاص الدّماء”(1819)

 

“في العام ـــــ 17، بعد أن أزمعتُ منذ فترة على القيام برحلةٍ في بلدانٍ لم يرتدها الرحّالون كثيرا إلى حين هذه اللّحظة، انطلقتُ، رفقةَ صديق سأسمّيه أوغسطس دارفل. كان  يكبرني ببضع سنوات ورجلا موسرًا ومن عائلة عريقة: ميزات حالت مداركه الواسعة دون التقليل أو الترفيع من قيمتها. جعلته بعض الظروف الغريبة في تاريخه الشّخصيّ موضع عناية واهتمام وحتّى احترام بالنّسبة إليّ، لم يستطيع محوه أي تحفّظ في آدابه أو علامات قلقٍ عرَضيّة تقترب أحيانا من الجنون.

“كنت لم أزل بعدُ شابّا في الحياة، التي بدأتها مبكّرًا، ولكنّ حميميّتي معه كانت حديثة العهد: درسنا معا في نفس المدارس والجامعات، ولكنّ ارتقاءه فيها سبق ارتقائي، كما أنّه انخرط عميقًا في ما يُسمّى العالم، بينما كنت ما أزالُ بعدُ في الدّير. كنتُ قد سمعت وقتها الكثير عن حياته الماضية والحاضرة، وبالرغم من وجود تناقضاتٍ عديدة متضاربة في هذه الأوصاف، مازال بإمكاني الاستنتاج من المجمل، بأنّه كان كائنا غير عاديّ ومهما حاول جاهدا أن يتفادى الانتباه، فسوف يظلّ لافتا للنّظر. بعد ذلك، طوّرت معرفتي به، وسعيت لكَسب صداقته، ولكنّ هذه الأخيرة بدت صعبة المنال؛ أيًا كانت العواطف التي  امتلكها، فقد بدا  الآن بعضها تلاشت والأخرى تكثّفت: وبعواطفه الحادّة هذه، كانت لي فرصٌ كافية لأُلاحظ بأنّه على الرّغم من قدرته على التحكّم فيها، لم ينجح في إخفاءها كلّيّة. ومع ذلك، كانت له القدرة على إعطاء عاطفة ما ملمح عاطفة أخرى، بشكل يجعل من الصّعب معرفة ما يدور بداخله. تغيّرت تعابير وجهه قليلاً، لكن بوتيرة سريعة جعلت تعقّبها إلى منابعها أمرًا غير مُجدٍ. كان من المؤكّد أنّه وقع فريسة اضطرابٍ مزمن ما، ولكن سواء كان ينبع من الطموح أو الحب أو النّدم أو الحزن، من إحداها أو جميعها، أو من مزاجٍ مرضيّ أقرب إلى الدّاء، فإنّي لم أستطع معرفته: كانت هناك ظروف مزعومة ربّما برّرت كلّ سبب من هذه الأسباب، ولكن مثلما قلت سابقا، كانت هذه الأسباب جدّ متناقضة ومتعارضة إلى درجة أنّه لم يكن ممكنًا التركيز على أحدها بدقّة. يُفترض عموما أنّه حيثما هناك غموضٌ فلا بدّ أنّ هناك شرّا أيضا: لا أعرف كيف يمكن أن يكون هذا. ولكن في داخله كان هناك أحدهما بالتّأكيد، ومع ذلك لم أكن متأكدا من حجم الآخر – وشعرت بالاشمئزاز،  بقدر ما كان ينظر إلى نفسه، من الايمان بوجوده. استُقبِلت تصوّراتي ببرود كبير: ولكنّي كنت شابّا ولا تثبط عزيمتي بسهولة. ونجحت بطول المدّة وإلى درجة ما، في اكتساب ذلك التواصل العادي والثّقة المعتدلة للشّؤون اليوميّة العامّة، والذي تشكّل وتوطّد بفضل تشابه العمل وتواتر اللقاءات، وهو ما يسمّى بالحميميّة، أو الصّداقة، وفقا لتصوّر من يستعمل هذه الكلمات للتعبير عنها .

“كان دارفل قد سافر في السابق على نطاق واسع، والتجأت إليه لأطلب المعلومة في ما يتعلق بالقيام برحلتي المقررة. كانت أمنيتي الخفيّة هي أن يقتنع بمرافقتي. كان أيضا أملا ممكنا، يتأسس على قلق غامض لاحظته فيه. والذي منح أملي هذا قوّةً متجدّدة، تلك الحيويّة التي أبداها تجاه هكذا شؤون، ولامبالاته الواضحة لكلّ ما يحيط به في الحين. هذا ما لمّحت به في الأوّل ثمّ عبّرت عنه: أمّا إجابته، ولو أنّي توقّعتها جزئيّا، فإنّها وهبتني كامل المتعة الكامنة في المفاجأة – لقد وافق. وبعد التحضيرات اللازمة، انطلقنا في رحلاتنا. وبعد الترحال في بلدان عديدة في جنوب أوروبا، فإنّ اهتمامنا تحوّل إلى الشّرق، وفقا لوجهتنا الأصليّة، وخلال تجوالي في هذه المناطق، وقعت الحادثة التي سأرويها.

“كانت حالة دارفل الجسدية، والذي بدا من هيئته أنّه كان قويًا في سنوات شبابه، قد أخذت منذ مدّة في التّلاشي تدريجيّا، دون تدخّل أيّ مرض واضح، فلم يكن يعاني من كحّة أو حمّى، ومع ذلك صار أكثر وهنًا، يوما بعد آخر، تصرّف باعتدال، ولم ينتكس أو يتذمّر من التّعب، لكنّه كان يضعف تدريجيًا على نحو واضح. زادَ صمته وأرقه، وبطول الوقت تغير على نحو خطير، إلى درجة أنّ خوفي أصبح متعلّقا بما أعتقدت أنّه خطر عليه.  

“عند وصولنا إلى سميرنا، عزمنا على رحلة إلى آثار إفيزوس وسارديس وحاولت من خلالها أن أنصحه بالعدول نظرا لحالته الصحية الحالية – ولكن دون جدوى. لقد تصرّف كما لو أن جنا استحوذ عليه، ومع ذلك برزانة، وهو ما تنافر مع حماسه لمواصلة ما اعتبرتُه مجرّد حفلة للمتعة قلّما تناسب شخصًا معلولاً.  ولكنّي لم أعارضه أكثر- وفي غضون بضعة أيّام انطلقنا معا، مصحوبيْن فقط بعربة وجنديّ انكشاريّ واحد.

” قطعنا نصف المسافة نحو آثار إيفيزوس، تاركيْن وراءنا ضواحي سميرنا الخصبة، ودخلنا ذاك المسلك البرّي وغير المأهول، عبر الأهوار والممرّات الضّيّقة التي تقود نحو بعض الأكواخ التي ما تزال ماثلة فوق أعمدة معبد دِيانا المكسورة – الحيطان غير المسقوفة للمسيحيّة المرحّلة، والخراب التام لمسجد تمّ  هجره في مرحلة متأخرة – عندما أجبرنا المرض المفاجئ والسّريع لمرافقي على التوقّف في مقبرة تركيّة، شواهد القبور المغطّاة كانت الشيء الوحيد الذي يدلّ على الحياة البشرية التي أقامت يوما  في البراري. الفندق الوحيد الذي رأيناه مررنا به قبل ساعات، ولم يكن على مد البصر أو الأمل بقايا مدينة أو حتّى كوخ، و”مدينة الأموات” هذه بدت الملجأ الوحيد لصديقي سيء الحظّ، والذي بدا على حافّة أن يصبح آخر ساكنيها. 

 “في هذه الحالة، بحثت في الأنحاء عن أكثر مكانٍ يستطيع فيه الاسترخاء براحة: – على عكس المظهر المعتاد للمقابر الإسلاميّة، كانت شجرات السّرو هنا قليلة العدد ومبعثرة على امتدادها على نحو ضئيل، أمّا شواهد القبور فقد كانت متهدّمة في معظمها وبالية بفعل الزّمن، وأسند دارفل نفسه على أكبرها وتحت أكثر الشّجرات امتدادا، بوضع نصفِ مستلق وبصعوبة كبيرة. طلب ماءً. كان لديّ بعض الشّكوك في قدرتنا على إيجاد بعض منه، واستعددتُ للذّهاب بحثا عنه بحزن متردّد. ولكنّه أرادني أن أبقى، والتفت إلى سليمان، جنديّنا الإنكشاري، الذي كان يقف قربنا يدخّن بهدوء كبير، وقال “سليمان، أحضر بعض الماء.” وبدأ يصف المكان الذي من المفترض أن يجد الماء فيه، بدقّة متناهية، في بئر صغيرة مخصصة للجمال، على بعد بضع ياردات على اليمين. أطاع الإنكشاريّ. سألت دارفل “وكيف تعرف هذا؟” – أجاب “في حالتنا هذه، يجب أن تلاحظ بأنّ هذا المكان كان مأهولا في السّابق، ولم يكن ليكون كذلك لولا وجود الينابيع: لقد كنتُ هنا أيضا في السابق.”

 ” كنتَ هنا في السابق! – كيف أمكنك ألاّ تخبرني بهذا؟ وما الذي عليك فعله في مكان لا يستطيع أحدٌ أن يبقى فيه لحظةً أكثر ممّا يحتمله؟”

لم أتلقّ إجابة على هذا السّؤال. في الأثناء، عاد سليمان بالماء، تاركا العربة والأحصنة عند الينبوع. بدا إطفاء عطشه أنّه يحييه للحظة، وعلّقتُ آمالا في قدرته على المواصلة، أو على الأقلّ أن يعود، وحثثته على المحاولة. كان صامتا – وبدا أنّه يستجمع قواه على الكلام. بدأ –

 “هذه نهاية رحلتي، وحياتي – جئت إلى هنا كي أموت، ولكنّ لي طلبا، أمرا – سيكون بمثابة كلماتي الأخيرة – هل  ستلبيه؟

“طبعا، ولكنني أتمنى الأفضل.”

“ليست لي آمال، ولا أمنيات ما عدا هذا – أخفِ موتي عن كلّ كائن بشريّ.”

“أتمنّى ألاّ يكون هناك داع، سوف تشفى و-“

“اصمت! سيكون الأمر هكذا: عِدْ بهذا.”

” أعد بهذا.”

” أقْسِم بهذا، بكلّ ما..”

وهنا حلف يمينا ذا جلال عظيم.

” لا يوجد داعٍ لهذا. سوف ألبي طلبك، وأن تشكّ في.. “

“هذا غير ممكن- يجب أن تُقسم.”

أديّت القسم، وبدا أنّ ذلك أراحه. نزع من إصبعه خاتما ذا طابع عليه بعض الحروف العربية، وقدّمه إليّ. ثمّ تابع –

” في اليوم التاسع من الشّهر، عند منتصف النهار تحديدا (أيّ شهر تريد، لكن لا بدّ أنّ هذا هو اليوم)، يجب أن ترمي بهذا الخاتم في ينابيع الملح التي تصب في خليج ألوسيس، وفي اليوم التالي، عليك أن تذهب إلى أطلال معبد سيريس سيريس، وتنتظر ساعةً”

“لماذا”؟

“سترى.”

“تقول اليوم التاسع من الشهر؟”

“التاسع”

بعدما لاحظتُ له بأنّ اليوم، كان اليوم التاسع من الشهر، تغيّرت ملامحه، وتوقّف. عندما جلس، وكان واضحا أنه صار أكثر ضعفا، حطّ على شاهدة قبر حذونا، طائر لقلق يحمل أفعى في منقاره، ودون أن يلتهم فريسته، ركز نظره نحونا بثبات. لا أعرف ما الذي دفعني لإبعاده، ولكنّ المحاولة كانت بلا جدوى. حام بضع حومات في الهواء، وعاد بالضبط إلى نفس المكان. أشار دارفل نحوه، وابتسم – ثمّ تكلّم – لا أعرف إليّ أم إلى نفسه- ولكنّ الكلمات كانت فقط “هذا جيّد!”

” ما الجيّد؟ ماذا تقصد؟”

” لا يهمّ، يجب أن تدفنني هنا هذه اللّيلة، وتحديدا هناك أين حطّ الطّائر الآن. تعرف بقيّة وصاياي. ” وبعدها واصل في منحي بعض التوجيهات على نحوٍ يجعل موته مخفيّا على أحسن وجه.  وبعد انتهاء التوجيهات، صرخ “هل ترى ذاك الطائر؟”

“بالتأكيد.”

“والثعبان الذي يتلوّى في منقاره؟”

“دون شكّ، لا يوجد أمر غير مألوف في ذلك، إنّه فريسته الطّبيعيّة. ولكنّ الغريب أنّه لا يلتهمه”.

“ضحك بطريقة مروّعة، وقال بصوتٍ ضعيف “لم يحن الوقت بعد!” وبينما كان يتكلّم، طار اللّقلق بعيدا. تابعته بعينيّ للحظات – كانت على الأكثر عشر ثوان معدودة. شعرتُ بثقل وزن دارفل، يضغط على كتفي، وعند التفاتي لأنظر في وجهه، وجدت أنّه ميّت !

“كنت مصدوما بالحقيقة المباغتة التي لا يمكن إخطاؤها  أصبحت ملامحه تقريبا سوداء في غضون بعض الدّقائق. كنت سأقرن هذا التغيّر السّريع جدّا بالسمّ لو أني لم أكن واعيا أنّه لم يكن هناك مجال  ليتناوله دون أن أشعر. حل المساء، والجثّة تحولت بسرعة شديدة، ولم يبق شيء غير أن ألبّي طلبه. بمساعدة خنجر سليمان وسَيفي، حفرنا قبرا صغيرا في المكان الذي أشار نحوه دارفل: كان التراب يستجيب بسهولة، وقد استقبل في السابق بعض الساكنين المسلمين. حفرنا عميقا بقدر ما سمح لنا به الوقت، وبعد أن أهَلْنا التّراب الجافّ فوق ما تبقّى من الكائن الفريد الرّاحل للتو، قطعنا بعض أوراق العشب الأكثر اخضرارا من التّربة الأقلّ ذبولا حولنا، ووضعناها فوق مدفنه.

“بين الدّهشة والحزن، كنتُ مجرّدا من الدّموع.”   

 

لا ينتشي جلال إلا بإرباك كلّ شيء من حوله. كان شيطان القرية المرعب. يهاجم أقنان الدجاج ومراقد أرانب الجيران في أي وقت لنراه بعد ذلك يشويها في الخلاء هنا قريبا من الغاب أو عند الوادي. لم يكن هناك من يراقبه كان أبوه يشتغل بالعاصمة لا يأتي إلا مرّة كلّ شهرين. لذلك كان يفعل كل ما نخشاه نحن. ولذلك كنّا نحقد عليه. مجرد ذكر اسمه، اعلانُ خطر.

منذ اكتشف نافذة غرفة نوم زوجة العمدة أصبح كابوسها. يتسلّل جلال من فوق سور البيت ليلقي عليها كيسًا بعشرات الضفادع، يكون قد قضى أيامًا يجمعها عند الوادي، فتسمع صراخَها القريةُ كلّها حتى اتّهمها العمدة بالجنون وطلّقها.

أما أنا، غير المرئيّ، فقد كنتُ منشغلا وقتها بصيد العصافير. تعودت أن أكون غير مرئيّ لأصطاد المزيد من العصافير. كلما اختفيت اصطدت المزيد. عندما عدتُ  أول مرة من الصيد كان العصفور يتقافز داخل جيب الجاكيت، ارتاب أبي في أمري. كنت أتحرك بشيء من الغرابة  فأوقفني: 

“تعالَ هنا. ماذا تخفي يا …؟”، قالها وهو  يهم بسحب حزام بنطاله. فاعترفت. سحبت العصفور من جيبي وقلت له:

“إنه عصفور. مجرّد عصفور صغير يا أبي. وجدته عند الغدير”.

“ما اسمه؟”

“لا أعرف. عصفور” .

“العصفور ليس اسمًا”.

