the short story project

search

ها أنت تتمددين الآن عاريةً إلى جانبي في السرير. أعوامًا طويلة وأنا أسمع صوتك في ذهني.. لقد عشت معك عمرًا كاملاً دون أن أرى صورتكِ.

تكلمي ليليان، لماذا أنت صامتة؟

نجحتُ في حلّ معادلات الرنين المغناطيسي وحصلت على بطولة عالمية في الشطرنج، وألّفتُ كتابًا شعريًا عن الكواركات وحركة الالكترونات …

لقد نجحتُ يا حبيبتي.

كانت صفراء شاحبة وجسدها متيبس إلى جانبي، أنا أيضًا كنتُ إلى جانبها في السرير، لكني ظننت أنها هي من تفوهت بتلك الكلمات. أصوات عديدة كانت تطرق مسامعي.

لكنّي كنت متأكدًا من أنها متمددة إلى جانبي فكلما أدرتُ جسدي نحوها رأيتُ وجهها الهزيل وحركة عينيها الرخوتين يمينًا ويسارًا، بينما ظلّ نهداها لفترة طويلة عبارة عن كتلتين متحجرتين فيهما أثرٌ بسيط للشقوق والندوب. وكلما أطفأتُ الأضواء وغرقت الغرفة في ظلام دامس؛ أطلتُ التحديق في وجهها ورأيتُ ابتسامتها اللامعة والمخيفة في العتمة.

أنا أيضًا ً حركتي كانت غريبة جدًا، حركة لم أعهدها من قبل في مشيتي، شعرت أن فقرات ظهري تستند إلى كتلتين عظميتين، وأن قدميّ تساعداني على القفز لمسافات طويلة وبعيدة. حتى شعر جسدي صار كثيفًا فجأة، أليس الأمر مريبا ومخيفا أن تنمو لي حوافر قذرة وينبت الشعر أو الوبر في جسدي؟

لكني لست خائفا الآن .. سابقا كانت تخيفني أشياء عديدة: صوت أبي وتقريعه لي، سخرية أطفال الحي مني وضربهم المتكرر لي، قطعان الكلاب الضالة، مسؤوليات العمل التي لم أنجح في أي منها، وكنت مرتاحًا ومطمئنًاً عندما يأتيني قرار إداري بالفصل. في هذه الحياة لم أجد لي أعداء ولا حاسدين، الكل كان ينظر لي بعين الشفقة والرحمة القاسية، تلك الرحمة التي ينظرون بها البشر لأي كلب غريب ووحيد مثلي.

حتى ليليان لم تكن تحبني، بل كانت تطعمني من يديها الملائكيتين، وعطر أخّاذٌ يجذبني نحوها، لكنها كانت تعيدني إلى قفصي بعد ربطي بالسلاسل دون أن تنظر إلى عينيّ الراجفتين والدموع تسيل منهما.

تكلمي ليليان لماذا أنت صامتة؟

حسنًا، سأجلب لك الدواء من أقرب مكتبة هنا. خدرٌ يسري في أطرافي ولا أستطيع النهوض بهذه الحوافر الجديدة .

هناك قدمتان كبيرتان تحت الطاولة تتحرك أصابعهما  بطريقة دائرية، أستطيعُ التعرف إلى الشخص من ملامح قدميه، أظنه من الأشخاص الذين كانوا يضربونني ويسخرون مني دائمًا، هذا الشخص الذي لم أستطع الإجابة عن أسئلته يوما، لكنني الآن أستطيع وأقولها لكم بكامل ثقتي وقوتي، وصرخت بكامل صوتي أنا أستطيييييييع ….

وفعلاً أجبت عن جميع أسئلته التي كانت تربكني وتخيفني، أجبت عنها جميعًا دفعة واحدة.

بقعة دم كبيرة على أرضية الغرفة. منظر الدماء يشعرني بالراحة والطمأنينة، لكن يبدو أن المشهد قد فسد وكل شيء صار واضحًا أو ربما شبه لي ذلك.

وجهٌ يخرج لي من باب الخزانة الموارب يحييني بإيماءة من وجهه، ويغمز لي بعينه اليسرى، كان وديعًا ولطيفًا وهو صديقي الآن، لم يكن مخيفًا هذه المرة حتى أني استطعت الإجابة عن أسئلته مرة واحدة بطريقة مذهلة فاجأته جدًا. جميل أن تحقق معجزة كبيرة في هذه الدنيا، أن تثبت للآخرين أنك حققت شيئًا ظنوه مستحيلا ًفي قاموسك، حقاً أنها سعادة عميقة وسحرية، سعادة لا توصف يشعر بها الإنسان في تلك اللحظات.

عليّ أن أسرع يجب أن أذهب إلى المدينة حالا، لأجلب لك الدواء لكن الضباب رمادي والأرض مطاطية لا أستطيع الركض، سأحاول .. فأنا لم أعد أخاف شيئًاً بعد اليوم.

كانت قفزة هائلة أنا أطير بخفة وأحلّق عاليا دون أن أغرق في لزوجة الوحل السماوي،  لكن يبدو أن سرعتي جنونية. سأهبط  في الحال. في سرّي كنت أسأل ما حاجة البشر إلى الجاذبية إذا كان الإنسان ينتصر على الضوء والجاذبية في هذه الظروف.

في الحي القديم مرّ بي أشخاص مقربون جدًا إلى قلبي، لم أكترث بهم وسلمت عليهم سلامًا عابرًا. الدكاكين والمنازل يرتادها أشخاص غرباء بمعاطف سود. نجارون يصنعون التوابيت لأهل الحي، لم أكن خائفًا، حاولت الاقتراب من هؤلاء النجارين أصحاب المعاطف السوداء، لكنهم كانوا منهمكين في عملهم ولم يلتفتوا الي أبدًا أو يرفعوا رؤوسهم نحوي.

شخص ضعيف وقامته محنية يرتدي نظارة طبية وقبعة أخبرني بصوت خافت أن ليليان ماتت .. همس لي ومضى مسرعا ًثم اختفى. تيبس الصراخ في حنجرتي، وصوت دوى في السماء مع هدير الرعد، صوت امتزج مع صوتي بين ثقوب السماء الخفية..

ليلياااااااان ….ليليااااااااااان ….ليليااااااان

كنتُ متسمرًا في غرفتي بهيئتي الحيوانية الرثة، وكانت ليليان لا تزال ممددة على السرير، لا أدري إن كنت حقًا قد ذهبت فعلا لأجلب لها الدواء أم أنني كنت هنا أبكي طوال هذه الفترة؟

أطلت النظر في عنقها الأبيض الطويل والمكتنز، كان هناك شريان بارز من هذا البياض.

عندما أجوع أشرب منه الدماء … لقد حفرت هذا الثقب بأنيابي. سامحيني حبيبتي فلم أقصد ايذاءك أبدًا.

تكلمي ليليان لماذا أنت صامتة؟

  مازلت ممدداً إلى جانبك في السرير… ها أنت تتحركين وتقتربين مني، أنا حيوانك الأليف، أشعر بجسدك يطوق جسدي وأنفاسك الحارة تلفح رقبتي ووجهي في العتمة. سيقانك تلتف حول حوافري، ولسانك الطويل يلحس رقبتي وفكي وصَدري.

أنت تنبضين الآن …أنت تتحركين.

ليليان ……………. لقد نجحتِ يا حبيبتي.

 

0

.أجلب العالم إلى غرفتي

لم ينتبه إليّ حين اتجهت فور دخولي من الباب الواسع، صوب مكتب مراقب الدوام، لتسجيل ساعة وصولي إلى العمل.

وبالحركة الخفيفة الناعمة المتأنيّة التي قمت بها وأنا أزيح شالي المرقّط عن عنقي، لأضعه بجواري، فوق حقيبة يدي البنية الكبيرة، حيث يمدّ الكتاب جزءاً من غلافه. مركّزة في سجل التوقيع، أدوّن توقيت وصولي، بالساعة والدقيقة: الثامنة وثلاث وعشرين دقيقة. إذ يدي اليمنى تمسك بقلم التوقيع، واليسرى تسترخي فوق الشال المرقّط والحقيبة، خشية انزلاقها، كما يحدث غالباً، واندلاق محتوياتها.

لأنني مغرمة بالقراءة في كل مكان، فإنني أحشر كتابي حين أدخل مكاناً ما، أو أتوقف عن القراءة لأني أغادر مكانا آخر. أنسى الحقيبة مفتوحة، وغالباً ما آتي بحركة عشوائية، فتندلق محتويات حقيبتي.

“سبع دقائق وأغلق الدفتر”.

قال مراقب الدوام.

نظرت إلى ساعة يدي وأجبته:

” ولكن سبع دقائق هي زمن أيضاً. في دقيقة واحدة ممكن أن يتغير وجه العالم”.

لم أتوقع أن يستطيع أحد قراءة عنوان الكتاب المدوّن على الكعب الفاصل بين دفتي الكتاب، والذي يبدو من داخل الحقيبة المفتوحة، إلا إذا كان دقيق النظر ويعرف الكتاب جيداً.

من هذه اللحظة، من حركة يدي تزيح الشال المرقّط (جلد الحيّة)، ويدي التي تداعب من دون انتباه، غلاف الرواية التي في حقيبتي، من هذه اللحظة، ستبدأ أحداث هذه الرواية.

سحبت شالي المرقّط بلطف، ودسسته داخل الحقيبة، وهبطتُ في المصعد.

كان يراقب أزرار المصعد. بعد نصف ساعة تقريباً، أخذ المصعد، وهبط به إلى المستودع، حيث توقف بي، وحيث أعمل.

  منهمكة في تفريغ صناديق الخراطيم الجديدة التي وصلت المستودع ليلة البارحة في نهاية الدوام، ولم أتمكن من ترتيبها.

متسلقة السلّم الحديدي، أصعد وأهبط، لأرتب الخراطيم في الرف الثالث، سمعت صوت خطواته.

وقف أمامي بسيجارته، نظرت إليه وأنا أعلى السلم، وشعرت بدوار مفاجئ:

ـ التدخين ممنوع هنا، ألا تقرأ.

أشرت بإصبعي نحو لافتة كتب عليها: ممنوع التدخين، مواد قابلة للاشتعال.

كان المستودع محتشداً بالمواد المشتعلة، من بنزين وكيروسين. رمى سيجارته على الأرض ودهسها بحذائه.

قفزت على السلّم بحركة سريعة والتقطتُ عقب السيجارة، كاد السلّم يسقط فوقي:

-ما هذه الفوضى، الأرض نظيفة!

– هل نحن في مشفى؟

-قال ساخراً ثم أضاف:

-لكني لم أر أي منفضة

-قلت لك إن التدخين ممنوع!

وضعتُ عقب السيجارة في كيس القمامة، في الركن الصغير المفصول عن مكتبي بستارة سوداء، وعدت لأفتح صندوقاً جديداً من البضاعة وأرتّب محتوياته في الرفّ الثالث.

-أنت تعملين هنا؟

ـ-ماذا ترى؟

أجبته باقتضاب مستغربة وجوده أمامي. عادة لا يدخل هذا المكان سوى عمال نقل البضاعة من وإلى المستودع.

– وحدك؟

– أترى أحداً غيري؟

– لماذا تجيبين على السؤال بسؤال؟

– ولماذا تسأل بسذاجة؟

-ضايقتك؟

– لا أفهم ماذا تفعل هنا؟

-رأيتك فوق منذ قليل، أحببت أن أعرف طبيعة عملك.

– في المستودع، كما ترى، من أنت؟ ماذا تريد؟

– أيهمك؟

-أنت عندي، في مكان عملي، أنا مسؤولة عن هذه الأغراض.

-هل تتوقعين أن أسرقك؟

– لا ، لا تستطيع أن تفعل، كاميرات المراقبة مزروعة في كل مكان، تسجّل كل التفاصيل.

-أين يمكنني أن أدخّن؟

– نزلت هنا كي تدخن؟

– كلا، بل نزلت للتحدث إليك ، لكنك لا تكفين عن الحركة صعوداً وهبوطاً مع هذه الأكوام .

-هذه خراطيم. إنها بضاعة، وهذا عملي.

-ـ لا يهمني.

– لماذا تريد التحدث إليّ؟

– لا أعرف.

– هل تعرفني؟

-أريد أن أعرفك.

– أنت غريب.

– وأنتِ أيضاً.

– هل تظن أننا في مسرحية عبثية؟

– هل تحبين بيكيت؟

– كلا.

– تفضّلين أرنستو ساباتو.

هنا فقط، أمام هذه العبارة، توقفت عن الصعود والهبوط، ونظرت إليه. نظرت إليه للمرة الأولى، نظرت في عينيه، ولأول مرة في حياتي، أرتبكُ أمام عينيّ رجل.

– رأيت الكتاب؟

– كان داخل الحقيبة.

-لمحت العنوان؟

– من داخل الحقيبة.

-كان نصف الغلاف إلى الخارج.

-تعرف الكتاب؟

-أحب ساباتو كثيراً.

-ماذا تريد؟

-أن أدخّن.

– تصرّ على التدخين هنا؟

– نعم.

-ـ انظر( فتحت ذراعيّ مستعينة بهما) المكان مليء بالزيوت والشحوم القابلة للاشتعال.

– ألا يوجد ركن نستطيع أن ندخّن فيه بهدوء؟

– أنا لا أدخّن في العمل.

– أنا بحاجة إلى سيجارة.

نفضت يديّ من غبار الصناديق والخراطيم، مسحتهما بتنورتي، وطلبت منه اللحاق بي.

فتحت باباً يطلّ على فسحة مربّعة، تطل بدورها على أرض خالية.

-ـ هنا، تستطيع أن تدخن.

قبل أن أتركه وأدخل، أمسك بذراعي:

-ابقي معي.

-أشعر بالبرد هنا.

– لن أبقى وحدي.

– سأجلب معطفي.

دخلت أجلب المعطف، وأنا أشعر كما لو أنني أقوم بدور مسرحي. تنتابني هذه الحالة أحياناً. أشعر بأنني أفعل أشياء من خارج الواقع، أتصرف وكأنني نائمة، أو غائبة عني، لا أسيطر على سلوكي، وكأنني أستعير جسدي، بينما عقلي في مكان آخر. أتحدث إلى كائنات غير موجودة، أسمع أصواتاً تثرثر معي، تهمس لي. لا وقت أمامي الآن للتفكير، مضطرة للتصرف وفق ما يجب، وسأفكر لاحقاً، بمن يكون هذا الرجل، من أين أتى، وهل هو واقعي حقاً، هل أطفأ سيجارته في أرضية المخزن؟ عليّ أن أسرع إليه الآن، قبل أن تنتهي سيجارته، وأضطر لانتظاره، ليشعل واحدة أخرى، وينهيها من جديد.

-أنت زبون في هذه الشركة؟

-كلا

-تعمل في الشركة؟

-كلا.

-ماذا تفعل هنا إذن؟

– ظروف جاءت بي، أشرحها لك فيما بعد.

-أنت لا تعمل في السيارات إذن؟

-كلا، أنا محامٍ.

-مهنة جيدة.

-ربما.

-ألا تحبها؟

-ليس كثيراً، وأنت، أتحبين مهنتك هنا؟

-هذه ليست مهنتي!

-كيف؟

-إنه عمل لكسب العيش، وليس العمل الذي أحب.

-وما هو العمل الذي تحبين؟

للمرة الثانية، نظرت إليه، نظرت في عينيه، وللمرة الثانية ارتبكتُ أمام نظرته، أنا التي لم أرتبك يوماً أمام عينيّ رجل. مددت يدي نحوه مطالبة بسيجارة، فهذا هو الحديث الأغلى إلى روحي، الآن ، أحتاج سيجارة.

ناولني سيجارة دون استغراب، كأنه يتوقع كل ما أقوم به، كأنه يعرفني ـ أهذا جزء من النص المعدّ مسبقا؟ أشعل لي السيجارة، مقترباً مني، أنفاسه ترتطم بأنفاسي، تحوّل قلبي بغتة إلى عصفور يرتجف بين ضلوعي. قلت بثقة وقوة، وأنا أنفخ الدخان من صدري:

-الكتابة!

-تريدين أن تكتبي؟

-لو أُتيح لي أن أختار المهنة التي أحبها لاخترت الكتابة.

