اليوم هو الجمعة. ربما أكون مخطئة، فقد يكون السبت.‏

يا للحماقة!‏

لِمَ لا يكون الأحد أو الإثنين؟

ليس هذا بشيء يستحق التفكير أو حتى مجرّد النظر إلى التقويم الذي لم أعد أتذكر إلى أي عام يعود أو لماذا ابتعته.‏

كان صوته الشيء النديّ الوحيد الذي أثار اهتمامي وسط جفاف الأشياء ورتابتها. نداؤه هذا الصباح سحق كلّ هاجس أو فكرة. قال لي:‏

-أما زال هناك مكان لي في مخبئنا الصغير أم أنك مللت الانتظار؟

-غبت طويلاً.. طويلاً جداً.‏

-لكن عدت كما وعدت. قال هذا ثم اختفى صوته مخلفاً جواً من الانتظار العذب بعث فيّ دفء أيام الطفولة عندما كنا نقضي ليلة العيد وملابسنا الجديدة تشاركنا السرير، وارتقاب الفجر وقبلات العيد والأراجيح والحلوى والحرية الموعودة.‏

كلّ محاولاتي للتشبث بالوقت ذهبت مع صوته. لم يترك لي سوى الصمت وصوت احتكاك حبال أراجيح العيد.‏

كان الفجر هناك عند النافذة، يلملم نعاسه، تفوح منه رائحة شتاء متعب شعرت به يتسلل إلى داخلي حتى استغرقت في نوم عميق.‏

أحسست باطمئنان واثق، فالنوم هو ما تمنّيته منذ زمن بعيد. حلمت بأشياء جميلة. ليس مهماً ما هي، إلاّ أنها كانت جميلة بالتأكيد.‏

لم أكن أفكر بشيء يمكن أن يخدش تلك الأحلام لولا قرعات الباب القوية التي تجاهلتها أكثر من مرة استسلمت لها بعد أن فشلت في الإمساك بآخر حلم!

حاولت النهوض لمعرفة الطارق لكنّ ساقيّ خذلتاني.‏

تحسستُ جسدي. لم أستطع تحديد مكانه. فكان يرتفع تارة وينخفض أخرى والسرير هو الحد الفاصل بين الأعلى والأسفل..‏

شعرت بفراغ ثلجي يهبط إلى أعماقي وكأن تفاصيل الزمن التي أخذت بخناق الظلام وشكلت معالمي يوماً ما كانت معبأة في علبة انفتحت وتناثر ما فيها في غفلة من الأشياء.‏

انفتح الباب وأقبل نحوي شخصان لم أميز سوى جسديهما. كنت سعيدة بذلك النعاس اللذيذ الذي انقدت إليه بسهولة. لذا لم تكن لدي رغبة في معرفة الوجوه.‏

استفزتني نظرات أحدهما وهي تحدق إلى وجهي بعناد وقح. فتحت عينيّ. كان وجهه بلا وجه! لم يكن غير هيكل عظميّ مدّ كفّه العظمية إلى وجهي بتردد وأغمض عينيّ.‏

فتحت عينيّ برغم الأسئلة التي تزاحمت في رأسي. نسيت وأنا أنظر إلى ما تبقى من وجهه، أن أخاف أو أن أتكلم أو حتى أن أصرخ. لقد تجسدت الأفكار والتنبؤات والأشياء غير المؤكدة في هيئة هيكل عظمي توشح بالسواد.‏

أعاد النظر إلى وجهي بخوفٍ تغلغل إلى شرايين حنجرته فجاءت نبرته مرتعشة وهو يردد كلمات من خلال فكّين عاريين يرتجفان.‏

تجاهلت كل تلك الكلمات وتعلقت بخيط السعادة الذي تبثه في وهي تنظر إلى الوراء بترفع غريب.‏

كان قرص الشمس قد حضر أيضاً. كان جميلاً ومغرياً كرغيف حار تصوّرت أني أستطيع قضمه كما في الرسوم المتحركة. ضحكت من نفسي وأنا أرى الشمس تدغدغ وجهي. في لحظة ماء، لكنها غير معروفة على وجه التحديد، حملني الهيكلان العظميان إلى خارج الغرفة. استدرت، وجدت الشمس تغادر مكانها وتتسلل إلى داخل التقويم لتبقى هناك. فرحت، لأن ما ظننته قد حصل تماماً مثلما توقعت: أن نكون شيئاً غير مرغوب فيه وليس هناك ما يؤسف عليه.‏

كانت الشوارع شعثاء وكأن هناك حدثاً يموّه الأشياء، لنقل يجعلها أكثر سطحية. فتشت عن الآس الذي زرعناه عندما كنا أطفالاً حول مخبأ لعبنا إلاّ أني لم أجده. أتذكر أنه قال لي:‏

-عندما أعود سنجد الآس رفيقاً نداعبه ونحن نسير معاً.‏

أقسمت له حينها بأنّي والآس لن نكبر من دونه.‏

-والزمن؟ قال هذا بدهشة طفل ذكي.‏

سنختبئ منه بانتظارك.‏

خطر لي أنّنا وُلدنا في زمن موغل في القدم وأن الآس والانتظار ماض يداعب شغاف القلب والذاكرة، إنّا لم نكن صغاراً أو كباراً أو قد نكون نسينا الأيام خلف مخابئ اللعب.‏

منذ الوهلة الأولى، بدأ حاجز رهيب ينمو بيني وبين هذه المدينة الموحشة. كان الضجر يلف كل شيء.‏

رأيت صفاً يقف أمام محل قصاب اعتقدت أني أعرفه جيداً.‏

ناديته: يا عم! يا عم!‏

لكنّه تظاهر بعدم السمع وعندما استدار لم يفعل سوى الانحناء.‏

كان هيكلاً عظمياً هو الآخر!‏

كنت أستنجد بالذاكرة والنسيان معاً وأنا أرى الليل قد جثم هناك بلا رحمة حيث تعرت الحياة وبدت فارغة إلاّ من الموتى!‏

‏أخذ الجمع العظمي المكتسي بالسواد يلتف حولي مشكلاً غمامة سوداء.‏

لم يكن يبدو أن أحدهم يعرف الآخر أو يكترث لوجوده. كلّ واحد منهم كان وحيداً بطريقة ما.‏

كنت قادرة على التكلم بصوت واثق وخلق كلمات جديدة.‏

تحدثت بكل ما أعرفه لكني عبثاً حاولت إيقاظهم. كانوا يثيرون حزني. شيء ما في داخلهم قد هرم وتحجر. كنت أقول لنفسي لا بدّ أن هناك شيئاً كبيراً مفقوداً.‏

كانوا لا يسمعونني. شعرت بصوتي مكسوراً حتى بكيت. توقفت عن البكاء. تذكرت أن الكبار لا يبكون! ترى لمَ على الكبار أن لا يبكوا؟‏

كانت أمي تقول لي: عيب عليك، “الكبار لا يبكون”.‏

منذ ذلك الوقت وصوت أمي يطاردني “الكبار لا يبكون”.‏

ربما ما زلت طفلة!!

كان الموكب الذي حملني يمر بأزقة وحدائق مقفرة وكأنهم بذلك يقولون لي “لا يوجد ما نحزن من أجله”.‏

“البرق يلمع أولاً ثم يهطل المطر”، سمعت هذا مرة. لكن البرق كان شديداً ولا مطر.. كنت يائسة وعلى وشك أن أغمض عينيّ عندما رأيت وجهه يطل مع الشهقات الأخيرة للبرق.‏

خجلت من التحديق إلى عينيه إلى ما لانهاية. كان حضوره كثيفاً كالمطر الذي بدأ يهطل. عندها سار بي الهيكلان العظميان بموكب إلى خارج المدينة حيث لاحت في الأفق أغصان آس. صرخت مهللة.‏

الآس أخيراً!!!‏

***‏

-داعبت وجهك بالآس لأوقظك. كنت تحلمين. أليس ذلك؟‏

فتحت عينيّ. وجدته جالساً على حافة السرير يحمل غصن آس.‏

-كنت أحلم بك. كنّا صغاراً.. بل كباراً. لا أعرف بالضبط.‏

كانت هناك مدينة هياكل عظمية. وكنت حزينة ووحيدة، وكـ… توقفت عن الكلام عندما رأيت ابتسامته تسكت الكلمات..‏

قلت له بخجل: أعرف أنك تسخر مني.‏

نظر إليّ بحنو ثم همس في أذني: أبداً. أنا رأيت هذا أيضاً.

 

أوقف أبو مصطفى عربته بمحاذاة الرصيف وربّت بيد كبيرة متشقّقة على رأس الحصان ثم قصد الدكان القريبة، وابتدأ يحمل على ظهره الاكياس الملآى بالحطب، وينقلها الى العربة. وكان الحصان حانقاً دونما سبب. وقد تبدد غضبه قليلا حين عثر على قطعة من قشور البطيخ، فَمَضى يقضمها بسكينة.

وتنبه فجأة الى أن ثمة ولدًا صغيرًا يقف على مقربة منه، ويرمقه مبتسمًا. فقال الحصان لنفسه: “أنا لا أعرفه وسأرفسه إذا دنا مني. سأرفسه رفسة قوية تكسر رأسه”.

وانتهى الحصان بعد حين من مضغ قشرة البطيخ، فانتابه الاسف لانتهائها، وراح يتطلع بغيظ الى الولد وهو يقول لنفسه: “سأرفسه”.

وكان أبو مصطفى في تلك اللحظات مازال منهمكاً في نقل أكياس الحطب ووضعها على سطح العربة٠ وأحس الحصان بالتعب، فقال لنفسه متذمراً: “العدالة مفقودة”.

وكان الحصان قد ولد في المدينة، وقضى حياته كلها في طرقاتها المفروشة بالأسفلت، ولم يغادرها مطلقا. وكان يعرف أن أجداده القدامى كانوا يمرحون طلقاء عبر البراري الشاسعة حيث لا أبنية فيها ولا جدران من حجر، ولكنهم ماتوا جميعاً.

وانحنى الولد، والتقط قشرة بطّيخ كانت بمنأى عن الحصان ثم اقترب على مهل، فَهمّ الحصان بالتراجع غير أنه تريث متشجعاً. ومد الولد قشرة البطيخ نحو فم الحصان. فتردد الحصان لحظةً خاطفة ثم تلقفها دهشًا، وطفق يمضغها بغبطة، وسمح للولد بأن يربت على عنقه بيد أنيسة صغيرة.

وأتمّ أبو مصطفى نقل أكياس الحطب الى العربة. وعندما لاحظ وجود الولد قرب الحصان صاح به: “ابتعد يا قرد”.

ثم لوّح بالسوط، مطلقًا صيحةً آمرةً بالمسير، فاندفع حينئذ الحصان الى الامام، يجر العربة الثقيلة بتباطؤ.

وسارت العربة عبر طرقات عديدة، و بلغت بعد حين شارعًا عريضًا تنتصب الأبنية الحجرية على جانبيه ولم تكد العربة تتوغل حتى اعترض طريقها واحد من رجال الشّرطة، فَصَرخَ أبو مصطفى بالحصان بصوت ممطوط: “هش”.

قال الشرطي: “ألا تعرف أن مرور العربات ممنوع في هذا الشارع؟”. فقال أبو مصطفى: “أعرف”.

“ولماذا جئت اذن من هنا؟”

“الحصان.. أنظر.. الحصان تعبان جداً، واذا مررت في هذا الشارع فسأوفّر على الحصان مشيًا كثيرًا”.

فغمر الحصان حنان عارم. وقال الشرطي: “سَير العربات ممنوع في هذا الشارع. انه للسيارات وللناس الذين يسرون على أقدامهم فقط”.

قال أبو مصطفى: “أعرف”.

ولعق شفتيه بلسانه، وأردف قائلاً: “الحصان تعبان وسينقطع رزقي اذا هلك، و أموت جوعاً ويموت  أولادي.. لي أربعة أولاد”.

“ارجع. ولن أعاقبك لمخالفتك النّظام والقانون”.

“لي أربعة أولاد يأكلون حتى الحجر”.

وأطلق أبو مصطفى ضحكة قصيرة جافة وكأنّها مدية صغيرة شرسة، ثم أضاف قائلاً: “سأقول الصدق.. أنا لا أخاف على الأولاد إنّما أخاف على أمهم”.

 فقال الشرطي متسائلا بفضول: “ولماذا تخاف عليها؟”

وكانت الاشجار خضراء على جانِبَي الشّارع، وتمتدّ في الأعلى سماء رحبة زرقاء. وأجاب أبو مصطفى: “أخاف أن يأكل الأولاد أمهم إذا جاعوا. أسنانهم فظيعة”.

ومرّت سيارة تسير بسرعة كبيرة، فَنَفخ الشرطيّ في صفّارته، فَلَم تتوقف السيارة، واستطاع الشرطي أن يلمح رقم لوحتها قبل أن تنأى عن بَصَره، فسجّله على غلاف دفتره. والتفت الى أبي مصطفى محتقن الوجه غيظاً، وقال له: “هيا ارجع”.

“دعني أمرّ هذه المرة فقط”.

 فقال الشرطيّ بصرامة: “ألم تسمع ما قلت؟ ارجع”.

“مرّة واحدة فقط”.

“ارجع. القانون قانون ولا فائدة من التوسّل”.

“الحصان تعبان”.

“هيا ارجع”.

“الله يحفظك لأمّك”.

“الله لا يحفظني، أنا لم أخترع القانون. أنا أنفّذ أوامر صادرة إليّ، وأنت يجب أن تطيع هذه الاوامر”.

فلم يفه أبو مصطفى بكلمة إنما تخيل القانون مخلوقاً ضخماً له آلاف الأيدي: القانون يأمر الشّرطيّ فيطيع الشّرطيّ، ويأمر الشّرطيّ أبا مصطفى ويجب أن يطيع أبو مصطفى الأوامر.

ووقف أبو مصطفى مترددًا هنيهات، فصاح به الشّرطيّ: “ارجع. واذا لم ترجع حالا فستندم”. فاتجه أبو مصطفى نحو العربة، وكان غضب الحصان عندئذ قد بلغ الذروة، فجمع قوته كلها، واندفع جامحًا الى الامام، فبوغت الشرطي بالعربة المندفعة نحوه، وحاول أن يقفز الى الرصيف، فلم يتمكن، وصدمه الحصان، فسقط على الارض منطرحاً على ظهره، ووطأت صدره سنابك الحصان ثم مرت فوقه عجلات العربة وتخضبت بالدم الاحمر. ودهش الحصان حين رأى صاحبه لم يبتهج إنما امتلكه الذعر والوجوم ثم انطلق يركض هارباً. وبعد لحظة توافد الناس مهرولين، وتحلّقوا حول العربة، يتألق في عيونهم الخوف الممتزج بالشهوة الخفية، كأن الشرطي المسحوق ليس إلا جسد امرأة جميلة.

ولم يتفرق الناس الا عندما حضر رجال الشرطة، وبادروا الى اعتقال القاتل. وَكان القاضي عادلا، فسيق الحصان في فجر أحد الايام الى ساحة رئيسية خيل الى الحصان أنها ما تبقّى من البراري.

ووقف الحصان مبتهجاً لأنّه قبل وصوله الى الساحة قد اجتاز شوارع عريضة كان يُمنع من السير فيها من قبل، ولكن بهجته لم تدم طويلا اذ تدلى بعد حين مشنوقًا.

(من مجموعته القصصية “الرّعد”، 1970)

 

1

 منذ ثلاثين عامًا وتزيد. تعرّفتُ إليه وهو في الرابعة والعشرين، وكان تخرّج للتوّ من مدرسة السياقة في المدينة. في بطاقة هويته كتبوا إلى جانب المهنة: “سائق باص”، وكانت هذه كفيلة، إلى جانب صورته البراقة، بأن تدخلني إلى قفص الزوجية الذي بناه لي، في قريتنا الجميلة النائية.

كنتُ في أثناء الخطوبة أحلمُ ليلَ نهارَ بالرحلات وبالفُسح الجميلة والطويلة التي سنقضيها سويةً، ولم أفهم حتى اليوم ما قصدته أختي الكبرى في إحدى ليالي السمر الصيفية على سطح البيت، حين قالت لي بدلع وحياءٍ مكظومٍ وصوتٍ مكتومٍ: “كرسي الباص الأخيرة طويلة، ولن تنسي طعمتها”.

قبل الزفاف بيومين، حين تجمعت كل صديقاتي في القرية لليلة الحناء، أخذنَ جميعهنّ بالتندر على شكلي وأنا جالسة في الكرسيّ الأول من وراء زوجي، وهو يصطحبني في رحل ونزهات كُنّ جميعهنّ يحلُمن بها. إحداهنّ حلُمت بالذهاب إلى القدس، والأخرى إلى يافا والثالثة قالت بتأكيد غريب: “بانياس أجمل الأماكن في العالم! دعيه يأخذك إلى البانياس”.

لم نفهم وقتها تأكيدَها القاطعَ هذا وسألناها عمّا إذا كانت ذهبت إلى البانياس، فأجابت بأنّ أخاها كان هناك قبل سنة وقال إنها أجمل الأماكن في العالم. وضحكنا حتى دمعت أعيننا… ثم قالت أختي الصغرى بحسد واضح وافقها الجميع عليه: “أنتِ ونحن نسمع بالأماكن والرحلات، بينما ستكون أختي هي الوحيدة التي سترى هذه الأماكن بحق وحقيقة”.

وتنهّدتُ بفرحٍ وخوفٍ كبيريْن.

2

أستيقظ في كلِّ صباح في الخامسة فجرًا. أطبخ لنفسي غلاية صغيرة من القهوة السوداء الحلوة وأستقبل الشمس القادمة من رحلتها وهي حمراء ناضجة نضوج التين “الحمّاري” في كرم والدي المرحوم. أشربُ قهوتي بصمت ولا أضايق الشمس الآتية من رحلتها اليومية. لا شكّ في أنها مرهقة جدًا الآن، ولا تنقصها ثرثارة مثلي لتروي لها عن حياتها مع زوجها سائق الباص. أشربُ القهوةَ وأحلمُ برحلات الشمس اللانهائية، وأتمنى لنفسي واحدةً منها على الأقل.

في تلك الهنيهة الصباحية لوحدي، أكتشفتُ لوحدي، أنّ الشمس تزور عمليًا كل العالم في 24 ساعة، كلّ يوم! ما أقواها وما أجمل حياتها، هذه الشمس. تطوفُ كلَّ العالم لوحدها، ومن دون كلل أو ملل، تطوفُ ولا تتعبُ، تمامًا مثلما وعدتْني أمّي قبلَ أن يأتي أهل العريس ليأخذوني من بيت أهلي بساعة. ثم مالتْ عليّ قليلاً وقالت بتوسّلٍ لم أعتقد أنه سيبدرُ عنها يومًا: “إبقي اذكريني في رحلاتكم الجميلة”.

عندما يستيقظ زوجي تكون غلاية القهوة الثانية قد نزلت للتوِّ عن قرص النار. لا يُنظف أسنانه أبدًا ومع ذلك فإنها ناصعة وقوية مثل أسنان الحصان. أمي كانت تقول دومًا إنّ زوجي يأتي من عائلة كل رجالها مثل الخيل: أقوياء وأصحّاء وأسنانهم كبيرة وبيضاء. حتى إنّ أبي المرحوم لم يُخفِ حماسَه من أحفاده الذين سأنجبهم له، لأنهم “سيُولدون كالخيل، يرفعون الرأس إلى أعلى”.

ومع ذلك وددتُ لو ينظف أسنانه، خاصةً في الصباح، حين يهمّ بي أحيانًا، وأنا أيقظه، فيشدّني من يدي ويستلقي فوقي على السرير ولا يكترث بشيء. لا ينتظرني حتى لأستيقظ كما يجب، أو لأغسل وجهي. وما أن أستيقظ كما يجب حتى يكون قد انتهى من اللهاث السريع ذي الرائحة الكريهة، فينكفئ على الجانب الآخر ويسأل بهدوء: متى ستنهضين؟

ولكنني ربّيتُ أبنائي على تنظيف أسنانهم. لا أريد لأيٍّ منهم أن تتضايق منه زوجته في الصباح أو قبل النوم. على أبنائي أن يكونوا رجالا أصحاء وجميلين وحسّاسين لنسائهنّ. ولو كانت وُلدت لي ابنة -كما أملتُ دائمًا- لكنتُ صنعتُ منها أفضل امرأة في الدنيا. ولكنتُ بعثتُ بها إلى الجامعة وعادت إليّ طبيبة تطبّب لي عظامي المتفكّكة ومفاصلي التي بدأت تلتهب. طبيب القرية قال لي إنّ عليّ أن أريحَ جسدي وأن أتوقف عن القيام بأية مشاغل صعبة. الحمار. لا يكفي أن يذهب المرء إلى الجامعة ويصبح طبيبًا، عليه أن يكون ذكيًا أيضًا وفطينًا. ومن سيقوم بكلِّ مشاغل العائلة والبيت؟ هو؟ لو وُلدتْ لي ابنة وصارت طبيبة أفضلَ منه بألف مرة لكانت علّمته درسًا في الحياة يسوى كل المعدات الباردة التي يضعها على جسدي عندما أذهب إليه. يضعها ويطيلُ وضعَها ولا أتبرّم لسببٍ لا أعرفه.

3

خمسة أبناء وكُلهم رجال متعلمون مثل الورود الحمراء البراقة في لحظة صفاء نادرة. أنظر إليهم ولا أتحسّر إلا على المرات التي لم أقبّلهم فيها أكثرَ مما قبّلتهم، لا أتحسّر إلا على المرات التي كنتُ أعلم أنهم يقظون فيها يدرسون وأنا خالدة للنوم.

البكر مهندس والثاني معلم والثالث ممرض والرابع تاجر في سوق يسمونها البورصة والخامس يعمل في بنك القرية. ما زال أعزبَ “قريد العشّ”. الوحيد الذي لم يستقرّ في بيت له، ولكنني أتمنى بيني وبين نفسي أن يتأخرَ قليلا أكثرَ، كي يُؤنسَ وحدتي في العصريات الطويلة التي يكون فيها زوجي غائبًا، يسوقُ الباصَ آخذًا أربعين أو خمسين شخصًا في رحلة جميلة.

المرة الأولى التي ركبتُ فيها الباص كانت بعد الزواج بيوميْن. كان ما زال فرجي يؤلمني من ليلة الدخلة، وكنتُ كلما تذكرتُ اللحظة الأولى أهرعُ للتقيؤ في المرحاض، متعللة بأمٍر ما قد أكون أكلتُه في ليلةِ الزفاف. ولكنني كنتُ على الرغم من شعوري هذا أنتظر بلهفةٍ ركوبَ باص الشركة الذي يسُوقه زوجي وأن نمضي معًا في رحلات طويلة نلحق بها أثر الشمس الغائبة، فلا تغيبُ. في المرة الأولى ذهبنا في الباص إلى المدينة المجاورة وتعشيْنا سمكًا مشويًا. كان لذيذًا، واستغرقني أسبوع حتى علمتُ فيما بعد أنّ هذه “الرحلة” كانت شهر العسل الذي يتحدثون عنه.

لم آبه كثيرًا بشهر العسل القصير، فقد كنتُ متأكدة من أنّ شهورًا من هذا العسل آتية لا ريب فيها. بعد أربعة أيام عاد زوجي إلى العمل. ولمّا عاد، طلب مني أن أنظف الباص الذي ملأه الطلاب الملاعين بالمُسليّات والمُكسّرات والقيءِ. نظفتُه كما لو كان غرفةَ نومِنا. عادَ يلمع مثل البلّور وعاد فرجي يؤلمني في تلكَ الليلةِ تمامًا كما في الليلةِ الأولى. ولكنني لم أنبس بكلمةٍ؛ فغدًا سيأخذني إلى رحلةٍ جديدةٍ.

4

صارَ ينطلقُ في كلِّ صباح إلى عملِه، إلى رحلاتِه، ولا يعودُ إلا في المساء. وبعد أن يتعشى، آخذُ أدواتِ التنظيفِ وأصعدُ إلى الباصِ الطويلِ وأُعمِلُ فيه تنظيفًا، حتى يعودَ جديدًا كما خرجَ من الشركةِ. مع الوقتِ صرتُ خبيرةً بالنفايات التي أجمعها من الباص، وبواسطتها صرتُ أتكهّنُ بأعمار المسافرين وطباعِهم وأهدافِ رحلاتِهم. في مراتٍ كانَ يعودُ الباصُ نظيفًا إلا من بعضِ الأوراقِ البيضاءِ المكتوبةِ عليها كلماتٌ بلغةٍ لا أعرفُها؛ في مراتٍ أخرى كان يعود مليئًا بأغلفة المسليات والنقارش وعلب المشروبات الخفيفة الفارغة، وبعض القيء هنا وهناك.

ومع الوقت أيضًا لم أعدّ أحسّ بأية آلامٍ عندما يهمّ بي، كأنّ مصدر الألم انطفأ إلى الأبد، ففرحتُ لانطفائه ولم أزل.

عندما ولدتُ الأول، وعدني زوجي سائق الباص برحلةٍ خلابةٍ أستعيد فيها عافيتي وأعوّض على ولادتي العسيرة الأولى. ولكنه نسي، بعد أن توفت حماتي من ولادة البكر بثلاثة أيام، وأنا خجلتُ من أن أسألَه عن الرحلةِ الموعودةِ، لأنه صار يعودُ في أغلبِ الأحيانِ غاضبًا ومُزمجرًا ويبرطمُ بعباراتٍ فيها شتائم ومسبّات على صاحب الشركة وعلى زملائه وعلى ظروف العمل المهينة. عندما وُلد الثاني لم يقترح أية رحلة، وأنا لم أفاتحْه بالموضوع؛ فالولادة الثانية كانت سهلة نسبيًا للأولى، ولم أعتقد بيني وبين نفسي أنني أستحق رحلة في باص زوجي على ولادةٍ سهلةٍ.

بعد أن ولدتُ الثالثَ تيقنتُ نهائيًا من أنَّ الرحلةَ التي أنتظرُها لن تأتي أبدًا. كيف سنخرجُ في رحلةٍ جميلةٍ وطفلي رضيعٌ والطفلان الآخران يبكيان لأتفهِ الأسبابِ؟

كنتُ استقبل صديقاتي الفرحات العائدات من رحلاتهنّ مع أزواجهنّ إلى القدس ويافا وبانياس وأبتسم تأدبًا، وأنا أستمع إلى تفاصيل مثيرة وأخرى مملة لا يتعبنَ من تردادها، وأتجاهل الواحدة منهنّ حين تقول على حين غرة: “ألا تحديثننا عن رحلاتك في الباص الجميل”؟

ومن دون أن أدري تحوّلت علاقتي مع الباص إلى علاقةِ دلوٍ مليءٍ بالماءِ والصابونِ، ومكنسةٍ وبعض أقمشيةٍ باليةٍ. في كلِّ يومين أو ثلاثة أصعدُ إليه وأمسحُ بقايا القيءِ والأكياسِ التي خلّفها الصغارُ خلفَهم. صرتُ خبيرةً في أنواع الأكياس وألوانها وأسماء المسليات التي بها، وهكذا صرتُ أشتريها لأبنائي عندما يهمّون إلى رحلةٍ مدرسيةٍ. كنتُ أملأ حقائبَهم بأشهى المُسلّيات وأودّعُهم دامعةً وهم يركبونَ الباصَ في الرحلةِ المدرسيةِ التي لم يكونوا ينامون في الليلة التي تسبقها. كنتُ أسمع همسَهم في الليل وهم يتجاذبونَ أطرافَ الجّمَلِ حول المكان الذي سيذهبون إليه وحول زملائهم وما اشتروه وكيف أنني دائمًا أشتري لهم أفضلَ المسليات، إلا أنهم كانوا يُجمعون دائمًا على أنّ زوجي أفضلُ رجل في الدنيا لأنه يأخذهم في رحلات المدرسة ويحفظ لهم دائمًا المقعد الأخيرَ الطويلَ.

وكنتُ أتقلّب في سريري وأنظر إلى السقفِ المعتمِ وأتذكرُ أنّ خالتَهم أيضًا كانت من مُحبّي المقعدِ الطويلِ في الخلف، مع أنها هي الأخرى لم تُجرّبه في حياتها.

في كل صباح كانوا يخرجون إلى المدرسة في الباص الكبير، الذي عتق وصار مهترئًا، ويتركونني لوحدي على قارعةِ المدخلِ ألوّحُ بيدي وأستنشقُ رغمًا عني دخانَ “الديزل” الأسودِ الكريهِ.

