(1)

بينما انتظرت القطار خطفت من يد مستوطنٍ ذي لحية شقراء و”كيبا” بيضاء شريطًا برتقاليًا وعادت لتجلس في الظل. تماوج الشريط مع الرياح الخفيفة وأعلن مذيع المحطة عن تأخر القطار القادم من حيفا خمس دقائق فسقط رأسها بين يديها كبرتقالة في الثلج،  رطوبة الحر في تل أبيب مزعجة والمقعد الحديديّ غير مريحٍ أبدًا والشوق لحضنه أصبح عذابًا حقيقيًا.. “هيا.. تعال”.

ربط معارضو الانفصال عن غزة شريطًا برتقاليًا على حقائبهم وعلى المرايا الجانبية لسياراتهم وعلى اللاقطات الإذاعية وزيّنوا مفارق الطرق بهذا اللون الفرح،  وقد أغلقوها في هذا اليوم الحار وأحرقوا الإطارات وأعلنوا “يهوديّ لا يطرد يهوديًا”،  فاضطر أن يركب القطار ليراها.

هي تعارض الانفصال أيضًا.

عندما التقيا أول مرة في الجمعية حيث تعمل مديرة لمشروع” السكن” ليصمم لها النشرة السنوية لنشاطهم ضد هدم البيوت في الأحياء العربية الفقيرة في المدن” المختلطة”، عارض اقتراحها بتصميم خلفية النشرة باللون البرتقالي فاستفزها وغاصا في حديث عن الألوان والناس والعمل.. وكان لعيونهما حديث آخر.

قالت له أنها رأته من قبل وهي متأكدة لكن ذاكرتها ضعيفة خصوصًا في الأسماء، وهو أصرّ أنه أول لقاءٍ لهما لأنه يعرف أسمها ولأن ذاكرته أقوى من “زورو”.

اكتشفا أن أصل أبيها وأمه من قرية “سيدنا علي” المهدّمة التي يتأمل مسجدها، حتى هذا اليوم الحار، بشاطئ المتوسط وصخوره البنية، وأنها مثله لا تحب “روتانا” وميوعة مطرباتها فهي تحب فيروز وهو يحب ابنها زياد، وأن كليهما يقرآن الآن” باب الشمس” بعد أن أنهيا “عمارة يعقوبيان”. تحدّثا عن كلّ شيء إلا النشرة فعاد لزيارتها ثانية ومعه نموذجٌ للنشرة خلفيتها برتقالية.

لم تكن تحب اللون البرتقالي كثيرًا، هو يذكرّها فقط بأحاديث جدها المتوفى عن بيّارة برتقاله وبأيام نشاطها الحزبي في فترة هبة تشرين فقد كان البرتقالي لونًا سياسيًا جديدًا بعد أن انهار الأحمر وأحرج أباها الذي كان يصطحبها في مسيراتٍ تكرر ذاتها.  

المستوطن ذو اللحية الشقراء و”الكيبا” البيضاء يحوم حولها ينظر إلى الشريط البرتقالي نظرة جانبية كسارق غير محترف بعد أن سمعها تتكلم عبر هاتفها الخلوي بالعربية وفهم آخر كلمة” حبيبي”.

الشمس تثير أعصابها رغم جلوسها في الظل، والمستوطن كذلك.

تنتظره والشريط البرتقالي يتماوج مع الرياح الخفيفة، قبل أن تنهي المكالمة سألته” أين سنسكن؟”

(2)

تنتظره روحها منذ آلاف السنين والخمس دقائق هي ألف جديدة.. هيّا.  يسافر بحثًا عنها منذ ثلاثين عامًا وهذه الرحلة تعرف في أي محطة عليها أن تنهي نفسها لكن الأشجار على حافة السكة الحديدية زادت والسائق ينتظر أكثر من اللازم عند كل محطة.. هيّا.

كلاهما انتظر الصدفة.

أيام اللقاء ركضت أسرع من ساعة الوعي. الشوق هدّد عصافير البطن بالسجن طويلاً، رفضت المعدة إعطاء تصريحٍ لأي طعام وساعات النوم تقلّصت.

“حب” قالا وغابا عن الحياة العادية.

لاحظا الرموز وشخّصا ما فوق الطبيعة، جرفهما طوفان العواطف وصرّحا “نحن لبعض”، وحضنته فتغيرت الضمائر.

بعد أن مرّا أمام موقع القبلة الأولى قرّرا شراء خاتمين لتزويج روحيهما رسميًا،  ليعلناه. تشابكت أصابعهما ومشيا معًا ولم تكن المدينة تسع زوجًا آخر.

يركب القطار ليراها ودقيقة الرحلة السريعة طويلة، لم يرها منذ خمسة أيام!

حبّهما مقياس آخر للزمن، وقد فقدت الحدود حدودها وجنت ودخلا بإرادتهما إلى جنات اللاعقلانية.. ولم تعد الأرقام عشوائية. يشعر أنه نصف إنسان بدونها، أو بالأحرى أصبح يعتقد أن الإنسان الحقيقي هو ذكر وأنثى معًا.. 

لم يتوقع، لسوء حظه وبؤس الزمن الآني،  أن يلقاها وحين ارتجف عند رؤيتها خشع للكون وعاد عبر أجنحة السعادة إلى مواطنه الأصلية.  ليكون ما أراد دومًا أن يكون” كيف كنت حيًا بدونها؟” ولم يجتهد بالبحث عن جواب.

لم يمرّا بمرحلة التعارف، لم تكن هي بحاجة لها فكأنها تعرف كلّ شيء عنه وتعرف أسراره وتأجل الحديث عنها. كلماته مألوفة وحضنه حنين لزمن كان وبيت أبدي. لم تسأله عنه ولم تسأل عنه وحكت له عن نفسه ما لم يكن يعرف وما لم يكن متأكدًا منه. انتظرته ورفضت الحلول الوسط وكانت على وشك اليأس التام حين رمى لها الأجنحة لتطير معه إلى المواطن الأصلية،  فابتسمت وبرقت عيناها لتصير امرأة ويصير رجلاً.. وطارا.

حين جلسا قبل أسبوع في مطعم لحوم جنوب أمريكيّ على كراسي خشبية طويلة بجانب وردة بنفسجية مبتسمة لمعت خواتمهما الفضية وتواعدا..” لمدى الحياة”.. حب، سعادة،  إخلاص، نجاح وتواضع. وكان الصدق ألذّ من الوجبة بكثير.

كانت كراسي القطار الزرقاء من حوله تريح الجنود والبنادق وكان أقوى منهم.. هكذا شعر وهكذا شعروا هم أيضًا،  هكذا قالت عيونهم المتعبة.

الدقيقة طويلة والخاتم يلمع بالشمس والشوق لم يعد يعرف الجلوس هادئًا في مكانه.

الشريط البرتقالي يتماوج مع الريح الخفيفة.

سيراها قريبًا.. هيّا.

(3)

قبل أن يغادر بيت أهله.. قال لها “أنت بيتي”.

الشمس أحرقت الأعشاب على حافة الطريق وأعصابه أيضًا. كانا يخافان من حضور الشتاء. عندما نعرف الطريق تصبح أقصر، وعندما نفكر لا نرى الطريق أصلاً. أرادا شتاءً دافئًا.

هي بيته، وليس الحقيبة السوداء الكبيرة التي يحمل بها ملابسه وفرشاة أسنانه وشفرة الحلاقة كالمسافرين المتجولين بين محطات القطار الأوروبية بحثًا عن مغامرات شبابية غير مكلفة أو بين جبال الشرق الأقصى بحثًا عن تجارب روحانية وملابس واسعة ورخيصة بألوان الليلك والبنيّ. هي بيته وليس تلك الشقق التي اختارها على عجلة ووقع عقد استئجار روتيني ليتركها بعد سنة إلى حي آخر في المدينة فينسيه هم نقل الحاسوب الرمادي الثمين والأثاث القليل والعلب الكرتونية الكبيرة والأكياس أيام الحظ وليالي الرضى. هي بيته وليس بيت أهله، فقد صدم حين جرّب العودة إليه وأدرك أن البيت الذي نشأ فيه هو بيت زوجية أمه وأبيه وعندما أصبحت ملاحظات أمّه عن دخله ونومه مزعجة واكتشف في وجه أبيه  تجاعيد أكثر مما توقع خاف على حبه لهم، وحين شرب من ذات الحنفية التي لم يكن يستطيع الوصول إليها حين كان  بالخامسة من عمره لمّا تركته أمه لتذهب للعمل خاف من ألبوم الأحاسيس المدفون في الحديقة التي تحولت إلى مصف للسيارات الجديدة.. اهتز، وعاد إلى لا مكان فوجدته صدفةً وحضنته فتغيرت الضمائر وأصبحت هي بيته وهو بيتها. 

” أين سنسكن؟” هو يحبّ المدن الكبيرة لكنه مسجون في هذه البلاد الضيقة فالهجرة استفزاز لمثالية الباقي والصامد والمستمر وهروب غير مضمون والبقاء استسلام لضباب الأفق وأسئلة التناقض اللانهائية. 

 فكّر للحظة بالناصرة، أكبر مدينة عربية في البلاد، لكنّها ليست مدينة. فكّر بتل أبيب، أكبر مدينة في البلاد،  لكنها ليست عربية ولا عمل بها للعرب. فكّر برام الله لكنه تذكر الجدار الفاصل. حيفا احتمال جيد فقد بقي الشباب للسكن فيها بعد دراستهم الجامعية ورمّموا البيوت الألمانية في الشارع المستمر من حديقة البهائيين المعلّقة على الكرمل وملئوها بالمقاهي المكتظة وبالأحاديث والنميمة، هل ستقبل أن تسكن هناك؟

قالت له أنها تحب الطبيعة والجبال وسألته عن قرية أهله الهادئة في الجليل.  لكنها هامش حزين وبائس فقد تحولت مثلها كباقي القرى القليلة التي بقيت في الجليل إلى فندق للفلاحين الذين تحولوا إلى عمال بنوا المدن اليهودية على أراضيهم المصادرة. 

وقف القطار بعد صرير حديدي طويل ومزعج ورآها من النافذة السوداء الشفافة تحمل شريطًا برتقاليًا يتماوج مع الرياح الخفيفة وأغلق حاجبيه لتتساءل عيناه وفتح باب القطار واخترق الناس ليحضنها.

(4)

هي تعارض الانفصال أيضًا.

تعارض الانفصال عنه. 

عندما وصل القطار انتظرت أن ترمي نفسها في بيتها الأبدي.. حضنه. ولم تكن حقًا مهتمةً باسم المدينة التي سيسكنانها ولا باسم المدينة الجديدة التي تحلم ببنائها فهي عملية في الفترة الأخيرة وتريد أن تبدأ بتصميم العش لتعيش معه لمدى الحياة. 

فكرت بالتوجه التصميمي لبيتهم فاقتنعت أن أسلوبهم هو دمج وتنوع بين العتيق والحديث.. بين الاثني بألوانه الزاهية والخشب البني الغامق المنحوت وبين العصري بألوانه الحادة والغريبة التي تمزجها برامج الحاسوب الجديدة وانتظرت أن تختار الأشياء بعينها وأن تجسد نظريتها.    

حضنته وهالة النور والطاقة الكونية المركّزة  أبعدتا الناس من حولهما. نظرا في عيونهما ولم يقدرا على الكلام فعادا إلى الأحضان وصارا واحدًا.

ربطت يديهما بالشريط البرتقالي.

قال لها من على الدرج الكهربائي: “سنكتب الكتاب في سيدنا علي.. أنت مدينتي ووطني.. سأسكن فيك!”

“أنا سأسكن فيك”. 

وكان الصمت مشحونًا.


تموز 2005

الناصرة

  “أنا رومانسيّ يا حيوانات وبعشق نزار قباني”. هذه هي جملة كريم الوحيدة التي يواجه بها اتهامات الناس له وسخريتهم منه. ومن هذه الجملة ألحق أهلُ المخيّم  باسمه كلمة الرومانسيّ، كلّما رأيت كريمًا الرومانسيّ في الطريق التي يمشي فيها الناس عائدًا الى المخيم أصيح فيه من بعيد: يا كريم، أبعد عن الطريق، سيغضب الناس وسيؤذونك.

 لكريم طرقٌ خاصة تأخذه إلى  بيته في المخيم، ويبدو أنه استسلم لهذا الحلّ، فلا أحد يشاركه طرقَه، وحين يصدف وأن يتوه شخص من المخيم، فيمشي في طرقه، يطلق كريم صيحاتِه من بعيد تفاديًا لتقزّزهم وخوفهم: “هييه يا ولد أنا كريم محمم الموتى الرومانسيّ، ابعد ابعد”.

ويحدث أن ينسى كريم أو يسأم، فيمشي في طرقنا احيانًا، فيصاب الناس بالجنون، ويلاحقونه من بعيد بالخوف والصرخات. فيهرول بعيدًا شاتمًا المخيّم والأقارب والجثث وفلسطين، ومتوعدًا إيّاهم بمصير مروع. 

” في النهاية راح تصلوا عندي يا جبناء ووقتها راح أخوزق جثثكم واحد واحد، وراح ألعب فيها الكورة”.

هنا يموت  الناس من الخوف ويتشارون محتارين، أيصالحون كريمًا إنقاذًا لجثثهم وجثث أقاربهم من التشويه، أم يشكونه الى الشرطة؟ يعرف  الناس أنّ كريمًا هو مُحمّم الموتي الوحيد في مشفى المدينة وأنّه ممنوع على أحد من أقارب الميّت الدخول أثناء تحميمه، وهذا يعطي  كريمًا ورقةً رابحة جدًا في حرب سكّان المخيم ضده، فلا أحد يعرف بالضبط ماذا يفعل كريم مع الجثة التي يحمّمها، هل يسرق منها قطعًا، كما يُشاع عنه؟ هل يحشو في فتحاتها أشياء غريبة تفنّنًا في إهانتها؟ أم يبصق عليها و يصفعها ويركلها ويطعنها؟.

 وهكذا ترك كريم الناس ضحية تصوراتهم ووسوساتهم التي سبّبتها تهديداته لهم. 