-أي نوع من الكتابة؟

-الرواية!

– لهذا تقرأين ساباتو؟

أخذت نفسا جديدا من السيجارة، اقتربت منه، أسندت رأسي إلى الجدار على مقربة منه، أكاد ألتصق به، كأنني أهمس له ، قلت:

-أشعر أحياناً وكأنني خارجة من كتاب.

لم يبتسم ولم تبدُ عليه أمارات الدهشة:

– يحدث هذا أحياناً.

-أيحدث لك؟

– كلا، ولكنني سمعت عن أشخاص حدث هذا معهم.

-أنا لم أسمع أو أقرأ عن هذا.

أطفأ سيجارته سحقاً في الجدار، متسائلاً برأسه، أين يستطيع أن يرميه؟ التقطت عقب السيجارة من بين إبهامه وسبابته، مست أصابعي أصابعه الأنيقة، وطوحتُ بالعقب في الهواء.

-أنا أشبه عقب السيجارة هذا.

-قلت للتو إنك خارجة من كتاب.العقب الذي رميته لا أهمية له.

-والشخص الخارج من الكتاب أيضاً، له أهمية؟

-بالتأكيد.

برمت شفتي ولم أرد.

-هل أستطيع دعوتك إلى فنجان قهوة في مكان ما؟

– لا أخرج مع الغرباء.

-ـ لكنني لست غريباً!

– كيف؟

-ألم نتحدث للتو؟

-أهذا يكفي؟

-يكفي لاحتساء فنجان قهوة.

-أشعر بالبرد، هل ندخل؟

دخلت. تركت معطفي عليّ. سألتني وأجبت بسرعة “لا، ليس خيالاً”، ثم وجدتني أفكر” لكن الوقت ضيق أمامي، ما دمت داخل الحدث، لن أستطيع أن أحدد ما إذا كان حقيقة أو خيالاً”.

-هه،هيا بنا؟

-لم أوافق.

-حسناً، اسمعي، لنفترض أنك كما تقولين، شخصية روائية، خرجت من كتاب، لماذا لا نناقش المسألة وفق منطق روائي؟

أعجبني كلامه، هززت رأسي متسائلة.

-نخرج معاً، نتناول القهوة في مكان ما، نثرثر، كما الآن، ثم تعودين إلى هنا، تماماً كما لو أنك خرجت من الرواية إلى الحياة، أو عدتِ من الحياة إلى الرواية.

لم أتمكن من مناقشة المسألة طويلاً برأسي، يتحدث كما أفكر، وفق منطقي ذاته، ما الفرق بين الكتاب والواقع ، بين القصة المدونة، والشفهية للتي نحياها، ومن يقرر إذا لم يكن ما نحياه هو رواية أيضاً؟ إنه يداعب أفكاري ذاتها.

-هل لديك نقود؟

-كثير.

– حسناً، أنا لا أملك المال، أخرج معك، شريطة أن تعيدني إلى هنا.

– موافق.

– اسبقني، سأتصل برئيسة المستودع لأستأذن منها، لدينا ساعة واحدة فقط.

-حسناً، ساعة روائية تكفي.

ضحكت وأضفت:

-عيش روائي لساعة من الزمن.

٭٭٭

لا أعتقد بأننا احتسينا فنجانين من القهوة، لأن حالة الارتباك العيشي والشك الوجودي أصبحت أكثر كثافة. بدأت أشعر بخفة وزني، كأنني ريشة أكاد ألامس الأرض، وانتابتني رغبة كبيرة في الضحك.

أصبح وجودي بحد ذاته غائماً أمامي. من أنا؟ ماذا يحصل؟

تنتابني هذه الحالة في لحظات معينة، سأشرحها لاحقاً. ولكن ما الذي شربته للتو حتى صرت ميالة للإحساس أنني كائن غير واقعي، وأن كل ما يحدث الآن لا يحدث بالفعل. وأنني ربما متُّ منذ سنوات، وأتخيلني شخصية روائية -لساباتو غالباً- صدقت عيشي وتمددت في وجودي.

ولأن الأحداث تمر حولي، وساباتو الذي أفترض أنه صنعني غير موجود أمامي، أو أنني لا أراه، بسبب غياب المؤلف، فأنا مضطرة لتحمل ثقل وجودي الحالي، مهما كانت درجة شكي به، إلا أنه، قد يكون حقيقياً، وعليّ أن أتعامل مع ما حولي ببعض المنطق الواقعي، لا الروائي.

إلا أنني، رغم محاولاتي عدم الضحك مثلاً، والتماسك كي لا أسقط، أو أُسقط معي شيئاً مما حولي، الطاولة، أو إبريق الماء، أو المزهرية. فإنني لم أتمكن من التخلص من حالة اللامبالاة التي منحت جسدي خفة غامضة.

لنفرض أنني كائن روائي، فأنا أتصرف إذن وفقاً لإرادة الكاتب أو الكاتبة، ولن تفلح كل جهودي في التحكم في سلوكي. وإن لم أكن كائناً افتراضياً، فإنني وحالتي ما هي عليه، ما من منفذ أمامي للتصرف بعقلانية. كل ما عليّ فعله، هو الحذر، كي لا أسقط على الأرض، وأُعرّض نفسي لسخرية الآخرين.

-ماذا شربنا؟

-كونياك.

-فقط؟

-نعم، أنتِ طلبت قهوة مع الكونياك.

-أحسّ ببعض الدوار.

-تريدين أن نغادر؟

-أين نذهب؟

-تدخلين الكتاب.

قال وهو ينهض مبتسماً، فانفجرت غاضبة:

-أتسخر مني؟

-أعتذر.

قالها على نحو جدّيّ وقاطع لا يقبل الجدل. أجبته ببعض العدوانية:

-لا تكررها ثانية.

نهضت خلفه دون أن يخطر ببالي سؤاله أين نذهب. كنت بحاجة للذهاب إلى مكان آخر، أي مكان، غير هذا المكان.

في المصعد ( لا أذكر أننا أخذنا المصعد ونحن قادمين)، أسندت رأسي إلى كتفه.

– أنت سكرانة؟

لم أجب.

توقف المصعد بنا، لفّ ذراعه خلف ظهري ليسندني، وأدخلني في سيارة ، قهقهت قائلة، وقد تجشأت رائحة الكونياك:

-أهذا باب الرواية؟

ابتسم بطريقة فاتنة، تنبهت إلى أنه وسيم للغاية. كنت قد شعرت بهذا من قبل، لكنني لم أتوقف عند الأمر، لم أنتبه، الآن أحسست كثيراً بوسامته، أهو السُّكر اللعين الذي يشوِّش مخيلتي، ألهذا ارتبكت وأنا أنظر في عينيه في المرة الأولى؟

-أين نذهب؟

-من فضلك، لا تطرح عليّ أسئلة منطقية، لست في حال تسمح لي بالتركيز، أنا الآن في مكان آخر.

أشعل صديقي سيجارة، انتبهت إلى أنني لا أعرف اسمه. رغبت في سؤاله عن اسمه، إلا أن هاتفه المحمول قطع  رغبتي في السؤال.لا أعرف ماذا قال، فقد أجرى محادثة باللغة الإنجليزية التي لا أحبها، ولا أجيدها كثيراً، وحين أقفل الهاتف، كنت قد نسيت سؤالي.

جلست على أريكة مذهّبة. ثمة أشخاص كثيرون حولي، لا أعرف أين أنا، من جاء بي إلى هذا المكان، تركني، أو نسيني.

الأمر الذي خشيته دوماً، الخوف الذي رافقني مراراً، هو أن أضيّعني.

كيف أشرح هذا؟

لا أقصد الضياع الرمزي أو الفكري، بل المادي، أن لا أستطيع أن أذهب بي، أحملني، آخذني. أف، لا أستطيع وصف هذا، حين أجرب الكلام عنه، يتحول إلى شيء آخر.

ثمة حالات تنتاب أحدنا، لا تستطيع اللغة تقديمها، بل إن اللغة، تشوِّهها. أف. سأحاول أن أشرح كيف أضيّعني.

حين يحصل ازدحام في الطريق، أو يفقد الناس بعضهم الآخر، أُطمئِن نفسي:” أنا معي، لا شيء مخيف”، كوني معي، يطمئنني إلى أنني سأتصرف بطريقة سليمة وصحيحة. ولكني سرعان ما أتساءل: “ولكن من هذا الأنا الذي يرافقني وأثق به؟”. أعرف أن هذا كلام صعب الفهم، لأنه صعب الشرح، ربما يشعر به البعض، وبأوجه مختلفة، لكن التعبير عنه بالكلمات صعب.

المهم هو أنني معي، لا مع أحد آخر. ماذا يحدث مثلاً، لو كنت في طائرة، أو باص، أو باخرة، ووقع حادث كَوني معي، سأنقذني، ولكنني لو كنت في مكان آخر غيري، فاحتمال نجاتي أقل بكثير.

لا أعرف كيف أشرح هذا،لا يهم، لا يهم.

أين أنا الآن؟ وكيف عليّ أن أكون معي لأساعدني؟ يجب أن أنهض، أتحرك، أسمح لهذه الأنا التي تسكنني بفعل ما، بدلاً من التسمّر جالسة وكأنني دونها!

لمحته من بعيد، الوسيم الذي كلما رغبت في سؤاله عن اسمه، حدث أمر ما، ونسيت السؤال.

كان يراقص صبية جميلة للغاية. يحتضنها بشغف، يتبادل معها الحديث والضحك، يهمس في أذنها، تضحك بدلع. صبية حسناء إلى حد استفزّني.

نهضت متّجهة نحوه، إنه الشخص الوحيد الذي تعرفت إليه في هذا المكان الذي وجدتني فيه فجأة.

– كيف تجدين نفسك الآن؟

سألني، فهززت رأسي دون جواب، لأن الكلام في هذا الضجيج ، يعني أن عليّ الصراخ.أحسّ بالأمر وقال:

-هل نذهب؟

كما لو أنه أنقذني من مأزق، ابتسمت له، يبدو أنني لست في المكان الصحيح، ولكن ترى أين سيذهب بي؟

– سأجلب معطفي.

ما إن شممت هواء الشارع النقي، حتى تخففت من الضجيج الذي كان يحفر في رأسي.

– أين نذهب، سألته؟

نظر إلى الساعة :

-تأخر الوقت، أوصلك إلى المنزل؟

-كم الساعة؟

-التاسعة.

– مساءً؟

ضحك مقهقهاً.

– نعم، مساء.

-اعتدت على العودة في الثامنة مساء.

لا أعرف كيف تذكرت هذا بغتة؟

– هل من مشكلة؟

– لا أظن.

كما لو أنني كنت غارقة في الماء، أو أنني أرى الأشياء من خلف حاجز، بدأت تنقشع الرؤية في رأسي، وبدأت أفكاري تتوضح أمامي، وتذكرت أين أسكن، وأنني ربما لست شخصية روائية، لأن العمارة التي أوقف الشاب الوسيم سيارته أمام مدخلها، كانت تحمل الرقم 6 ، كما قلت له من قبل وأنا أدله على عنوان سكني.

– أنزل معك؟

– نعم، من فضلك.

ترجّلنا من السيارة، دخل معي باب العمارة. مدّ يده مصافحاً معتذراً إن كان قد سبب لي أيّ إزعاج.

تركت يده الممدودة نحوي وتشبثت بعنقه واشتبكت معه بقبلة طويلة.

كنت أشم رائحة النبيذ من شفتيه، ولكنه بدا كأنه لم يعانقني، ولم يقبلني، كما لو أنني كنت أمسك بشخص من فراغ.

 

1

لا يُنظَرُ الى الناس هنا إلاّ بأعْيُن العسس. لم يكن سورُ عكّا قد اكتمل بناؤه بعد. ولا فنارتُه التي تطلُّ على البحر الى الغرب. حجارةٌ يغسلها عَرَقُ البنّائين الحارِّ نهارًا لتبترد ليلاً بموج البحر.

تنام العائلة فتخرجُ ليلى تحت جنح الظلام، تحتمي بين رُكام الحجارة الكبيرة المصقولة المصفوفة شرق البحر وبين موجه الآتي من الغرب. لا يخطر على بال المرء أن للعسس عيونًا هنا بين الموجة والموجة وفي متاهات الفراغ بين الحجارة.

كان حُبُّهما ممنوعًا. فعازم جنديٌّ في حرس أحمد البوشناقيّ الجزّار لا يُسمحُ له بالزواج، وليلى ابنة عائلةِ تاجرٍ غنيّ. كانا يلتقيان سرًّا هناك، تحت ظلال القمر حيث تُلاقي عكّا موجَها.

“انظر يا عازم الى رمال الشاطئ تتلذّذُ بالموج يترامى عليها.”

“سأحبّك يا ليلى طوال العمر، ونجلسُ هنا وحدنا نراقب رمالنا.”

“لكن رمال عكّا لا تكتفي بموجةٍ واحدة تترامى فوقها.”

***

عند انبلاج الفجر يتعالى ضجيج البنّائين وتتحرّك الحجارةُ المكعّبة الكبيرة تحت سواعدهم لتصطفّ داخل السّور العظيم المتعالي يومًا بعد يوم. لا يخطر على بال أحدٍ أنّ بقعةً رطبةً لم تجفَّ بعد فوق ذاك الحجر هي مَنيُّ عازم. فهي ليست وحيدة فوق الحجارة.

“عُيونُ العسس لا تنام”، همسَ شريك عازم في الثّكنة في أذن صديقه.

في هذا الصباح، الثالث والعشرون من تشرين الأول عام 1784، لم يكن ضجيجُ البنّائين عاديًّا، توارت فيه طرقاتُ الأزاميل لدقائقَ، ولم تُسمع غير الصّيحات.

لم يكن في المكان المُعدّ لتشييد فنار عكا غير الرجال وامرأة واحدة سيقَتْ لتُحاكم على خيانةِ زوجها مع عاشقٍ من القرية المُجاورة، يُقالُ إنه صانع خزفٍ ماهرٍ وفنان مُبدع، تملأ تُحفُه بيوت عكا الغنيّة والميسورة. أما هي فلم يُذكر لها اسمٌ ولا صفة، وكلّ ما قيل إن زوجها كان قصّابًا أصابه المرض منذ زمن وامتلأ جلده بالبُثور، وإنه تزوج قبلها من أربع نساءٍ ولم يُنجب.

في هذا الصباح، دُفن الاثنان أحياءً تحت حجارة الفنار التحتيّة، وغطّى طين البنّائين جسديْهما حتى الاختناق.

لم يخفت الضّجيج في المكان، لكنّه تبدّل كما تتبدّل ألوان الموسيقى في سمفونيّةٍ هائجة، فبعد الصُّراخ والاستجْداء وزمجرة الجنود وشتائم الزوج الغاضب، يأتي دور الأزاميلِ وأوامر الجنود في سَعْيِها الى تسيير العمل بانتظام من جديد.

عادت الحياة الى طبيعتها الرّتيبة حتى مغيب الشمس.

***

يسير عازم بين التخوم خارجًا من ثكنته نحو الغرب. ستكون ليلى هناك في انتظاره الليليّ. لو رآه أحدٌ في هذا العتم لما خفي عنه ارتيابه، بل تكاد أفكارُه المُضجّة في رأسه تُسمع خلف النوافذ المعتمة النائمة. “عيون العسس لا تنام”، تتردّد هذه العبارة في ذهنه دون توقّف. يبتسم فجأة في سرّه: “لكنني أعرفهم جميعًا، هل سيشون بي وبليلى إن رآني أحدٌ منهم؟” يعود ليبتسم ويهزّ رأسه. “لا مُستحيل… وفي كل الأحوال، سأعرف كيف أحمي نفسي وأحميها من الوشايات… سأذهب الى ليلى وأقطف ثمرتها بعد تعب هذا النهار”. هكذا كان عازم يفكر فيما هو ذاهبٌ إلى ليلى.