عندما وُلد الرابعُ حصل زوجي على باص جديد من الشركة. كان منظرُه خلابًا ونظيفًا وجديدًا؛ كان يعبق براحةِ أغطيةِ الكراسي الجديدةِ وكدتُ لفرطِ اندهاشي أن أقعَ إلى الخلف عندما قال لي زوجي بفخرٍ إنّ به فيديو وتلفازًا! ولكنّ فرطَ الدهشة جعلني أيضًا أندفعُ إلى الخلف مُروَّعَةً فاندلق دلوُ الماءِ والصابونِ الذي أحضرتُه لتلميعِ الأرضيةِ اللماعةِ أصلاً، فتوسختِ الأرضُ بالماءِ ووسّخَ قسمٌ منه أرجلَ أبنائي الواقفين خلفي، فاندهشوا وتريّبوا! فلطمَني زوجي بيده على وجهِي، كما يفعلُ عادةً عندما يغضبُ، وصاحَ: يا بقرة! ألا يليقُ بكِ حتى باص جديد؟

لم يفعل أبنائي شيئًا، بل نكّسوا رؤوسهم وخرجوا بصمتٍ من الباص، تاركينني أمسحُ دموعِي وأمسحُ الماءَ عن أرضيةِ الباصِ بسرعةٍ وحرصٍ كبيريْن، كي يتركني بحال سبيلي، فالأولاد يروْن!

منذ تلك اللحظة صرتُ أكره هذا الباص الجديد. أنظفه رغمًا عني، وبكسل واضح. حتى إنني كنتُ “أنسى” في كثير من الأحيان أكياسًا صغيرة أو بقعة قيء أعرفُ أنّ رائحتها ستزكم أنفه في اليوم التالي. لم يكن يهمّني؛ لو كان يهتم بتنظيف أسنانه لاهتممتُ به أكثر!

5

بدأ الأبناءُ بتركِ البيتِ للدراسةِ وصرتُ أحترفُ الجلوسَ عصرًا عند مدخلِ البيتِ أنتظرُ شبحَ الباص الجديدِ. وقد أحسَنَ بِكري صُنعًا -وأيّما إحسانٍ- حين ركّب على سطح المنزل صحنًا كبيرًا مُدوّرًا قال إنه يزيد على القنوات في التلفاز أكثر من 100 محطة، فلم أصدّقه إلا حين أخذَ يقلّب بينها، وقامت قيامةُ الأبناءِ الآخرين وزوجي، كلٌ يريد أن يشاهد محطة بعينها، إلى أن صاحَ زوجي ونهرَ، ثم أخذ يقلّب حتى وصل محطةً كان فيها رجلان يصرخان على بعضهما البعض. بعد برهة قال “قريد العش”: “هذه محطة اسمها “الجزيرة”. “محطة أخبار”.

ولكنني لم أحبّ “الجزيرة” يومًا، فهم يصرخون على بعضهم البعض طيلة الوقت. كنتُ أحبُّ مشاهدةَ الأغاني وبرامج التطبيب بالأعشاب والمسلسلات العربية. لا أعرف حتى الآن كيف صمدتُ طيلة الوقتِ من دونِ هذه المسلسلات. وأكادُ أقسمُ بأنني أذكرُ حلقاتٍ كاملةً من مسلسل “مفيد الوحش” و”الجوارح” عن ظهر قلب؛ فما أن ينتهي بثّ حلقاتِ المسلسلِ على قناةٍ ما حتى تبدأ قناةٌ أخرى ببثها، لتعيد القناةُ الأولى ببثها من جديدٍ في الليل المتأخرِ، وقناة أخرى وأخرى وهكذا، حتى استغنيتُ عن أية صلة بما حولي وصرتُ أنا والصحن المدوّر الكبير أعزّ صديقيْن: أنا أؤنس وحدته في الصالة، وهو يأخذني في رحلات لم يكن ليحلم بها أيّ سائق باص.

كان كلما يطلّ زوجي من بعيد تعودُني ذكرى الألم القاتل إياه من ليلة الدخلة، فأهرع للتقيؤ خلف البيت. فيما بعد قال لي الطبيبُ إنّ عندي جرحٌ في المعدة وإنّ القيءَ الدائمَ الذي ينتابني سببُه موادّ التنظيف التي أستعملها، فنصحني باستبدالها، فاستبدلتُها. ولمّا لم يتوقف القيء قال يائسًا: المهم ألا تأكلي كثيرًا، فتتقيّئين أقلَّ. وهكذا صرتُ آكل قليلاً، وأتقيّأ قليلاً وأنحف كثيرًا، وصرتُ أسمح للطبيب بأن يطيلَ وضعَ أدواتِه على جسدي كيفما شاء، وأحيانًا كان يستغني عنها ويتحسس مواضع الألم بيديه، مرتعشًا حتى يهدأ.

6

عندما رأيتُ هذه القطعةَ المطاطيةَ الطويلةَ لم أفهم ما هي. كما أنني لم أتيقن من هذا السائل اللزج المحبوس بداخلها. كانت القطعة المطاطية ملقاة في نهاية الباص على الكرسي الأخير الطويل، نفس الكرسي الذي قالت لي أختي قبل دهر من السنين إنني لن أنسى طعمَه. عندما تعرفتُ على رائحة السائل اللزج لم أتمالك نفسي فتقيأتُ على الكرسي ووسخته شرّ توسيخ. ثم صرتُ بعد هذه الحادثة أفتعل النوم في تلك الصباحات التي يأتيني فيها من الخلف، فيبلغ مشتهاه وأنا “نائمة”- فأريحُ وأستريح!

7

أجلسُ في كل صباح لوحدي، في الخامسة صباحًا، وأسأل الشمس بصمت عن رحلتها الطويلة. أنظر إلى الباص الذي يقودُه زوجي في رحلاته الكثيرة وأودّ لو أسأله عن الأماكن التي زارَها وعن الناس الذين رقصُوا وغنّوا على مقاعدِهِ ليومٍ كاملٍ. حتى أبنائي الذين أحبُّهم أقلّوا من زياراتهم وهُم لاهون عني بزوجاتهم وأحفادي الذين أنتظرُهم بفارغ صبرٍ.

ومنذ أن وُلد أحفادي وكل أبنائي وزوجاتهم يغيبون في رحلات طويلة، لا يشبعون منها، وأنا أنتظرهم دائمًا ليعودوا إليّ بخِمار شتوي أو بقطعةِ قماش أخيّطها على ذوقي. أبنائي أشبه ما يكونون بالرحّالة، يحبّون الرحلاتِ أكثرَ من أيّ شيءٍ آخرَ. فهكذا علّمتُهم وهم صغار: لا تفوّتوا رحلةً في حيواتِكم، ولا تفوّتوا فرصةً للسّفر مهما حييتم. اسمعوا مني، فأنا أمّكم وأعرف أكثرَ منكم في الرحلات!

صرتُ أرحلُ كيفما أريدُ وأينما أريدُ، وأنا جالسةٌ في مقابل القنواتِ الكثيرةِ حتى صرتُ أكرهُ الرحلاتِ الحقيقيةَ والباصَ وزوجي، وصرتُ أقلِل من الخروج إلى الشرفةِ أو مبارحةِ مكاني في الصالة. بعد أن أنهكني المرضُ وداءُ المفاصل، موّل لي التأمين الوطني مساعِدةً تأتي لتعينَني على مهمّاتي الحياتيةِ ولترتبَ المنزلَ المُقفرَ. فـ “قريد العشّ” قرّرَ السكنَ في المدينة، حيث يسكن أخُوه الكبير، “ففرصُ العمل هناك أكثرَ”.

صرتُ أجلسُ ساعاتٍ وساعاتٍ، أسافرُ في أيةِ رحلةٍ أريدُ، وفي أيّ باص أختارُ، وعبرَ أيّ مسلسلٍ أرتئيه. ومع أنّ نظري خفّ كثيرًا وسمعي أكثرَ، إلا أنني ظللتُ قادرةً على التمييز بين الصُور والأحاديثِ وأطيافِ الأماكنِ التي أراها على الشاشة.

وهكذا سمعتُ صوتَه من الداخلِ يصيحُ: “إلحقيني، إلحقيني، عَم بموت!!” إلا أنني لم ألحقه ولم أفعلْ شيئًا. ماذا يريدُني أن أفعل؟ ثم إنّ نداءاته خفّتِ الآن، ثم توقفتْ تمامًا. أعتقد أنه نامَ الآن. فلينمْ، ماذا يريدُ مني أن أفعلَ؟ فلينتظرْ. فأنا الآن في رحلة وعليه أن ينتظر ريثما أعود.

كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، واتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

 لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلا ميّتا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له:

قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


*من المجموعة القصصيّة “الطلبيّة C345″، منشورات المتوسّط، ميلانو، 2018.

 

ما إن لمح صديقة القادم من الوطن في صالة الاستقبال في المطار، حتى بادره سائلاً إياه:

* هل أحضرت الأمانة؟

مد صديقه يده إلى حقيبة معلقة على كتفه ثم قال وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:

* لقد دوختني بمكالماتك وقولك: “أحضر لي حفنة تراب.” ألم يغترب أحد غيرك يا رجل؟!

ثم أخرج من حقيبته كيسا مليئا بالتراب.

نظر بوجه يخلو من أي مشاعر إلى صديقه الذي قدم لتوه من الوطن، تناول كيس التراب ثم توجه صامتاً إلى القطار.

بقي صامتاً في القطار أيضا، لم يكن يسمع قرقعة عجلات القطار على السكة ولا ضحكات مجموعة من الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزينة بالزمام أو فتيانا يتصايحون فرحا بنصر فريق كرة يؤيدونه. كان يمعن النظر إلى الكيس المليء بالتراب بين يديه.

كان الذين يمرون بقربه على عجل وينظرون إليه، يتخيلونه سكران أو نائما. حتى عندما طلب منه مفتش القطار تذكرة الركوب، أخرج تذكرته من جيبه ورفعها في وجه المفتش دون أن يرفع بصره عن كيس التراب، زم المفتش شفتيه وتغيرت ملامحه وهو يعيد تذكرته إلى يده التي كانت ما تزال معلقة في الهواء.

ثلاثة أعوام مرت وهو بعيد عن وطنه. وفي البلاد الجديدة التي لم تكن لتصبح وطنه صادف مصاعب شتى. قضى سنة بكاملها في سكن للاجئين، وسكن في السنتين الأخريين في منزل أشبه بالكوخ الحقير. لم تسنح له فرصة تعلم لغة البلاد التي وفد إليها، ولم يتمكن من عقد صداقة مع أحد ولم يستطع تأمين عمل يناسبه.

كانت الأيام تمر ثقيلة عليه في تلك المدينة التي لم تكن لتفتح أبوابها له. كان سيجن لو لم يمتلك الهاتف الجوال. ومع أن هاتفه لم يكن يرن إلا نادرا فقد كان يسليه، إذ كان يطلب أرقاما لا يعرف أصحابها ويسارع بالاعتذار قائلا: عفوا لقد أخطأت الرقم! كان يسمع مرات كثيرة أصواتا عنيفة غاضبة تقول: لا تخطئ مرة أخرى! لكنه لم يقلع عن تلك اللعبة لحاجته إلى سماع صوت آدمي والتحدث ولو لثوان قليلة.

كانت دائرة الخدمات الاجتماعية في البلدة تضغط عليه كثيرا ليعمل، لكنه وضع تعلم اللغة نصب عينيه هدفاً أساسياً، ولكن لم يكن هناك أحد ليساعده في تحقيق هدفه ذاك، إلى أن انخرط ذات يوم في البكاء عند موظف الخدمات الاجتماعية الذي يشبه كرة ذات عينين زرقاوين ولسان ألثغ! قال وهو يجهش بالبكاء:

* أرجوك امنحني فرصة تعلم اللغة قبل العمل!!

دخل دورة اللغة لمدة ثلاثة أشهر لم يتعلم خلالها سوى ” أنا فلان، من البلد الفلاني” وبضع جمل للمداولة اليومية.

انهمرت الرسائل القادمة من دائرة الخدمات الاجتماعية مرة أخرى على صندوق بريده البارد الصامت الذي لم يكن ليجد فيه سوى تلك الرسائل الرسمية الجافة الخالية من أي عاطفة!

اضطر لتوزيع الإعلانات، فكان يمشي لساعات في تلك الشوارع الموحشة مثل القبور ليوزع إعلانات للمطاعم والحلاقين وحتى بنات الهوى وكذلك جرائد الإعلانات التي توزع أيام السبت والأربعاء. اسودت أظافر قدميه حتى سقطت. كانت الكلاب في كثير من الصباحات تخيفه بعوائها إذ يقترب من أبواب المنازل ليدس الإعلانات في شقوقها. كان يحس بطعم المرارة في حلقه ثم يكمل مشواره.

ليست الكلاب وحدها، بل أصحاب الكلاب أيضا كانوا يزجرونه قائلين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إليه أو الرد على تحيته الصباحية:

* لا ترم هذه الأوساخ في صناديق بريدنا!!

ثم يستقلون سياراتهم ويمضون.

كان يطأطئ رأسه مضطراً وهو يبلع ريقه ثم يغادر صامتا إلى صندوق آخر.

* * *

توقف القطار في المحطة التي تسبق محطة بلدته، نزل بعض الركاب و صعد آخرون، كانت مجموعة الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزممة ما زلن يضحكن لكن قطيع مشجعي الفريق الذي ربح مباراته الأخيرة نزل من القطار وأفراده يرفعون علب البيرة في الهواء.

نظر إلى تلك الفتيات نظرة خاطفة، ثم عاد إلى التحديق في كيس التراب وشد عليه قبضته كمن يخاف اختطافه، وهدر القطار من جديد.

كان يشعر بالوحدة أنى ذهب. في القطارات، في المطاعم، في الاحتفالات التي يقيمها الناس في الشوارع، في المتاجر الكبرى. ما كان يجرؤ على النظر في وجوه الناس. كان يخشى أن يتحدث إليه أحدهم بتلك اللغة التي لا يتعلمها، فلا يرد على الناس ويتظاهر بأنه لا يسمع.

ولأنه لم يكن يتحدث بلغته أيضاً، فقد خاف من أن يصيبه الخرس وأصبح يتحدث إلى البسط والنوافذ، وإلى الغيوم والصلبان المنتصبة فوق أبراج الكنائس. حتى أنه بدأ يتحدث إلى المانيكانات التي تزين واجهات المحلات أيضاً.

عندما وصل إلى البيت، فتح الباب وهمس بصوت خفيض للتراب الصامت بين يديه في قعر الكيس:

* تفضل ادخل!

وما إن اجتاز العتبة حتى قال:

* اعذرني لأنني أتيت بك إلى هذه الغربة ولكن كان يجب عليك الحضور!!

توجه في بداية الأمر إلى غرفة نومه ووضع كيس التراب عند وسادته التي ينام عليها، لكنه استدرك قائلاً:

* لا. ليس هذا محلك!

دخل إلى الصالون ووضع الكيس هناك. لم يعجبه المكان وأخذته الحيرة فأخذ يتنقل به من زاوية إلى أخرى في شقته الصغيرة إلى أن استقر به المقام في الحمام، فسكب ما بداخل الكيس من تراب على الأرض الباردة الرطبة. ارتفعت كومة من التراب المتعب الجاف الصامت الذي شهد آثار خطواته آلاف المرات، على أرض الحمام. كاد يسمع أنين التراب إذ ينسكب ذرة ذرة على تلك الأرض الغريبة.

تضاعفت دقات قلبه واغرورقت عيناه بالدموع. نظر إلى كومة التراب ملياً ثم قال بصوت مرتجف:

* ها أنذا يا تراب وطني أشم منك رائحة الخراب.

سكب جرعات كبيرة من البيرة في جوفه ثم واصل التحدث قائلاً:

“مضت علي ثلاث سنوات وأنا بعيد عنك، اعذرني إن كنت نسيت اللغة التي كنت أحاورك بها. اعذرني إن خاطبتك في هذه الليلة الموحشة بعدم احترام. هل تذكر عندما حاصر البوليس منزلنا ثم اقتحموا غرفتي؟ أتذكر عندما حطموا قلمي وأحرقوا أوراقي التي سطرت عليها أشعارا تحكي حبي لك، أمام عيني وعينيك؟ أتذكر حينما صادروا كتبي ووضعوها مثل أرانب خائفة في أكياس قذرة؟ لقد قيدوا يدي أمام عينيك – إن كانت لك أعين – وأخرجوني وهم يركلونني ليرموني مثل كيس تبن في سيارة جيب لونها كان يحاكي لونك؟ لقد بقيت وقتها، أيها التراب، صامتا تلعق أحذية قوات الأمن دون أن تشعر بآلام معصمي المقيدين!! وعندما عدت بعد أسبوع في السيارة ذاتها، كنت أنظر من خلال زجاج النافذة إليك، كاد قلبي يتفطر وأنا أرى عجلات سيارة الأمن تزني بك!!

كنت أنت الشاهد الصامت للفجيعة حينما كانت أحذية المخابرات ترسم نقوشا متوحشة عليك وأنت في صمتك ونومك الترابي!!

هل تذكر حين طحن العشق قلبي ذات خريف؟

نعم، بدون شك ما زلت تذكر عندما كانت حبيبتي تحث الخطى كل ظهيرة فوقك لتأتي إلى غرفتي وتضع يديها على عيني المنتظرتين وهي تسأل ضاحكة: من أنا؟ كنت أتغابى فأتحسس بيدي يديها اللتين تشبهان حمامتين أليفتين ثم أرفع أصابعي إلى شفتيها المكتنزتين الدافئتين وأنزل بها إلى نهديها التفاحيين و فخذها اﻟ … وأقول: أنت جنية!!

كنا نتقلب كغمامتين ثائرتين تلهو بهما رياح مجنونة.

كانت حبيبتي تنسج بخطواتها كل ظهيرة بساط الأكاذيب، وكنت أنت على علم بالفخاخ التي تنصبها أمامي، لكنك لم تهمس ولو لمرة واحدة في أذني: حذار من أن تتعثر قدمك بالفخاخ! لم تقل لي ولو مرة واحدة: يا مجنون! لا تثق بالسراب، سيموت قلبك عطشا!! لم تقل لي: لتنته هذه اللعبة، قلبك يتعرض للطحن!!

كنا صديقين أيها التراب. كتبت فيك أروع الأشعار. كنت أشمك بكل ما في رئتي من قوة. كنت أبقي على غبارك الملتصق برموش عيني و ثيابي أسابيع و أياما ولا أنفضه عنها!!

كنت أقول: هذا غبار مقدس، غبار التراب، التراب الذي يغفو أمام باب الدار، التراب الذي يحتضن طفولتي المخنوقة وشبابي الضائع”.

احمرت عيناه رويدا رويدا، وأصبحت علب البيرة المرصوفة على رف المرآة تفرغ علبة إثر علبة، لكنه استمر في التحديق بكومة التراب المنسكبة على أرض الحمام العارية الصامتة وهو يقول:

“أصبحت تائها شريدا. حملت قلبي المحطم وطفت به في كل الأماكن دون أن أجد أحدا يلملم شظاياه. كنت تراني عشرات المرات في حيرتي – إن كانت لك أعين – لكنك كنت تبقى في صمتك الأزلي.

أما كان عليك أن تصبح أمام حزن خطواتي جنونا من غبار فتتطاير في سماء تلك المدينة المجرمة لتخبر الجميع بما يعانيه هذا القلب من آلام؟ أما كان عليك أن تخبرني بكل الفخاخ المنصوبة أمام قلبي؟ أنا الذي كنت أراك أما لي بل أكثر من أم؟

أحرقت منزلي وكتبي قهرا من حياتي البائسة وأوشكت على إحراق نفسي بينما كنت تنظر إلي صامتا، وربما كنت تقول في سرك وأنت تضحك: لقد جن الولد!!

كنت أرى معنى حياتي في حمايتك وحبك، وعندما أسمع كلمة سوء بحقك كنت أجن وأكاد أخفيك في عيني وأذود عنك بنور بصري. كنت مستعدا لبذل دمي فداء لك، ولكن أنت!! آآآآآه. بم أخبرك الليلة؟!

قل لي ما الذي فعلته لأجلي عندما ضاقت بي الأرض وسحقت طواحين الأمل قلبي لتجعله طحينا مشتعلا؟ ما الذي فعلته لأجلي عندما كنت تراني بائسا حزينا جائعا!! كنت أبكي لأجلك ولم أسمح حتى للريح بخطفك من أمام باب الدار، لم أذق للنوم طعما حتى أمنع لصوص التراب من نفيك إلى أرض المجهول!! قل لي – إن كان لك لسان – ما الذي فعلته لأجلي عندما هربت إلى هذه البلاد التي لا تصبح بلادي؟!

كنت تنظر إلي – إن كانت لك أعين – وتراني أروح وأجيء باحثا عن ذاتي التائهة، وعن حياة هادئة وحب صاف، لكنك لم تصبح وطنا لتلك الحياة ولا لذلك الحب!!

كنت تبقى صامتا، كما أنت الآن على هذه الأرض الباردة العارية وفي هذه الليلة الخرساء!! فلا تقل لي بعد: لم أتيت بي إلى هذه الغربة؟!

إنك أنت الذي دفعت بي إلى كل هذا الخراب، أنت من نفيتني. إنه ذنبك أيها التراب، ذنبك أنت. فلا تظنن أنني سأضعك بجانب رأسي على الوسادة لأشمك كل صباح وأقول: ياااه! تفوح من ذراتك رائحة الجنة!!

لا. لا أبداً. لكنني ﺴ…………. “

فجأة عمد إلى أزرار بنطاله وأخذ يحررها عن عراويها بسرعة، ثم بدأ يتبول على حفنة التراب المتكومة كأنين صامت على أرض الحمام الباردة الرطبة.

 

ليس هناك جسم جامد كالمفتاح يحمل المشاعر التي يحملها، فالبصمات التي تبقى عليه ولا يمحوها قانون التقادم هي رسم خفي لاحاسيس الناس الذين حملوا المفتاح واخترقوا عالمهم او خرجوا منه، كالرسم البياني على جهاز تخطيط القلب، يسجل الغضب والحزن والفرح والسكينة، فكيف يكون المفتاح حين يحمله شاعر غادر البيت حاملاً مفتاحه وديوان شعر وشحن على ظهر قارب في البحر أقلع به من حيفا إلى عكا، ثم الى بيروت وإلى.. وإلى..إلى أن التقينا في صوفيا.

في طفولتي لم يقل لي أحد شيئًا عن أبي سلمى.. لا في المدرسة ولا في البيت.. وحين كنّا صغارًا نحفظ الشعر ونتبارى فيه، كنا نبدأ المبارزة الشعرية بما أسميناه “المفتاح”، أي البيت الذي نفتتح به وكان:

أنشر على لهب القصيد        شكوى العبيد إلى العبيد

وكان يصّر على هذا المفتاح معلم اللغة العربية، لكنّه لم يقل لنا من هو قائله، والحقيقة أننا لم نسأل لأننا كنا نبحث عن أبيات ذات قافية صعبة، و”الدال” هو واحد منها، وأمّا معلم التاريخ الذي كان يستجيب إلى إلحاحنا لتمضية درس التاريخ الناشف بمبارزة شعرية فقد كان يصّر على مفتاح آخر، وهو:

ألعرب أشرف أمة               من شك في قولي كفر

ولا أعرف حتى اليوم من هو قائل هذا البيت، لكن معلم التاريخ لم يكمل السنة الدراسية، فقد افتقدناه يومًا وقيل لنا أنه يكتب الشعر وقد طُرد من المدرسة وسمعنا فيما بعد أنه غادر البلاد وصار يتنقل بين مصر وليبيا والاردن ولم يعد إلى وطنه، بل تركنا نسخر من أنفسنا ونحن نسأل:

هل حقًا، العرب أشرف أمة ؟

قد يعود الينا يومًا ويحكي عن العرب، مؤمنًا او كافرًا، ويعلم الله أنه بعد أن تعرف على حالة العرب في الخارج فسيأتينا معتذرًا ليس على كفره بل على يقينه في تلك الأيام.

أبو سلمى

بعد أن أنهيت المدرسة الثانوية في حيفا سمعت لأول مرة عن أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، ويحز في نفسي اليوم أنني كنت أمر يوميًا، ولأربع سنوات متتالية، قرب بيته ولا أعرف أن في ذلك البيت عاش وكتب “شاعرنا القوميّ”.

لم أعرف في ذلك الوقت ما معنى “الشاعر القوميّ” لأن معلمة اللغة العبرية، غرزت في رؤوسنا أن حايم نحمان بياليك هو شاعر قوميّ، ولا يجوز أن يكون هناك شاعر قوميّ لأمة إلا بياليك للأمة العبرية.

عندما كبرت صرت أسأل كطفل صغير:

لماذا لا يكون لنا شاعرنا القومي، مثلما أن لهم شاعرهم؟

وكم أردت أن يكون أبي ومعلم التاريخ شاعرًا كهذا.

إلتقيت أبا سلمى في صيف 1980، في صوفيا مدينة البلقان.

جاء ليلقي الشعر وذهبت لأدرس الشيوعية.

هناك تحدث عن حيفا، وإذا بها مدينة غير التي تعلمت فيها وأعرفها وأقضي معظم ساعات نهاري في غرفة صغيرة من غرف جريدة “الإتحاد” التي احتوت بين جدرانها على طاولة خشبية عريضة، هي طاولة أبي سلمى.

إحتفظنا نحن بطاولة مكتبه واحتفظ هو بمفتاح البيت.

كنا نتحدث إليه عبر طاولته وكان يتحدث إلينا عبر المفتاح.

مناجاة عشّاق لقمر لا يغيب، ولكنه بعيد، بعيد.

سأل عن شارع الملوك وساحة الحناطير وقال أن بيته في شارع البساتين، في حي الألمانية.

سأل:

هل تعرفون البيت؟

هل هناك أحد يحرسه؟

كان أبو سلمى يعاتبنا لأننا اكتفينا بطاولته ولم نحرس البيت، حتى أننا لم نعرفه، ولم نجرؤ على السؤال:

“لماذا ذهبت؟”

غجر

بين حيفا الأمس وحيفا اليوم درج من حجر.

ألماضي من تحت والحاضر من فوق.

بحرها يتراجع وقممها تفقد خضرتها يومًا بعد يوم.

أصبحت مدينة شاحبة مشحونة بدخان المصانع وزعيق البواخر في الميناء.

بكى وهو يحكي وبكينا نحن على بكائه.

“خرجت مع مفتاح وقصائدي.

وقعت قصائدي في البحر وظل المفتاح لأنني ربطته بخاصرتي..”

في طريقي اليه في فندق البلقان جلست على الارض امرأة غجرية وضعت في حضنها رضيعا والى جانبها وقف طفل في السابعة مادا يده للتسول. أردت أن أعطيه لكن مرافقتي البلغارية قالت:

“لا. انهم ليسوا بحاجة، فالدولة توفر لهم كل شيء وهم يرفضون هذه النعمة! الغجر يرفضون النعمة ويفضلون التسول! هذه هي حياتهم! لقد بنينا لهم المساكن وسلمناهم مفاتيح الشقق، فباعوا المفاتيح وتركوا البيوت فارغة وانتشروا في الشوارع.. يغنون ويرقصون ويتسولون..”

(شو هالحكي؟)

“لماذا تضحك يا رفيق؟”

– خذيني الى فندق البلقان واتركيني هناك مع الشيخ الغجري الفلسطيني!

إنه شاعرنا القومي؟ هل للغجر شاعر قومي؟

“لبلغاريا شاعرها!”

قالت الرفيقة نانا، وودعتني عند مدخل الفندق، ولما عانقت أبا سلمى لم يتسلل إلى أذني إلا شهقاته وطقطقة صرة المفاتيح التي حملتها موظفة جميلة وغابت في الردهات الطويلة.

تلة رضوان

رحلة البلقان كانت كالخرافات الموروثة، لا يحيكها سوى القضاء والقدر والمصادفات الجميلة، وفي صميمها إنسان تتقاذفه الأقدار، كهذا الشاعر العجوز الذي يحلم بالعودة إلى بيته ويصفه حجرًا حجرًا، ويسأل عن الدرج وعن غرفة “سعيد “وعن الحديقة ويعاتبنا لأننا لم نحرسها. وحين يبدأ رحلته يختار الأسطورة: “يُحكى عن راعٍ في تلة رضوان كان يغني لجواميسه ويعزف على الناي، أحب ابنة شيخ القبيلة وأحبته فبعث يطلب يدها.