حدّثني يومها أبي عن قصة الأسماء وكيف وزع الله الأسماء على الموجودات. ليلتها كان الله يا …. منزعجًا من الضجيج ولأن الموجودات بلا أسماء لم يتمكن من أن يحدد مصدر الضجيج. فجمع الموجودات وأخرج من جرابه الكبير حفنات من الأسماء وراح يوزعها عليهم مثلما كنت اوزع عليك أنت وإخوتك منابات الفول المشوي الساخن. كان الواحد منهم يضع اسمه  الساخن في جيبه ويركض به حذرا، قال أبي. ليلتها، يا بنيّ، كانت الأسماء ضعيفة وهي تغادر جراب الله نحو جيوب الموجودات لذلك كان على تلك الموجودات ألا تعرضها للشمس حتى لا تفسد، وكان على كل منها أن يعتني باسمه في مكان دافئ حتى إذا اشتدّ عوده ناداه فإذا شعر برعدة فإن ذلك الاسم قد نضج فيجربه على المقربين منه.

قبل أن ينهي أبي حكايته حذّرني من تعريض اسمي للشمس قبل أن ينضج. عندما تلمّست اسمي في جيبي وجدته ساكنًا. كعصفورٍ ميت. فقررت أن أسرق اسم جلال. وظللت أتحين الفرصة لذلك حتى وجدتها. كنا نلعب الكرة قريبًا من المقبرة. ترك جلال الملعب وملابسه ودخل المقبرة من جهة الشرق ليتبول فركضت نحو أدباشه قرب حجرة حراسة المرمى. رأيت الاسم يتحرك في جيب البنطال. تثبّت في الجيب الأيمن. كان قلبي يومها يخفق. عليّ أن أنهي الأمر بسرعة قبل أن يعود جلال؟ أدخلت يدي وسحبت الاسم الذي كان في كيس صغير. وضعته في جيبي. وركضت نحو المقبرة من جهة الغرب. في الطريق لاحظت أن اسم جلال كان كبيرًا يملأ جيبي. انتبهتُ أيضًا إلى أنّي لم أترك اسمي في جيب جلال كما فكرت بدلاً عن اسمه وأن جلال صار بلا اسم وصار بجيبي اسمان.

 عدتُ الى البيت أغلقت عليّ باب غرفتي وجلست أراقب الاسمَين وهما يتحركان من تحت القماش. حتى دخل أبي. قلت له “لقد اصطدت اسمًا جديدًا”. انظر إنه يتحرك بقوة في جيبي الأيسر. كان أبي قد مات منذ أشهر بعد أن حدثني عن قصة الأسماء. وكنت في الحقيقة أحدّث اسمه الذي تركه بجيب معطفه المعلق في مقبض النافذة. ظل الاسم يقفز في الجهة اليسرى من البنطال مثل قط. أدخلت يدي وسحبته. كان الاسم قد خرج من الكيس. كان رخوًا. رخوًا جدًا. عندما نظرت إليه كان ضفدعًا بشعًا يرمش بعينيه قبل أن يطلق نقيقًا فظيعًا فرميتُه من يدي. تلمست اسمي بالجيب الأيمن فوجدته جثةً هامدة. رميتُه الآخر وركضتُ بلا اسم. وأنا الآن بلا اسم و كلّما نادوني باسمي القديم محاه الهواء، فلا تصلني إلا أداة النداء فأعلم أنني المعنيّ بالنداء. حتى أمي، كلما تحدثت عني تقول ذلك الذي لا يسمى.

نَسي أبي أن يخبرني أنه منذ أصبحت للموجودات أسماء ظهرت الوشاية وانتشر الوشاة في الأرض وصار الله يعرف مصدر الضجيج.  صار يعرف كل شيء.

 

أوقف أبو مصطفى عربته بمحاذاة الرصيف وربّت بيد كبيرة متشقّقة على رأس الحصان ثم قصد الدكان القريبة، وابتدأ يحمل على ظهره الاكياس الملآى بالحطب، وينقلها الى العربة. وكان الحصان حانقاً دونما سبب. وقد تبدد غضبه قليلا حين عثر على قطعة من قشور البطيخ، فَمَضى يقضمها بسكينة.

وتنبه فجأة الى أن ثمة ولدًا صغيرًا يقف على مقربة منه، ويرمقه مبتسمًا. فقال الحصان لنفسه: “أنا لا أعرفه وسأرفسه إذا دنا مني. سأرفسه رفسة قوية تكسر رأسه”.

وانتهى الحصان بعد حين من مضغ قشرة البطيخ، فانتابه الاسف لانتهائها، وراح يتطلع بغيظ الى الولد وهو يقول لنفسه: “سأرفسه”.

وكان أبو مصطفى في تلك اللحظات مازال منهمكاً في نقل أكياس الحطب ووضعها على سطح العربة٠ وأحس الحصان بالتعب، فقال لنفسه متذمراً: “العدالة مفقودة”.

وكان الحصان قد ولد في المدينة، وقضى حياته كلها في طرقاتها المفروشة بالأسفلت، ولم يغادرها مطلقا. وكان يعرف أن أجداده القدامى كانوا يمرحون طلقاء عبر البراري الشاسعة حيث لا أبنية فيها ولا جدران من حجر، ولكنهم ماتوا جميعاً.

وانحنى الولد، والتقط قشرة بطّيخ كانت بمنأى عن الحصان ثم اقترب على مهل، فَهمّ الحصان بالتراجع غير أنه تريث متشجعاً. ومد الولد قشرة البطيخ نحو فم الحصان. فتردد الحصان لحظةً خاطفة ثم تلقفها دهشًا، وطفق يمضغها بغبطة، وسمح للولد بأن يربت على عنقه بيد أنيسة صغيرة.

وأتمّ أبو مصطفى نقل أكياس الحطب الى العربة. وعندما لاحظ وجود الولد قرب الحصان صاح به: “ابتعد يا قرد”.

ثم لوّح بالسوط، مطلقًا صيحةً آمرةً بالمسير، فاندفع حينئذ الحصان الى الامام، يجر العربة الثقيلة بتباطؤ.

وسارت العربة عبر طرقات عديدة، و بلغت بعد حين شارعًا عريضًا تنتصب الأبنية الحجرية على جانبيه ولم تكد العربة تتوغل حتى اعترض طريقها واحد من رجال الشّرطة، فَصَرخَ أبو مصطفى بالحصان بصوت ممطوط: “هش”.

قال الشرطي: “ألا تعرف أن مرور العربات ممنوع في هذا الشارع؟”. فقال أبو مصطفى: “أعرف”.

“ولماذا جئت اذن من هنا؟”

“الحصان.. أنظر.. الحصان تعبان جداً، واذا مررت في هذا الشارع فسأوفّر على الحصان مشيًا كثيرًا”.

فغمر الحصان حنان عارم. وقال الشرطي: “سَير العربات ممنوع في هذا الشارع. انه للسيارات وللناس الذين يسرون على أقدامهم فقط”.

قال أبو مصطفى: “أعرف”.

ولعق شفتيه بلسانه، وأردف قائلاً: “الحصان تعبان وسينقطع رزقي اذا هلك، و أموت جوعاً ويموت  أولادي.. لي أربعة أولاد”.

“ارجع. ولن أعاقبك لمخالفتك النّظام والقانون”.

“لي أربعة أولاد يأكلون حتى الحجر”.

وأطلق أبو مصطفى ضحكة قصيرة جافة وكأنّها مدية صغيرة شرسة، ثم أضاف قائلاً: “سأقول الصدق.. أنا لا أخاف على الأولاد إنّما أخاف على أمهم”.

 فقال الشرطي متسائلا بفضول: “ولماذا تخاف عليها؟”

وكانت الاشجار خضراء على جانِبَي الشّارع، وتمتدّ في الأعلى سماء رحبة زرقاء. وأجاب أبو مصطفى: “أخاف أن يأكل الأولاد أمهم إذا جاعوا. أسنانهم فظيعة”.

ومرّت سيارة تسير بسرعة كبيرة، فَنَفخ الشرطيّ في صفّارته، فَلَم تتوقف السيارة، واستطاع الشرطي أن يلمح رقم لوحتها قبل أن تنأى عن بَصَره، فسجّله على غلاف دفتره. والتفت الى أبي مصطفى محتقن الوجه غيظاً، وقال له: “هيا ارجع”.

“دعني أمرّ هذه المرة فقط”.

 فقال الشرطيّ بصرامة: “ألم تسمع ما قلت؟ ارجع”.

“مرّة واحدة فقط”.

“ارجع. القانون قانون ولا فائدة من التوسّل”.

“الحصان تعبان”.

“هيا ارجع”.

“الله يحفظك لأمّك”.

“الله لا يحفظني، أنا لم أخترع القانون. أنا أنفّذ أوامر صادرة إليّ، وأنت يجب أن تطيع هذه الاوامر”.

فلم يفه أبو مصطفى بكلمة إنما تخيل القانون مخلوقاً ضخماً له آلاف الأيدي: القانون يأمر الشّرطيّ فيطيع الشّرطيّ، ويأمر الشّرطيّ أبا مصطفى ويجب أن يطيع أبو مصطفى الأوامر.

ووقف أبو مصطفى مترددًا هنيهات، فصاح به الشّرطيّ: “ارجع. واذا لم ترجع حالا فستندم”. فاتجه أبو مصطفى نحو العربة، وكان غضب الحصان عندئذ قد بلغ الذروة، فجمع قوته كلها، واندفع جامحًا الى الامام، فبوغت الشرطي بالعربة المندفعة نحوه، وحاول أن يقفز الى الرصيف، فلم يتمكن، وصدمه الحصان، فسقط على الارض منطرحاً على ظهره، ووطأت صدره سنابك الحصان ثم مرت فوقه عجلات العربة وتخضبت بالدم الاحمر. ودهش الحصان حين رأى صاحبه لم يبتهج إنما امتلكه الذعر والوجوم ثم انطلق يركض هارباً. وبعد لحظة توافد الناس مهرولين، وتحلّقوا حول العربة، يتألق في عيونهم الخوف الممتزج بالشهوة الخفية، كأن الشرطي المسحوق ليس إلا جسد امرأة جميلة.

ولم يتفرق الناس الا عندما حضر رجال الشرطة، وبادروا الى اعتقال القاتل. وَكان القاضي عادلا، فسيق الحصان في فجر أحد الايام الى ساحة رئيسية خيل الى الحصان أنها ما تبقّى من البراري.

ووقف الحصان مبتهجاً لأنّه قبل وصوله الى الساحة قد اجتاز شوارع عريضة كان يُمنع من السير فيها من قبل، ولكن بهجته لم تدم طويلا اذ تدلى بعد حين مشنوقًا.

(من مجموعته القصصية “الرّعد”، 1970)

 

1

 منذ ثلاثين عامًا وتزيد. تعرّفتُ إليه وهو في الرابعة والعشرين، وكان تخرّج للتوّ من مدرسة السياقة في المدينة. في بطاقة هويته كتبوا إلى جانب المهنة: “سائق باص”، وكانت هذه كفيلة، إلى جانب صورته البراقة، بأن تدخلني إلى قفص الزوجية الذي بناه لي، في قريتنا الجميلة النائية.

كنتُ في أثناء الخطوبة أحلمُ ليلَ نهارَ بالرحلات وبالفُسح الجميلة والطويلة التي سنقضيها سويةً، ولم أفهم حتى اليوم ما قصدته أختي الكبرى في إحدى ليالي السمر الصيفية على سطح البيت، حين قالت لي بدلع وحياءٍ مكظومٍ وصوتٍ مكتومٍ: “كرسي الباص الأخيرة طويلة، ولن تنسي طعمتها”.

قبل الزفاف بيومين، حين تجمعت كل صديقاتي في القرية لليلة الحناء، أخذنَ جميعهنّ بالتندر على شكلي وأنا جالسة في الكرسيّ الأول من وراء زوجي، وهو يصطحبني في رحل ونزهات كُنّ جميعهنّ يحلُمن بها. إحداهنّ حلُمت بالذهاب إلى القدس، والأخرى إلى يافا والثالثة قالت بتأكيد غريب: “بانياس أجمل الأماكن في العالم! دعيه يأخذك إلى البانياس”.

لم نفهم وقتها تأكيدَها القاطعَ هذا وسألناها عمّا إذا كانت ذهبت إلى البانياس، فأجابت بأنّ أخاها كان هناك قبل سنة وقال إنها أجمل الأماكن في العالم. وضحكنا حتى دمعت أعيننا… ثم قالت أختي الصغرى بحسد واضح وافقها الجميع عليه: “أنتِ ونحن نسمع بالأماكن والرحلات، بينما ستكون أختي هي الوحيدة التي سترى هذه الأماكن بحق وحقيقة”.

وتنهّدتُ بفرحٍ وخوفٍ كبيريْن.

2

أستيقظ في كلِّ صباح في الخامسة فجرًا. أطبخ لنفسي غلاية صغيرة من القهوة السوداء الحلوة وأستقبل الشمس القادمة من رحلتها وهي حمراء ناضجة نضوج التين “الحمّاري” في كرم والدي المرحوم. أشربُ قهوتي بصمت ولا أضايق الشمس الآتية من رحلتها اليومية. لا شكّ في أنها مرهقة جدًا الآن، ولا تنقصها ثرثارة مثلي لتروي لها عن حياتها مع زوجها سائق الباص. أشربُ القهوةَ وأحلمُ برحلات الشمس اللانهائية، وأتمنى لنفسي واحدةً منها على الأقل.

في تلك الهنيهة الصباحية لوحدي، أكتشفتُ لوحدي، أنّ الشمس تزور عمليًا كل العالم في 24 ساعة، كلّ يوم! ما أقواها وما أجمل حياتها، هذه الشمس. تطوفُ كلَّ العالم لوحدها، ومن دون كلل أو ملل، تطوفُ ولا تتعبُ، تمامًا مثلما وعدتْني أمّي قبلَ أن يأتي أهل العريس ليأخذوني من بيت أهلي بساعة. ثم مالتْ عليّ قليلاً وقالت بتوسّلٍ لم أعتقد أنه سيبدرُ عنها يومًا: “إبقي اذكريني في رحلاتكم الجميلة”.

عندما يستيقظ زوجي تكون غلاية القهوة الثانية قد نزلت للتوِّ عن قرص النار. لا يُنظف أسنانه أبدًا ومع ذلك فإنها ناصعة وقوية مثل أسنان الحصان. أمي كانت تقول دومًا إنّ زوجي يأتي من عائلة كل رجالها مثل الخيل: أقوياء وأصحّاء وأسنانهم كبيرة وبيضاء. حتى إنّ أبي المرحوم لم يُخفِ حماسَه من أحفاده الذين سأنجبهم له، لأنهم “سيُولدون كالخيل، يرفعون الرأس إلى أعلى”.

ومع ذلك وددتُ لو ينظف أسنانه، خاصةً في الصباح، حين يهمّ بي أحيانًا، وأنا أيقظه، فيشدّني من يدي ويستلقي فوقي على السرير ولا يكترث بشيء. لا ينتظرني حتى لأستيقظ كما يجب، أو لأغسل وجهي. وما أن أستيقظ كما يجب حتى يكون قد انتهى من اللهاث السريع ذي الرائحة الكريهة، فينكفئ على الجانب الآخر ويسأل بهدوء: متى ستنهضين؟

ولكنني ربّيتُ أبنائي على تنظيف أسنانهم. لا أريد لأيٍّ منهم أن تتضايق منه زوجته في الصباح أو قبل النوم. على أبنائي أن يكونوا رجالا أصحاء وجميلين وحسّاسين لنسائهنّ. ولو كانت وُلدت لي ابنة -كما أملتُ دائمًا- لكنتُ صنعتُ منها أفضل امرأة في الدنيا. ولكنتُ بعثتُ بها إلى الجامعة وعادت إليّ طبيبة تطبّب لي عظامي المتفكّكة ومفاصلي التي بدأت تلتهب. طبيب القرية قال لي إنّ عليّ أن أريحَ جسدي وأن أتوقف عن القيام بأية مشاغل صعبة. الحمار. لا يكفي أن يذهب المرء إلى الجامعة ويصبح طبيبًا، عليه أن يكون ذكيًا أيضًا وفطينًا. ومن سيقوم بكلِّ مشاغل العائلة والبيت؟ هو؟ لو وُلدتْ لي ابنة وصارت طبيبة أفضلَ منه بألف مرة لكانت علّمته درسًا في الحياة يسوى كل المعدات الباردة التي يضعها على جسدي عندما أذهب إليه. يضعها ويطيلُ وضعَها ولا أتبرّم لسببٍ لا أعرفه.