 بدأت  قصّة الرّعب من  كريم من إشاعة أطلقها شابّ من المخيم كان يتعالج في المشفى:

“شفتُه حامل راس بني آدم وماشي فيه في ممرات المشفى والناس بتهرب من قدامه”.

“شفته  بعينك؟”

“والله شفته بعيني”.

  بعد الاشاعة بأيّام  كان كريم الرومانسيّ يصعد الى (فورد) المخيم حاملا على  كتفه كيسًا بلاستيكيًا أسود مملوءً بأشياء غريبة، الربّ وحده و كريم يعلمان ما فيه، بالصدفة كان بين الركاب، الشاب الذي رأى كريمًا مع الرأس البشريّ. أطلق الشاب صيحة هزّت  السيارة، (والله شفته بحمل راس بني آدم)، هرب الركاب من مقاعدهم في الفور بما فيهم السائق، ركضوا تجاه  شرطيّ مرور، وعادوا الى السيارة به، وهم يشيرون الى كريم الذي ظلّ وحده جالسًا مستغربًا ما حدث، كان الشرطي حائرًا وخائفًا.

لا أحد يحبّ كريم، في المخيّم، لا أحد يرغب في الحديث معه، لأنّ كريم ببساطة شخصٌ مخيف، يعيش في المخيّم مع زوجته وأطفاله الثلاثة، نوافذ بيته مغلقة أغلب الاوقات، أولاده يلعبون في ساحة خلفيّة محاطة بسور اسمنتيّ. تطورت الإشاعات عن كريم، ووصلت الى حدّ أنّه يقصّ قطعًا معينة من الجثث التي يحمّمها ويبيعها لليهود. صارت الحرب ضدّه غير عادية، فدخول كلمة اليهود فيها، أعطى  الاشاعة طابعًا حساسًا ومتوترًا.

لفتتني قصة كريم مع الجثث والناس والمخيم، قررتُ أن أمشي في طرقاته وأن أطرق بابه، قرّرت أن أعرف حقيقته وأكتب عنها.

“يا كريم أنا متعاطف مع محنتك، وأحب نزار قباني مثلك. أريد أن امشي في طريقك وأتحدث معك، أريد أن أكتب عنك”.

” أنت مجنون إذن لتخالف الناس، رائحتي نتنة، وفي جيوبي قطع بشرية، ومن المحتمل أن تتعرض للمرض، أليس هذا ما يشاع عني؟ اذهب في طريق الناس”.

رفضتني طريق كريم، رأيته يبتعد أمامي ويقف على طرف طريقه منتظرًا سيارة الاسعاف التي تأتي كل صباح لتقلّه الى المخيم، بعد أن رفض سائقو سيارات الاجرة نقله. لكنّي طرقتُ بابه مساء ما، وسط ذهول الجيران، حاملاً كرتونة كتب لنزار قباني، وسمعت امرأةً تقول لجارتها:

“شكله هذا بتاجر معاه بالجثث؟ شوفي الكرتونة اللي في إيده”.

فتح كريم الباب، رحّب بي بارتباك: “أهلا استاذ بس شو فيه؟” فتحت الكرتونة أمامه اندلقت كتب نزار، طار كريم من الفرح، أدخلني الى الداخل، نادى على أولاده وزوجته، فرحوا بالكتب وأصرّوا على أن أتعشى معهم، أمضيت الليل بطوله في ضيافة كريم، غمرني  بالفواكه وحلوى الحلبة والمخلوطة  والشاي، وغمرته بأحاديث وقصص عن نزار وحياته، وقرأت له شعرًا لم يقرأه كريم من قبل. رأيت في عيني كريم دموعًا، عانقني فجأة: 

“أستاذ معقول واحد بحب نزار يقصّ قطع بشرية ويبيعها ويحمل راس بشري ويمشي فيه؟”.

“طبعًا يا كريم، مستحيل، أنا اصلا ما اقتنعت بهاي الاشاعات  والدليل إنّي بسهر عندك”.

 في الصباح خرجت من بيت كريم، شيّعني على الباب، كان سعيدًا جدًا ومرتاحًا، عانقني، همس في أذني: 

 “أريدك أن تطمئن تمامًا يا أستاذ، سأحترمها  وسأحمّمها جيدًا وسأقرأ فوقها شعرًا لقصائد نزار التي أحبها”.

” تحترم من وتحمّم من، لم أفهم عزيزي كريم؟”

“جثتك الرائعة يا استاذ”.

 

كانت في يدي قصبة طويلة ممتدة، وأنا أغطسها في عمق النهر، سقطت واختفت من أمامي، سحبت قدمي ثم عدت إلى الوراء قليلا وأنا أشعر بخوف شديد، تبدى لي من يدي المرتعشتين… فالخوف من أن يبتلعني النهر لم يعد يفارقني منذ أن سمعت حكاية العمة فنيدة. كانت في كل مرة تعيد حكاية الفتاة الجميلة التي أرادت أن تنام في النهر قليلا فغرقت، وكنت كلما رأيت النهر في هدوئه التام أتذكر قول العمة، بأن النهر يكون أكثر هولا حين يغري بالنوم في أحضانه.

لم أكن أستطيع أن ألعب مع أطفال القرية، فقد كانوا ينقضون على صديقتي الجميلة كلما رأوها. كان يوما صعبا حين رأيتهم يتصارعون فيما بينهم للظفر بالدعسوقة، كانت قد طوت جسدها وتكومت قليلا حتى لم يعد يظهر لها رأس أو أقدام…سارعت إليهم أرجوهم كي يتركوها تذهب بسلام، لكنهم أبوا…منذ ذلك اليوم العنيد، ذهبت إلى الغابة التي تجاور بيتنا، كانت الأشجار قد غطت مساحات كبيرة وتفرعت عنها غصون نحيفة لم أعهدها من قبل، وكنت أشعر بأنني أبحث عن الدعسوقة كي أمنعهم من دحرجتها كل يوم، فقد كنت أعشق هذه الحشرة الصغيرة. جمعت أعدادا منها في إناء زجاجي واسع ووضعتها في شرفة غرفتي وأحضرت لها بعض الحشرات… وصار لي أصدقاء جدد من كل الألوان: الأحمر والأصفر والبرتقالي، كنت أعشق اللون البرتقالي كثيرا، وكنت أنزوي وأركن إليهم في تلك الساعات الرتيبة التي تمر بطيئة في المساء، فقد كان من عادة والدي في كل مساء أن يضع نظاراته الطبية التي يحرص على تثبيتها فوق أرنبة أنفه، قبل أن يتفحص ببطء الجرائد التي تصل متأخرة إلى القرية وهو يلعن ويسب ويقذف بأقسى اتهاماته في الهواء مخلّفًا زمجرة تستقبلها أمي بهدوئها المعتاد، وهي تطرز مناديل منذ زمن بعيد، حتى أنها راكمت منها في الغرفة المجاورة طوابق من نفس الألوان ولكن في أشكال مختلفة، كانت ترغب أن تغير الألوان، لكنها كانت تعجز عن الذهاب إلى وسط البلدة للقيام بذلك. ما زلت أشعر بدقات الساعة الثامنة، كنت أعرف أنه بعد ثمان دقات ستنادي أمي العمةَ فنيدة لكي ألتحق بسريري بعد أن أكون قد نظفت في الثامنة إلا أربع دقائق أسناني بالفرشاة، وأنا أتمضمض بحفنة من الجمل التي تكررها العمة كل يوم في نفس الدقائق التي تسبق دقات الثامنة، والتي صارت تدق في صدري كل يوم. كنت أخبئ دفاتر فارغة تحت اللحاف في ذلك اليوم، لأنني صرت أكره الثامنة والنوم في تلك الساعة الرسمية التي تؤذن بانتهاء عالمي الطفولي في البيت. أشعلت الضوء وبقيت أنتظر قليلا إلى حين انقطاع أية خشخشة، ثم حملت أقلامي الملونة وبدأت أرسم صديقتي فوق الدفتر الجميل، لكن العمة فنيدة حضرت على التو لتبلغني أنني إذا لم أنم فسيتم طردها من العمل، وأعادتني إلى مضجعي على  الساعة الثامنة وخمس دقائق، وكانت تلك المرة الوحيدة التي تنار فيها غرفتي بعد الثامنة بخمس دقائق أو أكثر قليلا…

بعد أيام ارتديت بذلة برتقالية اللون ذات نقط سوداء، كنت قد ذهبت مع العمة واشتريتها من وسط البلدة، كنت قد عشقت هذه الألوان وعشقت ارتداء أصدقائي لها، كان أصدقائي الجدد قد ألفوا شرفتي، لذا صاروا يذهبون ويعودون إليها وكأنهم اتخذوها مسكنا لهم، وكنت قد اعتدت أن أناولهم أصبعي ليتسلقوه وهم يطيرون بأجنحتهم التي تساعدهم على الصعود والطيران إلى الأعلى البعيد وصاروا يقتربون أكثر حين بدأت أشبههم في اللباس والطقوس معا، وكنت أردد لهم بلطف شديد:  

   Petite coccinelle
Laisse-moi compter tes vies sur tes ailes
Toi qui n’as jamais vu ta colère dis-moi
Dis-moi comment faire comme toi

 لكنني لم أستطع أن أنام في تلك الليلة رغم الظلمة ودقات الساعة المتتالية، كنت ما أزال أسمع الأطفال وهم يرددون بصوت مرتفع ويقهقهون حين رأوني أرتدي البذلة:

لم تنتبه أمي إلي، ما زالت تسترق النظر إلى أبي، وهي تطرز مناديلها… مناديل لم أعد أستطيع عدها، ولا أظن أمي نفسها تستطيع ذلك.

كانت الساعة الثامنة حين كان زوجي ينادي بأعلى صوته، لم أكن أحب أن أجيبه في تلك اللحظة، سحبت قدمي من اللحاف كي أقاوم تلك النوبات التي أغفو فيها كلما دقت الطرقات الثمانية، وتمنيت حينها ألا أراه حتى تزول النبضات وما يليها من طقوس، كنت قد اعتدت على الطقوس السرية، حتى أنني أكررها دون أن أدري، أحيانا تبدو لي العمة فنيدة وهي واقفة بمنشفتها الوردية لتجفف جسمي وتدعكني وهي تقول لي بصوتها الخافت: لقد بدأ عودك يشتد، وأصبحت فتاة جميلة… لكن والدي كان قد رأى الحشرات تتطاير من الشرفة، وكانت تلك هي اللحظة التي غيرت جلساته الاعتيادية كل مساء، فقد صعد إلى غرفتي ليكتشف الإناء الذي ترتع فيه الحشرات الجميلة، وصرخ في وجه العمة:

-ابنة أكبر أعيان القرية تربي حشرات سخيفة…

كانت العمة قد بلعت صوتها الخافت حتى أنني تخيلت أنها لن تنطق فيما بعد، نادى على البستاني وأمره بأن يحرق هذه الحشرات حتى لا تعود أبدا إلى المنزل…وأعاد نظاراته الطبية إلى مكانها المعتاد وغرق في جرائده، لكن البستاني لم يحرق أصدقائي، بل أعادهم إلى الحقول وقال لي:

– إنهم أصدقاؤنا جميعا، فهم يأكلون الحشرات التي تلتهم الزرع… لقد أعدتهم إلى الحقول…

بعد أيام أصيبت العمة فنيدة بذهول حتى كادت أن تسقط، فقد ناديتها لأفاجئها بالدعسوقة، وقد رسمت منها أشكالا عديدة، حتى أن ألوانها البرتقالية صارت تلمع في الليل لتؤنس اللحظات التي أخاف فيها من الظلمة الشديدة، وشيئا فشيئا بدأت العمة فنيدة تلمع الألوان كي لا تذبل وتحاول أن تختلق أسبابا تجعل أمي تعدل عن  الصعود إلى غرفتي.

كان زوجي ينظر إلي وهو يتفقد غيابي، وقد وضع قفازيه السوداوين على الكومودينو، كان قد عاد من الصيد، فقد كانت له هواية دأب عليها منذ زمن بعيد، في نفس الساعة من العصر وبنفس الملابس ومع نفس الأصدقاء الذين كانوا يحدثونني عن الثروات التي استطاع آباؤهم جمعها بمجهوداتهم الرصينة وبمثابرتهم الدائمة في الكد والجد. كانوا يدخنون السيجار الأسود ويضعون قبعات سوداء، وفوق أعينهم استقرت نظارات سوداء تقيهم من الشمس وهم يصطادون الحيوانات الجميلة… لم يكونوا في حاجة لأكلها، بل إنهم في كثير من الأحيان يصطادونها ليرموا بها في الخلاء ولكنهم يتباهون على بعضهم البعض، بأصوات منظمة جدا وضحكات مرسومة بعناية تامة…

كان زوجي يربت على بطني بهدوء تام، وهو ينظر إليّ وقد ارتعش شاربه المشذب، وكان ذلك الناقوس الذي يجعلني أشعر بأنه يريد شيئا، كانت طقوسه هادئة لا انفعال فيها، وكنت أرغب لو أستطيع أن أصرخ أو أقهقه عاليا حتى تسمعني البيوت المجاورة، لكن زوجي كان دقيقا كساعته الأمريكية التي يتحدث عنها منذ أن زار أمريكا، وليتحفني كل مساء بنفس الحكايات المتكررة التي جعلته يكتشف ذلك العالم البعيد عن أعيننا، وليكون فاتحته للدخول في طقوس حميمية كل مساء بارد.