غضب والدها على هذا الراعي “الوقح “الذي يجرؤ على مجرد التقدم اليه بطلب كهذا، فأمر بقطع أصابع يديه عقابًا له.. وكان هذا أقسى حكم ينزل على شاب ترقص أنامله الجواميس في المراعي.. في اليوم التالي رفضت الجواميس الخروج لأن الراعي لم يأتِ ولم يعزف.. وما كان من أهل القبيلة إلا أن قصوا أعواد القصب وركبوها في مكان الأصابع وعاد الراعي ليعزف على الناي فخرجت الجواميس إلى المراعي وتزوج ابنة الشيخ..

قال أبو سلمى أنه تأثر كثيرًا بهذه الحكاية وظلت ترافقه ومنها بدأ يكتب الشعر، كانت هي المفتاح للإلهام، مثلما كانت أصابع الراعي المقطعة المفتاح للموسيقى التي أطربت الجواميس، وهل هناك اقتحام لعالم روحانيّ أو ماديّ دون مفتاح؟

في عام النكبة فقدت عشرات ألوف المفاتيح، منها ما ظل في الأبواب المشرعة ومنها ما وقع على الطريق الوعرية أو في البحر، إذا لم يربط في الخاصرة، وها هم أصحابها ينتظرون أكثر من خمسين عامًا صابرين على فراقها مؤمنين “أن الصبر مفتاح الفرج” مستبدلين مفتاح البيت الحديدي بمفتاح الأمل الذي تبدد بعد أن قامت الجرافات وأخذت البيت والمفتاح.

ألبيت

مات أبو سلمى بعيدًا بعيدًا عن وطنه، بعد شهرين من لقائنا في البلقان.

مات في أمريكا ودفن في دمشق وترك المفتاح لابنه سعيد..

عدت إلى البيت في شارع البساتين، لأبحث عنه ولأسأله إن كان هو أيضًا يشتاق الى أهله مثلما يشتاق أهله له، وقد كنت أمّر يوميًا بجانبه ولا أراه، وربّما لأن معلمة المدنيات اليهودية قالت لنا: “العرب في حيفا هربوا خوفًا من البراميل التي دحرجناها في نزلة ستيلا مارس وعلى الدرج الذي يفصل بين حيفا من فوق وحيفا من تحت ففكروها طائرات ودبابات.. وتركوا بيوتهم وهربوا، ويقال ان امرأة حملت وسادة بدلا من ان تحمل رضيعها الذي نام في السرير.. وعندما دخلنا كان الطبيخ على النار.. “

عدت إلى حيفا بعد رحلة البلقان وذهبت إلى حنا نقارة، صديق أبي سلمى، وطلبت منه أن يأخذني إلى البيت.

وقع خطانا على السلم الخشبي لم يوقظ أهل البيت.

إنتظرنا أن يفتح أحد بابًا ويقول:تفضلوا!

كنا كمن يتحرك في كهف مهجور.

“هذه غرفة النوم”..

وضرب حنّا بكفه على جدار اهتز هزات خفيفة واختفى رجع الصدى، وفي عينيه علقت دمعتان.. أما السقوط على أرضية “الكوريدور” الخشبية وأما البقاء في عناق طويل مع الرموش الذابلة.

طرقنا على الباب.. لم يسمع صوت.

“ربما أنه مهجور”

طرقنا مرة اخرى.

“من هناك”؟

ردّت علينا امرأة كأننا أيقظناها من سبات عميق.

لم نعرف كيف نعرّف عن أنفسنا، ولو عرفنا لأثرنا خوفها في مدينة عندما يطرق غريب وصل بلا موعد على أبواب منازلها، فإما أن يكون حراميًا وإما أن يكون شرطيًا وكلاهما يثيران أشد أحاسيس الخوف.

“سلام عليك أيتها السيدة”

وجوم..

“هل تسكنين هنا منذ زمن بعيد؟ منذ عام1948؟”

عجوز في الستينات وقفت خلف بابها المشقوق وحدقت بنا حيرى ومرتبكة ونحن ألقينا بنظراتنا إلى باطن الغرفة.

“أسكن هنا منذ عام 1949”

أشار حنا إلى الغرفة الواسعة وقال، هذا هو الصالون.. كان يستقبلنا هنا.. وسألنا السيدة:

“هل تعرفين من كان يسكن الدار قبل مجيئك”؟

فأجابت السيدة:

“لا أعرف! عائلة بولونية.. قبلها سكنت عائلة ألمانية..”

قال حنا نقارة:

“هذا البيت لقريب لي توفّي قبل شهر.. نزح عنه قبل 32 عامًا..”

سألت السيدة:

“هل هو عربيّ؟”

إمرأة عجوز قدمت من رومانيا عندما كان صاحب هذا البيت يحمل المفتاح وقصائده ويركب قاربًا أبحر به بمحاذاة الشاطئ من حيفا، إلى عكا، إلى طرابلس..

“هل تعلمين أن صاحب هذا البيت هو شاعر فلسطيني كبير توفي قبل شهر؟ هل تعلمين أنه ظل يحتفظ بمفتاح البيت على أمل العودة؟”

حركت رأسها كأنها تقول: “مسكين هذا الشاعر!” ثم واصلت: “البيت قديم وقد طلبت من البلدية أن تعطيني بيتًا آخر، ولكن لا يوجد فلوس.. أسكن في غرفة واحدة، هنا مطبح وهنا حمام وهنا غرفة مسدودة بالباطون.. سدتها البلدية، إنها تدلف، جدرانها مشققة وشبابيكها محطمة..”

مد حنا يده وصافح السيدة العجوز. الدمعة التي تراخت على الرموش الذابلة انقسمت وتساقطت على خده. عدنا إلى السلم الخشبي، والكوريدور، وخرجنا من المدخل. هناك بيت فوزي بندر، كان وكيل شركة تأمين، وهذا بيت زكي التميمي، وهذا لحسين عبد الصمد، وهذا للدجاني وهذا للعنبتاوي، وهناك نصار الفرمشاني، وهذا بيت المحامي عيسى هزو.. هل حملوا مفاتيح بيوتهم التي بنيت من حجر وما زالت قائمة حتى اليوم؟

زنزانة

رهيبة صكصكة المفاتيح حين تجتمع وتتراقص على خاصرة راهب يمشي في دهليز إلى غرفة معتمة في الأديرة القديمة، أو حين تصطك في يد سجان تسمع وقع بسطاره عندما تكون منقبضا في زنزانة، وتعلو شيئا فشيئا إلى أن يتوقف، فتقف على رجليك لتصغي بترقب وتوتر إلى معركة حشر المفاتيح في الثقب الوحيد الذي يربطك بالعالم الخارجي، وعندما تسمع “طقة” وتتلوها أخرى اقوى منها تتنفس الصعداء لأن السجان يفتح الباب ويأمرك أن تخرج إلى أن يعيدك ثانية.

ليس بيني وبين المفاتيح علاقة عشق, وقد جاء مفتاح أبي سلمى ليحررني من حقد على المفاتيح كان اشتد في نفسي في ليلة من ليالي أيلول 1977.

في منتصف تلك الليلة حرقت كل سجائري، ولم يكن من عادتي أن لا أبقى سيجارة لقهوة الصباح، لكنني فعلتها في تلك الليلة، فتبين لي فيما بعد أن السيجارة في البيت كالحجاب يطرد “الوسواس الخناس” ويبعد الشياطين وأولاد الحرام وإلا كيف حدث أن في تلك الليلة وبعد أن أقفلت الباب واسترخيت على سريري وما كدت أغمض عيني حتى سمعت طرقا شديدا على الباب وهرجا ووقع خطى أيقظ طفليّ وزوجتي فقاموا مذعورين وأنا معهم، ولما فتحت الباب واذا بثلاثة رجال وأربعة وخمسة وعشرة تجمعوا في المدخل بلباس مدني وبوليسي وقال أولهم: “جئنا لنفتش البيت!”

وناولني ورقة لم أقرأها، ودخلوا بقوة وانتشروا في أركان البيت وفتشوا في المكتبة وفي الخزائن وفي الثلاجة وتحت الفراش، ووصل عددهم إلى أكثر من ثلاثين رجلاً ضاع بينهم طفلاي وهما يبكيان ولا يفهمان ما يدور في البيت. كان على طاولتي مفتاح كبير لبوابة قديمة ورثته عن جدي. حين كنت أتأمل فيه وأقرأه كان يعيدني إلى تلك الأيام وذلك الجيل وإلى الحالة الفلسطينية التي تجمعني بهذا الجيل المعذب، ويبدو أن ضابط العملية بذكائه المخابراتي الخارق أدرك عمق العلاقة بيني وبين هذا المفتاح فبدأ يحقق: “من أين لك هذا؟” وأمرني أن آخذه إلى البوابة الكبيرة، ولما أقنعته أن مثل هذه البوابات كان في زمن البيوت الحجرية الكبيرة التي هدمتها جرافاتهم، عندها سحبه بعصبية وقال: “سيكون شهادة ضدك”، وأمرني بأن أصعد الى السيارة واختفى المفتاح.

أمضيت ليلتين في زنزانة “الجلمة “ولم تكن المرة الأولى التيأعرف فيها السجن والزنزانة، ولكنها المرة الأولى التي شعرت فيها أن السيجارة تصبح في السجن وسيلة تعذيب. قلت للسجان: “أعطني سيجارة!” نظر إلي وابتسم ابتسامة خبيثة عبر الفتحة المربعة في وسط الباب وقال: “بعد قليل”، واصطكت مفاتيحه وغاب.. وكانت هذه “البعد قليل” ساعتين وأكثر عاد بعدها وفتح الطاقة وناولني سيجارة وقال: “نسيت علبة الكبريت, سأذهب لأحضرها بعد قليل”. وكانت “البعد قليل “الثانية أطول من سابقتها, وأدركت أن طقوس التعذيب قد بدأت… ولم أشعر بالانفراج إلا عندما كان السجان يفتح الباب ويقودني إلى غرفة التحقيق.

ثلاثة محققين كانوا هناك: طيب وشرير وبشع. ألطيب عرض علي سجائره والقهوة وكان مؤدبا وحاول اقناعي بأن أرتدع عن خطي السياسي المناهض للسلطة وعرض علي المال والوظيفة وحتى عضوية الكنيست. وفتح ملفا كبيرا وقال: “كل ما كتبته ونشرته وقلته محفوظ عندنا.. وهو مترجم حرفيا”.

قلت له: “أنا سعيد أن هناك من يهتم بما أكتب. وسعيد أكثر أن كتاباتي تترجم. حبذا لو تقومون بنشرها بلغتكم”.

أغاظه هذا الكلام “الصقع”, فهب من مكانه وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل عليّ الشرير وقال أنه يستطيع ان “يخرب بيتي” وأن “يجعل حياتي جحيما وأن الدولة التي انتصرت على مائتي مليون عربيّ لا تحسب حسابًا لواحد مثلي”.

قلت له: “أعرف أنكم اقوياء وأنا لا أتحدى دباباتكم”.

قال: “اذن ستظل مشاكسًا؟”

وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل البشع. شاب طويل وضخم ومفتول العضلات صار يبرم حولي ويلف ويدور وينظر إلي نظرات مرعبة, وقال: “من أنت؟ ماذا تساوي؟ أنت لا تساوي الرصاصة التي ستخترق دماغك. لا.. لن نخسر عليك رصاصة. نحن سنطلق سراحك. سنقول لك أنت حر, إذهب أينما شئت, وستركب سيارتك، وتسافر وفجأة تأتيك سيارة شحن كبيرة، سيمترلر،  وتدوس عليك كما يدوس الفيل على النملة، وبعدها ستركض زوجتك خلف شركة التأمين لتدفع التعويضات”

وتكررت هذه الجولة الثلاثية لمدة 48 ساعة. تعلمت منها درسا واحدا: أن لا أنام ليلة دون أن أترك سيجارة لقهوة الصباح.

أطل عليه..

وصرت أكره المفاتيح وصكصكتها. إلى أن كان ذلك اللقاء مع أبي سلمى في فندق البلقان في صوفيا. صار للمفتاح معنى آخر في حياتي. علمني مفتاحه أن ليلتي ويومي في سجن الجلمة كانت المفتاح إلى عالم من المواجهة ليس فيه تنازل ولا مساومة ولا التفاف على الحق.

“سنلتقي في حيفا”، قلت لأبي سلمى.

بعد شهرين رحل تاركا المفتاح وقد أُشبِعت قصائده الضائعة بملح البحر. بعد سنوات قليلة أَخلت العجوز الرومانية البيت، ربما انتقلت الى بيت آخر أو الى العالم الآخر. ظل البيت مهجورا لعدة سنوات أخرى. لم يقم أحد بزيارة البيت. مررت يوما من هناك، كانت الجرافات قد أنهت عملها، والبيت تحول الى ركام صارت الجرافات تحمله على شاحنة كبيرة وتطاير غبار كثير. لم يبقَ لبيتِ شاعرنا القومي أثر. هناك في حيفا، حي الألمانية ساحة كبيرة هي موقف سيارات أطل عليها من مكتبي في “معهد إميل توما”، فتأخذني بعيدا إلى فندق البلقان وإلى مفتاح على خاصرة شاعر لم يقدر على حماية قصائده فسقطت في البحر ولم نقدر على حماية بيته فمسحتها الجرافات.

عندما أخرجت البطاقة البريدية التي بعثتها تيريزا، من صندوق البريد، كانت الساعة الثالثة ظهرًا. لم أقرأها بصورة دقيقة في البداية، إنما ألقيت عليها نظرة عابرة ودخلت البيت وهي لازالت في يدي الفارغة. رميت الحقيبة الصغيرة التي كنت أحملها فوق المائدة التي توسّطت الصالون، ودخلت الحمام مباشرة. كان يوماً حاراً بصورة غير معتادة. فتحت ماء الصنبور ـ كما هي عادتي في كل الأيام الحارة ـ وتركت الماء البارد يملأ حوض البانيو. نزعت ملابسي بسرعة، ودخلت إلى الماء، قبل أن يمتلئ الحوض، وبعد أن وضعت ساعة يدي والبطاقة إلى جانب المجلات والرسائل التي تكدست فوق كرسي صغير كنت أتركه تحت متناول يدي بجانب الحوض مباشرة. لبرهة غطست رأسي في الماء ثم نفضته، حتى تناثر الماء فوق الأوراق. سحبت منشفة قريبة ونشفت يدي المبللة، ثم تناولت البطاقة بيد مرتعشة. تطلعت بالصورة. لأرى حانة قديمة، بخشب عتيق وكراسٍ وموائد زرقاء، فيما وقف رجل أسود ذو ملامح جميلة، عند طاولة الخدمة، أضاف الشعر الأبيض سحرًا على خصلات شعره. “حانة همنغواي في الـ لاهافانا”، كُتب بالإسبانية خلف البطاقة. ولكن تيريزا لم تكتب الكثير. اكتفت بتدبيج جملٍ قصيرة خاطفة، تشبه أسلوب همنغواي في الكتابة: “جوال الآفاق والكلمات… أيها البحار الأرضي… لا تندهش من بطاقتي هذه. كان علي أن أرسلها إليك من الـ “لاهافانا” ولكني سافرت إلى مدريد فجأة. وها أنا أرسل هذه البطاقة من مدريد. انتظرني يوم 16 يونيو الساعة السابعة عند المحطة في مقهى “Regreso”. إلبس البدلة الكاريبية البيضاء والقبعة البَنَمِيّة والحذاء الأبيض. مازال بيتك قلبي”، ثم كتبت ملاحظة تحت: “آمل أن تكون قد نسيت الحرب! ولكن أنت على حق، أي حرب؟!”. لم تنسَ أن تلحق نكتة قديمة على البطاقة “أكيد ستصلك البطاقة في نفس يوم وصولي”، وهي تعرف أن حياتي مجموعة مصادفات لا غير. إذن مازالت أمامي أربع ساعات لحين ذهابي إلى المحطة لاستقبال تيريزا. لكن تلك الأربع ساعات التي تبدو في الأيام العادية قصيرة جدًا، صارت لي تلك الظهيرة عذابًا لا يطاق، لم أكن أصدق مجيئها بعد هذه المدة الطويلة. كنت يقينًا أحتاج أكثر من أربع ساعات لاستيعاب أمر لقائنا من جديد. بالطبع كان بإمكاني تمزيق البطاقة، أو التصرف كما لو أنني لم أستلمها، ولكن كيف سأواجه نظراتها لي عندما تفتح باب الدار وتراني هنا؟

أعرف تيريزا منذ خمس سنوات، منذ زيارتي الأولى لمدريد وقبل انتقالنا أخيرًا إلى لشبونة. أحببنا بعضنا بعنف وكرهنا بعضنا بنفس القدر من العنف. إنفصلنا عن بعضنا ما يقارب خمس مرات على الأقل، ورجعنا إلى بعض بنفس الوجد السابق، لنبدأ شجاراتنا بعدها بحماس جديد. وعندما أقول انفصلنا عن بعضنا، فأنا لا أعني تلك الانفصاليات التي تدوم لليلة أو ليليتين، والتي عشناها مئات المرات في قصص حبنا، بل أعني تلك الانفصاليات التي تستغرق وقتًا طويلًا، كما حدث في المرة الأخيرة. لم ألقِ بأشيائها بعيداً، إنما حرصت على الإبقاء عليها في مكانها، كما تَرَكَتْها هي. في الغرفة مازال يقبع دولاب ملابسها، وفي الحمام مازالت أدوات زينتها هناك، مجموعة إيف سان لورين، وعطر الكارتييه موست وشانيل كوكو وبالوما بيكاسو، وعند حافة البانيو توزعت قناني الشامبو “بودي شوب” الجوز البرازيلي وعسل النحل، قناني الصابون السائل من المسك الأبيض وسائل البرقوق، فيما استقر عند حافة شباك الحمام، بالضبط فوق الحوض، السائل الحليبي الأبيض الذي كانت تستخدمه لدهن جسمها والذي بعد كسري لعلبته الأصلية ذات مرة دون أن أدري، وَضَعته لها في علبة نسكافيه فارغة! ما أزال أتذكر ضحكتها عندما رأت العلبة في اليوم الأخير قبل أن تذهب. رأيتها تتفحصها، مقلبة إياها بين يديها، وعندما رأتني أتطلع إليها، ضحكت وقالت لي أنها ستترك لي الدهن لكي أستخدمه.

كانت مرت سبعة أشهر وأسبوعان وثلاثة أيام على تلك الظهيرة، عندما نَزَلَت من البيت مع حقيبة صغيرة، بعد سماعها صوت رنين الجرس. حينها مددت رأسي من الشباك، فرأيت رجلًا غريبًا ينتظرها تحت. تبعتُها حين خرجت، دون أن تدري أو ربما لاحظت ذلك، حتى وصلت إلى الميناء، ورأيتها تتجه متأبطة ذراعه إلى باخرة رست هناك، كان يرتفع فوقها العلم الكوبي. لم أحقد عليها، ولم أغضب لذهابها مع رجل آخر، بالرغم من تألمي لِما حدث بيننا، لا لأني رجل “عصري وليبرالي”، بل لحبي لبحارّة العالم. ولقد تصالحت مع نفسي بطريقة ما، قائلًا، “ولمَ لا؟ أنت السبب، فبالرغم من تبجّحك أمامها في أيام العلاقة الأولى بكونك “بحارًا على اليابسة”، لا ينافس حبه لها غير السفر، وأنها هي التي كانت مستعدة لترك عملها الصحفي، المسكونة بشغف الترحال، الكائنة التي كنت تبحث عنها من أجل التجوال والضياع معها على سطح هذه الكرة، ليكون وطنكما حيث تطأ أحذيتكم، إلا أنك منذ تعرّفك عليها، وأنت باقٍ في مكانك. في مدريد كنتَ تتحجّج قائلًا، آه لو كانت مدريد مفتوحة على البحر، لسافرتُ كل يوم، حينها سَأَلت أين تريد أن تسكن، فقلت لها “في لشبونة”. فسألتك لماذا، فقلت لها مستعيرًا بيتًا من الشعر لرافائيل ألبرتي كان يقصد روما به “لشبونة خطر على الجوالين”، ثم أعقبتَ “أعشق الموانئ وأحبها بقدر حبي للبصرة”. لم تعلّق في حينه، ولكنها بعد أربعة وعشرين يوماً، جاءت وطلبت منك أن تستعد لحزم الحقائب وللذهاب إلى لشبونة. كانت قد طلبت من الجريدة التي تشتغل بها الانتقال إلى هناك دون أن تُعلمَك بذلك. هكذا ذهبتما إلى لشبونة. بعد ثلاثة عشر شهرًا وعشرة أيام، كشفت لك بأنك تكذب وبأنك لم تعد تتحرك كما كنت سابقًا. قالت “ربما هرمت”. وإذا نفيت ذلك، متحججاً هذه المرة بـ”خراب البصرة”، فبعد البصرة من الصعب عليك محبة ميناء آخر، تعلق هي: “إذن هي الحرب التي مازالت تشلّك!”. ألحرب، الحرب. أي حرب؟ الأولى؟ الثانية؟ الثالثة التي قد تحدث؟ أم هي الحرب الأبدية المشتعلة أبدًا هناك؟ ربما لم أفكر بما قالته بجدية، لولا ذهابها مع البحار الكوبي.

سبعة أشهر وأسبوعان وثلاثة أيام وأنا أفكر بوضعي، أحاول ترتيب حياتي بدونها. طبعًا تألّمت كثيرًا، وبكيت رحيلها أكثر من مرة. كنت أعتقد أن رحيلها عني سيدوم إلى الأبد. فطوال علاقتنا لم تخفِ رغبتَها بالذّهاب إلى جهة الأطلسي الأخرى. مرات عديدة حدثتني عن أجدادها الذين كانوا يعيشون في مدينة قاديش الأندلسية قبل أن يرحلوا إلى كوبا. كانت صغيرة آنذاك، عندما كانت أمها تريها صور أهلها الذين رحلوا بعد الحرب الأهلية الإسبانية إلى “لا هافانا”، قبل أن تلحق الأم بهم هي الأخرى وتترك الأب الذي لم يكره في حياته شيئًا مثل السفر. كانت قد مرت خمسة وعشرون عامًا على تلك الجملة التي قالها لها “لماذا أرحل وقاديش هي لاهافانا”. منذ طفولتها وهي تحلم بالرحيل إلى كوبا. “وأنت؟”، تسألني. فأقول لها، نعم سنرحل سوية، ولكن تمّهلي، لأنني ما أن أطير إلى الجزء الآخر من العالم حتى لن أرجع. فتسألني “ما الذي يربطك بهذا الجزء من الأرض؟”. أصمت. فتقول “أعرف، ستقول البصرة. ولكنها لم تعد البصرة. لا شئ غير الحرب!”.

ألحرب، الحرب، ولكن أي حرب؟ ليست تيريزا الوحيدة التي تقول لي ذلك، إنما أنا أيضا أعتقد أنني مسكون بالحرب. أكثر من خمس سنوات وأنا لم أتعب من رواية أحداث الحرب لها. لا يهم ما تكون المناسبة. سيان إن كنا نجلس أمام التلفزيون، أو عندما نرى جنودًا في المدينة، أو حتى عند سماع أشرطة موسيقية. كل شئ يذكرني بالحرب.

لم تنسَ تيريزا من طرفها كل ذلك، ففي رسالة قديمة كتبتها لي قبل رحيلها، بالرغم من أننا كنا نسكن سوية، والتي استقرت مع حزمة مبعثرة تحوي رسائلها القديمة الأخرى وبعض رسائل أختي وأخي والأصدقاء، أضعها على عادتي القديمة قريبا مني أثناء استحمامي لأستّل واحدة منها أو أكثر كلما غطست في البانيو (كانت تكره العادة هذه وتقول لي “لا عجب إذن أنك لم تنسَ الحرب فهل هناك رسالة منها لا تتحدث عن الحرب وشجونها؟”) لم تعرف أنني كنت أضع رسائلها هناك أيضًا، ربما لأنني كنت أدفع بها عمدًا تحت كومة الرسائل، أقول في تلك الرسالة والتي قرأتها للمرة العشرين، ذكرتني بكل تلك التفاصيل، بإصراري على سماع موسيقى بوني إم (السخيفة كما تسميها) وتوم وايتز بسبب حب صديقي مُلهَم لهم والذي أُسِر منذ أيام الحرب الأولى وما يزال. ولكن أية حرب منها؟ بل ذكرتني حتى بشكوى الأصدقاء “لا همّ له غير الحرب، وكأنها لعنة ما برحت تُطارده” لم تنسَ قصة البدلة البيضاء والقبعة البَنَمِيّة والأحذية البيضاء، التي أهدتني إياها صاحبة الحانة ماتيلدا قبل مغادرتي البصرة. تلك الأيام عندما سمعت تيريزا أنني أضعتُها، فاجأتني بشراء بدلة وقبعة بَنَمِيّة وأحذية بيضاء في إحدى رحلاتنا إلى فلورنسا. (ولكن ماذا أقول لها الآن إذ كما ترون ها أنني أجلس بينكم من دون الحذاء الأبيض الذي أضعته مرة أخرى؟). ذلك اليوم قالت لي عندما سلمتني البدلة، “هل تعرف لماذا أهدتك ماتيلدا تلك البدلة؟”، فقلت لها متحديًا “ها،  ماذا تعتقدين؟”، فقالت ضاحكة “إنك لا تفهم يا عزيزي، لكي تخرج من جحيم الحرب؟” فسألتها وماذا يعني ذلك بالنسبة لي الآن، فأجابت “كفّ عن هذه اللعنة التي تُطاردك”. الحرب. الحرب. أية حرب؟ كم رغبت بالفكاك منها ونسيان كل ما جرى لي. بل أقول بصدق أنني حاولت بكل حماس نسيان يوم اندلاعها. ولكن يبدو أنها قَدَر يُطاردني، ابتداء من مغادرتي البلاد لحد الآن. فالرسائل التي تأتيني طوال هذه السنين مثقلة بكل ما جرى بسببها.

ألحرب. ألحرب. كم مر على اشتعالها؟ خمسة عشر عامًا وتسعة أشهر ويومان؟ أم خمس سنوات وإحدى عشر شهرًا وثلاثة أسابيع وثلاثة أيام؟ أم خمس سنوات وسبعة أشهر وسبعة أيام؟ أم هي بطول حياتنا؟ ألم تنشب منذ مجيئي أو مجيئكم إلى هذا العالم، في تلك البلاد التي لا تبدو بعيدة جغرافيًا الآن عنا وحسب، إنما هي بعيدة بسبب ما جرى لها وبسبب ما جرى لنا مئات السنين الضوئية. تلك البلاد التي لست الوحيد الذي نسيها، بل لست الوحيد الذي ما عاد يتذكر منها غير الحرب. تيريزا كانت تقول لي “كأن الحرب نشبت بينك وبين تلك البلاد!” ملاحظة ليست في غير محلها. لكنها لا تقدم لي الكثير من العزاء. والآن وأنا أروي القصة لكم، أحاول تذكر أشياء أخرى منها، مثلًا: الأصدقاء، أماكن الطفولة، الحب الأول، التجربة الإيروسية الأولى، الكأس الأول… عبثاً، لا تحضرني غير الحرب. حتى وإن أنجح في طردها بعض المرات، فإنها تنقض علي مثل طاعون مصر، أنها تقتحمني مثل لعنة يهوا، مثل أمطار الثأر التي بعثها ضد المدن المسحوقة في بداية العالم.