كانت في انتظاره. تجلس فوق الحجارة التي صُفّت هذا النهار وأغلقت كل حواشيها بالطين الرّخوِ. وصل عازم. كان مثل بركانٍ على وشك الانفجار من الشوق إليها، وكانت حِممُها قد بدأت بالتطاير حين رأته. تعانقا. تبادلا قُبلاً شهوانيّةً على طريقة الغزاة، مُستخدمين كل ما في أفواههم من أسلحة. رفعا أثوابَ بعضهما بانفعال لا يصبر. عصر نهديْها بيديه الخشنتين. وبيديها المرتبكتين أخذت تحلّ حبل سرواله بحثًا عن قضيبه. قبضت عليه من الأسفل. من خصيتيه. رفعته الى مستوى فمها الجائع. كانت تعشق التلذّذ بسخونته داخل فمها، وتستمتع بتضخمه التدريجيّ متباهيةً في سرّها بقُدرتها على إيقافه. نظرت إليه وقد انتصب الى أقصاه. قالت ضاحكة: “لا حاجة أن يستيقظ البنّاؤون غدًا، فها هو الفنارُ جاهزٌ يُضيء”.

كان القمر هلالاً. يُراقبُ الأرض متلصّصًا. عيُون العَسَسِ لا تنام.

***

يجب أن أعود الى الثكنة الآن، قبل أن يشعروا بغيابي. مسح رأس قضيبه بصدرها، وكان فمها لا يزال ممتلئًا. هزت رأسها موافقةً. بلعت ريقها وما معه. قالت: “اذهب أنت أولاً، ثم أتبعك بعد قليل”. هكذا كانت العادة، كي لا يُشاهدا معًا.

عاد عازم الى ثكنته. نام عميقًا وطويلاً.

***

عند الشاطئ الغربيّ. الموج يترامى تباعًا بعنفٍ فوق الرمال.

ركعت ليلى على رُكبتيها فوق الحجارة الباردة الخشنة، وأخذت تمصُّ أزباب العسس تباعًا.

زبدُ الموج يغمر الرمال.

*

4

كنتُ بصددِ إكمال بحثٍ حول مسار الانتقال الديمقراطي بتونس في ظل الإرهاب، وإذ بخانة “المُحادثات” تعلن وصول رسالة، فحواها:” أريد التواصل معك بشكل حضاريّ، نعم حضاريّ كأن نحتسي القهوة معا. لو تعلمين، فنجان قهوة معك يساوي عندي حجم السماء والأرض وما بينهما، هي قطع سكر تلامسينها لتصنعي من فنجاني بحر مرمرة الذي ازداد بريقا حين كتبت اسمك على رماله، لو تعلمين أن فيك أسحار الشرق، يا ساكنات البحر في قرطاجة جف السبيل وتفرق الأصحاب”.

نزعت عن أذني سماعات الموسيقى، وأعدت قراءة الرسالة المدجّجة عشقا، استعنت بما أملكه من خبرات في اللغة العربية وعدت إلى روايات شهرزاد عن رجال الشرق، واستحضرت وصايا جدتي وجميع الخطط الاستراتيجية النسوية لتكون إجابتي في مستوى كلماته.

كبستُ على أزرار لوحة مفاتيح الكمبيوتر لأبدأ في صياغة الرد، لكنّي تراجعت، فأنا لا أطمح لشرب فنجان قهوة معه، ولا تغريني قصص بحار مرمرة ولا آبه بتلك النزاريات. أستهدف صدره الأسمر الشبيه بحدائق العنب، لأجعل منه سريرا دافئا في ليالي الخريف القادمة التي ستتزامن مع عودته من تركيا. أريد الكثير من تلك الشفاه المغطاة بشارب خفيف، أجل اشتهي نفث أنفاس الحب عليه، أمسكت بفأرة الحاسوب وتوجهت نحو صوره لأرسم بخيالي طعم القُبلات من شفاهه. 

نهضت من المكتب، أعددتُ كوبا من القهوة، تنفستُ الصعداء وأشعلتُ سيجارة لآخذ قسطا من الراحة ولأُبديَ لذلك الوسيم الجالس على الضفة الأخرى من المتوسط بعض اللامبالاة. أعلم أنها استراتيجية كلاسيكية في التعامل مع الرجال، ولكنني أجدها نافعة في مثل هذه الحالات.

أنهيت تقرير الارهاب والديمقراطية. غادرت المكتب نحو شقتي الصغيرة، فتحت الباب، طاردت قطة الجارة الغبيّة التي تأتي لإزعاجي كلما غادرت البيت، جلست لأجري اتصالاً روتينياً مع والدتي المُقيمة منذ فترة في  الخليج برفقة أختي الكبرى، لأعطيها نشرة أخباري اليومية المليئة بالكذب، والتي أبدأها بأنني أعددت الطعام في البيت وأختمها بأنني أصبحت جدِّية لا تليق بيّ العلاقات العابرة، خاصة وأنا الآن في الحادية  والثلاثين من العمر، هكذا أجعلها تطمئنّ، أقول آمين لدعائها، ثم أُشغِّل كمبيوتري وأقضم من السندويتش الذي اشتريته من محلٍ في أول الشارع.

رنّ جرس المسنجر، هي رسالة أخرى منه:

– أرجو أن لا تكون كلماتي قد أزعجتك، إني أحلم بفنجان قهوة معك.

 صرخت :

– “الله الله يا وعد الله”، أجبتُ بكل سلاسة: لا أبداً، لي الشرف بأن أضحى باهتمام كاتب مثلك شكرا لذوقك.

أجاب:

– لا يا عزيزتي، تستحقين أكثر من ذلك، الشرف لي بمحاورة امرأة مثلك.

واصلت الحوار معه، وكانت كل حوريات العالم تتراقص أمامي، دهشت من رقته وكلامه الذي لم يغادر حدود فنجان القهوة ومقالاته التي ينشرها في الصحف الثقافية وإعجابه بالبحوث التي نشرتها حول الانتقال الديمقراطي في تونس. كان يتنقل في خطابه بين الشخصي والعام وأنا أجاريه في كل ما يقوله ممسكة نفسي عن التعليق، كنت أفكر في جرِّهِ لفتح الكاميرا ليراني بـتباني الأبيض الخفيف، ولأتظاهر أمامه بالخجل و لكنه لم يسقط في ذلك الفخ.

إنه رجل يعيش بالكلمات ويحيا بها، رغم وسامته المشوبة بفحولة نابعة من عينيه، إلاّ أنه لا يُبدي اهتماماً كثيراً بالنساء. أذكر أنني تعمدت الجلوس في مقهى المونديال وأنا أحمل مجلة عليها مقاله لأذهب وأحاوره في ما كتب حول الأدب والثورة، تعمدت التظاهر بأننا في معهد الديمقراطية حيث أشتغل، نسعى لدعم الأقلام المُهتمة بالأدب ونشر الفكر الحر.

إنطلت أكذوبتي عليه، وبدأ في شرح مشروعه الإبداعي، وشرع في ذكر أسباب نشره لكتبه الأخيرة التي لا أتذكر عنها شيئاً، كوني كنت حينها  أهفو  للاستمتاع بعطره الباريسي المثير، إذ نجحت  بالكاد في منع يدي اليسرى عن مداعبة شعر رأسه الأبيض الناعم. أنهيت اللقاء معه بعد أن أخذت جميع بياناته، حتى حالته الاجتماعية وأصله وهواياته، ولولا ضيق الوقت، حيث غادر إلى موعد مع مدير دار للنشر، لكنت عرفت نوع طعامه المفضل ومقاييس لباسه. 

مُذ ذلك اللقاء، بدأت في رسم الخطط للإيقاع به، لم يكن الأمر سهلا وخاصة مع رجل محترم مثله، يهوى قراءة الكتب والاستماع للموسيقى ولا يحب شرب الخمر كما أنه لا يجلس في حانات العاصمة مع زملاءه من الكتاب والصحفيين، الأمر الذي أرهقني حين أردت تقصي أخباره .

لا أحد يعلم الكثير عن حياته الشخصية لكنهم أكدوا لي أنه رجل محترم، لكن محترم هذه، لم تسعدني كثيراً بحكم معرفتي بمقاييس الاحترام لدي مجتمعي، فهي تقال لشاب لا يجيد تقبيل فتاة ولرجل لم يتذوق لسانه طعم نبيذ هذا البلد.

إنه الكاتب محمد عزيز، صاحب الأصول الأرستقراطية والقيافة والأناقة، شهير في الوسط الثقافي بطباعه الهادئة وبأدبه الجم وولعه بقراءة الكتب ورفضه للجلسات الخمرية وبتوقيعه: المُتعب من عروبته. كان عزيز، ورغم إنه في الاربعين، لا يقلل من احترامه لمن هم أصغر منه سناً. كان على علاقة بشاعرة فلسطينية، ثم انقطعت علاقتهما منذ انتفاضة غزة الأخيرة، وبعدها لم يخفق قلبه لامرأة.

 أما أنا فصاحبة قلب يشبه المساكن الشعبية، قلب يتسع لجميع رجال الأرض شريطة أن يتسموا بالوسامة والفحولة بغض النظر عن جنسياتهم وانتماءاتهم. أنا أممية الهوى، أدافع عن التعددية في الحب كما أدافع عليها في المشهد السياسي التونسي.

كان غياب حبيبته الفلسطينية  يجعله كثير الحزن وكثير الدعم لقضيتها، ورغم أننا نسينا الشأن الفلسطيني منذ اندلاع ثورات الربيع العربي ربما لأننا وجدنا النصر في أبنائنا ورأينا في البوعزيزي محمد درة وسمير قنطار وكل من عشقناهم من أبطال الشرق، لكن محمد عزيز ظل بكوفيته تلك وفيًا لحنظلة.

كتبت إليه:

– لأنني أحب بعنف، وأطلب في الحب عنفا بمثل، فإني سأقتلك اليوم حبا، أهديك قصيدة جعفر الماجد الساحرة1.

 ردّ بسرعة من ينتظر لهفة المرأة إليه:

– إنّي أخاف سحر حوريات قرطاج، رفقا بقلبي أيتها الشقية.

 ضحكتُ، لكني كتبت متلهّفة فعلا:

أعز الله هذا القلب الحاضر أمامي كوقعِ تراتيلِ الصلاة، دمت بخير-.

أكملتُ عبارتي الأدبية المستوحاة من تدوينة لأحدهم، وأغلقت حاسوبي ونِمت، أجل نمت لأحلم بفارس لا يخجل، متهكّم حدّ ارتجافتي وسقوطي في عينيه.

نهضت مرهقة قليلاً من سهرة المحادثات والمراوغات الكلامية التي قضيتها مع محمد عزيز، جلست في مقهى لونيفير لشرب قهوة ولتدخين سيجارة، دعوت أحد شعراء وطني البائسين لمشاركتي القهوة ولمشاطرتي  بعض السجائر لأستقي منه ما تسنى لي من المعلومات عن محمد عزيز الذي بدأ يسكن عقلي. شرعت في الحديث عنه وعن التزامه المفرط بقضايا العرب رغم ما يقع على أرضنا من مصائب، فانتفض الشاعر قائلاً:

– أنتِ لا تعلمين أن محمد عزيز درس في دمشق وكان من مناضلي الجبهة الشعبيِّة لتحرير فلسطين، ويقال إنه كان في الجبهة المسلحة وكان على علاقة بشاعرة من الجبهة الشعبية.

نفثت دخان سيجارتي في الهواء، فحديث المقاومة والرفيقات المناضلات أعرفه جيداً، وكل من درس في دمشق أو بيروت أو العراق من يساري تونس يعود إلينا بطلا ومرجعا في الفكر اليساري والإسلامي والعروبي والقومي وحتى الانفصالي، تكفي بعض الكلمات المشرقية و حديث عن مذاق العرق لتجعل منه محل استماع الحاضرين، ومحمد عزيز من بين هؤلاء، من يعيشون تحت سماء الشرق وهم في أرض تونس، و هم ممن ينسبون إلى عدنان وتغلب وجده من أصول تركية وأمه من الساقية الحمراء.

التأكيد على مشرقية محمد عزيز أثار فيّ بعض الحس الوطني مع غيرة  طفيفة على رجال هذا البلد، من أقول فيهم على مدونتي أرذل القول وأتهمهم في أغلب الأحيان بالتخنث وبغياب الرجولة. ولكنني شعرت حينها بنارٍ تحرقني وتذلني حين رأيت محمد عزيز ينشر قصائد غزل لنساء الشام ونساء العراق مُتناسياً ساكنات قرطاج و نوميديا وزقاق المدينة أمثالي.

أمضيت كامل اليوم أفكر في استراتيجيات وتكنيكات للإيقاع به.  لقد صار الأمر بالنسبة لي مسألة وطنية، تكاد تكون شوفينية، رهان آخذه الآن على نفسي ، إما الإيقاع به وإما لا أكون أنا كاهنة الماجري.

فكرت في أن أنتظر عودته الأسبوع القادم لأراوغه باستضافته على “كفتاجي” الأكلة التونسية الشهيرة بنكهة زقاق المدينة العتيقة، لكن تلك النيران التي تشتعل بداخلي منذ أيام، لم تتركني أرتبُ خطة العشاء، جعلتني أتسرع  في الدخول إلى صفحته على الفايس البوك، لأجده كتب ما يهمّني:

– أفكر كيف سأتعامل مع كنوز حبيبتي؟

كبست على زر المحادثات، وكتبت دون إيحاءات عربية:

– قبّلها واقضِ نحبَك بين ذراعيها وستشكر السماء سعيك.

 ردّ بسرعة البرق:

– لم أكن أدري أنك تتمتعين بنَفَسٍ شِعريّ خطير.

أجبته:

– حضورك هو الأخطر سيد محمد عزيز.

– أخطر على من؟

– أخطر على نساء هذا البلد، أخطر على نساء تونس من يذرفن الدموع حين تغادر الفرسان نحو الشرق. ألا تدري أن التونسيات يحملن أرحام هذه الأرض وطينها؟

توقف عن الحديث ولم يجب. ربما كانت جملتي الأخيرة كالقصف العشوائي على روحه، تجاوزت جميع الحواجز لتبدأ في نفض غبار ذكريات تلك الفلسطينية التي ظلت عالقة بعينيه اللوزيتين، وبصدره المغري. اللهم إني أسألك النوم بين ذراعيه تحت شتاء تونس وصقيعها. نمت تاركةً حاسوبي مُضاءً، على أن أنهض على رسالة حب منه، ولكن يا خيبة المسعى لم يقل شيئا بل نشر ما كتبه على صفحته ما يذبحني:

– حين كتبت لي إحدى صديقاتي، ألا تدري أن التونسيات يحملن أرحام هذه الأرض وطينها؟ فهمت لماذا قال الشاعر كمال بوعجيلة التونسيات هنّ الجميلات فعلا وقولا وهنّ ملاذ لتونس حين تحن، كرم الله بنات الكاهنة .

تكاثرت التعليقات على مدحه نساء تونس من أصدقائه، بلهجات سورية ولبنانية ومغربية وجزائرية ومصرية. قرأت ما كتب بنَهمٍ وابتسمت، شغلت أغنية “برشا برشا يا مدلل” ورقصت إلى أن غمر العرق كافة أركان جسدي. توجهت نحو الحمام لأنهي الرقصات مع المياه الدافئة. إنه  ليوم منعش، بدأته بابتسامة حب لمدير المؤسسة الذي لا أطيق ذكر اسمه ولا رؤية وجهه المجعد الكريه حين يطلب مني إنجاز تقرير أو ورشة عمل حول الدستور وحقوق الانسان. ورشات وندوات وتقارير أكتبها  على أهواء المتابعين وحسب ميولات الجهات المانحة فتراني أكتب بحس نادلي المقاهي أقدم ما يطلب مني.

خبراتي في التزلف التي اكتسبتها من عملي مع منظمات المجتمع المدني جعلوا مني لبقة وماهرة في التعامل مع الرجال، و لا سيما أصحاب الحالات الخاصة مثل محمد عزيز، يكفي أن تمنحه أذنيك والكثير من الاهتمام فتكسب وده وثقته، أظن أن العالم بات يعرف أننا في أوطاننا لا نريد الاستماع إننا نشتهي الحديث فقط.

مر أسبوع، أخبرني فيه محمد عزيز عن موعد عودته إلى تونس طالبا مني أن ألتقيه في مقهى مطار قرطاج بعد لحظات من وصوله. وافقت، فمعدل سخائي مرتبط بمعدل وسامة الرجل المقابل، وكاتبنا كان يقطر رجولة من يديه حتى أخمص قدميه التي تغطيها أحذية سوداء كلاسيكية وإيطالية الصنع.