وكنت أتكور… بداخل بطني كان يحدث اشتباك معوي، كنت أتمنى أن أحضر معي حشراتي الجميلة من غرفتي الصغيرة، فهي ما تزال هناك، كان أبي قد تركها فوق الحائط بعد أن رجوته كثيرا على ألا يجعلها تغادر الغرفة. كان قد ضحك ضحكة رتيبة، وقال:

-نعم، سأتركها، فأنت الفتاة الوحيدة التي رزقنا بها، وسنتذكر حماقاتك وسنقهقه ذات مساء…

ثم ضحك ضحكة مدورة، كررتها والدتي بصنعة مدربة وقوست فمها قليلا، فأثنى عليها أبي وعلى تربيتها لي…

لم أكن أستطيع أن أغض الطرف عن ساعديه القويّين. كان يخفي عينيه الجميلتين لأنه لا يملك أن ينظر في وجه السيدة، ويومًا ما بقيت أصر على أن ينظر في وجهي مباشرة وهو يكلمني، كانت عيناه ساحرتين للغاية. كنت أتمنى ألا تطرقا أبدا. كنت في تلك اللحظة قد شعرت بارتباك في كل شيء، وكانت الأرض تدور… ولجت غرفتي وانهلت على الورق لأرسم العينين. كان قريبا جدًا من أصدقائي، كان يشبهني رغم أنني بعيدة عنه. لم أستطع النوم في تلك الليلة، كان زوجي ينظر إلى توتري ويحاول بهدوئه المعتاد أن يمتص كل الانفعال الذي أختزنه بداخلي. وكنت أراه معي، وأستعيد خارطة ذراعيه القاسيتين، حتى أنني ظننت أنني أمسكه هو. في ذلك اليوم تبعته، كان يعدو بداخل الأشجار. حين رآني شعر بالارتباك، وقال لي: بماذا تأمر السيدة؟ نظرت إليه، كنت أنظر إليه برغبة، أطرق خجلا مني، أمسكت بذراعيه ووضعت يدي على شفتيه، شعرت بعنفه الكامن، وبشيء ما سينفجر بداخله. بدأت أمرر شفتي على شفتيه، لم يقاوم. أمسكني بكل القسوة التي أشتهي وضمني بساعديه القويتين حتى ذبت بين أحضانه. كانت تلك اللحظة الوحيدة التي شعرت فيها بأنني أوجد على وجه هذه الأرض الصغيرة. وكان ذلك العناق غريبا، لم يسبق أن أحسسته أو عشته من قبل، كنت أحلم به فقط، وقلت: المهم أنني عشت هذا الانفعال ولو لدقيقة واحدة…كان ينظر إلي بعدها بوجل، وكأنه قبلني دون أن يدري، لكنني وضعت يديّ على شفتيه وأومأت إليه بألاّ يتكلم…لقد ذبت معه لدقائق فقط، لكنها لن تغيب إلى الأبد.

أسحب قدميّ الباردتين من أعماق النهر وأقهقه ثم أصرخ… وأعود كل يوم إلى بيتي لأتكور قليلا بعد أن يداعب النوم جفون زوجي. 

لم نبقَ طويلاً في البار، بعدما وصلَنا مسج ميلاني، أحسستُ بأن كلينا أراد الآخر أن ينهي كأسه لنخرج سريعاً عائدين إلى بيت أحدنا. وكان ذلك من خلال القفز السريع بين الأحاديث ومحاولة إنهائها، مختصرينها كي نبدأ بأخرى وتنتهي جميعها وننهض.

بعد أقل من نصف ساعة كنّا خارج البار، واقفَين أمام بابه، اقترحت شارلوت تفادي الطريق الذي يمر بالبار حيث توقّعت أن تكون ميلاني وريما. تمشينا قليلاً، نزلنا إلى محطة المترو، وتوجّهنا إلى بيتها، معاً، كأننا على اتفاق مسبق بذلك، لم يسأل أحدنُا إلى أين نتوجّه، وقد كان كلانا يعرف أننا ذاهبان إلى بيتها، وذلك، ربّما، ما جعلني، لا شعورياً، أحكي عن الملصق الذي رأيته من خلال نافذة بيتها حين أوصلتُها أوّل مرة، أو حين لحقتها وأوصلتها إلى بيتها.

هل مازال ملصق «الحياة المزدوجة لڤيرونيك» مكانه؟

كيف تعرف… آه حين لحقتني.

لكنك لم تقولي اسم الفيلم، اكتفيتِ بالقول إنه فيلم تحبينه.

ممكن، لا أذكر.

بلى، أعرف الفيلم وأحبه كذلك، وإن لم يكن من بين العشرة أو العشرين المفضلة لدي.

حقاً؟ ما المفضل لديك؟

لم أكن أريد أن ينتقل الحديث منّا نحن الاثنين إلى أفلام تعجبني، ليس هذا وقته، بدأتُ حديثنا بالإشارة إلى الملصق، شعوري بأني سأكون في بيتها خلال دقائق جعلني، ربما، أسأل عنه. لم يكن لسؤالي أي رغبة في أحاديث عن السينما، بل عن شقتها، عنها هي، عن المكان الذي نمشي إليه لوحدنا لنمضي الليلة، كما توقعتُ وتمنيت، لوحدنا حتى الصباح.

لا يهم الآن ما المفضل لدي، دعينا نتحدث عنك.

بلى، من تحب؟

امممم يخطر لي الآن إنغمار بيرغمان، مثلاً. «پيرسونا»، شاهدته قبل أيام.

لا يعجبني كثيراً.

لمَ؟ أو لا، لنتحدّث في أمر آخر، أمر يعجبك.

أردت أن نخرج من هذا الحديث الأنسب لمقهى في الرابعة عصراً وليس لما قبل منتصف الليل بقليل في مترو شبه فارغ متوجهَين، هي وأنا، إلى بيتها لأنيكها، أخيراً، ولم أجد ما أسأله فصمتنا للحظات، إلى أن قالت إنّنا سننزل في المحطة التالية ونمشي قليلاً، كانت المحطّة بير لاشيز، فأجبت بأني أعرفها جيداً. صمتنا مجدداً. توقّف المترو ونزلنا.

أتذكّر الطريق تماماً، كأن لحاقي بها كان قبل يومين وليس أسبوعين، لكني الآن أمشي إلى جانبها وليس متتبّعها كالمحقّق في أفلام النْوار البوليسيّة، أمشي وأعرف أنها ستدعوني لكأس إضافي سيكون افتتاحياً لليلة طويلة، وأن صديقتها التي كانت في البيت ذلك المساء، هي الآن في بار مع أخرى، وتعرف أنّي وشارلوت سنعود معاً إلى شقتهما، فتدبّر ليلتها ونومها في مكان آخر، عند ريما ربّما.

دخلنا إلى المبنى، صعدتُ خلفها الدرج المظلم والضيّق، وشارلوت تعتذر لأن اللبمة ماتزال محروقة ولم يبدّلها أحد. فتحتْ باب شقتها وأضاءت الصالة، دخلتُ خلفها، وقع نظري فوراً على الملصق المجانب للنافذة، علّقتُ بأنّ في البيت ما هو مألوف لي، سمعتُ ضحكة خفيفة منها، ضحكة امرأة فرحة تتهيّأ للنّيك. ضحكتْ وهي تلمّ سريعاً بعض الأشياء عن الأرض، ثم خلعت بكعب كلّ قدم حذاء الأخرى، بحِرفيّة، تاركة الحذاء مكانه في منتصف الصالة، لتعود وتلمّه كأنّه كان هناك منذ دخلنا.

أي تعليق يمكن أن يضحكها الآن، كانت مبسوطة ومسترخية، ومزَهزهة، كما نقول بالفلسطينية، ولزهزهة شارلوت لحظتها أسباب غير الكحول. سألتها لمَ تلمّ أشياء عن الأرض وتترك حذاءها هكذا، فضحكت وهي ترفعه. جلستُ على كرسي، مقابل المكتبة فانتبهتُ لها وقمت أتفحّص ما فيها. دخلت شارلوت إلى الصالة مع كأسين وفتّاحة لزجاجة النبيذ، اقتربت مني وانتشلتْ زجاجة من رفٍّ سفلي في المكتبة وطلبت مني فتحها.

أخذتُ الفتّاحة والزجاجة إلى الطاولة، اقتربتْ ووضعتْ عليها الكأسين وعادت إلى المكتبة، صبّيتُ لكلينا وتقدّمتُ إلى المكتبة أقف خلف الشّقراء أمدّ لها يدي بكأس نبيذ وأشمّ شعرها، نفساً قصيراً أخذتُه منه ثم تنشُّقاً عميقاً وقد أدخلتُ أنفي في خصلاته الذّهبية. طلبت منها أن تحكي لي عن مكتبتها، عمّا أمامنا من كتب وأفلام، عمّا تحبّ منها. لم أُرد أن أبدو ذلك الذي ما إن دخل بيتها حتى انتشل أيره بقبضته وجرّها إلى فراشها.

انتبهتُ إلى أنّها قد خلعت معطفها والكنزة الثقيلة التي كانت ترتديها والشال السّميك الذي كان وجهها مختبئاً فيه. كانت تقف إلى جانبي، بقميص خفيف، أزراره العلوية مفلوتة فيكشف عن طرف ستيانتها وعن أنّ لديها ثديان ضامران متباعدان مثبّتان جيّداً على صدرها. تحمل كأسها قريباً من فمها كأنّها تشمّ النبيذ فيه، مسندةً كوعها بيدها الأخرى، ترتشف بخفّة وتتكلّم:

هذه المجموعة الكاملة لأفلام أندري تاركوڤسكي، تعرفه؟

طبعاً، أحبّه.

وهذه روايات لكافكا، شِعرٌ لبريشت… وهنا هذه لدرويش، أحكي لك عمّا أحبه في المكتبة، وهذه من أرففي. تلك الأرفف لميلاني، ستجد كتباً في السينما وأعداداً من مجلّة «كاييه دو سينما» وأفلاماً كذلك، أكثر منّي طبعاً.

لكن روايات كافكا هذه لك؟

نعم. ناقصةً واحدة، «المحاكمة». نسيتُ لمن أعرتُها، ولم أكن قد قرأتها بعد. سأشتريها.

رأيتك مرّة في المقهى تُخرجين اللابتوب من كيس قماشي مطبوع عليه صورة لكافكا.

لا. لدي هذا الكيس المعلّق على الباب، هنا، لكن مطبوع عليه اسم المكتبة التي اشتريته منها، لو كونتوار دي مو، في الحيّ المجاور.

لكني رأيت كافكا.

قد تكون خلطتَ بيني وبين أخرى.

ليست هنالك أخرى في المقهى أخلط بينك وبينها. لكني أكيد من صورة كافكا، رأيتها على الكيس.

لستُ أنا. صحيح، لم تحكِ لي لمَ كنت تذهب إلى المقهى، وتنقر طوال الوقت على اللابتوب، لم نحكِ في ذلك… ليس بعد.

أكتب.

تكتب؟ ماذا؟

لا أعرف، بدأت بيوميّات، بدأت بكتابتها بعدما انتهيت قبل فترة من سيناريو لم أجد من يحوّله لفيلم.

امممم سيناريو؟ متى ستحكيه لي؟

أحكيه! بعد قليل.

لا ليس بعد قليل.

أخبريني شارلوت، أليس لديك كيساً بصورة لكافكا؟

لا، حقاً. إلا إن كنتَ تعرف شارلوت أخرى. واليوميات التي تكتبها في المقهى، هل أنا فيها؟ لوحدك دائماً، تجلس مقابلي، تكتب يوميات، تنظر إلي خلسةً، تسألني عن اسمي… هذا كلّه.

لا أعرف، لكن… نعم، كنتِ أمامي. امرأة جميلة تجلس مقابلي، وأنا أكتب. عمّاذا تتوقعين أن أكتب إن لم يكن عنها؟ عن أبو عمّار؟

من هذا؟

ياسر عرفات، أغافات، رئيس…

أعرفه، أو أعرف شالَه. لذلك كنتَ تنظر إلي خلسةً إذاً. ما الذي كتبته؟ أريد أن أقرأه.

مكتوب بالعربية، لكني سأترجم لك بعضه، لاحقاً.

قد تكون لدى شارلوت التي في النَّص كيساً عليه صورة كافكا.

كيف؟ نعم، ربما، لكن لماذا هو؟ في الحقيقة لم أكن أميّز كثيراً بينكما، لم أكترث كثيراً لذلك.

يعني أنّها أنا.

ليست أنتِ. ثمّ أن اسمها قد لا يكون شارلوت.

لمَ لم تعد تأتي إلى المقهى؟ انقطعتَ بعد حديثنا أول مرة حين أوصلتني إلى هنا.

بلى، أتيت كل يوم بعد حديثنا، لكنك من لم يأت. لم أعرف أنك كنتِ في الجنوب مع صديقتك. ظننت أنك لم ترغبي برؤيتي بعد لحاقي لك وحديثنا.

لكني غبتُ لأيام قليلة ثم عدت لأتواجد يومياً، أشتغل على اللابتوب كالعادة.

لم أعرف. لا بأس.

أريد أن تحكي لي ما كتبته عني.

ليس عنك!

لا يهم.

أوكي، سأحكي لك بعضها.

لا، لا تحكِ، اقرأها كما هي.

لم أكن أرغب فعلاً في قراءة ما كتبته عنها، لها. جيّدٌ أنها لم تصرّ ولم تُطل الموضوع، فقد انتهى هنا، حين قالت جملتها الأخيرة وهي متوجّهة إلى زجاجة النبيذ على الطاولة الواطئة لتصبّ لنفسها كأساً آخر، وتسألني إن أردت كذلك كأساً آخر، وتأتي بالزجاجة وتصبّ لي، فلا بدّ لها أن تفرغ قبل اعتلائنا سريرها.

انقطعنا عن حديثنا الذي بدا منفصلاً زمانياً ومكانياً عمّا نحن فيه الآن وعمّا أتينا لنفعله، الحديث الذي بدا كمقدّمة لا بدّ منها لما سيأتي، كي لا تبدو غاية كلٍّ منّا مفضوحة للآخر، وإن كانت، بانفضاحها، ستبسطه.

عدنا ثلاثتنا، هي وأنا والزجاجة وقد فرغت إلى منتصفها، إلى الكرسيين والطاولة. جلسنا متقابلين، ننظر في عيني بعضنا وقد كانت عيناها دامعتين ناعستين مرتعشتين متأثرتين بما هو أكثر من النبيذ والسنغريا. أنظر فيهما، في شفتيها القلقتين ورقبتها النّقية وامتداد هذا النّقاء إلى صدرها الشّاسع. ننظر ونتحدّث ونشرب.

شارلوت أمامي مستويةً تماماً، متهيّئة تماماً لنتنايك، لهذه اللحظة وقد كانت أوّل ما خطر لكلينا، أقصد لها هي كذلك، حين قرأنا معاً في البار مسج ميلاني، ونظرنا إلى بعضنا مبتسمَين، ونحن نعرف أنّنا بعد ساعة أو اثنتين سنكون هنا، وبهذه الحالة، والرّغبة تسيل من عينيْنا كالدّموع.

