the short story project

search

“عجيبٌ أمر أهوائنا التي تجرّنا وتلاحقنا وتجلدنا وتفرض علينا مصائر متضادّة، وأحلاما لا رغبة لنا فيها”

ترومان كابوتي

لست أدري لمَ لم أتفاجأ عندما وجدتّ نفسي فجأة عند مدخل مدينة “قاف”، مسقط رأسي، بعد غيبة طويلة دامت ما يقارب الخمسة أعوام. ولم يكن باستطاعتي أن أعرف كيف وصلت إلى هناك بمثل تلك السرعة الفائقة، وبمثل تلك السهولة. غير أن الأمر لم يشغلني على الإطلاق ذلك أنني سارعت بالقول في ذات اللحظة التي نَبَتَ فيها السؤال في ذهني بأن وسائل المواصلات الحديثة أصبحت قادرة على إحداث المعجزات. والآن بإمكان المرء مثلا أن يشرب قهوة الصباح في بلاد تغطيها الثلوج، وبعد مرور ساعات قليلة يمكنه أن يتناول سمكا مشويا على رصيف مطعم مفتوح على البحر، والشمس، وهو في ثياب خفيفة، بل وجائز أن يفعل ذلك وهو في مايو السباحة. مثل هذا الأمر أصبح عاديا جدا، والناس لا يتعجبون منه البتة، بل ولا يشيرون اليه ولو بمجرد الإشارة.

وطبعا لم يكن بمقدوري أن أتذكر أيضا أيّة وسيلة من وسائل المواصلات اتخذت. الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه تمام التأكد هو أن وسيلة السفر الوحيدة بين بلدي والبلد الذي أعيش فيه هو الطائرة. وإذن لا بدّ أني ركبت الطائرة. وهكذا حسمت المسألة من دون أيّ عناء يذكر. أما كيف أتممت إجراءات السفر، فهذا أيضا أمر لم يحيّرني مطلقا إذ أنني أعاني منذ فترة، وتحديدا منذ أن قاربت سنّ الخمسين، من ضعف في الذاكرة. وقد أصبح أمرا عاديا بالنسبة لي أن أنسى مثلا ما كنت قد أكلت البارحة، وبمن التقيت في السهرة التي دعيت اليها قبل أسبوع. ومرات عديدة، غابت عن ذهني النصائح التي تحرص دوريس على أن تتلوها عليّ قبل النوم، أو في الصباح حال نهوضي من النوم بتلك النبرة العسكريّة البغيضة(دوريس هي المرأة الوحيدة التي قبلت أن تقاسمني فراش الغربة البارد…وهي بشعة الى حدّ مّا ولكني أحب صرخاتها عند الجماع). وطبعا حدثت لي مشاكل مرعبة بسبب ذلك. وفي آخر مرة هددتني دوريس بالإنفصال . وفعلا توارت عن نظري تاركة إيّايَ أتعفّنُ في تلك الشقّة الضيقة في الحيّ التركي في ميونيخ .وحين عادت ذات ليلة تهاطلت فيها الثلوج بغزارة، بكيت بمرارة وأنا احتضنها. وبعد أن ضاجعتها، غنيت لها بعضا من أغاني البدو احتفاء بعودتها. واستمعت هي اليّ وفي ملامحها شيء من الرأفة والحنان.

وعلى أيّة حال، أظنّ أن مرض النسيان يصيب المغتربين أكثر من غيرهم. وقد حدثني صديق مغترب مثلي أنه وجد نفسه ذات صباح مُعتم بارد في محطة هانوفر(هو يقيم مثلي في ميونيخ). وكان عليه أن يمضي ساعات طويلة وهو يحفر في الذاكرة لكي يكتشف انه أمضى كامل اليوم السابق في البارات، وفي الليل ركب القطار مع فتاة شقراء متوحشة حدثته عن أستراليا، وعن ترومان كابوتي. ومن شدة التعب نام صديقي ليجد نفسه وحيدا في الصباح في محطة القطارات بهانوفر، وليس في جيبه غير عشرين يورو، وعلبة سجائر فارغة. وقد حزنت أنا حزنا شديدا للمصير الذي آل اليه صديقي المغترب، وعبست مثل بومة عند اقتراب العاصفة. أما هو فراح يزقزق مثل طائر ينجو من فخّ.

وجدت نفسي إذن عند مدخل مسقط رأسي. الجو ربيعيّ. شمس دافئة تسطع في سماء ليس فيها غير قطع من السحاب متناثرة هنا وهناك. النسيم معطر بروائح الياسمين واللوز المزهر في البساتين المحيطة بالمدينة. وثمة هدوء كأنه هدوء البحيرات يستلقي أمامي كأنه امرأة جاهزة للحب، ويدعوني أن اخلع عني الرهبة والحيرة، وأدخل المدينة هادئا مطمئنّ البال. لكن قبل أن أخطو الخطوات الاولى، تذكرت أن في جيبي برقية وصلتني في وقت لا أقدر على تحديده، وربما تكون هي المتسببة في كل ما حصل لي. أخرجتها، كانت مدعوكة ومبقعة بالعرق. فتحتها وقرأت: جدتك تحتضر! أعدت البرقية إلى جيبي. الأمر هيّن اذن. بيتنا قريب، والوصول إليه لن يتعدى عشر دقائق. لكن في يوم ربيعيّ كهذا، وفي مثل هذا الصحو الرائق الذي أنا محروم منه في بلاد الغربة، يَصْعُبُ عليّ أن أذهب إلى هناك في الحين لأصطدم بالموت البشع، وبوجوه الحداد القاتمة. نعم.  سيكون ذلك مريعا! ثم أني أنفر من الجنائز منذ الطفولة، وأكره بعد هذا الغياب الطويل أن أجد أهلي مكدسين على الأرض، وقد شوّه الألم وجوههم، وانتفخت عيونهم من شدة البكاء حزنا على رحيل جدتي التي تجاوزت سن التسعين على ما أظن. وحين أفاجئهم بحضوري، سوف يقفزون من اماكنهم وهم يعولون وينوحون بأصوات عالية…آآآ… كم أكره حزن أجدادي البدو خصوصا في المآتم! وعليّ أن أعترف أني لا أحبّ جدتي كثيرا. وربما كان من الأفضل ألا احضر جنازتها. ففي طفولتي كانت تضربني ضربا مبرحا، ومن دون أيّ سبب في غالب الأحيان. وتشتدّ قسوتها عليّ حين تفاجئني في أحد الأركان المعتمة أهذي بكلام غريب هو مزيج من القرآن، ومن الأشعار البدوية، ومن الكلمات البذيئة التي يتلفظ بها فسّاق الأحياء الفقيرة، وأيضا الصبايا الجميلات في خلواتهن، بعيدا عن عيون الرجال، والعجائز الشمطاوات. ومرات عديدة طاردتني جدتي ملوحة بعصا غليظة، وهي تصرخ لاهثة :”سوف أقطع لسانك أيها الولد الفاسد!”. وفي الليل، كانت تشكوني لأبي قائلة :”أدّبْ ولدك وإلاّ فإنه سيطلع ولدا خاسرا مثل أولئك البهاليل الذين يجوبون الفيافي وبطونهم خاوية، وألسنتهم جافة من شدة العطش!”.

غُصْتُ في أسواق مدينة “قاف” مثلما يغوص الكائن في غابة الأحلام الجميلة. ومنذ اللحظات الأولى، فوجئت بالتحوّل الهائل الذي طرأ عليّ. فقد وجدت نفسي عاشقا لكلّ تلكا التي كانت في السابق تثير تقززي وامتعاضي. وها أنا في الغبار الأصفر الكثيف، والزحام الخانق، أشعر كما لو أنني محمول على أمواج نهر يتدفق بهدوء. وأكثر من مرة، توقفت عن السير لكي أتأمل الذباب اللجوج في محلات الحلويات، أو ثياب البدويات الزاهية الألوان، ووجوههن التي يزينها الوشم البربري، والحيطان التي صفّر البول أسفلها، والبنايات القديمة المتداعية، وكلّ تلك الأشياء التي تحيل إلى ماض ولّى من دون رجعة. و أمام “الجامع الكبير”، وجدت نفسي مُسَمّرا أمام متسولين عميان ،ملفوفين في برانيس كالحة الألوان، يرددون مدائح وأذكارا بأصوات شجيّة، وأيديهم النحيلة المعروقة مشرعة في الهواء كأنها أغصان شجرة عارية في الشتاء…كم هو بديع ،كلّ هذا قلت في نفسي وفي ذهني كل تلك الألوان الرمادية الموحشة التي لا أكاد أرى سواها في بلاد غربتي. تلك الألوان التي قد تكون أصابتني باليبس والعقم، وجعلتني أهرم بسرعة، وأصبح جافا مثل أرض تعاني من الجدب منذ أمد طويل.

بالقرب من “باب الجلادين”، حيث اقترفت فظائع في أزمنة الفتن الدينية، وعلى الأسوار علقت جثث الشيوخ والأعيان، حدثت مفاجأة غريبة لم أكن أتوقعها أبدا. فعلى بعد ثلاثين مترا تقريبا، رأيت ترومان كابوتي في بدلة صيفيّة بيضاء، وعلى رأسه قبّعة بيضاء أيضا. وكان يسير ببطء واطمئنان من دون أن يثير انتباه أحد من المارة. لكأنه واحد تعوّد أهل المدينة على أن يروه بينهم أكثر من مرة في اليوم الواحد! هل يعقل هذا؟ تساءلت وأنا أكاد أتهاوى على الأرض من هول المفاجأة. ثم أني كنت أعلم أن ترومان كابوتي رَحَل عن الدنيا منذ سنوات طويلة. فكيف عاد إلى الحياة اذن؟. وكيف جاء الى مدينة “قاف” المسلمة المتزمتة ،والتي ازدادت تزمتا وانغلاقا في السنوات الأخيرة ،وباتت الفضاء الأمثل لكل من يحلمون بإقامة خلافة جديدة تبيح قطع الأيدي والأرجل، والرقاب، ورجم الزناة بالحجارة حتى الموت.

راح ترومان كابوتي يقترب منّي. الآن لم تعد تفصلني عنه غير بضعة أمتار. تمعّنت فيه جيّدا. إنه هو بلا أدنى شكّ! هو تماما مثلما في صورة سيسيل بيتون. نفس الصورة التي أعلقها في شقتي الضيقة إلى جانب صور رامبو، وجويس، وسيلين, ودستويفسكي، وأدونيس. ويبدو أنني علقت الصورة حالما فرغت من قراءة “موسيقى الحرابي”. وقبل ذلك لم أكن أعرف عن ترومان كابوتي شيئا يمكن أن يقربني منه ومن عالمه. ثمّ صادف أن أعارني صديقي المغترب “موسيقى الحرابي” فالتهمته في يوم واحد…آه! كم كانت ممتعة كل القصص التي احتوته، خصوصا قصة العجوز الهائم في صحراء “الموجاف…بعدها صرت من عشاقه، ومن المدمنين على قراءة كلّ ما يقع بين يدي من كتبه.

كنت لا أزال منشغل الذهن بهذه الذكريات، حين توقف ترومان كابوتي فجأة عن السير… حدجني بنظرة قاسية. نظرة العدو لعدوه اللدود لحظة المواجهة الدموية. ثم لم يلبث أن استدار، وراح يصعد الشارع المؤدي الى “باب تونس”، شمال المدينة. عليّ أن أدركه ،فلعله يقبل أن أتحدث إليه عن “فطور الصباح عند تيفاني”، قلت. وهي الرواية التي أحبتها دوريس كثيرا. غير أن ترومان كابوتي كان يسرع في سيره بطريقة جعلتني أشعر باليأس من الالتحاق به. رغم ذلك، رحت أتخبط في الزحام وفي الغبار، وسط الضجيج والروائح  الكريهة وأنا ألهث وأسبح في العرق، وعيناي مثبّتتان على ظهر ترومان كابوتي العريض مثل ظهر مارلون براندو في فيلم “العرّاب”.

قبل أن يصل الى “باب تونس”، عرّج ترومان كابوتي يسارا ودخل الى الماخور. لن يفلت مني، قلت إذ أن للماخور بابا واحدا للدخول والخروج. نعم لن يفلت مني !عند باب الماخور برز أمامي شرطيان قصيرا القامة، برأسين ضخمين، ورقبتين غليظتين. وكان لهما شاربان كأنهما شاربا قطاع الطرق في الأفلام المكسيكية.

-إلى أين؟ نبحا في وجهي وهراوتان حديديّتان مشهرتان في وجهي

-إلى الماخور!

-أيّ ماخور؟ صاحا فيّ وعيونهما تلمع بالشر…

-أليس هذا ماخورا؟ سألتهما وسبّابتي موجهة إلى الباب الذي فقد لونه بسبب الأوساخ التي تراكمت عليه.

-هذا ليس ماخورا أيها الأبله، بل مقرّ الحزب الجديد! صاحا فيّ ووجهاهما متورّمان من شدّة الانفعال.

-المعذرة ! ولكن لي صديق أجنبي دخل الى مقر الحزب الجديد منذ قليل وأنا أريد أن ألتحق به.

-ممنوع الدخول!

-ولكن صديقي الأجنبي دخل ولم يمنعه أحد من ذلك!