3

خمسة أبناء وكُلهم رجال متعلمون مثل الورود الحمراء البراقة في لحظة صفاء نادرة. أنظر إليهم ولا أتحسّر إلا على المرات التي لم أقبّلهم فيها أكثرَ مما قبّلتهم، لا أتحسّر إلا على المرات التي كنتُ أعلم أنهم يقظون فيها يدرسون وأنا خالدة للنوم.

البكر مهندس والثاني معلم والثالث ممرض والرابع تاجر في سوق يسمونها البورصة والخامس يعمل في بنك القرية. ما زال أعزبَ “قريد العشّ”. الوحيد الذي لم يستقرّ في بيت له، ولكنني أتمنى بيني وبين نفسي أن يتأخرَ قليلا أكثرَ، كي يُؤنسَ وحدتي في العصريات الطويلة التي يكون فيها زوجي غائبًا، يسوقُ الباصَ آخذًا أربعين أو خمسين شخصًا في رحلة جميلة.

المرة الأولى التي ركبتُ فيها الباص كانت بعد الزواج بيوميْن. كان ما زال فرجي يؤلمني من ليلة الدخلة، وكنتُ كلما تذكرتُ اللحظة الأولى أهرعُ للتقيؤ في المرحاض، متعللة بأمٍر ما قد أكون أكلتُه في ليلةِ الزفاف. ولكنني كنتُ على الرغم من شعوري هذا أنتظر بلهفةٍ ركوبَ باص الشركة الذي يسُوقه زوجي وأن نمضي معًا في رحلات طويلة نلحق بها أثر الشمس الغائبة، فلا تغيبُ. في المرة الأولى ذهبنا في الباص إلى المدينة المجاورة وتعشيْنا سمكًا مشويًا. كان لذيذًا، واستغرقني أسبوع حتى علمتُ فيما بعد أنّ هذه “الرحلة” كانت شهر العسل الذي يتحدثون عنه.

لم آبه كثيرًا بشهر العسل القصير، فقد كنتُ متأكدة من أنّ شهورًا من هذا العسل آتية لا ريب فيها. بعد أربعة أيام عاد زوجي إلى العمل. ولمّا عاد، طلب مني أن أنظف الباص الذي ملأه الطلاب الملاعين بالمُسليّات والمُكسّرات والقيءِ. نظفتُه كما لو كان غرفةَ نومِنا. عادَ يلمع مثل البلّور وعاد فرجي يؤلمني في تلكَ الليلةِ تمامًا كما في الليلةِ الأولى. ولكنني لم أنبس بكلمةٍ؛ فغدًا سيأخذني إلى رحلةٍ جديدةٍ.

4

صارَ ينطلقُ في كلِّ صباح إلى عملِه، إلى رحلاتِه، ولا يعودُ إلا في المساء. وبعد أن يتعشى، آخذُ أدواتِ التنظيفِ وأصعدُ إلى الباصِ الطويلِ وأُعمِلُ فيه تنظيفًا، حتى يعودَ جديدًا كما خرجَ من الشركةِ. مع الوقتِ صرتُ خبيرةً بالنفايات التي أجمعها من الباص، وبواسطتها صرتُ أتكهّنُ بأعمار المسافرين وطباعِهم وأهدافِ رحلاتِهم. في مراتٍ كانَ يعودُ الباصُ نظيفًا إلا من بعضِ الأوراقِ البيضاءِ المكتوبةِ عليها كلماتٌ بلغةٍ لا أعرفُها؛ في مراتٍ أخرى كان يعود مليئًا بأغلفة المسليات والنقارش وعلب المشروبات الخفيفة الفارغة، وبعض القيء هنا وهناك.

ومع الوقت أيضًا لم أعدّ أحسّ بأية آلامٍ عندما يهمّ بي، كأنّ مصدر الألم انطفأ إلى الأبد، ففرحتُ لانطفائه ولم أزل.

عندما ولدتُ الأول، وعدني زوجي سائق الباص برحلةٍ خلابةٍ أستعيد فيها عافيتي وأعوّض على ولادتي العسيرة الأولى. ولكنه نسي، بعد أن توفت حماتي من ولادة البكر بثلاثة أيام، وأنا خجلتُ من أن أسألَه عن الرحلةِ الموعودةِ، لأنه صار يعودُ في أغلبِ الأحيانِ غاضبًا ومُزمجرًا ويبرطمُ بعباراتٍ فيها شتائم ومسبّات على صاحب الشركة وعلى زملائه وعلى ظروف العمل المهينة. عندما وُلد الثاني لم يقترح أية رحلة، وأنا لم أفاتحْه بالموضوع؛ فالولادة الثانية كانت سهلة نسبيًا للأولى، ولم أعتقد بيني وبين نفسي أنني أستحق رحلة في باص زوجي على ولادةٍ سهلةٍ.

بعد أن ولدتُ الثالثَ تيقنتُ نهائيًا من أنَّ الرحلةَ التي أنتظرُها لن تأتي أبدًا. كيف سنخرجُ في رحلةٍ جميلةٍ وطفلي رضيعٌ والطفلان الآخران يبكيان لأتفهِ الأسبابِ؟

كنتُ استقبل صديقاتي الفرحات العائدات من رحلاتهنّ مع أزواجهنّ إلى القدس ويافا وبانياس وأبتسم تأدبًا، وأنا أستمع إلى تفاصيل مثيرة وأخرى مملة لا يتعبنَ من تردادها، وأتجاهل الواحدة منهنّ حين تقول على حين غرة: “ألا تحديثننا عن رحلاتك في الباص الجميل”؟

ومن دون أن أدري تحوّلت علاقتي مع الباص إلى علاقةِ دلوٍ مليءٍ بالماءِ والصابونِ، ومكنسةٍ وبعض أقمشيةٍ باليةٍ. في كلِّ يومين أو ثلاثة أصعدُ إليه وأمسحُ بقايا القيءِ والأكياسِ التي خلّفها الصغارُ خلفَهم. صرتُ خبيرةً في أنواع الأكياس وألوانها وأسماء المسليات التي بها، وهكذا صرتُ أشتريها لأبنائي عندما يهمّون إلى رحلةٍ مدرسيةٍ. كنتُ أملأ حقائبَهم بأشهى المُسلّيات وأودّعُهم دامعةً وهم يركبونَ الباصَ في الرحلةِ المدرسيةِ التي لم يكونوا ينامون في الليلة التي تسبقها. كنتُ أسمع همسَهم في الليل وهم يتجاذبونَ أطرافَ الجّمَلِ حول المكان الذي سيذهبون إليه وحول زملائهم وما اشتروه وكيف أنني دائمًا أشتري لهم أفضلَ المسليات، إلا أنهم كانوا يُجمعون دائمًا على أنّ زوجي أفضلُ رجل في الدنيا لأنه يأخذهم في رحلات المدرسة ويحفظ لهم دائمًا المقعد الأخيرَ الطويلَ.

وكنتُ أتقلّب في سريري وأنظر إلى السقفِ المعتمِ وأتذكرُ أنّ خالتَهم أيضًا كانت من مُحبّي المقعدِ الطويلِ في الخلف، مع أنها هي الأخرى لم تُجرّبه في حياتها.

في كل صباح كانوا يخرجون إلى المدرسة في الباص الكبير، الذي عتق وصار مهترئًا، ويتركونني لوحدي على قارعةِ المدخلِ ألوّحُ بيدي وأستنشقُ رغمًا عني دخانَ “الديزل” الأسودِ الكريهِ.

عندما وُلد الرابعُ حصل زوجي على باص جديد من الشركة. كان منظرُه خلابًا ونظيفًا وجديدًا؛ كان يعبق براحةِ أغطيةِ الكراسي الجديدةِ وكدتُ لفرطِ اندهاشي أن أقعَ إلى الخلف عندما قال لي زوجي بفخرٍ إنّ به فيديو وتلفازًا! ولكنّ فرطَ الدهشة جعلني أيضًا أندفعُ إلى الخلف مُروَّعَةً فاندلق دلوُ الماءِ والصابونِ الذي أحضرتُه لتلميعِ الأرضيةِ اللماعةِ أصلاً، فتوسختِ الأرضُ بالماءِ ووسّخَ قسمٌ منه أرجلَ أبنائي الواقفين خلفي، فاندهشوا وتريّبوا! فلطمَني زوجي بيده على وجهِي، كما يفعلُ عادةً عندما يغضبُ، وصاحَ: يا بقرة! ألا يليقُ بكِ حتى باص جديد؟

لم يفعل أبنائي شيئًا، بل نكّسوا رؤوسهم وخرجوا بصمتٍ من الباص، تاركينني أمسحُ دموعِي وأمسحُ الماءَ عن أرضيةِ الباصِ بسرعةٍ وحرصٍ كبيريْن، كي يتركني بحال سبيلي، فالأولاد يروْن!

منذ تلك اللحظة صرتُ أكره هذا الباص الجديد. أنظفه رغمًا عني، وبكسل واضح. حتى إنني كنتُ “أنسى” في كثير من الأحيان أكياسًا صغيرة أو بقعة قيء أعرفُ أنّ رائحتها ستزكم أنفه في اليوم التالي. لم يكن يهمّني؛ لو كان يهتم بتنظيف أسنانه لاهتممتُ به أكثر!

5

بدأ الأبناءُ بتركِ البيتِ للدراسةِ وصرتُ أحترفُ الجلوسَ عصرًا عند مدخلِ البيتِ أنتظرُ شبحَ الباص الجديدِ. وقد أحسَنَ بِكري صُنعًا -وأيّما إحسانٍ- حين ركّب على سطح المنزل صحنًا كبيرًا مُدوّرًا قال إنه يزيد على القنوات في التلفاز أكثر من 100 محطة، فلم أصدّقه إلا حين أخذَ يقلّب بينها، وقامت قيامةُ الأبناءِ الآخرين وزوجي، كلٌ يريد أن يشاهد محطة بعينها، إلى أن صاحَ زوجي ونهرَ، ثم أخذ يقلّب حتى وصل محطةً كان فيها رجلان يصرخان على بعضهما البعض. بعد برهة قال “قريد العش”: “هذه محطة اسمها “الجزيرة”. “محطة أخبار”.

ولكنني لم أحبّ “الجزيرة” يومًا، فهم يصرخون على بعضهم البعض طيلة الوقت. كنتُ أحبُّ مشاهدةَ الأغاني وبرامج التطبيب بالأعشاب والمسلسلات العربية. لا أعرف حتى الآن كيف صمدتُ طيلة الوقتِ من دونِ هذه المسلسلات. وأكادُ أقسمُ بأنني أذكرُ حلقاتٍ كاملةً من مسلسل “مفيد الوحش” و”الجوارح” عن ظهر قلب؛ فما أن ينتهي بثّ حلقاتِ المسلسلِ على قناةٍ ما حتى تبدأ قناةٌ أخرى ببثها، لتعيد القناةُ الأولى ببثها من جديدٍ في الليل المتأخرِ، وقناة أخرى وأخرى وهكذا، حتى استغنيتُ عن أية صلة بما حولي وصرتُ أنا والصحن المدوّر الكبير أعزّ صديقيْن: أنا أؤنس وحدته في الصالة، وهو يأخذني في رحلات لم يكن ليحلم بها أيّ سائق باص.

كان كلما يطلّ زوجي من بعيد تعودُني ذكرى الألم القاتل إياه من ليلة الدخلة، فأهرع للتقيؤ خلف البيت. فيما بعد قال لي الطبيبُ إنّ عندي جرحٌ في المعدة وإنّ القيءَ الدائمَ الذي ينتابني سببُه موادّ التنظيف التي أستعملها، فنصحني باستبدالها، فاستبدلتُها. ولمّا لم يتوقف القيء قال يائسًا: المهم ألا تأكلي كثيرًا، فتتقيّئين أقلَّ. وهكذا صرتُ آكل قليلاً، وأتقيّأ قليلاً وأنحف كثيرًا، وصرتُ أسمح للطبيب بأن يطيلَ وضعَ أدواتِه على جسدي كيفما شاء، وأحيانًا كان يستغني عنها ويتحسس مواضع الألم بيديه، مرتعشًا حتى يهدأ.

6

عندما رأيتُ هذه القطعةَ المطاطيةَ الطويلةَ لم أفهم ما هي. كما أنني لم أتيقن من هذا السائل اللزج المحبوس بداخلها. كانت القطعة المطاطية ملقاة في نهاية الباص على الكرسي الأخير الطويل، نفس الكرسي الذي قالت لي أختي قبل دهر من السنين إنني لن أنسى طعمَه. عندما تعرفتُ على رائحة السائل اللزج لم أتمالك نفسي فتقيأتُ على الكرسي ووسخته شرّ توسيخ. ثم صرتُ بعد هذه الحادثة أفتعل النوم في تلك الصباحات التي يأتيني فيها من الخلف، فيبلغ مشتهاه وأنا “نائمة”- فأريحُ وأستريح!

7

أجلسُ في كل صباح لوحدي، في الخامسة صباحًا، وأسأل الشمس بصمت عن رحلتها الطويلة. أنظر إلى الباص الذي يقودُه زوجي في رحلاته الكثيرة وأودّ لو أسأله عن الأماكن التي زارَها وعن الناس الذين رقصُوا وغنّوا على مقاعدِهِ ليومٍ كاملٍ. حتى أبنائي الذين أحبُّهم أقلّوا من زياراتهم وهُم لاهون عني بزوجاتهم وأحفادي الذين أنتظرُهم بفارغ صبرٍ.

ومنذ أن وُلد أحفادي وكل أبنائي وزوجاتهم يغيبون في رحلات طويلة، لا يشبعون منها، وأنا أنتظرهم دائمًا ليعودوا إليّ بخِمار شتوي أو بقطعةِ قماش أخيّطها على ذوقي. أبنائي أشبه ما يكونون بالرحّالة، يحبّون الرحلاتِ أكثرَ من أيّ شيءٍ آخرَ. فهكذا علّمتُهم وهم صغار: لا تفوّتوا رحلةً في حيواتِكم، ولا تفوّتوا فرصةً للسّفر مهما حييتم. اسمعوا مني، فأنا أمّكم وأعرف أكثرَ منكم في الرحلات!

صرتُ أرحلُ كيفما أريدُ وأينما أريدُ، وأنا جالسةٌ في مقابل القنواتِ الكثيرةِ حتى صرتُ أكرهُ الرحلاتِ الحقيقيةَ والباصَ وزوجي، وصرتُ أقلِل من الخروج إلى الشرفةِ أو مبارحةِ مكاني في الصالة. بعد أن أنهكني المرضُ وداءُ المفاصل، موّل لي التأمين الوطني مساعِدةً تأتي لتعينَني على مهمّاتي الحياتيةِ ولترتبَ المنزلَ المُقفرَ. فـ “قريد العشّ” قرّرَ السكنَ في المدينة، حيث يسكن أخُوه الكبير، “ففرصُ العمل هناك أكثرَ”.

صرتُ أجلسُ ساعاتٍ وساعاتٍ، أسافرُ في أيةِ رحلةٍ أريدُ، وفي أيّ باص أختارُ، وعبرَ أيّ مسلسلٍ أرتئيه. ومع أنّ نظري خفّ كثيرًا وسمعي أكثرَ، إلا أنني ظللتُ قادرةً على التمييز بين الصُور والأحاديثِ وأطيافِ الأماكنِ التي أراها على الشاشة.