 

اليوم هو الجمعة. ربما أكون مخطئة، فقد يكون السبت.‏

يا للحماقة!‏

لِمَ لا يكون الأحد أو الإثنين؟

ليس هذا بشيء يستحق التفكير أو حتى مجرّد النظر إلى التقويم الذي لم أعد أتذكر إلى أي عام يعود أو لماذا ابتعته.‏

كان صوته الشيء النديّ الوحيد الذي أثار اهتمامي وسط جفاف الأشياء ورتابتها. نداؤه هذا الصباح سحق كلّ هاجس أو فكرة. قال لي:‏

-أما زال هناك مكان لي في مخبئنا الصغير أم أنك مللت الانتظار؟

-غبت طويلاً.. طويلاً جداً.‏

-لكن عدت كما وعدت. قال هذا ثم اختفى صوته مخلفاً جواً من الانتظار العذب بعث فيّ دفء أيام الطفولة عندما كنا نقضي ليلة العيد وملابسنا الجديدة تشاركنا السرير، وارتقاب الفجر وقبلات العيد والأراجيح والحلوى والحرية الموعودة.‏

كلّ محاولاتي للتشبث بالوقت ذهبت مع صوته. لم يترك لي سوى الصمت وصوت احتكاك حبال أراجيح العيد.‏

كان الفجر هناك عند النافذة، يلملم نعاسه، تفوح منه رائحة شتاء متعب شعرت به يتسلل إلى داخلي حتى استغرقت في نوم عميق.‏

أحسست باطمئنان واثق، فالنوم هو ما تمنّيته منذ زمن بعيد. حلمت بأشياء جميلة. ليس مهماً ما هي، إلاّ أنها كانت جميلة بالتأكيد.‏

لم أكن أفكر بشيء يمكن أن يخدش تلك الأحلام لولا قرعات الباب القوية التي تجاهلتها أكثر من مرة استسلمت لها بعد أن فشلت في الإمساك بآخر حلم!

حاولت النهوض لمعرفة الطارق لكنّ ساقيّ خذلتاني.‏

تحسستُ جسدي. لم أستطع تحديد مكانه. فكان يرتفع تارة وينخفض أخرى والسرير هو الحد الفاصل بين الأعلى والأسفل..‏

شعرت بفراغ ثلجي يهبط إلى أعماقي وكأن تفاصيل الزمن التي أخذت بخناق الظلام وشكلت معالمي يوماً ما كانت معبأة في علبة انفتحت وتناثر ما فيها في غفلة من الأشياء.‏

انفتح الباب وأقبل نحوي شخصان لم أميز سوى جسديهما. كنت سعيدة بذلك النعاس اللذيذ الذي انقدت إليه بسهولة. لذا لم تكن لدي رغبة في معرفة الوجوه.‏

استفزتني نظرات أحدهما وهي تحدق إلى وجهي بعناد وقح. فتحت عينيّ. كان وجهه بلا وجه! لم يكن غير هيكل عظميّ مدّ كفّه العظمية إلى وجهي بتردد وأغمض عينيّ.‏

فتحت عينيّ برغم الأسئلة التي تزاحمت في رأسي. نسيت وأنا أنظر إلى ما تبقى من وجهه، أن أخاف أو أن أتكلم أو حتى أن أصرخ. لقد تجسدت الأفكار والتنبؤات والأشياء غير المؤكدة في هيئة هيكل عظمي توشح بالسواد.‏

أعاد النظر إلى وجهي بخوفٍ تغلغل إلى شرايين حنجرته فجاءت نبرته مرتعشة وهو يردد كلمات من خلال فكّين عاريين يرتجفان.‏

تجاهلت كل تلك الكلمات وتعلقت بخيط السعادة الذي تبثه في وهي تنظر إلى الوراء بترفع غريب.‏

كان قرص الشمس قد حضر أيضاً. كان جميلاً ومغرياً كرغيف حار تصوّرت أني أستطيع قضمه كما في الرسوم المتحركة. ضحكت من نفسي وأنا أرى الشمس تدغدغ وجهي. في لحظة ماء، لكنها غير معروفة على وجه التحديد، حملني الهيكلان العظميان إلى خارج الغرفة. استدرت، وجدت الشمس تغادر مكانها وتتسلل إلى داخل التقويم لتبقى هناك. فرحت، لأن ما ظننته قد حصل تماماً مثلما توقعت: أن نكون شيئاً غير مرغوب فيه وليس هناك ما يؤسف عليه.‏

كانت الشوارع شعثاء وكأن هناك حدثاً يموّه الأشياء، لنقل يجعلها أكثر سطحية. فتشت عن الآس الذي زرعناه عندما كنا أطفالاً حول مخبأ لعبنا إلاّ أني لم أجده. أتذكر أنه قال لي:‏

-عندما أعود سنجد الآس رفيقاً نداعبه ونحن نسير معاً.‏

أقسمت له حينها بأنّي والآس لن نكبر من دونه.‏

-والزمن؟ قال هذا بدهشة طفل ذكي.‏

سنختبئ منه بانتظارك.‏

خطر لي أنّنا وُلدنا في زمن موغل في القدم وأن الآس والانتظار ماض يداعب شغاف القلب والذاكرة، إنّا لم نكن صغاراً أو كباراً أو قد نكون نسينا الأيام خلف مخابئ اللعب.‏

منذ الوهلة الأولى، بدأ حاجز رهيب ينمو بيني وبين هذه المدينة الموحشة. كان الضجر يلف كل شيء.‏

رأيت صفاً يقف أمام محل قصاب اعتقدت أني أعرفه جيداً.‏

ناديته: يا عم! يا عم!‏

لكنّه تظاهر بعدم السمع وعندما استدار لم يفعل سوى الانحناء.‏

كان هيكلاً عظمياً هو الآخر!‏

كنت أستنجد بالذاكرة والنسيان معاً وأنا أرى الليل قد جثم هناك بلا رحمة حيث تعرت الحياة وبدت فارغة إلاّ من الموتى!‏

‏أخذ الجمع العظمي المكتسي بالسواد يلتف حولي مشكلاً غمامة سوداء.‏

لم يكن يبدو أن أحدهم يعرف الآخر أو يكترث لوجوده. كلّ واحد منهم كان وحيداً بطريقة ما.‏

كنت قادرة على التكلم بصوت واثق وخلق كلمات جديدة.‏

تحدثت بكل ما أعرفه لكني عبثاً حاولت إيقاظهم. كانوا يثيرون حزني. شيء ما في داخلهم قد هرم وتحجر. كنت أقول لنفسي لا بدّ أن هناك شيئاً كبيراً مفقوداً.‏

كانوا لا يسمعونني. شعرت بصوتي مكسوراً حتى بكيت. توقفت عن البكاء. تذكرت أن الكبار لا يبكون! ترى لمَ على الكبار أن لا يبكوا؟‏

كانت أمي تقول لي: عيب عليك، “الكبار لا يبكون”.‏

منذ ذلك الوقت وصوت أمي يطاردني “الكبار لا يبكون”.‏

ربما ما زلت طفلة!!

كان الموكب الذي حملني يمر بأزقة وحدائق مقفرة وكأنهم بذلك يقولون لي “لا يوجد ما نحزن من أجله”.‏

“البرق يلمع أولاً ثم يهطل المطر”، سمعت هذا مرة. لكن البرق كان شديداً ولا مطر.. كنت يائسة وعلى وشك أن أغمض عينيّ عندما رأيت وجهه يطل مع الشهقات الأخيرة للبرق.‏

خجلت من التحديق إلى عينيه إلى ما لانهاية. كان حضوره كثيفاً كالمطر الذي بدأ يهطل. عندها سار بي الهيكلان العظميان بموكب إلى خارج المدينة حيث لاحت في الأفق أغصان آس. صرخت مهللة.‏

الآس أخيراً!!!‏

***‏

-داعبت وجهك بالآس لأوقظك. كنت تحلمين. أليس ذلك؟‏

فتحت عينيّ. وجدته جالساً على حافة السرير يحمل غصن آس.‏

-كنت أحلم بك. كنّا صغاراً.. بل كباراً. لا أعرف بالضبط.‏

كانت هناك مدينة هياكل عظمية. وكنت حزينة ووحيدة، وكـ… توقفت عن الكلام عندما رأيت ابتسامته تسكت الكلمات..‏

قلت له بخجل: أعرف أنك تسخر مني.‏

نظر إليّ بحنو ثم همس في أذني: أبداً. أنا رأيت هذا أيضاً.

 

أوقف أبو مصطفى عربته بمحاذاة الرصيف وربّت بيد كبيرة متشقّقة على رأس الحصان ثم قصد الدكان القريبة، وابتدأ يحمل على ظهره الاكياس الملآى بالحطب، وينقلها الى العربة. وكان الحصان حانقاً دونما سبب. وقد تبدد غضبه قليلا حين عثر على قطعة من قشور البطيخ، فَمَضى يقضمها بسكينة.

وتنبه فجأة الى أن ثمة ولدًا صغيرًا يقف على مقربة منه، ويرمقه مبتسمًا. فقال الحصان لنفسه: “أنا لا أعرفه وسأرفسه إذا دنا مني. سأرفسه رفسة قوية تكسر رأسه”.

وانتهى الحصان بعد حين من مضغ قشرة البطيخ، فانتابه الاسف لانتهائها، وراح يتطلع بغيظ الى الولد وهو يقول لنفسه: “سأرفسه”.

وكان أبو مصطفى في تلك اللحظات مازال منهمكاً في نقل أكياس الحطب ووضعها على سطح العربة٠ وأحس الحصان بالتعب، فقال لنفسه متذمراً: “العدالة مفقودة”.

وكان الحصان قد ولد في المدينة، وقضى حياته كلها في طرقاتها المفروشة بالأسفلت، ولم يغادرها مطلقا. وكان يعرف أن أجداده القدامى كانوا يمرحون طلقاء عبر البراري الشاسعة حيث لا أبنية فيها ولا جدران من حجر، ولكنهم ماتوا جميعاً.

وانحنى الولد، والتقط قشرة بطّيخ كانت بمنأى عن الحصان ثم اقترب على مهل، فَهمّ الحصان بالتراجع غير أنه تريث متشجعاً. ومد الولد قشرة البطيخ نحو فم الحصان. فتردد الحصان لحظةً خاطفة ثم تلقفها دهشًا، وطفق يمضغها بغبطة، وسمح للولد بأن يربت على عنقه بيد أنيسة صغيرة.

وأتمّ أبو مصطفى نقل أكياس الحطب الى العربة. وعندما لاحظ وجود الولد قرب الحصان صاح به: “ابتعد يا قرد”.

ثم لوّح بالسوط، مطلقًا صيحةً آمرةً بالمسير، فاندفع حينئذ الحصان الى الامام، يجر العربة الثقيلة بتباطؤ.

وسارت العربة عبر طرقات عديدة، و بلغت بعد حين شارعًا عريضًا تنتصب الأبنية الحجرية على جانبيه ولم تكد العربة تتوغل حتى اعترض طريقها واحد من رجال الشّرطة، فَصَرخَ أبو مصطفى بالحصان بصوت ممطوط: “هش”.

قال الشرطي: “ألا تعرف أن مرور العربات ممنوع في هذا الشارع؟”. فقال أبو مصطفى: “أعرف”.

“ولماذا جئت اذن من هنا؟”

“الحصان.. أنظر.. الحصان تعبان جداً، واذا مررت في هذا الشارع فسأوفّر على الحصان مشيًا كثيرًا”.

فغمر الحصان حنان عارم. وقال الشرطي: “سَير العربات ممنوع في هذا الشارع. انه للسيارات وللناس الذين يسرون على أقدامهم فقط”.

قال أبو مصطفى: “أعرف”.

ولعق شفتيه بلسانه، وأردف قائلاً: “الحصان تعبان وسينقطع رزقي اذا هلك، و أموت جوعاً ويموت  أولادي.. لي أربعة أولاد”.

“ارجع. ولن أعاقبك لمخالفتك النّظام والقانون”.

“لي أربعة أولاد يأكلون حتى الحجر”.

وأطلق أبو مصطفى ضحكة قصيرة جافة وكأنّها مدية صغيرة شرسة، ثم أضاف قائلاً: “سأقول الصدق.. أنا لا أخاف على الأولاد إنّما أخاف على أمهم”.

 فقال الشرطي متسائلا بفضول: “ولماذا تخاف عليها؟”

وكانت الاشجار خضراء على جانِبَي الشّارع، وتمتدّ في الأعلى سماء رحبة زرقاء. وأجاب أبو مصطفى: “أخاف أن يأكل الأولاد أمهم إذا جاعوا. أسنانهم فظيعة”.

ومرّت سيارة تسير بسرعة كبيرة، فَنَفخ الشرطيّ في صفّارته، فَلَم تتوقف السيارة، واستطاع الشرطي أن يلمح رقم لوحتها قبل أن تنأى عن بَصَره، فسجّله على غلاف دفتره. والتفت الى أبي مصطفى محتقن الوجه غيظاً، وقال له: “هيا ارجع”.

“دعني أمرّ هذه المرة فقط”.

 فقال الشرطيّ بصرامة: “ألم تسمع ما قلت؟ ارجع”.

“مرّة واحدة فقط”.

“ارجع. القانون قانون ولا فائدة من التوسّل”.

“الحصان تعبان”.

“هيا ارجع”.

“الله يحفظك لأمّك”.

“الله لا يحفظني، أنا لم أخترع القانون. أنا أنفّذ أوامر صادرة إليّ، وأنت يجب أن تطيع هذه الاوامر”.

فلم يفه أبو مصطفى بكلمة إنما تخيل القانون مخلوقاً ضخماً له آلاف الأيدي: القانون يأمر الشّرطيّ فيطيع الشّرطيّ، ويأمر الشّرطيّ أبا مصطفى ويجب أن يطيع أبو مصطفى الأوامر.