-هذا أمر لا يهمك …والآن فُزْ بنفسك قبل أن ترى النجوم في عزّ النهار!

انسحبت وأنا أرجف من الفزع. قطعت بضع خطوات وإذا بجمع من المتسكعين بسحنات عابسة يطوقونني. وكان واضحا أنهم يرغبون في أن يلحقوا بي شّرا ما، بل قد يقتلونني، أو يشوّهون خلقتي بضربات سكاكينهم. مسحت العرق المتدفق  بغزارة خصوصا من جبهتي، ومن رقبتي. تطلعت إلى حيث الشرطيين طامعا في الاستنجاد بهما، لكني لاحظت أنهما كانا ينظران لي بكثير من التشفي وكأنهما يحرّضان أولئك المتسكعين على أن يفعلوا بي ما يشاؤون، وما يريدون. ازداد فزعي . ووسط أولئك الأشرار بدا لي أني بتّ أتفه من خنفس خراء. ثم فجأة ارتفعت قهقهات، وسمعت أحدهم يقول ممتعضا مني :”يا له من جبان! أنظروا، سيفعلها في سرواله قريبا ههههههه”.

بعدها انفضّ الجمع من حولي. واصلت سيري وفي فمي رماد ومرارة. ولمّا تحقّقت أنه لا أحد يقتفي أثري، انزويت في ركن معتم من سور المدينة، ورحت أراقب باب الماخور الذي أصبح مقرّا للحزب الجديد. وفي لحظة ما، انفجرت معركة حامية بين زوج وزجته في البيت القديم القريب مني. وقد بدا لي أن الزوج طعن في السن، ولم يعد قادرا على اشباع رغبات زوجته التي دلّ صوتها القويّ على أنها لا تزال شابة. وكانت تقول لزوجها العجوز :”أنت هرمت وأنا لست مستعدة أن أواصل الحياة معك. لا بدّ ان أخرج من هذا البيت في أقرب وقت ممكن حتى لا أموت مختنقة بضراطك، وبعفن شيخوختك، وبروائحك الكريهة “.وكان هو بردّ عليها بغمغمات مبهمة. والجملة الوحيدة التي نطق بها واضحة كانت: “أنت قحبة مثل أغلب نساء هذه المدينة! وأنا تعبت من العيش معك تحت سقف واحد!”. استمرت المعركة الكلاميّة على هذا المنوال وقتا لا بأس به. ثم هدأت فجأة، فلم أعد أسمع غير ضجيج السوق يأتيني من بعيد مخنوقا كأنه خارج من قاع بئر عميقة. استبدت بي وحشة الطفل اليتيم في مدينة تغلق أبوابها في وجهه. وشعرت برغبة في البكاء. وفي لحظة ما، برز من باب الماخور الذي أصبح مقرا للحزب الجديد، ترومان كابوتي مدخنا سيجارا كوبيا، ومحتضنا عاهرة بدوّية سمراء مكحلة العينين، غليظة الشفاه، ولها صدر عارم. بين وقت وآخر كانت تضحك عاليا هازّة خصرها مثل راقصات البطن، قائلة بالانجليزية لترومان كابوتي الذي بدا سعيداYou are a bad man!”. بعدها غمزت له بعينيها السوداوين الواسعتين، وقبلت رقبته….واصلا السير في السوق، وهما على تلك الحالة من دون أن يثيرا انتباه، أو امتعاض أحد…لكأنهما لا مرئيان!…عجبا ,…هل يعقل أن يحدث هذا في مدينة تعتبر رابع مدينة مقدسة في بلاد الاسلام؟؟ قلت في نفسي.

عند “باب الجلادين”، تصدّى لي الشرطيّان من جديد:

-الى أين أيها الغريب الضال؟ صاحا فيّ وهراوتاهما تكادان تلمسان وجهي…

-……

-يبدو أنك شخص عنيد أكثر من اللزوم. لذا يتحتم علينا تأديبك. قالا صارّين على أسنانها، ثم بيديهما الغليظتين شدّا على رقبتي وجرّاني حتى بلغا بي أقصى المدينة هناك حيث لا شيء غير الفلوات الموحشات والأشواك والسراب.

-هيّا ارحل ولا تعد أبدا فأنت ملعون من البشر ومن الملائكة! صرخا فيّ، ثم دفعاني بعنف حتى أني سقطت على الأرض وتعفر وجهي بالتراب. وقفت. بظاهر يدي مسحت وجهي، ثم نفضت ثيابي. ورحت أنظر إلى الشرطيين بنوع من الحنق والتحدي. عندئذ استشاطا غضبا، ولوحا بهراوتيهما استعدادا لضربي. ركضت في الفلاة الفارغة. واصلت الركض الى أن شعرت بأنفاسي تكاد تنقطع. ولما توقفت عن الركض ،وجدت نفسي في مدينة غربتي، وكانت الثلوج تتساقط بغزارة، ومن الكنائس القديمة يتعالى رنين النواقيس. يبدو أن كل شيء يحدث بسرعة ..قلت. في الحين دخلت بارا حقيرا شبيها بتلك البارات التي أرتادها في أوقات الإفلاس، وكانت تعجّ ببفاريين بقامات عملاقة، ورقاب غليظة، ورؤوس صلعاء، وشوارب كثيفة ،يحتسون البيرة، ويغنون بأصوات عالية. حال دخولي، توقفوا عن الغناء، وراحوا ينظرون اليّ بحقد قاتل ووجوههم العريضة تنز بالعرق والشر. فجأة، نهض أحدهم، وصاح في:Was machts Du hier sheis  Auslaender?

 ارتعبت. عليّ أن أخرج حالاّ ! قلت، ثم تركت البار، وركضت الى شقتي تحت الثلج. حال وصولي، تمددت على الفراش وبي رغبة في النوم بعد عناء تلك الرحلة الطويلة. غير أنّي ما لبثت أن شعرت بالعطش، وبالبول يحرق خصيتي. نهضت وتبولت. ثم شربت نصف زجاجة “فولفيك”. بعدها سحبت ستائر النافذة، ورحت أتأمل الثلوج وهي تتساقط بغزارة في صباح الأحد الصامت. عند الساعة الثامنة، استيقظت دوريس. عارية  ذهبت الى الدش. وبعد أن ارتدت ملابسها الخفيفة ، أعدت قهوة، أشعلت سيجارة، وقالت لي:

-أكره يوم الأحد!

بعد دقائق قالت لي ومرارة في صوتها:

-أريد أن نفعل شيئا ما يمتعني ،وينسيني كآبة الأحد!

-وما هو؟ سألتها

-أن نتجول في الظهيرة في “الحديقة الانجليزية”، ثم نذهب إلى السينما!

-جميل ولكن أي فيلم ترغبين في مشاهدته؟

-فطور الصباح عند تيفاني. آآ. إنه يعجبني كثيرا

-ولكننا شاهدناه قبل أيام على شاشة قناة سويسرية على ما أظن!

-لا لا. أريد أن أشاهده على الشاشة الكبيرة

-أوكي!

أضاءت الغبطة وجهها. اقتربت مني، احتضنتني وقبلتني ولسانها في فمي، ثم همست لي:

تعال نفعله الآن على الريق. أحب ذلك!

 

2

بينما كانت تنعطف يمينا لتطرق باب متجرٍ لبيع الأفلام رأت إشارة وسمعت جرسا منبّها. استغربت الأمر. لم تتوقّع أن يلفت أحدهم انتباهها في ذلك الوقت وفي ذلك المكان تحديدا. نادرا ما ترتاد متجرا من متاجر المدينة الباردة كما تناديها. ورغم غياب الولع بزيارة مثل  تلك الأماكن إلاّ أن الضرورة وحدها من تدفعها للتبضّع من هناك، خصوصا إذا ما كان الأمر مستعجلا والغرض الذي تبحث عنه لم ينزل بعدُ في الأسواق، ولأنها أيضا لا تحبّذ الأماكن المزدحمة والتدافع والوقوف في الطوابير. التفتت وراءها. لاحظت وجود طيف يقف على أطراف أصابعه ويشرئب نحوها برأسه.  كان يشير لها بيديه راسما فوق شفتيه ابتسامة طفولية واسعة كاتساع الفضاء الأزرق من حولها. أشارت له بدورها أن ينتظر قليلا ريثما تبتاع الفيلم الذي أتت لأجله، فجفناها يوشكان على الإقفال وهي لا تريد أن تنام قبل أن تشاهد الفيلم الجديد.

 رأته يبتسم ورآها توافق ببلاهة. تجوّلت مسرعة بين رفوف المتجر والشاب يشغل عقلها. أجالت بصرها بين العناوين المعروضة بعينين حالمتين زائغتين. كان طيف ابتسامته العريضة فوق وجهه الطفوليّ ينعكس في كلّ “أفيش” من “أفيشات” الأفلام تستعجلها في الخروج. وجدت ضالّتها أخيرا. وضعت الفيلم في سلّة المقتنيات وقلبها يخفق بشدّة ووجيبه يُسمع بجلاء في صوان أذنيها. أدخلت معطيات بطاقة الدفع الذكيّة بسرعة خياليّة غير متأكدّة من صحتها، وعينها عليه من كوّة المتجر.

توشك على تذكّره لكنّ خيطا رفيعا مفصولاً في الذاكرة يمنع ذلك. وجهه مألوف. إشارته تبدو مأهولة أيضا. لم تتأمّل قسماته بدقّة لكنّ ابتسامته العريضة تشي بأنّهما أصدقاء أو معارف. لكنّه مرّ هكذا سريعا كخاطر جميل في مخيلتها. لا تذكر أنهما التقيا أو دردشا معاً في السابق. الأرجح أنه زميل دراسة انبثق فجأة من ألبوم السنين. أحيانا تطفو وجوه غريبة على سطح الذكريات دون موعد سابق. إنّها تعتصر نفسها لتذكره. توشك أن تطاله لكن طيفه يختفي فجأة في متاهة الذاكرة. تحاول مرّة أخرى لكنّ الصوت الروبوتيّ للبائعة الشابّة الجميلة يشوّش تركيزها. تُوضع نصب عينيها ساعة رمليّة مقلوبة تحثّها على الاصطبار ثوان قليلة ريثما يتمّ التأكّد من معطيات بطاقة الدفع ومن ثمّة يصير الفيلم في سلّتها.

الفيلم الآن بحوزتها لكنّها لا تستطيع الخروج. وها هي مسئولة البيع ترسم على محياها ابتسامة أسف عميقة. تطلب منها بالودّ السابق إدخال معطيات بطاقتها مجدّدا لأنّ عملية الدفع فشلت. زفرت زفرة ضيق عميقة. قضمت شفتيها بقوّة محاولة منع تلك الكلمة النابية من الخروج. لكنّها خرجت رغما عنها: “فكككككككك”… كانت عادة سيئة حين تشعر بالضيق والاستياء، ويقف أحدهم في وجه مقاصدها الملحّة. وضعت باطن يديها فوق شفتيها خشية من أن تكون بذاءتها قد سُمعت في الخارج. ربّما خشيت أن يكون هو من سمعها وهو يقف وقفته المتأملة تلك، مشرئبا بأذنيه ناحية كلّ نأمة يمكن أن تتسرّب من المتجر. ابتسمت في سرّها على تلك الفكرة التحريضيّة البائسة، فجدران المتجر، وزجاجه السميك، والضجة العميقة من حولهما لا يمكن لها تسريب كلمتها المحرّمة. لكنّها عادت لتفكّر وتقول: “فليكن قد سمعني. ما الضير في ذلك؟ أنا هي، مثلما كنت ومثلما سأكون دائما، و كما ينبغي لي أن أكون. لا أحد هنا ليحاسبني على أيّ شيء أفعله أو أقوله. ثم ماذا يعني ذلك بالضبط؟ أنا متأكدة أنه يعرف فتيات بعدد شعر رأسه، يقلن كلاما نابيا، ويأتين سلوكا مشينا. أمّا أنا فأقتصر على مجرّد كلمات، تخرج جزافا هكذا دون أن أعيها أو أقصدها”.

كانت تحاول السيطرة على انفعالها وهي تهمّ بالخروج من المتجر بعد أن أتّمت عملية الدفع، وصار الفيلم بين يديها. حاولت أن تبدو رصينة قدر المستطاع وأن تسيطر على كلماتها لكنّها لم تجده في انتظارها. اختفى ولم يعد له أثر. فكرت أنّ صبره نفد بعد أن أضناه الوقوف. وقفت تجيل بصرها باحثة عنه. قامت بجولة في محيط المتجر. لا أثر له. سرعان ما وجدت إشارة مختفية خلف واجهة المتجر. اقتربت منها. دققت البصر. كانت نافذة الدردشة المفتوحة منذ أكثر من ساعة تشير بأنّه قد غادر للتوّ. قرأت أسطرا طويلة من لطيف الكلام كان فيه الغزل مستترا والكلمات أنيقة ومختارة بدقّة…

 يا إلهي، قالت، لقد كان هو بعينه، يعود بعد سنين طويلة…

تثبتت جيّدا وهي فارغة الفيه والرعب يشعّ من عينيها. الكلمة النابية كانت أرسلتها له على صفحة الدردشة على الفايسبوك. كان قد حظرها وغادر إلى الأبد. أغلقت الحاسوب فرأت المتجر يغلق آليا وحسابها الفايسبوكي والنظرة الكابية للإيموجيس التي ملّت الانتظار فنامت. أطفأت الضوء. أرخت جسدها فانزلق في خمول تحت اللحاف ونامت وحيدة مرّة أخرى.     