جلست في مقهى المطار، طلبت قهوة سوداء دون سكر، أشعلت سيجارتي الثانية وإذ بيد حطت على كتفي لتديرني نحوها. احتضتني اليد الثانية غرقت في عطر إعتراني. قبّل خدي، تظاهرت بالمفاجأة وقفزت في مكاني لأخفي حالة الذوبان التي انتباتني حين حضنته، بدأت في الثرثرة والأسئلة عن الرحلة لألهي لساني الجريء عن دعوته لغرفتي الخاصة.

تحدث عن رحلته، وعن الكتب التي اشتراها من تركيا وعن رفيقه السوري الذين اجتمع به خلسة، بعيداً عن أنظار مخابرات أردوغان، كان يتحدث عن مقاومة السوريات ضد الدواعش وكنت أقول لنفسي:

– أراحنا الله من الفلسطينيات فتحول نظره نحو السوريات، هل أنتظر وقوع حرب في تونس لأنال رضاه؟ ما هذا يا إلهي؟!

أنهينا احتساء القهوة، دعاني للعشاء في مطعم دمشقي أفتتح حديثاً في منطقة المنار. إشترطت أن أقبل الدعوة  حال ما غيّر المكان نحو مطعم في المدينة العتيقة بتونس وكان لي ما أردت. 

التقينا عند أسوار المدينة لنتوجه نحو المطعم المتواجد في غياهب الزقاق الذي تنيره المنارات ذات الضوء الخفيف،  أمسكت بذراعه اليسرى وبدأت أغني ألحاناً تونسية، فيها الكثير من الغنج والدلال. علّق على صوتي الذي أعجبه فأكملت الغناء مع تقديم شروح لمعاني الأغنيات التي كان يجهل جلها.

وصلنا إلى المطعم. أبدى أعجابه بالمكان، وأسهب في الإشادة بثقافتي الواسعة فيما يخص الغناء النسائي التونسي إذ أكتشفه كما يكتشف السائح بلادا أخرى غيرت دفة الحديث نحو تاريخ المقاومة التونسية وحكايات الفلاقة 1 وجبل برقو 2 وخيل سالم  3

والصبايحية 4، وأخبار حاملات السلاح، وكان يعلق بإشارات لثورة الضباط الأحرار وثورة عرابي، كان عارفاً بتفاصيل تاريخ جمال عبد الناصر وتغيب عنه. تفاصيل الدغباجي 5. إنه لا يفهم حتى اللهجة الريفية التونسية. كنت أشرح له معاني الأشعار والأسماء حتى إسم قبيلتي ذات الأصول الامازيغية القديمة قِدم أشجار الدفلى وانبثاق واد مجردة.

– أنت غارقة في تونسيتك.

– بل أنت المستشرق الذي فقد بوصلته وأصبح يلتصق بشرقٍ لا يفهم حتى لهجتنا التونسية فما بالك بلهجتي الجبلية؟

إجابتي لم ترق له. تغيرت نبرة حديثه. أما أنا فغيرت دفة الحوار حين رأيت حمودة النقنوق 6،عازف الغيتار التونسي جالسا وراء محمد عزيز. ورغم كرهي له لأنه يشبه العاهرات في سلوكه إلا أنني كنت مضطرة لذكر اسمه حتى لا أزيد في توتر الجو:

– عزيز هل رأيت من يجلس خلفك، إنه حمودة  الذي أعاد توزيع “تعلق قلبي طفلة عربية”؟

تراقصت ألوان الفرح في عينيه، وأدار بظهره إلى الخلف ليلقي التحية لحمودة المخنث ويتركني وحيدة في طاولتي.  قفز حمودة من مقعده ليرتمي في حضن محمد عزيز وينهال عليه بالقبلات. وضع رأسه على كتف فارسي ليشتم من عطره. ثم رأيته يدعوه ليجلس معه ومع أصدقائه. حينها أشار لي محمد عزيز لألتحق بهم. أمسكت بحقيبتي وتوجهت نحوهم بعد أن اعتراني الغضب.

– آسفة أحس بالتعب وأريد العودة لبيتي.

رد محمد عزيز:

–  لا عليك سأوصلك رفقة حمودة لبيتك.

أجبت:

– هل تنوي إكمال سهرتك معه؟

لم يجبني أحد منهم ولا أظن أن فارسي الشرقي قد استمع لسؤالي أصلا. غادرت المقهى، ومشيت مهزومة وراء حمودة النقنوق، هذا الذي تأبط ذراع محمد عزيز.

 إشارة لاغنية تونسية من التراث الريفي يا خيل سالم باش روحتولي**بانا وجوه تقابل وقولولي باش لي جيتو واش قولكم ** في اللي الذي خليتو. سالم ع العقاب شايع صيته يوم البراز

مصفن ع الحولي … كلمات تتغنى بفروسية سالم الذي ذهب للقتال واستشهد.

6

 أنـا جورب رخيص، ثمني نصف دينار، أنتجتني تشاركية صناعية، وزع هامش ربحي على عناصر الإنتاج، اشتراني إنسان بسيط، منتج مستور الحال، تزوج هذا المنتج من فتاة بسيطة، سكن بها في شقة صغيرة كانا فرحين.

كانـت العروس لطيفة جداً معي، تغسلني كل يوم بماء دافئ، لا تحرق بشرتي بالصابون، ولا تكويني بالبوتاس، ولتنعشني تنشرني في الشرفة فيجففني نسيم بنغازي العليل .

كنـت أناجي هبات النسيم وأتذكر دعكات أناملها المخضّبة بالحناء، كانت تدعكني ببطء كعلكة في فمها المسوّك كنت أنظر إلي الجورب اللحمي المركون قرب الباب تحت مرآة  دولاب  المدخل.

وذات يوم مرضت العروس، ربما حملت، فغسلني العريس بماء بارد في عز الشتاء، أوجع أنسجتي بدعكاته الخشنة، كاد أن ينسل أسلاكي، كاد أن يفض مطاط عنقي المصفح، اختبأت منه – الله غالب – في رغوة الصابون، عندما نشرني على الحبل نسي أن يشد أذني بمساكة  فقذفتني الرياح بعيداً لأسقط في فناء دارة أنيقة، أخذت الرياح تقلبني داخل الدارة من مكان إلي مكان، وكأنها توضح لي الفرق بين الشقة والقصر. وفي أحد الأركان كانت حجرة الغسيل، اقتربت منها حذراً، كان ينبعث من داخلها صوت طنين، نظرت وظهري ملتصق بمقبض الباب، رأيت الخادمة ترمي قطع الملابس في جوف وعاء معدني متصل بخيط يتأرجح من علبة في الجدار، هذا الوعاء الطنان ليس (كلياننا الصغير) الذي لا يتصل بجسده أي خيط يربطه، خفت أن ترمقني الخادمة فتظنني من العائلة وترميني لأدور بسرعة معهم في هذا القب، ابتعدت عن الحجرة واقتربت من حبل الغسيل، لمحت جورباً ملوناً من حرير يتمايل كطاووس مقروص بمساكة جميلة. سألته بلغة الجوارب عن الوعاء الملتهـم للملابس. لم يفهمني أول مرة لأنني لم أنطـق جيداً بسبب ثقب صغير عند موضع إبهـام القدم. كررت عليه السؤال فأجابني بجوربية مكسرة: هذه غسالة “إلكتريك مستورد”.

شكرتـه دون ابتسامة، استغربت لعدم وجود مثل هذه الغسالة في بيت صاحبي العريس ثم عزوت السبب لارتفاع ثمنها، ولكنني سعيد لعدم وجودها، فالملابس داخلها تدور بسرعة كاتفاقات سلام ممرر! أنا سعيد بغسالة العشرة أصابع الطبيعية ذات الرائحة الجميلة والملمس الناعم، والدعك ببطء والنظر إلي دولاب المدخل حيث الجورب اللحمي الخجول، آه كم هي جميلة الشقة، وأنا في متعة استرجاع ذكرياتي الجميلـة فاجأني هجوم خرطوم حلزوني يتلوى كثعبان يلقف كل شيء، تراب، غبـار، أوراق شجـر، قصاصات ورق، جذبني بعنف إلي جوفـه، وجـدت نفسي داخل ظلامـه. احتميت بورقة شجرة وابتعدت عن أسلاك مكهربة داخله، فرحت لأنني لست مبللاً وإلا صعقت.

فـي المساء أفرغوا جوف (المكنسة الكهربائية) في برميل كبير للقمامة مرابط أمام الباب الفولاذي الحصين

 أمضيت ليلتي في جوف هذا البرميل المقزز تذرعت للأوساخ ورائحتها النتنة بكل ما أسعفتني به ذاكرتي من روائح العروس ومطبخها ومن عرق المنتجين وروائح المنتجات حتى الزيوت المنبعثة من آلات تصنيعي تذكرتها فدافعت عني ..

فـي الصباح كانت إجازة العريس قد اكتملت ، وتبصل شهر العسل سعادة وعاد المنتج البسيط إلي عمله في شركة التنظيفات العامة ، ما إن سكب البرميل في صندوق سيارة القمامة، حتى لحت له من بين الأكوام، رآني، تبسم لي، التقطني بحنو ووضعني في جيبه رغم تلوثي .. فأنا قريب من قلبه .. أنا من شهود ليلة دخلته. بعد الدوام عاد بي إلي الشقة، ناولني إلي العروس: عرفتني، طارت فرحاً، زغردت ، اطمأنت على عريسها من السحر، نفضتني من الغبار، قبلتني، ثم لبستني في يدها قفـازاً ..

6

كانت هادية تزورنا مع أمها، ونكتب الواجبات المدرسية سوياً تحت الدالية في الأيام المشمسة، وحول المدفأة في الشتاء. كانت كتبها دائماً ممزقةً، فلم تكن تحبُّ الكتب ولا المدرسة، فأكتم غضبي منها، ثم أقول لنفسي: ذلك لا يعيبها، فهي جميلة، وبيضاء مثل الحليب، وعيناها تفيضان بالعسل، وضفائرها جميلة، جديرة بأن يُشنق المرء بها، أو يُقاد إلى حدائق الأبدية. والجميلة في غِنى عن المدارس، فهي العلم، وهي الثقافة، وهي القصائد، وهي الجائزة.

وكنت أعاتبها على إهمالها كتبها. فأبوها عنده سطل من الغراء، مكشوف دائماً للهواء، وليس مثل علبتي الصغيرة التي تجفُّ من هبة النسمة. كنت مولعاً بإصلاح الكتب وتجليدها، منذ أن اكتشفت معجزات الغراء الأبيض في مداواة جروح الكتب، فأصلح لها كتبها، ودفاترها، وأستمتع برائحة الغراء الطيبة، وغشاوته وهي تجفُّ على سبابتي، فأسلخها بسرور كما يسلخ النهار جلد الليل.

صرت معروفاً في الحي بمصلح الكتب. كان الآباء يرسلون إليّ مصاحفهم، فأقوم بالمؤاخاة بين أوراقها التي فرق بينها أصابع الزمن، وتعلمت خياطة أعقاب الكتب، وإصلاح جلود مصاحف المسجد. نهاني المصلّون، فهي أوقاف، لكني ثابرت على إصلاحها، في غفلة عنهم.

كنا جيراناً، نتشارك زقاقاً ضيقاً، طويلاً، لا يتسع سوى لشخصين يشبكان أيديهما على ضفتي مزراب حجري، وهو زقاق ليس كمثله في البلدة كلّها.

باب بيتنا، يواجه باب بيت هادية ذي السقّاطة النحاسية، المصفح بجلد التوتياء المعدني المزخرف، فأبوها نجار، وفي وسط أرض الزقاق جدول، يجمع حبّات الأمطار، ويجدلها في ساقية عذبة. وكانت هاديه تحبّ الأنهار وصناعة الزوارق، وكنت أحب تجليد الكتب، وصناعة فخاخ العصافير. هي تهوى التمزيق وأنا أحبّ التلزيق. سفنها الورقية متقنة، وسفني تجنح، وتنقلب، وتغرق في القاع.

خطبت لي أمي هادية من أمها، ونحن حول المدفأة في الشتاء، نشوي الكستناء، ونشم رائحة قشور البرتقال المشوّية العطرة. وافقت أم هادية، وابتسمت هادية علامة الموافقة، فقلت لعروسي: عندما نتزوج سأصلح لك كتبك كلها، فمزقيها كما تشائين. لكن حدث أمر لم يكن على البال، لقد كبرت هادية فجأة، كأنما بلمسة سحرية. كبرت وخُطبت أيضاً من وراء ظهري غدراً، الجميلات يُخطبن بسرعة البرق، ويُقطفن مثل حبات العنب الأولى الناضجة من العناقيد، في الصيف.

ولما ذكّرت أمي أمها بأنها مخطوبة لي، قالت بأني لا أحلُّ لها، فأنا أخوها بالرضاع، واختلفت أمي مع أمها حول عدد الرضعات المحرمة، فرضعتان لا تحرّمان، لكن أم هادية، قالت: إنها أرضعتني حتى الشبع، حولا كاملا، فليتني بقيت جائعا، فلَيْتَأنَّنَا، إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم. وأظنُّ أن أمي كانت تغش في عدد الرضعات، يائسةً، فهي تدرك أن ولدها الذي يلعب بالدحاحل، ويصطاد العصافير بالفخاخ والدود، لن يلحق بهادية في سباق النمو والشبوب، ولو شرب أنهارا من الحليب بالعسل.

لم أزعل كثيراً، فأنا ما أزال أخاها، وليس أجمل من أن تكون هادية الجميلة، التي صارت مثل أمها حواء، بين ليلة وضحاها امرأة تامة الحسن، أختي، وقلت معترفا بالهزيمة، أقبل بأحد الحسنين: حبيباً منصوراً، أو أخا مدحوراً.

لكن هادية تغيرتْ، ولم أعد أطمع سوى في أن تردَّ عليّ السلام. صارت الفراشة تمرُّ بجانبي في الزقاق الضيق، وهي ذاهبة إلى المدرسة، وأنا عائد منها، فدوام الذكور كان بكرةً، والإناث أصيلاً، فأسلّم عليها، فلا ترد السلام وتمضي وكأن طيفا مرّ بجوارها! فأما أني نحلت ولم تعد تراني، وأما أن خطيبها أمرها بمقاطعتي، كانت قد صارت فراشة، وبقيتُ ملتصقاً بالأرض، بالغراء الأبيض مثل غلاف الكتاب، أحمل معي علبة الغراء أينما ذهبت، بودّي أن ألصق الغيوم بالسماء، والشارع بالشارع، والشمال بالجنوب، ثم طارت الفراشة بعيداً، بعيداً جداً، إلى بلاد فيها نهر كبير، وتجري فيه زوارق عملاقة.

تركت هادية المدرسة، وكُتب كتابها، وأقيم لها عرس كبير، كان له طعم المأتم. إنه الكتاب الوحيد، الذي أشكّ أني لو وجدته ممزقاً، لأصلحته. وطلبتُ من أبي أن يفتح لبيتنا باباً على الشارع، بدلاً من الزقاق الذي ضاق عليّ كثيراً، وتراكمت في ساقيته حطام السفن الورقية الجانحة، ودفنت كنوز من الذكريات في قاعها، وصرت عاقّاً، والعقوق يوجب غضب الرب، ورفضت أن أزور بيت أمي الثانية، أم هادية، التي أرضعتني سبع رضعات سامّات مشبعات، حتى في الأعياد.

قالت لي أمي مواسيةً، وأنا أسلخ غشاوات الغراء الأبيض عن أصبعي الجريحة: ستكبر يا ولدي، يا فلذة كبدي، ويا قرّة عيني، وتصلح كتب العالم كلها، وستتزوج أحلى منها ألف مرة، وسأربي لك أحفادك وأزوجهم الحوريات. ولم أعد أرى هادية، ولا صورة لها عندي، تمنيت لو احتفظت بأحد كتبها الممزقة. كان خطها أعوج، وتتفاوت فيه موازين الحروف ومقادير حجومها، وتحوم النقاط حول أزهار الحروف مثل النحل، لكني كنت أحبّه، وأسكر به. وكنت أطلب منها أن تكتب لي اسمي بالعسل على كتبي، وعلى دفاتري، وعلى الحيطان، كما لو أنها نجم من نجوم السينما والتلفزيون، كما لو أن خطها لوحة تشكيلية خالدة.