تلك الظهيرة في لشبونة، وبعد أن انتهيت من حمامي، ومن وجع رأس استحوذ علي ساعات طويلة، قررت الانتهاء من الحرب تمامًا، بل رميت شريط بوني إم وفالس مع ماتيلدا، ولبست البدلة الكاريبية البيضاء والقبعة البَنَمِيّة، للأسف مع حذاء أسود، (لعدم عثوري على الحذاء الأبيض في فوضى بيتي)، فعلت ما طلبته مني تيريزا. تلك الظهيرة أيضا أيقنت أنني أحب هذه المرأة حد العبادة، ولا ينفعني لا كبريائي ولا تبجحي في الاستغناء عنها أو نسيانها. ولا يهم إن تركتني وذهبت مع من تشاء من الرجال، فأنا أحبها. أفعل ما تراه. من الغريب أننا ندور وندور ونلتقي بنساء كثيرات حتى نتعرف على واحدة، واحدة ستكون هي مركز العالم، لا يهم من تكون وماذا تفعل. لا يهم تلك الحروب المعلنة والغير معلنة بيننا. هي فقط. والسلام. هل قلت السلام؟ هل كانت تيريزا بديل الحرب؟ أهي السلام؟ لا أدري. فضلًا عن ذلك السؤال، طنَّت في رأسي أسئلة أخرى، وأنا أقود السيارة باتجاه محطة لشبونة، لدرجة أنني لم أشعر بالمسافة التي قطعتها من بيتي في شارع دوس دورادوريس وحتى الكراج التحتي التابع للمحطة. لم أنتبه للزمن إلا عندما أصبحت عند صحن المحطة وتواجهني الساعة الكبيرة: السادسة وعشر دقائق. إذن ما زال أمامي الكثير من الوقت. توجهت إلى كشك الجرائد اشتريت جريدة الحياة وإلبائيس الإسبانية والبوبليكو البرتغالية ولاريبوبليكا الإيطالية وزوددويتشه تزايتونغ الألمانية والغارديان البريطانية ونيويورك تايمز الأميركية (عادة أفعلها كلما سافرت في القطار أو انتظرت في مقهى، لأستمتع بإثارة فضول الناس أنني أقرأ بلغات متعددة!)، وتوجهت إلى المقهى الكبيرة عند المحطة “Regreso” حيث طلبت مني أن أنتظرها عند السابعة مساءً. كنت مبتهجاً بالفعل، وكنت متيقناً أنني سأفاجئ تيريزا بالبدلة البيضاء والقبعة البنَمِيّة وبقراري الذي انتهيت منه في البانيو هذه المرة. سأقول لها، أننا سننتقل إلى ريف إسبانيا أو إلى ريف التوسكانا، أو إذا شاءت سنذهب إلى الباراغواي ونربي البقر هناك، سنعيش سوية هذه المرة وللأبد، لن أسألها عن الرجل الكوبي ولا عن الرجال الآخرين، بل سأحبها أكثر، سأنسى الحرب تمامًا، وسننجب أطفالا.

حدث ذلك ـ حسب ما أتذكر ـ في أحد أيام الآحاد من الصيف، في شهر يونيو/حزيران منه، كنت قطعت المحطة متوجهاً إلى مقهى “ٌRegreso” القريب، بعدما تصفحت الجرائد ثم ضممتها تحت ذراعي، لمّا سمعت صوتاً ينادي بالإسبانية من بعيد:

“كامبوس، كامبوس”

في الوهلة الأولى اعتقدت أن الشاب الذي كان يلبس ملابس الجنود البحرية يقصد شخصاً آخر، ولكن عندما رأيته يقترب مني، ويعانقني، لم يعد عندي أي شك بأنه يعنيني، “كامبوس، أيها الرجل العنيد، كيف حالك يا شبيهي؟”، قلت له، بعد أن تطلعت به ووجدت أنه يشبهني بالفعل، “أرجوك تفحصني جيدًا، ألا تعتقد أنك تبالغ، فأنا من مواليد البصرة.” ضحك، ثم ضربني على كتفي، وعلق، “غريب، لم تترك أحلامك، كنت تحلم دائماً بالسندباد والبصرة.”، سكت. ابتسمت، وهززت كتفي.

في الحقيقة فكرت حينها، لمَ لا؟ فمازال لدي خمسين دقيقة من الوقت. وهي قصة جميلة. تذكرت أننا يجب أن نخترع القصة أثناء كتابتها، فلماذا لا نفعل ذات الشيء عند روايتها! وأنا الآن أخترع القصة أثناء سردي لمجرياتها. ولقول الحقيقة، فبطريقة ما، أحسست بحنين قديم لملابس البحرية التي لبستها على مدى ستة أشهر من 1 أكتوبر 1978 حتى 1 مارس 1979، عندما كنت في القاعدة البحرية في البصرة مترجمًا لجنرالين ألمانيين شرقيين. كانت أيام خدمتي الذهبية. وكانت جارة بيت جدي المتزوجة تنتظرني بوجد وتصر على لبسي الملابس البحرية عند لقائي بها. وما أزال أتذكر أيضًا، عندما انتهى استخدامي في شعبة الرياضة التابعة للقوة البحرية، والتحاقي بمعسكر المحاويل في الحلة، كيف أن ضابط بطرية المدفعية التي نُقلت إليها صرخ بي: “انزع ملابس النسوان هاي، قشمر”. لم يكتفِ بذلك إنما عاقبني بالزحف على طول ساحة العرضات وعرضها قائلاَ “راح أراويك العسكرية شنو معناها، وشلون راح نحرر فلسطين”.

“قل لي…”، “آليخندرو”، أجابني عندما كنت أسأله ونحن نجلس في مقهى “Regreso”. “آليخندرو، هل صنف البحرية عندكم مكروه أيضاً بين الأصناف العسكرية الأخرى؟”، ضحك وسحب سيجارتين من علبة سجائره. قدم واحدة، فأخذتها رغم تركي التدخين منذ زمن طويل، “أومبرة، سيجارتك الكوبية المفضلة.”، قال لي ذلك وهو يشعلها، “كامبوس، كيف نسيت ذلك.”، أضاف وهو ينفث دخان سيجارته، “ألا تتذكر ضابط المشاة زين العابدين، الذي جعلنا نقف في الشمس يومين في بوينس أيريس، عندما كنا عائدين للتو؟”، علق، وقد بدأت أسارير وجهه تتقلص، “عائدين؟ آليخندرو، من أين كنا عائدين؟”، سألته، فنظر إلي متفحصًا. صاح بالجرسون ليجلب لنا كوبين من الكابيتشينو، ثم فتح فمه، “كنتَ دائمًا ذكيًا يا كامبوس، تلعب أدوارًا عديدة. مرة الأصم. مرة الأعمى. مرة الأبكم. أنني أحسدك”، توقف قليلًا ليرى ردة فعلي، ثم استمر بالكلام هذه المرة دون أن ينظر إليّ، متفحصًا سيجارته التي أتى على أكثر من نصفها، “أنت صاحب اللسان السليط المثقف، لم تقل كلمة للضابط الذي عاقبنا في ثكنة بوينس آيريس لا لشيء إلا لأننا تابعين للقطعات البحرية، وكان يعتقد أن كل القوات البحرية خانت الجيش في حرب الفولكلاند لأن تربيتهم إنكليزية.”، لم أعلق. جاء الجرسون بأكواب الكابيتشينو. أوقف آليخندرو الجرسون وهو يأتي على كوب الكابيتشينو كله ليطلب واحدًا آخر. رمى ببقايا سيجارته على الأرض، “كنت تقول أننا نستحق ذلك، لأننا كنا هناك، بالرغم من معرفتك أننا لم نقاتل.”، دفعت له بكوبي الذي أشربه وقلت له سأنتظر الكوب الذي سيأتي. أخذ آليخندرو هذه المرة جرعة كبيرة أيضاً، “كنت أسألك هل نحن على حق أم الإنكليز. وطبعاً كان جوابك الذكي دائماً”، توقف قليلاً، أخذ جرعة أخرى، وأشعل سيجارة جديدة، ثم أكمل محاولًا تقليد صوتي، “أعرف إذا انهزم الإنكليز فأن حكم الجنرالات سيطول”، صمت، ثم أعقب:

“بالرغم من أنك لم تكن مع الإنكليز.”

جاء الجرسون بكوب الكابيتشينو الثالث. رحت أرتشفه بهدوء. هكذا بقينا جالسين لمدة ما يقارب أربعين دقيقة، لا أدري كم سيجارة دخنّا وكم كوبًا من الكابيتشينو شربنا واحدًا تلو الآخر. آليخندرو يروي القصة تلو القصة عن الحياة هناك، في الفولكلاند. وأنا لم أحاول مقاطعته أو تكذيبه. لماذا؟ كان الشاب يُلقي جمله بقناعة تامة، فيما كان الأمر يلتبس عليّ بسبب ما يقوله، لا يهم إن كنت مقتنعًا بما يرويه أم لا، إنما المهم بالنسبة لي كان رواية الحكاية. طبعاً، كان بإمكاني إيقافه وإشهار هويتي الشخصية أمامه، ولكن كيف أقنعه بجنسيتي الألمانية وقد قلت له في البداية أني من مواليد البصرة؟ وحديثي مع الجرسون باللغة البرتغالية! بل كيف أفسر له إجادتي الحديث معه بلغته الإسبانية (بالرغم من أنه كان يعتبر عدم تحدثي معه بلهجته الأرجنتينية له علاقة بخروجي من الأرجنتين وهي محاولة ذكية مني لتغيير هويتي). ولكن ما هو المنطق أمام شخص يروي القصص على طريقته. ألا يمكن أننا نخترع القصة أثناء روايتنا لها؟ فآليخندرو لم يتحدث عن ماضٍ بتفاصيله فقط ـ حتى أنني كنت أشعر أنني كنت معه بالفعل ـ إنما عن حاضر.

سألته ما الذي يفعله في لشبونة، فحدثني عن باخرتهم القادمة من الأرجنتين، هم في زيارة سريعة لتبادل الخبرات العسكرية، “لم أذهب مع الآخرين، كان هناك نداء يناديني ويقول لي أن كامبوس، شبيهك الذي فقدته في بوينس أيريس، بعد الحرب، لم يقتلوه، إنما هرب ليلجأ إلى موانئ الله، فهو الوحيد الذي نجا من قدرنا، أنت تعرف أننا: إما مدفونون أو مسجونون أو مبعدون.”، تُرى هل أفكر بصديقي ملهم، الأسير بنفس الطريقة. حينها فكرت بالفعل بحماقة الاعتراض على ما يرويه، “ها أنت ترى يا صديقي، السندباد لا يموت.”، قال لي وافتر ثغره عن ابتسامة عريضة، “ها أنا أراك مثلما كنت تقول دائمًا بحارًا على اليابسة”، بعد تلك الجملة التي خرجت من فمه بصوت فيه نغمة لاتينية جميلة، أضاف وهو يؤشر إلى ملابسي الكاريبية، “أنت رجل كاريبي، لا تعوزك إلا أنثى الدلفين!”، فسألته ماذا يعني، فأجاب، “ألا تذكر القصة التي روتها لك صاحبة الحانة عن رجال الأمازون في مدينة ماكوندو؟”، وعندما رآني صامتاً، أكمل، “عندما يرى هناك نفر من الرجال إناث الدلفين تلعب، يحملوهن إلى اليابسة، يلعبون معهن ثم ينامون معهن الليلة كلها”، ضحك وغمز في عينيه، “أنت تعرف أنها تمنح القوة”، لم تتوقف يده من مداعبة أطراف قبعته البحرية، فيما لم تفارق الابتسامة شفتيه، “وأنت أين دلفينك؟”، فقلت له، “رحلت مع بحار كوبي. هل تعرف أنه يشبهك؟”، ضحك وسألني، “لم تنسَها طبعًا؟”، هززت رأسي بالنفي، فقال، “عجيب، في حديثك الكثير من الصحة، فنحن ندور وندور وفي النهاية نستقر عند واحدة، لا يهم من تكون وماذا تفعل بنا”، فسألته متأففًا، “وما هو العلاج برأيك؟”، تطلع بي لوقت غير قصير، حتى شعرت بتوقف كل شئ: دقات قلبي، لغط رواد المقهى، حركة الدخان.

“فقط هو الموت الذي سيحررك منها”، فقلت له، “ولكني لا أريد أن أموت”، فأجابني وهو يسحق السيجارة العاشرة، ربما، تحت قدميه، “أعرف. لذلك هربت من الحرب”، لبرهة سكت، ثم سألني فجأة، “هل عندك دهن الدلافين؟”، فتساءلت متعجبًا، “دهن ماذا؟”، “كامبوس، أنك تنسى كثيراً في السنوات الأخيرة، ألم تقص علي أنت حكاية رحلتك إلى مدينة ماكوندو؟”، وعندما لا حظ صمتي، أضاف بحماس، “من غيرك كان يطوف على المواقع العسكرية عندما كنا مدفونين في جحورنا هناك، وكان يروي لنا القصة تلو الأخرى. كانت قصصك نعيمًا وسط ذلك الجحيم”، في تلك اللحظة وكأن الإلهام هبط علي مرة واحدة، وجدتني أقول له، “تقصد عندما وصلت ذلك المساء أطراف مدينة ماكوندو؟”، فأجاب بحماس، وكأنه لم يصدق، “نعم، نعم”، قبل أن أفتح فمي، أتيت على بقايا الكابوتشينو التي استقرت في قعر الكوب باردة كثيفة قليلاً: “عند المساء وقبل أن تغيب الشمس بقليل، كنت أتجول عند أطراف ماكوندو، تحت عند النهر. طاولات المهربين الممتدة كانت مليئة بكل البضائع النادرة من كل الكرة الأرضية ـ  مسك أيل الهملايا، أبسطة من سمرقند، عطور فيتشي من باريس، رويال لافانديل من لندن، زبد رائب من دبلن، جلد حيوان متوحش من مراكش، زجاجات التكيلا بالأفاعي الصغيرة من المكسيك، طيور الأمازون النادرة، فول زنوج السودان، دفوف خشابة البصرة، وزهرة سوق الشيوخ. وهناك عند أحد زوايا السوق التقيت بامرأة تبيع الأعشاب التي تطيب الدمل الجلدية، وجذور الأشجار التي تنظف الجسد. خلف أهرامات الأوراق اصطفت سلسلة من زجاجات الجوني ووكر المملوءة بسائل حليبي أبيض. سألتها ما هذا، فأجابتني أنه دهن دموع إناث الدلفين. إذا أخذت بعض القطرات ودهنت جفن عيونك، وجهك، يديك فإن الإنسان الذي يحبك سوف لن ينفصل عنك!!”

هذه المرة سألني آليخندرو، فيما إذا كنت قد اشتريت زجاجة من هذا السائل، بعد أن نسى أنه قال لي قبل قليل أنه يعرف القصة، ولكننا نعرف أننا كلما روينا القصص كلما تبدل مجراها؟!

“طبعًا. استعملته. كان زمنًا جميلًا، لم تبق امرأة ولم أجذبها مثل المغناطيس، حتى وجدت تيريزا المرأة التي كنت أبحث عنها منذ زمن طويل لم أشأ أن أقضي معها وقتًا عابرًا فقط. هكذا أردت البقاء معها إلى الأبد. سكت للحظة، كنت أنتظره يسألني ولكني رأيته مخدرًا بقصتي، فتابعت ببطء، “لسوء الحظ بدأت هي أثناء غيابي بدهن نفسها، بالرغم من أنني أخفيت الدهن بعلبة نسكافيه فارغة. في اليوم الثاني، ظهر عند باب البيت رجل غريب. لم يمضِ وقت طويل حتى ظهر آخر وآخر، إلى أن قَدِمَ رجل ضرب على جرس البيت. ناداها باسمها، فنزلت مسرعة بحقيبتها دون أن تودعني. تبعتها فرأيتهما عند الميناء. كان بحارًا كوبيًا!”، أشعل سيجارة جديدة، قدم لي واحدة فرفضت.

“وما هي مشاريعك الآن؟”، سألني، فأجبته، “أحاول استرجاعها والذهاب للعيش معها في الريف، لأنني تعبت من المدينة وثانيًا لأنني أريد إنجاب الأطفال منها، وهناك أحسن لنا وللأطفال”، ضحك وقال: “لا داعي للانتقال إلى الريف من أجل الأطفال، فهم يولدون مثل نبات الفطر أينما كنت، حتى في المزابل. ثم كيف تستطيع إرجاعها؟”

لم أجب. سكتُ. بل سكت هو أيضاً وكأننا كنا متفقين على نهاية القصة. فكما تعرفون كل قصة يجب أن تنتهي بشكل ما، أن تنتهي ربما بنفس الشكل الذي بدأت فيه، حلقة مفرغة تدور حول نفسها، لنجلس بعدها هناك، ولا نعرف من كان يروي القصة، نحن؟ أم صوت في داخلنا؟ أم هي القصة التي تروينا؟ تبادل أدوار لا يعرف فيه، من ينصب شرك القصة لمن؟ وللحقيقة فأننا، آليخندرو وأنا نسينا أمرنا نحن الاثنين لبعض الوقت. نسيت أنا هكذا مرة واحدة أمر الجرائد، أمر الساعة ودخلت معه في الحديث وكأننا بالفعل نخترع القصة لأنفسنا ونعيشها بأنفسنا. فسألته أنا هذه المرة: “ولكن ماذا عنك أليخندرو، ألم تفكر بالهروب من الجيش أنت أيضاً؟” إنفتحت أساريره وكأنه ينتظر هذا السؤال مني، “طبعًا. بسبب ذلك الكتاب الذي كنت أحدثك عنه دائماً”، نظر لي. لم يقنعه هز رأسي له وتصنعي فهم ما يعنيه، فأكمل، ” بوّدي تأليف كتاب عن الوجودية والعسكرية لكن اللعنة على الجيش، لا أستطيع الهرب، لدي أطفال أربعة، مثل نبات الفطر”.

لقد أحزنني بالفعل. ولم أعرف ما أقوله بعدها. سكتنا لبرهة وسرحت طويلًا. ارتسمت أمامي صورتي وأنا في ملابس البحرية. هل هو قدري الذي بعث لي بآليخندرو ليعيد لي ذلك الحنين لتلك الملابس؟ ليست كل السنين التي فاتت على حرب عشتها بكل لهيبها ولا الزمن الذي مرّ عليّ وأنا في هذه المدن الجديدة التي عشت فيها ولا كل النساء التي عرفتهنّ، بل حتى عودة تيريزا يبدو أنها لم تستطع تغيير ما هيأه لي قدري ما عدا ظهور هذا الرجل الأرجنتيني القادم من حروب فوق أراضٍ بعيدة؟ أسئلة كثيرة انهالت فوق رأسي. كنت غائبًا بالفعل، لولا صوته الذي أيقظني: “وماذا تريد أن تفعل الآن؟”، نظرت له بارتباك، كمن صحي من غفوة طويلة. تطلعت بالساعة الكبيرة المعلقة وسط صحن المحطة والتي كنت أراها من مكاني. رأيته يبتسم متطلعًا إليّ. فجأة وجدتني أسأله: “آليخندرو، أنت تعرف محبتي لملابس البحرية.”، هز رأسه مؤكداً، “وأنتَ تحب الكاريبيين، وتريد الهروب من الجيش، مثلما أعرف.”، لم يكن هناك شك بأنه يوافقني على ما أقول، “ما هو رأيك أن نستبدل ملابسنا؟”، فسألني وقد استحوذت عليه الدهشة، “الآن؟”، فأجبته، وأنا أنهض، “نعم، الآن.”

نهض هو الآخر. أراد أن يُخرج محفظة نقوده ليدفع، فقلت له ألا يفعل لأننا سنرجع. كنت أعرف مكان التواليت. توجهت إلى هناك فتبعني. دخلنا توالتين متجاورين. سلمنا الملابس واحدا للآخر من فوق الحاجز الكونكريتي الواطئ. عندما انتهينا قلت له، “أخرج أنت قبلي، سألحق بك”، فقال لي، “كامبوس فيك من العبقرية ما يُخرس”، سمعته وهو يصفق الباب خلفه ويصعد السلم المؤدي إلى المقهى.

غادرت التواليت بعده بدقيقتين. وعندما أصبحت فوق، تذكرت أنني تركت هويتي الشخصية والنقود في جيوب بدلتي. لم أتجه إليه حيث جلسنا، إنما سرت صوب الباب الخلفي المواجه لباب الحمام حريصًا على ألا يراني، وأنا أخرج من هناك. لم يستغرق الأمر غير ثوانٍ قليلة عندما أصبحت في صحن المحطة. عاينت ساعة المحطة الكبيرة، كانت السابعة بالضبط. ولكن لا حاجة لمعاينتها أصلًا، لأن صوت فرامل قطار تيريزا الذي انتهى إلى رصيفه المعد له وصل سمعي، بالرغم من أنني كنت أدرت له ظهري وأنا أتجه إلى باب المحطة الآن.

 

1.عزيز

 

غرفتنا الصغيرة في موتيل 6 تنبعث منها رائحة جنس كئيب حاول شخص ما تنظيفه باستخدام العديد من مواد التبييض. نجلس أنا وجيرشون على السرير ونبدأ في إجراء الحسابات على منديل. ندوّن كافّة المبالغ التي بحوزتنا، بما في ذلك المبالغ التي من المفترض أن نستلمها خلال السنة؛ المنح الدراسية والهدايا من الأهل والمدخرات الطارئة. ثم نحسب كم ستكلفنا الحياة في أمريكا في عام 2016. يمتلىء المنديل الأبيض بالأرقام، ونصل إلى استنتاج مفاده أن لدينا خمسة آلاف دولار لإنفاقها على السيارة، دون قرش واحد زيادة. قبل يومين انتقلنا إلى لوس أنجلوس وأدركنا على الفور أنّه لا توجد طريقة أخرى هنا.

“إذا كان علينا أن نشتري، فعلينا بالسقف المكشوف. بليز جيرشي! السيارة المكشوفة ونحن في كاليفورنيا الآن”. يوافق جيرشي على الفور. “حتى لو لم يكن لدينا الكثير من المال، لا يمكننا التخلي عن الستايل”، أضمن أن الصفقة مقفلة.

ينظر جيرشي إليّ بعيون الماس الأزرق التي يملكها ويشير بأن نشرع في العمل. نرتبط بالإنترنت اللاسلكي في موتيل 6 (دفعنا مقابله مقدمًا 3.99 دولارًا) ونبدأ في البحث عن السيارات المستعملة. أجد على الفور سيارة BMW قديمة مع سقف قابل للفتح بسعر 4599 دولارًا.

“رائع، هكذا يكون حظ المبتدئين”، يمرر جيرشي قبلة على شفاهي ويتصل لتنسيق لقاء مع البائع.

“سنقوم بشراء سيارة!” أغلق باب سيارتنا المستأجرة والمتهالكة، في محاولة لتخيل شعور امتلاك مثل هذا الشيء الكبير والمكلف.

نتجه نحو مرآب السيارات في داون تاون. في كل مكان تطاردنا لافتات برتقالية تحمل كلمة sale””.

يتمشى جيرشي مثل الأمير بين السيارات في المرآب، يتلصص عبر النافذة، من تحت عجلة القيادة. لقد درس عالم، ولكنه أيضا مهندس، لذلك فهو يفهم في مجال الميكانيكا والمحركات. أنا لا أفقه شيئًا عن السيارات، لكنّني تعرفت على سيارتنا الـBMW وفورا بدأت الهواجس تدور في رأسي. كيف ستقف السيارة ذات السقف المفتوح طوال اليوم في ساحة انتظار السيارات في قسم الفنون أو تحت الأستوديو الخاص بي. ربما سينظر أصدقائي الجدد إلى بعين الغيرة، وقد يقول البعض في أنفسهم إنها صاحبة  ستايل.

يخرج مندوب المبيعات من كشكه، مع سماعة هاتف ملاصقة لأذنه، يلوح لنا للإشارة إلى أن الأمر سيستغرق بضع دقائق.

في هذه الأثناء، تصب الشمس علينا نارها كما لم يحدث من قبل. حتى في أصعب الأيام في إسرائيل، لا تشتعل هكذا. ونحن، سافرنا حتى في الطرف الآخر من العالم  لنصاب بنفس أشعة الشمس؟ لا أخبر جيرشي بأي شيء، فهو يحب فصل الصيف. أدعوه أن يأتي ويفحص البي إم دبليو فيتقدم بخطوات واثقة. هو يعلم أنه من المستحيل أن ينصب أحد عليه، ولا حتى أكثر باعة السيارات دهاءً في  أمريكا.

بعد بضع دقائق يخرج إلينا البائع بابتسامة عريضة، أسنانه بيضاء مثل جبنة القشطة. تم غسل بنطاله المخيط مرات عديدة جدا، كما أن باطن حذائه يبدو مهترئًا. أرى كيف أن بشرته محترقة من الشمس وأدرك على الفور أنه فقير.

“جئنا لرؤية الـBMW موديل 2000؟”

” نعم، نعم بالتأكيد”. يفتح باب السيارة، ينظر إليّ طويلاً بعيون بنية مستنقعيّة.

“سيارة لا بأس بها على الإطلاق، كل السيارات الألمانية لا مثيل لها” يقول، يبتسم بوضوح لجيرشي.

“هل يمكنني فتح غطاء محرك السيارة؟” يسأل جيرشي.

“بالتأكيد، بالتأكيد”. يتم رفع الغطاء وغرز القضيب.

يسرّح جيرشي شعره الخروبي بأصابعه ويضع رأسه الجميل داخل الأمعاء الغليظة لسيارة الـBMW. أرى أنه يفحص أنبوب الزيت ويفتح جميع أنواع الأغطية ويشمها. أنظر إليه بفخر، من هذا الجانب يبدو الأمر حتى  إعجابا. يعرف البائع أن الصفقة ضائعة، فجيرشي يعرف الكثير.

“من أين أنتم؟” يسأل ويشعل سيجارة. ما هذا السؤال الآن؟

“إسرائيل”، أجيب.

“هو أيضًا؟” يشير إلى أسفل ظهر جيرشي.

“اهه” أومئ، بالكاد أبتلع تعبير الامتعاض.

“نحن جيران إذا”، يكاد يربت على كتفي بقوة  لكنه يندم في اللحظة الأخيرة، مع ذلك كلانا في أمريكا الآن.

أسأل بأدب “من أين أنت؟”

“رام الله، اثنان وعشرون عاما في أمريكا”.

“والله، يا لها من مصادفة”، أجيب بابتسامة صغيرة على طرف فمي. في قلبي أشعر بالخيبة، هل جئت إلى أمريكا لمصادقة بائعي السيارات من رام الله في الشمس الحارقة؟

سرعان ما نتخلى عن سيارة BMW، ولا نأخذها حتى في جولة لتجريبها. يقول جيرشي أن هناك مشكلة مع البطارية، وأنه لا يوجد أي معنى لشرائها.

“دعينا نذهب إلى مرآب آخر. هناك الكثير من تجار السيارات هنا في المنطقة”. ويشير إلى المرائب. يجتمعون جميعًا معًا، محاولين اصطياد عملاء سذج مثلي أو حازمين مثل جيرشي، يحاولون وضع العمولة في جيوبهم، لتبرير وجودهم في عالم المحركات المستعملة.

$$$, USED CARZ FOR SALE, YOUR NEXT CAR IS WAITING HERE

” لحظة، انظر هنا”. أسحب جيرشي نحو سيارة قديمة، حمراء لامعة.

“ما الذي تبحثون عنه عمليا؟” يسأل مندوب المبيعات. مرة أخرى، ينظر إلي بضع ثوانٍ أكثر من المعتاد، أشعر بذلك على بشرتي. هو لا يحدق بجيرشي، ربما عيونه الماسية تردعه.

“لقد انتقلنا للتو إلى هنا، سأبدأ دراسة الماجستير في الفن. نريد سيارة رخيصة ولكن مع سقف قابل للفتح”، ابتسم له للمرة الأولى، في انتظار رؤية رد فعله على السقف القابل للفتح.

“أنا عزي، بالمناسبة، تشرفنا” يقول، ويربت على غطاء محرك سيارة التويوتا سوليرا.

تحتوي السيارة الحمراء على سقف أسود قابل للفتح، ومقاعد بلون بيج تبرز منها وسائد الكتف، وخدوش عامودية على الأبواب. عينا جيرشي تلمعان. عزي لا يقول كلمة، يتركنا نتفحص، ينتظر بهدوء حتى ننتهي من الفحص الدقيق. يقوم جيرشي برفع الغطاء مرة أخرى، ينظر في الأوصال، يقلب الأمعاء، ثم ينزل تحت العجلات. يتمرغ على الأسفلت في قميصه الأبيض.

يميل عزي على السيارة ويبتسم لي بابتسامة مصقولة.

“أريد أن آخذ السيارة في جولة، هل يمكنني ذلك؟” يسأل جيرشي. يومئ عزي موافقًا وندخل ثلاثتنا على الفور إلى السيارة.

يقود جيرشي، عزي بجانبه وأنا في المقعد الخلفي. يفتح عزي السقف، تمتد السماء فوقنا، يجتاحنا الهواء الأزرق وتصفر أشجار النخيل في آذاننا.