 

6

قبل أن ينام قرأ قصة ”التحول“ الشهيرة لفرانز كافكا، وحين استيقظ في الصباح التالي وجد نفسه انمسخ. لا، لم يتحول إلى حشرة ضخمة مثل جريجور سامسا، بل أصبح نسخة مشوهة نتنة من نفسه. لكنه أدرك، بشكل ما، أن نهايته لن تختلف عن نهاية الشاب سامسا، وأدرك أنه سيموت بعد ثلاثة أشهر بالتمام والكمال، قبل يوم مولده السابع والعشرين.

الآن وقد استوليت على انتباهكم، لنعد للبداية قليلا ونبدأ خطوة بخطوة.

تسألون من أنا؟ يا لفضول عقلكم البشري المحدود الذي لن يستطيع استيعاب كينونتي الشاسعة. يكفي أن تعلموا بأني حملت أسماء كثيرة على امتداد تاريخكم الإنساني. منها الشاعر الضرير، شكسبير، الحكواتي… وربما أشهرها لديكم هو شهرزاد. وتسألون الآن أين تدور هذه الأحداث. يا لفضولكم اللامحدود. هل هذا مهم حقا؟ فليكن المكان هو مدينة طنجة. لكن بالتأكيد ليست مدينة طنجة التي تعرفون. هذه طنجة أخرى تشبهها. طنجة موازية لما تعدونه العالم الواقعي. إلا إن هذا التوازي لا يعني أنها خيالية. لنتفق من البداية على أن ثنائية الواقع والخيال نسبية تماما.

هل يمكنني الآن العودة للحكاية؟ جيد.

البداية كانت في مجاري الصرف الصحي. كان يجري وهو يتلفت إلى الوراء بين خطوة وأخرى هاربا من حشرة ضخمة بدت له تحت الأضواء الخافتة كأنها صرصار بحجم ديناصور. طبعا هو يحلم. أعرف أنكم نبهاء بما يكفي لتدركوا ذلك ولتعرفوا أيضا بأن هذا الحلم نتيجة طبيعية للقصة، أو الرواية، التي قرأها قبل نومه.

قبل أن يعود إلى بيته ذلك اليوم الذي سبق تحوله، وقد كان يوم أحد، كان قد ترك قدميه تقودانه عصرا نحو شاطئ مالاباطا حيث لم يذهب منذ خمس سنوات. أعجبه الكورنيش الجديد والساحة الشاسعة التي أرادت البلدية أن تقلد بها ساحة مسجد حسان في الرباط، لكنه على بعد خطوات إلى الأمام وجد نفسه أمام مجرى مفتوح لتصريف فضلات سكان المدينة مباشرة إلى الشاطئ. على يساره رأى أطفالا يسبحون مستمتعين وسط مياه الفضلات الممتزجة بمياه البحر، وعلى يمينه رأى القنطرة التي تغطي جزءا من وادي الصرف الصحي حيث تمر عليها السيارات بسرعات لا تسمح للمشاة بالعبور. أطل على المجرى وحدق بعض الوقت في المياه المتهادية بثقل الفضلات البشرية. رفع بصره ورأى على الجانب الآخر من القنطرة رجلا يتفحصه بإمعان. رجلا غريبا يغطي السواد كامل جسده. حذاء أسود لامع وبذلة فاخرة من السواد المتموج. شعر قصير أشعث، عينان جاحظتان وأذنان كبيرتان مشرعتان لاستقبال أسرار العالم الدفينة. كل ما فيه أسود إلا بشرته الشاحبة البيضاء ومفكرة صغيرة حمراء في يده اليسرى. العينان حادتان لا تخفيان شيئا من ذكاء صاحبهما المتقد، لكنهما أيضا تكشفان حزنا دفينا فرض نفسه على كامل الوجه. بدا له الوجه مألوفا. مألوفا جدا. لعله شخص شهير. واثق هو أنه شاهد صورة لهذا الوجه منذ وقت قريب.

أبعد بصره عن الرجل وأخرج من جيبه مغلفا مرسوما على ركنه أيقونة خضراء لأفعى تلتهم ذيلها ومكتوبا عليه ”مختبر التحليلات الطبية والانجاب البيولوجي“. تأمل فيه طويلا حتى دمعت عيناه. زم شفتيه. قطب جبهته. ثم أرخى قسمات وجهه. تنهد، وترك الحسرة تطبع نفسها على بياض لوحة الوجه. انزلق المغلف وانفلت من يده ورأى الرياح الخفيفة تلاعبه قليلا، كأنها تهدهد ريشة لتنام، قبل أن تودعه سطح الماء. رآه يطفو قليلا ويسري مع التيار، إلى أن تشبع بمياه الصرف الصحي وأنزله ثقل الفضلات إلى الأعماق.

تلك القنطرة وأعمدتها الخرسانية التي ترتكز على المجرى هي المكان الذي يدور فيه هذا الحلم. بالضبط الجزء السفلي من القنطرة.

كلما أوغل في المجاري خفتت الإضاءة وتضاعفت كمية الروائح النتنة التي يبتلعها بملء فمه اللاهث لإمداد رئته بالهواء.

تعثر وسقط فوجد نفسه تحت المياه الكثيفة واللزجة. نهض بسرعة وبصق ما تسرب إلى فمه ومسح عن وجهه ما التصق به من طين سكان المدينة. عاد يواصل الجري بسرعة غيرِ معتادة في عالم الكوابيس. لكنه، كمن حسد نفسه وأصابها بسحر عينيه، أحس بوخزة رهيبة من الألم على كفله الأيمن وسقط مجددا، وفوقه حطت الحشرة، الأشبه بالديناصور اللاحم الفتاك الشهير باسم تي-ريكس، وبدأت تقترب بفكها إلى عنقه.

تسارعت دقات قلبه وتردد صداها كطبول الحرب تحت أقواس القنطرة. انتبه الآن إلى أن الصمت كان مطبقا، ولم يكن يسمع حتى صوت الماء المنزاح، والمتناثر، من تحت ثقل خطواته. لكنه الآن يسمع صوت دقات قلبه كأنها طبول إعلان حرب بين قبيلتين في مجاهل افريقيا. أراد أن يرفع يديه من تحت المياه ليدفع عنه الحشرة، التي بدت له الآن كلبا أسود ضخما يشبه، لا بل هو ذاته، كلب آل باسكرفيل، لكنها لم تستجب للإشارات العصبية القادمة من دماغه. أراد أن يصرخ، كفعل يائس لا بديل له عنه، غير أن لسانه التصق بسقف حلقه وبدأ يشعر بالاختناق. سارت الرعشة في جسده وانتفض، وشعر بسائل دافئ يسيل بين فخذيه، ثم فتح عينيه.

أول ما أحس به بعد الاستيقاظ هو أن الرائحة العفنة بقيت عالقة في أنفه، وانتقلت من الحلم إلى الواقع. سيعرف بعد قليل أن العكس هو الصحيح. رائحته التي صارت نتنة انتقلت إلى حلمه، بل هي التي شكلت الحلم كله قبيل لحظات من استكمال الدماغ خطوات الإيقاظ.

ثاني ما أحس به هو الخدر المنتشر على كامل نصفه الأيمن. خدر مسكون بالوخزات. كان شعورا قريبا من التنميل. بل هو التنميل ذاته لكن بدرجة مضاعفة عشرات المرات. الغريب أنه كان نائما على جانبه الأيسر. فكر. يفترض أن يكون التنميل على الجانب الذي نام عليه وليس الجانب المتحرر من الضغط.

ثالث ما أحس به هو البلل الدافئ بين فخذيه نزولا إلى ساقيه. نعم تعرفون بالتأكيد ماذا يعني ذلك.

لم يصدق نفسه. ظنَّ أنه ما زال يحلم. رمش بعينيه عدة مرات لكن لا شيء تغير. الرائحة النتنة نفسها، التنميل عينه على كامل نصفه الأيمن، والبلل ذاته تحته. لم يكن حلما إذن. تجول ببصره في أرجاء الغرفة. إنها غرفته بالتأكيد. زوجته نائمة على الطرف الآخر من السرير. على مقربة منها مهد طفلتها. ساعة الحائط العتيقة، التي اشترتها أمه ضمن تجهيزات عرسها، تشير إلى السادسة صباحا. على الحائط أمامه ثلاث من لوحات الخط العربي التي كان يهوى رسمها قبل أن تقبض عليه الحياة بفكها وتقصم ظهره. إنها غرفته بالتأكيد. ليس حلما ما يعيشه الآن.

الآن، بعد أن أراد أن ينقلب على ظهره، جاءت لحظة الحقيقة. الحقيقة التي سترتج لصرخته منها جدران كامل العمارة، ذات التصميم الكولونيالي، وسيبقى صداها طويلا في الشقة الشاسعة ينتقل من غرفة إلى غرفة، يطرق الأبواب كلها بابا بابا، والآذان كلها أذنا أذنا، مارا تحت الكراسي قافزا فوق الأرائك، مرتدا على الجدران والأرضية والسقف، وسيحتاج الأثاث إلى وقت طويل قبل أن يمتص كامل مشاعر اليأس والغضب والحزن والألم المنصهرة في الصرخة.

 

1

نَحنُ من أسرةٍ معروفةٍ بأن أفرادها يقومون بعد الموت بثلاثة أيام. لذا عندما ماتت أمي – عليها الرحمة – لم ندفنها ولم نُعلن عن ذلك. وضعناها في حُجرة داخلية بعيداً عن الضوء والمتقولين من الجيران وسُكان المدينة وأطفال الأسرة. وفي اليوم الثالث، عند منتصف الليل، نهضت من موتها. تقلبتْ على الفراش قليلاً. عَطست عطستين عظيمتين ثم وقفتْ على رجليها. تمطتْ مثل هِرةٍ سئمت الرقاد الطويل. ثُم طلبتْ أن يأتوها بماء حار للشُرب وآخر للحمام. وكُنا قد جهزنا لها الماء الساخن مخلوطاً بالزيت والمُلح وبعض العُطور البلدية، وماء الشُرب الذي يجب أن يُعد بالنعناع والقرض يحتاجه الذين حيوا بعد الموت. 

لم يكنُ خبر موت أمي غير معروف لدى سُكان المدينة. فلقت ماتت موتاً مشهوداً عند باب المدرسة. حيث أنها تعمل معلمة للغة والأدب الإنجليزي في المرحلة الثانوية. وبينما كانت تخرج من المدرسة في صُحبة بعض المعلمات، إذا بثور هائج يهجم عليهن.  ونسبة لإعاقة قديمة في ركبتها فإنها لم تستطع الهروب كما فعلت المعلمات الأخريات. فأصبحت أمي ضحية سهلة للثور الهاج. بنطحة واحدة في صدرها ألقاها أرضاً. وعندما أُخذت للمستشفى كانت جثة هامدة. قال لنا الطبيب

– لقد مَزَّق  قرنُ الثورِ قلبَها.

في العادة يتم دفن الموتى في المدينة في نفس اليوم. نسبة لسخونة الجو. فإن الموتى يتعفنون بسرعة، كما ان هنالك مقولة شائعة يحترمها الجميع وهي: إكرام الميت دفنه. أتى الناس من كل صوب وجهة للعزاء وحفر القبر وإعداد الميت للدفن. وخوفا من الفضيحة. لم يخبر عمي الرجال المستعجلين على الدفن في أمر أننا سوف لا نقوم بدفنها إلا في اليوم الثالث إذا لم تنهض من الموت. ولا أظن أن الأمر سيكون محرجاً او غير مقبول او مستهجناً. فكثير من سُكان المدينة التي نعيش فيها هم نسل ما يُسمى تيراب البنية. أي أنهم من ذرية امرأة في الزمان الماضي تركها والدها من أحد أنبياء الله إلى أن يعود من الحج الذي يستغرق سنوات كثيرة. ولكن البنت توفاها الله بعد شهور قلائل من اقامتها مع النبي. وعندما عاد الأب أخبره النبي بأن الله قد توفاها. ولكن والدها قال له:

–  سلمتك ابنتي حية كأمانة. عليك أن تردها لي حية. ولا أقبل بغير ذلك. فإذا كنت نبيا بالفعل، قل لربك أن يعيد لي بنيتي كما هي.

 فغضب النبي غضبا شديداً. وطلب من ربه أن يعيد البنية للحياة. وعندما استجاب الرب وأعادها إلى هيأتها الأولى أي كما كانت في اليوم الذي تركها فيه والدها، رَبَتَ النبيُ على رأسها مخاطبا والدها

– جعلنا كل نسلك من تيراب هذه البُنَيَّةْ إلى يوم القيامة.