ووقف أبو مصطفى مترددًا هنيهات، فصاح به الشّرطيّ: “ارجع. واذا لم ترجع حالا فستندم”. فاتجه أبو مصطفى نحو العربة، وكان غضب الحصان عندئذ قد بلغ الذروة، فجمع قوته كلها، واندفع جامحًا الى الامام، فبوغت الشرطي بالعربة المندفعة نحوه، وحاول أن يقفز الى الرصيف، فلم يتمكن، وصدمه الحصان، فسقط على الارض منطرحاً على ظهره، ووطأت صدره سنابك الحصان ثم مرت فوقه عجلات العربة وتخضبت بالدم الاحمر. ودهش الحصان حين رأى صاحبه لم يبتهج إنما امتلكه الذعر والوجوم ثم انطلق يركض هارباً. وبعد لحظة توافد الناس مهرولين، وتحلّقوا حول العربة، يتألق في عيونهم الخوف الممتزج بالشهوة الخفية، كأن الشرطي المسحوق ليس إلا جسد امرأة جميلة.

ولم يتفرق الناس الا عندما حضر رجال الشرطة، وبادروا الى اعتقال القاتل. وَكان القاضي عادلا، فسيق الحصان في فجر أحد الايام الى ساحة رئيسية خيل الى الحصان أنها ما تبقّى من البراري.

ووقف الحصان مبتهجاً لأنّه قبل وصوله الى الساحة قد اجتاز شوارع عريضة كان يُمنع من السير فيها من قبل، ولكن بهجته لم تدم طويلا اذ تدلى بعد حين مشنوقًا.

(من مجموعته القصصية “الرّعد”، 1970)

 

1

 منذ ثلاثين عامًا وتزيد. تعرّفتُ إليه وهو في الرابعة والعشرين، وكان تخرّج للتوّ من مدرسة السياقة في المدينة. في بطاقة هويته كتبوا إلى جانب المهنة: “سائق باص”، وكانت هذه كفيلة، إلى جانب صورته البراقة، بأن تدخلني إلى قفص الزوجية الذي بناه لي، في قريتنا الجميلة النائية.

كنتُ في أثناء الخطوبة أحلمُ ليلَ نهارَ بالرحلات وبالفُسح الجميلة والطويلة التي سنقضيها سويةً، ولم أفهم حتى اليوم ما قصدته أختي الكبرى في إحدى ليالي السمر الصيفية على سطح البيت، حين قالت لي بدلع وحياءٍ مكظومٍ وصوتٍ مكتومٍ: “كرسي الباص الأخيرة طويلة، ولن تنسي طعمتها”.

قبل الزفاف بيومين، حين تجمعت كل صديقاتي في القرية لليلة الحناء، أخذنَ جميعهنّ بالتندر على شكلي وأنا جالسة في الكرسيّ الأول من وراء زوجي، وهو يصطحبني في رحل ونزهات كُنّ جميعهنّ يحلُمن بها. إحداهنّ حلُمت بالذهاب إلى القدس، والأخرى إلى يافا والثالثة قالت بتأكيد غريب: “بانياس أجمل الأماكن في العالم! دعيه يأخذك إلى البانياس”.

لم نفهم وقتها تأكيدَها القاطعَ هذا وسألناها عمّا إذا كانت ذهبت إلى البانياس، فأجابت بأنّ أخاها كان هناك قبل سنة وقال إنها أجمل الأماكن في العالم. وضحكنا حتى دمعت أعيننا… ثم قالت أختي الصغرى بحسد واضح وافقها الجميع عليه: “أنتِ ونحن نسمع بالأماكن والرحلات، بينما ستكون أختي هي الوحيدة التي سترى هذه الأماكن بحق وحقيقة”.

وتنهّدتُ بفرحٍ وخوفٍ كبيريْن.

2

أستيقظ في كلِّ صباح في الخامسة فجرًا. أطبخ لنفسي غلاية صغيرة من القهوة السوداء الحلوة وأستقبل الشمس القادمة من رحلتها وهي حمراء ناضجة نضوج التين “الحمّاري” في كرم والدي المرحوم. أشربُ قهوتي بصمت ولا أضايق الشمس الآتية من رحلتها اليومية. لا شكّ في أنها مرهقة جدًا الآن، ولا تنقصها ثرثارة مثلي لتروي لها عن حياتها مع زوجها سائق الباص. أشربُ القهوةَ وأحلمُ برحلات الشمس اللانهائية، وأتمنى لنفسي واحدةً منها على الأقل.

في تلك الهنيهة الصباحية لوحدي، أكتشفتُ لوحدي، أنّ الشمس تزور عمليًا كل العالم في 24 ساعة، كلّ يوم! ما أقواها وما أجمل حياتها، هذه الشمس. تطوفُ كلَّ العالم لوحدها، ومن دون كلل أو ملل، تطوفُ ولا تتعبُ، تمامًا مثلما وعدتْني أمّي قبلَ أن يأتي أهل العريس ليأخذوني من بيت أهلي بساعة. ثم مالتْ عليّ قليلاً وقالت بتوسّلٍ لم أعتقد أنه سيبدرُ عنها يومًا: “إبقي اذكريني في رحلاتكم الجميلة”.

عندما يستيقظ زوجي تكون غلاية القهوة الثانية قد نزلت للتوِّ عن قرص النار. لا يُنظف أسنانه أبدًا ومع ذلك فإنها ناصعة وقوية مثل أسنان الحصان. أمي كانت تقول دومًا إنّ زوجي يأتي من عائلة كل رجالها مثل الخيل: أقوياء وأصحّاء وأسنانهم كبيرة وبيضاء. حتى إنّ أبي المرحوم لم يُخفِ حماسَه من أحفاده الذين سأنجبهم له، لأنهم “سيُولدون كالخيل، يرفعون الرأس إلى أعلى”.

ومع ذلك وددتُ لو ينظف أسنانه، خاصةً في الصباح، حين يهمّ بي أحيانًا، وأنا أيقظه، فيشدّني من يدي ويستلقي فوقي على السرير ولا يكترث بشيء. لا ينتظرني حتى لأستيقظ كما يجب، أو لأغسل وجهي. وما أن أستيقظ كما يجب حتى يكون قد انتهى من اللهاث السريع ذي الرائحة الكريهة، فينكفئ على الجانب الآخر ويسأل بهدوء: متى ستنهضين؟

ولكنني ربّيتُ أبنائي على تنظيف أسنانهم. لا أريد لأيٍّ منهم أن تتضايق منه زوجته في الصباح أو قبل النوم. على أبنائي أن يكونوا رجالا أصحاء وجميلين وحسّاسين لنسائهنّ. ولو كانت وُلدت لي ابنة -كما أملتُ دائمًا- لكنتُ صنعتُ منها أفضل امرأة في الدنيا. ولكنتُ بعثتُ بها إلى الجامعة وعادت إليّ طبيبة تطبّب لي عظامي المتفكّكة ومفاصلي التي بدأت تلتهب. طبيب القرية قال لي إنّ عليّ أن أريحَ جسدي وأن أتوقف عن القيام بأية مشاغل صعبة. الحمار. لا يكفي أن يذهب المرء إلى الجامعة ويصبح طبيبًا، عليه أن يكون ذكيًا أيضًا وفطينًا. ومن سيقوم بكلِّ مشاغل العائلة والبيت؟ هو؟ لو وُلدتْ لي ابنة وصارت طبيبة أفضلَ منه بألف مرة لكانت علّمته درسًا في الحياة يسوى كل المعدات الباردة التي يضعها على جسدي عندما أذهب إليه. يضعها ويطيلُ وضعَها ولا أتبرّم لسببٍ لا أعرفه.

3

خمسة أبناء وكُلهم رجال متعلمون مثل الورود الحمراء البراقة في لحظة صفاء نادرة. أنظر إليهم ولا أتحسّر إلا على المرات التي لم أقبّلهم فيها أكثرَ مما قبّلتهم، لا أتحسّر إلا على المرات التي كنتُ أعلم أنهم يقظون فيها يدرسون وأنا خالدة للنوم.

البكر مهندس والثاني معلم والثالث ممرض والرابع تاجر في سوق يسمونها البورصة والخامس يعمل في بنك القرية. ما زال أعزبَ “قريد العشّ”. الوحيد الذي لم يستقرّ في بيت له، ولكنني أتمنى بيني وبين نفسي أن يتأخرَ قليلا أكثرَ، كي يُؤنسَ وحدتي في العصريات الطويلة التي يكون فيها زوجي غائبًا، يسوقُ الباصَ آخذًا أربعين أو خمسين شخصًا في رحلة جميلة.

المرة الأولى التي ركبتُ فيها الباص كانت بعد الزواج بيوميْن. كان ما زال فرجي يؤلمني من ليلة الدخلة، وكنتُ كلما تذكرتُ اللحظة الأولى أهرعُ للتقيؤ في المرحاض، متعللة بأمٍر ما قد أكون أكلتُه في ليلةِ الزفاف. ولكنني كنتُ على الرغم من شعوري هذا أنتظر بلهفةٍ ركوبَ باص الشركة الذي يسُوقه زوجي وأن نمضي معًا في رحلات طويلة نلحق بها أثر الشمس الغائبة، فلا تغيبُ. في المرة الأولى ذهبنا في الباص إلى المدينة المجاورة وتعشيْنا سمكًا مشويًا. كان لذيذًا، واستغرقني أسبوع حتى علمتُ فيما بعد أنّ هذه “الرحلة” كانت شهر العسل الذي يتحدثون عنه.

لم آبه كثيرًا بشهر العسل القصير، فقد كنتُ متأكدة من أنّ شهورًا من هذا العسل آتية لا ريب فيها. بعد أربعة أيام عاد زوجي إلى العمل. ولمّا عاد، طلب مني أن أنظف الباص الذي ملأه الطلاب الملاعين بالمُسليّات والمُكسّرات والقيءِ. نظفتُه كما لو كان غرفةَ نومِنا. عادَ يلمع مثل البلّور وعاد فرجي يؤلمني في تلكَ الليلةِ تمامًا كما في الليلةِ الأولى. ولكنني لم أنبس بكلمةٍ؛ فغدًا سيأخذني إلى رحلةٍ جديدةٍ.

4

صارَ ينطلقُ في كلِّ صباح إلى عملِه، إلى رحلاتِه، ولا يعودُ إلا في المساء. وبعد أن يتعشى، آخذُ أدواتِ التنظيفِ وأصعدُ إلى الباصِ الطويلِ وأُعمِلُ فيه تنظيفًا، حتى يعودَ جديدًا كما خرجَ من الشركةِ. مع الوقتِ صرتُ خبيرةً بالنفايات التي أجمعها من الباص، وبواسطتها صرتُ أتكهّنُ بأعمار المسافرين وطباعِهم وأهدافِ رحلاتِهم. في مراتٍ كانَ يعودُ الباصُ نظيفًا إلا من بعضِ الأوراقِ البيضاءِ المكتوبةِ عليها كلماتٌ بلغةٍ لا أعرفُها؛ في مراتٍ أخرى كان يعود مليئًا بأغلفة المسليات والنقارش وعلب المشروبات الخفيفة الفارغة، وبعض القيء هنا وهناك.

ومع الوقت أيضًا لم أعدّ أحسّ بأية آلامٍ عندما يهمّ بي، كأنّ مصدر الألم انطفأ إلى الأبد، ففرحتُ لانطفائه ولم أزل.

عندما ولدتُ الأول، وعدني زوجي سائق الباص برحلةٍ خلابةٍ أستعيد فيها عافيتي وأعوّض على ولادتي العسيرة الأولى. ولكنه نسي، بعد أن توفت حماتي من ولادة البكر بثلاثة أيام، وأنا خجلتُ من أن أسألَه عن الرحلةِ الموعودةِ، لأنه صار يعودُ في أغلبِ الأحيانِ غاضبًا ومُزمجرًا ويبرطمُ بعباراتٍ فيها شتائم ومسبّات على صاحب الشركة وعلى زملائه وعلى ظروف العمل المهينة. عندما وُلد الثاني لم يقترح أية رحلة، وأنا لم أفاتحْه بالموضوع؛ فالولادة الثانية كانت سهلة نسبيًا للأولى، ولم أعتقد بيني وبين نفسي أنني أستحق رحلة في باص زوجي على ولادةٍ سهلةٍ.

بعد أن ولدتُ الثالثَ تيقنتُ نهائيًا من أنَّ الرحلةَ التي أنتظرُها لن تأتي أبدًا. كيف سنخرجُ في رحلةٍ جميلةٍ وطفلي رضيعٌ والطفلان الآخران يبكيان لأتفهِ الأسبابِ؟

كنتُ استقبل صديقاتي الفرحات العائدات من رحلاتهنّ مع أزواجهنّ إلى القدس ويافا وبانياس وأبتسم تأدبًا، وأنا أستمع إلى تفاصيل مثيرة وأخرى مملة لا يتعبنَ من تردادها، وأتجاهل الواحدة منهنّ حين تقول على حين غرة: “ألا تحديثننا عن رحلاتك في الباص الجميل”؟

ومن دون أن أدري تحوّلت علاقتي مع الباص إلى علاقةِ دلوٍ مليءٍ بالماءِ والصابونِ، ومكنسةٍ وبعض أقمشيةٍ باليةٍ. في كلِّ يومين أو ثلاثة أصعدُ إليه وأمسحُ بقايا القيءِ والأكياسِ التي خلّفها الصغارُ خلفَهم. صرتُ خبيرةً في أنواع الأكياس وألوانها وأسماء المسليات التي بها، وهكذا صرتُ أشتريها لأبنائي عندما يهمّون إلى رحلةٍ مدرسيةٍ. كنتُ أملأ حقائبَهم بأشهى المُسلّيات وأودّعُهم دامعةً وهم يركبونَ الباصَ في الرحلةِ المدرسيةِ التي لم يكونوا ينامون في الليلة التي تسبقها. كنتُ أسمع همسَهم في الليل وهم يتجاذبونَ أطرافَ الجّمَلِ حول المكان الذي سيذهبون إليه وحول زملائهم وما اشتروه وكيف أنني دائمًا أشتري لهم أفضلَ المسليات، إلا أنهم كانوا يُجمعون دائمًا على أنّ زوجي أفضلُ رجل في الدنيا لأنه يأخذهم في رحلات المدرسة ويحفظ لهم دائمًا المقعد الأخيرَ الطويلَ.