يشد عزي رقبته ويقول: “تعرفون، هذه هي المرة الثانية في حياتي التي أركب فيها سيارة مع شخص من إسرائيل. آخر مرة كانت مع جندي إسرائيلي في جنين. كان وحيدًا في سيارة جيب، تاه.  كم كان خائفا يا الله؟ “يضحك. “رافقته رجوعا إلى الحاجز”.

أبتسم قليلا. لحسن حظي، تحمي عدسات النظارة السوداء مشاعري. جيرشي لا يقول أي شيء.

“كم ثمنها؟” أسأل.

“ستة آلاف السعر النهائي. هذه سيارة لقطة… أقول لكم”.

يضم جيرشي شفتيه بشكل تظاهري وأقوم بنفس الشيء بعده، على طول الطريق رجوعًا لا نتفوّه بكلمة واحدة.

في المرآب، يأخذني جيرشي جانبًا ويهمس لي بأنه يحتاج إلى تعاوني.

“لماذا تهمس؟ إنهم لا يفهمون العبرية”.

“اصغي قليلا. قرأت على الإنترنت عن طريقة للتفاوض عند شراء سيارة مستعملة”. ينظر إلي وكأنه عميل موساد.

“يبدو الأمر مشبوها جيرشي”، تبدأ مقلتا عينيّ بالتراجع، فقط في اللحظة الأخيرة أتمكن من السيطرة على نفسي.

“هناك شيء يسمى Rack-and-Finion، إنه شيء في آليات السيارة، ضمن نظام التوجيه. من الصعب جدا معرفة ما هي حالته. هل تفهمين؟ ويمكن أن يؤدي لفرق ألف دولار بالسعر”. يغمزني، في محاولة لإذابة قلبي.

“جيرشي، أنا لست-” في طرف عيني أشاهد عزي يقترب منا. يسير منتصبا ولكن شغفه لبيعنا التويوتا ينقط خلفه على الأسفلت.

“سايريني، حسنا؟” يرسل لي جيرشي نظرة مثلما يفعلون في التدريب العسكري. وأنا، على ما يبدو أنني لم أخدم بالجيش، أوافق دون أن أطرح أسئلة.

” جيرشون، تشرفنا”.نحن معه منذ نصف ساعة والآن فقط تذكر أن يقدم نفسه” سُميت على اسم جدي، يرحمه الله. إنه اسم توراتي”. يشرح لعزي، تتدحرج عيناي مرة أخرى. هذه المرة لا أستطيع أن أوقفهما لذا أركن رأسي نحو الأسفل ، أتظاهر بأنني أبحث عن شيء في قاع الحقيبة.

“اسمع، نحن نريد السولارا الحمراء. صديقتي تريدها حقا. هي تحلم بسيارة مكشوفة السقف. أنا أجاريها.” يضحك. عزي ينظر إليه دون أن ينبس ببنت شفة، وأنا أقف صامتة أيضًا.

“لكن هناك مشكلة مع الـ Rack-and-Finion، لقد درست الهندسة، ببساطة. باختصار، أقترح ما يلي، أخصم لنا ألفًا من السعر وانتهينا”.
“لا، لا. مستحيل”، يقول عزي. ويشرح لنا أنه فحص السولارا بيديه، وأنها سيارة ممتازة، وأن أي شخص لا يشتريها بهذا السعر هو أحمق لا يهتم إلا بالمظاهر. يسخن جيرشي، فهو يرغب بالسولارا أكثر فأكثر، لكن عليه أن يهزمه بالسعر، في حال لم يهزمه بالسعر، فإن عملية الشراء لن تتم.

يواصلان الجدال حول المفصلات والعجلات، وكلها بالمصطلحات الإنجليزية  التي تسمعها أذناي العذراوان. يصر جيرشي على أن Rack-and-Finion يدلف أو مكسور. يشرح عزي له بأنه مخطئ، وأن ذلك هراء لأن Rack-and-Finion عمره عشر سنوات.

“اسمع يا كريس، نحن جديدان في أمريكا، وصلنا قبل يومين وليست لدينا فكرة كيف تجري الأمور هنا. نريد شيئا نسافر فيه إلى الجامعة كل يوم. اسمع الآن، لدينا سيارة مستأجرة لغاية صباح الغد وخمسة آلاف دولار في الجيب. إذا وافقت، أعطيك المبلغ نقداً ونخرج من هنا مع السولارا الخاصة بك”.  ينظر عزي إلي وأنا أحاول أن أفهم لماذا يبحث عن تصريحي.

“لا حاجة لإيصال” يضيف جيرشي ويربت على كتفه.

وأنا …أنا أفكر في الشمس وأشجار النخيل، رام الله ، أمريكا. وكيف أن الأوهام في الرأس دائمًا ما تكون مختلفة تمامًا عن الطريقة التي تتحقق بها الأشياء في الواقع، وكيف يصدمني ذلك في كل مرة من جديد.

“ماذا تقول؟” يسأل جيرشي بصوته الناعم.

“أقول حسناً، لكن” لا ينتظر جيرشي سماع بقية الجملة، يهز يد عزي ويستدير إلي. “حسنا، ماذا تقولين؟ لقد “دبرت” سيارة مع سقف مكشوف، وهذا ما كانت جدتي تقوله –يا ولدي يا لها من صفقة!

“لكن انتظر لحظة” يقول كريس. “دعني أتحدث مع رئيسي لمدة دقيقة واحدة” يقول وهو يبتعد عنا حتى يبتلعه بئر السلم فوق المرآب، ليتركنا مع سياراتنا الجديدة.

عندما نصبح بمفردنا، لا أستطيع التماسك وأستدير بخطوات راقصة حول التويوتا الحمراء.

“لا أستطيع أن أصدق أنه الأمر نجح”. يمسكني جيرشي ويقبلني في خدي. “لقد كتب في المنتدى أن هذه الطريقة تنجح بنسبة 78 في المئة من الحالات”.

ثم نجلس على الرصيف ويشعل جيرشي سيجارة.

“هل تستوعب أن هذه السيارة المذهلة ستنتظرني كل يوم خارج الاستوديو؟”

“انتظري، انتظري. سوف آتي لأقلك بسقف مفتوح. سوف تقفزين إلى الداخل، ترمين الحقيبة في المقعد الخلفي”، يبتسم جيرشي بابتسامته الجميلة، تتسع عيناه، تخفيان الماسة. أقبّل وجنتيه الورديّتين، وشفتيه الناعمتين اللتين رتبتا لنا هذه الصفقة.

“ما الذي حدث له؟” مع نصف سيجارة تتأرجح بين شفتيه، يمد قدميه على الأسفلت ويأخذ الهاتف من جيب الجينز.” هو هناك منذ عشر دقائق”.

“ربما نصعد إليه؟” أقترح عليه ثم نقف سوية، نتدرج معا نحو المكتب مثل العروس والعريس على الطريق إلى مظلة الزفاف.

أطرق بخفة على الباب المفتوح وأنظر في الداخل.

“من أين جئت بهؤلاء الناس؟” يضرب مدير عزي بقبضته على الطاولة. تطيّر موجة الغضب شعره الأسود الطويل بحركة متموجة في الهواء.

“هؤلاء الزبائن الذين تحضرهم؟ هذا ما أدفع لك مقابله؟” يقف المدير ويقترب من عزي، وعلى الرغم من أنه أقصر منه بمستوى الرأس، إلا أنه يبدو أكثر تهديدًا.
يقف عزي بأرجل ثابتة. يشبك يديه خلف ظهره، وهي تحتك بالحائط البارد. يثبت  نظرته في الأرض.

“أنا هنا لبيع السيارات، وليس للعب. خفضت لهم ألف دولار؟ سوف أنزل لك رأسك!”يصرخ، ويلقي بيده باتجاهه. ينحني عزي غريزيًا. للحظة تتعلق عيناي بعينيه، تمتزج الحرارة بالحرارة.

“هاي، هل يمكن الدخول من فضلك؟” أسأل. ها أنا أكتسب السلوكيات الأمريكية.

“بالنسبة للتويوتا سولورا  الحمراء، نحن نرغب في إتمام الصفقة”.

يتدلى وجه عزي مثل كلب مربوط بسلسلة حديدية لكوخ مبيت للكلاب، كله استسلام وخضوع.
يجلس الرئيس في كرسي الحاسوب الفخم الذي يكبره بعدة مقاسات. هذا الكرسي هو القطعة الأغلى في الغرفة، وبقية المكتب متهالك. يبث المدير ملكية لا لبس فيها على المكان، ويصل شعره اللامع إلى الكتفين. أعرفُ أنه يحمل دمًا هنديًا.

يتوجه عزي إليه، أرى أن الخوف يهز ركبتيه. لا يتحرك الرئيس. يحدق في بقعة غير واضحة في الحيز، يثبت يده فقط على الصندوق البلاستيكي مع الملاحظات الزرقاء على الطاولة. أخشى أنه لتوّه سوف يطرقها على جبهة عزي، وعزي البطئ في جسده ودماغه، يقف هناك، الدم يقطر على جبينه وبالكاد يتم امتصاص الخجل في قميصه.

أنظر إلى عزي وأحاول إيقاف الدموع من شدة الشفقة. كيف كان يقف بجانبه فقط لإنهاء هذه الصفقة، والتخلص من السيارة البائسة.

“أحمق، أنت حقا أحمق”. يرفع الصندوق البلاستيكي في الهواء.

“أتركه!” أصرخ، وتنتشر جميع وريقات الملاحظات الزرقاء على الأرض، فتخلق فسيفساء مكتبية.

“اسمع، هذا ليس خطأه. لقد ضغطنا عليه” أقول وأتلقى من جيرشي نظرة جليدية.

“اسمع، بيزنس إز بيزنس. البشر أكثر أهمية. لا أريد، أن يخسر عزي، لمجرد أنه وافق على منحنا خصمًا، وظيفته. لذلك دعونا ننسى كل ذلك، حسنا؟”

“من تظنون أنفسكم بحق الجحيم؟” يقترب مني، تهبط رشات من اللعاب جراء صراخه على شفتي. ثم يتدخل جيرشي، ويدفعه بعيداً ويرميه في كرسيه.
Get the fuck out!
نفرّ من هناك جريا، ونحن بالكاد نتعثر بالدرج، يدق قلبي كما في الأفلام. يسحبني جيرشي إلى سيارتنا بينما أبكي وأبكي، وأنتحب مثل دمية الخرق. في اللحظة الأخيرة، قبل ثانية من غروبنا بعيداً، أتطلع إلى المكتب فوق المرآب وأرى خيالين أسودين داخل مربع من الضوء الأصفر.

* * *

2. مايكي

 

يدخل البروفيسور مايكل رايت الفصل الدراسي ويضع الحقيبة الجلدية على الكرسي بجانبه، يصفع نظارات الراي-بان على الطاولة ويضحك. “طلاب الفن يرتعدون خوفًا في أول ورشة لهم في الفلسفة” ينظر إلينا، وينفجر ضاحكا. “بحلول الأسبوع الرابع سوف تدركون أن كل شيء هراء وستتوقفون عن الارتجاف مثل الأطفال في الحضانة”.

مايكي في الستين من عمره ويبدو بحالة سيئة وجيدة معا نسبة لعمره. من ناحية، لديه كرش كبير ويفتقر إلى السن السفلي، حتى شعره الرمادي يتدلى. من ناحية أخرى، تدرك على الفور أنه رجل جميل حقًا. من السهل أن نتخيل كيف كان لا يزال يمتلك ملامح صبي في العام الماضي. ولكن بالنظر إلى الوراء، أفترض أن الكاريزما التي امتلكها كانت جذابة للغاية. لهجته النيويوركية، رائحة الكحول المنبعثة من فمه، انتقاده اللامحدود لأمريكا والطريقة التي يتحدث بها الألمانية.

بالصدفة تسجلت لورشته حول مدرسة فرانكفورت فقد نصحونا بدراسة دورة واحدة في الفلسفة وواحدة في الأدب في السنة الأولى، وقررت أن أنتهي من ذلك في الفصل الأول.
يتحدث مايكي عن هوركهايمر، أدورنو وماركوزه  كما لو كانوا أصدقاءه. إلى جانب ذلك، كل ما كان يهمه هو الفاشية في أمريكا. في كل شيء، كل غرض، كل شخص لم ير سوى تجسيد للفاشية في أمريكا.

تسكع في لوس أنجلوس مثل لاجئ تم جرفه نحو شواطئ المحيط الهادئ، غير منتم أبدا، مقرفص وغاضب في معطف الصوف الأسود والسجائر في فمه. بدا لي مايكي كمن يستطيع أن يكون في نيويورك فقط. محاط دائما بالغرباء والفقراء والثوريين. يزفر داخل الهواء المتجمد. هنا فقط تجول بين العضلات المصنعة، الأسنان المبيضة والابتسامات التي لا نهاية لها. لقد أطلق على ذلك “وعي كاليفورنيا السعيد” ولم يستطع تحمله. تخيلته يعود إلى المنزل كل ليلة ويجلس أمام الكمبيوتر مع زجاجة من النبيذ، يقضي على نصف علبة من المارلبورو الأحمر ويشاهد صور تحرير معسكر بيرجن بيلسن.

أكثر ما أعجبني في ندوة مايكي (بصرف النظر عن الاهتمام الخاص الذي أولاه لي، الإطراءات التي أغدقها على تعليقاتي وضحكه المدوي عندما أصاب بالبلبلة بين العقل الباطن واللاوعي) هو الطريقة التي قرأ لنا فيها أدورنو. حيث تحولت شلة الفنانين المتعجرفين على الفور إلى دائرة من الأطفال المفتونين في ساعة سرد قصة، بحيث يسيل لعابهم على الصفحات. خلال فترة الاستراحة، لم نكن نعرف كيف نتعامل مع أنفسنا، فجأة تراجع نشاط الدماغ إلى الصفر، بدا العالم يائسًا جدًا، وكنا بالكاد نستطيع قضم الشطيرة. وحده مايكي كان يجلس تحت شجرة الأوكالبتوس ويدخن مستمتعا، وهو الشخص الوحيد في جامعة كاليفورنيا الذي سمح له بالتدخين في الحرم الجامعي. سمحوا له بسبب الكاريزما التي تحلى بها ولكن أيضا لأنه كان مدمرا، حيث أصبح مدمنا على الكحول منذ توفي ابنه في حادث سيارة.

في قسم الفن قالوا إنه يحب النساء البدينات، وقد أخبر طلابه بذلك بنفسه في إحدى محاضراته حول ماركس، وضحكوا من أنه على الرغم من كونه ماركسيًا متزمتًا، شيوعية طوابير الطعام، لم يكن هناك من يمارس الجنس معه.

في البداية اعتقدت أنني أريد أن أنام مع مايكي، ظننت أنني أريده أن يضاجعني في مكتبه، في حمام مطعم، في السرير أيضا. في البداية اعتقدت أنني أريد بشدة مضاجعة مايكي، وآمنت أيضا أنه كان من حقي كطالبة وفنانة مضاجعة أستاذ الفلسفة.
في اليوم الذي جاء فيه إلى الصف بحذاء مسنن من المقدمة مثل الإيطاليين المشبوهين، مثل البورتوريكيين الذين يضعون الجل على الشعر، مثل أساتذة الفلسفة،  أدركت أن مايكي وأنا يجب أن نسافر معاً إلى المكسيك. قلت ، سنأخذ سيارتك الـBMW ونعبر الحدود إلى تيخوانا، يتطلّب الأمر ساعتين ونصفًا بالسيارة، هذا كلّ شيء. أنت تجهز الحقيبة في المنزل، وأنا أجهز الحقيبة في المنزل ونسافر معاً بعد الدرس. أعتقد أن ميكي تردد في البداية حول ما إذا كان من المحبذ أن يسافر معي إلى المكسيك. كان خائفا من فقدان وظيفته، وبحق. حاليا من المستحيل النوم مع الطالبات ببال هادئ. أكدت له أنه لو كانت هناك طالبة واحدة في الكون كله يمكنه أن  يشعر معها أنه آمن، فتلك هي أنا. وأنني لا أهتم به سوى لرغبتي في الحصول على قصة جيدة حول مغامرتي الرومانسية القصيرة مع أستاذ الفلسفة في المكسيك. ضحك مايكي كثيرا من جوابي، ثم وضع ملبسة النعناع في فمه ووافق. كانت ابتسامته جميلة جداً، وعيناه تلمعان كالبنانير. عندما ابتسم مرة أخرى شاهدت مجددا السن المفقود من فكه السفلي وامتلأت بخوف رهيب، لكنه بحكمته أغلق شفتيه فورا، وقال إن الدرس كان على وشك أن يبدأ. غادرنا مكتبه معاً وعدنا إلى الفصل الدراسي.

واصل قراءة أجزاء من Minima Moralia لأدورنو لأكثر من نصف مدة ساعة بعد انتهاء الدرس لكن ذلك كان ممتازا بحيث لم يجرؤ أحد على القيام، ولا حتى أولئك الذين كان لديهم درس بعدها أو أولئك الذين كان من المفترض أن يتوجهوا إلى المكسيك.

بعد وقت قصير من اختفاء جميع الطلاب، نزلنا أنا ومايكي إلى موقف السيارات ودخلنا سيارته الـBMW السوداء، التي كانت تفوح بعطر بوربون. استقر مايكي أمام عجلة القيادة ، أخرج ملبس النعناع من الصندوق المعدني، ورفع صوت المذياع.

About some useless information

Supposed to fire my imagination

I can’t get no, oh no no no

أطلق بشدة ضحكته المغرغرة ونظر إلي.

” لا أعرف، أنا لا أؤمن بالمصادفات”، قلصت كتفي.

ابتسم لي ابتسامته المرحة التي تخص العقل الباطن واللاوعي حيث سخن خدي فورا وجسدي كله الذي لم يكن يعرف ماذا يفعل، وكيف يجلس وكيف يضع حزام الأمان ومايكي بجانبي يقلص شفتيه ويحدق بي. هو أيضا لم يكن يعرف ما يجب القيام به، وكيفية بدء تشغيل المحرك، وكيفية الرجوع إلى الخلف. في النهاية نجح وغادرنا موقف السيارات ومن ثمّ الحرم الجامعي كله.
فكرت بأمور أستطيع أن أقولها لمايكي، أمور غريبة، أمور مضحكة، أمور يرويها الأشخاص من الجانب الآخر من العالم. ولكن بالنسبة لي، كان مايكي نفسه شخصًا من الجانب الآخر من العالم، وكان طريفًا جدًا بالنسبة لي لدرجة أنني بالكاد كنت أفكر به كإنسان. مرّرنا الرحلة بأكملها حتى الحدود بصمت غريب غير محرج، غير مريح. صمت قائم. شعرت أحيانًا وكأنني سأبكي، ولكن حينها نظرت إلى مايكي فانبلعت دموعي راجعةً إلى مكانها.

أشعل مايكي سيجارة وقدم لي واحدة، على الرغم من أنني مصابة بالربو وسيجارة واحدة يمكن أن تدمر رحلتي بأكملها إلى المكسيك لم أستطع كبح جماح نفسي.

“قد أموت، أعاني من الربو، ربو صعب للغاية. قد لا نصل إلى الحدود.” استنشق بعمق من المارلبورو إلى رئتي الضعيفة.

“ومع ذلك، كان الأمر جديرًا”، يغمزني ضاحكًا.

أخرج رأسي من النافذة، تاركة الريح تصفعني أعتق السيجارة على الطريق السريع. لم ينتبه مايكي، فقد قاد بسرعة كبيرة، يائسا لعبور الحدود إلى المكسيك. حيث لا توجد حروب ولا قوانين.

“لقد لاحظت على الأرجح أن الناس في كاليفورنيا يرتدون سياراتهم”، قال ذلك وتجاوز بقسوة سيارة هوندا عائلية. تذكرت سيارة التويوتا سولارا الحمراء التي كانت ستصبح ملكنا تقريبا، وقد ملأني الحزن ومن ثم الخجل من أننا ساومنا في نهاية الأمر على مازدا 6 موديل 2006.

طلب مني مايكي أن أحدثه عن عائلتي فحدثته عن والدَي وأخي. وقد حرصت على إدراج التفاصيل الأكثر بديهية ومللا ومع ذلك كان يبدو مصغيا للغاية، أطعمني المزيد والمزيد من الأسئلة وأعاد ورائي نهايات جملي. بعدها طلبت منه أن يحدثني عن عائلته فحدثني عن المدرسة الثانوية التي أدارها والداه في برونكس، حيث كان أبوه المدير وأمه معلمة للإنجليزية. وحول أخيه الذي أدركوا من جيل صغيرة أنه سيصبح محافظا متزمتا وحول أخته الكبرى التي استأجرت شقة لوحدها في منهاتن وهي في الثامنة عشرة، في سنوات الخمسينيات، حقا؟ كان يبحث عن انفعالي وقد حصل عليه دون أدنى عناء.

” ماذا كنتم تتناولون على العشاء؟” سألته.

“نقانق، بطاطا، فاصوليا خضراء، وجزر سوتيه كنت أكرهه”، أجاب.

واصلنا هكذا مع التفاصيل الأكثر بديهية والأكثر مللا إلى أن وصلنا حدود سان دييغو– تيخوانا، معبر الحدود الأكثر اكتظاظا في العالم كله.

ترك مايكي سيارته الـ BMW في الموقف على الجانب الأمريكي ثم تخطينا الحدود سيرا، لم يسألنا موظفو المعبر المكسيكيون شيئًا. استقلينا سيارة أجرة.

“فندق لوكارنا، لو سمحت”، قال للسائق.

” هل تعرف المكان؟” سالت.

“كنت هنا عدة مرات، أنا أحب هذا الفندق” قال وحدق في الخارج عبر نافذة المقعد الأمامي، عبر نظاراته الراي-بان السوداء.

“ذات الخراء الموحد مثل كل الفنادق التي لا تكلف ألف دولار في الليلة، وتلك أيضا موحدة بذات الشكل”. أدار لي رأسه للحظة ومن ثم أعاد بصره نحو الخارج، لم يقل شيئا، لا للسائق، ولا لي. ترددت بقول أي شيء لكن ذهني كان خاليًا من الأفكار وفمي كان فارغًا من الكلمات. عيناي فقط كانتا تتابعان مختلف الألوان منحولهما، لم أجرؤ على القول لمايكي أن تلك كانت المرة الأولى لي في المكسيك.

كان لوكارنا بحق فندقًا موحدًا. زينت كل غرفة في المبنى بشرفة دائرية محددة بالحديد المذهب. اتفق مايكي لنا على غرفة لليلة، أعطونا الجناح الممتاز. تم كل شيء بهدوء وبشكل رسمي، تخيلت أن مايكي سوف يمزح ويتحدث إلى الجميع، وأن الجميع سيحبونه ويضحكون على نكاته. لكنه لم يتحدث إلى أحد؛ ليس مع الحارس على الحدود، وليس مع سائق سيارة أجرة، وليس مع موظفي الاستقبال في الفندق، وبالكاد معي.

حتى داخل الغرفة كان عامًا جدا، لكن كبيرا ونظيفا وقد أعجبني ذلك. دخل مايكي للاستحمام واستلقيت أنا على السرير وشغلت التلفزيون، صاح مختلف الأشخاص باللغة الإسبانية، وصفق آخرون بحماس، ابتسمت سيدة جميلة. تذكرت فجأة أن مايكي كان يكره التلفزيون، “التلفزيون هو رسول الشمولية”، قال لنا في أحد الدروس. “كل شيء مجنّد، حتى ما تعتقدون بأنه نقدي فهو مجند”. أطفأت الجهاز وخرجت إلى الشرفة الدائرية مع القفص الذهبي  لتأمل تيخوانا في فترة ما بعد الظهر. كان الهواء رماديًا، كذلك المتاجر وبشرة وجوه الناس.

خرج مايكي من الدش نظيفًا وحليقًا، وهو يرتدي بنطال جينز وقميصاً أبيض مزررًا وجاكيتًا مخمليًا أسود. حتى أنه انتعل حذاءه المسنن. قال أنه سينزل إلى البار لتناول مشروب وأن أنضم إليه بعد أن أنظم أموري.

عندما خرج من الباب، تساءلت عمن كان هذا الرجل  الغريب الذي يشاركني غرفة فندق في تيخوانا، لكن لم يكن لدي أي جواب. ما هو مؤكد أنه لم يكن البروفسور مايكل رايت الذي أردت السفر معه إلى المكسيك.
بعد الحمام وجدت مايكي في الطابق السفلي في حانة الفندق. كان قد تناول مشروبين، والآن كان أشبه بأستاذ مايكل رايت الذي أردت أن أسافر معه إلى المكسيك. تحدّث إلى النادل وكان سعيدا جدا لرؤيتي. شعرت أن كل شيء طبيعي وليس جنسيًا، وفي نفس الوقت كان غريباً وخياليا كما لو كنت أقضي عطلة نهاية الأسبوع مع إرنست همنغواي.

سألني بينما كنت أجلس بجانبه في البار: “كيف كان الحمام؟”

“عظيم، حقا” أجبته، وأنا أتلصص داخل كأس شرابه الفارغة. ضحك.

“ما الذي كان عظيما جدا به؟”

“لا أعرف، الماء المغلي ورائحة الكلور؟ أوه، كما لم يكن لدي أي تأنيب ضمير بشأن الماء الذي أهدرته”.

“سبب مقنع لقضاء العطلة في المكسيك” قال، وفي هذه المرة جعل نفسه يضحك.

طلبت مارغريتا مجمدة وحصلت على كوب كامل من البراد الكحولي مع مظلة صفراء. سألت ميكي إذا كان يعتقد أنه من المحرج طلب المارغريتا في المكسيك، وكأنه كليشيه سياحي مبتذل. بالكاد كان لديه رد فعل، ثم قال لا، على الإطلاق، ولكن يبدو أنه لم يفهم سؤالي.

ذهبنا لتناول العشاء في مطعم أسماك كان يعرفه، والتهمنا المحار هناك بمتعة كبيرة. أثناء الوجبة، لم يظهر مايكي فكه السفلي، حتى ولو لمرة واحدة. شربنا المزيد من كؤوس النبيذ الأبيض مع الطعام، ولنقل أننا ثملنا كما يجب. مع الثمالة كانت هناك أحاديث مثيرة للاهتمام، النميمة حول الأساتذة في القسم، الجنس المحور مع الطالبات، تجارب الـLSD وغيرها من القصص عن الجنس ، غير المحور  ولكن ليس الأقل إثارة. مثلا في المقعد الخلفي للسيارة، في المراحيض الجامعية، في الطبيعة، إلخ. سررت بأن مايكي قد تحدث وداهمته هذه المرة بالأسئلة مع تكرار نهايات جمله.
بعد كأسين من البينديكتين، طلب مايكي الحساب. بالكاد نظر إلى النادل، فتى مكسيكي نحيل يبلغ من العمر خمسة عشر أو ستة عشر عاما. حاولت أن أنظر إليه، أمنحه ابتسامة متعاطفة، أعبر له عن تضامني، لكنني لم أتمكن من القبض على عينيه.

اقترحت أن نخرج لنزهة سير قصيرة، لهضم الطعام، لكن مايكي قال بأنّه لا يشعر بخير فاستقلينا سيارة أجرة مباشرة إلى الفندق. عندما اقتربت العربة من الفندق، اجتاحتني موجات من الخوف والرعب. ماذا سيحدث في الغرفة؟ ما الذي سنفعله في الغرفة؟ ماذا عن مايكي؟ من هو مايكي؟ ثم وصلنا إلى مدخل فندق لوكارنا، وعندما شعرت بأنني سوف أتقيأ كل المحار المحشور في معدتي، توقف السائق وخرجنا من سيارة الأجرة. لا أعرف ما الذي فعله مايكي عندما كنت أتقيأ في الحمام  ولكن عندما خرجت من هناك بمعدة خاوية وجدته مستلقٍ على السرير يحدق في السقف. الغرفة، التي كانت كبيرة جدا عندما دخلتها لأول مرة، تقلصت إلى حجم زبيبة. جلست على المقعد جوار التلفزيون ونظرت إليه. لم يكن لدي ما أقوله وربما له أيضا. كان يدخن ويدخن حتى امتلأت الغرفة بالدخان. بعد ساعة من التحديق والجلوس على المقعد، استسلمت وانتقلت للاستلقاء على السرير جواره.

All Okay? Yes, all Okay.

لم يعد باستطاعتي تحمّل الصمت أكثر ولا حتى عدم الحركة في السرير، فجأة امتلكت الشجاعة لأسأله كيف مات ابنه. استدار مايكي إلي، وكرشه يتدحرج ببطء باتجاهي.