وجفّت مياه النهر في بلدتنا، وجرت الرياح بما لا تشتهي سفني، وغرقت زوارقي في اليابسة وتحطمت. وضاعت ثروتي من كرات الدحل الزجاجية الجهنمية الألوان في المحيطات، والتصقت ذكرياتي ببعضها بالغراء حتى انطمست. آخيت بين آلاف الأوراق بالمرهم الأبيض اللاصق، واصطدت مئات العصافير، وأطلقتها من جديد، أملاً وبشرى، لكني لم أجد أجمل من هادية، وظلّ قلبي ممزقاً، وضاعت أوراقه الصفراء في الأنحاء مثل أوراق الشجر في الخريف، وكنت أنتظر أن تصلح هادية جلدة قلبي وأوراقه الضائعة، كما أصلحتُ كتبها وقراطيسها.

لقد نسيَتْ أخاها الذي شاركها حليب أمها، والغِراء النابع من صدر أمي. نسيت حبيبها الذي سافر معها عبر البحار، وسكنا في عشرات الجزر النائية، ورعيا قطعانا من الغزلان والفيلة والديناصورات الأليفة ذات المناقير، حبيبها الذي ما زال يحمل معه علبة الغراء مثل المدخنين، أينما حلَّ وارتحل، متحاملا على أوجاع ضلعه المكسور، ويصلح، بغراء روحه البيضاء التي سُلخت آلاف المرات، آلاف الكتب؛ كتب الحب والفلسفة، الدين والدنيا، العلوم والشعر، العربية والمترجمة من لغات الجن والأنس ومنطق الطير، ويبحث عن طيفها بين السطور، ووراء ظلال الكلمات، وتحت أنقاض الأرقام، وعن رائحة قشور البرتقال، التي تتضوع، عطراً وطيباً، على جمار الحنين.

1

طلب منّي صديقي كلود، النادل في مقهى “أوشيه دو لا أبيي”، أن أنهي كأسي بسرعة. الساعة الثانية والربع صباحاً، وعليه أن يغلق باب المقهى. مشيت بضع خطوات وجلست في ساحة فورستنبيرغ. هنا “أنظف” دماغي كل يوم. كان البيت الذي قضى فيه الرسام الشهير دو لاكروا سنواته الاخيرة، قبالتي، وقد أصبح متحفاً الآن. بدأت أدخن سيجارة. فكّرت أن أتجه الى محطة أوسترليتز. لكنني لا أستطيع النوم ومزاجي معكّر.

“إلى متى يكرّر الفرنسيون هذه المسرحية المملة؟!” قلت بصوتٍ عالٍ وكأنني أخاطب الفنان الكبير. كنت أقصد هذه الاستعراضات العسكرية الهائلة التي يقيمونها كلّ سنة. آلاف الجنود، مئات من الدبابات والمدفعية والصواريخ، عشرات الطائرات تحلق في السماء، وحشد هائل من البشر في كل مكان، وشرطة المرور تغلق الشوارع الرئيسية المؤدية الى قلب باريس، مما يؤدي إلى فوضى هائلة تستمر طوال النهار. وتقوم القنوات التلفزيونية ببث هذه الاستعراضات مباشرة، ونرى نفس هذه الصور في شاشات مئات الآلاف من الأجهزة التلفزيونية المعروضة في فترينات محلات بيع الالكترونيات. أحبّ فرنسا ولكنني لا أحبّ هذا اليوم الذي يسمونه “كاتورز جوييه” (الرابع عشر من تموز)، الذي يحتفلون فيه بذكرى الثورة الفرنسية.

تركت ساحة فورستنبيرغ وقررت أن أقوم بنزهة حول كنيسة السان سولبيس بانتظار أن يبزغ الفجر لأدخل أي مقهى أجده أمامي. لمحت عند نهاية شارع بونابرت المتقاطع مع شارع فيو كولومبييه، امرأة أنيقة تسير بخطوات أثارت انتباهي. كانت ترتدي شورتاً قصيراً، أبيض، يكشف عن ساقين مكتنزتين. خمنت أنها تقترب من الخمسين. عندما تقلصت المسافة بيننا بدت لي حزينة.

“لماذا أنت حزينة، مدام؟!” قلتها دون أن أنتظر أي رد منها. كنت ثملا، وكانت الساعة تقارب الثالثة صباحاً.

توقفت السيدة وقالت وهي تحاول أن ترسم ابتسامة صغيرة “نعم، أنا حزينة جداً، مسيو”.

“أنا آسف جداً، مدام” قلت.

“لقد أضعت كلبي الصغير في الكاتورز جوييه، مسيو. أليس هذا محزناً!” قالتها بغنج وهي تبلل شفتيها وتمدّهما إلى الأمام.

“وأنا أضعت وطني في الكاتورز جوييه، مدام، أليس هذا محزناً؟” قلت ساخراً.

ضحكت وقالت وهي تغمض عينيها بغنج “وكيف حدث هذا؟”

“إنها حكاية طويلة، مدام”.

صمتت السيدة للحظة، ثم قالت “اسمع. هل تريد أن تشرب كأساً معي، أعرف محلا يبقى مفتوحاً حتى الفجر”.

عبرنا بولفار السان جيرمان وسرنا بمحاذاة الكنيسة، قالت لي “أنا أقيم في هذا البولفار. أليس رائعاً أن يقيم المرء في هذا الحي”.

“هذا حلم بالنسبة لي” أجبتها.

“لي أيضاً”. قالت بمرح، ثم أضافت “تصور كم سيكون الأمر رائعا، لو أننا صادفنا كلبي الصغير الآن”.

“سنجده، صدقيني مدام، أنا أشعر بذلك”. قلت.

وقفت وتطلعت اليّ:

      “أنت لطيف. تشعرني بالألفة، لقد قلت (سنجده) هذا لطف منك”.

هززت كتفيّ ولم أعرف بماذا أرد.

“نعم أنت لطيف” كررت.

عندما دخلنا مقهى “لو كونتي”، حيّاني داميان، مدير المقهى، ومدّ يده مصافحاً.

“يبدو أنك مشهور؟” قالت السيدة.

“في الحانات فقط” أجبتها، فضحكت بصوتٍ عالٍ.

طلبت نبيذاً أحمر، وطلبت هي “كير رويال”. وعندما لاحظت داميان يخرج من البار، عرفت أنه سيذهب إلى غرفة المخزن الواقعة خلف البار، بالقرب من التواليت. اتجهت فورا الى التواليت، وانتظرت لحظات حتى خرج من المخزن، فقلت له “داميان، من فضلك إذا اضطررنا الى الشرب كثيرا، هل يمكن أن أدفع الحساب غداً، لقد تعرفت على هذه السيدة اليوم”.

“بالتأكيد” قال داميان ثم أضاف “إنها تقيم في باريس منذ اسبوعين فقط، كانت في كاليفورنيا”.

“تعرفها؟!”.

“تأتي في الليل لتشرب كأساً. إنها تسكن على مبعدة خطوات من هنا”.

قالت السيدة إن اسمها ميشلين، وسألتني عن اسمي، عن حياتي، وماذا حدث لبلادي. رويت لها أنني أعمل حالياً في شركة للترجمة والطباعة، وأن طموحي هو أن أصبح مخرجاً سينمائياً. وعن بلدي، أخبرتها أن مجموعة من الضباط الأشرار قاموا في “الكاتورز جوييه” من عام 1958 بانقلاب عسكري دموي أطاح بالنظام الملكي في العراق، ومنذ ذلك الوقت يعيش الشعب العراقي تحت حكم العساكر الأجلاف.

“هل أنت ملكي؟” سألتني.

“نعم أنا ملكي. أعتقد أن النظام الملكي في بلادي كان أفضل بالنسبة لنا”.

هزّت رأسها متفهمةً. وقالت ” لقد عشت أكثر من 15 سنة في كاليفورنيا. كان عندي مطعم كبير هناك، مختص بالمطبخ الفرنسي، حسناً كنّا نمتلكه أنا وزوجي. انفصلت عنه منذ شهر”. ثم أضافت وهي تطلب كأساً إضافية “أنا طباخة محترفة. فكرت أن أفتح مطعماً هنا في باريس، لكنني قررت أن أستكشف الأجواء أولا، لذلك قبلت العمل كـ”شيف” في مطعم مشهور، يقع خلف باليه دو جوستيس (قصر العدالة). زبائني هم من أشهر قضاة باريس”. بعد لحظة صمت سألتني “أين تقيم”؟

“منذ فترة تركتُ سكني الذي كان قريباً من هنا، وحاليا أقيم في ستوديو صغير يقع بالقرب من المطبعة التي أعمل فيها. قرب بورصة باريس”.

“منطقة جميلة. ولكنها بعيدة من هنا”. قالت.

ظللنا نشرب حتى أغلق المقهى بابه، فدعتني لمواصلة الشرب في بيتها “أنه على بعد خطوات، تعال معي”.

في الصباح، خرجت ميشلين من الحمام، وكنت ما أزال في السرير، قالت صباح الخير وانحنت لتقبّلني. فسحبتها إلى السرير.

“هل تعرف أنني أيضاً ملكية” قالت. “أنا طباخة، والطباخ لا يمكن إلا أن يكون ملكياً، أليس كذلك”؟

“نعم” قلت وأنا أزيح عن جسدها المنشفة الكبيرة.

ذهبت ميشلين إلى العمل وتركتني نائماً، وعندما عادت كنت في الحمام آخذ دوشا وأغني بحماس أغنية Dans Tes Bras لشارل أزنافور، فأخذتْ تغنيها معي وهي تخلع ثيابها وتدخل تحت الدوش.

“أعرف شارل أزنافور شخصيا” قالت ميشلين ونحن نتناول طعاماً فرنسياً فاخراً جلبته من المطعم. “لقد كنت الطباخة الخاصة لمغني البوب ليونيل ريتشي”.

“واو، أنا أحب ليونيل ريتشي كثيراً” قلت لها.

“أنا أيضاً” قالت ميشلين “كنت طباخته المفضلة لسنوات طويلة. ذات مرة كان شارل ازنافور أحد المدعوين عند ليونيل ريتشي وكنت أتولى الإشراف على الطبخ. قال لي ليونيل ريتشي (ميشلين ارجوك اهتمّي بالطعام اكثر من اي وقت، فالضيف القادم هو شارل ازنافور، أنه “حِشَري”، يضع أنفه في كل كبيرة وصغيرة في المطبخ، من فضلك، لا أريده أن “ينق”). وبالفعل عندما جاء أزنافور تدخل في كل صغيرة وكبيرة بما يخص الطعام. أنه كثير النق ومتطلب”.

“هل ليونيل ريتشي، لطيف كإنسان” سألتُ ميشلين.

“جدا”. قالت ميشلين بحماسة.

ثم سألتني إن كنت اتصلت بشركة الترجمة وأخبرتهم عن غيابي. قلت لها أنهم متعوّدون على سلوكي. وذكرتها “لا تنسَي أن البارحة كانت احتفالات الكاتورز جوييه”.

“كاتورز جوييه، ذكرتني، علينا أن نخرج ونبحث عن الكلب، ربما نجده في المكان الذي أضعته”.

“في ساحة السان سولبيس؟”

“نعم، قريباً من منزل كاترين دونوف، الممثلة، هل تعرفها؟”

“ومن لا يعرف كاترين دونوف!”

“صحيح. البارحة قلت لي شيئا عن السينما”.

“أحبّ أن أكون سينمائياً”.

“صحيح، أتذكر ذلك”.

ذهبنا إلى مخفر الشرطة المواجه لكنيسة السان سولبيس حيث قدمت ميشلين البيانات الخاصة بالكلب المفقود. ثم قضينا الظهيرة ندور في الطرق المحيطة بالكنيسة. شربنا بضع كؤوس من النبيذ الأبيض في المقهى المقابل للكنيسة. ثم قالت إن عليها أن تعود الى البيت وبعدها تذهب إلى العمل. اقترحت أن أذهب معها لتعطيني نسخة من مفتاح البيت.

“أشعر أنني بدأت أقع في حبّك” قالت.

“أنا أيضاً” قلت.

وقبل أن تذهب الى العمل، ذهبنا إلى السرير. ثم أخذت ميشلين دوشا وخرجت.

نهضتُ ووضعت طاولة صغيرة عند النافذة المطلة على بولفار سان جيرمان، جلبت قنينة البوربون ورحت أشرب، وبما أن البيت كان يقع تماماً فوق مقهى “أولد نيفي” المحرم عليّ دخوله بسبب مشادة مع صاحب المقهى، تخيّلت نفسي جالساً في الطابق الثاني من المقهى، رغم أنف صاحبه.

لم يكن صحيحاً ما قلته لميشلين بخصوص العمل. كلّ ما في الأمر كانت هناك شركة صغيرة تقوم باعمال الترجمة والطباعة، يديرها لبنانيّ اسمه جان، كان يحتاجني أحياناً لطبع بضع صفحات باللغة العربية. ومن حسن حظّي أن جان أبلغني قبل لقائي بميشلين بأسبوع، أنه وقع عقداً مع شركة فرنسية معروفة بصناعة الأسلحة، لترجمة بعض الكاتالوغات الخاصة بالأسلحة التي باعتها الشركة مؤخراً لعدد من دول الخليج العربي، فقد كانت الدول العربية تشترط أن تكون الكاتالوغات باللغة العربية. كان جان سعيداً يومها وهو يدعوني لشرب كأس معه، وهو يزفّ لي نبأ هذه الصفقة. وأخبرني أنه سيحتاجني “على الأقل لمدة شهرين”. ثم أعطاني مبلغاً على الحساب.

قبل أن تعود ميشلين من العمل، رن جرس التلفون. رفعت السماعة، كان على الخط شاب فرنسي سأل عن السيدة ميشلين وقال إنه كان في احتفالات الكاتورز جوييه بصحبة صديقته في أحد المقاهي، فجاء كلب صغير وجلس الى جانبهما، فلمّا غادرا المقهى فجرا حملاه معهما “لأننا عرفنا أنه ضائع”. ثم شرح لي التفاصيل قائلا أنه رأى في السلسلة المعلقة في رقبة الكلب، رقماً تلفونياً في أميركا. اتّصل بالرقم فردّ عليه رجل يتحدث الانكليزية بلكنة فرنسية، وهو الذي أعلمه بأن الكلب إنما يعود لزوجته السابقة الموجودة في باريس حاليا، ثم زوّده برقم تلفون ميشلين. شكرت الشاب وطلبت رقم تلفونه، ثم أخبرته أنه حالما تعود ميشلين من العمل ستتصل به.

“ألم أقل لك سنجده” صرختُ بأعلى صوتي وأنا أحملها، هي والأكياس التي كانت بيدها.

“انتبه انتبه ثمة قنان من النبيذ الابيض”. قالت ميشلين ثم وقفت جامدة، حدّقت بي “أشم رائحة البوربون، أرجوك لا تلعب معي”.

“إنني لا ألعب يا ميشلين، لقد وجدنا الكلب”.

“أين؟ هل اتصلت الشرطة”. هززت رأسي بالنفي ورويت لها الحكاية. أخذت رقم التلفون وراحت تتصل به، فيما انشغلت أنا بتفريغ الأكياس ووضع الأطعمة والنبيذ في الثلاجة. فجأة انطلق صراخ ميشلين “لابد أن نحتفل بهذا الخبر، إنه الاحتفال الكبير!”. لقد تأكدتْ من صحة الخبر بنفسها فأخذت ترقص وتعانقني وتسحبني إلى السرير. وقبل أن نخلع ثيابنا، طلبت أن افتح قنينة من النبيذ الابيض وأتركه بجانب السرير.

لم أحب كلب ميشلين أبدا. كان بشعاً. وكانت تقبله طوال الوقت. ومنذ أن ظهر بيننا صار يضايقني. عندما تكون ميشلين في البيت، كان ينبح طوال الوقت محتجاً على وجودي. وعندما كانت ميشلين تذهب إلى العمل ويظل معي، لم يكن يفتح فمه إطلاقا. كان يتوارى عن نظري ويختبئ، فلا يعلم الله في أي زاوية من البيت. يظل كذلك حتى يخرج من مخبئه فجأة، يقترب مني وينظر اليّ بوقاحة ثم يأخذ بالنباح في وجهي. في تلك اللحظة بالذات، كان الباب ينفتح وتدخل ميشلين.