 ويقصد نبي الله إن كل ذريتها ستنهض من الموت. وشاء الله أن نكون نحن من ذُرية هذه البنية وغيرنا بعض الملايين من البشر منتشرين على الأرض. في كل بلاد العالم لنا أقرباء دم ينهضون من موتهم في اليوم الثالث. أخبر أبي الرجال المتعجلين للدفن، بأننا لا ندفن الموتى إلا بعد ثلاثة أيام، وسنقوم بذلك بأنفسنا. وشكرهم على همتهم واستعدادهم للمساعدة ثم صرفهم. في اليوم الثالث عند منتصف الليل تجمعت كل الأسرة حول أمي كان عليها قبل أن تغادر أن تقول شيئا للأسرة. لأنها سوف لا تعود مرة أخرى وقد لا نلتقي بها ربما إلا بعد الموت. وكان ما  يثير فضولي: أين ستذهب أمي الآن، أين ستعيش وكيف ومع من؟؟ فسألتها.

قالت لي:

-سوف تعرف بنفسك، لا تتعجل، ستذهب إلى حيث أذهب اليوم، وستجدني.

ثم خاطبت الأسرة قائلة:” الحياة قصيرة جداً. وستكتشفون ذلك في لحظات الموت. يبدو الزمن قصيراً جداً أو إنه يتقلص وينكمش على نفسه. الثانية الواحدة تعادل كل ثروات الدُنيا تعادل كل الوقت الذي يقضيه الإنسان على الأرض. ولا يمكن أن يحصل الشخص على لحظة من الوقت. الزمن هو أغلى شيء في هذه الحياة. إنه الحياة نفسها. ترونه الآن ممتداً ولا تفعلون فيه شيئا وكأنه سيستمر للأبد رخيصاً بل متاحاً بالمجان. في لحظة النزع الأخيرة لا يمكنك أن تشترى دقيقة واحدة لتقول فيها شيئا. ثانية لتسحب فيها قدراً ضئيلا من الهواء. لا تستطيع أن تمد حياتك أبداً. يتخشب كل شيء. وينسحب الزمن آخذاً معه النبض والعقل والجسد والروح: أوصيكم خيراً بالزمن، افعلوا ما تقدرون عليه الآن”. 

نَهضتْ. وضعت على كتفها حقيبة الظهر المصنوعة من جلد الماعز وهي عبارة عن قربة صغيرة بداخلها بعض الملابس والنقود ومشغولات من الذهب. وطلبت أمي – وهذا من الغرائب – أن تحمل معها كتاب مختارات من الشعر الانجليزي حيث أنها كانت مغرمة بالشاعرة إميلي دكنسون، وكتاب الأعمال الكاملة للشاعر الأمريكي e.e commings . خرجتْ عبر البوابة الخلفية بعد أن ودعتنا واحدا واحداً بالأحضان. كان جسدها بارداً كالثلج وتفوح منها رائحة غريبة. أظنها رائحة الأموات. وبعينيها الطيبتين بقايا دموع وفي شفتيها ابتسامة صغيرة باهتة. خرجتُ خلفها. لقد قررتُ بيني وبين نفسي أن اتبعها حيثما تذهب. ليس لأنني أحبها، نعم أحبها فهي أمي، ولكن أريد أن أعرف إلى أين يذهب الموتى من تيراب البنية عندما ينهضون من الموت وعلى أكتافهم جراب مصنوع من جلد الماعز محشواً بمتعلقاتهم.

كانت تمضى بخطوات سريعة جداً. في نشاط وهمة وعلى ظهرها حقيبة الجلد. وكأنها لم تكن ميتة ثلاث ليال كاملة. التزمت مسافة جيدة بيني وبينها حتى لا تراني. لأنه من المحرم إتباع الذين يعودون من الموت. وهذا عُرف يتبعه جيدا كل أفراد سُلالة تيراب البنية. كانت خُطواتها شاسعة لدرجة أنني اضطررت على الجري وراءها حتى لا تغيب عن عيني. خاصة أن الضوء كان شحيحاً جدا والظلام دامساً. خرجنا من حدود المدينة إلى المفازة الشاسعة التي يستخدمها الرُعاة في الموسم المطير كمسرح لأبقارهم ولكنها الآن خالية تماما وجرداء في موسم الشتاء. حيث ينتقل الرعاة في صُحبة مواشيهم جنوباً متبعين العُشب والماء.  

توقفتْ فجأة. كانت تبعد عني قُرابة الخمسين متراً. فتوقفتُ أنا أيضا. عندما طالت وقفتها، جلستُ على الأرض حتى إذا حانت منها التفاته فلا تراني. لاحظتُ شيئاً غريباً يحدثُ، وهو أن جسدها أخذ يطول ببطيء. وحجمها يصير أكبر. وهنالك ضوء أخذ ينبعث من رأسها. بدأ ضئيلا مثل شرارة ثم كبر كشعلة ثقاب. ثم أصبح في حجم فانوس إضاءة فاترة. حينها تحركت. مضت إلى الأمام في خُطوات شاسعة وسريعة. كأنها تُحلق فوق سَطح الأرض ولا تطأ الثَرى. كنتُ أحسُ بها تطير في خِفة. هرولتُ خلفها ولكنها كانت تنسحب في البعيد البعيد البعيد. إلى أن لم يتبق في مجال الرؤية منها غير الضوء الذي يصدر من رأسها. وهو أيضا أخذ يختفي بالتدريج. كلما بعدتْ إلى أن اختفى تماماً. في ذلك الحين فقدتُ أثرها. فعدتُ أدراجي إلى البيت.

في الصباح الباكر. ذهبنا أنا وأبي وعمي وبعض أقاربنا إلى المقابر. حفرنا لها قبراً. وضعنا فيه كل متعلقاتها الخاصة التي لم تحملها معها. ما عدا الكُتب حيث أن أبي أراد الاحتفاظ بها في البيت. وكان أبي أيضا مثقفاً جداً ويحب قراءة الشعر ويجيد العزف على الكمان. وقيل إنه في صباه كان راقصاً بارعاً. تَمَّ دفن كل شيء في صمت. ثم وضع أبي شاهداً للقبر كُتب عليه اسمها وتأريخ وفاتها. وسطر من شعر e.e.commings.

 

4

ها أنت تتمددين الآن عاريةً إلى جانبي في السرير. أعوامًا طويلة وأنا أسمع صوتك في ذهني.. لقد عشت معك عمرًا كاملاً دون أن أرى صورتكِ.

تكلمي ليليان، لماذا أنت صامتة؟

نجحتُ في حلّ معادلات الرنين المغناطيسي وحصلت على بطولة عالمية في الشطرنج، وألّفتُ كتابًا شعريًا عن الكواركات وحركة الالكترونات …

لقد نجحتُ يا حبيبتي.

كانت صفراء شاحبة وجسدها متيبس إلى جانبي، أنا أيضًا كنتُ إلى جانبها في السرير، لكني ظننت أنها هي من تفوهت بتلك الكلمات. أصوات عديدة كانت تطرق مسامعي.

لكنّي كنت متأكدًا من أنها متمددة إلى جانبي فكلما أدرتُ جسدي نحوها رأيتُ وجهها الهزيل وحركة عينيها الرخوتين يمينًا ويسارًا، بينما ظلّ نهداها لفترة طويلة عبارة عن كتلتين متحجرتين فيهما أثرٌ بسيط للشقوق والندوب. وكلما أطفأتُ الأضواء وغرقت الغرفة في ظلام دامس؛ أطلتُ التحديق في وجهها ورأيتُ ابتسامتها اللامعة والمخيفة في العتمة.

أنا أيضًا ً حركتي كانت غريبة جدًا، حركة لم أعهدها من قبل في مشيتي، شعرت أن فقرات ظهري تستند إلى كتلتين عظميتين، وأن قدميّ تساعداني على القفز لمسافات طويلة وبعيدة. حتى شعر جسدي صار كثيفًا فجأة، أليس الأمر مريبا ومخيفا أن تنمو لي حوافر قذرة وينبت الشعر أو الوبر في جسدي؟

لكني لست خائفا الآن .. سابقا كانت تخيفني أشياء عديدة: صوت أبي وتقريعه لي، سخرية أطفال الحي مني وضربهم المتكرر لي، قطعان الكلاب الضالة، مسؤوليات العمل التي لم أنجح في أي منها، وكنت مرتاحًا ومطمئنًاً عندما يأتيني قرار إداري بالفصل. في هذه الحياة لم أجد لي أعداء ولا حاسدين، الكل كان ينظر لي بعين الشفقة والرحمة القاسية، تلك الرحمة التي ينظرون بها البشر لأي كلب غريب ووحيد مثلي.

حتى ليليان لم تكن تحبني، بل كانت تطعمني من يديها الملائكيتين، وعطر أخّاذٌ يجذبني نحوها، لكنها كانت تعيدني إلى قفصي بعد ربطي بالسلاسل دون أن تنظر إلى عينيّ الراجفتين والدموع تسيل منهما.

تكلمي ليليان لماذا أنت صامتة؟

حسنًا، سأجلب لك الدواء من أقرب مكتبة هنا. خدرٌ يسري في أطرافي ولا أستطيع النهوض بهذه الحوافر الجديدة .

هناك قدمتان كبيرتان تحت الطاولة تتحرك أصابعهما  بطريقة دائرية، أستطيعُ التعرف إلى الشخص من ملامح قدميه، أظنه من الأشخاص الذين كانوا يضربونني ويسخرون مني دائمًا، هذا الشخص الذي لم أستطع الإجابة عن أسئلته يوما، لكنني الآن أستطيع وأقولها لكم بكامل ثقتي وقوتي، وصرخت بكامل صوتي أنا أستطيييييييع ….

وفعلاً أجبت عن جميع أسئلته التي كانت تربكني وتخيفني، أجبت عنها جميعًا دفعة واحدة.

بقعة دم كبيرة على أرضية الغرفة. منظر الدماء يشعرني بالراحة والطمأنينة، لكن يبدو أن المشهد قد فسد وكل شيء صار واضحًا أو ربما شبه لي ذلك.

وجهٌ يخرج لي من باب الخزانة الموارب يحييني بإيماءة من وجهه، ويغمز لي بعينه اليسرى، كان وديعًا ولطيفًا وهو صديقي الآن، لم يكن مخيفًا هذه المرة حتى أني استطعت الإجابة عن أسئلته مرة واحدة بطريقة مذهلة فاجأته جدًا. جميل أن تحقق معجزة كبيرة في هذه الدنيا، أن تثبت للآخرين أنك حققت شيئًا ظنوه مستحيلا ًفي قاموسك، حقاً أنها سعادة عميقة وسحرية، سعادة لا توصف يشعر بها الإنسان في تلك اللحظات.

عليّ أن أسرع يجب أن أذهب إلى المدينة حالا، لأجلب لك الدواء لكن الضباب رمادي والأرض مطاطية لا أستطيع الركض، سأحاول .. فأنا لم أعد أخاف شيئًاً بعد اليوم.

كانت قفزة هائلة أنا أطير بخفة وأحلّق عاليا دون أن أغرق في لزوجة الوحل السماوي،  لكن يبدو أن سرعتي جنونية. سأهبط  في الحال. في سرّي كنت أسأل ما حاجة البشر إلى الجاذبية إذا كان الإنسان ينتصر على الضوء والجاذبية في هذه الظروف.

في الحي القديم مرّ بي أشخاص مقربون جدًا إلى قلبي، لم أكترث بهم وسلمت عليهم سلامًا عابرًا. الدكاكين والمنازل يرتادها أشخاص غرباء بمعاطف سود. نجارون يصنعون التوابيت لأهل الحي، لم أكن خائفًا، حاولت الاقتراب من هؤلاء النجارين أصحاب المعاطف السوداء، لكنهم كانوا منهمكين في عملهم ولم يلتفتوا الي أبدًا أو يرفعوا رؤوسهم نحوي.

شخص ضعيف وقامته محنية يرتدي نظارة طبية وقبعة أخبرني بصوت خافت أن ليليان ماتت .. همس لي ومضى مسرعا ًثم اختفى. تيبس الصراخ في حنجرتي، وصوت دوى في السماء مع هدير الرعد، صوت امتزج مع صوتي بين ثقوب السماء الخفية..

ليلياااااااان ….ليليااااااااااان ….ليليااااااان

كنتُ متسمرًا في غرفتي بهيئتي الحيوانية الرثة، وكانت ليليان لا تزال ممددة على السرير، لا أدري إن كنت حقًا قد ذهبت فعلا لأجلب لها الدواء أم أنني كنت هنا أبكي طوال هذه الفترة؟

أطلت النظر في عنقها الأبيض الطويل والمكتنز، كان هناك شريان بارز من هذا البياض.

عندما أجوع أشرب منه الدماء … لقد حفرت هذا الثقب بأنيابي. سامحيني حبيبتي فلم أقصد ايذاءك أبدًا.

تكلمي ليليان لماذا أنت صامتة؟

  مازلت ممدداً إلى جانبك في السرير… ها أنت تتحركين وتقتربين مني، أنا حيوانك الأليف، أشعر بجسدك يطوق جسدي وأنفاسك الحارة تلفح رقبتي ووجهي في العتمة. سيقانك تلتف حول حوافري، ولسانك الطويل يلحس رقبتي وفكي وصَدري.

أنت تنبضين الآن …أنت تتحركين.

ليليان ……………. لقد نجحتِ يا حبيبتي.