“حادث طرق. كان في السابعة عشرة من عمره وكان يقود سيارته مع صديقته تايلور. انقلبت سيارتهم على طريق 5. نجت لكن ساقيها بترتا، وهي الآن على كرسي متحرك. أحيانا أتصل بها لكنني أسمع بصوتها أنها لا تحب ذلك. كان لديها شعر أشقر طويل، عيون زرقاء، وجه ملاك أميركي، كما تعلمين. كانت دائما ترتدي المعاطف العسكرية. أنا وليندا أحببناها كثيراً، لقد كانوا مقيمين لدينا في البيت طوال الوقت. ثم ثمل جويل في إحدى الليالي وهكذا”.

استدار مايكي إلى الجانب الآخر وانكمش مثل الجنين. فجأة أصبح جسمه ثقيلاً على السرير، وكأن حجرًا بوَزن طنّين نام هناك. خفت أن يغرق أسفل من خلال الفرشة وأن يعلق جسمه في الأعمدة الخشبية وألا أجد طريقة لإنقاذه. أعتقد أنني سمعته يبكي ولكن ربما يكون قد اختنق فقط من كثرة السجائر. بحذر وضعت رأسي على كتفه ووعدته بعدم إخبار أي أحد.

* * *

 

3. جيرشون واليوم الأول الذي كنت فيه سعيدة في أمريكا

في البداية لم ندرك أننا فقراء، ولكن منذ وصولنا إلى أمريكا، أصبحنا فقراء. ليس ذلك معناه أننا كنا في تل أبيب أغنياء، ولكن هنا بذرنا المال. أحضرنا  من البلاد عشرة آلاف دولار بأوراق من فئة مئة دولار وربطناها في محفظة تحت الحجاب الحاجز. تلك كانت أموال هجرتنا، خططنا لشراء سيارة، دفع إيجار شقة، النفقات الأساسية. عمليًا، ما حدث هو أننا كنا نمد أيدينا لمحفظة الحجاب الحاجز كل يوم.

أمضينا أسابيع في الفنادق وقاعات الطعام إلى أن ننظم حياتنا الجديدة. كنا منهكين من قضاء الليالي على المراتب المكورة، من الحمامات مع العفن والطعام دون قيمة غذائية. كنت انفجر في البكاء، وأعتقد أننا لن نتدبر أبدا. لكن جيرشي لم ينكسر، كان من الواضح أن الهزات والموتيلات لم تؤثر عليه. قال إننا سننجح بالتدبر، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن الفشل دائمًا هو احتمال.

في كل مرة كنت في حالة يائسة كان يقول “يمكننا دائما العودة الى تل ابيب”.

صرخت، وبدأت أتشاجر معه: “لن نعود أبداً إلى تل أبيب!”

لكن جيرشي لم يوافق على الخصام، فقد تراجع داخل نفسه وتجاهلني، فواصل القيادة بهدوء أو مشاهدة التلفزيون. سرعان ما كنت أمد له يدي، لنتبادل القبل ونتصالح ونصبح  سعداء مرة أخرى مثل أسماك ذهبية دون ذاكرة.

بعد أن اشترينا المازدا 6، كانت المهمة التالية هي العثور على منزل. كانت الشقة التي رأيناها في شارع فينش جميلة مثل منزل الأحلام، مع أرضية خشبية ونوافذ في كل اتجاه. كلانا وقع في حبها فورا. أيضا، وبما أننا أردنا إنهاء العلاقة مع الموتيلات، قررنا الاستئجار بما يتجاوز قدرتنا. فلم نساوم قط.

“نعم، سوف نأخذ الشقة”، أبلغنا الوكيل العقاري.
قد نكون أخطأنا في الحساب أو أننا ببساطة انبهرنا بسحر العقار، ولكن اتضح مما لا شك فيه أن هذا ما قضي علينا. ذهب 90 في المئة من الراتب إلى الإيجار وخصصت البقية للاستثمار في الغذاء والوقود. قمنا بتأثيث المنزل مجانًا تقريبًا من الأشياء التي وجدناها في الشارع أو اشتريناها بثمن بخس بمبيعات عرضية. كل دولار صرفناه خرج بمعركة. من ناحية، أصر على الحفاظ على مكانه في أسفل المحفظة، ومن ناحية أخرى أصرت أصابعنا اللاصقة على اجتثاثه ونقله إلى المالكين الجدد.

توقفنا عن تناول الطعام في الخارج، لم يلامس الكابتشينو شفاهنا. قمنا بالتسوق في سوبر ماركت مكسيكي في جنوب المدينة كنا نسافر إليه لمدة أربعين دقيقة حيث باعوا هناك كميات هائلة من المواد الغذائية بأسعار رخيصة. كان ذلك جهنمًا ضخما من أجنحة الدجاج في حزم من مائة ومايونيز في دلاء. عند المدخل أخذنا عربة وسرنا يدا بيد بين الممرات. كنا نشعر بالدوار، تواجدت هناك كل خيرات استيراد القارة العظيمة، ولكن لم يتم وضع أي منتج في عرباتنا قبل أن نناقش ضرورته المطلقة. اشترينا نس كافيه

 في إبريق بلاستيكي وشوالا يحوي كميّة تسع كيلوغرامات من الأرز. تبادلنا القبل قرب الخضار.

قال لي جيرشي: “هذه ليست باريس”.

“أفضل من باريس”، أجبته.

في الصندوق دفعنا 92.80 دولارًا وخرجنا بأكياس معبأة وعيون متلألئة. خطّطنا تناول كلّ شيء معا، خطّطنا لمدة أسبوع.

وقال جيرشي مشيرًا الى شوال الارز الضخم “هذا غراؤنا”.

بدأت دراستي بالفعل وقضيت معظم أيام دراستي بالجامعة. لم يعثر جيرشي على وظيفة، وفي نفس الوقت لم يبحث أصلا، كانت تلك شهور عطلته. أمضى الأيام ببطء، فالشمس أقل سخونة الآن، وقد تجول مع كتاب تحت ذراعه، فنجان من النسكافيه بمتناول اليد. طهى لنا العشاء يوميًا، مستفيدًا من كل منتج في الخزانة حتى منتهاه.

لم نخرج إلى أي مكان، لا إلى المطاعم، ولا إلى الحانات، لم نذهب إلى السينما حتى مرة واحدة. قررنا أيضًا تعليق اتصال الإنترنت مؤقتًا في المنزل. ولأننا كنا جددًا في القارة، لم يكن لدينا أصدقاء بعد. كنا فقط أنا وجيرشي، بدون مال، بدون إنترنت. خرجنا في جولات مشي طويلة، قرأنا الكتب في السرير، خبزنا الكعك. أصبح التجول في السوبر ماركت نزهتنا الليلية. في السوبرماركت الموجود في أعلى شارعنا، باهظ الثمن بالنسبة لوضعنا الجديد، كانت هناك واجهة عروض بخصم كبير. كانت هناك مختلف أنواع المنتجات التي تضررت عبواتها؛ معلبات مبعوجة، أكياس الطحين الممزقة. بحثنا هناك كل مساء وترامت منتجات العروض في حضننا واحدة تلو الأخرى . النبيذ الأبيض، شوكولاته جوز الهند، سداسية بيرة وبودنج الفانيليا. في كل مساء كنا نعود إلى البيت بغنيمة أخرى، جهزنا وجبات ملوكية ببضع سنتات.

ولكن في اليوم الذي تجمعنا فيه معا على الأريكة، فحصنا حسابنا المصرفي واكتشفنا أنه لم يتبق لنا سوى 380 دولارًا، أدركنا أننا قد انتهينا حقًا، ما يسمى .Totally broke

لقد أصبت بضيق حقيقي، وكنت أخشى أن تكون حياتي القديمة قد انتهت، وأنني لن آكل أبدا في مطعم مرة أخرى، ولن أرتدي ملابس جميلة، وأنني سأفكر طوال الوقت فقط في المال، في القروش بالأحرى. كان جيرشي معتدلاً في رد فعله، حيث ظل يذكرني بأننا إذا نظرنا للأمر من جميع الزوايا، فإننا في الواقع أغنياء. إنه المال السائل الذي لا يسيل الآن. لكن جسدي وعقلي دخلا حالة من صراع البقاء لم أتمكن من السيطرة عليها. حسدت جيرشي على رباطة جأشه، حضوره الآمن في العالم، كان الناجي الحقيقي هنا. لا شيء يهدده ، لا الكوارث الطبيعية ولا الأزمات الاقتصادية.

“انسابي مع التيار، ثقي في جيرشون”، ردّدت في نفسي مثل تعويذة. تشبثت به وحاولت أن التصق بطمأنينته، لكن الخوف لم يتوقف عن الضخ في عروقي. فجأة رغبتُ في حرق الأوراق النقدية، وشراء جزمة جلدية، وشرب الموكا وقضم جبنة الجرويير. بعد فترة، حتى جيرشي انتابه شعور بالضيق، لم يعد يقرأ بسرور، وصار يدور في المنزل ، يفرك المواقد في المطبخ.

“ماذا حدث لي؟” سألت جيرشي والدموع في عيني. “أنا أفكر فقط في المال، أرغب فقط في شراء الأشياء والمزيد من الأشياء. بحياتي لم أرغب في الشراء بهذا الشكل”، اعترفت، على أمل ألا ينتقدني..

 قال:”هذا فقط لأننا لا نملكها الآن. إنها الفاكهة المحرمة، فأنت لا تريدين هذه الأشياء حقًا، إنها مجرد وهم”.

” اعرف. لكن الوهم قوي لدرجة أنني صرت أؤمن به”.

“دعينا نرى ما إذا كان هناك من جديد في بسطة المنتجات المخفضة” قال، وابتسم.

“لا،لا رغبة لي بذلك. اذهب أنت” قلت.

دخلت الفراش في وقت مبكر مع بيجامتي وكآبتي، ذهب جيرشي إلى السوبر ماركت لالتقاط بعض الحلويات. عاد بالأكياس وطلبت منه  منه أن يريني الغنائم. كانت هناك زجاجة من النبيذ الاحمر والافوكادو. ثم سحب من محفظته ثلاث أوراق من فئة خمسة دولارات .

“ما هذا؟” سألته.

قال: “لقد حظيت بها”. “اشتريت بدولار بطاقة كشط وحصلت على خمسة عشر دولاراً!” أعطاني الفواتير وعيناه تلمعان.

نظرت إلى الأوراق النقدية الجميلة فوق الكومودينو، أردت حفظها إلى الأبد داخل مفكرتي مثل الورود المجففة.

انقضى نصف الفصل الدراسي بالفعل وأصبحت الأيام التي قضيتها في الاستوديو أطول وأطول. جاءت أيام لم أكن أتناول فيها أي شيء، مجرد تفاحة أو مندلينا ألقاها جيرشي في حقيبتي، أو بيتزا وزعت مجاناً في الحرم الجامعي. في إحدى الأمسيات رجعت إلى البيت بمجاعة حقيقية، قال جيرشي أنه جائع أيضا بشكل فظيع. ذهبت إلى المطبخ للبحث عن بقايا الطعام لتناول العشاء. عندما عدت مع بيضتين مقليتين والبندورة وجدت جيرشي في غرفة الصالون، يجري شتى أنواع الحسابات على هاتفه. حتى من تلك الزاوية كان أيضًا أحد أجمل الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي.

“ذهبت إلى السوبر ماركت في الصباح، هنا فوق. سألتهم عن عمل. لقد ملأت نموذج طلب للعمل كمنظم بضائع”، قال ذلك ، فاحتضنته  حضنًا محطمًا للأضلاع.

بدأ جيرشي بالعمل في السوبر ماركت بعد يومين. خضع للتدريب السريع وأعطوه مريولا أحمر وشارة باسمه GERSHON. كان يعمل في ورديات المساء التي بدأت في السادسة وانتهت عند منتصف الليل. كنت أزوره كل ليلة، متظاهرة بأني زبونة بعربة بينما كان يقوم بترتيب زجاجات النبيذ على الرفوف أو محلّيات الحليب في الثلاجة. أخذ استراحة لمدة نصف ساعة حصل فيها على قهوة مجانية. كان يجلب لي كوبا وكنا نجلس على مقعد في الشارع، نأكل السندويشات التي كنت أعدها ونتحدث عن تقنيات ترتيب المنتجات التي كان قد خبرها.

كان الأجر 12.02 دولارًا للساعة، وقد أجرينا حسابات لا نهاية لها للراتب الذي سيحصل عليه في نهاية الشهر. كان الرقم النهائي الذي وصلنا إليه 1،370.28 دولارًا، ولم تتوقف الخيالات حول الشيك عن إضاءة خيالنا. في المال الذي كنا سنتلقاه، قررنا عدم شراء أي شيء، فسوف نواصل العيش هكذا على المليم حتى ينفجر حسابنا المصرفي، ضحكنا. عاد جيرشي إلى ورديته وذهبت أنا إلى البيت.

في إحدى الليالي، عندما قرأت كتابًا في السرير، بعث لي رسالة بالقدوم إلى السوبرماركت مع كيس القماش متعدد الاستخدام لمقابلته في الطابق السفلي في موقف السيارات. وجدته يقف بجانب عربة مليئة بالكرتون.

“هيا، رافقيني إلى حاوية المهملات”، أمسك يدي.

وقفت إلى جانبه بينما أخرج كتلاً من الجبن الأصفر من الكراتين. “انتهت صلاحياتها. طلبوا منّي أن أرميها في حاوية المهملات. انها جبن بروفولون” قال.

“لماذا يرمونها؟” سألت.

“ابتداء من الغد لا يمكنهم بيعها. لذلك سأرميها في حاوية المهملات وسأخذ واحدة؟ “نظر إلي بعينين جاحظتين، للتأكد من أن لديه شريكة في المهمة.

“يمكنني أخذ اثنتين. بالإمكان تجهيز فطيرة”، اقترحت. ابتسم جيرشي وواصل عمله. وضعت كتلتين من البروفولون في كيس القماش وغادرت موقف للسيارات بخطوات بطيئة.

عدت إلى المنزل وبدأت على الفور بتجهيز الفطيرة. عندما عاد جيرشي في منتصف الليل، التهمنا الفطيرة كالمجانين.

“ماذا ترمون هناك أيضًا؟” سألت.

“العديد من الأشياء التي انتهت صلاحيتها. رأيت هناك بسكويت شوكولاطة شيبس، في إحدى المرات ألقوا أوراك الدجاج أيضا. تلك بضاعة جيدة، طازجة. تاريخ الصلاحية غير دقيق، إنه تاريخ ضمان. يمكنك تناول هذه الاشياء لأسابيع لاحقا”، قال.

“بالفعل؟” تعجبت.

“بالتأكيد، هم فقط لا يريدون المخاطرة. الجبنة التي احضرناها؟ سنأكل منها في الأسبوع المقبل أيضًا. سترى، سوف أعد اللازانيا، لن يحدث لنا شيء”، ابتسم واستمر في التهام الفطيرة.

لقد وثقت به لأنه مع ذلك كان عالمًا بيولوجيًا وفهم في أمر البكتيريا. في الأيام التي تلت ذلك، توقفت عن زيارة جيرشي أثناء قيامه بترتيب المنتجات. كنا نلتقي بجانب القمامة، أنا مع كيس القماش متعدد الاستخدام وهو مع عربة مليئة بالمنتجات منتهية الصلاحية. سجق سلامي، دواجن، جبنة، موز مسود، بطاطا طرية، كلّ شيء كان موجوداً هناك. كنت أحمّل الغنيمة وأذهب للمنزل لطهي الطعام، تحولت وجبات العشاء إلى وجبات منتصف الليل عالية الدهون.

في إحدى الليالي كان جيرشي على وشك رمي صوانٍ من عجين الخبز، بعث إليّ برسالة ليسألني إن كنت معنية. أشعلت الفرن وركضت إلى السوبر ماركت خلال ثلاث دقائق. لطالما حلمت بخبيز الخبز في المنزل. عندما عدت إلى المنزل اكتشفت أن البيض نفذ لدينا، وأنا أردت أن يكون الخبز لامعًا وبراقًا لذلك عدت إلى السوبر ماركت، هذه المرة لشراء رزمة من البيض.

كان جيرشي يقوم بترتيب كرتون الحليب، عندما رافقني إلى رف البيض، لأنه أراد أن يذوّب قليلا من المكوث بجانب الثلاجات.

قال لي عندما التقطت البيض: “ضعيه في الكيس”.

” هل أضع؟” سألت.

أومأ برأسه بثقة.

قال: “سأرافقك للمخرج”، وعدل بعض الكراتين في الخط.

“لحظة، أريد أيضا بذور السمسم. وزيت الزيتون” قلت، وبدلت بعلبة من البيض العضوي.

توسعت عينا جيرشي الماسيتان، ارتفع الحاجبان. ذهبت لجلب المنتجات. في المرة الأولى كنت لا أزال خائفة، اكتفيت بالبيض العضوي ،بذور السمسم، الزيت والزيتون الأسود. في المخرج دق قلبي ولكن جيرشي رافقني وقبّلني قبل أن أغادر كي لا يشك أحد، لم ينظر إلي أحد حتى.

ومنذ ذلك اليوم توقفت عن ملاقاة جيرشي في الموقف بالقرب من القمامة، وبدلا من ذلك ذهبت لزيارته قرب الرفوف حوالي الساعة العاشرة. لم يكن هناك العديد من الزبائن في مثل هذه الساعة وعادة ما كان عاملو الفترينا والمخبز قد غادروا. امتلأ كيس القماش بأغلى المنتجات العضوية التي أمكنني أن أجدها. زيت اللوز، كرز أمارنا، بارميجيانو راجيانو، صابون الدكتور برونر، شوكولاطه ليندت. في إحدى المرات أدخلت حتى فرشاة أسنان كهربائية. لم أحشو الكيس القماشي، حرصت دائما أن يبدو وكأنه حقيبة عادية لامرأة.

قبل عودة جيرشي من الوردية كنت أرتب المنتجات المسروقة على الطاولة وكنا نحسب الأسعار سوية. كم ضحكنا، مرتسيبان لوبك 24.99دولارًا! زيت اللوز النقي، 23.33 دولارًا بري دي مو 21.42 دولارًا!

في اليوم الذي تم فيه فصل جيرشي، بلغت قيمة المسروقات 1323.15 دولارًا. وافقوا على عدم التوجه للشرطة ، لكنهم لم يدفعوا له راتب ذلك الشهر. من الصعب القول أننا كنا حزينين، لا أعتقد حتى أننا كنا خائفين. ذهب لرد المريول الأحمر وشارة اسمه، انتظرته في الأسفل. حتى أنه عاد مع كوبين من القهوة.

وقال: “تذكار للمرة الأخيرة”.

ترجلنا إلى البيت، بأيادٍ متشابكة، ونحن نحتسي القهوة الساخنة. لم نتحدث في تلك المسيرة، ليس لأننا حاسبنا أنفسنا أو شيئًا من هذا القبيل، داهمنا السكوت. في المنزل، فتحنا جميع خزائن المطبخ، كانت هناك حبوب بن من سومطرة، العدس الأسود والأحمر، مجموعة كبيرة من المعكرونة الحلزونية. استلقت في الثلاجة أفضل الأجبان من فرنسا وسويسرا والنقانق من إيطاليا. في الفريزر انتظر السوربيه الذي عشقناه، كان لدينا المانجو، الباسيفلورا، الليمون الصقلي. وكانت الخزانة الموجودة تحت الحوض معبأة أيضا بالمنظفات الطبيعية للحمام، المطبخ، تلميع الأرضيات الخشبية. كنا سعداء، كنا أغنياء.

1

ما أتعس الرجل الذي يحب صبية من بين كل الصبايا ويتخذها رفيقة لحياته، ويهرق على قدميها عرق جبينه ودم قلبه، ويضع بين كفيها ثمار أتعابه وغلة اجتهاده، ثم ينتبه فجأة فيجد قلبها الذي حاول ابتياعه بمجاهدة الأيام وسهر الليالي قد أُعطي مجاناً لرجل آخر ليتمتع بمكنوناته ويسعد بسرائر محبته.

وما أتعس المرأة التي تستيقظ من غفلة الشبيبة فتجد ذاتها في منزل رجل يغمرها بأمواله وعطاياه، ويسربلها بالتكريم والمؤانسة، لكنه لا يقدر أن يلامس قلبها بشعلة الحب المحيية، ولا يستطيع أن يشبع روحها من الخمرة السماوية التي يسكبها الله من عيني الرجل في قلب المرأة.

* * *

عرفت رشيد بك نعمان منذ حداثتي. وهو رجل لبناني الأصل، بيروتي المولد والدار، متحدر من أسرة قديمة غنية موصوفة بالمحافظة على ذكر الأمجاد الغابرة، فكان مولعاً بسرد الحوادث التي تبين نبالة آبائه وجدوده، متبعاً بمعيشته عقائدهم وتقاليدهم، منصرفاً إلى تقليدهم في العادات والأزياء الغربية المرفرفة كأسراب الطيور في فضاء الشرق.

وكان رشيد بك طيب القلب كريم الأخلاق، لكنه كالكثيرين من سكان سوريا، لا ينظر إلى ما وراء الأشياء، بل إلى الظاهر منها. ولا يصغي إلى نغمة نفسه، بل يشغل عواطفه باستماع الأصوات التي يحدثها محيطه. ويلهي ميوله ببهرجة المرئيات التي تعمي البصيرة عن أسرار الحياة وتحول النفس عن إدراك خفايا الكيان إلى ملاحظة الملذات الوقتية. وكان من أولئك الرجال الذين يتسرعون بإظهار محبتهم أو مقتهم للناس وللأشياء، ثم يندمون على تسرّعهم بعد فوات الوقت، عندما تصير الندامة مجلبة للسخرية والاستهزاء بدلاً من العفو والغفران.

هذه هي الصفات والأخلاق التي جعلت رشيد بك نعمان يقترن بالسيدة وردة الهاني قبل أن تضم نفسها نفسه في ظل المحبة الحقيقية التي تجعل الحياة الزوجية نعيماً.

* * *

غبت عن بيروت بضعة أعوام، ولما رجعت إليها، ذهبت لزيارة رشيد فوجدته ضعيف الجسد، مكمد اللون، تتمايل على سحنته المنقبضة أشباح الأحزان وتنبعث من عينيه الحزينتين نظرات موجعة تتكلم بالسكينة عن انسحاق قلبه وظلمة صدره. وبعد أن بحثت في محيطه ولم أجد أسباب نحوله وانقباضه سألته قائلاً: “ما أصابك أيها الرجل وأين تلك البشاشة التي كانت تنبعث كالشعاع من وجهك؟ وأين ذهب ذاك السرور الذي كان ملاصقاً شبيبتك؟ هل فصل الموت بينك وبين صديق عزيز، أم سلبتك الليالي السوداء مالًا جمعته في الأيام البيضاء؟ قل لي بحق الصداقة ما هذه الكآبة المعانقة نفسك وهذا النحول المالك جسدك؟”

فنظر إلي نظرة متأسف أرته الذكرى رسوم أيام جميلة ثم حجبتها. وبصوت تتموج في مقاطعه معاني اليأس والقنوط: “إذا فقد المرء صديقاً عزيزاً والتفت حوله يجد الأصدقاء الكثيرين فيتصبر ويتعزى، وإذا خسر الإنسان مالاً وفكر قليلاً رأى النشاط الذي أتى بالمال سيأتي بمثله فينسى ويسلو. ولكن إذا أضاع الرجل راحة قلبه فأين يجدها وبمَ يستعيض عنها؟ يمد الموت يده ويصفعك بشدة فتتوجع. ولكن لا يمر يوم وليلة حتى تشعر بملامس أصابع الحياة فتبتسم وتفرح. يجيئك الدهر على حين غفلة، ويحدق إليك بأعين مستديرة مخيفة ويقبض على عنقك بأظفار محددة ويطرحك بقساوة على التراب ويدوسك بأقدامه الحديدية ويذهب ضاحكاً ثم لا يلبث أن يعود إليك نادماً مستغفراً فينتشلك بأكفّه الحريرية ويغني لك نشيد الأمل فيطربك. مصائب كثيرة ومتاعب أليمة تأتيك مع أخيِلة الليل تضمحل أمامك بمجيء الصباح، وأنت شاعر بعزيمتك متمسك بآمالك. ولكن إذا كان نصيبك من الوجود طائراً تحبه وتطعمه حبات قلبك وتسقيه نور أحداقك، وتجعل ضلوعك له قفصاً ومهجتك عشاً، وبينما أنت تنظر إلى طائرك وتغمر ريشه بشعاع نفسك، إذا به قد فر من بين يديك وطار حتى حلق فوق السحاب، ثم هبط نحو أقفاص آخر وما من سبيل إلى رجوعه، فماذا تفعل إذ ذاك أيها الرجل؟ قل لي ماذا تفعل وأين تجد الصبر والسلوان، وكيف تحيي الآمال والأماني؟”

لفظ رشيد بك الكلمات الأخيرة بصوت مخنوق متوجع ووقف على قدميه مرتجفاً كقصبة في مهبّ الريح، ومد يديه إلى الأمام كأنه يريد أن يقبض بأصابعه المعوجة على شيء ليمزقه إرباً إرباً، وقد تصاعد الدم إلى وجهه وصبغ بشرته المتجعدة بلون قاتم، وكبرت عيناه وجمدت أجفانه وحدق دقيقة كأنه رأى أمامه عفريتاً قد انبثق من العدم وجاء ليميته، ثم نظر إلي وقد تغيرت ملامحه بسرعة وتحول الغضب والحنق في جسده المهزول إلى التوجع والألم وقال باكياً: “هي المرأة – المرأة التي أنقذتها من عبودية الفقر، وفتحت أمامها خزائني وجعلتها محسودة بين النساء على الملابس الجميلة والحلى الثمينة، والمركبات الفخمة والخيول المطهمة – المرأة التي أحبها قلبي وسكب على قدميها عواطفه، ومالت إليها نفسي فغمرتها بالمواهب والعطايا – المرأة التي كنت لها صديقاً ودوداً ورفيقاً مخلصاً وزوجاً أميناً قد خانتني وغادرتني، وذهبت إلى بيت رجل آخر لتعيش معه في ظلال الفقر، وتشاركه بأكل الخبز المعجون بالعار، وشرب الماء الممزوج بالذل والعيب – المرأة التي أحببتها – الطائر الجميل الذي أطعمته حبات قلبي وسقيته نور حدقتيّ وجعلت ضلوعي له قفصاً ومهجتي عشاً، قد فر من بين يدي وطار إلى قفص آخر محبوك من قضبان العوسج ليأكل فيه الحسك والديدان، ويشرب من جوانبه السم والعلقم – الملاك الطاهر الذي أسكنته فردوس محبتي وانعطافي، قد انقلب شيطاناً مخيفاً وهبط إلى الظلمة ليتعذب بآثامه ويعذبني بجريمته”.

وسكت الرجل وقد حجب وجهه بكفيه كأنه يريد أن يحمي نفسه من نفسه ثم تنهد قائلاً: “هذا كل ما أقدر أن أقوله فلا تسألني أكثر من ذلك، ولا تجعل لمصيبتي صوتاً صارخاً، بل دعها مصيبة خرساء لعلها تنمو بالسكينة فتميتني وتريحني”. فقمت من مكاني والدموع تراود أجفاني والشفقة تسحق قلبي. ثم ودعته ساكتاً لأنني لم أجد في الكلام معنى يعزي قلبه الجريح، ولا في الحكمة شعلة تنير نفسه المظلمة.

2

بعد أيام التقيت لأول مرة بالسيدة وردة الهاني في بيت حقير محاط بالزهور والأشجار. وكانت قد سمعت لفظ اسمي في منزل رشيد بك نعمان. ذلك الرجل الذي داست قلبه وتركته ميتاً بين حوافر الحياة. ولما رأيت عينيها المنيرتين وسمعت نغمة صوتها الرخيمة، قلت في ذاتي: “أتقدر هذه المرأة أن تكون شريرة؟ وهل بإمكان هذا الوجه الشفاف أن يستر نفساً شنيعة وقلباً مجرمًا؟ أهذه هي الزوجة الخائنة؟ أهذه هي المرأة التي جنيت عليها مرات عديدة بتصويرها لفكري كثعبان مخيف مختبىء في جسم طائر بديع الشكل؟” ولكني رجعت وهمست في سري قائلاً: “إذن أي شيء جعل ذلك الرجل تعساً إذ لم يكن هذا الوجه الجميل؟ أوَلم نسمع ونرَ أن المحاسن الظاهرة كانت سبباً لمصائب خفية هائلة وأحزان عميقة أليمة؟ … أوَليس القمر الذي يسكب في قرائح الشعراء شعاعاً هو القمر الذي يهيج سكينة البحار بالمد والجزر؟”.