وكنتُ أتقلّب في سريري وأنظر إلى السقفِ المعتمِ وأتذكرُ أنّ خالتَهم أيضًا كانت من مُحبّي المقعدِ الطويلِ في الخلف، مع أنها هي الأخرى لم تُجرّبه في حياتها.

في كل صباح كانوا يخرجون إلى المدرسة في الباص الكبير، الذي عتق وصار مهترئًا، ويتركونني لوحدي على قارعةِ المدخلِ ألوّحُ بيدي وأستنشقُ رغمًا عني دخانَ “الديزل” الأسودِ الكريهِ.

عندما وُلد الرابعُ حصل زوجي على باص جديد من الشركة. كان منظرُه خلابًا ونظيفًا وجديدًا؛ كان يعبق براحةِ أغطيةِ الكراسي الجديدةِ وكدتُ لفرطِ اندهاشي أن أقعَ إلى الخلف عندما قال لي زوجي بفخرٍ إنّ به فيديو وتلفازًا! ولكنّ فرطَ الدهشة جعلني أيضًا أندفعُ إلى الخلف مُروَّعَةً فاندلق دلوُ الماءِ والصابونِ الذي أحضرتُه لتلميعِ الأرضيةِ اللماعةِ أصلاً، فتوسختِ الأرضُ بالماءِ ووسّخَ قسمٌ منه أرجلَ أبنائي الواقفين خلفي، فاندهشوا وتريّبوا! فلطمَني زوجي بيده على وجهِي، كما يفعلُ عادةً عندما يغضبُ، وصاحَ: يا بقرة! ألا يليقُ بكِ حتى باص جديد؟

لم يفعل أبنائي شيئًا، بل نكّسوا رؤوسهم وخرجوا بصمتٍ من الباص، تاركينني أمسحُ دموعِي وأمسحُ الماءَ عن أرضيةِ الباصِ بسرعةٍ وحرصٍ كبيريْن، كي يتركني بحال سبيلي، فالأولاد يروْن!

منذ تلك اللحظة صرتُ أكره هذا الباص الجديد. أنظفه رغمًا عني، وبكسل واضح. حتى إنني كنتُ “أنسى” في كثير من الأحيان أكياسًا صغيرة أو بقعة قيء أعرفُ أنّ رائحتها ستزكم أنفه في اليوم التالي. لم يكن يهمّني؛ لو كان يهتم بتنظيف أسنانه لاهتممتُ به أكثر!

5

بدأ الأبناءُ بتركِ البيتِ للدراسةِ وصرتُ أحترفُ الجلوسَ عصرًا عند مدخلِ البيتِ أنتظرُ شبحَ الباص الجديدِ. وقد أحسَنَ بِكري صُنعًا -وأيّما إحسانٍ- حين ركّب على سطح المنزل صحنًا كبيرًا مُدوّرًا قال إنه يزيد على القنوات في التلفاز أكثر من 100 محطة، فلم أصدّقه إلا حين أخذَ يقلّب بينها، وقامت قيامةُ الأبناءِ الآخرين وزوجي، كلٌ يريد أن يشاهد محطة بعينها، إلى أن صاحَ زوجي ونهرَ، ثم أخذ يقلّب حتى وصل محطةً كان فيها رجلان يصرخان على بعضهما البعض. بعد برهة قال “قريد العش”: “هذه محطة اسمها “الجزيرة”. “محطة أخبار”.

ولكنني لم أحبّ “الجزيرة” يومًا، فهم يصرخون على بعضهم البعض طيلة الوقت. كنتُ أحبُّ مشاهدةَ الأغاني وبرامج التطبيب بالأعشاب والمسلسلات العربية. لا أعرف حتى الآن كيف صمدتُ طيلة الوقتِ من دونِ هذه المسلسلات. وأكادُ أقسمُ بأنني أذكرُ حلقاتٍ كاملةً من مسلسل “مفيد الوحش” و”الجوارح” عن ظهر قلب؛ فما أن ينتهي بثّ حلقاتِ المسلسلِ على قناةٍ ما حتى تبدأ قناةٌ أخرى ببثها، لتعيد القناةُ الأولى ببثها من جديدٍ في الليل المتأخرِ، وقناة أخرى وأخرى وهكذا، حتى استغنيتُ عن أية صلة بما حولي وصرتُ أنا والصحن المدوّر الكبير أعزّ صديقيْن: أنا أؤنس وحدته في الصالة، وهو يأخذني في رحلات لم يكن ليحلم بها أيّ سائق باص.

كان كلما يطلّ زوجي من بعيد تعودُني ذكرى الألم القاتل إياه من ليلة الدخلة، فأهرع للتقيؤ خلف البيت. فيما بعد قال لي الطبيبُ إنّ عندي جرحٌ في المعدة وإنّ القيءَ الدائمَ الذي ينتابني سببُه موادّ التنظيف التي أستعملها، فنصحني باستبدالها، فاستبدلتُها. ولمّا لم يتوقف القيء قال يائسًا: المهم ألا تأكلي كثيرًا، فتتقيّئين أقلَّ. وهكذا صرتُ آكل قليلاً، وأتقيّأ قليلاً وأنحف كثيرًا، وصرتُ أسمح للطبيب بأن يطيلَ وضعَ أدواتِه على جسدي كيفما شاء، وأحيانًا كان يستغني عنها ويتحسس مواضع الألم بيديه، مرتعشًا حتى يهدأ.

6

عندما رأيتُ هذه القطعةَ المطاطيةَ الطويلةَ لم أفهم ما هي. كما أنني لم أتيقن من هذا السائل اللزج المحبوس بداخلها. كانت القطعة المطاطية ملقاة في نهاية الباص على الكرسي الأخير الطويل، نفس الكرسي الذي قالت لي أختي قبل دهر من السنين إنني لن أنسى طعمَه. عندما تعرفتُ على رائحة السائل اللزج لم أتمالك نفسي فتقيأتُ على الكرسي ووسخته شرّ توسيخ. ثم صرتُ بعد هذه الحادثة أفتعل النوم في تلك الصباحات التي يأتيني فيها من الخلف، فيبلغ مشتهاه وأنا “نائمة”- فأريحُ وأستريح!

7

أجلسُ في كل صباح لوحدي، في الخامسة صباحًا، وأسأل الشمس بصمت عن رحلتها الطويلة. أنظر إلى الباص الذي يقودُه زوجي في رحلاته الكثيرة وأودّ لو أسأله عن الأماكن التي زارَها وعن الناس الذين رقصُوا وغنّوا على مقاعدِهِ ليومٍ كاملٍ. حتى أبنائي الذين أحبُّهم أقلّوا من زياراتهم وهُم لاهون عني بزوجاتهم وأحفادي الذين أنتظرُهم بفارغ صبرٍ.

ومنذ أن وُلد أحفادي وكل أبنائي وزوجاتهم يغيبون في رحلات طويلة، لا يشبعون منها، وأنا أنتظرهم دائمًا ليعودوا إليّ بخِمار شتوي أو بقطعةِ قماش أخيّطها على ذوقي. أبنائي أشبه ما يكونون بالرحّالة، يحبّون الرحلاتِ أكثرَ من أيّ شيءٍ آخرَ. فهكذا علّمتُهم وهم صغار: لا تفوّتوا رحلةً في حيواتِكم، ولا تفوّتوا فرصةً للسّفر مهما حييتم. اسمعوا مني، فأنا أمّكم وأعرف أكثرَ منكم في الرحلات!

صرتُ أرحلُ كيفما أريدُ وأينما أريدُ، وأنا جالسةٌ في مقابل القنواتِ الكثيرةِ حتى صرتُ أكرهُ الرحلاتِ الحقيقيةَ والباصَ وزوجي، وصرتُ أقلِل من الخروج إلى الشرفةِ أو مبارحةِ مكاني في الصالة. بعد أن أنهكني المرضُ وداءُ المفاصل، موّل لي التأمين الوطني مساعِدةً تأتي لتعينَني على مهمّاتي الحياتيةِ ولترتبَ المنزلَ المُقفرَ. فـ “قريد العشّ” قرّرَ السكنَ في المدينة، حيث يسكن أخُوه الكبير، “ففرصُ العمل هناك أكثرَ”.

صرتُ أجلسُ ساعاتٍ وساعاتٍ، أسافرُ في أيةِ رحلةٍ أريدُ، وفي أيّ باص أختارُ، وعبرَ أيّ مسلسلٍ أرتئيه. ومع أنّ نظري خفّ كثيرًا وسمعي أكثرَ، إلا أنني ظللتُ قادرةً على التمييز بين الصُور والأحاديثِ وأطيافِ الأماكنِ التي أراها على الشاشة.

وهكذا سمعتُ صوتَه من الداخلِ يصيحُ: “إلحقيني، إلحقيني، عَم بموت!!” إلا أنني لم ألحقه ولم أفعلْ شيئًا. ماذا يريدُني أن أفعل؟ ثم إنّ نداءاته خفّتِ الآن، ثم توقفتْ تمامًا. أعتقد أنه نامَ الآن. فلينمْ، ماذا يريدُ مني أن أفعلَ؟ فلينتظرْ. فأنا الآن في رحلة وعليه أن ينتظر ريثما أعود.

كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، واتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

 لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلا ميّتا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له:

قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


*من المجموعة القصصيّة “الطلبيّة C345″، منشورات المتوسّط، ميلانو، 2018.

 

ما إن لمح صديقة القادم من الوطن في صالة الاستقبال في المطار، حتى بادره سائلاً إياه:

* هل أحضرت الأمانة؟

مد صديقه يده إلى حقيبة معلقة على كتفه ثم قال وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:

* لقد دوختني بمكالماتك وقولك: “أحضر لي حفنة تراب.” ألم يغترب أحد غيرك يا رجل؟!

ثم أخرج من حقيبته كيسا مليئا بالتراب.

نظر بوجه يخلو من أي مشاعر إلى صديقه الذي قدم لتوه من الوطن، تناول كيس التراب ثم توجه صامتاً إلى القطار.

بقي صامتاً في القطار أيضا، لم يكن يسمع قرقعة عجلات القطار على السكة ولا ضحكات مجموعة من الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزينة بالزمام أو فتيانا يتصايحون فرحا بنصر فريق كرة يؤيدونه. كان يمعن النظر إلى الكيس المليء بالتراب بين يديه.

كان الذين يمرون بقربه على عجل وينظرون إليه، يتخيلونه سكران أو نائما. حتى عندما طلب منه مفتش القطار تذكرة الركوب، أخرج تذكرته من جيبه ورفعها في وجه المفتش دون أن يرفع بصره عن كيس التراب، زم المفتش شفتيه وتغيرت ملامحه وهو يعيد تذكرته إلى يده التي كانت ما تزال معلقة في الهواء.

ثلاثة أعوام مرت وهو بعيد عن وطنه. وفي البلاد الجديدة التي لم تكن لتصبح وطنه صادف مصاعب شتى. قضى سنة بكاملها في سكن للاجئين، وسكن في السنتين الأخريين في منزل أشبه بالكوخ الحقير. لم تسنح له فرصة تعلم لغة البلاد التي وفد إليها، ولم يتمكن من عقد صداقة مع أحد ولم يستطع تأمين عمل يناسبه.

كانت الأيام تمر ثقيلة عليه في تلك المدينة التي لم تكن لتفتح أبوابها له. كان سيجن لو لم يمتلك الهاتف الجوال. ومع أن هاتفه لم يكن يرن إلا نادرا فقد كان يسليه، إذ كان يطلب أرقاما لا يعرف أصحابها ويسارع بالاعتذار قائلا: عفوا لقد أخطأت الرقم! كان يسمع مرات كثيرة أصواتا عنيفة غاضبة تقول: لا تخطئ مرة أخرى! لكنه لم يقلع عن تلك اللعبة لحاجته إلى سماع صوت آدمي والتحدث ولو لثوان قليلة.

كانت دائرة الخدمات الاجتماعية في البلدة تضغط عليه كثيرا ليعمل، لكنه وضع تعلم اللغة نصب عينيه هدفاً أساسياً، ولكن لم يكن هناك أحد ليساعده في تحقيق هدفه ذاك، إلى أن انخرط ذات يوم في البكاء عند موظف الخدمات الاجتماعية الذي يشبه كرة ذات عينين زرقاوين ولسان ألثغ! قال وهو يجهش بالبكاء:

* أرجوك امنحني فرصة تعلم اللغة قبل العمل!!

دخل دورة اللغة لمدة ثلاثة أشهر لم يتعلم خلالها سوى ” أنا فلان، من البلد الفلاني” وبضع جمل للمداولة اليومية.

انهمرت الرسائل القادمة من دائرة الخدمات الاجتماعية مرة أخرى على صندوق بريده البارد الصامت الذي لم يكن ليجد فيه سوى تلك الرسائل الرسمية الجافة الخالية من أي عاطفة!

اضطر لتوزيع الإعلانات، فكان يمشي لساعات في تلك الشوارع الموحشة مثل القبور ليوزع إعلانات للمطاعم والحلاقين وحتى بنات الهوى وكذلك جرائد الإعلانات التي توزع أيام السبت والأربعاء. اسودت أظافر قدميه حتى سقطت. كانت الكلاب في كثير من الصباحات تخيفه بعوائها إذ يقترب من أبواب المنازل ليدس الإعلانات في شقوقها. كان يحس بطعم المرارة في حلقه ثم يكمل مشواره.

ليست الكلاب وحدها، بل أصحاب الكلاب أيضا كانوا يزجرونه قائلين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إليه أو الرد على تحيته الصباحية:

* لا ترم هذه الأوساخ في صناديق بريدنا!!

ثم يستقلون سياراتهم ويمضون.

كان يطأطئ رأسه مضطراً وهو يبلع ريقه ثم يغادر صامتا إلى صندوق آخر.

* * *

توقف القطار في المحطة التي تسبق محطة بلدته، نزل بعض الركاب و صعد آخرون، كانت مجموعة الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزممة ما زلن يضحكن لكن قطيع مشجعي الفريق الذي ربح مباراته الأخيرة نزل من القطار وأفراده يرفعون علب البيرة في الهواء.

نظر إلى تلك الفتيات نظرة خاطفة، ثم عاد إلى التحديق في كيس التراب وشد عليه قبضته كمن يخاف اختطافه، وهدر القطار من جديد.