رغم المشاجرات الصغيرة التي كانت تحدث بيننا، نتيجة اختلافات أمزجتنا وطبائعنا باتت ميشلين ترتاح اليّ، وتشتري لي الثياب، خصوصاً القمصان من الماركات الجيدة، وكانت تحب ماركة Agnes b. وبما أنني أمتلك الخبرة في الطباعة والنشر، اشترت كومبيوترا وآلة طابعة ملونة. وقالت إنها ستؤلف كتابا عن المطبخ الفرنسي، نتولى إخراجه الفنيّ سوية، “ويمكنك استخدام الكومبيوتر لكتابة السيناريو الذي رويته لي”.

لم نكن نترك أي وقت فراغ يمر دون أن نذهب إلى السرير. قبل الخروج من البيت، وأثناء العودة، وبعد الطعام، وبعد الحمام. وذات يوم وأنا عائد من العمل، قالت لي إنها تدعوني إلى مطعم مكسيكي فاخر. في المطعم طرحت عليّ فكرة أن “نقيم معاً بصورة دائمة” وسألت “ما رأيك”؟

“إننا مع بعض، ميشلين” أجبتها.

“صحيح، ولكننا لم نتحدث حتى الآن في بعض التفاصيل المهمة”.

قلت لها بلا مبالاة وأنا أدق كأسي بكأسها “لنترك هذه المسألة حتى وقت آخر”.

عبست وقالت “كما تريد”.

ولكن هذه الـ”كما تريد” لم تكن من قلبها. اذ ما إن خرجنا من المطعم وسرنا بضع خطوات حتى أخذت تقول بصوت عالٍ “كلكم هكذا تستغلون طيبتي. لقد دعوتك إلى هذا العشاء الفاخر من أجل مناقشة علاقتنا فإذا بك تردّ ببرود (لنترك المسألة الى وقت آخر)، وقت آخر متى؟ ها؟ قل لي. الآن لا تريد الا الشراب والنيك. أليست هذه حقيقتك، أيها المشرد؟”. فتحت عينيها على وسعهما ونظرت في وجهي عندما نطقت “أيها المشرد”. نظرتُ اليها باستغراب. فقالت “طبعاً، سألت عنك فأخبروني بأنك تعيش على أوهام السينما، وتنام في الشوارع، ومع ذلك رضيت بك، بل ودعوتك إلى أفخر مطعم”. واصلت كلامها الذي أثار انتباه بعض المارة “كلكم هكذا تستغلونني. زوجي كان يخونني مع أقرب صديقاتي، في الوقت الذي كنت أشتغل له طوال الوقت”. فقلت لها “أنت أيضا كنت تنكحين شابا مكسيكيا عندما كان زوجك يأخذ قيلولته. أنت نفسك أخبرتني بهذه القصة!”

” هذه ليست مشكلتك”. قالت وصمتت.

سرنا بضع خطوات، التفتت إلي”أعطني مفتاح البيت من فضلك. تعال غداً وخذ أغراضك. آسفة انني لست عائدة الى البيت الآن، سأكمل سهرتي”.

أعطيتها المفتاح ونحن في وسط الشارع. ذهبت هي لتكمل سهرتها في حانات شارع برنسيس. واتجهت أنا صوب “أوشيه دو لا أبيي” وظللت اشرب حتى الثانية. وقبل أن يغلق البار بدقائق جاءت ميشلين وطلبت كأساً. النادلان مجيد وكلود استغربا أنها وقفت إلى جانبي دون أن تكلمني.

وضعت يدي في جيبي وهممت أن أدفع حسابي. فترددت للحظة، فكرت أن أدفع حسابها ولكني خشيت ردة فعلها. انتبهت إلى أنني أرتدي أحد القمصان التي اشترتها لي، فمن يضمن أنها لن تطالب به أمام الزبائن. كنت حائراً بالفعل.

كان يقف إلى البار ياباني من الزبائن الدائمين. كان غريب الاطوار، يظل لأيام يرفض الحديث مع أي زبون. ثم يأتي في يوم آخر ويتحدث مع الجميع. ومن عادته أيضا أنّه أثناء حديثه مع أحد الزبائن، ينسحب في منتصف النقاش، ويذهب ليتحدث مع زبون آخر.

اقترب الياباني من ميشلين ودعاها إلى كأس ثم دخلا في حديث مرح وبدأت تتعالى قهقهات ميشلين. استغللت الفرصة وانسللت خارجاً دون أن أفكر للحظة أن ميشلين سوف تتبعني بل وتستدرجني لأقضي الفجر في مخفر للشرطة.

في البدء فكرت في الابتعاد عن الحيّ، خصوصاً وأن المقاهي التي أشرب فيها مغلقة، لو دانتون وروليه أوديون وتينيسي وأطلس وبونابرت. تقاعست من السير نحو منطقتي الاوبرا او مونبارناس، ذهبت الى مقهى كونتي. وما هي الا لحظات حتى جاءت ميشلين محتضنة الياباني. اقتربت مني وقالت بهدوء “خذ هذا المفتاح أرجوك. اذهب وخذ أغراضك، فأنا وصديقي الياباني قررنا الزواج، ولا أريد أي متاعب”.

“حسنا” قلت وأخذت المفتاح، فيما راحت هي تقبل صديقها الياباني “يا حبيبي الياباني”. كان بعض الزبائن ينظرون الينا ويبتسمون، بعضهم من الزبائن الدائمين وكانوا يعرفون أنها من المفترض صديقتي.

ولما لم يكن البيت يبعد عن “لو كونتي” سوى مئتي متر، ذهبت فوراً وبدأت بتجميع أغراضي. نظر إليّ الكلب من زاويته وهو يرتجف. ابتسمت له. ظل يلهث ويحدق فيّ. وقبل أن أضع قنينة الجاك دانييلز في الحقيبة، فكرت أن أشرب كأساً، فميشلين لن تأتي قبل الخامسة، هكذا خمنت. ولكن ما أن بدأت أشرب حتى أخذ الكلب ينبح، فدخلت ميشلين وصديقها الياباني. داعبت الكلب، ثم هاجت عندما رأتني جالساً والكأس بيدي.

“بَيتي ليس باراً، هل تفهم؟” حاولت سحب الكأس من يدي، فدفعتها بقوة نحو السرير. أخذ الكلب ينبح، ورأيت الياباني يفتح أزرار بنطاله ويدخل الحمام، مغلقا الباب وراءه.

“تضربني؟!” صرختْ.

“انت عاهرة حقيرة”. قلت بغضب.

أخذت ميشلين التلفون واتصلت بالشرطة. ولم تتركني أغادر البيت الا عندما جاء رجال الشرطة، فأخبرتهم بأنني رجل عنيف وأرفض ترك البيت.

“أنت عاهرة، ميشلين، وأنت تعرفين ذلك”. قلت لها وأنا أخرج مع الشرطة. كان الياباني ما زال في الحمام، والكلب بدا سعيداً في حضنها.

في السيارة سألني الشرطي “هل اشتريتما كلباً جديداً؟”. نظرت اليه باستغراب. فقال انه رآنا عندما جئنا الى المخفر وأبلغنا عن ضياع الكلب. فرويت له كيف عثرنا على ذلك الكلب “البشع”. ضحك الشرطي. ثم قال بلطف إنهم مضطرون لاحتجازي حتى الساعة السابعة والنصف صباحاً. فطلبت منه إن كان ممكنا أن أظل الى الحادية عشرة “لأنني أريد أن أنام قليلا”.

“لا أظن”، قال الشرطي، ثم أضاف “على أية حال دوامي ينتهي في التاسعة، ولن أوقظك قبل ذلك”. ولكن الشرطي وأنا، كلانا نسي، أن اليوم كان يوم أحد، وأن أجراس كنيسة سان سولبيس المواجهة للمخفر، لن تدع أحداً ينام.

بعد هذه الحادثة، أخذت ميشلين تبحث عني في البارات وأحيانا تتصل بمكتب الطباعة والترجمة وتسأل عني. بعد يومين أو ثلاثة، وجدتني جالسا في ساحة فورستنبيرغ. قالت لي إنها كانت سكرانة وغبية، وإنها نادمة، وتدين نفسها لسلوكها البدائي. وعادت تروي تجربتها القاسية مع زوجها السابق “آه، لا تعرف كم كان قاسيا معي في تلك البلاد الغريبة”. ثم أشعلت سيجارة وأكملت “كنت مثلك غريبة. أميركا لم تكن بلدي وكنت أخشى من زوجي أن يلقي بي في الشارع وأصبح تماما مثلك، مشردة او لاجئة”، وأضافت “ماذا يعني أن يكون المرء مشرداً، كل واحد منا معرّض لأن يصبح مشردا في أي لحظة، لا استقرار في هذه الحياة، الا في (مونبارناس) أو (بيرلاشيز)” في اشارة إلى اسمي المقبرتين الشهيرتين.

كنت أهز رأسي وأنا أستمع اليها: “كان يأتي في الليل ويلقي بنفسه في السرير ويظل يشخر حتى الصباح، طبعاً كنت أعرف مضاجعاته للنادلات المكسيكيات في الظهيرة”.

“ولكن يا ميشلين أنت أيضا حدثتني عن مغامراتك مع المكسيكيين”.

“مغامرة وحيدة مع شاب وسيم”. قالت بغنج.

كانت ميشلين قد روت لي حكايتها مع شاب مكسيكي كان عشيقها قائلة: كانت فيللتنا الواسعة تقع على مبعدة سبعة كيلومترات من مكان المطعم. كان زوجي يفضل أن يقضي قيلولته في المطعم. فيما أنا كنت أذهب إلى البيت عندما تنتهي وجبة الغداء أعلمني الشاب، الذي كان يعمل غاسلا للصحون، أن زوجي كان يبقى في المطعم ليقضي قيلولته في مضاجعة النادلات. فاتحته بالامر وتعاركنا كثيرا، ولكن دون جدوى. فكان لا بد أن أفعل مثله، في النهاية أنا لست غبية إلى هذا الحد. خصوصاً وأنني كنت أعرف أن غاسل الصحون، الشاب القوي، مثله مثل أي مكسيكي يحلم بالنوم مع النساء الشقراوات، وكنت ألحظُ نظراته لي أثناء العمل في المطبخ. ذات يوم جئت إلى الشاب وقلت له إنني تركت صندوق السيارة الخلفيّ مفتوحاً، وطلبت منه أن يدخل فيه ويغلقه. عندما أنهيت عملي وفتحت الصندوق وجدت الشاب ممدداً وهو يتصبب عرقاً. أعدت إغلاقه، وانطلقت نحو البيت. وهناك بدأنا، نحن أيضا نأخذ قيلولتنا، كل ظهيرة وبعد فترة علم زوجي بالامر، فطرد الشاب، وصار يراقبني محوّلا حياتي إلى جحيم.

وافقت على الرجوع إلى ميشلين هرباً من جحيم الشارع. فالفترة التي قضيتها معها، كأحد سكان بولفار السان جيرمان، كانت مريحة، جعلتني أتهرب من حياة التشرد التي عشتها طوال عشر سنوات تقريبا. وقد اقنعت نفسي أن أفضل طريقة للبقاء معها هي أن أخرج في الصباح كأنني موظف يخرج إلى العمل، وأعود في المساء لأقضي الوقت معها، مثل أي شريكين.

لكن هذا البرنامج كان صالحاً لبضعة أيام فقط. اذ بدأت أحن إلى التسكع، والشرب مع الاصدقاء. وكنت أينما أذهب تأتي ميشلين وتسهر معنا. كانت تمر على جميع المقاهي إلى أن تجدني. وفي مرات عديدة كانت تسبب لي مشاكل مع أصدقائي. كانت تقول لي “اذهب إلى البيت وسألتحق بك”. فتأتي في الفجر لتروي لي بعض القصص لتثيرني. حدثت مشادات عديدة بيننا، اضطررت أن أترك البيت أكثر من مرة. كنا نتصالح وأعود الى البيت.

في صباح أحد الأيام، وكان يوم عطلة رسمية، تسللت الشمس منذ ساعات الفجر الاولى إلى نافذتنا. استيقظت نشيطا، أاخذت أداعب ميشلين التي بدأت تستيقظ قليلا قليلا وتستجيب لمداعباتي برغبة كبيرة. بعدها اقترحت عليها ان نذهب لنقضي اليوم بأكمله في فرساي “ألسنا ملكيين في النهاية” قلت لها.

“رائع” قالت “إلى فرساي، هذا شيء رائع حقا”.

عملنا ساندويتشات متنوعة وأخرجت من الثلاجة قنينتين من الموسكاديه. ثم أخذنا القطار الى فرساي. زرنا كل الامكنة مع مئات من السياح. التقطت لميشلين صورا عديدة، عند بوابة القصر، في حدائق القصر الخلابة، ثم طلبت ميشلين من سائح ياباني أن يلتقط لنا صورة مشتركة ونحن نضع نظارتين شمسيتين. عثرنا على عش تحت إحدى الاشجار، قضينا فيه على الساندويتشات والموسكاديه وتمددنا. ولما حان الغروب قلت لميشلين “سوف أؤجر قاربا صغيرا لنقضي الغروب في البحيرة”. ابتسمت ميشلين وقد بدت سعيدة جدا.”سوف ترين قوة ذراعيّ”. أضفت وأنا أقوم بذراعيّ بحركات من يقوم بعملية التجذيف.

ما إن نزلنا في القارب حتى قالت ميشلين وهي تتلفت يمنة ويسرة “لكن معظم الناس ذهبوا”.

“السياح يحبون مشاهدة الغرف الداخلية للقصر”. أجبتها.

“ما أجمل المكان” قالت ميشلين بصوت ناعم “تصور بعد كل هذه السنوات، ما زال قصر فرساي مثل الجنة. أكيد أنه كان في أيام لويس السادس عشر أفضل بكثير”.

هززت رأسي موافقا.

“أنت على حق. إنني أشعر بفخر كوني ملكية”. قالت وهي تمسد قدمي الممدودتين بين قدميها.

كانت ميشلين تتحدث وأنا أقود القارب نحو عمق البحيرة، إلى مكان تكثر فيه الاشجار حتى أصبحنا في مكان منعزل وشبه مظلم. أخذتُ ألتفتُ يمنة ويسرة، ثم أحدق في ميشلين، وأنا أبتسم. أخرجت كاميرتها والتقطت لي صورة.

“لماذا لا تتحدث؟” سألت.

كنت أبتسم وأنا أحدق في عينيها، تارة، وفي ذراعيّ وهما يلويان المجذافين في مياه بحيرة فرساي في ذلك الغروب الخلاب، تارة أخرى.

“ألا تقول شيئا؟!”

التفتُ يمنة ويسرة، وحركت المجذاف بقوة ليدخل القارب في منطقة أكثر ظلمة.

“قل شيئا” قالت ميشلين بصوت عال. لم أجبها بل ظللت أحدق فيها.

“بماذا تفكر، ها. بماذا تفكر، قل شيئاً رجاء، قل لي ماذا يدور في رأسك؟!”

نظرت في عينيها ولم أقل شيئا.

أخرجت سيجارة وأخذت تدخن. “ولكن قل شيئاً. ها. بماذا تفكر، هيا قل لي بماذا تفكر؟”

“أفكر في هيتشكوك، افكر في فيلم لهيتشكوك، يا ميشلين”.

نظرت اليّ وقالت بصوت متوسل “لا، هذا غير صحيح. أنت لطيف. قلت لي إنك تريد أن تكون سينمائيا، أليس كذلك؟”

أخذت ميشلين تتلفت يمنة ويسرة، فيما صار وجهها أحمر بالكامل. أحسستُ أنها تكاد أن تفقد النطق تماما. وأخيرا قالت “لا تخفني أرجوك، أنت لطيف”.

“أنت أيضا”. قلت لها مبتسماً. ثم طلبت منها أن تشعل لي سيجارة.

“حالا”. قالت وهي تتنفس الصعداء، أشعلت السيجارة واضافت “الآن جاء دوري في التجذيف”.

أخذت تجذّف بسرعة، وقالت لاهثة “ألا تعتقد أنه علينا أن نعود!”