وهكذا سمعتُ صوتَه من الداخلِ يصيحُ: “إلحقيني، إلحقيني، عَم بموت!!” إلا أنني لم ألحقه ولم أفعلْ شيئًا. ماذا يريدُني أن أفعل؟ ثم إنّ نداءاته خفّتِ الآن، ثم توقفتْ تمامًا. أعتقد أنه نامَ الآن. فلينمْ، ماذا يريدُ مني أن أفعلَ؟ فلينتظرْ. فأنا الآن في رحلة وعليه أن ينتظر ريثما أعود.

كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، واتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

 لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلا ميّتا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له:

قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


*من المجموعة القصصيّة “الطلبيّة C345″، منشورات المتوسّط، ميلانو، 2018.

 

ما إن لمح صديقة القادم من الوطن في صالة الاستقبال في المطار، حتى بادره سائلاً إياه:

* هل أحضرت الأمانة؟

مد صديقه يده إلى حقيبة معلقة على كتفه ثم قال وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:

* لقد دوختني بمكالماتك وقولك: “أحضر لي حفنة تراب.” ألم يغترب أحد غيرك يا رجل؟!

ثم أخرج من حقيبته كيسا مليئا بالتراب.

نظر بوجه يخلو من أي مشاعر إلى صديقه الذي قدم لتوه من الوطن، تناول كيس التراب ثم توجه صامتاً إلى القطار.

بقي صامتاً في القطار أيضا، لم يكن يسمع قرقعة عجلات القطار على السكة ولا ضحكات مجموعة من الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزينة بالزمام أو فتيانا يتصايحون فرحا بنصر فريق كرة يؤيدونه. كان يمعن النظر إلى الكيس المليء بالتراب بين يديه.

كان الذين يمرون بقربه على عجل وينظرون إليه، يتخيلونه سكران أو نائما. حتى عندما طلب منه مفتش القطار تذكرة الركوب، أخرج تذكرته من جيبه ورفعها في وجه المفتش دون أن يرفع بصره عن كيس التراب، زم المفتش شفتيه وتغيرت ملامحه وهو يعيد تذكرته إلى يده التي كانت ما تزال معلقة في الهواء.

ثلاثة أعوام مرت وهو بعيد عن وطنه. وفي البلاد الجديدة التي لم تكن لتصبح وطنه صادف مصاعب شتى. قضى سنة بكاملها في سكن للاجئين، وسكن في السنتين الأخريين في منزل أشبه بالكوخ الحقير. لم تسنح له فرصة تعلم لغة البلاد التي وفد إليها، ولم يتمكن من عقد صداقة مع أحد ولم يستطع تأمين عمل يناسبه.

كانت الأيام تمر ثقيلة عليه في تلك المدينة التي لم تكن لتفتح أبوابها له. كان سيجن لو لم يمتلك الهاتف الجوال. ومع أن هاتفه لم يكن يرن إلا نادرا فقد كان يسليه، إذ كان يطلب أرقاما لا يعرف أصحابها ويسارع بالاعتذار قائلا: عفوا لقد أخطأت الرقم! كان يسمع مرات كثيرة أصواتا عنيفة غاضبة تقول: لا تخطئ مرة أخرى! لكنه لم يقلع عن تلك اللعبة لحاجته إلى سماع صوت آدمي والتحدث ولو لثوان قليلة.

كانت دائرة الخدمات الاجتماعية في البلدة تضغط عليه كثيرا ليعمل، لكنه وضع تعلم اللغة نصب عينيه هدفاً أساسياً، ولكن لم يكن هناك أحد ليساعده في تحقيق هدفه ذاك، إلى أن انخرط ذات يوم في البكاء عند موظف الخدمات الاجتماعية الذي يشبه كرة ذات عينين زرقاوين ولسان ألثغ! قال وهو يجهش بالبكاء:

* أرجوك امنحني فرصة تعلم اللغة قبل العمل!!

دخل دورة اللغة لمدة ثلاثة أشهر لم يتعلم خلالها سوى ” أنا فلان، من البلد الفلاني” وبضع جمل للمداولة اليومية.

انهمرت الرسائل القادمة من دائرة الخدمات الاجتماعية مرة أخرى على صندوق بريده البارد الصامت الذي لم يكن ليجد فيه سوى تلك الرسائل الرسمية الجافة الخالية من أي عاطفة!

اضطر لتوزيع الإعلانات، فكان يمشي لساعات في تلك الشوارع الموحشة مثل القبور ليوزع إعلانات للمطاعم والحلاقين وحتى بنات الهوى وكذلك جرائد الإعلانات التي توزع أيام السبت والأربعاء. اسودت أظافر قدميه حتى سقطت. كانت الكلاب في كثير من الصباحات تخيفه بعوائها إذ يقترب من أبواب المنازل ليدس الإعلانات في شقوقها. كان يحس بطعم المرارة في حلقه ثم يكمل مشواره.

ليست الكلاب وحدها، بل أصحاب الكلاب أيضا كانوا يزجرونه قائلين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إليه أو الرد على تحيته الصباحية:

* لا ترم هذه الأوساخ في صناديق بريدنا!!

ثم يستقلون سياراتهم ويمضون.

كان يطأطئ رأسه مضطراً وهو يبلع ريقه ثم يغادر صامتا إلى صندوق آخر.

* * *

توقف القطار في المحطة التي تسبق محطة بلدته، نزل بعض الركاب و صعد آخرون، كانت مجموعة الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزممة ما زلن يضحكن لكن قطيع مشجعي الفريق الذي ربح مباراته الأخيرة نزل من القطار وأفراده يرفعون علب البيرة في الهواء.

نظر إلى تلك الفتيات نظرة خاطفة، ثم عاد إلى التحديق في كيس التراب وشد عليه قبضته كمن يخاف اختطافه، وهدر القطار من جديد.

كان يشعر بالوحدة أنى ذهب. في القطارات، في المطاعم، في الاحتفالات التي يقيمها الناس في الشوارع، في المتاجر الكبرى. ما كان يجرؤ على النظر في وجوه الناس. كان يخشى أن يتحدث إليه أحدهم بتلك اللغة التي لا يتعلمها، فلا يرد على الناس ويتظاهر بأنه لا يسمع.

ولأنه لم يكن يتحدث بلغته أيضاً، فقد خاف من أن يصيبه الخرس وأصبح يتحدث إلى البسط والنوافذ، وإلى الغيوم والصلبان المنتصبة فوق أبراج الكنائس. حتى أنه بدأ يتحدث إلى المانيكانات التي تزين واجهات المحلات أيضاً.

عندما وصل إلى البيت، فتح الباب وهمس بصوت خفيض للتراب الصامت بين يديه في قعر الكيس:

* تفضل ادخل!

وما إن اجتاز العتبة حتى قال:

* اعذرني لأنني أتيت بك إلى هذه الغربة ولكن كان يجب عليك الحضور!!

توجه في بداية الأمر إلى غرفة نومه ووضع كيس التراب عند وسادته التي ينام عليها، لكنه استدرك قائلاً:

* لا. ليس هذا محلك!

دخل إلى الصالون ووضع الكيس هناك. لم يعجبه المكان وأخذته الحيرة فأخذ يتنقل به من زاوية إلى أخرى في شقته الصغيرة إلى أن استقر به المقام في الحمام، فسكب ما بداخل الكيس من تراب على الأرض الباردة الرطبة. ارتفعت كومة من التراب المتعب الجاف الصامت الذي شهد آثار خطواته آلاف المرات، على أرض الحمام. كاد يسمع أنين التراب إذ ينسكب ذرة ذرة على تلك الأرض الغريبة.

تضاعفت دقات قلبه واغرورقت عيناه بالدموع. نظر إلى كومة التراب ملياً ثم قال بصوت مرتجف:

* ها أنذا يا تراب وطني أشم منك رائحة الخراب.

سكب جرعات كبيرة من البيرة في جوفه ثم واصل التحدث قائلاً:

“مضت علي ثلاث سنوات وأنا بعيد عنك، اعذرني إن كنت نسيت اللغة التي كنت أحاورك بها. اعذرني إن خاطبتك في هذه الليلة الموحشة بعدم احترام. هل تذكر عندما حاصر البوليس منزلنا ثم اقتحموا غرفتي؟ أتذكر عندما حطموا قلمي وأحرقوا أوراقي التي سطرت عليها أشعارا تحكي حبي لك، أمام عيني وعينيك؟ أتذكر حينما صادروا كتبي ووضعوها مثل أرانب خائفة في أكياس قذرة؟ لقد قيدوا يدي أمام عينيك – إن كانت لك أعين – وأخرجوني وهم يركلونني ليرموني مثل كيس تبن في سيارة جيب لونها كان يحاكي لونك؟ لقد بقيت وقتها، أيها التراب، صامتا تلعق أحذية قوات الأمن دون أن تشعر بآلام معصمي المقيدين!! وعندما عدت بعد أسبوع في السيارة ذاتها، كنت أنظر من خلال زجاج النافذة إليك، كاد قلبي يتفطر وأنا أرى عجلات سيارة الأمن تزني بك!!

كنت أنت الشاهد الصامت للفجيعة حينما كانت أحذية المخابرات ترسم نقوشا متوحشة عليك وأنت في صمتك ونومك الترابي!!

هل تذكر حين طحن العشق قلبي ذات خريف؟

نعم، بدون شك ما زلت تذكر عندما كانت حبيبتي تحث الخطى كل ظهيرة فوقك لتأتي إلى غرفتي وتضع يديها على عيني المنتظرتين وهي تسأل ضاحكة: من أنا؟ كنت أتغابى فأتحسس بيدي يديها اللتين تشبهان حمامتين أليفتين ثم أرفع أصابعي إلى شفتيها المكتنزتين الدافئتين وأنزل بها إلى نهديها التفاحيين و فخذها اﻟ … وأقول: أنت جنية!!

كنا نتقلب كغمامتين ثائرتين تلهو بهما رياح مجنونة.

كانت حبيبتي تنسج بخطواتها كل ظهيرة بساط الأكاذيب، وكنت أنت على علم بالفخاخ التي تنصبها أمامي، لكنك لم تهمس ولو لمرة واحدة في أذني: حذار من أن تتعثر قدمك بالفخاخ! لم تقل لي ولو مرة واحدة: يا مجنون! لا تثق بالسراب، سيموت قلبك عطشا!! لم تقل لي: لتنته هذه اللعبة، قلبك يتعرض للطحن!!

كنا صديقين أيها التراب. كتبت فيك أروع الأشعار. كنت أشمك بكل ما في رئتي من قوة. كنت أبقي على غبارك الملتصق برموش عيني و ثيابي أسابيع و أياما ولا أنفضه عنها!!

كنت أقول: هذا غبار مقدس، غبار التراب، التراب الذي يغفو أمام باب الدار، التراب الذي يحتضن طفولتي المخنوقة وشبابي الضائع”.

احمرت عيناه رويدا رويدا، وأصبحت علب البيرة المرصوفة على رف المرآة تفرغ علبة إثر علبة، لكنه استمر في التحديق بكومة التراب المنسكبة على أرض الحمام العارية الصامتة وهو يقول:

“أصبحت تائها شريدا. حملت قلبي المحطم وطفت به في كل الأماكن دون أن أجد أحدا يلملم شظاياه. كنت تراني عشرات المرات في حيرتي – إن كانت لك أعين – لكنك كنت تبقى في صمتك الأزلي.

أما كان عليك أن تصبح أمام حزن خطواتي جنونا من غبار فتتطاير في سماء تلك المدينة المجرمة لتخبر الجميع بما يعانيه هذا القلب من آلام؟ أما كان عليك أن تخبرني بكل الفخاخ المنصوبة أمام قلبي؟ أنا الذي كنت أراك أما لي بل أكثر من أم؟

أحرقت منزلي وكتبي قهرا من حياتي البائسة وأوشكت على إحراق نفسي بينما كنت تنظر إلي صامتا، وربما كنت تقول في سرك وأنت تضحك: لقد جن الولد!!

كنت أرى معنى حياتي في حمايتك وحبك، وعندما أسمع كلمة سوء بحقك كنت أجن وأكاد أخفيك في عيني وأذود عنك بنور بصري. كنت مستعدا لبذل دمي فداء لك، ولكن أنت!! آآآآآه. بم أخبرك الليلة؟!

قل لي ما الذي فعلته لأجلي عندما ضاقت بي الأرض وسحقت طواحين الأمل قلبي لتجعله طحينا مشتعلا؟ ما الذي فعلته لأجلي عندما كنت تراني بائسا حزينا جائعا!! كنت أبكي لأجلك ولم أسمح حتى للريح بخطفك من أمام باب الدار، لم أذق للنوم طعما حتى أمنع لصوص التراب من نفيك إلى أرض المجهول!! قل لي – إن كان لك لسان – ما الذي فعلته لأجلي عندما هربت إلى هذه البلاد التي لا تصبح بلادي؟!

كنت تنظر إلي – إن كانت لك أعين – وتراني أروح وأجيء باحثا عن ذاتي التائهة، وعن حياة هادئة وحب صاف، لكنك لم تصبح وطنا لتلك الحياة ولا لذلك الحب!!

كنت تبقى صامتا، كما أنت الآن على هذه الأرض الباردة العارية وفي هذه الليلة الخرساء!! فلا تقل لي بعد: لم أتيت بي إلى هذه الغربة؟!

إنك أنت الذي دفعت بي إلى كل هذا الخراب، أنت من نفيتني. إنه ذنبك أيها التراب، ذنبك أنت. فلا تظنن أنني سأضعك بجانب رأسي على الوسادة لأشمك كل صباح وأقول: ياااه! تفوح من ذراتك رائحة الجنة!!

لا. لا أبداً. لكنني ﺴ…………. “

فجأة عمد إلى أزرار بنطاله وأخذ يحررها عن عراويها بسرعة، ثم بدأ يتبول على حفنة التراب المتكومة كأنين صامت على أرض الحمام الباردة الرطبة.

 

ليس هناك جسم جامد كالمفتاح يحمل المشاعر التي يحملها، فالبصمات التي تبقى عليه ولا يمحوها قانون التقادم هي رسم خفي لاحاسيس الناس الذين حملوا المفتاح واخترقوا عالمهم او خرجوا منه، كالرسم البياني على جهاز تخطيط القلب، يسجل الغضب والحزن والفرح والسكينة، فكيف يكون المفتاح حين يحمله شاعر غادر البيت حاملاً مفتاحه وديوان شعر وشحن على ظهر قارب في البحر أقلع به من حيفا إلى عكا، ثم الى بيروت وإلى.. وإلى..إلى أن التقينا في صوفيا.

في طفولتي لم يقل لي أحد شيئًا عن أبي سلمى.. لا في المدرسة ولا في البيت.. وحين كنّا صغارًا نحفظ الشعر ونتبارى فيه، كنا نبدأ المبارزة الشعرية بما أسميناه “المفتاح”، أي البيت الذي نفتتح به وكان:

أنشر على لهب القصيد        شكوى العبيد إلى العبيد

وكان يصّر على هذا المفتاح معلم اللغة العربية، لكنّه لم يقل لنا من هو قائله، والحقيقة أننا لم نسأل لأننا كنا نبحث عن أبيات ذات قافية صعبة، و”الدال” هو واحد منها، وأمّا معلم التاريخ الذي كان يستجيب إلى إلحاحنا لتمضية درس التاريخ الناشف بمبارزة شعرية فقد كان يصّر على مفتاح آخر، وهو:

ألعرب أشرف أمة               من شك في قولي كفر

ولا أعرف حتى اليوم من هو قائل هذا البيت، لكن معلم التاريخ لم يكمل السنة الدراسية، فقد افتقدناه يومًا وقيل لنا أنه يكتب الشعر وقد طُرد من المدرسة وسمعنا فيما بعد أنه غادر البلاد وصار يتنقل بين مصر وليبيا والاردن ولم يعد إلى وطنه، بل تركنا نسخر من أنفسنا ونحن نسأل:

هل حقًا، العرب أشرف أمة ؟

قد يعود الينا يومًا ويحكي عن العرب، مؤمنًا او كافرًا، ويعلم الله أنه بعد أن تعرف على حالة العرب في الخارج فسيأتينا معتذرًا ليس على كفره بل على يقينه في تلك الأيام.