جلستُ وجلسَت السيدة وردة وكأنها قد سمعتني مفكراً فلم ترد أن يطول الصراع بين حيرتي وظنوني، فأسندت رأسها الجميل بيدها البيضاء، وبصوت يحاكي نغمة الناي رقة قالت: “لم ألتقِ بك قبل أيها الرجل، ولكني سمعت صدى أفكارك وأحلامك من أفواه الناس فعرفتك شفوقاً على المرأة المظلومة، رؤوفاً بضعفها، خبيراً بعواطفها وميولها. من أجل ذلك أريد أن أبسط لك قلبي وأفتح أمامك صدري، لترى مخبآته وتخبر الناس إن شئت بأن وردة الهاني لم تكن قط امرأة خائنة شريرة . . .

“كنت في الثامنة عشرة من عمري عندما قادني القدر إلى رشيد بك نعمان، وكان هو إذ ذاك قريباً من الأربعين، فشغف بي ومال إلي شريفاً كما يقول الناس، ثم جعلني زوجة له وسيدة في منزله الفخم بين خدمه الكثيرين، فألبسني الحرير وزيّن رأسي وعنقي ومعصمي بالجواهر والحجارة الكريمة، وكان يعرضني كتحفة غريبة في منازل أصدقائه ومعارفه، ويبتسم ابتسامة الفوز والانتصار عندما يرى عيون أترابه ناظرة إلي بإعجاب واستحسان، ويرفع رأسه تيهاً وافتخاراً إذ يسمع نساء أصحابه يتكلمن عني بالإطراء والمودة. ولكنه لم يكن يسمع قول السائل: أهذه زوجة رشيد بك أم هي صبية تبناها؟ وقول الآخر: لو تزوج رشيد بك في زمن الشباب لكان بكره أكبر سناً من وردة الهاني.

“جرى كل ذلك قبل أن تستيقظ حياتي من سبات الحداثة العميق، وقبل أن توقد الآلهة شعلة المحبة في قلبي، وقبل أن تنبت بذور العواطف والميول في صدري. نعم جرى كل ذلك عندما كنت أحسب منتهى السعادة في ثوب جميل يزين قامتي، ومركبة فخمة تجرني، ورياش ثمينة تحيط بي. ولكن عندما استيقظت – عندما استيقظت وفتح النور أجفاني، وشعرت بألسنة النار المقدسة تلسع أضلعي وتحرقها، وبالمجاعة الروحية تقبض على نفسي فتوجعها – عندما استيقظت ورأيت أجنحتي تتحرك يميناً وشمالاً وتريد النهوض بي إلى سماء المحبة، ثم ترتجف وترتخي عجزاً بجانب سلاسل الشريعة التي قيدت جسدي قبل أن أعرف كنه تلك القيود ومفاد تلك الشريعة – عندما استيقظت وشعرت بهذه الأشياء، عرفت أن سعادة المرأة ليست بمجد الرجل وسؤدده، ولا بكرمه وحلمه، بل بالحب الذي يضم روحها إلى روحه، ويكسب عواطفها في كبده، ويجعلها ويجعله عضواً واحداً من جسم الحياة وكلمة واحدة على شفتي الل ه- عندما بانت هذ الحقيقة الجارحة لبصيرتي رأيتني في منزل رشيد نعمان مثل لص سارق يأكل خبزه ثم يستتر بظلام الليل. وعرفت أن كل يوم اصرفه بقربه هو كذبة هائلة يخطها الرياء بأحرف نارية ظاهرة على جبهتي أمام الأرض والسماء، لأنني لم أقدر أن أهبه محبة قلبي لقاء كرمه، ولا أن أمنحه انعطاف نفسي ثمناً لإخلاصه وصلاحه. وقد حاولت وباطلاً حاولت أن أتعلم محبته فلم أتعلم، لأن المحبة هي قوة تبتدع قلوبنا، وقلوبنا لا تقدر أن تبتدعها. ثم صليت وتضرعت وباطلاً تضرعت وصليت في سكينة الليالي أمام السماء لتولد في أعماقي عاطفة روحية تقربني من الرجل الذي اختارته رفيقاً لي فلم تفعل السماء، لأن المحبة تهبط على أرواحنا بإيعاز من الله لا بطلب من البشر، وهكذا بقيت عامين كاملين في منزل ذلك الرجل أحسد عصافير الحقل على حريتها، وبنات جنسي يحسدنني على سجني. وكالثكلى الفاقدة وحيدها كنت أندب قلبي الذي ولد بالمعرفة واعتلّ بالشريعة، وكان يموت في كل يوم جوعاً وعطشاً.

ففي يوم من تلك الأيام السوداء نظرت من وراء الظلمة فرأيت شعاعاً لطيفاً ينسكب من عيني فى يسير وحده على سبل الحياة، ويعيش منفرداً بين أوراقه وكتبه في هذا البيت الحقير، فأغمضت عينيّ كيلا أرى ذلك الشعاع وقلت لنفسي: “نصيبك يا نفس ظلمة القبر، فلا تطمعي بالنور. ثم أصغيت فسمعت نغمة علوية تهز جوارحي بعذوبتها وتمتلك كليتي بطهرها، فأغلقت أذني وقلت نصيبك يا نفس صراخ الهاوية فلا تطمعي بالأغاني . . أغمضت أجفاني كيلا أرى، وأغلقت أذني كيلا أسمع. لكن عيني ظلتا تريان ذلك الشعاع وهما منطبقتان، وأذني تسمعان تلك النغمة وهما مغلقتان، فخفت لأول وهلة خوف فقير وجد جوهرة بقرب قصر الأمير فلم يجسر أن يلتقطها لخوفه، ولم يقدر أن يتركها لفاقته. وبكيت بكاء ظامىء رأى الينبوع العذب محاطاً بكواسر الغاب فارتمى على الأرض مترقباً جازعاً”

وسكتت السيدة وردة دقيقة، وقد أغمضت عينيها الكبيرتين كأن ذلك الماضي قد انتصب أمامها فلم تجسر أن تحدق إليّ وجهاً لوجه. ثم عادت فقالت: “هؤلاء البشر الذين يجيئون من الأبدية ويعودون إليها قبل أن يذوقوا طعم الحياة الحقيقية لا يمكنهم أن يدركوا كنه أوجاع المرأة عندما تقف نفسها بين رجل تحبه بإرادة السماء، ورجل تلتصق به بشريعة الأرض. هي مأساة أليمة مكتوبة بدماء الأنثى ودموعها يقرأها الرجل ضاحكاً لأنه لا يفهمها، وإن فهمها انقلب ضحكه فجوراً وقساوة وأنزل على رأس المرأة من غضبه ناراً وكبريتاً، وملأ أذنيها لعناً وتجديفاً.

“هي رواية موجعة تمثلها الليالي السوداء بين ضلوع كل امرأة تجد جسدها مقيداً بمضجع رجل عرفته زوجاً قبل أن تعرف معنى الزيجة، ترى روحها مرفرفة حول آخر تحبه بكل ما في الروح من المحبة وبكل ما في المحبة من الطهر والجمال. هو نزاع مخيف قد ابتدأ منذ ظهور الضعف في المرأة والقوة في الرجل، ولا ينتهي حتى تنقضي أيام عبودية الضعف للقوة. هي حرب هائلة بين شرائع الناس الفاسدة وعواطف القلب المقدسة قد طُرحتُ بالأمس في ساحتها وكدت أموت جزعاً وأذوب دموعاً، لكنني وقفت ونزعت عني جبانة بنات جنسي وحللت جناحيّ من ربط الضعف والاستسلام وطرت في فضاء الحب والحرية، وأنا سعيدة الآن بقرب الرجل الذي خرج وخرجت شعلة واحدة من يد الله قبيل ابتداء الدهور، ولا توجد قوة في هذا العالم تستطيع أن تسلبني سعادتي لأنها منبثقة من عناق روحين يضمهما التفاهم ويظللهما الحب”.

ونظرت إلي السيدة وردة نظرة معنوية كأنها تريد أن تخترق صدري بعينيها لترى تأثير كلامها في عواطفي وتسمع صدى صوتها من بين ضلوعي لكنني بقيت صامتاً كيلا أوقفها عن الكلام. فقالت وقد قارن صوتها بين مرارة الذكرى وحلاوة الخلاص والحرية :

“يقول لك الناس إن وردة الهاني امرأة خائنة جحود قد اتبعت شهوة قلبها وهجرت الرجل الذي رفعها إليه وجعلها سيدة في منزله. ويقولون لك هي زانية عاهرة قد أتلفت بمقابضها القذرة إكليل الزواج المقدس الذي ضفرته الديانة، واتخذت عوضاً عنه إكليلاً وسخاً محبوكاً من أشواك الجحيم، وألقت عن جسدها ثوب الفضيلة وارتدت لباس الإثم والعار. ويقولون لك أكثر من ذلك لأن أشباح جدودهم ما زالت حية في أجسادهم. فهم مثل كهوف الأودية الخالية يرجعون صدى أصوات لا يفهمون معناها. هم لا يعرفون شريعة الله في مخلوقاته، ولا يفقهون مفاد الدين الحقيقي، ولا يعلمون متى يكون الإنسان خاطئاً أو باراً، بل ينظرون بأعينهم الضئيلة إلى ظواهر الأعمال ولا يرون أسرارها، فيقضون بالجهل ويدينون بالعماوة، ويستوي أمامهم المجرم والبريء والصالح والشرير.

فويل لمن يقضي وويل لمن يدين… أنا كنت زانية وخائنة في منزل رشيد نعمان لأنه جعلني رفيقة مضجعه بحكم العادات والتقاليد قبل أن تصيّرني السماء قرينة له بشريعة الروح والعواطف. وكنت دنسة ودنيئة أمام نفسي وأمام الله عندما كنت أشبع جوفي من خيراته ليشبع ميوله من جسدي. أما الآن فصرت طاهرة نقية لأن ناموس الحب قد حررني. وصرت شريفة وأمينة لأنني أبطلت بيع جسدي بالخبز وأيامي بالملابس. نعم كنت زانية ومجرمة عندما كان الناس يحسبونني زوجة فاضلة، واليوم صرت طاهرة وشريفة وهم يحسبونني عاهرة دنسة لأنهم يحكمون على النفوس من مآتي الأجساد، ويقيسون الروح بمقاييس المادة”.

والتفتت السيدة وردة نحو النافذة وأشارت بيمينها نحو المدينة ورفعت صوتها عن ذي قبل وقالت بلهجة الاحتقار والاشمئزاز كأنها رأت بين الأزقّة وعلى السطوح وفي الأروقة أشباح المفاسد وأخيلة الانحطاط: “أنظر إلى هذه المنازل الجميلة والقصور الفخمة العالية حيث يسكن الأغنياء والأقوياء من البشر، فبين جدرانها المكسوة بالحرير المنسوج تقطن الخيانة بجانب الرياء، وتحت سقوفها المطلية بالذهب المذوّب يقيم الكذب بقرب التصنّع. أنظر وتأمل جيدًا بهذه البنايات التي تمثّل لك المجد والسؤدد والسعادة، فهي ليست سوى مغاور يختبىء فيها الذل والشقاء والتعاسة. هي قبور مكلّسة يتوارى فيها مكر المرأة الضعيفة وراء كحل العيون واحمرار الشفاه، وتنحجب في زواياها أنانية الرجل وحيوانيته بلمعان الفضّة والذهب. هي قصور تتشامخ جدرانها تيهاً وافتخاراً نحو العلاء، ولو كانت تشعر بأنفاس المكارِه والغش السائلة عليها لتشقّقت وتبعثرت وهبطت إلى الحضيض. هي منازل ينظر إليها القروي الفقير بعينين دامعتين، ولو علم أنه لا يوجد في قلوب سكانها ذرّة من تلك المحبة العذبة التي تملأ صدر رفيقته لابتسم مستهزئاً وعاد إلى حقله مشفقاً”.

وأمسكت السيدة وردة بيدي وقادتني إلى جانب النافذة التي كانت تنظر منها نحو تلك المنازل والقصور وقالت: “تعالَ فأريك خفايا هؤلاء الناس الذين لم أرضَ أن أكون مثلهم. أنظر إلى ذلك القصر ذي الأعمدة الرخامية والجوانح النحاسية والنوافذ البلورية، ففيه يسكن رجل غنيّ ورث ماله عن والده البخيل واكتسب أخلاقه من جوانب الأزقة المفعمة بالمفاسد. وقد تزوج منذ عامين بامرأة لم يعرف عنها شيئاً سوى أن لوالدها شرفاً موروثاً ومنزلة رفيعة بين نبلاء البلاد. ولم ينقضِ شهر العسل حتى ملّها متضجراً وعاد إلى مسامرة بنات الهوى، وتركها في هذا القصر مثلما يترك السكّير جرة خمر فارغة، فبكت وتوجعت لأوّل وهلة، ثم تصبّرت وسلت سلوّ من عرف خطأه، وعلمت أن دموعها هي أثمن من أن تهرق على خسارة رجل مثل زوجها. وهي الآن مشغولة عن كل شيء بعشق فتى جميل الوجه حلو الحديث، تسكب على راحتيه عواطف قلبها وتملأ جيوبه من ذهب بعلها الذي يغضّ الطرف عنها لأنها تغضّ الطرف عنه… ثمّ انظر إلى ذلك البيت المحاط بالحديقة الغنّاء، فهو مسكن رجل ينتمي إلى أسرة شريفة حكمت البلاد مدة طويلة، وقد انخفض مقامها اليوم بتوزيع ثرواتها واصراف أبنائها إلى التواني والكسل. وقد اقترن هذا الرجل منذ أعوام بفتاة قبيحة الصورة لكنها غنية جداً، وبعد استيلائه على ثروتها الطائلة نسي وجودها واتخذ له خليلة حسناء وغادرها تنهش أصابعها ندماً وتذوب شوقاً وحنيناً. وهي الآن تصرف الساعات بتجعيد شعرها، وتكحيل عينيها، وتلوين وجهها بالمساحيق والعقاقير، وتزيين قامتها بالأطالس والحرير، لعلها تحظى بنظرة من احد زائريها، لكنها لا تحصل إلا على نظرات شبحها في المرآة… ثم انظر إلى ذلك المنزل الكبير المزين بالنقوش والتماثيل، فهو منزل امرأة جميلة الوجه، خبيثة النفس، قد مات زوجها الأوّل فاستأثرت بأمواله وأملاكه ثم اختارت من بين الرجال رجلاً ضعيف الجسم والإرادة واتخذته بعلاً لتحتمي باسمه من ألسنة الناس وتدافع بوجوده عن منكراتها. وهي الآن بين مريديها كالنحلة تمتصّ من الزهور ما كان حلواً ولذيذاً. وانظر إلى تلك الدار ذات الأروِقة الوسيعةِ والقناطر البديعةِ، فهي مسكن رجل مادي الميول، كثير المشاغل والمطامع، وله وزجة كل ما في جسدها جميل وحسن، وكل ما في روحها حلو ولطيف، وقد تمازجت في شخصها عناصر النفس بدقائق الجسد مثلما تتآلف في الشعر نغمة الوزن برقة المعاني، فهي قد كُوّنت لتعيش بالحب وتموت به. ولكنها كالكثيرات من بنات جنسها قد جنى عليها والدها قبل بلوغها الثامنة عشرة من عمرها ووضع عنقها تحت نير الزيجة الفاسدة، وهي الآن سقيمة الجسم تذوب كالشمع بحرارة عواطفها المقيّدة، وتضمحلّ على مهل كالرائحة الزكيّة أمام العاصفة، وتفنى حباً بشيء جميل تشعر به ولا تراه، وتصبو حنيناً إلى معانقة الموت لتتخلص من حياتها الجامدة وتتحرر من عبودية رجل يصرف الأيام بجمع الدنانير والليالي بعدّها ويصرّ أسنانه مجدّفا على الساعة التي تزوج فيها بامرأة عاقر لا تلد له ابناً ليحيي اسمه ويرث ماله وخيراته… ثمّ انظر إلى ذلك البيت المنفرد بين البساتين، فهو مسكن شاعر خيالي سامي الأفكار، روحي المذهب، له زوجة غليظة العقل، خشنة الطباع، تسخر بأشعاره لأنها لا تفهمها، وتستهزىء بأعماله لأنها غريبة، وهو الآن مشغول عنها بمحبة امرأة أخرى متزوجة تتوقّد ذكاء وتسيل رقة وتولّد في قلبه النور بانعطافها وتوحي إليه الأقوال الخالدة بابتسامتها ونظراتها”.

وسكتت السيدة وردة هنيهة وقد جلست على مقعد بجانب النافذة كأن نفسها قد تعبت من التجوّل في مخادع تلك المنازل الخفيّة، ثمّ عادت تقول بهدوء: “هذه هي القصور التي لم أرضَ أن أكون من سكانها. هذه هي القبور التي لم أرد أن أدفن حية طيَّ لحودها. هؤلاء هم الناس الذين تخلصت من عوائدهم وخلعت عنّي نير جامعتهم. هؤلاء هم المتزوجون الذين يقترنون بالأجساد ويتنافرون بالروح، ولا شفيع بهم أمام الله سوى جهلهم ناموس الله. أنا لا أدينهم الآن بل أشفق عليهم، ولا أكرههم بل أكره استسلامهم عفواً إلى الرياء والكذب والخباثة. ولم أكشف أمامك خفايا قلوبهم وأسرار معيشتهم لأنني أحب الاغتياب والنميمة، بل فعلت ذلك لأريك حقيقة قوم كنت بالأمس مثلهم فنجوت، وأبيّن لك معيشة بشر يقولون عنّي كل كلمة شريرة، لأنني خسرت صداقتهم لأربح نفسي، وخرجت عن سبل خداعهم المظلمة وحوّلت عينيّ نحو النور حيث الاخلاص والحق والعدل. وقد نفوني الآن من جامعتهم وأنا راضية، لأن البشر لا ينفون إلّا من تمردت روحه الكبيرة على الظلم والجور. ومن لا يؤثر النفي على الاستعباد لا يكون حرّاً بما في الحرية من الحق والواجب. أنا كنت بالأمس مثل مائدة شهيّة، وكان رشيد بك يقترب مني عندما يشعر بحاجة إلى طعام، أما نفسانا فتظلان بعيدتين كخادمين ذليلين. ولمّا رايت المعرفة كرهت الاستخدام، وقد حاولت الخضوع لما يدعونه نصيباً فلم أقدر، لأن روحي أبت أن أصرف العمر كله راكعة أمام صنم مخيف أقامته الأجيال المظلمة ودعته الشريعة. فكسرت قيودي لكنني لم ألقِها عني حتى سمعت الحب منادياً ورأيت النفس متأهبة للمسير.

“فخرجت من منزل رشيد نعمان خروج الاسير من سجنه تاركة خلفي الحلى والحلل والخدم والمركبات وجئت بيت حبيبي الخالي من الرياش المملوء من الروح وأنا عالمة بأنني لم أفعل غير الحق والواجب، لأن مشيئة السماء، ليست بأن أقطع جناحي بيدي وأرتمي على الرماد حاجبة رأسي بساعدي، ساكبة حشاشتي من أجفاني قائلة هذا نصيبي من الحياة. إن السماء لا تريد أن أصرف العمر صارخة متوجعة في الليالي قائلة متى يجيء الفجر، وعندما يجيء الفجر أقول متى ينقضي هذا النهار. إن السماء لا تريد أن يكون الإنسان تعساً لأنها وضعت في أعماقه الميل إلى السعادة، لأنه بسعادة الإنسان يتمجّد الله.

“هذه هي حكايتي أيها أيها الرجل، وهذا احتجاجي أمام السماء والأرض، وأنا أردّده وأترنّم به والناس يغلقون آذانهم ولا يسمعون لأنّهم يخشون ثورة أرواحهم، ويخافون أن تتزعزع أسس جامعتهم وتهبط على رؤوسهم.

“هذه هي العقبة التي سرت عليها حتى بلغت قمة سعادتي، ولو جاء الموت واختطفني الآن لوقفت روحي أمام العرش الأعلى بلا خوف ولا وجل، بل بفرح وأمل، وانحلّت لفائف ضميري أمام الديّان الأعظم وبانت نقيّة كالثلج، لأنني لم أفعل غير مشيئة النفس التي فصلها الله عن ذاته، ولم أتبع غير نداء القلب وصدى أغاني الملائكة.

“هذه هي روايتي التي يحسبها سكان بيروت لعنة في فم الحياة وعلّة في جسم الهيئة الاجتماعية. ولكنهم سوف يندمون عندما تنبّه الأيام محبّة المحبّة في قلوبهم المظلمة، مثلما تستنبت الشمس الزهور من بطن الأرض المملوء من بقايا الأموات فيقف إذ ذاك عابر الطريق بجانب قبري ويلقي عليه السلام قائلاً: ‘ههنا رقدت وردة الهاني التي حرّرت عواطفها من عبوديّة الشرائع البشرية الفاسدة لتحيا بناموس المحبة الشريفة. وحولت وجهها نحو الشمس كيلا ترى ظل جسدها بين الجماجم والأشواك”.

ولم تنته السيدة وردة من كلامها حتى فتح الباب ودخل علينا فتى نحيل القوام، جميل الوجه، تنسكب من عينيه أشعة سحرية وتسيل على شفتيه ابتسامة لطيفة. فوقفت السيدة وردة وأمسكت بذراعه بانعطاف كلّي وقدمته إلي بعد أن لفظت اسمي مذيّلاً بكلمة لطيفة واسمه مشفوعاً بنظرة معنوية، فعرفت أنه ذلك الشاب الذي أنكرت العالم وخالفت الشرائع والتقاليد من أجله.

ثم جلسنا جميعاً صامتين لانشغال كل منا بمعرفة رأي الآخر فيه. حتى إذا مرّت دقيقة مملوءة من السكينة التي تستميل النفوس إلى الملإ الأعلى، نظرت إليهما وقد جلسا أحدهما بجانب الآخر فرأيت ما لم أرَه قط، وعرفت بلحظة معنى حكاية السيدة وردة وأدركت سر احتجاجها على الهيئة الاجتماعية التي تضطهد الأفراد المتمردين على شرائعها قبل أن تستفحص دواعي تمردهم. رأيت روحاً واحدة سماوية متمثلة أمامي بجسدين يجملهما الشباب ويسربلهما الاتحاد وقد وقف بينهما إله الحب باسطاً جناحيه ليحميهما من لوم الناس وتعنيفهم. وجدت التفاهم الكلي منبعثاً من وجهين شفافين ينيرهما الإخلاص ويحيط بهما الطهر. وجدت لأول مرة في حياتي طيف السعادة منتصباً بين رجل وامرأة يرذلهما الدين وتنبذهما الشريعة.

وبعد هنيهة وقفت وودعتهما مظهراً بغير الكلام تأثيرات نفسي وخرجت من ذلك المنزل الحقير الذي جعلته العواطف هيكلاً للحب والوفاق، وسرت بين تلك القصور والمنازل التي أظهرت لي خفاياها السيدة وردة مفكراً بحديثها وبكل ما ينطوي تحته من المبادئ والنتائج، ولكنني لم أبلغ أطراف ذلك الحي حتى تذكرت رشيد بك نعمان، فتمثلت لبصيرتي لوعة قنوطه وشقائه فقلت في ذاتي: “هو تعس مظلوم ولكن هل تسمعه السماء إذا وقف أمامها متظلماً شاكياً وردة الهاني؟ هل جنت عليه تلك المرأة عندما تركته واتبعت حرية نفسها، أم هو الذي جنى عليها عندما أخضع جسدها بالزواج قبل أن يستميل روحها بالمحبة؟ فمن هو الظالم من الاثنين ومن هو المظلوم؟ ومن هو المجرم ومن هو البريء يا ترى؟” ثم عدت قائلاً لذاتي مستفياً أخبار الأيام مستقصياً حوادثها: “كثيراً ما أباح الغرور للنساء أن يتركن رجالهن الفقراء ويتعلقن بالرجال الأغنياء، لأن شغف المرأة ببهرجة الملابس ونعومة العيش يعمي بصيرتها ويقودها إلى العار والانحطاط. فهل كانت وردة الهاني مغرورة وطامعة عندما خرجت من قصر رجل غني مفعم بالحلى والحلل والرياش والخدم وذهبت إلى كوخ رجل فقير لا يوجد فيه سوى صف من الكتب القديمة؟ وكثيراً ما يميت الجهل شرف المرأة ويحي شهواتها فتترك بعلها مللاً وتضجراً وتطلب ملذات جسدها بقرب رجل آخر أكثر منها انحطاطاً وأقل شرفاً. فهل كانت وردة الهاني جاهلة راغبة بالملذات الجسدية عندما أعلنت استقلالها على رؤوس الأشهاد وانضمت إلى فتى روحي الميول، وقد كان بإمكانها أن تشبع حواسها سراً في منزل زوجها من هيام الفتيان الذين يستميتون ليكونوا عبيد جمالها وشهداء غرامها؟ وردة الهاني كانت امرأة تعسة فطلبت السعادة فوجدتها وعانقتها، وهذه هي الحقيقة التي تحتقرها الجامعة الإنسانية وتنفيها الشريعة”.

همست تلك الكلمات في مسامع الأثير ثم قلت مستدركاً: “ولكن أيسوغ للمرأة أن تشتري سعادتها بتعاسة بعلها؟” فأجابتني نفسي قائلة: “وهل يجوز للرجل أن يستعبد عواطف زوجته ليبقى سعيداً؟”

وظللت سائراً وصوت السيدة وردة يتموج في مسامعي حتى بلغت أطراف المدينة والشمس قد مالت إلى الغروب وابتدأت الحقول والبساتين تتشح بنقاب السكينة والراحة، والطيور تنشد صلاة المساء. فوقفت متأملاً ثم تنهدت قائلاً: “أمام عرش الحرية تفرح هذه الأشجار بمداعبة النسيم وأمام هيبتها تبتهج بشعاع الشمس والقمر. على مسامع الحرية تتناجى هذه العصافير وحول أذيالها ترفرف بقرب السواقي. في فضاء الحرية تسكب هذه الزهور عطر أنفاسها وأمام عينيها تبتسم لمجيء الصباح. كل ما في الأرض يحيا بناموس طبيعته ومن طبيعة ناموسه يستمد مجد الحرية وأفراحها. أما البشر فمحرومون من هذه النعمة لأنهم وضعوا لأرواحهم الإلهية شريعة عالمية محدودة، وسنّوا لأجسادهم ونفوسهم قانونا واحدا قاسيا، وأقاموا لميولهم وعواطفهم سجنا ضيقا مخيفا، وحفروا لقلوبهم وعقولهم قبراً عميقاً مظلماً. فإذا ما قام واحد من بينهم وانفرد عن جامعتهم وشرائعهم قالوا هذا متمرد شرير خليق بالنفي، وساقط دنس يستحق الموت… ولكن هل يظل الإنسان عبداً لشرائعه الفاسدة إلى انقضاء الدهر أم تحرره الأيام ليحيا بالروح وللروح؟ أيبقى الإنسان محدقاً إلى التراب أم يحول عينيه نحو الشمس كيلا يرى ظل جسده بين الأشواك والجماجم؟”

يدخلُ الصّالة، يرمي حزمة المفاتيح؛ وتستقرّ الحزمة- التي تطلقُ رنينًا خفيفًا في الجو – في قَلب وعاء نُحاسيّ.

يجلب أيضًا هاتفه المحمول إلى الطاولة؛ ويتنهد أثناء ذلك، يهبط بثقل ويغوص في الأريكة. مرفقاه مغروزان في ركبتيه، تنحني رقبته للأسفل، يُسقط رأسه ويفرغ وجهه في راحتيه. يضغطها بشدة ويفرك مُقلتيه. إنّه متعب ومتوتر لدرجة أنه يشعر بأنه خاوٍ، مُخدّر، مفتّت من الداخل. يستمر على هذا النحو لمدة دقيقة أخرى، في شيء من الدقة، يسحق ويلوي اللحم، يهمس في الزّغب. كأنه يغسل وجهه في الهواء، يفركه. كما لو كان هناك قناعٌ عنيدٌ، لزجٌ جدًا، يحاول إزالته.