هززت رأسي موافقاً.

راحت ميشلين تجذف بقوة، وكأنها تحاول النجاة من الغرق. كنت أدخن سيجارتي وأنظر اليها فترسم ابتسامة كبيرة كلما التقت أعيننا. حين وصلنا إلى “الميناء” قالت ميشلين بارتباك “عليّ أن أعود إلى البيت بسرعة، نعم بسرعة، أنا متعبة جداً”.

لم نتحدث في القطار إطلاقا. عندما وصلنا البيت، فتحت ميشلين الباب بسرعة، اتجهت صوب التلفون، حملته إلى الغرفة المطلة على الشارع. وأغلقت الباب من الداخل، وقالت لي من النافذة الزجاجية الكبيرة التي تفصل ما بين الغرفتين.

“أرجوك، خذ أغراضك واتركني في حالي. لقد انتهت علاقتنا، انتهت انتهت”.

“أورفوار ميشلين”. حملت أغراضي وخرجت، ولم أسمع أي ردّ.

في تلك الليلة تنقّلت بين المقاهي، وظللت أشرب حتى الفجر بدون أن تظهر ميشلين. لم تظهر في اليوم التالي أيضا ولا بعده. لم أرها لأكثر من شهر، حتى سمعت يوماً أنها تركت باريس وانتقلت مع غاسل صحون مغربيّ كان يعمل معها إلى مدينة أخرى حيث قررت أن تفتح مطعماً خاصاً بها هناك.

3

  “أنا رومانسيّ يا حيوانات وبعشق نزار قباني”. هذه هي جملة كريم الوحيدة التي يواجه بها اتهامات الناس له وسخريتهم منه. ومن هذه الجملة ألحق أهلُ المخيّم  باسمه كلمة الرومانسيّ، كلّما رأيت كريمًا الرومانسيّ في الطريق التي يمشي فيها الناس عائدًا الى المخيم أصيح فيه من بعيد: يا كريم، أبعد عن الطريق، سيغضب الناس وسيؤذونك.

 لكريم طرقٌ خاصة تأخذه إلى  بيته في المخيم، ويبدو أنه استسلم لهذا الحلّ، فلا أحد يشاركه طرقَه، وحين يصدف وأن يتوه شخص من المخيم، فيمشي في طرقه، يطلق كريم صيحاتِه من بعيد تفاديًا لتقزّزهم وخوفهم: “هييه يا ولد أنا كريم محمم الموتى الرومانسيّ، ابعد ابعد”.

ويحدث أن ينسى كريم أو يسأم، فيمشي في طرقنا احيانًا، فيصاب الناس بالجنون، ويلاحقونه من بعيد بالخوف والصرخات. فيهرول بعيدًا شاتمًا المخيّم والأقارب والجثث وفلسطين، ومتوعدًا إيّاهم بمصير مروع. 

” في النهاية راح تصلوا عندي يا جبناء ووقتها راح أخوزق جثثكم واحد واحد، وراح ألعب فيها الكورة”.

هنا يموت  الناس من الخوف ويتشارون محتارين، أيصالحون كريمًا إنقاذًا لجثثهم وجثث أقاربهم من التشويه، أم يشكونه الى الشرطة؟ يعرف  الناس أنّ كريمًا هو مُحمّم الموتي الوحيد في مشفى المدينة وأنّه ممنوع على أحد من أقارب الميّت الدخول أثناء تحميمه، وهذا يعطي  كريمًا ورقةً رابحة جدًا في حرب سكّان المخيم ضده، فلا أحد يعرف بالضبط ماذا يفعل كريم مع الجثة التي يحمّمها، هل يسرق منها قطعًا، كما يُشاع عنه؟ هل يحشو في فتحاتها أشياء غريبة تفنّنًا في إهانتها؟ أم يبصق عليها و يصفعها ويركلها ويطعنها؟.

 وهكذا ترك كريم الناس ضحية تصوراتهم ووسوساتهم التي سبّبتها تهديداته لهم. 

 بدأت  قصّة الرّعب من  كريم من إشاعة أطلقها شابّ من المخيم كان يتعالج في المشفى:

“شفتُه حامل راس بني آدم وماشي فيه في ممرات المشفى والناس بتهرب من قدامه”.

“شفته  بعينك؟”

“والله شفته بعيني”.

  بعد الاشاعة بأيّام  كان كريم الرومانسيّ يصعد الى (فورد) المخيم حاملا على  كتفه كيسًا بلاستيكيًا أسود مملوءً بأشياء غريبة، الربّ وحده و كريم يعلمان ما فيه، بالصدفة كان بين الركاب، الشاب الذي رأى كريمًا مع الرأس البشريّ. أطلق الشاب صيحة هزّت  السيارة، (والله شفته بحمل راس بني آدم)، هرب الركاب من مقاعدهم في الفور بما فيهم السائق، ركضوا تجاه  شرطيّ مرور، وعادوا الى السيارة به، وهم يشيرون الى كريم الذي ظلّ وحده جالسًا مستغربًا ما حدث، كان الشرطي حائرًا وخائفًا.

لا أحد يحبّ كريم، في المخيّم، لا أحد يرغب في الحديث معه، لأنّ كريم ببساطة شخصٌ مخيف، يعيش في المخيّم مع زوجته وأطفاله الثلاثة، نوافذ بيته مغلقة أغلب الاوقات، أولاده يلعبون في ساحة خلفيّة محاطة بسور اسمنتيّ. تطورت الإشاعات عن كريم، ووصلت الى حدّ أنّه يقصّ قطعًا معينة من الجثث التي يحمّمها ويبيعها لليهود. صارت الحرب ضدّه غير عادية، فدخول كلمة اليهود فيها، أعطى  الاشاعة طابعًا حساسًا ومتوترًا.

لفتتني قصة كريم مع الجثث والناس والمخيم، قررتُ أن أمشي في طرقاته وأن أطرق بابه، قرّرت أن أعرف حقيقته وأكتب عنها.

“يا كريم أنا متعاطف مع محنتك، وأحب نزار قباني مثلك. أريد أن امشي في طريقك وأتحدث معك، أريد أن أكتب عنك”.

” أنت مجنون إذن لتخالف الناس، رائحتي نتنة، وفي جيوبي قطع بشرية، ومن المحتمل أن تتعرض للمرض، أليس هذا ما يشاع عني؟ اذهب في طريق الناس”.

رفضتني طريق كريم، رأيته يبتعد أمامي ويقف على طرف طريقه منتظرًا سيارة الاسعاف التي تأتي كل صباح لتقلّه الى المخيم، بعد أن رفض سائقو سيارات الاجرة نقله. لكنّي طرقتُ بابه مساء ما، وسط ذهول الجيران، حاملاً كرتونة كتب لنزار قباني، وسمعت امرأةً تقول لجارتها:

“شكله هذا بتاجر معاه بالجثث؟ شوفي الكرتونة اللي في إيده”.

فتح كريم الباب، رحّب بي بارتباك: “أهلا استاذ بس شو فيه؟” فتحت الكرتونة أمامه اندلقت كتب نزار، طار كريم من الفرح، أدخلني الى الداخل، نادى على أولاده وزوجته، فرحوا بالكتب وأصرّوا على أن أتعشى معهم، أمضيت الليل بطوله في ضيافة كريم، غمرني  بالفواكه وحلوى الحلبة والمخلوطة  والشاي، وغمرته بأحاديث وقصص عن نزار وحياته، وقرأت له شعرًا لم يقرأه كريم من قبل. رأيت في عيني كريم دموعًا، عانقني فجأة: 

“أستاذ معقول واحد بحب نزار يقصّ قطع بشرية ويبيعها ويحمل راس بشري ويمشي فيه؟”.

“طبعًا يا كريم، مستحيل، أنا اصلا ما اقتنعت بهاي الاشاعات  والدليل إنّي بسهر عندك”.

 في الصباح خرجت من بيت كريم، شيّعني على الباب، كان سعيدًا جدًا ومرتاحًا، عانقني، همس في أذني: 

 “أريدك أن تطمئن تمامًا يا أستاذ، سأحترمها  وسأحمّمها جيدًا وسأقرأ فوقها شعرًا لقصائد نزار التي أحبها”.

” تحترم من وتحمّم من، لم أفهم عزيزي كريم؟”

“جثتك الرائعة يا استاذ”.

 

1

كانت في يدي قصبة طويلة ممتدة، وأنا أغطسها في عمق النهر، سقطت واختفت من أمامي، سحبت قدمي ثم عدت إلى الوراء قليلا وأنا أشعر بخوف شديد، تبدى لي من يدي المرتعشتين… فالخوف من أن يبتلعني النهر لم يعد يفارقني منذ أن سمعت حكاية العمة فنيدة. كانت في كل مرة تعيد حكاية الفتاة الجميلة التي أرادت أن تنام في النهر قليلا فغرقت، وكنت كلما رأيت النهر في هدوئه التام أتذكر قول العمة، بأن النهر يكون أكثر هولا حين يغري بالنوم في أحضانه.

لم أكن أستطيع أن ألعب مع أطفال القرية، فقد كانوا ينقضون على صديقتي الجميلة كلما رأوها. كان يوما صعبا حين رأيتهم يتصارعون فيما بينهم للظفر بالدعسوقة، كانت قد طوت جسدها وتكومت قليلا حتى لم يعد يظهر لها رأس أو أقدام…سارعت إليهم أرجوهم كي يتركوها تذهب بسلام، لكنهم أبوا…منذ ذلك اليوم العنيد، ذهبت إلى الغابة التي تجاور بيتنا، كانت الأشجار قد غطت مساحات كبيرة وتفرعت عنها غصون نحيفة لم أعهدها من قبل، وكنت أشعر بأنني أبحث عن الدعسوقة كي أمنعهم من دحرجتها كل يوم، فقد كنت أعشق هذه الحشرة الصغيرة. جمعت أعدادا منها في إناء زجاجي واسع ووضعتها في شرفة غرفتي وأحضرت لها بعض الحشرات… وصار لي أصدقاء جدد من كل الألوان: الأحمر والأصفر والبرتقالي، كنت أعشق اللون البرتقالي كثيرا، وكنت أنزوي وأركن إليهم في تلك الساعات الرتيبة التي تمر بطيئة في المساء، فقد كان من عادة والدي في كل مساء أن يضع نظاراته الطبية التي يحرص على تثبيتها فوق أرنبة أنفه، قبل أن يتفحص ببطء الجرائد التي تصل متأخرة إلى القرية وهو يلعن ويسب ويقذف بأقسى اتهاماته في الهواء مخلّفًا زمجرة تستقبلها أمي بهدوئها المعتاد، وهي تطرز مناديل منذ زمن بعيد، حتى أنها راكمت منها في الغرفة المجاورة طوابق من نفس الألوان ولكن في أشكال مختلفة، كانت ترغب أن تغير الألوان، لكنها كانت تعجز عن الذهاب إلى وسط البلدة للقيام بذلك. ما زلت أشعر بدقات الساعة الثامنة، كنت أعرف أنه بعد ثمان دقات ستنادي أمي العمةَ فنيدة لكي ألتحق بسريري بعد أن أكون قد نظفت في الثامنة إلا أربع دقائق أسناني بالفرشاة، وأنا أتمضمض بحفنة من الجمل التي تكررها العمة كل يوم في نفس الدقائق التي تسبق دقات الثامنة، والتي صارت تدق في صدري كل يوم. كنت أخبئ دفاتر فارغة تحت اللحاف في ذلك اليوم، لأنني صرت أكره الثامنة والنوم في تلك الساعة الرسمية التي تؤذن بانتهاء عالمي الطفولي في البيت. أشعلت الضوء وبقيت أنتظر قليلا إلى حين انقطاع أية خشخشة، ثم حملت أقلامي الملونة وبدأت أرسم صديقتي فوق الدفتر الجميل، لكن العمة فنيدة حضرت على التو لتبلغني أنني إذا لم أنم فسيتم طردها من العمل، وأعادتني إلى مضجعي على  الساعة الثامنة وخمس دقائق، وكانت تلك المرة الوحيدة التي تنار فيها غرفتي بعد الثامنة بخمس دقائق أو أكثر قليلا…

بعد أيام ارتديت بذلة برتقالية اللون ذات نقط سوداء، كنت قد ذهبت مع العمة واشتريتها من وسط البلدة، كنت قد عشقت هذه الألوان وعشقت ارتداء أصدقائي لها، كان أصدقائي الجدد قد ألفوا شرفتي، لذا صاروا يذهبون ويعودون إليها وكأنهم اتخذوها مسكنا لهم، وكنت قد اعتدت أن أناولهم أصبعي ليتسلقوه وهم يطيرون بأجنحتهم التي تساعدهم على الصعود والطيران إلى الأعلى البعيد وصاروا يقتربون أكثر حين بدأت أشبههم في اللباس والطقوس معا، وكنت أردد لهم بلطف شديد:  

   Petite coccinelle
Laisse-moi compter tes vies sur tes ailes
Toi qui n’as jamais vu ta colère dis-moi
Dis-moi comment faire comme toi

 لكنني لم أستطع أن أنام في تلك الليلة رغم الظلمة ودقات الساعة المتتالية، كنت ما أزال أسمع الأطفال وهم يرددون بصوت مرتفع ويقهقهون حين رأوني أرتدي البذلة:

لم تنتبه أمي إلي، ما زالت تسترق النظر إلى أبي، وهي تطرز مناديلها… مناديل لم أعد أستطيع عدها، ولا أظن أمي نفسها تستطيع ذلك.

كانت الساعة الثامنة حين كان زوجي ينادي بأعلى صوته، لم أكن أحب أن أجيبه في تلك اللحظة، سحبت قدمي من اللحاف كي أقاوم تلك النوبات التي أغفو فيها كلما دقت الطرقات الثمانية، وتمنيت حينها ألا أراه حتى تزول النبضات وما يليها من طقوس، كنت قد اعتدت على الطقوس السرية، حتى أنني أكررها دون أن أدري، أحيانا تبدو لي العمة فنيدة وهي واقفة بمنشفتها الوردية لتجفف جسمي وتدعكني وهي تقول لي بصوتها الخافت: لقد بدأ عودك يشتد، وأصبحت فتاة جميلة… لكن والدي كان قد رأى الحشرات تتطاير من الشرفة، وكانت تلك هي اللحظة التي غيرت جلساته الاعتيادية كل مساء، فقد صعد إلى غرفتي ليكتشف الإناء الذي ترتع فيه الحشرات الجميلة، وصرخ في وجه العمة:

-ابنة أكبر أعيان القرية تربي حشرات سخيفة…

كانت العمة قد بلعت صوتها الخافت حتى أنني تخيلت أنها لن تنطق فيما بعد، نادى على البستاني وأمره بأن يحرق هذه الحشرات حتى لا تعود أبدا إلى المنزل…وأعاد نظاراته الطبية إلى مكانها المعتاد وغرق في جرائده، لكن البستاني لم يحرق أصدقائي، بل أعادهم إلى الحقول وقال لي:

– إنهم أصدقاؤنا جميعا، فهم يأكلون الحشرات التي تلتهم الزرع… لقد أعدتهم إلى الحقول…

بعد أيام أصيبت العمة فنيدة بذهول حتى كادت أن تسقط، فقد ناديتها لأفاجئها بالدعسوقة، وقد رسمت منها أشكالا عديدة، حتى أن ألوانها البرتقالية صارت تلمع في الليل لتؤنس اللحظات التي أخاف فيها من الظلمة الشديدة، وشيئا فشيئا بدأت العمة فنيدة تلمع الألوان كي لا تذبل وتحاول أن تختلق أسبابا تجعل أمي تعدل عن  الصعود إلى غرفتي.