أبو سلمى

بعد أن أنهيت المدرسة الثانوية في حيفا سمعت لأول مرة عن أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، ويحز في نفسي اليوم أنني كنت أمر يوميًا، ولأربع سنوات متتالية، قرب بيته ولا أعرف أن في ذلك البيت عاش وكتب “شاعرنا القوميّ”.

لم أعرف في ذلك الوقت ما معنى “الشاعر القوميّ” لأن معلمة اللغة العبرية، غرزت في رؤوسنا أن حايم نحمان بياليك هو شاعر قوميّ، ولا يجوز أن يكون هناك شاعر قوميّ لأمة إلا بياليك للأمة العبرية.

عندما كبرت صرت أسأل كطفل صغير:

لماذا لا يكون لنا شاعرنا القومي، مثلما أن لهم شاعرهم؟

وكم أردت أن يكون أبي ومعلم التاريخ شاعرًا كهذا.

إلتقيت أبا سلمى في صيف 1980، في صوفيا مدينة البلقان.

جاء ليلقي الشعر وذهبت لأدرس الشيوعية.

هناك تحدث عن حيفا، وإذا بها مدينة غير التي تعلمت فيها وأعرفها وأقضي معظم ساعات نهاري في غرفة صغيرة من غرف جريدة “الإتحاد” التي احتوت بين جدرانها على طاولة خشبية عريضة، هي طاولة أبي سلمى.

إحتفظنا نحن بطاولة مكتبه واحتفظ هو بمفتاح البيت.

كنا نتحدث إليه عبر طاولته وكان يتحدث إلينا عبر المفتاح.

مناجاة عشّاق لقمر لا يغيب، ولكنه بعيد، بعيد.

سأل عن شارع الملوك وساحة الحناطير وقال أن بيته في شارع البساتين، في حي الألمانية.

سأل:

هل تعرفون البيت؟

هل هناك أحد يحرسه؟

كان أبو سلمى يعاتبنا لأننا اكتفينا بطاولته ولم نحرس البيت، حتى أننا لم نعرفه، ولم نجرؤ على السؤال:

“لماذا ذهبت؟”

غجر

بين حيفا الأمس وحيفا اليوم درج من حجر.

ألماضي من تحت والحاضر من فوق.

بحرها يتراجع وقممها تفقد خضرتها يومًا بعد يوم.

أصبحت مدينة شاحبة مشحونة بدخان المصانع وزعيق البواخر في الميناء.

بكى وهو يحكي وبكينا نحن على بكائه.

“خرجت مع مفتاح وقصائدي.

وقعت قصائدي في البحر وظل المفتاح لأنني ربطته بخاصرتي..”

في طريقي اليه في فندق البلقان جلست على الارض امرأة غجرية وضعت في حضنها رضيعا والى جانبها وقف طفل في السابعة مادا يده للتسول. أردت أن أعطيه لكن مرافقتي البلغارية قالت:

“لا. انهم ليسوا بحاجة، فالدولة توفر لهم كل شيء وهم يرفضون هذه النعمة! الغجر يرفضون النعمة ويفضلون التسول! هذه هي حياتهم! لقد بنينا لهم المساكن وسلمناهم مفاتيح الشقق، فباعوا المفاتيح وتركوا البيوت فارغة وانتشروا في الشوارع.. يغنون ويرقصون ويتسولون..”

(شو هالحكي؟)

“لماذا تضحك يا رفيق؟”

– خذيني الى فندق البلقان واتركيني هناك مع الشيخ الغجري الفلسطيني!

إنه شاعرنا القومي؟ هل للغجر شاعر قومي؟

“لبلغاريا شاعرها!”

قالت الرفيقة نانا، وودعتني عند مدخل الفندق، ولما عانقت أبا سلمى لم يتسلل إلى أذني إلا شهقاته وطقطقة صرة المفاتيح التي حملتها موظفة جميلة وغابت في الردهات الطويلة.

تلة رضوان

رحلة البلقان كانت كالخرافات الموروثة، لا يحيكها سوى القضاء والقدر والمصادفات الجميلة، وفي صميمها إنسان تتقاذفه الأقدار، كهذا الشاعر العجوز الذي يحلم بالعودة إلى بيته ويصفه حجرًا حجرًا، ويسأل عن الدرج وعن غرفة “سعيد “وعن الحديقة ويعاتبنا لأننا لم نحرسها. وحين يبدأ رحلته يختار الأسطورة: “يُحكى عن راعٍ في تلة رضوان كان يغني لجواميسه ويعزف على الناي، أحب ابنة شيخ القبيلة وأحبته فبعث يطلب يدها.

غضب والدها على هذا الراعي “الوقح “الذي يجرؤ على مجرد التقدم اليه بطلب كهذا، فأمر بقطع أصابع يديه عقابًا له.. وكان هذا أقسى حكم ينزل على شاب ترقص أنامله الجواميس في المراعي.. في اليوم التالي رفضت الجواميس الخروج لأن الراعي لم يأتِ ولم يعزف.. وما كان من أهل القبيلة إلا أن قصوا أعواد القصب وركبوها في مكان الأصابع وعاد الراعي ليعزف على الناي فخرجت الجواميس إلى المراعي وتزوج ابنة الشيخ..

قال أبو سلمى أنه تأثر كثيرًا بهذه الحكاية وظلت ترافقه ومنها بدأ يكتب الشعر، كانت هي المفتاح للإلهام، مثلما كانت أصابع الراعي المقطعة المفتاح للموسيقى التي أطربت الجواميس، وهل هناك اقتحام لعالم روحانيّ أو ماديّ دون مفتاح؟

في عام النكبة فقدت عشرات ألوف المفاتيح، منها ما ظل في الأبواب المشرعة ومنها ما وقع على الطريق الوعرية أو في البحر، إذا لم يربط في الخاصرة، وها هم أصحابها ينتظرون أكثر من خمسين عامًا صابرين على فراقها مؤمنين “أن الصبر مفتاح الفرج” مستبدلين مفتاح البيت الحديدي بمفتاح الأمل الذي تبدد بعد أن قامت الجرافات وأخذت البيت والمفتاح.

ألبيت

مات أبو سلمى بعيدًا بعيدًا عن وطنه، بعد شهرين من لقائنا في البلقان.

مات في أمريكا ودفن في دمشق وترك المفتاح لابنه سعيد..

عدت إلى البيت في شارع البساتين، لأبحث عنه ولأسأله إن كان هو أيضًا يشتاق الى أهله مثلما يشتاق أهله له، وقد كنت أمّر يوميًا بجانبه ولا أراه، وربّما لأن معلمة المدنيات اليهودية قالت لنا: “العرب في حيفا هربوا خوفًا من البراميل التي دحرجناها في نزلة ستيلا مارس وعلى الدرج الذي يفصل بين حيفا من فوق وحيفا من تحت ففكروها طائرات ودبابات.. وتركوا بيوتهم وهربوا، ويقال ان امرأة حملت وسادة بدلا من ان تحمل رضيعها الذي نام في السرير.. وعندما دخلنا كان الطبيخ على النار.. “

عدت إلى حيفا بعد رحلة البلقان وذهبت إلى حنا نقارة، صديق أبي سلمى، وطلبت منه أن يأخذني إلى البيت.

وقع خطانا على السلم الخشبي لم يوقظ أهل البيت.

إنتظرنا أن يفتح أحد بابًا ويقول:تفضلوا!

كنا كمن يتحرك في كهف مهجور.

“هذه غرفة النوم”..

وضرب حنّا بكفه على جدار اهتز هزات خفيفة واختفى رجع الصدى، وفي عينيه علقت دمعتان.. أما السقوط على أرضية “الكوريدور” الخشبية وأما البقاء في عناق طويل مع الرموش الذابلة.

طرقنا على الباب.. لم يسمع صوت.

“ربما أنه مهجور”

طرقنا مرة اخرى.

“من هناك”؟

ردّت علينا امرأة كأننا أيقظناها من سبات عميق.

لم نعرف كيف نعرّف عن أنفسنا، ولو عرفنا لأثرنا خوفها في مدينة عندما يطرق غريب وصل بلا موعد على أبواب منازلها، فإما أن يكون حراميًا وإما أن يكون شرطيًا وكلاهما يثيران أشد أحاسيس الخوف.

“سلام عليك أيتها السيدة”

وجوم..

“هل تسكنين هنا منذ زمن بعيد؟ منذ عام1948؟”

عجوز في الستينات وقفت خلف بابها المشقوق وحدقت بنا حيرى ومرتبكة ونحن ألقينا بنظراتنا إلى باطن الغرفة.

“أسكن هنا منذ عام 1949”

أشار حنا إلى الغرفة الواسعة وقال، هذا هو الصالون.. كان يستقبلنا هنا.. وسألنا السيدة:

“هل تعرفين من كان يسكن الدار قبل مجيئك”؟

فأجابت السيدة:

“لا أعرف! عائلة بولونية.. قبلها سكنت عائلة ألمانية..”

قال حنا نقارة:

“هذا البيت لقريب لي توفّي قبل شهر.. نزح عنه قبل 32 عامًا..”

سألت السيدة:

“هل هو عربيّ؟”

إمرأة عجوز قدمت من رومانيا عندما كان صاحب هذا البيت يحمل المفتاح وقصائده ويركب قاربًا أبحر به بمحاذاة الشاطئ من حيفا، إلى عكا، إلى طرابلس..

“هل تعلمين أن صاحب هذا البيت هو شاعر فلسطيني كبير توفي قبل شهر؟ هل تعلمين أنه ظل يحتفظ بمفتاح البيت على أمل العودة؟”

حركت رأسها كأنها تقول: “مسكين هذا الشاعر!” ثم واصلت: “البيت قديم وقد طلبت من البلدية أن تعطيني بيتًا آخر، ولكن لا يوجد فلوس.. أسكن في غرفة واحدة، هنا مطبح وهنا حمام وهنا غرفة مسدودة بالباطون.. سدتها البلدية، إنها تدلف، جدرانها مشققة وشبابيكها محطمة..”

مد حنا يده وصافح السيدة العجوز. الدمعة التي تراخت على الرموش الذابلة انقسمت وتساقطت على خده. عدنا إلى السلم الخشبي، والكوريدور، وخرجنا من المدخل. هناك بيت فوزي بندر، كان وكيل شركة تأمين، وهذا بيت زكي التميمي، وهذا لحسين عبد الصمد، وهذا للدجاني وهذا للعنبتاوي، وهناك نصار الفرمشاني، وهذا بيت المحامي عيسى هزو.. هل حملوا مفاتيح بيوتهم التي بنيت من حجر وما زالت قائمة حتى اليوم؟

زنزانة

رهيبة صكصكة المفاتيح حين تجتمع وتتراقص على خاصرة راهب يمشي في دهليز إلى غرفة معتمة في الأديرة القديمة، أو حين تصطك في يد سجان تسمع وقع بسطاره عندما تكون منقبضا في زنزانة، وتعلو شيئا فشيئا إلى أن يتوقف، فتقف على رجليك لتصغي بترقب وتوتر إلى معركة حشر المفاتيح في الثقب الوحيد الذي يربطك بالعالم الخارجي، وعندما تسمع “طقة” وتتلوها أخرى اقوى منها تتنفس الصعداء لأن السجان يفتح الباب ويأمرك أن تخرج إلى أن يعيدك ثانية.

ليس بيني وبين المفاتيح علاقة عشق, وقد جاء مفتاح أبي سلمى ليحررني من حقد على المفاتيح كان اشتد في نفسي في ليلة من ليالي أيلول 1977.

في منتصف تلك الليلة حرقت كل سجائري، ولم يكن من عادتي أن لا أبقى سيجارة لقهوة الصباح، لكنني فعلتها في تلك الليلة، فتبين لي فيما بعد أن السيجارة في البيت كالحجاب يطرد “الوسواس الخناس” ويبعد الشياطين وأولاد الحرام وإلا كيف حدث أن في تلك الليلة وبعد أن أقفلت الباب واسترخيت على سريري وما كدت أغمض عيني حتى سمعت طرقا شديدا على الباب وهرجا ووقع خطى أيقظ طفليّ وزوجتي فقاموا مذعورين وأنا معهم، ولما فتحت الباب واذا بثلاثة رجال وأربعة وخمسة وعشرة تجمعوا في المدخل بلباس مدني وبوليسي وقال أولهم: “جئنا لنفتش البيت!”

وناولني ورقة لم أقرأها، ودخلوا بقوة وانتشروا في أركان البيت وفتشوا في المكتبة وفي الخزائن وفي الثلاجة وتحت الفراش، ووصل عددهم إلى أكثر من ثلاثين رجلاً ضاع بينهم طفلاي وهما يبكيان ولا يفهمان ما يدور في البيت. كان على طاولتي مفتاح كبير لبوابة قديمة ورثته عن جدي. حين كنت أتأمل فيه وأقرأه كان يعيدني إلى تلك الأيام وذلك الجيل وإلى الحالة الفلسطينية التي تجمعني بهذا الجيل المعذب، ويبدو أن ضابط العملية بذكائه المخابراتي الخارق أدرك عمق العلاقة بيني وبين هذا المفتاح فبدأ يحقق: “من أين لك هذا؟” وأمرني أن آخذه إلى البوابة الكبيرة، ولما أقنعته أن مثل هذه البوابات كان في زمن البيوت الحجرية الكبيرة التي هدمتها جرافاتهم، عندها سحبه بعصبية وقال: “سيكون شهادة ضدك”، وأمرني بأن أصعد الى السيارة واختفى المفتاح.

أمضيت ليلتين في زنزانة “الجلمة “ولم تكن المرة الأولى التيأعرف فيها السجن والزنزانة، ولكنها المرة الأولى التي شعرت فيها أن السيجارة تصبح في السجن وسيلة تعذيب. قلت للسجان: “أعطني سيجارة!” نظر إلي وابتسم ابتسامة خبيثة عبر الفتحة المربعة في وسط الباب وقال: “بعد قليل”، واصطكت مفاتيحه وغاب.. وكانت هذه “البعد قليل” ساعتين وأكثر عاد بعدها وفتح الطاقة وناولني سيجارة وقال: “نسيت علبة الكبريت, سأذهب لأحضرها بعد قليل”. وكانت “البعد قليل “الثانية أطول من سابقتها, وأدركت أن طقوس التعذيب قد بدأت… ولم أشعر بالانفراج إلا عندما كان السجان يفتح الباب ويقودني إلى غرفة التحقيق.

ثلاثة محققين كانوا هناك: طيب وشرير وبشع. ألطيب عرض علي سجائره والقهوة وكان مؤدبا وحاول اقناعي بأن أرتدع عن خطي السياسي المناهض للسلطة وعرض علي المال والوظيفة وحتى عضوية الكنيست. وفتح ملفا كبيرا وقال: “كل ما كتبته ونشرته وقلته محفوظ عندنا.. وهو مترجم حرفيا”.

قلت له: “أنا سعيد أن هناك من يهتم بما أكتب. وسعيد أكثر أن كتاباتي تترجم. حبذا لو تقومون بنشرها بلغتكم”.

أغاظه هذا الكلام “الصقع”, فهب من مكانه وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل عليّ الشرير وقال أنه يستطيع ان “يخرب بيتي” وأن “يجعل حياتي جحيما وأن الدولة التي انتصرت على مائتي مليون عربيّ لا تحسب حسابًا لواحد مثلي”.

قلت له: “أعرف أنكم اقوياء وأنا لا أتحدى دباباتكم”.