لم يحلق وجهه منذ يومين وكان زغبه حادًا وصلبًا وطويلاً على غير العادة. يشمّ في كفتي يديه بقايا روائح الصابون من القسم؛ السائل الورديّ الفوسفوريّ من المراحيض هناك. ومن أطراف أصابعه؛ السجائر، الحموضة المعدنية لملمس المفاتيح. يجب أن يستحم. عليه أن يأخذ القِدر ويذهب إلى المنزل لمدة تقارب ساعة. يستحمّ، يحلق؛ يجمع الأغراض التي طلبت منه إستر أن يحضرها من المنزل. وعند الثانية، حيث يُفترض وصول قطار أختها في الثانية والربع، سيتوجه إلى محطة القطار.

يأخذ الهاتف ويتصل بوالدته. لكنه يسمع النغمات تأتي من المطبخ بعد نصف ثانية من سماع الصفارة. لماذا اشترى لها هاتفًا خليويًا إذا كانت تتركه في المنزل؟ يفصل المكالمة. يُلقي بالجهاز في حضنه. ويعود بأطراف أصابعه إلى الشعيرات، لتلك التي في زوايا فمه. يُصدر صوت بحّة فيها مرة أخرى، بجدية، عكس اتجاه النمو.

الحكة الأولى، تبدأ من هنا، من أقصى أطراف الشفاه؛ بعد ثمان أو تسع ساعات من الحلاقة. خلال ساعتين يزحف الإحساس تحت عظام الوجنة، ويتفتح أيضًا في فتحات المنخرين. بعد أربع ساعات، يبدأ في حك رقبته. إلى أن يغادر المكتب، يكسو الزّغب وجهه آخر النهار؛ الظل الرمادي للمساء. تقول إستر أن ذلك يثير الغريزة، لكنّه لا يطيقه. يكره الشعور الشائك، الذي تشوبه شائبة. يقصد الحالة التي يصبح فيها وجهه قاتمًا وكَدرًا عندما لا يحلق. إذا كانا، بعد عودتهما إلى المنزل، يقصدان الخروج أو مقابلة أصدقاء، فسوف يحلق في المساء أيضًا. يشعر براحة أكبر عندما يحلق، وأكثر ثقة بنفسه، كما لو كان شخصًا جديدًا خرج للتو من الحمام، جديدًا تمامًا.

الأمر ذاته حدث في الجيش أيضًا، فقط عندما توفي والده، في منتصف عامه الثاني في الجامعة، ترك زغب وجهه يطول كثيرا. لا يزال يتذكر أثر الذعر الذي انتابه في نهاية أيّام الحداد السبعة، عندما خرج من الحمام يقطر ماءً واقترب من المرآة فوق الحوض، وكيف ذعر هناك للحظة، كما لو أن رجلاً غريبًا ظهر أمامه، شخصًا تسلّل من خلفه. في بداية الحداد، غطّت أمّه التلفزيون وجميع المرايا بالشراشف. وقد خلعت من المسمار. الآن نشف بمؤخرة ذراعه ألسنة البخار، ورأى نفسه للمرّة الأولى منذ أسبوع من خلال الضباب المنتشر على المرآة، هذا الأكثر دقةً.

كان ذقنه قصيرًا وسميكًا. كثًا وأسود مثل شعر الرأس، ولكنه مجعّدٌ أكثر، مجعدٌ مثل شعر العانة الذي سالَ بين ساقيه. والجذور قوية، سوداء كالفحم. نظر إلى المرآة وحدق فيها بدهشة. تجمد قضيبه من برودة الحوض. عن قرب، مع الذقن المربّى والعينين الحمراوين الممزّقتين وهما تنظران إلى المرآة، بدا لنفسه مجنونًا – قلّب وجهه من جانب إلى آخر بشكل مثير للريبة- مثل مريض نفسيّ خطير في فيلم سينمائيّ. شخصيّة سيتبين لاحقًا ضمن الحبكة أنها عنيفة جدًا.

سقطت قطرات الماء من ثقوب أذنيه. رآها وشعر بها، باردة، تنزلق بسرعة على شعر صدره. وتتكوم في السرة. وأدخل شفرة جديدة في شريحة السكين، ودهن الرغوة من الأسفل إلى الأعلى؛ غاسلاً إيّاه من وقت لآخر في صنبور الماء الساكن. تتجمع جذوع حادة مثل رقائق الحديد حول فتحة الحوض. تئز الشفرة، تهمس، تقشر وتصقل، كما لو كانت تنحت بروز عظامه من جديد. شاملة ودقيقة وطويلة البال وكأنها تقمع طبيعة ثانية عدوانية، وهو أمر مخفي دائمًا فيه. أخذ وجهه يتعرى، قطعة قطعة – خطير، متوتّر، يشعّ جديّةً. أتى برأسه إلى فوهة الصنبور. وعاد إلى مستوى المرآة، يقطر ماءً.

تحت الذقن كان يلبسُ وجه والده الشاب. كان يملك جسد أمه الضخم، وملامح والده القاتمة كما لو أنهم أخذوا وجه عريس مذهول، ضامر إلى حدّ مدهش، من صورة زفافهما في الصّالة، ولحموه في جسد العروس الثقيل، الأطول منه بشبر. شكل العينين، الأنف المعوج، الذقن المدبب، الفكان الكبيران-وجه والده ينظر إليه من المرآة، من خلال ضباب البخار، كما لو كان يقف هناك ويراقبه.

عُثر عليه ميتًا في متجره الصغير في جنوب تل أبيب. كان مجمدًا في نفس الوضعية التي كان عليها لأكثر من ستة وعشرين عامًا؛ منذ أن قدم إلى البلاد واشترى الحانوت بخلو. وجدته إحدى الزبونات التي جاءت في منتصف النهار، قرب الطاولة، وسط أكوام من السجاد، ورأسه يتدلى على صدره، وما زال كوب الشاي أمامه فاتراً. بعد دقائق قليلة من استدعاء الشرطة، وصل طاقم الإنقاذ إلى الموقع وأقر موته. أبلغوهم بعد ذلك أنها كانت سكتة قلبية.

صيفًا، وخلال العطلة الصيفية، كان إيتان يرافقه من وقت لآخر. كان يسافر صحبته بالحافلة إلى تل أبيب ويقضي يومه معه في المتجر الهادئ، المعتم، المغمور بالرائحة الثقيلة للسجاد. يخلع صندله ويقفز حافي القدمين من كومة إلى كومة. يمرّ عبر المساحات الضيقة المظلمة في الجزء الخلفي من الحانوت؛ بين البكرات العالية المسنودة على الجدران عند المدخل. ويعود ويصعد إلى أعلى الأكوام الشاهقة هناك ويتسلق إلى القمة، أعلى قمة، والتي تطل على كل الفضاء؛ يمد يده ويكاد يلمس السقف.

جلس والده وراء مكتب قديم ونظر إلى الخارج. كان يجلس هناك على الدوام ويتأمل الشارع المزدحم، بصمت، بدا أنّ صوت حركته المكتومة التي امتصها السجاد تأتي من مسافة بعيدة. كرسيان منخفضان، لا يتشابهان، انتظرا معه الزبائن بترقب ناعس. ومروحة السقف التي كانت تحلق هناك فوق رأسه، كانت تدور ببطء وتدوّخ بشفراتها المتفحمة قطعًا من الخيوط وبيوت العنكبوت القديمة، تخلطُ الهواء الثقيل، المنهار من الحرارة؛ الرطوبة الباردة التي كانت دائمًا هناك، حتى عندما كان كلّ شيء يغلي في الخارج، كما لو أن الطقس في متجره  كان مختلفًا أيضًا، في منفى ما.

كان من النّوع السّكوت، الكئيب، المنغلق على ذاته. يقضي معظم ساعات لنهار، من التاسعة صباحاً حتى إنزاله الستار الحديدي واقفاله في الساعة السابعة مساءً، كان يفعل ذلك بنفسه، بشرود أجوف. بِغَلْي وسكب وخلط أكواب لا حصر لها من الشاي. بقراءة صامتة للمزامير. بالاستماع إلى جهازه الراديو المحطم، الملفوف بشريط لاصق، الذي كان يئزّ طوال الوقت بمحطة “ريشت ب”. عندما كان يمرّ أحد أصحاب المتاجر القريبة من المدخل ، كان يومئ برأسه قليلاً؛ لم يبتسم قط. كان تاجرًا سيئًا. رجلاً وحيدًا، منغلقًا، غير محبوب. في بعض الأحيان كان يجلس لوحده لعدة أيام، وخاصة في أشهر الصيف الملتهبة، دون أن يتخطى زبون واحد العتبة. يحدق في السيارات المارة في الشارع.

وعندما يدخل شخص ما في نهاية الأمر، كان يتصرف كما لو أنهم يزعجونه. يقوم على مضضٍ ويخدم الأشخاص بتردد، كما لو كان مشوشًا، يجيب على الأسئلة جزئيًا. يفرش السجاد أمامهم ويعرض النماذج، ويعاودُ لفّها بشكل طقسي. في الوقت نفسه كان يبدو أن لديه اهتمامًا آخر، أمرًا أكثر أهمية، يصرف انتباهه دائمًا.

لغته العبرية. عبريته المسحوقة، الصعبة. العبرية المرتبكة، التي تتصارع مع فارسيّة الأفكار. لهجته ثقيلة. نظرته ترتطم بشكل غير مريح وتتجول على الأرضية. الانتظار القصير، الصارم يليه الإعلان عن السعر بعينين مغمضتين. لغة الجسد المؤدبة، المؤدبة بما يفيض عن الحاجة، لغة جسده البعيدة. الأدب العالي الذي كان يؤدي به إلى التقهقر، إلى الوقوف جانبًا بصبر، وعدم التدخل حتى يُطرح سؤال آخر. وأخيرًا، بشيء من التسليم، يحني رأسه بتواضع، المستسلم هو الآخر، وهو يرافق زبائنه إلى الخارج.

بعد فترة طويلة من خلو المحل، ظل يقف في المدخل. رأسه بمستوى الميزوزاه، كتفاه معقوفان، راحتاه ترسوان في العصعص؛ تحرّكان الواحدة الأخرى ببطء. ثم، وبخطوات محسوبة ، يعود إلى الداخل ويختفى في الجزء الخلفي من المتجر.

 عندما عاد من هناك، نشر أوراق صحيفة على المائدة، ووضع طبقين مبللين، شوكتين كان قد غسلهما، وعلبًا بلاستيكية ساعة الغداء الذي جلبوه معهم من المنزل.

إيتان؟

صوته الطريّ، المشبع، المرتعش: كوجا إيتان، أين أنت يا إيتان؟

عيناه القاتمتان الحزينتان اللتان تتنقلان بحرج من كومة لكومة. الترقب المتوتر، المتزايد، بأن ينظر نحو الأعلى. التوق الشقيّ، الذي يضرب صدره، ترقبا للحظة التي سيراه هنا، سيراه أخيراً، مستلقياً هنا على بطنه أعلى الكومة العالية، مخبئًا وجهه  بذراعه.

قم يا إيتان، قم وبيا بوخور-

 من بعدها كانا يجلسان إلى المائدة مقابل بعضهما البعض، ويتناولان الطعام. يأكلان كفت الدجاج بصلصة البندورة، مكعبات البطاطا. صمته، نظراته الصامتة، يحدق في الطبق، في مدخل المتجر. ليس صمتًا صاخبًا، محمّلا بالتوتر، يحمل بعض التوقعات. صمت متواصل، متصالح مع نفسه. صمت خارق للطبيعة. صمت ليس بحاجة لأن يَسمع أو يُسمع. صمت مرهق ومزعج، صمت يجعلك ترغب في الصراخ.

إستر– يصاب برجفة – والطفل. كان تذكّره لوالده قد أقصاهما عن أفكاره. لبضع دقائق، خفف من ضغطه للحظات- النزيف وآلام الظهر الذي عانت منهما إستر. آلام المخاض المخيفة، المبكرة للغاية، التي أصابتها فجأة في بداية الأسبوع السابع والعشرين؛ الحقن والتحاليل. والسديم الذي يحوم هناك في الفقاعة المظلمة على شاشة الأولترا ساوند، النبض السريع لدقات القلب الصغير، المرعوب، الملحاح، وها هو الخوف يعود ويخترق قلبه. يستعيده ويحتضنه مرة أخرى، مثل ضرس عاد إليه الألم.

يسرح في أفكاره ويقف هناك في غرفتها، جوار السرير المرتفع، ينزلق بروحه على جسدها تحت الغطاء، على وجهها المتورم، المرهق من الحمل، على شعرها المتعرق على الوسادة، ليتنفس مرة أخرى وهو يتنهد، يلهث بكل قوة. يسترق النظر إلى شاشة الهاتف.

يشاهد الساعة. كانت نائمة عندما غادر، الثانية عشر وعشرون دقيقة- بالتأكيد لا تزال نائمة. وعندما يتذكر أمه التي لا تأتي، يتذكر القدر الذي حضر في نهاية الأمر ليأخذه، وعيناه تتوسل بصمت نحو الباب، أووف أين هي؟ يرتخي كتفاه في هذه الأثناء ويركن مرفقه إلى ذراع الأريكة، يلوي كفه وجنته؛ سوف ينتظرها لمدة عشر دقائق أخرى. إذا لم تصل حتى الثانية عشرة والنصف، فسوف يغادر.

 أمامه على الحائط ورق تابيت ضخم لشلال. منذ أن كان طفلا وهذا التابيت هنا، يغطي الجدار بأكمله، من الأرض إلى السقف. يمكن رؤية مصب نهر ما، ربما في مكان ما في أوروبا. شلال مجهول تستعر مياهه غضبًا ورغوة، مواصلةً  الاندفاع. كصورة لمنظر طبيعي، فرضًا، في الجزء الخلفي من بطاقة بريدية، فإنها  قد تكون صورة جميلة. اعتذر لإستر قبل أن يحضرها إلى هنا لأول مرة، ليعرّفها على والديه. “لكن هكذا؟” واصل عندما عادا إلى السيارة وضحكت. بهذا المعدّل الضّخم، الذي يكاد يماثل حجم المنظر نفسه- “في وسط هذه الصالة الحقيرة؟ الصغيرة، الفقيرة والتعيسة ؟” تابع وتعالى ضحكها ليطمئنه. وأكد له أنها تصفح، أنها تصفح له عن ذلك أيضًا، فقد كان ذلك قبيحًا في نظره بشكل لا يمكن وصفه، هذا التابيت، “قمة الفظاظة- “.

عندما كان صغيرًا كان يتخيل مياه الشلال تخرج من الحائط؛ تدب الحياة في الصورة البرية وترعب البيت كله. كان يجلس هنا مثل الآن، على هذه الأريكة، يحدق في نقطة معينة في عمق الصورة؛ يجمع نفسه فيها، يحبس أنفاسه، يحدق فيها ويركز فيها مطولا. بعد دقيقتين، تدمع عيناه، الصورة تشوشت وبدأت تخفق. نصف دقيقة أخرى والصخب الرهيب  للانفجار من شأنه أن يكون قد هدم الجدار عليه، ليملأ أذنيه.

اندفعت المياه عندها بصخب شديد، بغضب عارم، مثل  لكمة. ارتفع التلفزيون في الهواء وتحطم أثناء طيرانه مع أجزاء الستيريو والفيديو التي كانت فوقه. كما تطايرت شظايا الكريستال من جميع المزهريات وشظايا المزهريات والزهور البلاستيكية في كل الاتجاهات. السلة مع كل الكاسيتات، ساعة الحائط البندوليّة، ارتفعت جميعها على ظهر الموجة الضخمة التي  تصاعدت باتجاه الأرائك.

كان يستقي متعةً خاصة من سحق الأرائك إلى أشلاء؛ سماع صرير القاطع الخشبي، خلع الكسوة الوردية المقزّزة،  نتفها. وبنفس الزخم السريع، وَضْع المدفأتين الكبيرتين مقابل بعضهما البعض. مراقبتهما وهما يتدحرجان داخل الأورغان الكهربائي. إسقاط الثريا الزجاجية من السقف، قلعها من السقف، إسقاط الأورغان. والعدو مع الماء الكثيف، السميك، الذي يتضخم وينفجر بصوت عال داخل الخزانة. الاستماع إلى رنين المطر على أواني الخارصين المزهرة وزجاجات الكونياك وأباريق الشاي وأكواب النبيذ الرقيقة. لفصل الأجزاء السميكة من مفاصلها.

موجة من الفرح المرير غمرت قلبه حينها، صرخة رعب حماسية. كان الماء حيًا، حارًا، محمومًا، رغدًا، أبيض فضّيًا، مهتاجًا من الغضب، من طول سنوات الاختناق؛ يحدّ من غضبه في صورة التابيت المجمدة. كانت هذه المياه غاشمة منتقمة، تزرع الدمار؛ وها هي تقتحم الخزانة الآن. كانت الخزانة تهتز بشدة دائمًا، ويتردد في السقوط؛ كان يرتعد ويرفض الاستلام بنوع من العناد المحترم. لكن الموجة اندفعت واصطدمت به وألقت بكل – كتب الصّلاة وكل الكتب المقدسة، أكياس التفيلين ، قبعات الكيبا، البطاقات، الشمعدانات، الألبومات. وتواصل هزّ الجسم البنيّ الغامق للخشب الثقيل، الذي يرمي نفسه داخل أواني الفصح التي تنكسر داخله؛ حتى انه هو أيضًا، كان ينهار بلا حراك ، ينهار داخل الأنقاض، بصياح عظيم.

يهتز لصوت المفتاح في القفل “هالن حوناي”؟

لصوت والدته التي اكتشفت أن الباب مفتوح، “إيتان”؟

انفغر فمه واتّسعت مناخيره – ململمةً نفسًا عميقًا، جائعًا- وعيناه  مغسولتان بذكرى الهذيان، حماقة أخرى في الصالة. كم هو مدهش أن يبقى كل شيء هنا على حاله؛  خلفية التابيت المزعجة تلك، الأرائك الصبيانية، مناديل الكروشيه، ساعة الحائط البندوليّة على التلفزيون، الأورغان القديم، كيف نجا كل شيء كل الأعوام التي مرت من وقتها؛ بقي كل شيء تماما على حاله.

على الحائط إلى يمينه، ما زال الشاه الإيراني يعرض بروفيله المتغطرس. فوق قماش نجود السفينة في البحر. وبابا سالي كان لا يزال واقفا عابسًا بينهما، متحدّبًا، ويغطي جبهته بكفه. في الخزانة، تكدّست كتب والده الذهبية والكتب المقدسة فوق بعضها البعض. هذا الدليل المَضروب لتعليم القيادة؛ دلائل الهواتف. زجاجة الكونياك الأبديّة التي تغبّر الكؤوس الكريستاليّة. كما لو أن الماء الذي غمر خيالاته عندما كان طفلاً حنّط هذه الصالة بمحلول حافظ. كبسوه مثل الفورمالين، في ولائه الشديد لذاته. عنيد ، لا يقهر، يكاد يكون مثل المتحف.

“لقد فكّرتُ”، تنفّسَت بثِقَل، متفاجئةً عند المدخل.

أكياس البقالة في يديها تهمس، “ظننت أنت للذهاب الآن، جونام[1]“.

ويبدو أنها هي أيضًا لم تتغير من وقتها. كانت دائمًا تبدو على هذا النحو، أكبر من سنها، ضخمة الجسم، رجولية قليلا. بكتفيها العريضين المتدليين وثدييها الصغيرين المفرغين. بكنزتها الزرقاء والخضراء، والتي تم استخدامها كثيرا. بعينيها الفضوليتين ، المتلهفتين  ، وحاجبيها الجشعين.

“حالاً”، يصرخ بجفاء ، بتشتّت.

ينظر إلى الهاتف المحمول، على الساعة، “ما زال ثمّة وقت-“

“لا قَول لي إنّ قطارها سوف حضرَ الساعة اثني عشر وربعًا؟”

 بلهجتها العبرية الفظيعة، هذه اللهجة الأبدية، “اثنان وربع-“

“مان تشي ميدونام؟ ماذا أعرف؟”  والريبة، عنادها، وثقتها بنفسها المثيرة للغضب، “بأذني أنا سمعت أنك قائل اثني عشر ونصف”

 دائمًا ما تمسكت بنفس الرواية، بنفس الصياغة مرارا وتكرارا، تناقش بحماس، بشراسة، لا تهزم أبدًا، “أنت قائل في ساعات الصّب-“

يقاطعها، يتجاهلها بنفاذ صبر، “ألم يتصل مرة أخرى؟”

يفلتر هذا الصوت المرير، المشدود الذي يحتفظ به فقط من أجلها، “ذاك الذي من العمل؟”

“ناه – “

تسقط الحقائب على الأرض: “فقط صديقك الصغير اليمني، تتصل في الصباح ليقول لك لماذا هاتفك الخلوي مقفل-“

ينهض متنهدًا من الأريكة- مع آرائها المسبقة المحرجة. هذه الآراء الظلامية، العنصرية- يأخذ الهاتف والمفاتيح من على الطاولة.

 “حتى عمّاته”، قبضة يدها مشدودة، مزيّنة بالحلي، وتنتفض على الصدر، ” قلت عمّاته لا تدعه أن يأتوا إلى هناك”، تعض كعادتها الشفة السفلى، المنافقة، تواصل تلك الكلمات بالضبط، “لماذا ليست جميل، سوف يظنّ أنّك أنت فقط لا تريده أن يأتي “.

“م-ا-ش-ي”، يقاطعها مرة أخرى، هذه المرة بفظاظة ، “لقد سبق وقلت ذلك”.

“حُب جونام”، تتجاهل تغيير اللهجة، تخشخش في الأكياس، “دور ميشا هالا تو بورو هاموم كون غي مان حوراك –”

وكيف تصر دائمًا على التحدث إليه باللغة الفارسية، تجبره على الفهم، لمعرفة هذه اللغة. على الرغم من أنه لا يتحدث بها أبدًا، وعلى الرغم من أنه دائمًا ما يجيبها بالعبرية ، بعبوس.

“ليس الآن، سأستحم في المنزل -“

هو يستمد سرورًا مخجلا  لرؤية وجهها يسقط، يهان، ” لماذا تُدعى جونام؟” تتعجب، تقترب منه، “مان براش أوتاحا دوروس ميكونام”

“أنت”، ينفجر في لحظة، صوته يردد قبل أن تنهي الجملة ، يعبس، “إياكِ أن ترتبي غرفتها، هل تسمعينني؟ إنها تنام عندنا على الأريكة، في منزلنا، أو أنّي، أو سأضعها في الغرفة وسوف أنام على الأريكة، سنرى لاحقاً”

تعبه، نبرة التفكير في صوته، كما لو كانا يدعوانها للاندفاع مرة أخرى عبر الشق، الترديد ببكائية، “لماذا، جونام؟ أختها تنام أفضل هنا”.

“أنت، أفضل”، صار متوتراً مرة أخرى، كما لو كان يتذكر غضبه، يرفع إصبعه أمامها. “لا تتدخلي حيث لا حاجة”، يشاهد أنفاسها تتوقف، “سمعت؟”

“حسناً، حسناً” ترتد مأخوذة. نظرتها مذهولة، فيها إعجاب، “سبق وقلت إنك تفعل هذا؟”

يُدحرج عينيه بسأم، ويغلقها بإحكام؛ جسده يسقط مرة أخرى في الأريكة. لا يوجد أحد في العالم يدفعه إلى الجنون بهذا الشكل، يهيج أعصابه على هذا النحو. فقط هي.

يحاول التنفس، تنظيم أفكاره، ولكنّ خشخشة الأكياس تعود من جديد.

 “لأجل منزلنا هو أقرب إلى المستشفى”، تتعذّر الآن؛ بهمس، بضيق ، كما لو كان ذلك من تلقاء نفسها، “لهذا السبب قلت ذلك ، ليكون أكثر راحةً لها -“

دائمًا تَتَمَسْكَن، بشيء من السّذاجة، دائمًا عاجزة، “للذهاب إلى استر، لتكون بصحة-“

“لماذا، قلتِ سآتي إلى هنا، كي تزعجيني؟” وهو الآن يهدر بصوته، وجهه يغلي متشنجًا، “نعم؟ لأفقد عقلي؟ هل هذا ما تعتقدين أنني بحاجة إليه بالإضافة إلى كل -؟

“ناه، جونام” تصرخ في أعقابه، “لا، أبدًا-“

هو غاضب كما لو أن فرحة عظيمة دخلت في عظامه، “نعم؟ لتقفي فوق رأسي؟ لتتسببي في جنوني؟”

للخلافات الدّائرة بينهما هيكل داخلي، وهو نظام ثابت يتكرر منذ سنوات. مثل أدوار في مسرحية. ها هو الآن، على سبيل المثال، يعرف أنها على وشك أن تثور، وستقوم بتوبيخه مثل صبي صغير.

 “حسنًا، اهدأ، هيا اهدأ”

وها هو يتطاير الشرر منه، يسخر بازدراء،  بحماسة، على نفس اللحن الممجوج، يرتفع ويهبط”، فلترقد هنا، لا، فلترقد هناك، لا فلترقد هنا”

“حُب باس كون!” تتوسل، صوتها متألم، بأنين حاد، “إيتان ، باس كون ، يكفي!”

يهبط الصمت بينهما.

“من المؤسف أنت تقتل نفسك هكذا”، ينكسر صوتها، يتلهف عليه.

عيناها تذوبان، تحنّان، تمدّ يدها وتتقدم للتربيت عليه، “لا تقلق”

يرتد ممتعضًا، كما هو الحال في حالة الاشمئزاز، “دعيني الآن”

“الله كبير جونام”، تتمتم بأسف، بنيّة كبيرة “كل شيء سيكون على ما يرام، إن شاء الله”

“حسنًا، اتركيني”، ينهرها، يقاومها، يختنق حلقه فجأة.

لكنها تقبّله، تمسّده، تلقي بنفسها على عنقه. تعانقه وتجلب رائحتها إلى أنفه. تلك الرائحة العميقة، الحادة والمسكرة. تداعب وجهه وملمس يديها قريب، حميمي، مألوف حدّ الحرج، “سأموت عليك”، تتأوه بتماهٍ، تهز قلبه. “كل شيء سيكون على ما يرام، جونام، لا تقلق-“

“سئمتك، ألا تفهمين؟” يوبّخها بصوت متصدّع. يزفر بيأس في لحمها، يغلق عينيه مهزومًا، ” سئمتك  بحق-“

“حُب جونام”، تقول وتفك العناق، تمرر يدها بصفح في شعره، “سيكون الأمر على ما يرام إن شاء الله ، الله كبير-“

وعندما تتحرك شفتاها، تتمتمان بصمت، تنتحبان نحو السقف، يصحبها وهي تبتعد مع الأكياس إلى المطبخ. تأخذ معها الصلاة لأجله إلى هناك، الصلاة التي تطول، حيث تتضرّع وهي تضع منتجات الحليب في الثلاجة.

ينهض الآن ويقف على رجليه. وعلى الحائط خلف الأريكة يرى، يتذكر. أن شيئًا ما مع ذلك تغير هنا. إلى يمين الصورة بالأبيض والأسود، وثيقة زواج والديه. إلى يمين الشّابين المذهولين اللذين يحدقان به منذ أن كان صبيًا ، مؤطران بإطار ذهبيّ؛ أضيفت قبل بضع سنوات، صورة ملونة لامعة لأخته باتيا وزوجها يارون تحت مظلة الزفاف. ثم أضيفت صور عيلاي مع باقة عيد ميلاد ونعماه عندما ولدت للتو. عن اليسار، قبل أكثر من عام، في الصيف الماضي، تم تعليق صورة له ولإستر أيضًا. تتوهج عيناها نحوه من هناك، تضحكان ، مُجمّلتان بالمكياج، ماذا كان سيفعل بدونها، كم كان ضائعاً قبل أن يقابلها، كم كانت وحيدًا، إنها سعيدة، بابتسامة منفرجة، بالإمكان رؤية أنها كانت ثملة قليلاً هنا؛ هو أيضًا جوارها يبتسم كالأحمق. وهي تنظر إليه ونظرتها تعده بأنّ كل شيء سيكون على ما يرام. سيكون خيرًا، تخبره عيناها. وبأنه هنا، بجانبهم، على قطعة الجدار الفارغة، البيضاء، ستُعلق صورة طفلهما. إن شاء الله، سينجبان طفلاً إن شاء الله.


[1] اللغة العبريّة التي تستخدمها هذه الشخصيّة على طول الحوار في القصّة هي لغة غير سليمة النّطق والنّحو، وقد تُرِجمَت كما ظهرت في النصّ الأصليّ.