كان يشعر بالوحدة أنى ذهب. في القطارات، في المطاعم، في الاحتفالات التي يقيمها الناس في الشوارع، في المتاجر الكبرى. ما كان يجرؤ على النظر في وجوه الناس. كان يخشى أن يتحدث إليه أحدهم بتلك اللغة التي لا يتعلمها، فلا يرد على الناس ويتظاهر بأنه لا يسمع.

ولأنه لم يكن يتحدث بلغته أيضاً، فقد خاف من أن يصيبه الخرس وأصبح يتحدث إلى البسط والنوافذ، وإلى الغيوم والصلبان المنتصبة فوق أبراج الكنائس. حتى أنه بدأ يتحدث إلى المانيكانات التي تزين واجهات المحلات أيضاً.

عندما وصل إلى البيت، فتح الباب وهمس بصوت خفيض للتراب الصامت بين يديه في قعر الكيس:

* تفضل ادخل!

وما إن اجتاز العتبة حتى قال:

* اعذرني لأنني أتيت بك إلى هذه الغربة ولكن كان يجب عليك الحضور!!

توجه في بداية الأمر إلى غرفة نومه ووضع كيس التراب عند وسادته التي ينام عليها، لكنه استدرك قائلاً:

* لا. ليس هذا محلك!

دخل إلى الصالون ووضع الكيس هناك. لم يعجبه المكان وأخذته الحيرة فأخذ يتنقل به من زاوية إلى أخرى في شقته الصغيرة إلى أن استقر به المقام في الحمام، فسكب ما بداخل الكيس من تراب على الأرض الباردة الرطبة. ارتفعت كومة من التراب المتعب الجاف الصامت الذي شهد آثار خطواته آلاف المرات، على أرض الحمام. كاد يسمع أنين التراب إذ ينسكب ذرة ذرة على تلك الأرض الغريبة.

تضاعفت دقات قلبه واغرورقت عيناه بالدموع. نظر إلى كومة التراب ملياً ثم قال بصوت مرتجف:

* ها أنذا يا تراب وطني أشم منك رائحة الخراب.

سكب جرعات كبيرة من البيرة في جوفه ثم واصل التحدث قائلاً:

“مضت علي ثلاث سنوات وأنا بعيد عنك، اعذرني إن كنت نسيت اللغة التي كنت أحاورك بها. اعذرني إن خاطبتك في هذه الليلة الموحشة بعدم احترام. هل تذكر عندما حاصر البوليس منزلنا ثم اقتحموا غرفتي؟ أتذكر عندما حطموا قلمي وأحرقوا أوراقي التي سطرت عليها أشعارا تحكي حبي لك، أمام عيني وعينيك؟ أتذكر حينما صادروا كتبي ووضعوها مثل أرانب خائفة في أكياس قذرة؟ لقد قيدوا يدي أمام عينيك – إن كانت لك أعين – وأخرجوني وهم يركلونني ليرموني مثل كيس تبن في سيارة جيب لونها كان يحاكي لونك؟ لقد بقيت وقتها، أيها التراب، صامتا تلعق أحذية قوات الأمن دون أن تشعر بآلام معصمي المقيدين!! وعندما عدت بعد أسبوع في السيارة ذاتها، كنت أنظر من خلال زجاج النافذة إليك، كاد قلبي يتفطر وأنا أرى عجلات سيارة الأمن تزني بك!!

كنت أنت الشاهد الصامت للفجيعة حينما كانت أحذية المخابرات ترسم نقوشا متوحشة عليك وأنت في صمتك ونومك الترابي!!

هل تذكر حين طحن العشق قلبي ذات خريف؟

نعم، بدون شك ما زلت تذكر عندما كانت حبيبتي تحث الخطى كل ظهيرة فوقك لتأتي إلى غرفتي وتضع يديها على عيني المنتظرتين وهي تسأل ضاحكة: من أنا؟ كنت أتغابى فأتحسس بيدي يديها اللتين تشبهان حمامتين أليفتين ثم أرفع أصابعي إلى شفتيها المكتنزتين الدافئتين وأنزل بها إلى نهديها التفاحيين و فخذها اﻟ … وأقول: أنت جنية!!

كنا نتقلب كغمامتين ثائرتين تلهو بهما رياح مجنونة.

كانت حبيبتي تنسج بخطواتها كل ظهيرة بساط الأكاذيب، وكنت أنت على علم بالفخاخ التي تنصبها أمامي، لكنك لم تهمس ولو لمرة واحدة في أذني: حذار من أن تتعثر قدمك بالفخاخ! لم تقل لي ولو مرة واحدة: يا مجنون! لا تثق بالسراب، سيموت قلبك عطشا!! لم تقل لي: لتنته هذه اللعبة، قلبك يتعرض للطحن!!

كنا صديقين أيها التراب. كتبت فيك أروع الأشعار. كنت أشمك بكل ما في رئتي من قوة. كنت أبقي على غبارك الملتصق برموش عيني و ثيابي أسابيع و أياما ولا أنفضه عنها!!

كنت أقول: هذا غبار مقدس، غبار التراب، التراب الذي يغفو أمام باب الدار، التراب الذي يحتضن طفولتي المخنوقة وشبابي الضائع”.

احمرت عيناه رويدا رويدا، وأصبحت علب البيرة المرصوفة على رف المرآة تفرغ علبة إثر علبة، لكنه استمر في التحديق بكومة التراب المنسكبة على أرض الحمام العارية الصامتة وهو يقول:

“أصبحت تائها شريدا. حملت قلبي المحطم وطفت به في كل الأماكن دون أن أجد أحدا يلملم شظاياه. كنت تراني عشرات المرات في حيرتي – إن كانت لك أعين – لكنك كنت تبقى في صمتك الأزلي.

أما كان عليك أن تصبح أمام حزن خطواتي جنونا من غبار فتتطاير في سماء تلك المدينة المجرمة لتخبر الجميع بما يعانيه هذا القلب من آلام؟ أما كان عليك أن تخبرني بكل الفخاخ المنصوبة أمام قلبي؟ أنا الذي كنت أراك أما لي بل أكثر من أم؟

أحرقت منزلي وكتبي قهرا من حياتي البائسة وأوشكت على إحراق نفسي بينما كنت تنظر إلي صامتا، وربما كنت تقول في سرك وأنت تضحك: لقد جن الولد!!

كنت أرى معنى حياتي في حمايتك وحبك، وعندما أسمع كلمة سوء بحقك كنت أجن وأكاد أخفيك في عيني وأذود عنك بنور بصري. كنت مستعدا لبذل دمي فداء لك، ولكن أنت!! آآآآآه. بم أخبرك الليلة؟!

قل لي ما الذي فعلته لأجلي عندما ضاقت بي الأرض وسحقت طواحين الأمل قلبي لتجعله طحينا مشتعلا؟ ما الذي فعلته لأجلي عندما كنت تراني بائسا حزينا جائعا!! كنت أبكي لأجلك ولم أسمح حتى للريح بخطفك من أمام باب الدار، لم أذق للنوم طعما حتى أمنع لصوص التراب من نفيك إلى أرض المجهول!! قل لي – إن كان لك لسان – ما الذي فعلته لأجلي عندما هربت إلى هذه البلاد التي لا تصبح بلادي؟!

كنت تنظر إلي – إن كانت لك أعين – وتراني أروح وأجيء باحثا عن ذاتي التائهة، وعن حياة هادئة وحب صاف، لكنك لم تصبح وطنا لتلك الحياة ولا لذلك الحب!!

كنت تبقى صامتا، كما أنت الآن على هذه الأرض الباردة العارية وفي هذه الليلة الخرساء!! فلا تقل لي بعد: لم أتيت بي إلى هذه الغربة؟!

إنك أنت الذي دفعت بي إلى كل هذا الخراب، أنت من نفيتني. إنه ذنبك أيها التراب، ذنبك أنت. فلا تظنن أنني سأضعك بجانب رأسي على الوسادة لأشمك كل صباح وأقول: ياااه! تفوح من ذراتك رائحة الجنة!!

لا. لا أبداً. لكنني ﺴ…………. “

فجأة عمد إلى أزرار بنطاله وأخذ يحررها عن عراويها بسرعة، ثم بدأ يتبول على حفنة التراب المتكومة كأنين صامت على أرض الحمام الباردة الرطبة.

 

ليس هناك جسم جامد كالمفتاح يحمل المشاعر التي يحملها، فالبصمات التي تبقى عليه ولا يمحوها قانون التقادم هي رسم خفي لاحاسيس الناس الذين حملوا المفتاح واخترقوا عالمهم او خرجوا منه، كالرسم البياني على جهاز تخطيط القلب، يسجل الغضب والحزن والفرح والسكينة، فكيف يكون المفتاح حين يحمله شاعر غادر البيت حاملاً مفتاحه وديوان شعر وشحن على ظهر قارب في البحر أقلع به من حيفا إلى عكا، ثم الى بيروت وإلى.. وإلى..إلى أن التقينا في صوفيا.

في طفولتي لم يقل لي أحد شيئًا عن أبي سلمى.. لا في المدرسة ولا في البيت.. وحين كنّا صغارًا نحفظ الشعر ونتبارى فيه، كنا نبدأ المبارزة الشعرية بما أسميناه “المفتاح”، أي البيت الذي نفتتح به وكان:

أنشر على لهب القصيد        شكوى العبيد إلى العبيد

وكان يصّر على هذا المفتاح معلم اللغة العربية، لكنّه لم يقل لنا من هو قائله، والحقيقة أننا لم نسأل لأننا كنا نبحث عن أبيات ذات قافية صعبة، و”الدال” هو واحد منها، وأمّا معلم التاريخ الذي كان يستجيب إلى إلحاحنا لتمضية درس التاريخ الناشف بمبارزة شعرية فقد كان يصّر على مفتاح آخر، وهو:

ألعرب أشرف أمة               من شك في قولي كفر

ولا أعرف حتى اليوم من هو قائل هذا البيت، لكن معلم التاريخ لم يكمل السنة الدراسية، فقد افتقدناه يومًا وقيل لنا أنه يكتب الشعر وقد طُرد من المدرسة وسمعنا فيما بعد أنه غادر البلاد وصار يتنقل بين مصر وليبيا والاردن ولم يعد إلى وطنه، بل تركنا نسخر من أنفسنا ونحن نسأل:

هل حقًا، العرب أشرف أمة ؟

قد يعود الينا يومًا ويحكي عن العرب، مؤمنًا او كافرًا، ويعلم الله أنه بعد أن تعرف على حالة العرب في الخارج فسيأتينا معتذرًا ليس على كفره بل على يقينه في تلك الأيام.

أبو سلمى

بعد أن أنهيت المدرسة الثانوية في حيفا سمعت لأول مرة عن أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، ويحز في نفسي اليوم أنني كنت أمر يوميًا، ولأربع سنوات متتالية، قرب بيته ولا أعرف أن في ذلك البيت عاش وكتب “شاعرنا القوميّ”.

لم أعرف في ذلك الوقت ما معنى “الشاعر القوميّ” لأن معلمة اللغة العبرية، غرزت في رؤوسنا أن حايم نحمان بياليك هو شاعر قوميّ، ولا يجوز أن يكون هناك شاعر قوميّ لأمة إلا بياليك للأمة العبرية.

عندما كبرت صرت أسأل كطفل صغير:

لماذا لا يكون لنا شاعرنا القومي، مثلما أن لهم شاعرهم؟

وكم أردت أن يكون أبي ومعلم التاريخ شاعرًا كهذا.

إلتقيت أبا سلمى في صيف 1980، في صوفيا مدينة البلقان.

جاء ليلقي الشعر وذهبت لأدرس الشيوعية.

هناك تحدث عن حيفا، وإذا بها مدينة غير التي تعلمت فيها وأعرفها وأقضي معظم ساعات نهاري في غرفة صغيرة من غرف جريدة “الإتحاد” التي احتوت بين جدرانها على طاولة خشبية عريضة، هي طاولة أبي سلمى.

إحتفظنا نحن بطاولة مكتبه واحتفظ هو بمفتاح البيت.

كنا نتحدث إليه عبر طاولته وكان يتحدث إلينا عبر المفتاح.

مناجاة عشّاق لقمر لا يغيب، ولكنه بعيد، بعيد.

سأل عن شارع الملوك وساحة الحناطير وقال أن بيته في شارع البساتين، في حي الألمانية.

سأل:

هل تعرفون البيت؟

هل هناك أحد يحرسه؟

كان أبو سلمى يعاتبنا لأننا اكتفينا بطاولته ولم نحرس البيت، حتى أننا لم نعرفه، ولم نجرؤ على السؤال:

“لماذا ذهبت؟”

غجر

بين حيفا الأمس وحيفا اليوم درج من حجر.

ألماضي من تحت والحاضر من فوق.

بحرها يتراجع وقممها تفقد خضرتها يومًا بعد يوم.

أصبحت مدينة شاحبة مشحونة بدخان المصانع وزعيق البواخر في الميناء.

بكى وهو يحكي وبكينا نحن على بكائه.

“خرجت مع مفتاح وقصائدي.

وقعت قصائدي في البحر وظل المفتاح لأنني ربطته بخاصرتي..”

في طريقي اليه في فندق البلقان جلست على الارض امرأة غجرية وضعت في حضنها رضيعا والى جانبها وقف طفل في السابعة مادا يده للتسول. أردت أن أعطيه لكن مرافقتي البلغارية قالت:

“لا. انهم ليسوا بحاجة، فالدولة توفر لهم كل شيء وهم يرفضون هذه النعمة! الغجر يرفضون النعمة ويفضلون التسول! هذه هي حياتهم! لقد بنينا لهم المساكن وسلمناهم مفاتيح الشقق، فباعوا المفاتيح وتركوا البيوت فارغة وانتشروا في الشوارع.. يغنون ويرقصون ويتسولون..”

(شو هالحكي؟)

“لماذا تضحك يا رفيق؟”

– خذيني الى فندق البلقان واتركيني هناك مع الشيخ الغجري الفلسطيني!

إنه شاعرنا القومي؟ هل للغجر شاعر قومي؟

“لبلغاريا شاعرها!”