قال: “اذن ستظل مشاكسًا؟”

وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل البشع. شاب طويل وضخم ومفتول العضلات صار يبرم حولي ويلف ويدور وينظر إلي نظرات مرعبة, وقال: “من أنت؟ ماذا تساوي؟ أنت لا تساوي الرصاصة التي ستخترق دماغك. لا.. لن نخسر عليك رصاصة. نحن سنطلق سراحك. سنقول لك أنت حر, إذهب أينما شئت, وستركب سيارتك، وتسافر وفجأة تأتيك سيارة شحن كبيرة، سيمترلر،  وتدوس عليك كما يدوس الفيل على النملة، وبعدها ستركض زوجتك خلف شركة التأمين لتدفع التعويضات”

وتكررت هذه الجولة الثلاثية لمدة 48 ساعة. تعلمت منها درسا واحدا: أن لا أنام ليلة دون أن أترك سيجارة لقهوة الصباح.

أطل عليه..

وصرت أكره المفاتيح وصكصكتها. إلى أن كان ذلك اللقاء مع أبي سلمى في فندق البلقان في صوفيا. صار للمفتاح معنى آخر في حياتي. علمني مفتاحه أن ليلتي ويومي في سجن الجلمة كانت المفتاح إلى عالم من المواجهة ليس فيه تنازل ولا مساومة ولا التفاف على الحق.

“سنلتقي في حيفا”، قلت لأبي سلمى.

بعد شهرين رحل تاركا المفتاح وقد أُشبِعت قصائده الضائعة بملح البحر. بعد سنوات قليلة أَخلت العجوز الرومانية البيت، ربما انتقلت الى بيت آخر أو الى العالم الآخر. ظل البيت مهجورا لعدة سنوات أخرى. لم يقم أحد بزيارة البيت. مررت يوما من هناك، كانت الجرافات قد أنهت عملها، والبيت تحول الى ركام صارت الجرافات تحمله على شاحنة كبيرة وتطاير غبار كثير. لم يبقَ لبيتِ شاعرنا القومي أثر. هناك في حيفا، حي الألمانية ساحة كبيرة هي موقف سيارات أطل عليها من مكتبي في “معهد إميل توما”، فتأخذني بعيدا إلى فندق البلقان وإلى مفتاح على خاصرة شاعر لم يقدر على حماية قصائده فسقطت في البحر ولم نقدر على حماية بيته فمسحتها الجرافات.

أذكر كيف نما ثدياي. كنت أمسكهما بكلتا يديّ، أضغطهما قبالة المرآة، أنظر إليهما من كل زاوية محتملة. كنتُ أفحص لون الحلمات، أوّل الزغب. من الخارج امتازا بانحدارات صغيرة وتجاعيد، ومن الداخل صارا أكثر صلابةً. كنت أرتدي ملابسي لمدّة نصف ساعة قبل أن أذهب إلى المدرسة، وكانت لديّ طرقي الابتكاريّة لإخفائهما، وأشياء أخرى مجنونة. في تلك الأيام، كان الجينس والتريكو المهمل لباسًا عصريًا، ولكنني لم أكن أفكّر لا في التريكو ولا في الرحلات ولا في الحفلات، ولا في البرك ولا في البحر، لا في الدعابات ولا في الفتيات.

أذكر كيف أنّي تعرّيتُ في إحدى المرات لإجراء فحص عند المُمرّضة. وقفت وابتسمت ولم أكن قادرًا على التركيز في شيء. تجمّدت تمامًا. كنتُ واثقا أنها بينها وبين نفسِها ماتت من الضحك. نظرت من فوق نهديّ إلى اللاصقات والضمّادات في الخزانة الزجاجية قبالتي. لم أجرؤ على خفض رأسي، ولم أنظر قط إلى ما تفعله.
انتهينا فلبستُ ثيابي. كانت على ما يُرام. لم تسألني إذا كان الأمر يُضايقني، سألتني فقط إذا ما كانت لدي نشرة حول التربية الجنسية. أجبتها بنعم وأنّي على اعتقاد أنّ كلّ شيء معروف لي. كان واضحًا لي ماذا تقصد. حقّا حاولتُ أن أتقبلهما كما هما، لكن لم يكن الأمر بهذه السهولة. خذلني جسدي، كان جسدي خائنًا وجاسوسًا.

ترصدنا الواحد للآخر وراء زوايا الحياة. لعبت الشطرنج ضده، وحاولت أن أحسب كلّ حركة لخمس خطوات إلى الأمام. الشيء الوحيد الذي كنتُ فيه تلقائيًا كان الإخفاء.

شقيقتي كانت صموتة جدًا في هذه المرحلة. درست الحقوق وشهد لها الجميع بأنها نجمة حقيقية، وأنّ منصبًا في المحكمة العُليا ينتظرها. أيام السبوت كانت تحضر إلى البيت. كنّا نجلس ساعات ونلتقط بث مسلسلات من الأردن ولبنان. وجدت متعة كبيرة بالجلوس معها على هذا النحو. كنا نغوص في الأريكة الرمادية بكل اتجاه. لم أكن أعرف إذا كانت تكنّ حبًا حقيقيًا للتلفزيون، لكن في اللحظات التي سبقت إصدار الحُكم، عند عودة المحلّفين، كانت تنتصب وتعدّل جلستها على الأريكة، تستوي في مقعدها جيدا وتنتظر.

بعد الظهر، عندما تنتهي الحلقة، كنا نذهب لنشر الغسيل على المنشر في الفناء، أو لريّ الأشجار، وفق ما تقتضيه الحاجة. كانت هذه الفُرصة الوحيدة التي سمحتُ لنفسي فيها بخلع قميصي. في كل مرة كان الأمر بالنسبة لي حدثًا. وهي لم تعرف ذلك، لكن لو أن أحدا من الجيران خرج، أو أحدًا من الأصدقاء أتى وأنا بلا قميص، فلم يكن الأمر مهمًا بِفَضلها.

في المرّة الأخيرة التي رأينا فيها كولومبو في الأردن، اتصل بها أخيرا شاب عمل معها في المكتب ذاته. احتاجت قصاصة ورق بشكل عاجل لتسجل رقم هاتفه ولم تكن في الصالون أية ورقة. وضعت يدها على السماعة وأشارت إليّ أن أعطيها ورقة من تلك التي كانت دائما في جيوب القميص. يلّلا، عجّل، وحياتك، قالت، إنه ينتظرني.

لم تكن تلك أوراق أستخدمها. كانت هناك بالأساس لكَي تغطي. فتحتُ زرّ الجيب فوق الثدي الأيسر وأخرجت من هناك الورقة، كانت في الحقيقة ورقًا مقوّى، أدخلتها إلى جيبة القميص لتسوية الموقع من الداخل.

كتبت رقمه على الورق المقوّى وواصلت الحديث معه لربع ساعة تقريبا، عن تعسّفيّة قرارات رؤسائهم في المكتب وعن المستوى المتدني السائد هناك وكيف أنّها تتوق بشدّة إلى انتهاء عقدها معهم لتتمكّن من الرحيل، هذا رغم إنها تحبّ العمل ومساعدة الناس الذين يتوجهون إليهم. وهذا ما شتّت تركيزي بما يحدث على الشاشة.

عندما انتهت الحلقة كانا لا يزالا يتحدثان بينما خرجتُ أنا لريّ الأشجار في الفناء الخلفيّ. لدينا عشر شجرات مثمرة تقف في صفّيْن. بينما ركض كلب الجيران ذهابا وإيابًا ونبح كالأحمق، وانتظرتها كي تخرج.

انفعلتُ كثيرا وكنتُ حزينًا كما لو أنني عشيّة سفرة للخارج، عندما تنفلتُ الثقة والفرح فجأةً، وأنت في اللحظة ذاتها، تريد ولا تُريد أن يحدث ذلك. بدأت أشجارنا تتغيّر عشية الصيف، أنبتت أزهارًا وردية، بينما كانت الأوراق خضراء جدًا. وضعت الأنبوب في حفرة شجرة الأجاص وتأمّلت كيف أحدثت المياه فيها زبدًا ووحلًا.

كُنتُ مسكونًا بحبّ الاستطلاع وأردتُ أن أبحث لأكتشف مَن هو هذا الشاب وما الذي يحدث هناك. لم تكن لأمي أية مشكلة مع الأمر. كانت ستسأل أختي فورًا مع مَن تحدثت، عندها إما أن تحكي لها شقيقتي ما الذي يحصل وتطلب نصيحتها، أو أنّها كانت ستغضب عليها وتكمّم أفواهنا جميعا، كل شيء وفق منطق الحالة العينية. عمومًا، كان والداي يكنّان لها كلّ تقدير. أما بالنسبة لي فلم يكونا واثقيْن تمامًا. أعرف أنها كانت في عيونهما مثاليّة، بفضل دراستها وامتلاكها مهنة وبفضل ما قاله الجميع عنها. فقط جدي لكِ شريكًا، كانا يقولان لها، حلّي هذه المشكلة الصغيرة وسينتظم كلّ شيء. لكن الأمر لم ينحلّ. بدلاً من أن تصير أحلى مع السنوات، كما وعدوها لسبب ما، تحوّلت إلى فتاة جدّ عادية من الناحية الخارجية. على العموم، عائلتي تذكّرني لأسباب ما بأكياس البطاطا.

في النهاية خرجَت إلى الفناء ووقفَت بجانب حفرة شجرة الجوز. جمال الأشجار وإحباطي منها زنّا في رأسي كطائرتين على خط جويّ واحد. أملتُ أن تجلب معها على الأقلّ ورقة أخرى، لأدسّها من جديد في جيب القميص، لكنها دائما ما فضّلتِ الكلام على الفعل.

آسفة إذا مسست بك، قالت، ببساطة لم أنتبه لما أمسكته بيدي. حاولت أن أضبط نفسي لكن وحدها رباطة الجأش تُنقذك في حالات كهذه، فاستغلّيت الفُرصة لأقول ما كان يُثقل عليّ. لا يعنيك في الحقيقة ما يحدث مع الناس الآخرين، قلتُ لها، يهمّك فقط أن يروا أنك محقة وأن يفكّروا أنك فعلت الأمر الصواب.

نقلتُ الأنبوب إلى حُفرة شجرة التين ووضعت عليه قدمي، لئلا يطير من ضغط الماء. في البداية حاولتْ أن تبتسم إلي، وهذا هو ردّها دائمًا عندما يوجّهون لها اتهامًا. بعدها وقفت هناك ببساطة ونظرت إلى كلّ الاتجاهات، وفقط بعد أن ملأتُ حفرتيْن أخرييْن تذكّرت أن تحكي. أنت مُحقّ مئة بالمئة، قالت، إنه ذنبي، لكننا سنحلّ مشكلتك الصغيرة هذه. علينا أن نفعل ذلك قبل أي شيء. عندما كنّا صغارا تبادلنا الضربات بدون توقف. كانت تركض خلفي بين الغُرف، وكنتُ أهرب إلى الساحة ووقعت مطاردات حول البيت، مثل توم وجيري. أغلب اللكمات كانت تسدّدها في ظهري، الأمر الذي آلمني وأهانني وأحدث عندي علامات حمراء. بيد أني كطفل لم أفكّر فيها سلبا أو إيجابا. عرفتُ إن الأمر سبّب لي ضررًا ما، لكني لم أستطع أن أحدده تماما.

عندما كبرتُ، بدأت أقاوم. غير مرة استطعت أن أثنيها كورق ألومنيوم، ككرة دميمة ثقيلة وصغيرة، لكن لا. الشعور، أنها كانت تُريد أن تصرفني من هذا العالم أكثر من أي شيء آخر، كان يردعني في اللحظة الحاسمة.

يُمكن الاعتقاد أن الأمر كان من المفروض أن يشحنني بالقابلية والدافعية، أن ألقّنها درسًا مرة واحدة وللأبد، لكن ما أن نبدأ التقاتل بالأيدي حتى كان ذلك يرتدّ عليّ، كما يُقال، يوقفني في مكاني ويردّني إلى الخلف.

كبديل عن الضرب كنّا منهمكين في معارك شريرة خرّب فيها واحدنا للثاني أغراضا عزيزة على قلبه. أذكرُ كيف أنني مزّقت لها مُلصق ستارسكي وهاتش قطعًا، لأنها داست على مجموعتي من علب الصفيح، لأنني خبأت بنطالها الجينس وراء برميل النفط الوسخ، لأنها رفضت الخروج من غرفة التلفزيون عندما زارني الأصدقاء وما إلى ذلك. كان الشرّ فينا عميقا وخلّاقا بشكل خاص حتى أنه بدا أحيانا غريبا ومُثيرا. إذا كان سيأتي أحد ويسأل إذا كنتُ أحبّ شقيقتي، ببساطة لن أعرف ماذا سأُجيب.

بعد أسبوعين أو ثلاثة على حادثة الورق المقوّى بدأ يظهر في البيت اسم الشاب الجديد. مهّدت شقيقتي لذلك بشكل جذري فأشرق والدانا من السعادة كما لو رُزقا بولد آخر. تحدثا عنه في كل مناسبة. عرفت الجارات المقرّبات أن اسمه موسري وأن شقيقتي في قمة سعادتها. كان الأمر بالنسبة لي مشكوكًا في أو أكثر من ذلك. احتمال أن تجد شقيقتي شخصًا يُسعدها، شخصًا

يحميها من جهة، ويوقفها أخيرا عند حدّها من جهة ثانية، ويثير عاطفتها من جهة ثالثة ومن جهة رابعة يكون ذكيا بما فيه الكفاية ليلائم عقلها، وعلاوة على ذلك، أن ينجذب لها ويقتنع بمظهرها، بسبب كل هذا كان من الصعب عليّ أن أصدّق.

حدّدت موعدًا مع اثنين ـ ثلاثة من الأصدقاء يوم الجمعة في مقهانا في المدينة. عرفنا المكان من تجوالنا الليلي في سيارات الأهل. كانوا أصدقاء طيبين، من أولئك الذين يبدون تماما كما ستكون حياتهم بعد عشر ـ عشرين سنة. لا انتقاد لي على ذلك، لأنك في هذه السن لا تعرف ما إذا كان الأمر يشدّك أو ينفّرك أو إنك ستنجرّ إليه في أي حال. جئنا من بيوت طيّبة نوعا ما، كنا تلاميذ جيدين جدًا، عشقنا نفس الفتيات تقريبا، آثرنا شُرب بيرة “جولدستار” من البرميل. لم نغالِ في الأمور لأنه لم يكن هناك ما نغالي فيه. لم يكن ذلك في مركز البلاد حيث كل شيء هناك كبير. في ساحة هذا المقهى كانت لنا طاولة خاصة منصوبة على الحصى بجانب الأصص، ولم تكن تبذل النادلات جهدا لإضاءة الشمعة القصيرة التي كانت في المنفضة. كنّا كالزبائن الدائمين الذين يُشاهَدون في المسلسلات، وهم عمليا زينة أكثر منهم أناس حقيقيون، أولئك الذين يُسمح لهم أحيانا أن يقولوا جملة أو جملتين، وكل مئة عام قد يُخصصون لهم نصف حلقة.

الأمر الحاصل هو أنه كانت لدينا لُعبة تعلّمها أحد الأصدقاء من قريب له في بلجيكا. شعرنا أننا نُتقن هذه اللعبة، لكني أعتقد أن اللعبة عالمية. نأخذ كأسًا فارغة من كؤوس البيرة ومحرمة ورق ومطاطة. نضع المحرمة على الكأس، نضح حولها المطاطة ونشدّ كجلد طبلة. نضع على المحرمة قطعة نقدية صغيرة.