 

0

في عتمة منتصف الليل كان الرجل مقوّس الحاجبين قد دلف الزقاق الضيق المظلم. حثَّ الخطوَ خافضا رأسه، داسّا يديه في جيبي بنطاله “الكاكي”. رفع رأسه مرّة يتيمة، سدّد خلالها نظرة عدائيّة حازمة إلى المجهول كما لو أنّه يتوعّد بالويل أوّل آدميّ تضعه الصدفة في وجهه. وقف فجأة في منتصف الزقاق في مقابل مدخل عمارة متهالك، أمامها حاوية زبالة خضراء فاضت بما حملت، وتراقصت حولها قطط سوداء لئيمة. سوّى ياقة قميصه. لمس عضوه لمسة خاطفة وابتسم. تلفّت خلفه. شيّع بصره إلى الأمام، ثم إلى الأعلى كما لو أنّ السماء يمكن أن تجود بطالب عراك في المتناول.

 اندفع كطلقة إلى داخل العمارة مسدّدا بصره الثاقب ناحية كتلة ظلام استقرّت في العمق. كان هناك حشيّة بالية مبقعة ببقع دم وبول ومنيّ تمدّد فوقها جسد لا يعرف عامة الناس هناك إن كان لرجل أو امرأة. المارة ليلا أو نهارا في الشارع يرون من البعيد جسدا مغطّى بلحاف سميك يقيه العراء وبرودة البلاط المبتل غالبية الوقت. المقتربون قليلا بدافع الفضول يعاينون ضخامته وبدانته فيوشكون على القول بأنّه جسد امرأة في منتصف العمر. لكنّ زبائنه القلائل يعرفون تماما أنّه لأنثى يافعة، انتفخ بفعل إدمان صاحبته على حبوب منع الحمل والأعصاب بكل أنواعها، فقيل إنّها مجنونة أو هكذا رآها الناس. قيل إنّها طُردت من شقّة في الأعلى لتستوطن مدخل العمارة بالقوّة منذ ما يربو من سنة. قيل أيضا إنّ جسدها أغوى الجميع وأنّ اسمها “راكيل” لفرط جمالها.

رفع مقوّس الحاجبين اللّحاف دون كلام أو سلام. انسلّ تحت الغطاء وانضمّ إلى الجسد النائم ليصبحا كتلة واحدة.

لم يبدِ الجسد النائم أيّ اعتراض ولا مقاومة، بل بالعكس، بدا مرحّبا إذ سحب نفسه قليلا ليترك المجال لتقاسم الحشيّة مع الزائر الغريب.

لا يُسمع أي صوت في البداية بخلاف همهمات وحشرجات متقطّعة تصدر عن الجسدين النائمين.

سرعان ما يمتطي أحدهما الآخر. ينقطع السفليّ عن الحركة تماما ويستسلم كليّا. ينخرط العلويّ في حركة دؤوبة مثابرة.

تُسمع آهة ذكورية طويلة يسود على إثرها سكون عميق…

بعد فترة وجيزة ينسلُّ الزائر من تحت الغطاء مداعباً عضوه كما المرّة الأولى تماما بنفس تلك النظرة العدائية التي يسدّدها إلى المجهول. يجتاز الردهة مسرعا ويغطس في عتمة الزقاق بنظرات زائغة. يعود الجسد السفليّ الممدّد إلى سبوته.

يقبل زائر آخر بعد نصف ساعة تقريبا. يفعل ما فعله الأول مستغرقا نفس الوقت القصير وعمقه وتركيزه ثم يمضي لحال سبيله.

زائر ثالث يقبل بعد نصف ساعة أو أكثر…

زائر رابع…

زائر خامس…

زائر سادس…

***

يتواصل نسق الزيارات الخاطفة بتلك الوتيرة العاتية. لا يمنح الجسد السفليّ النائم نفسه فسحة من راحة، بل الأحرى أنّه لا يُمنح تلك الاستراحة التي كان يحتاجها بشدّة. 

 عند الخامسة فجرا يأتي زائران جديدان. يقفان عند مدخل العمارة. يتبادلان الوشوشة بينهما. يبدوان متردّدين. سرعان ما ينسلّ أحدهما إلى الداخل بينما يقف الثاني ليحرس المكان بثبات. يرفع الأول الغطاء عن الجسد السفليّ. يقلّب نظره في الجسد الساكن. يقف على تلك الحالة للحظات. يسترق النظر إلى زميله الذي تحجبه واجهة مدخل العمارة. يحشر نفسه تحت الحشية مسرعا. يهتزّ اهتزازات عصبيّة مذعورة فوق الجسد النائم. سرعان ما يسحب نفسه خارج الحشيّة كأنّه ندم على فعلته.

يسوّى هندامه ما أمكن. يتفقّد سحّابة سرواله. يثبّتها في وضع الإغلاق. يمرّر يده على شعره وذقنه وربطة عنقه السوداء وعيناه القلقتان لا تفارقان الجسد السفليّ البارد. ينادى زميله. يلتحق به بخطوات ركيكة. يقفان جنبًا إلى جنب. يتحدّث الثاني عبر جهازه اللاسلكيّ.

عند الساعة السابعة صباحا تأتي سيّارة إسعاف لترفع الجسد السفليّ الجامد تحت أعين المتساكنين والمارّة والشرطيين، وتحت أعين الصباح الذي بدا يسرى دبيبه في شارع الشوارع. في الردهة كانت امرأة في روب نوم شفاف، لكنها تسدل غطاء رأس على وجهها، تحاول تحريك الحشيّة وتنظر إلى الأعلى. كان يبدو عليها التوتر وهي تفكر في شخص يساعدها على رفع الحشيّة المبقعة بالبول والدم والمنيّ إلى شقتها العالية.  

 

45

أعمل مصلّحاً للأجهزة الكهربائية الدقيقة في مدينة أور، تعلمت من زوربا حب الحياة، وكنت كجيفارا متمرداً، كنت معوزاً للفرح،  لابتسامات الناس، للربيع يلامس قلبي، للبياض، لرؤية الألوان الفاتنة تطرز حياة الناس، لأجواء السعادة تشرق على الناس مثلما أشرقت شمس تموز صباح اليوم الجمعة، أشرقت فوق هامات النخيل بلون أرجواني مخضر لتشرق معها على وجهي الأسمر الجنوبي ابتسامة شارلي شابلن، ابتدئ صباحي بابتسامة لأنهي غروبي بابتسامة، أبدأ عملي بابتسامة لأحافظ على مزاجي رائقاً طوال النهار حتى الغروب، وكأنني أجامل الصباح والناس والغروب بابتسامة صادقة ترمم القلوب المخدوشة بالحزن. أفضل أن يراني الناس بوجه تشرق فيه ابتسامة دائمة، أمشي بينهم في الأسواق والأزقة بخطوات شارلي شابلن مرتدياً ألوان الفرح الفاتنة مرفوع الرأس، لأنني أنفق وقتي كله منحني الرأس عاكفاً على تصليح أجهزة التلفزيون والستلايات. أخذت قول شارلي شابلن على محمل الجد: لن تجد قوس قزح ما دمت تنظر إلى الأسفل. آمنت برأيه: يوم من دون سخرية هو يوم ضائع، نهار يوم الجمعة مشرقٌ، كنت مثله مشرقاً بالمسرة، تذكرت أنه اليوم الذي صلب فيه المسيح “ع”، صرت أشيع أجواء الفرحة، أمازح الباعة المتجولين والكسبة وعمال المسطر والعتالين والصبية بائعي الماء البارد والمتسولين. أوصي نفسي بأن أكون هادئ البال منشرحاً، لم أعش حياتي متذمراً ساخطاً، عشت بقلب أبيض راضياً، عشتها هكذا حتى لا أصاب بالحزن. علقتُ على الحائط بدل صورة السيد الرئيس فوق رأسي حكمةً قالها شارلي شابلن:  لو كنت نبياً لجعلت رسالتي السعادة لكل البشر، ووعدت أتباعي بالحرية، ومعجزتي أن أضع البسمة والضحكة فوق أفواه الصغار، ما كنت لأتوعد أحداً بنيران جهنم ولا أعد أحداً بالجنة، كنت سأدعوهم فقط إلى أن يكونوا بشراً وأن يفكروا، ليقرأها كل من يدخل ورشتي.  ينعتني أبناء مدينتي بشارلي شابلن لأنني أمشي مثل مشيته، أبتسم ابتسامته، أدمنت مشاهدة أفلامه إلا أنني أختلف عنه في حبي للإليكترونيات. أعيش وحيداً. ينطبق علي قول رافائيل ألبرتي: أنت في وحدتك بلد مزدحم، بلغت درجة الحرارة 54 مئوية، بمجرد خروجك إلى الشارع تتلظى أشاهد غيوماً سوداً تجمعت وسط الحر القائظ في هذا الصيف المر، وما صنعته هذه الغيوم من فيء بارد، أعلم أنها أجواء الشؤم التي تُذهِب البسمة، أجواء تقبض القلب، والمتبضعون يسيرون غير مبالين بالحر لأنهم اعتادوه. حرارة أنفاس الناس تتشظى حارة هائجة تصل حدّ القسوة المنفرة، وشمس الضحى القاسية التي تستمد لونها من لون العسل. ابتسمتُ للشمس العسلية، تمنيت نزول المطر، مطر مدرار. بأصواتٍ رنّانة تملؤني بهجة لألوان أكثر ابتساماً، يمر أمام ورشتي الصغيرة وعلى الرصيف المقابل لورشتي رجال وأولاد صغار ونسوة يتسوقن، أسمع أصوات الحياة الصاخبة، أضحك بفرح طفولي. يحتسي رواد المقهى أمامي الشاي رغم ارتفاع درجات الحرارة في هجير أكثر أيام الصيف قيظاً. دخل شخص علي لم أرفع رأسي لأراه، أحسست بدخوله، كنت منهمكاً في عملي، رنوت إليه: جارنا يحيى المنغولي، كان يحيى نقياً ودوداً بريئاً عذباً بلا حدود ينجذب الناس إليه كالفراشات، يرنو لي، يمسك بيده ستلايت قديماً جداً مع جهاز التحكم عن بعد، يتلفت ويبتسم، يبتسم ويتلفت، تلفت إليه وابتسمت، ينظر إلي وأنظر إليه. كان يراوح بقدميه وهو واقف وكأنه في كردوس عسكري أمر بمحلك قف، مكانك قف، وبشفتين يابستين أخبرني بصوت فيه أشراقة رجاء ممزوجة بخجل مرت بقلبي ونشرت المسرة:  إنه عاطل، وعليّ إصلاحه، شعر قلبي بالسعادة، راح قلبي يضرب بسعادة أضلاع قفصي الصدري، ابتسمت، ابتسم، ضحكت ملء روحي، ضحك ملء روحه، وما زحته:  أنت عاطل عن العمل أم الجهاز؟ ضحك، سافرت مع ضحكته بمزاج جديد داخل نفسي، ضحك ملء روحه الطاهرة ، كنت أنظر طوال حديثنا في عينيه المنغوليتين، أخبرته بعد أن فحصت الستلايت أن الجهاز صالح للعمل وبحالة جيدة، وجهاز التحكم عن بعد كان عاطلاً. طلبت منه شراء واحد آخر من المحل المقابل لمحلي، قال: ما عندي فلوس، ضحكت بشدة ، أعطيته ثمن جهاز التحكم عن بعد، خرج فرحاً مطمئناً مبتسماً، بيمناه جهاز التحكم عن بعد، بعد خروجه بلحظات رج المكان انفجار عنيف، سبقه سطوع ضوء لهب أزرق مبهر، غليان أحمر، موجة رعب، صراخ وعويل. خرجت من ورشتي بعد انتهاء الانفجار أركض مثل شارلي شابلن لكن دونما عصا في جو ملؤه الفوضى والصراخ والدم والقتلى والجرحى والأشلاء تملأ السوق. صار المكان بشعاً، ريح حمراء عصفت بالسوق والناس وكل شيء  جعلت أرض أور أرض دم.  أرى الدمار طال كل شيء. هشم موجودات السوق وجعل الناس أشلاء، وكل شيء منقلب رأساً على عقب، بقع الدم تملأ أسفلت الشارع والجدران وهامات النخيل اكتوت بدماء القتلى والجرحى، حفرة كبيرة ملئت بجثثهم ودمائهم وبضاعتهم وبضاعة المحال التجارية وزجاج واجهات المحلات محطم، البضائع اختلطت بدماء الأبرياء، صار شائعاً رؤية الأجساد الممزقة بعد كل انفجار، خرجت وسط الدمار مرعوباً منهك القوى والروح، هرعت من محلي هلعاً خائفاً، هنالك حشد من الناجين ملطخ بالدم والوحل يحتشدون فوق شيء ما، يضربونه بشدّة، ظننته لأول وهلة إرهابياً ثانياً يحاول تفجير نفسه، فعادة ما يعمد الإرهابيون إلى تفجير مزدوج، بعد أن ينتهي التفجير الأول، يتجمع الناس لإنقاذ الجرحى، يفجر إرهابي ثان نفسه، كل من في السوق يضرب شخصاً ما، يصرخون أمسكنا الإرهابي الذي فجر العبوة الناسفة، صدق حدسي، تدافعت بين المحتشدين شاقاً لنفسي طريقاً وسطهم، بصعوبة بالغة أبعدتهم ، أزحتهم، تدافعت معهم حتى وصلت إلى الإرهابي، رأيته، إنه: يحيى المنغولي ! قد فارق الحياة لكثرة ما تلقى من ضربات مميتة، جسده مدمى، يمسك بيده اليمنى جهاز التحكم عن بعد خاصته، مات هادئ البال مطمئناً، تلقى موته ببسالة ورباطة جأش، مبتسماً رغم أنف الموت وقد ارتسمت ابتسامة عذبة فوق شفتيه الشبيهتين بفم السمكة، عيناه المنغوليتان تطالعاني بحسرة فيها لوعة، فيها تعبير طفل مرعوب عوقب عقاباً قاسياً. جثوت عليه غير مصدق، راحت دموعي تتساقط عليه، تمطره. إذ أن الناجين يعتقدون انه من فجر العبوة الناسفة وسط السوق، رحت أصرخ في وجوههم المرعوبة مزيلاً اللبس الحاصل، أخبرتهم الحقيقة، مقتله أشعل قلبي بالحزن، شعرت بنفسي وحيداً واحتضنته، شعرت بقلبي حزيناً على مقتله في تلك اللحظات غربت شمسه، ألقت غبارها على قلبي، انطفأت شمسه، سرقت منه حياته، سرقوها، رحت أبكي بحرقة عليه، حلمه أصلاح جهاز التحكم والستلايت ليرى العالم، كان طائراً مكسور الجناح، كيف يستطيع الخروج من أور. مرّ موته صاخباً وبألم كبير، مرقت فوقنا سحابة بيضاء قريبة غطت عالمنا القاسي، نظرت صوبها وهي تحجب الشمس الحمراء المتوهجة المستديرة العمودية وسط سماء رصاصية داكنة، دوى صوت انفجار ثان.