كان زوجي ينظر إلي وهو يتفقد غيابي، وقد وضع قفازيه السوداوين على الكومودينو، كان قد عاد من الصيد، فقد كانت له هواية دأب عليها منذ زمن بعيد، في نفس الساعة من العصر وبنفس الملابس ومع نفس الأصدقاء الذين كانوا يحدثونني عن الثروات التي استطاع آباؤهم جمعها بمجهوداتهم الرصينة وبمثابرتهم الدائمة في الكد والجد. كانوا يدخنون السيجار الأسود ويضعون قبعات سوداء، وفوق أعينهم استقرت نظارات سوداء تقيهم من الشمس وهم يصطادون الحيوانات الجميلة… لم يكونوا في حاجة لأكلها، بل إنهم في كثير من الأحيان يصطادونها ليرموا بها في الخلاء ولكنهم يتباهون على بعضهم البعض، بأصوات منظمة جدا وضحكات مرسومة بعناية تامة…

كان زوجي يربت على بطني بهدوء تام، وهو ينظر إليّ وقد ارتعش شاربه المشذب، وكان ذلك الناقوس الذي يجعلني أشعر بأنه يريد شيئا، كانت طقوسه هادئة لا انفعال فيها، وكنت أرغب لو أستطيع أن أصرخ أو أقهقه عاليا حتى تسمعني البيوت المجاورة، لكن زوجي كان دقيقا كساعته الأمريكية التي يتحدث عنها منذ أن زار أمريكا، وليتحفني كل مساء بنفس الحكايات المتكررة التي جعلته يكتشف ذلك العالم البعيد عن أعيننا، وليكون فاتحته للدخول في طقوس حميمية كل مساء بارد.

وكنت أتكور… بداخل بطني كان يحدث اشتباك معوي، كنت أتمنى أن أحضر معي حشراتي الجميلة من غرفتي الصغيرة، فهي ما تزال هناك، كان أبي قد تركها فوق الحائط بعد أن رجوته كثيرا على ألا يجعلها تغادر الغرفة. كان قد ضحك ضحكة رتيبة، وقال:

-نعم، سأتركها، فأنت الفتاة الوحيدة التي رزقنا بها، وسنتذكر حماقاتك وسنقهقه ذات مساء…

ثم ضحك ضحكة مدورة، كررتها والدتي بصنعة مدربة وقوست فمها قليلا، فأثنى عليها أبي وعلى تربيتها لي…

لم أكن أستطيع أن أغض الطرف عن ساعديه القويّين. كان يخفي عينيه الجميلتين لأنه لا يملك أن ينظر في وجه السيدة، ويومًا ما بقيت أصر على أن ينظر في وجهي مباشرة وهو يكلمني، كانت عيناه ساحرتين للغاية. كنت أتمنى ألا تطرقا أبدا. كنت في تلك اللحظة قد شعرت بارتباك في كل شيء، وكانت الأرض تدور… ولجت غرفتي وانهلت على الورق لأرسم العينين. كان قريبا جدًا من أصدقائي، كان يشبهني رغم أنني بعيدة عنه. لم أستطع النوم في تلك الليلة، كان زوجي ينظر إلى توتري ويحاول بهدوئه المعتاد أن يمتص كل الانفعال الذي أختزنه بداخلي. وكنت أراه معي، وأستعيد خارطة ذراعيه القاسيتين، حتى أنني ظننت أنني أمسكه هو. في ذلك اليوم تبعته، كان يعدو بداخل الأشجار. حين رآني شعر بالارتباك، وقال لي: بماذا تأمر السيدة؟ نظرت إليه، كنت أنظر إليه برغبة، أطرق خجلا مني، أمسكت بذراعيه ووضعت يدي على شفتيه، شعرت بعنفه الكامن، وبشيء ما سينفجر بداخله. بدأت أمرر شفتي على شفتيه، لم يقاوم. أمسكني بكل القسوة التي أشتهي وضمني بساعديه القويتين حتى ذبت بين أحضانه. كانت تلك اللحظة الوحيدة التي شعرت فيها بأنني أوجد على وجه هذه الأرض الصغيرة. وكان ذلك العناق غريبا، لم يسبق أن أحسسته أو عشته من قبل، كنت أحلم به فقط، وقلت: المهم أنني عشت هذا الانفعال ولو لدقيقة واحدة…كان ينظر إلي بعدها بوجل، وكأنه قبلني دون أن يدري، لكنني وضعت يديّ على شفتيه وأومأت إليه بألاّ يتكلم…لقد ذبت معه لدقائق فقط، لكنها لن تغيب إلى الأبد.

أسحب قدميّ الباردتين من أعماق النهر وأقهقه ثم أصرخ… وأعود كل يوم إلى بيتي لأتكور قليلا بعد أن يداعب النوم جفون زوجي. 

6

لم نبقَ طويلاً في البار، بعدما وصلَنا مسج ميلاني، أحسستُ بأن كلينا أراد الآخر أن ينهي كأسه لنخرج سريعاً عائدين إلى بيت أحدنا. وكان ذلك من خلال القفز السريع بين الأحاديث ومحاولة إنهائها، مختصرينها كي نبدأ بأخرى وتنتهي جميعها وننهض.

بعد أقل من نصف ساعة كنّا خارج البار، واقفَين أمام بابه، اقترحت شارلوت تفادي الطريق الذي يمر بالبار حيث توقّعت أن تكون ميلاني وريما. تمشينا قليلاً، نزلنا إلى محطة المترو، وتوجّهنا إلى بيتها، معاً، كأننا على اتفاق مسبق بذلك، لم يسأل أحدنُا إلى أين نتوجّه، وقد كان كلانا يعرف أننا ذاهبان إلى بيتها، وذلك، ربّما، ما جعلني، لا شعورياً، أحكي عن الملصق الذي رأيته من خلال نافذة بيتها حين أوصلتُها أوّل مرة، أو حين لحقتها وأوصلتها إلى بيتها.

هل مازال ملصق «الحياة المزدوجة لڤيرونيك» مكانه؟

كيف تعرف… آه حين لحقتني.

لكنك لم تقولي اسم الفيلم، اكتفيتِ بالقول إنه فيلم تحبينه.

ممكن، لا أذكر.

بلى، أعرف الفيلم وأحبه كذلك، وإن لم يكن من بين العشرة أو العشرين المفضلة لدي.

حقاً؟ ما المفضل لديك؟

لم أكن أريد أن ينتقل الحديث منّا نحن الاثنين إلى أفلام تعجبني، ليس هذا وقته، بدأتُ حديثنا بالإشارة إلى الملصق، شعوري بأني سأكون في بيتها خلال دقائق جعلني، ربما، أسأل عنه. لم يكن لسؤالي أي رغبة في أحاديث عن السينما، بل عن شقتها، عنها هي، عن المكان الذي نمشي إليه لوحدنا لنمضي الليلة، كما توقعتُ وتمنيت، لوحدنا حتى الصباح.

لا يهم الآن ما المفضل لدي، دعينا نتحدث عنك.

بلى، من تحب؟

امممم يخطر لي الآن إنغمار بيرغمان، مثلاً. «پيرسونا»، شاهدته قبل أيام.

لا يعجبني كثيراً.

لمَ؟ أو لا، لنتحدّث في أمر آخر، أمر يعجبك.

أردت أن نخرج من هذا الحديث الأنسب لمقهى في الرابعة عصراً وليس لما قبل منتصف الليل بقليل في مترو شبه فارغ متوجهَين، هي وأنا، إلى بيتها لأنيكها، أخيراً، ولم أجد ما أسأله فصمتنا للحظات، إلى أن قالت إنّنا سننزل في المحطة التالية ونمشي قليلاً، كانت المحطّة بير لاشيز، فأجبت بأني أعرفها جيداً. صمتنا مجدداً. توقّف المترو ونزلنا.

أتذكّر الطريق تماماً، كأن لحاقي بها كان قبل يومين وليس أسبوعين، لكني الآن أمشي إلى جانبها وليس متتبّعها كالمحقّق في أفلام النْوار البوليسيّة، أمشي وأعرف أنها ستدعوني لكأس إضافي سيكون افتتاحياً لليلة طويلة، وأن صديقتها التي كانت في البيت ذلك المساء، هي الآن في بار مع أخرى، وتعرف أنّي وشارلوت سنعود معاً إلى شقتهما، فتدبّر ليلتها ونومها في مكان آخر، عند ريما ربّما.

دخلنا إلى المبنى، صعدتُ خلفها الدرج المظلم والضيّق، وشارلوت تعتذر لأن اللبمة ماتزال محروقة ولم يبدّلها أحد. فتحتْ باب شقتها وأضاءت الصالة، دخلتُ خلفها، وقع نظري فوراً على الملصق المجانب للنافذة، علّقتُ بأنّ في البيت ما هو مألوف لي، سمعتُ ضحكة خفيفة منها، ضحكة امرأة فرحة تتهيّأ للنّيك. ضحكتْ وهي تلمّ سريعاً بعض الأشياء عن الأرض، ثم خلعت بكعب كلّ قدم حذاء الأخرى، بحِرفيّة، تاركة الحذاء مكانه في منتصف الصالة، لتعود وتلمّه كأنّه كان هناك منذ دخلنا.

أي تعليق يمكن أن يضحكها الآن، كانت مبسوطة ومسترخية، ومزَهزهة، كما نقول بالفلسطينية، ولزهزهة شارلوت لحظتها أسباب غير الكحول. سألتها لمَ تلمّ أشياء عن الأرض وتترك حذاءها هكذا، فضحكت وهي ترفعه. جلستُ على كرسي، مقابل المكتبة فانتبهتُ لها وقمت أتفحّص ما فيها. دخلت شارلوت إلى الصالة مع كأسين وفتّاحة لزجاجة النبيذ، اقتربت مني وانتشلتْ زجاجة من رفٍّ سفلي في المكتبة وطلبت مني فتحها.

أخذتُ الفتّاحة والزجاجة إلى الطاولة، اقتربتْ ووضعتْ عليها الكأسين وعادت إلى المكتبة، صبّيتُ لكلينا وتقدّمتُ إلى المكتبة أقف خلف الشّقراء أمدّ لها يدي بكأس نبيذ وأشمّ شعرها، نفساً قصيراً أخذتُه منه ثم تنشُّقاً عميقاً وقد أدخلتُ أنفي في خصلاته الذّهبية. طلبت منها أن تحكي لي عن مكتبتها، عمّا أمامنا من كتب وأفلام، عمّا تحبّ منها. لم أُرد أن أبدو ذلك الذي ما إن دخل بيتها حتى انتشل أيره بقبضته وجرّها إلى فراشها.

انتبهتُ إلى أنّها قد خلعت معطفها والكنزة الثقيلة التي كانت ترتديها والشال السّميك الذي كان وجهها مختبئاً فيه. كانت تقف إلى جانبي، بقميص خفيف، أزراره العلوية مفلوتة فيكشف عن طرف ستيانتها وعن أنّ لديها ثديان ضامران متباعدان مثبّتان جيّداً على صدرها. تحمل كأسها قريباً من فمها كأنّها تشمّ النبيذ فيه، مسندةً كوعها بيدها الأخرى، ترتشف بخفّة وتتكلّم:

هذه المجموعة الكاملة لأفلام أندري تاركوڤسكي، تعرفه؟

طبعاً، أحبّه.

وهذه روايات لكافكا، شِعرٌ لبريشت… وهنا هذه لدرويش، أحكي لك عمّا أحبه في المكتبة، وهذه من أرففي. تلك الأرفف لميلاني، ستجد كتباً في السينما وأعداداً من مجلّة «كاييه دو سينما» وأفلاماً كذلك، أكثر منّي طبعاً.

لكن روايات كافكا هذه لك؟

نعم. ناقصةً واحدة، «المحاكمة». نسيتُ لمن أعرتُها، ولم أكن قد قرأتها بعد. سأشتريها.

رأيتك مرّة في المقهى تُخرجين اللابتوب من كيس قماشي مطبوع عليه صورة لكافكا.

لا. لدي هذا الكيس المعلّق على الباب، هنا، لكن مطبوع عليه اسم المكتبة التي اشتريته منها، لو كونتوار دي مو، في الحيّ المجاور.

لكني رأيت كافكا.

قد تكون خلطتَ بيني وبين أخرى.

ليست هنالك أخرى في المقهى أخلط بينك وبينها. لكني أكيد من صورة كافكا، رأيتها على الكيس.

لستُ أنا. صحيح، لم تحكِ لي لمَ كنت تذهب إلى المقهى، وتنقر طوال الوقت على اللابتوب، لم نحكِ في ذلك… ليس بعد.

أكتب.

تكتب؟ ماذا؟

لا أعرف، بدأت بيوميّات، بدأت بكتابتها بعدما انتهيت قبل فترة من سيناريو لم أجد من يحوّله لفيلم.

امممم سيناريو؟ متى ستحكيه لي؟

أحكيه! بعد قليل.

لا ليس بعد قليل.

أخبريني شارلوت، أليس لديك كيساً بصورة لكافكا؟

لا، حقاً. إلا إن كنتَ تعرف شارلوت أخرى. واليوميات التي تكتبها في المقهى، هل أنا فيها؟ لوحدك دائماً، تجلس مقابلي، تكتب يوميات، تنظر إلي خلسةً، تسألني عن اسمي… هذا كلّه.

لا أعرف، لكن… نعم، كنتِ أمامي. امرأة جميلة تجلس مقابلي، وأنا أكتب. عمّاذا تتوقعين أن أكتب إن لم يكن عنها؟ عن أبو عمّار؟

من هذا؟

ياسر عرفات، أغافات، رئيس…

أعرفه، أو أعرف شالَه. لذلك كنتَ تنظر إلي خلسةً إذاً. ما الذي كتبته؟ أريد أن أقرأه.

مكتوب بالعربية، لكني سأترجم لك بعضه، لاحقاً.

قد تكون لدى شارلوت التي في النَّص كيساً عليه صورة كافكا.

كيف؟ نعم، ربما، لكن لماذا هو؟ في الحقيقة لم أكن أميّز كثيراً بينكما، لم أكترث كثيراً لذلك.

يعني أنّها أنا.

ليست أنتِ. ثمّ أن اسمها قد لا يكون شارلوت.

لمَ لم تعد تأتي إلى المقهى؟ انقطعتَ بعد حديثنا أول مرة حين أوصلتني إلى هنا.

بلى، أتيت كل يوم بعد حديثنا، لكنك من لم يأت. لم أعرف أنك كنتِ في الجنوب مع صديقتك. ظننت أنك لم ترغبي برؤيتي بعد لحاقي لك وحديثنا.

لكني غبتُ لأيام قليلة ثم عدت لأتواجد يومياً، أشتغل على اللابتوب كالعادة.

لم أعرف. لا بأس.

أريد أن تحكي لي ما كتبته عني.

ليس عنك!

لا يهم.

أوكي، سأحكي لك بعضها.

لا، لا تحكِ، اقرأها كما هي.

لم أكن أرغب فعلاً في قراءة ما كتبته عنها، لها. جيّدٌ أنها لم تصرّ ولم تُطل الموضوع، فقد انتهى هنا، حين قالت جملتها الأخيرة وهي متوجّهة إلى زجاجة النبيذ على الطاولة الواطئة لتصبّ لنفسها كأساً آخر، وتسألني إن أردت كذلك كأساً آخر، وتأتي بالزجاجة وتصبّ لي، فلا بدّ لها أن تفرغ قبل اعتلائنا سريرها.

انقطعنا عن حديثنا الذي بدا منفصلاً زمانياً ومكانياً عمّا نحن فيه الآن وعمّا أتينا لنفعله، الحديث الذي بدا كمقدّمة لا بدّ منها لما سيأتي، كي لا تبدو غاية كلٍّ منّا مفضوحة للآخر، وإن كانت، بانفضاحها، ستبسطه.

عدنا ثلاثتنا، هي وأنا والزجاجة وقد فرغت إلى منتصفها، إلى الكرسيين والطاولة. جلسنا متقابلين، ننظر في عيني بعضنا وقد كانت عيناها دامعتين ناعستين مرتعشتين متأثرتين بما هو أكثر من النبيذ والسنغريا. أنظر فيهما، في شفتيها القلقتين ورقبتها النّقية وامتداد هذا النّقاء إلى صدرها الشّاسع. ننظر ونتحدّث ونشرب.

شارلوت أمامي مستويةً تماماً، متهيّئة تماماً لنتنايك، لهذه اللحظة وقد كانت أوّل ما خطر لكلينا، أقصد لها هي كذلك، حين قرأنا معاً في البار مسج ميلاني، ونظرنا إلى بعضنا مبتسمَين، ونحن نعرف أنّنا بعد ساعة أو اثنتين سنكون هنا، وبهذه الحالة، والرّغبة تسيل من عينيْنا كالدّموع.

 

2