قالت الرفيقة نانا، وودعتني عند مدخل الفندق، ولما عانقت أبا سلمى لم يتسلل إلى أذني إلا شهقاته وطقطقة صرة المفاتيح التي حملتها موظفة جميلة وغابت في الردهات الطويلة.

تلة رضوان

رحلة البلقان كانت كالخرافات الموروثة، لا يحيكها سوى القضاء والقدر والمصادفات الجميلة، وفي صميمها إنسان تتقاذفه الأقدار، كهذا الشاعر العجوز الذي يحلم بالعودة إلى بيته ويصفه حجرًا حجرًا، ويسأل عن الدرج وعن غرفة “سعيد “وعن الحديقة ويعاتبنا لأننا لم نحرسها. وحين يبدأ رحلته يختار الأسطورة: “يُحكى عن راعٍ في تلة رضوان كان يغني لجواميسه ويعزف على الناي، أحب ابنة شيخ القبيلة وأحبته فبعث يطلب يدها.

غضب والدها على هذا الراعي “الوقح “الذي يجرؤ على مجرد التقدم اليه بطلب كهذا، فأمر بقطع أصابع يديه عقابًا له.. وكان هذا أقسى حكم ينزل على شاب ترقص أنامله الجواميس في المراعي.. في اليوم التالي رفضت الجواميس الخروج لأن الراعي لم يأتِ ولم يعزف.. وما كان من أهل القبيلة إلا أن قصوا أعواد القصب وركبوها في مكان الأصابع وعاد الراعي ليعزف على الناي فخرجت الجواميس إلى المراعي وتزوج ابنة الشيخ..

قال أبو سلمى أنه تأثر كثيرًا بهذه الحكاية وظلت ترافقه ومنها بدأ يكتب الشعر، كانت هي المفتاح للإلهام، مثلما كانت أصابع الراعي المقطعة المفتاح للموسيقى التي أطربت الجواميس، وهل هناك اقتحام لعالم روحانيّ أو ماديّ دون مفتاح؟

في عام النكبة فقدت عشرات ألوف المفاتيح، منها ما ظل في الأبواب المشرعة ومنها ما وقع على الطريق الوعرية أو في البحر، إذا لم يربط في الخاصرة، وها هم أصحابها ينتظرون أكثر من خمسين عامًا صابرين على فراقها مؤمنين “أن الصبر مفتاح الفرج” مستبدلين مفتاح البيت الحديدي بمفتاح الأمل الذي تبدد بعد أن قامت الجرافات وأخذت البيت والمفتاح.

ألبيت

مات أبو سلمى بعيدًا بعيدًا عن وطنه، بعد شهرين من لقائنا في البلقان.

مات في أمريكا ودفن في دمشق وترك المفتاح لابنه سعيد..

عدت إلى البيت في شارع البساتين، لأبحث عنه ولأسأله إن كان هو أيضًا يشتاق الى أهله مثلما يشتاق أهله له، وقد كنت أمّر يوميًا بجانبه ولا أراه، وربّما لأن معلمة المدنيات اليهودية قالت لنا: “العرب في حيفا هربوا خوفًا من البراميل التي دحرجناها في نزلة ستيلا مارس وعلى الدرج الذي يفصل بين حيفا من فوق وحيفا من تحت ففكروها طائرات ودبابات.. وتركوا بيوتهم وهربوا، ويقال ان امرأة حملت وسادة بدلا من ان تحمل رضيعها الذي نام في السرير.. وعندما دخلنا كان الطبيخ على النار.. “

عدت إلى حيفا بعد رحلة البلقان وذهبت إلى حنا نقارة، صديق أبي سلمى، وطلبت منه أن يأخذني إلى البيت.

وقع خطانا على السلم الخشبي لم يوقظ أهل البيت.

إنتظرنا أن يفتح أحد بابًا ويقول:تفضلوا!

كنا كمن يتحرك في كهف مهجور.

“هذه غرفة النوم”..

وضرب حنّا بكفه على جدار اهتز هزات خفيفة واختفى رجع الصدى، وفي عينيه علقت دمعتان.. أما السقوط على أرضية “الكوريدور” الخشبية وأما البقاء في عناق طويل مع الرموش الذابلة.

طرقنا على الباب.. لم يسمع صوت.

“ربما أنه مهجور”

طرقنا مرة اخرى.

“من هناك”؟

ردّت علينا امرأة كأننا أيقظناها من سبات عميق.

لم نعرف كيف نعرّف عن أنفسنا، ولو عرفنا لأثرنا خوفها في مدينة عندما يطرق غريب وصل بلا موعد على أبواب منازلها، فإما أن يكون حراميًا وإما أن يكون شرطيًا وكلاهما يثيران أشد أحاسيس الخوف.

“سلام عليك أيتها السيدة”

وجوم..

“هل تسكنين هنا منذ زمن بعيد؟ منذ عام1948؟”

عجوز في الستينات وقفت خلف بابها المشقوق وحدقت بنا حيرى ومرتبكة ونحن ألقينا بنظراتنا إلى باطن الغرفة.

“أسكن هنا منذ عام 1949”

أشار حنا إلى الغرفة الواسعة وقال، هذا هو الصالون.. كان يستقبلنا هنا.. وسألنا السيدة:

“هل تعرفين من كان يسكن الدار قبل مجيئك”؟

فأجابت السيدة:

“لا أعرف! عائلة بولونية.. قبلها سكنت عائلة ألمانية..”

قال حنا نقارة:

“هذا البيت لقريب لي توفّي قبل شهر.. نزح عنه قبل 32 عامًا..”

سألت السيدة:

“هل هو عربيّ؟”

إمرأة عجوز قدمت من رومانيا عندما كان صاحب هذا البيت يحمل المفتاح وقصائده ويركب قاربًا أبحر به بمحاذاة الشاطئ من حيفا، إلى عكا، إلى طرابلس..

“هل تعلمين أن صاحب هذا البيت هو شاعر فلسطيني كبير توفي قبل شهر؟ هل تعلمين أنه ظل يحتفظ بمفتاح البيت على أمل العودة؟”

حركت رأسها كأنها تقول: “مسكين هذا الشاعر!” ثم واصلت: “البيت قديم وقد طلبت من البلدية أن تعطيني بيتًا آخر، ولكن لا يوجد فلوس.. أسكن في غرفة واحدة، هنا مطبح وهنا حمام وهنا غرفة مسدودة بالباطون.. سدتها البلدية، إنها تدلف، جدرانها مشققة وشبابيكها محطمة..”

مد حنا يده وصافح السيدة العجوز. الدمعة التي تراخت على الرموش الذابلة انقسمت وتساقطت على خده. عدنا إلى السلم الخشبي، والكوريدور، وخرجنا من المدخل. هناك بيت فوزي بندر، كان وكيل شركة تأمين، وهذا بيت زكي التميمي، وهذا لحسين عبد الصمد، وهذا للدجاني وهذا للعنبتاوي، وهناك نصار الفرمشاني، وهذا بيت المحامي عيسى هزو.. هل حملوا مفاتيح بيوتهم التي بنيت من حجر وما زالت قائمة حتى اليوم؟

زنزانة

رهيبة صكصكة المفاتيح حين تجتمع وتتراقص على خاصرة راهب يمشي في دهليز إلى غرفة معتمة في الأديرة القديمة، أو حين تصطك في يد سجان تسمع وقع بسطاره عندما تكون منقبضا في زنزانة، وتعلو شيئا فشيئا إلى أن يتوقف، فتقف على رجليك لتصغي بترقب وتوتر إلى معركة حشر المفاتيح في الثقب الوحيد الذي يربطك بالعالم الخارجي، وعندما تسمع “طقة” وتتلوها أخرى اقوى منها تتنفس الصعداء لأن السجان يفتح الباب ويأمرك أن تخرج إلى أن يعيدك ثانية.

ليس بيني وبين المفاتيح علاقة عشق, وقد جاء مفتاح أبي سلمى ليحررني من حقد على المفاتيح كان اشتد في نفسي في ليلة من ليالي أيلول 1977.

في منتصف تلك الليلة حرقت كل سجائري، ولم يكن من عادتي أن لا أبقى سيجارة لقهوة الصباح، لكنني فعلتها في تلك الليلة، فتبين لي فيما بعد أن السيجارة في البيت كالحجاب يطرد “الوسواس الخناس” ويبعد الشياطين وأولاد الحرام وإلا كيف حدث أن في تلك الليلة وبعد أن أقفلت الباب واسترخيت على سريري وما كدت أغمض عيني حتى سمعت طرقا شديدا على الباب وهرجا ووقع خطى أيقظ طفليّ وزوجتي فقاموا مذعورين وأنا معهم، ولما فتحت الباب واذا بثلاثة رجال وأربعة وخمسة وعشرة تجمعوا في المدخل بلباس مدني وبوليسي وقال أولهم: “جئنا لنفتش البيت!”

وناولني ورقة لم أقرأها، ودخلوا بقوة وانتشروا في أركان البيت وفتشوا في المكتبة وفي الخزائن وفي الثلاجة وتحت الفراش، ووصل عددهم إلى أكثر من ثلاثين رجلاً ضاع بينهم طفلاي وهما يبكيان ولا يفهمان ما يدور في البيت. كان على طاولتي مفتاح كبير لبوابة قديمة ورثته عن جدي. حين كنت أتأمل فيه وأقرأه كان يعيدني إلى تلك الأيام وذلك الجيل وإلى الحالة الفلسطينية التي تجمعني بهذا الجيل المعذب، ويبدو أن ضابط العملية بذكائه المخابراتي الخارق أدرك عمق العلاقة بيني وبين هذا المفتاح فبدأ يحقق: “من أين لك هذا؟” وأمرني أن آخذه إلى البوابة الكبيرة، ولما أقنعته أن مثل هذه البوابات كان في زمن البيوت الحجرية الكبيرة التي هدمتها جرافاتهم، عندها سحبه بعصبية وقال: “سيكون شهادة ضدك”، وأمرني بأن أصعد الى السيارة واختفى المفتاح.

أمضيت ليلتين في زنزانة “الجلمة “ولم تكن المرة الأولى التيأعرف فيها السجن والزنزانة، ولكنها المرة الأولى التي شعرت فيها أن السيجارة تصبح في السجن وسيلة تعذيب. قلت للسجان: “أعطني سيجارة!” نظر إلي وابتسم ابتسامة خبيثة عبر الفتحة المربعة في وسط الباب وقال: “بعد قليل”، واصطكت مفاتيحه وغاب.. وكانت هذه “البعد قليل” ساعتين وأكثر عاد بعدها وفتح الطاقة وناولني سيجارة وقال: “نسيت علبة الكبريت, سأذهب لأحضرها بعد قليل”. وكانت “البعد قليل “الثانية أطول من سابقتها, وأدركت أن طقوس التعذيب قد بدأت… ولم أشعر بالانفراج إلا عندما كان السجان يفتح الباب ويقودني إلى غرفة التحقيق.

ثلاثة محققين كانوا هناك: طيب وشرير وبشع. ألطيب عرض علي سجائره والقهوة وكان مؤدبا وحاول اقناعي بأن أرتدع عن خطي السياسي المناهض للسلطة وعرض علي المال والوظيفة وحتى عضوية الكنيست. وفتح ملفا كبيرا وقال: “كل ما كتبته ونشرته وقلته محفوظ عندنا.. وهو مترجم حرفيا”.

قلت له: “أنا سعيد أن هناك من يهتم بما أكتب. وسعيد أكثر أن كتاباتي تترجم. حبذا لو تقومون بنشرها بلغتكم”.

أغاظه هذا الكلام “الصقع”, فهب من مكانه وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل عليّ الشرير وقال أنه يستطيع ان “يخرب بيتي” وأن “يجعل حياتي جحيما وأن الدولة التي انتصرت على مائتي مليون عربيّ لا تحسب حسابًا لواحد مثلي”.

قلت له: “أعرف أنكم اقوياء وأنا لا أتحدى دباباتكم”.

قال: “اذن ستظل مشاكسًا؟”

وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل البشع. شاب طويل وضخم ومفتول العضلات صار يبرم حولي ويلف ويدور وينظر إلي نظرات مرعبة, وقال: “من أنت؟ ماذا تساوي؟ أنت لا تساوي الرصاصة التي ستخترق دماغك. لا.. لن نخسر عليك رصاصة. نحن سنطلق سراحك. سنقول لك أنت حر, إذهب أينما شئت, وستركب سيارتك، وتسافر وفجأة تأتيك سيارة شحن كبيرة، سيمترلر،  وتدوس عليك كما يدوس الفيل على النملة، وبعدها ستركض زوجتك خلف شركة التأمين لتدفع التعويضات”

وتكررت هذه الجولة الثلاثية لمدة 48 ساعة. تعلمت منها درسا واحدا: أن لا أنام ليلة دون أن أترك سيجارة لقهوة الصباح.

أطل عليه..

وصرت أكره المفاتيح وصكصكتها. إلى أن كان ذلك اللقاء مع أبي سلمى في فندق البلقان في صوفيا. صار للمفتاح معنى آخر في حياتي. علمني مفتاحه أن ليلتي ويومي في سجن الجلمة كانت المفتاح إلى عالم من المواجهة ليس فيه تنازل ولا مساومة ولا التفاف على الحق.

“سنلتقي في حيفا”، قلت لأبي سلمى.

بعد شهرين رحل تاركا المفتاح وقد أُشبِعت قصائده الضائعة بملح البحر. بعد سنوات قليلة أَخلت العجوز الرومانية البيت، ربما انتقلت الى بيت آخر أو الى العالم الآخر. ظل البيت مهجورا لعدة سنوات أخرى. لم يقم أحد بزيارة البيت. مررت يوما من هناك، كانت الجرافات قد أنهت عملها، والبيت تحول الى ركام صارت الجرافات تحمله على شاحنة كبيرة وتطاير غبار كثير. لم يبقَ لبيتِ شاعرنا القومي أثر. هناك في حيفا، حي الألمانية ساحة كبيرة هي موقف سيارات أطل عليها من مكتبي في “معهد إميل توما”، فتأخذني بعيدا إلى فندق البلقان وإلى مفتاح على خاصرة شاعر لم يقدر على حماية قصائده فسقطت في البحر ولم نقدر على حماية بيته فمسحتها الجرافات.