في هذه المرحلة كنا نأخذ استراحة، نطلب البيرة في جولة أخرى، ننتظر حتى تأتي النادلة. أحببنا كثيرا أن تكون النادلة نوعمي، وكنا نطلب منها أن تأتينا  بسيجارة. النادلات الجديدات كنّا يُكشّرن، لكننا كنّا شبّانًا وكنا معروفين في المكان وأخذنا كل شيء بروح طيبة. لم نتدخّل في حياة النادلات ولم نعرقل عملهن ولم نعاكسهن، وإن كان هناك بالفعل ما يستحقّ النظر إليه. كانت السيجارة تنتقل من واحد إلى الثاني وكانت الشَطارة أن نُحدث ثقوبًا في المحرمة دون أن تقع القطعة النقدية في الكأس. حدث وأسقطّتَ القطعة النقدية، سيكون عليك أن تجرع بيرتك فورًا ويُطلب لك بيرة أخرى ونلفّ محرمة أخرى حول الكأس.

لم يحالفني الحظ تمامًا في تلك الليلة. سقطت القطعة النقدية معي في كل دورة وجرعت ثلاث أو أربع كؤوس بيرة الواحدة تلو الأخرى. لم يتأثر أحد كثيرا. حصل أكثر من مرّة أننا اضطررنا إلى جرّ واحد منّا إلى السيارة ثم إلى البيت، وقد سرّ جميعنا من المشهد. حذّرت الأصدقاء إن الأمور وصلت حدّها وناديت النادلة نوعمي لأطلب كأسًا أخرى. كان لديها الكثير من العمل تلك الليلة، لكن دون شك، كانت صاحبة أجمل جسد في العائلة، وقد اعتبرت هي واخواتها شيئا خاصا وقالوا إن سمعتهن وصلت مركز البلاد.

عندما كانت تقترب من الطاولة، غالبا ما كنتُ أتجمّد، أتنفّس ببطء وأحافظ على هدوء، كشرطي سرّي وراء الأعمدة في موقف للسيارات تحت الأرض. أفسح لها الجميع كي تمرّ بين الكراسي والطاولات المتراصّة، اقتربت منّا ووقفت إلى جانبي منحنية قليلا، لتتمكن من الإصغاء وسط كل الموسيقى والصخب حولنا. انفتح صدرها المكشوف ككثيّب رمل واسع وواضح، عزف نهداها المسفوعان موسيقى تضج بالتبريرات في رأسي الذي دار. كانا أذنيْن صاغيتيْن، كانا الجوابيْن الصحيحيْن وفاحت منهما رائحة الدم والورد.

عرفتُ بالضبط ما الذي على الرجل الحقيقيّ أن يرغب فيه، كان ذلك حولنا في كل مكان، في ليالي التلفزيون، في أفضل الأفلام والتوصيفات الأدبيّة: الرجل الحقيقي يركن رأسه الفخور والمُتعب على هذا الصدر، ينسى أنه لم يُفلح في حلاقة ذقنه ثلاثة أيام، ومن ثم يدندن في الحمام الأغاني مثل قطّ شبعان وسمين.

أصابني الدوار تماما في تلك اللحظة، أصابني ذلك فجأة حتى أنني لم أستطع إخفاءه. نعم، أيها الشاب اللطيف، كيف يُمكنني أن أساعد، هل أنت ثملٌ بالصدفة؟

هل تريدن حقّا أن تعرفي ماذا أريد؟ سألتها. عندها قالت، أيها الأصدقاء، ماذا تقولون، هل الأمر جدير؟ مررت شعرها ما وراء أذنها لكنه عاد في كل مرة وانسدل.

كفى، نوعمي، نهداك يقتلانني، وهذا غير لطيف من جانبك. نظر إليّ أصدقائي كأنني، في أقل تقدير، صرخت في وجه المربيّة وسط مراسم يوم الذكرى بأنها زانية، أداروا الكؤوس بين أصابعهم مُحرجين جدا إلى حد شعرتُ أنني أقف لهم في حناجرهم.

لكن، لم تكن هذه المرة الأولى التي ترى فيها نوعمي أحدنا مسترسلأ ويهذي بالحماقات. لم تبد مُحرجة، لم تضع يدها لتخفيهما، بل لم تنظر إلى أسفل كي ترى ماذا وكم يرون منهما، كما كنتُ أنا أفعل دوما. قالت، صحيح، غير لطيف من جانبي، سوف أذهب لأنزعهما.

كانت هذه جُملة لامعة، كأنها تقتبِس من مسلسل ذكي يستحقّ أن تظل مستيقظا لأجله. أجادت الإجابة. ليس غريبًا أن أشعر تجاهها ما شعرت. كذلك طريقة ضحكتها البرّاقة الحلوة على عرض أسنانها، كأن هناك مُخرجًا لهذه الحركة وسرعان ما سيصرخون بانتهاء المشهد . لكن بالنسبة لي، لم يكن ذلك كافيًا. كنتُ مضطرًا لدفع نفسي إلى ما وراء الحدّ، كما يُترجمون ذلك في التلفزيون.

همّت نوعمي بالانصراف. من فضلك، قُلت، دعيني ألمس ثدييك مرة واحدة. الآن، يبدو الأمر كأنه فظاظة، لكنه كان من صميم قلبي، وأتفهّم نفسي بالتأكيد في ظروف ذلك المساء. نوعمي، لم تكلّف نفسها حتى أن تقترب منّي. وقفت تحمل صينية الكؤوس بيد واحدة، وضربت بأصابع اليد الثانية ضربة خفيفة على الورق المقوّى الذي كان في جيبي. كنتُ واثقا أنهم سمعوا الصوت الذي صدر، حتى مركز البلاد. لا مشكلة، قالت، إذا سمحت لي بلمس ثدييك.

أصدقائي الذين كانوا في توتّر شديد وترقبوا نهاية الحوار، انفجروا بهتافات هستيرية وضربوا بالأيدي والكؤوس على الطاولة كأننا فُزنا في الأورفيزيون أو بكأس أوروبا. استدارَ كل روّاد المقهى لمعرفة سبب الضحك. خرج الساقي من حانته وجاء العرب من المطبخ كل مع مئزره والمنشفة على كتفه. شعرت أنهم أدخلوا وجهي وراء القضبان، كما يقولون. توسّلت نوعمي التشجيع والهتافات وتبادلت النِكات حول موضوعي إلى أن انصرفنا من هناك لاحقا، ببطء، واحدا تلو الآخر، كتمتمة غير واضحة. أحضرت لي نادلة أخرى كأس بيرة جديدة وزهاء الساعة الثانية ليلا تركني أصدقائي عند مدخل البيت.

رميتُ المحفظة والمفاتيح على الطاولة في زاوية الطعام وذهبت لأغسل وجهي في الحمّام. شدّني رأسي بكل ثقله باتجاه الركبتيْن وكل ما أردته أن يمرّ هذا اليوم، وبأسرع ما يكون. كانت شقيقتي وموسري في الغُرفة مع التلفزيون. تخيلتهما ممدديْن على الأريكة الرمادية. سمعته يشرح لها كيف أن الرياضيين يلغون أنفسهم في لحظة الانطلاق وأنهم في واقع الأمر يدرّبونهم على الانطلاق لحظة قبل الإطلاق. شربت الكثير من البيرة، واحتجت إلى نصف ساعة لأبوّل وسمعت كامل شرحه، الذي كنتُ أعرفه أصلا، لأنهم تحدثوا عن ذلك في البرنامج الذي رأيناه في المحطة التربوية مئة مرة، عندما كنتُ في الحادية عشرة من العمر وكان كلانا مصابا بالحصبة، وهذا يعني إن شقيقتي أيضا كانت تعرف ذلك، لكني لم اسمعها تقول أي شيء.

كان هذا نوعًا جديدًا من الأدب لم أعهده عندها. عندما كنتُ أحاضر لها عن موضوع، كانت تقاطعني لتناقشني أو لتثبت لي أنها تساويني بما تعرفه، إن لم تكن تفوقني. أتفاجأ أحيانا من خردة المعرفة العامة التي يمتلأ بها رأسانا. الناس يثمّنون ذلك عاليا. يحدث أن يحوّل البعض ذلك إلى تجارة ويُدرجون ذلك في أنواع من امتحانات القبول للعديد من الهيئات ويؤسّسون على

ذلك مناهج مضخّمة من الألغاز والألعاب في الراديو والتلفزيون. وإذا سُئلت، لن أستطيع أن أقول إن ذلك ساعدني في حياتي في يوم من الأيام.

أخذت المفاتيح والمحفظة من على الطاولة ودخلت لأضعها في غرفة التلفزيون، إذ كان عليّ أن أقوم بهذا التعارف عاجلا أم آجلا، رغبتُ في ذلك أو لم أرغب.

أول ما سألتني شقيقتي إذا كان أصدقائي هم سبب تعبير وجهي. كنتُ متفاجئًا جدا من اهتمامها بي ومن كونها تفكّر بي، ولم أشك في شيء. تحدثنا لمدة دقيقتين أو ثلاث على الأقلّ، الأمر الذي أتاح لي أن أنظر لألتقط موسري هذا كيف يكون.

كان يعاني من الصلع الكثير وكان يضع نظارتان مستديرتان وإطارًا سميكًا. جلست شقيقتي متربّعة على الأريكة، كانت ترتدي فستانا من قماش هندي أخفته عني أو احتفظت به لمناسبة احتفالية، كذلك بدَت لي عبر أمواج الدوخة التي أحدثتها البيرة في رأسي، بدَت مشرقة ومرحة.

حسنا، عذرا لحظة، قالت لي، موسري، اسمح لي أن أقدّم لك، عندها أشارت إليّ وأسمعت ما يُشبه الإشارة، تا تا، كإشارة الجوقة عند دخول النجم في برامج مُبتذلة يستوردونها من مونت كارلو أو هوليود، تعرّف، هذا شقيقي.

نهض موسري، رتّب الجارزة برشاقة حول بنطاله الفاتح، وصافحني بشكل رسمي وسريع. كان أقصر منّي ومن شقيقتي، لكن كانت في حركاته طاقة كبيرة، كلاعب كرة سلّة نهض عن الدكّة عندما تبقّت دقيقة واحدة ويشعر أن كل الدولة تنظر إليه وتعلّق عليه الآمال.

وأخيرا التقيتك، قال لي، حقّا تبدو لي حالة مُثيرة. نظر كلاهما إليّ نظرة مُحبّة وحلوة وبدوا كأنهما مندهشان أنني لا أفهم ما يُريدان. تطوّعت أختي على الفور لتشرح. موسري وجد رأس الخيط بالنسبة لمشكلتك الصغيرة، قالت. داعب موسري ركبتها السميكة وقال، شقيقتك بروفيسور، يا لصياغاتها.

كان حدسي يعرف ماذا يُريدان. زعقا كصافرة إنذار في سفينة توشك أن يُصيبها صاروخ طوربيدو، لكن اشتغل عندي نظام صدّ الإنذارات من هذا النوع، وقطع صورة الوضع الحقيقية في طريقها إلى منصّة القيادة.

الأمر في غاية البساطة، قالَ موسري، درستُ ثلاث سنوات ونصف السنة موضوع الطب قبل أن أنتقل إلى الحقوق، هكذا فإن الأمر ليس غريبا تمامًا بالنسبة لي. تعرّ من فضلك.

نهض كلاهما فجأة كأنني سأفعل ذلك وكأن من الأفضل أن يكونا قريبيْن مني، إذ من يعرف ما سيريان هنا. ماذا تريدان منّي؟ سألتهما، لا أقوى حتى على رؤية الساعة الآن.

لا يهمّ، قال موسري، بل الأمر أفضل هكذا.

في الحقيقة لم يكن لدي أي رغبة في خلع قميصي، خاصة وإن هناك شخصًا آخر مع شقيقتي، جعل الأمر أقلّ احتمالا. قال موسري بنوع من المسايرة، كما يقولون، كأن الأمر كله غير لطيف بالنسبة له وأنه يفعل ما طُلب منه فحسب. لا تكن عنيدا، أيها الفتى، حاول أن يحثّني، الطب والحقوق هما موضوعان إنسانيان، لن نضحك عليك، شقيقتك طلبت فقط أن أفحص ما الذي يُمكن فعله.

نظرت إليها جيدا. بدت عمومًا جيّدة إلى حدّ ما في فستانها الهندي وتبرّجها المفاجئ هذا، الذي حسّن من هيئتها أضعافا وأظهر عظمتي الوجنتين اللتين لم تكونا لها من قبل. ليس بسبب هذا فقط لمحت الطاقة الجمالية الكامنة فيها، بل أيضا، بسبب الترقّب الذي لمع في عينيها وكان متعلّقا بي. رأيت تماما كيف يسقط هذا الترقّب عليّ، كما يُرى الفيلم مبثوثا على مَن يتأخّر عن الحضور. كان ذلك كأنها كانت تُدرك أن عملا مبدئيًا وشجاعًا سيحدث هنا، ولأول مرة في الحياة كانت ستشارك معي وتُشركني حقيقةً في قطعة من الحياة وليس فقط في محادثات متقطّعة حول قصص من التلفزيون. كما يبدو، أدرك موسري ما أفكّر به. أنت ثملٌ تمامًا، قالَ، إذن نشرح لك باختصار القصد. قبل أسبوع عرضوا في التلفزيون مقطعا عن امرأة في أمريكا سحبت بنفسها ما زرعوه لها في عملية تكبير الصدر. وتندّر المُذيع أنه خسارة على المال الذي ذهب هدرا. لكني فكّرت فورا بشقيقتك وبثدييك.

انتظرنا أن يستمر، أردنا أن يستمر، لكن يبدو لي أنه ليس لذات الأسباب تماما. ما سرده علينا موسري كان متينا وواضحا تمامًا، كان مُستحيلا لكنه ضرورة لازمة في الوقت ذاته. ما تحتاجه، قال، أن توافق وتقفز معنا إلى الماء، كما يقولون.

كنتُ مضطرًا للجلوس أينما يكون. أرادت شقيقتي أن تعدّ لي القهوة، لكن موسري منعها وقال لها أن تُحضر زجاجة ويسكي وثلاث كؤوس وموسوعة صحّة العائلة من على الرفّ في غرفة الوالدين.

صبّ موسري لجميعنا الكمية ذاتها، فتح الموسوعة على مادة “ثدي” وبدأ يشرح لنا التفاصيل على الرسومات بحركات برنامج طهي. كان مزاجه رائقًا، وشعر كيف يتبلور الاتفاق. ابتسمت له شقيقتي في المواضع التي ابتسم هو لها، لكن مع تريّث قصير فحصت خلاله ردود فعلي.

على العموم الأمر بسيط جدًا، قال موسري، ينبغي أن نُحدثَ هنا فتحة غير كبيرة، لنُفرغ عن طريقها نسيج الثدي، كما نُفرغ حبة طماطم. الفارق إنه بدل تعبئتها بسلطة التونا، نفتح ونُفرغ ثم نغلقها فنحصل على فتى رجولي ومستوي الصدر. ماذا تقولون، أيها الصديقيْن؟

لم أعرف ما أقول. واصلت الشرب. خدّرت الويسكي شفتيّ وأخذت عيناي تُغمضان. وشعرت كيف يدور موسري وراء ظهر كرسيّ محركًا الثلج في كأسه حركات دائريّة. كان البيت مُظلما وفي الشوارع ساد هدوء السبت.

ما الذي انتظراه، لا أعرف. طيّب، قُلت لهم بعد وقت طويل تقريبا، لكن بشرط واحد. نظرت إلى شقيقتي وكنتُ على شفا إغماءة وموت وحب  أكثر مما كنت قريبا منها كلها في حياتي. مهما يحصل، قلتُ لها، أريد من نوعمي أن تأتي لزيارتي.

دخلت فورا شقيقتي وضعية التفكير فيما يُمكن أن تكون الكُلفة وحسب ذلك يأتي ردّها. لم يعد لدى موسري أي صبر، بدا عليه أنه يُريد أن يبدأ. ما من مشكلة أيها الصديقان، قالَ، لا أعرف مَن هي نوعمي، لكني ألتزم أمامكما خطّيًا أن تأتي.
أخذا الكأس من يدي ومدداني على الطاولة المستديرة في زاوية الأكل، وذهبت شقيقتي لجمع العدّة من أرجاء البيت والمطبخ.