3

أتذكر أشياء كثيرة أخرى عنها، مثلاً: شعرها الذي تصبغه بألوان غريبة. صبغته مرة بالأزرق الباستيلي الجذاب الشبيه بالأزرق الذي يرسم به التعبيريون الألمان معاطف نسائهم. مرة صبغته بالأخضر اللون الذي يفضله السياسيون المدافعون عن البيئة، آخر مرة صبغته باللون الأحمر. رائق وقان شبيه برايات الحركات الثورية، سبارتاكوس، بادرماينهوف، الألوية الحمراء. كنا ذلك الوقت نمشي في شارع فيه الكثير من غائط الكلاب وشجر الدلّب، كان الوقت شتاءً وهي تدخّن سجائر ثقيلة الرائحة، وتزيح خصلات شعرها المصبوغة بالأحمر براحة يدها، خشيت أن تكون صبغة مؤقتة. وعندما مشينا من دون مظلة راعني أن يسقط لونه ويسيل على وجهها مع ماء المطر.

كانت لها عينان زرقاوان وأنف أفطس. أنفٌ جميلٌ ومغرٍ أشبه بأنف الراهبة. ذكرت لي أنها لا تريد أن تشبه أحداً في هذا العالم، فهي تكره والدها السكير وتكره أمها التي هجرتها وهي طفلة. قالت إنها تمنت في طفولتها أن يكون أبوها طيراً وأمها سلحفاة، وربما استبدلتهما بحيوانات أخرى، فكانت لا تستقر على رأي أبداً، فهي غالباً ما تغير أسماء الحيوانات الذين تستبدل بهم والدها ووالدتها، فهم فيلة وقرود وجمال وخنازير من دون عقائد سياسية ولا كتب مقدّسة.

أتذكر أني رأيتها مرة أو مرتين مع نادل في البار الذي أذهب له كل مساء، تدخن الحشيشة. مرة سمعتها تتحدث بكلمات بذيئة على طاولة رجل مسنّ في نفس البار الرخيص في الحي الذي يعمل فيه النادل. ربما هو طلب منها هذا مقابل نقود، فقد ذكرت لي مرة أن الحصول على النقود من عمل أشياء بذيئة أسهل من الحصول على النقود من عمل أشياء صالحة. لا أتذكّر بأية لغة كانت تقول الكلمات البذيئة ولا أعرف حتى الآن إن كنت فهمتها بالألمانية بشكل صحيح.

مرة هبطت سكرانة من سيارة أجرة. سقطت على الرصيف كحبة قمح صلبة تهاوت تحت ضربات منجل. قالت لي أن صديقها الجديد طردها من منزله، نام معها ثم سرق محفظة نقودها من حقيبتها وحين احتجت ضربها ودفعها إلى الشارع. حملتها إلى شقتها وهي تتكأ على كتفي. على السلم تقيأت على ملابسي. في الداخل كل شيء في فوضى عارمة، ملابسها مبعثرة فوق السرير، أحذيتها متناثرة على الأرضية، بقايا عشاءها بائت على طاولة صغيرة. الصحون لم تغسل منذ يومين، والمنفضة مملوءة بأعقاب السكائر. خلعت لها ملابسها ورميتها في سلة الغسيل في الحمام، ووضعتها في سريرها عارية.

حلمت بها مرات عديدة وهي عارية في السرير. تشرب البيرة أو تدخن الحشيشة. مرة حلمت بها في حجرتي، كانت الشمس تخترق الستائر وتصل إلى السرير. وهي ممددة على بطنها وسروالها منزوع حتى كاحليها وتقرأ كتاب ماركس. لا أعرف بأية لغة كانت تقرأه، فقد ذكرت لي في إحدى المرات أنها ألمانية. لا أتذكر في أي سياق كنا نتحدث ولا حتى في أية لغة ولا أعرف لماذا حدثتني عن الألمانية وعن عذريتها التي فقدتها وهي في الرابعة عشر مع فتى روسي يكبرها بعشرة أعوام في العمارة التي كانت تقطنها. قالت كان طيباً معها، لكنهما حينما يدخنان الحشيشة أو الهيرويين يتشاجران فيضربها حتى يدمي وجهها. ذكرت لي إنها تشتاق لصديق آخر قتلته عصابة جيورجية في تبليسي قبل عامين.

 زارتني مرة في منزلي. كانت في مزاج رائع. شربت البيرة وهي متمددة في سريري. دخنت الحشيشة وهي عارية تماماً. الشمس تنعكس على وجهها وكتب ماركس موضوعة على الكومدينو أو على الطاولة أو حتى مرمية عند أقدامها في السرير. كتب كثيرة، بالألمانية أو بلغات أخرى. لم تعبأ بها لأنها كانت تتكلم كثيراً، بل لم تتوقف عن الكلام أبداً. خلعت بنطلونها الجينز وقميصها الأحمر اللاصق ورمت كالسونها على الكرسي وهي تتكلم، ربما بالألمانية وربما بلغة أخرى. فأنا إلى الآن أراها في احلامي وهي ترتدي بنطلونها الضيق المخزّق من عند الركبة وتحت المؤخرة، وقميصها الأحمر اللاصق الذي يكشف عن بطنها، والبيرسنغ الفضي في أنفها تدخن الحشيشة وتتحدث دون انقطاع. 

قالت لي مرة إنها قرأت كتاباً واحداً فقط في حياتها وأثر بها كثيراً، ربما هذا الكتاب هو لوليتا نابوكوف أو كتاب آخر. لا أتذكر إن هي أخبرتني عن لوليتا في أحلامي، أو أخبرتني عنها في الواقع. سواء أكان في الأحلام أو في الواقع، فهذا لا يغير شيئاً. فالأحداث العظيمة تولد من الدم والمني والقوة، وهي تتحجر أحياناً في التاريخ وتصبح كتباً مقدسة. إذن لا معنى لأحلامي طالما كنت ألتقي بها كل يوم تقريباً أحياناً أمام البار وأنا أحمل كتاب ماركس بيدي. أحياناً في باب العمارة وأنا أهم بالذهاب إلى معهد اللغة الألمانية. أحياناً في شقتي حين يداهمها الضجر فتلجأ لي، أحياناً في شقتها حين تعود ثملة وقد استنفدت كل نقودها على الحشيشة.

ولكن لا أعرف إن قرأت لوليتا بالألمانية أم بالروسية، فقد قالت لي مرة أن صديقها الذي فقدت عذريتها معه روسي من بطرسبورغ، وكان يجبرها على فعل أشياء بذيئة. وأن الرجال جميعهم يجبرونها على عمل أشياء بذيئة وهي لا تهتم بذلك، لأنهم يشعرون بالضجر فيبحثون عن شيء آخر في الطبيعة الساكنة والمتجمدة بقرف. لا تبالي إن كان أمامي أو في ماخور تخلع جميع ملابسها تحت ضوئه الأحمر، وتتلوى على عمود في الوسط تحت عيون الرجال الغامضين، والهمهمات المقتضبة التي تختلط بموسيقى الأماكن المغلقة.

إنها مجرد فتاة طيبة لا أكثر، ترى في الظل الجثث التي لا يريد رجال البوليس رؤيتها. لا تهتم بماركس ولا بلوليتا ولا بنابكوف. تهتم فقط بساقيها الجذابتين وبكلماتها البذيئة التي تكسب منها الكثير من المال. تهتم بمعطفها الأسود الذي اشتراه لها رئيس العصابة اليمينية الذي يحلق شعره ويقود الدراجة النارية ويقلق جميع المهاجرين. لا يبدو الأمر غريباً على أحد، فهي فتاة طيبة، زارتني كثيراً في شقتي، تتمدد عارية على سريري. تعبث بكتب ماركس بقدمها لتسقطها من حافة السرير. تستلقي على ظهرها وهي تدخن سجائر رائحتها ثقيلة. لها صدر صلب صغير. بطنها ضامرة. وثمة شق بين ساقيها نصفه عانة حمراء ونصفه قهوة. تشرب البيرة أحياناً، تدخن الحشيشة، تذهب إلى الحمام عارية وحين تعود تمسح قطرات الماء عن عانتها وترمي الكلينكس في السلة.

في المرة الأخيرة قبل اختفائها بيومين طلبت مني أن أكتب على ظهرها بسكين صغيرة تحملها معها، ليكون آخر تاتو لها كلمات بذيئة بالعربية، لا أعرف إن كنت كتبتها بالعربية أو بالألمانية، أو كنت كتبت كلمات بذيئة أو كلمات ثورية، لكن بعد أن نشف الدم والحبر، أخذنا نسمع موسيقى ثقيلة، موسيقى بلا لغة، وبعد أن تعبنا من الجنس والرقص جلست على حافة سريري متعرّقة وأخذت تدخن مثل أية فتاة ضائعة.   

 

2

–     يا باتي يا باتي نصراني دايخ يالا البير، نصراني دايخ يالا البير.

–      معاه بندقة؟

–      لا يا باتي، معاه زمّارة سمعت زعيقها  قبل ما نوصل البير.

–      إن شاء الله خير يا خويرة، جيبي الحصان وخلّي خوتك يلحقوني.

 كان الشّابّ في حالة حرجة، أنفاسه متقطّعة، وتكسو أطرافه جروح وتقرّحات، أسعفه الحاجّ مفتاح بابتسامة ونظرة حنان، وبلّل فمه بقطرات ماء، وظلّ يهدّئ من روعه بكلمات مليئة بمعانٍ مألوفة مثل: سلامات عليك وإن شاء الله لا بأس وكن بخير ومرحبا، شرحت قلب الألمانيّ، وبثّت فيه الطّمأنينة.

عرف الحاج مفتاح من إشارات الفتى أنّه تابع للجيش الألمانيّ، وأنّه ليس بمقاتل، وإنّما هو عضو في الفرقة الموسيقيّة المصاحبة للجيش، تلك الّتي تعزف موسيقاها عند تشييع القتلى أو حين يتقدّم الجنود.

وصل أبناء الحاج مفتاح مع بعض أبناء عمومته وجيرانه إلى البئر، ممتشقين المتاح من أسلحتهم: بنادق صيد، هراوات سيوف، وغيرها.

حملوا الجنديّ إلى النّجع 1، وهناك اهتمّت به الحاجّة مقبولة جدّة الأولاد، فدفّأته بعباءة صوف وطهّرت جروحه، أمّا أصابعه المتقرّحة فدهنتها بزيت الزّيتون، ثمّ وضعت قدميه المتورّمتين في ماء دافئ. قدّمت له بعد ذلك طعامًا طازجًا: حساء زعتر، وخبز تنّور، وطبقًا من البيض المقليّ، وقطعة من جبن الماعز.

انتهى الألمانيّ سريعًا من طعامه، فقد كان جائعًا جدًّا، كلّ لقمة يضعها في فمه تستدرج أختها في الطّبق، حتّى جاء على ما فيه، ولعلّه ردّد بينه وبين نفسه أنّه لم يتذوّق قطّ طيلة عمره ما هو أطيب ممّا أكل. إنّه طعام مبارك بثّ في داخله الرّاحة. ولقد ازدادت بهجته بما وجده من لدن العائلة من عطف، ومن نظرات دافئة استشعر عبرها أنّه سعيد جدًّا كما لو أنّه بين أهله، فاتّسعت ابتسامته، وتدفّق في طلعته الدّم، فاحمرّت وجنتاه كثمرة طماطم، ودمعت عيناه عرفانًا وشكرًا.

لم يكن بينهم من يتكلّم الألمانيّة أو الإنجليزيّة متى استثنينا بضع كلمات عامّة وبسيطة تعلّموها فترة الحرب، بفضل اختلاطهم القصير والخاطف بالمتحاربين العابرين الّذين يعيشون حالة كرّ وفرّ، ممّن كانوا يقايضونهم بعض السّلع والمستلزمات اليوميّة عند الضّرورة، أو ما تسنّى لهم أن يلتقطوه من ألسنة السّيّاح قبل نشوب الحرب، حين كانت حركة السّياحة في المنطقة نشطة. كان معظم السّيّاح يأتون إلى طبرق وضواحيها طلبًا للدّفء والاستمتاع بالشّمس والبحر أو بغاية صيد الجوارج والغزلان، أو لطرق بوّابة الصّحراء بهدف التّمتع بجلال الصّمت والنّقاء وللاستشفاء بالحمّامات الرّمليّة.

استكملوا تفاهمهم مع الألمانيّ بالإشارات، وقال له الحاج جويدة ابن عمّ الحاج  مفتاح رافعًا سبّابته وهو لا يدري ما إذا كان يفهمه أم لا:

– شهادة من ديني أنّي رافقت الجرمان في البرّ والصّحراء أكثر من مرّة، ونشهد بالله أنّهم ناس خيرة.

ولشرح كلامه للألمانيّ جاور بين سبّابتيه وحكّ إحداهما بالأخرى ليبلغه مراده مستعينًا بكلمات مثل “ليبيا جرمني قود فريند قود براضر”. فهزّ الجنديّ الألمانيّ رأسه مبتسمًا دلالةً على أنّه فهم ما يرمي إليه الحاج جويدة من معنى الصّداقة والأخوّة بين الألمان واللّيبيّين. 

فهم الألمانيّ، عبر المفردات القليلة وما تبادله مع الجماعة من إشارات، أنّهم سينقلونه إلى مكان آخر أكثر أمنًا، فنجعهم هذا قريب من الطّريق السّاحليّة ودوريّات الجيش الإنجليزيّ وحلفائهم قد تمرّ في أيّ وقت للتّفتيش. قال له الحاج مفتاح وهو يُجاور بين رسغيه كأنّهما مقيّدان:

– بعدها جندي ألماني فيه كلبوش 2.

فهم الجنديّ كلمة كلبوش، وتدعّم فهمه أكثر بالرّسم الّذي خطّه الحاجّ مفتاح بسبّابته على التّراب، ليدرك أنّ المكان الّذي سيأخذونه إليه قد يكون مغارةً أو كهفًا.

قال الحاجّ لابنه:

 ركض ابنه إلى زريبة المواشي وجرّ الموسى على شاة سمينة، تعاون مع إخوته على سلخها بينما أوقدت نساء العائلة النّار في حطب يصنع فرقعات كأنّها ألعاب ناريّة، فتعالى دخان رائحته عطرة، وجيء سريعًا بسفرة مشويّات إلى الألمانيّ، شهيّة مزدانة بشرائح اللّيمون والطّماطم وقرون الفلفل الأخضر، مع قدَح لبن رائب تعلوه رغوة فقاقيع ظريفة كالّتي تعلو كوب البيرّة.

أشعره الطّعام اللّذيذ بأنّه ليس شريدًا في حرب داخل أراضٍ غريبة عنه، وإنّما في زردة ربيعيّة على ضفاف نهر الرّاين في بون، حيث ولد وعاش وتفنّن في الموسيقى بمعهد بتهوفن، وعندما اندلعت الحرب تمّ تجنيده لها كأغلب أقرانه، فشارك في معارك عديدة لم يكن فيها مقاتلًا، بل عازف بوق وظيفته التّحميس، أو الإيعاز في الجند، وفقًا لأوامر قائده، بالجمع والتّفرّق وبالهجوم والانسحاب.

وعندما احتاج الجيش إلى عازفين للسّفر إلى شمال أفريقيا، حيث ستنتقل الحرب رفع بوقه موافقًا، إذ رغبت نفسه في طرق آفاق جديدة دافئة طالما قرأ عنها في آثار من الأدبين، الألمانيّ والأوروبّيّ، تتحدّث عن الشّرق، بعضها لجوته وتولستوي وفولتير وكفافيس، وآثار أخرى عديدة بعضها يونانيّ وبعضها إيطاليّ. فهم منها، في ما فهم، أنّ الرّياح هناك تعزف الموسيقى في كلّ فصول السّنة، وموج البحر يغنّي، والأشجار ترقص، أمّا العصافير فتجاهل ما جاء بشأنها على ألسنة الشّعراء، لأنّه يعتبر مجرّد النّظر إليها قصيدة.

تمّ ضمّه إلى جيوش رومل ونزل أوّلًا في جزيرة جربة بتونس، ومنها تقدّم معهم شرقًا منتصرًا حتّى العلمين، ولكن بعد جهد خرافيّ لثلاث سنوات من الحرب تقريبًا، لم يتحقّق لهم النّصر الحاسم بالوصول إلى قناة السويس، وهُزِموا في النّهاية من قبل المارشال الإنجليزيّ مونتجمري في العلمين نتيجة نقص في الإمدادات من الوقود بالإضافة إلى أنّ قائدهم إرفين استدعى رومل بسبب مرضه أو لاستغلاله في جبهة أخرى أهمّ. وعانى جنود الجيش الألمانيّ كثيرًا من تداعيات الهزيمة، فمات بعضهم وأُسر البعض الآخر، أمّا من انسحب سريعًا إلى أقصى الغرب صوب تونس فكان مصيره الأسر. لكنّ الجنديّ عازف البوق لم يستسلم وتقهقر ببطء حتّى وصل قرب طبرق، وهناك كان في حالة إعياء شديد فقادته غريزة البقاء إلى البئر، قال في نفسه: الماء مثل الموسيقى أمان، وأن أبقى في أرض أعرفها مكثت فيها أكثر من سنتين أفضل من مواصلة الانسحاب والفرار نحو المجهول، هنا النّاس طيّبون وكرماء رغم ظروف الحرب الّتي شرّدتهم وأحرقت زرعهم وضرعهم وشجرهم.

أثناء تقهقره غربًا هربًا من الموت أو الأسر لم يكن معه شيء سوى بوقه وزمزميّته الفارغة، ولم تكن معه بوصلة لتحديد الاتّجاهات، فكلّ مستلزماته الحربيّة -باستثناء ملابسه الّتي نزع عنها كلّ الشّعارات- تخلّص منها في الطّريق حتّى لا تدلّ على هويّته إن رصده منظار الأعداء أو صادف أحد الوشاة في الطّريق، وحتّى يتخفّف من ثقلها وهو يكابد نقصًا في الماء وشحّا في الزّاد.

في تقهقره كان يقتفي أثر الإبل، يقول: الإبل هي الماء هي الحياة. وكان بعد مسيرة يوم أو نصف يوم يعثر بالفعل على بئر أو معطن يشرب منه ويغتسل ويملأ زمزميّته، وإن استلطف ناقة عزف لها لحنًا غليظا كرغاء جمل يشتهيها حتّى تستأنس له، ومن ثمّ ينحني تحتها ويحلب منها في زمزميّته أو يرضع من الضّرع رأسًا، ولا ينسى في كلّ مرّة أن يسكب على يديه المتقرّحتين قطرات من  لبن الإبل، أو حتّى بولها إن صادفه جمل يتبوّل، فهو يعرف من كتب الطّبّ القديم أنّ اللّبن والبول يطهّران الجروح والقروح. وعندما تنطلق الإبل من جديد في رحلتها يتبعها، لم يكن يثق في الطّيور الّتي ستقوده حتمًا نحو البساتين والبحر، حيث دوريّات الحلفاء ومن تحالف معهم من السّكّان المحلّيّين بحجّة التّخلّص من الطّليان الّذين يحتلّون ليبيا آنذاك. أمّا المتحالفون معنا نحن الألمان فهم للأسف دون فائدة، فقد كانوا عبئا كبيرًا أعاقنا في أكثر من معركة.

 لكنّ الإبل لن تقوده سوى إلى الماء البعيد عن العمران والزّحام. كان وقتًا طيّبًا يقضيه صحبة الإبل كأنّه راعٍ لها، وكان لها بمنزلة الحادي يغنّي ويعزف جاعلًا من وقع أخفافها على الأرض إيقاعًا يواكبه، يقول: أنا أغنّي وأعزف والإبل تنقر لي بأخفافها على طبل الأرض، إن كانت الأرض رمليّة فللإيقاع نكهة الرّمل ومتى كانت ترابيّة فله نكهة التّراب، وإذا كانت صخريّة فله نكهة الصّخر، وإن كانت سبخيّة فله نكهة الملح، أمّا إذا كانت بركانيّة فله نكهة النّار. يقول أيضا: لم أكن أنا من يقرّر اللّحن أو الأغنية الّتي أغنّيها وإنّما تفعل ذلك الإبلُ، تفرض إيقاعها فأواكبها بالعمل الفنّيّ الملائم، وغالبا ما يكون العمل لأحد معشوقيه، بتهوفن أو موزارت. شجيّ هو طبل الأرض، ساحرة هي أخفاف الجمال.

صارت الإبل هي ضابط الإيقاع ومايسترو الفرقة دون أن تقصد ذلك، فقد استأنست بشكل مّا عزفَ بوقه، فما عادت تجفل عندما يقترب منها حدّ الالتصاق بها والتمسّح والتّربيت على رقابها وشحوم سنامها الصّلبة، بل نجح في أن يجعل قعودًا صغيرًا يبرك ثمّ يقف بهمهمة من صوته ونفخات زاعقة من بوقه. أعجبته جدًّا السّمات الموشومة على أفخاذ الإبل وصدورها ورقابها، تلك الّتي يصنعها أصحابها بواسطة النّار كصكّ ملكيّة مقدّس، فلكلّ إبلِ قبيلةٍ سمة تخصّها معروفة لدى كلّ القبائل في الواحات والصّحراء وفي أطراف المدن. الطّريف أنّه يتبع قطيع إبل كبير به سمات مختلفة لعلّ الحرب جمّعتها من مراعيها المتفرّقة ليستأنس بعضها ببعض وتبتعد عن الموت معًا، سمات متنوّعة صنعتها نار الهويّة لا نار الدّمار: خطّان… دائرة… مثلّث… خطّ واحد… خطّان متقاطعان… خطّ في نهايته دائرة، إلخ… وعندما تأمن الإبل بابتعادها من لهيب الموت وترتوي جميعها من المعطن المشاع، تبدأ في المغادرة، كلّ قطيع  تشابهت علاماته يرحل في اتّجاه مضارب قبيلته، أمّا هو فلا يعرف مع أيّ قطيع يذهب، وإلى أيّ قطيع ينضمّ، ولحكمة مّا في نفسه يختار أقلّ القطعان عددًا فيتبعه.

لم تكن صحّته تسعفه لمواكبة قطعان الإبل ومتابعتها وهي الّتي لا تكلّ ولا تملّ من المشي. ومع بعض العواصف الرّمليّة الّتي فاجأته في الطّريق ضيّع أثرها تمامًا، ووجد نفسه على أرض طينيّة باهتة تنبثق منها بعض الصّخور الملساء المحاطة بنبْتات رماديّة متشبّعة بالماء وتنتشر حولها برك سبخيّة مكتظّة بنبات الدّيس القاسي. تأمّل الطّين لاقتفاء أخفاف الإبل، لكنّه لم يجدها ووجد آثار حيوانات أخرى مع آثار عجلات لشاحنات ومدرّعات وجنازير دبّابات، فصار لا يتحرّك في المكان إلّا ليلًا. كان يخبط في حركته خبط عشواء، لا منهج للمسير ولا وجهة معيّنة، وأخيرًا نفد منه الماء تمامًا واستبدّ به الجوع، فقرّر في النّهاية أن يقترب قليلًا من العمران لعلّ رحمة يسوع والعذراء ومعجزاتهما تحفّ به. كان يسمع أصوات شياه وماعز ونهيق حمير وعواء ذئب أبحّه الجوع. تتبّع أثر الصّوت بأذنه الموسيقيّة المرهفة وهو في قمّة الإعياء، وعندما اقترب من خيال يشبه فوّهة البئر استجمع قواه، وبآخر ما يملك من أنفاس نفخ في بوقه ثمّ خرّ مغشيّا عليه.

عندما فتح عينيه بعد غفوة ساعتَين أو ثلاث بسبب التّعب الشّديد والإرهاق والطّعام الشّهيّ الّذي تناوله، ووجد الحاج مفتاح وبعض أبنائه يحيطون به مبتسمين، تلمّس جانبه بسرعة كمَن افتقد شيئًا عزيزًا، فابتسم الحاج مفتاح وقال وهو يمسّ صدره بكفّه مرّاتٍ أمارةً على الاطمئنان:

– إنّه هناك في الحفظ والصّونّ، اطمئنّ ، هاتِ زمّارته يا بنت.

 جاءت خويرة بالبوق:

– جلّيتها بقشور اللّيمون وها هي تبرق كما الذّهب.

ابتسم الألمانيّ عندما رأى بوقه نظيفًا لامعًا تنعكس عليه أشعّة الشّمس المتسرّبة من فتحةٍ بِرواق الخيمة، وشكر الجميع بعينيه وكلمتَي Vielen Dank، أي شكرًا جزيلًا، استلمه منهم، ضمّه إلى صدره، وصار يترقّب ما سيناله من هؤلاء النّاس الّذين احتفوا به وكأنّه ضيف عزيز، وهو مطمئنّ الآن فقد اعتنوا به اعتناء الإنسان بالإنسان وأسعفوه إسعاف الطبيب، ونظّفوا بوقه من سخام الدّخان والأتربة ومن الرّمال الّتي دخلت فتحاته أثناء المعركة، أو ساعة انسحابه الاضطراريّ منها.