جذب موسري المصباح أقرب ما يكون وأوطأ ما يُمكن وجلس بجانبي يتصفح الموسوعة. حاول النوم قليلا، قالَ، تنتظرنا ليلة صعبة. أما أنا فكان النوم بعيدا عني أكثر من شقيقي في كندا. مرّت أمام عيني صور من الحياة التي ستكون لي بعد العملية، حسب الإمكانيات الكامنة فيما وصفوه لي.

في تلك اللحظة كانت لدي أفكار واضحة بالنسبة لذلك. رأيت من بعيد، ولكن بشكل واضح، الحريّة، الخفّة، اختفاء المخاوف، نوعمي وهي تحبّني وترافقني وتضاجعني، والفخر الذي كان سيملأ كياني، التحسّن، التوازن مع أناس كشقيقتي، وكنت مقتنعا بذلك تماما. فجأة اكتشفت أن السعادة والجرأة تسيران معي وكلاهما يملأ صدري بالفرح.

عادت شقيقتي وأغلق موسري الموسوعة ووضعها على الأرض. لا يوجد هنا أي شيء، قال لها، حتى إنني لم أتحمّس للصور. ساعدها في تخليص يديها اللتين كانتا محمّلتين بمليون جهاز وغرض: شرشف لاثنيْن، مصباحين ليليّين يُعلّقان على الحائط، مناشف، محارم ورق، معالق صغيرة، لاصقات وضمادات، شموع وكبريت، كؤوس بلاستيك، سكين يابانية، إبريق كهربائي، مئزرين مورّدين من البلاستيك، قصعتين من نوع فايريكس من المطبخ وقفازات لجلي الأواني، جديدة مغلفة في النايلون. فرشت شرشفا كبيرا على مسطّح عربة الشاي ووضعت عليها كل الأغراض. أشعل موسري شمعتين ومرّر الأدوات فوق اللهب ومن ثم رماها في قصعة مليئة بماء يغلي. ولا زلت أذكر كيف أن كلب الجيران الأحمق نبح ذهابا وإيابا على سيارة مرت في الشارع، وقد صرخ عليه مسافر فيها منشدًا مقطعا من أغنية افتتاحية مسلسل “هحبوبوت- الدمى المتحركة” الأمر الذي زاد من هيجانه.

اقتربا منّي ووقفا على جانبي الطاولة، وأنا في هذه الأثناء لم أستطع أن أرفع إصبعا أو أحرّك فمي من كثرة الويسكي والبيرة. هكذا، وأنا في وضعية اضطجاع على الطاولة، كان صعبا أن أرى ثدييّ لأنهما استويا تمامًا تقريبا بفعل قوة الجاذبية.

والمُضحك أنه كان لدي مرة من المرات حلم أن تختفي قوة الجاذبية فيتحرّك الجميع بحريّة إلى كل اتجاه يُريده، كرجال الفضاء، فأختار أنا التقدم بشكل أفقي، موازٍ للأرض، على ظهري، حتى لا يبرز نهداي.

بدا المئزران اللمّاعان لي مثل كوينسي ومساعديه وهم عاكفون على حلّ لغز حادثة موت لجثّة ممددة أمامهم على الطاولة، مغطّاة بملاءة لا تتيح رؤية أي شيء مُثير، وأنت تعرف أن النهاية الفظيعة والعنيفة التي كانت من نصيب الشخص الميت هي في الحقيقة بداية حياة الحلقة المُثيرة الجديدة. أنا وشقيقتي أحببنا جدًا هذا المسلسل، تحدث كلانا عن رغبتنا في أن يتولى محقق لطيف وشقي مثله حالتنا في حال حصل لنا شيء.

عندما اقتربت شقيقتي من السكين اليابانية كنتُ مهيئًا. أغمضت عينيّ وشددتُ قبضة يدي، كما كنتُ أفعل دائما لدى فحص الدم، وطلبت إليها أن تُخبرني فقط متى تبدأ بالجرح. أرشدها موسري ألّا تجرح أكثر من عرض الحَلمة، حتى تكون النُدبة أقلّ بروزا على خلفية البشرة الأغمق. أي عقل سوي لديك، يا حلو، قالت له، وأرسلت له قُبلة هوائية عبر المحرمة التي عقدوها على الأنف والفم، لزيادة التعقيم. خيط من الخوف بدأ ينسلّ من كفيّ القدميْن إلى الحُنجرة. بيد واحدة شدّت جلد الثدي وبالسكين رسمت الخط الذي ستقطع بموجبه.

مطاط القفازين دغدغ وخشخش وخلف على البشرة علامات بيضاء من البودرة التي يضعانها في العبوة للحفاظ على المرونة. في الحقيقة من ناحية الألم، لم أشعر البتّة فارقًا بين رسم الخط وبين الجرح العميق، عندما أدخلت الجانب الحاد من السكين ودفعته إلى الداخل. آلمني بالضبط بالقدر نفسه. وللحقيقة لا أريد أن أقول إنه ليس لدي كلمات أصف بها كيف آلمني وإلى أي مدى، رغم أنني حدّدت بعضًا من ذُرى الألم.

أظنّ أنه من شدّة الانفعال، أو لسبب ما آخر، نسيت شقيقتي أن تقول لي متى ستبدأ. لم تنظر إليّ ولم تقُل لي شيْئا بل بدأت بكل بساطة بالبضْع فيما كانت هي مستعدّة لذلك. أمسكت بشرتي بكلا الإصبعيْن وبدأت تفصلها عن كل الأنسجة البارزة والأعصاب والقِطع التي في الداخل.

من الصعب جدا أن نصف الفوضى داخل جسم الإنسان. في الكُتب والبرامج العلمية اعتدنا دائما على رؤية كل أنواع الرسوم للأوعية الدموية والعضلات والأعصاب، هناك يتمّ فرز العظام بألوان مختلفة، إلى أن نرى ذلك في الحقيقة، يُمكننا أن نظنّ إن الأمر منظّم على هذا النحو، ليس لدينا فكرة إن الأمور في الداخل في الحقيقة، مجرّد عجينة حمراء تذكرنا بقطعة بيتسا قديمة أكثر مما تذكرنا بشيء آدمي.

تحدّثا كثيرا خلال العمل، الأمر الذي أعاق تركيزي. كنتُ واثقًا إنهم في العملية يتبادلون النظرات فقط ويحدقون بقلق في شاشات الأجهزة ويمدّون اليد للممرضة كي تضع فيها مقصًّا أو ملقطا أو مقبضًا أو اسفنجة. إلا أن كليهما لم يردّا لسانيهما إلى حلقيهما. أشار موسري إلى أنواع من الأقسام والأنسجة داخلي وشرح لشقيقتي وظيفة كل واحد والمسافة تفصلها عن القلب الآن، لأن هذا ما أقلقها بشكل خاص. هدّأ موسري من روعها، طالما إنها لم تشعر بمقاومة العظام، فإنها تستطيع أن تعمل دون اهتمام، لأن القلب والرئتين محميان بواسطة القفص الصدري، وهو ما يستدعي الاجتهاد لاختراقه. والحقيقة إنه لم يتذكّر كل شيء، على أي حال مرت بضع سنوات منذ ترك الطب، لكنه استطاع أن يؤكّد على الأمور الأساسية، كما أخذ على عاتقه وظيفة وقف النزيف.

عملا سويةً بشكل ممتاز، لا بدّ لي أن أقول. بعد نحو عشرين دقيقة ونيّف انتهت شقيقتي من عملية البضْع والفصل في الثدي الأيسر فناولها موسري المعالق كي تغرف إلى الخارج كل ما هو في الداخل.

كان ذلك في منتهى البساطة، كما نأكل حبة الكريبفروت، فقط نُخرج اللب من القشرة، لكن بدل حزّ أصفر وأملس، خرجت مني كرة لحمة مستوية وتفرفر، حمراء تنزّ.

سدّ موسري بيد واحدة الفتحة بالمحارم وناولها في اليد الثانية إحدى القصعتين فدحرجت شقيقتي إلى داخلها ما كان ثديي ونظرتْ إليه كأنها منوّمة مغناطيسيًا، كما يُقال.

يلّلا يا دكتورة، حرّكي مؤخرتك، صرخ عليها بتحبّب لتعجيلها، لأنه رأى كم أفقد من الدّم الأمر الذي بات خطِرا. لا يمتلك شقيقك خزان دماء احتياطيا، قالَ، خسارة على كلّ نقطة. حتى عبر الزجاج المسلّح من الكحول الذي غلّف دماغي، حتى بالرغم من طريق الصخور الثقيلة التي تدحرجت على أعصابي، رأيت كيف إنها ستسير وراءه كالتابع. مَن لم يرَ شقيقتي تذوب من كلامِه هذا، ينبغي عليه فقط أن ينظر كيف تتحوّل الكلاب الحمقى والناس الأغبياء إلى لطيفين ومهتمّين بعد أن يتلقون الضربة على الأنف أو الرأس.

بعد استراحة قصيرة سمحا لي فيها أن أشرب قليلا من الويسكي ونصف حبة فاليوم وقليلا من الماء، لأن فمي تيبّس تماما، بدأ موسري يشتغل في الثدي الأيمن. كانت قفازاتهما ملطّخة بدم ليس بقليل، فأحضرت شقيقتي صحف الجمعة وفرشتها حول الطاولة لئلا ينزّ الدم على السجادة.

واصل موسري التقدّم بكامل طاقته. الآن، وقد اشتغل هو بالبضع، لم يسمح لنفسه أن يهذر ولم يسمح لشقيقتي أن تلهيه. أنهى تقريبا فصل كل الأنسجة، وكل ما احتاجه هو التعاون الأخير من شقيقتي لإنهاء الأمر، لكن موسري قال كفى، لا يُمكنني أن أستمرّ على هذا النحو.

تناول يديّ الاثنتين وكانتا مضمومتين بشدة إلى بطني، للتقليل من زفير الألم، ناولني محرمتي ورق وطلب إليّ أن أضغط على الجروح وألا أرخي حتى يعودا. بعد دقيقة أو اثنتيْن سمعت تشغيل كونسيرت في غرفة التلفزيون. مرّت الدقائق كما يُقال وبدأت أشكّ. كانت لديهما أسباب كافية ليتركاني على هذا النحو ويهربا. صحيح أنّ الوقت كان الرابعة فجرا، لكن لو إن أحدا دخل فجأة ورآني ممدّدًا على الطاولة، مجروحا ومضروبا كقطعة شنيتسل قبل القلي، من الصعب أن أصدّق أنه كان سيسمح لهما بمواصلة التدريب.

نزلت عن الطاولة ووقفت منحنيا فوق الجرائد من حولي. تقدّمت خطوة خطوة وأنا أمسك بصدري، كأنني أصبتُ إصابة مباشرة ولأقوم بإخلاء نفسي باتجاه قواتنا. وجدتهما يتدحرجان على الأريكة. طبعا، هذا طبيعي. من الصعب أن أقول إن الأمر كان رومانسيا جدا، مع كل الدماء التي سالت بين أصابعي والبُقع التي كانت على مئزريهما.

نزع موسري في هذه الأثناء قفازيه، وقد قفزت يداه على جسد شقيقتي واندسّتا في كل الاتجاهات كأناس في الطابور إلى السينما، بدون أي ذرّة من الصبر أو اللطف. أمكنني أن أخرّب عليهما أو أن ألاحظ لهما، وأن أندهش كيف إنهما سمحا لنفسيهما أن يتركا كل شيء في خضمّه، ربما هذا ما كان ينبغي أن أفعله، لكني فضّلت أن “أحلج” عائدا إلى الطاولة، وأن أبحث عن الوضعية التي تمدّدت بها سابقا، وأن أبحث عن الموضع الدقيق الذي شعرت فيه بالراحة.

عندما عادت شقيقتي إلى الطاولة كنتُ أرتجف بكل جسدي. اصطكت أسناني بسرعة خلّاطة وشعرت أنهم وصلوا بين دماغي وآلامي بكابل كهربائي.

نظرت إليّ نظرتها القلقة. ماذا يحدث، سألتني، هل أنت قادر على الكلام؟ لم أجبها، لأني لم أشأ. سيصل موسري فورا، قالت لي، لا تقلق، فهو يبحث عن شيء في أدوات الخياطة الخاصة بوالدتنا. حاولتُ أن أشير إليها إنني فهمت، لكن أصابعي كانت التصقت ببعضها من الدم الذي أخذ يتخثّر حولها، ولم تكن لدي القدرة على فتحها أو تحريكها.

عندما رأت شقيقتي أخيرا أنني في ضائقة كانت مضطربة جدا، من ناحية ثانية لم تعرف ماذا تفعل. أأنتَ تتألّم بشدّة؟ سألت. لم أشأ أن تُشفق عليّ، لا أسوأ من أن يشفقوا عليك. متأسّفة لأنني لم أحضر مسبقا خيطًا وإبرة، سنخيطك بسرعة ويكون كلّ شيء على ما يُرام.

لكن في الحقيقة كان كل شيء أبعد ما يكون عن “ما يُرام”. لم يجد موسري أدوات الخياطة فعاد بخفيّ حنيْن، تركته شقيقتي يراقبني بكل حواسه، هكذا طلبت منه، وذهبت تبحث في الخزائن. موسري أراد أن يعود إلى شغله وإنهاء ما يجب جهة اليمين. حاول أن يفصل الدم المتخثّر بمحارم مبللة بالماء حتى يستطيع مواصلة عمله، لكنه بدأ يُدرك أن وضعي ليس جيدا وإن كلّ دقيقة مهمّة.

ارتجفت بشدّة، تنفّست بصعوبة وبدأت تتراكم أمام عيني بُقع سوداء. لا أذكر ماذا حدث بعدها. أتساءل لمَ دائمًا عندما يفيق المريض في المسلسلات وهو في المشفى، يكون هناك مقطع قصير بدون فوكوس، ثمّ تتضّح الصّورة ونرى أن كلّ شيء أبيض من حوله، ووجه الطبيب أو الممرّضة يتبسّم أو يبدو عليه القلق.  لم يكن الأمر على هذا النّحو. استيقظت لبُرهة في سيارة الإسعاف، وبعدها لعدة دقائق في غرفة الاستقبال في المشفى، وما أذكره هو أنابيب من شتى الأنواع معلّقة حولي وأناس تحدثوا مع الجميع ما عداي. مكثت في المشفى مدة أسبوع تقريبا. حضر الأصدقاء كثيرا لزيارتي، كذلك نوعمي أرسلت لي السلام وسألت لتطمئنّ عليّ. كان علينا أن نختلق قصّة لنغطي على الفضيحة. في البداية قلقنا، لكن كان الأمر أكثر بساطة مما توقّعنا. اتهمنا كلب الجيران. روينا أنه جُنّ وقفز فوق الجدار وحاول عضّي في عنقي، إلا إنه استطاع أن يغرس أنيابه في صدري وإن بعض التعديلات البسيطة ستحلّ المشكلة. أدخلوا الكلب إلى الحجز لغرض مراقبته ثم أعادوه. تجوّلت أسبوعيْن مع قُطب وعندما حضرت لإزالتها اندهش الطبيب من استواء النُدب وأنها كانت مهنية بما فيها الكفاية من ناحية جراحية.

على الرغم مما قاله موسري، أعتقد أن ما حصل لم يُساعد كثيرا ما فكرته عن نفسي من قبل، أو شعوري تجاه البيئة والصبايا في حياتي. ولدي شعور إن الأمر غير ذي صلة، أو إن الثديين اللذين كانا لي ليسا الأمر الوحيد الذي غيّر الأمر.

على الرغم مما قاله موسري، أعتقد أن ما حصل لم يُساعد كثيرا ما فكرته عن نفسي من قبل، أو شعوري تجاه البيئة والصبايا في حياتي. ولدي شعور إن الأمر غير ذي صلة، أو إن الثديين اللذين كانا لي ليسا الأمر الوحيد الذي غيّر الأمر.


*القصة مأخوذة من مجموعة مولتي-سيستِمليوآب كاتس، يديعوت سفاريم، 2000.