بعد دقيقة من عناقه للبوق، جعله بين يديه ونشر أصابعه المدهونة بزيت الزّيتون على أزراره، ثمّ رفع بصره نحو العائلة كأنّه يطلب إذنًا منهم كي يلعب ببوقه قليلًا، أشار إليه الحاج مفتاح برأسه موافقًا أن يُسمعهم لحنًا، وشجّعه بهزّات من رأسه تحثّه أن يبدأ، قال له: ليتك تفهم كلامنا يا رجل لتعرف أنّنا عشّاق موسيقى، وأنّنا لا نخرج للرّعي أو الحرث أو الحصاد إلّا ومزاميرنا وطبولنا تتقدّم الرّكب ونحيي دومًا حفلات الكشك 3، وحفلات الأعراس الّتي تتمّ بين أبناء العشيرة أو عشائر بدويّة أخرى قريبة منّا، انفخ يا رجل، فالحياة عبارة عن نفخة من فم الرّبّ.

لمح بريق فرح في عيون الحاج وأبنائه وبنته الوحيدة، وكذلك في عيني الحاجّة مقبولة الّتي مرّضته وفي عيني زوجته السّيّدة مرعيّة الّتي رفعت رأسها من وراء الرّواق لتسمع وترى. فعرف أنّ كلام الحاج مفتاح مدح للموسيقى وإذْن له بالعزف، فبدأ ينفخ الحياة في بوقه محرّكًا أصابعه لتنبثق في المكان فراشات موسيقيّة تزوره من ريف طفولته في بون، موسيقى هادئة تنشط تدريجيّا فتحفّز السّامع على التّفاعل معها بتمييل أطرافه ورأسه وجذعه وأردافه في حركات راقصة. وعندما انتهى من العزف صفّق له الجميع. وقالت خويرة:

– الّذي سمعته الآن ليس كالزّعيق الّذي سمعته قبل أن أجده فاقدًا للوعي.

قال أبوها:

– ذاك الزّعيق كان موسيقى ألم وطلب نجدة، لكنّ المقطوعة الّتي عزفها الآن موسيقى امتنان للرّبّ الذي أنجاه ووضعه وبوقَه بين أيدٍ أمينة.

10

    آخر اتّصال هاتفيّ تلقّيته من محرّرتي الأدبيّة بياتريس، كان قبل سبعة أشهر. حاولتْ أن تكون ودودة معي. صارحتني أنّهم في دار النّشر فقدوا صبرهم عليّ في ما يخصّ عقد كتابتي لرواية جديدة، بعد أن أمهلوني سنتين كاملتين، وأنّ عليّ أن أصارحهم إذا أردت تغيير النّاشر. وفي هذه الحالة سيكون عليّ دفع مبلغ ماليّ لفسخ العقد، كما لا يحقّ لِي النّشرُ في دارٍ أخرى باسمِي الـمُستعار الذي اختاروه لي من الأوّل، “برناردو سواريس”، أوه، يا إلهي، مجرّد هذه الفكرة ترعبني. تفهّمتني بياتريس حين أخبرتها بأنّي أعاني من أزمة عجزٍ عن الكتابة، وهي على الأرجح أزمة عابرة، وأنّ الأمر لا يتعلّق أبدا بتغييري لدار النّشر. ولكنّها طلبت منّي أن أتفهّمها أيضا لأنّ إدارة الدّار تضغط عليها. وقبل أن أغلق الخطّ، اتّفقنا على ألاّ أتجاوز المهلة المتّفق عليها لكتابة رواية جديدة. وحتّى أصحاب الـمكتبات أيضا بدأوا يسألونني عن تاريخ صدور روايتي الجديدة لأنّ القّرّاء يسألون، ولم أستطع إجابتهم سوى بأنّي مازلت أشتغل عليها. والحقيقة أنّي بعد كتابة ثلاث روايات تُرجمت إلى خمس عشرة لغةً، وبعد أن نلت جوائز عديدة، أُصبت فجأة بعجز فادح عن الكتابة. وهو ما دفعني إلى ترك فرنسا منذُ سنة ونصفٍ تقريبا، هربًا من مُلاحقة دار النّشر لي، وأيضًا بحثا عن أجواءٍ أخرى قد تكون ملائمةً أكثر للكتابة. هؤلاء الفرنسيّون أوغاد، بقدر ما هم مـحترفون بقدر ما هم أنانيّون وجاحدون. فبالرّغم من كلّ هذه النّجاحات التي حقّقتها، فإنّهم كلّ مرّةً يرمون إليَّ بجائزةٍ صغيرةٍ مثل عظمةٍ لكلب. فضلا عن أنّي طوال إقامتي هناك، بدا وكأنّي أتسوّل الجنسيّة، وهي من أبسط الأشياء التي قد تُمنح إلى كاتبٍ في مقامي: أن يُصبح مواطِنا فرنسيّا.    

    أخبرتني نائلة وهي تلبس “السوتيان” على طرف الفراش، بأنّ عليّ الخروج من البيت وقضاء وقت في الخارج فربّما ساعدني ذلك. وكنت معظم الأحيان أبقى ساعاتٍ طويلة في البيت أتردّد على المكتب من أجل جملة واحدة أكتبها، دون جدوى. اقترحت عليّ أخذ إجازة قصيرة من عملي وترك تونس العاصمة لبضعة أيّام. وفي الواقع لا أعرف هل أنّ عملي يستحقّ فعلا تسمية “عمل”. فقد كنت أشتغل مدير تحرير مجلّة نسائيّة لا أعرف مقرّها ولا تصفّحت يوما أحد أعدادها. كنت أتلقّى النّصوص بالإيميلات من سكرتيرتي، (لا أعرفها أيضا)، ثمّ أرسل إليها تقريرا عنها. هكذا أشتغل. اقتراح نائلة الأخير كان الذّهاب في جولة إلى قرية “بني مطير” الهادئة والبعيدة عن ضجّة العاصمة. ولكنّي رفضت بإشارة من رأسي وذكّرتها بأنّ عليها اللّحاق بموعد الطّائرة التي تشتغل عليها كمضيّفة.

    انتهت من ارتداء حذائها الجلديّ الطّويل. لامستْ خصلةً بيضاء في شعري وقبّلتني، ثمّ تمنّت لي حظّا موفّقا وغادرت.

      صرتُ أشرب كلّ ليلة. تقريبا أدمنتُ الكحول. وكلّ يوم أجلس على مكتبي وراء حاسوبي ولا شيء جديد. حاولت الاستعانة بمقاطع لموسيقيّين أحبّهم ولكن دون جدوى: جون ميشال جار، ليو فيري، وجاك بريل، ولا جملة استطعت كتابتها. حاولت تغيير عادتي في الكتابة مباشرةً على الحاسوب إلى الكتابة بالقلم. ولكنّ قمّة الصّفحة الأولى للورقة البيضاء امتلأت بالنّقط السّوداء للحبر. حاولت الاستعانة بقراءة رواياتي المفضّلة، مثل “لاعب الشطرنج” لستيفان زفايج و”الموت في فينيسيا” لتوماس مان وغيرها ولكنّ ذلك لم يساعدني. أيضا قرأتُ العديد من المقالات التي تشرح ما يسمّى بمرض “أعراض الورقة البيضاء” وحاولتُ تطبيق بعض الحلول المقترحة مثل قراءة دليل الهاتف، ولكن دون جدوى. أعرف أنّ “باتريك موديانو” يفعلُ هذا دائما، ودون المرور بأيّ حالة عجز. فقبل أن ينطلق بكتابة رواية، يختار أسماء شخصيّاته من دليل هاتف قديم مات أصحابه. رأيته يتحدّث في التّلفاز كيف يجلسُ وراء مكتبه ويستعملُ عدسته المكبّرة لقراءة الدّليل. ولكنّي لا أحبّ “موديانو” ورواياته ولا دليل هاتِفِه وعدسته المكبّرة. لم أستطع معرفة سبب هذا العجز الفظيع. فكّرت في زيارة طبيب نفسانيّ، ولكنّي سرعان ما عدلت عن ذلك لأنّي لم أرد أن يعلم أحد بأنّ برناردو سواريس أصبح فجأة ودون سبب، عاجزا عن الكتابة.

    كانت علاقاتي العائليّة سطحيّة جدّا، بالأخصّ بعد موت والديَّ. وبالنّسبة إلى أختيَّ، فقد انشغلت كلّ واحدة منهما بحياتها. لم نكن نلتقي سوى مصادفة أو في مناسبات نادرة لنتبادل نفس العبارات المبتذلة. ولا أعرف إن كان بيننا أيّ شيءٍ مشترك نستطيع الحديث بخصوصه. وبينما كنت أحاولُ الخروج من هذه المعاناة اليوميّة في العجز عن الكتابة، رنّ هاتفي على رقمٍ لا أعرفه. أجبت:

    كدت أقطع الاتّصال لولا تفكيري لوهلة بأنّ المتّصل ربّما يكون قارئا، وقطع الاتّصال سيسيء إلى سمعتي، وسيُقال بأنّ برناردو سواريس كاتب لا يحترم قرّاءه. لذلك تريّثت وقلت:

ضحك المتّصل وقال:

    تساءلت ما الذي يريده منّي؟ وبالأخصّ أنّ الوقت غير ملائم أبدا لثرثرة معه في مقهى. قلت:

    لم أستطع الرّفض. بالأخصّ وقد علمت الآن أنّه لا يودّ لقائي لمجرّد اللّقاء، ولكنّ الأمر يتعلّق بتقديم مساعدة له. وخمّنت بأنّه ربّما بحاجة إلى بعض المال أو إلى تدخّل من أجل عمل، وهذه أشياء لا أستطيع صدّه بسببها أبدا، لذلك وافقت على لقائه في الغد.

    كان موعدي معه أمام فندق “أفريكا”. وجدته يقف في انتظاري أمام الفندق مرتديا زيّا رسميّا قديما وحاملا حقيبة جلديّة سوداء. بدا لي أنّ ملامحه تغيّرت بعض الشّيء، فلم أره منذ مدّة طويلة. ابتسم إليّ مظهرا سنّيه الأماميّين الكبيرين والمصفرّين من آثار تدخين “الكريستال”. صافحني بقبضة شديدة ثمّ سحبني نحوه واحتضنني ضاربا بكفّه ضربتين قويّتين على ظهري جعلتاني أسعل. وبعد السّؤال الاعتيادي عن أحوال بعضنا البعض، دخلنا إلى الفندق. أخبرني أنّه يرغب بشرب البيرة. كان الوقت مبكّرا قليلا على الشُّرب، فقد كانت السّاعة قرابة منتصف النّهار. ومع ذلك لم أرد كسر خاطره. جلسنا إلى البار. طلبنا من النّادل زجاجتي “سلتيا”. أنهى زجاجته بجرعة واحدة مباشرة دون حتّى أن يسكبها في الكأس. طلب واحدة ثانية. قلت:

أنهى زجاجته الثّانية وطلب ثالثة وأنا أتابعه مبتسما. تجشّأ بصوت عال وقال:

   – الآن أشعر أنّي متماسك يا ولد عمّي.

ضحكت وكي أستدرجه للحديث قلت:

أجاب:

تعالت ضحكاتنا معا. أشعلت سيجارة ثمّ قلت:

    انتظرتُ أن يدخل مباشرة في الموضوع، ويخبرني كيف أستطيع مساعدته. ولكنّه بدأ يتحدّث عن الأدب. وانقضت ساعة كاملة وهو يحدّثني عن كتبٍ قرأها ومعظمها لأدباء من أمريكا اللاّتينيّة. ماركيز وبينيديتي ويوسا وكورتاثار وبولانيو. كان يطلب لنا البيرة ويتابع الحديث. فاجأتني ثقافته. لاحظت أنّ لديه حاجةً مكبوتة للحديث في الأدب. تفهّمتُ ذلك، فقلّما يوجد شخص في القرية يستطيع فهم هذه المسائل المعقّدة. ولكنّي بقيتُ في الأثناء أتساءل عن الأمر الذي جاء من أجله، وهل سيبقى طوال اللّقاء يتحدّث عن الأدب؟ ذهبنا واحدا واحدا للتبوّل مرّات عديدة وعدنا، وطلبنا المزيد من البيرة، وجلس أشخاص إلى البار وغادروا، وغيّر لنا النّادل “الكمية” ثلاث مرّات، ومكّي مازال يتحدّث في نفس الموضوع حتّى نسيت أنّه جاء من أجل شيء مّا. بدأ يناقشني في رواياتي وبدا واضحا أنّه قرأها كلّها. وبعد انقضاء ساعتين ونصف تقريبا، أخبرني أنّ عليه أن يذهب. قلت:

    أخذ حقيبته من تحت كرسيّ البار الطّويل. فتحها. سحب منها مطبوعة مشدودة “بالسّبيرال” وقدّمها إليّ. فوجئت عندما قرأت ما كتب على الصّفحة الأولى: مكّي حميّد.

 

18