اكتب القصص

لم يكن صعبًا على عُمر أن يجد غرفة في هذه المدينة الموغلة في الغموض والوحشية.. والتي تأكل البشر كل يوم.

غرفة صغيرة، تقع فوق عمارة من خمسة طوابق. جاء إليها يحمل حقيبته قادمًا من تلك القرية المنسية في الشمال. كانت صغيرة، مطلية بالأزرق، يدخلها ضوءُ لوحة الاعلانات الأصفر. وكانت أيضا مليئة بالجرائد والكتب. “كان يسكنها صحفيّ”، قال السمسار. لكنه باع الجرائد والكتب ل “مول الزريعة” مقابل عشرين درهما وحفنة من الكاوكاو. الكتب والجرائد غير مهمة. المال مهم. والكاوكاو أيضا.

ولأنه لم يكن يدخن أو يشرب – وهذا أمر نادر- فقد كان راتبه من المقهى، الذي وجد فيه عملا بسهولة أيضا، ربما بفضل دعوات تلك العجوز التي هي أمه، يكفيه.

وكان شتاءً غير عاديّ. هذه عبارة أدبية تافهة. كان شتاءً عاديا، عاديا تماما: انخفاض في درجات الحرارة مع احتمال نزول بعض الزخات المطرية التي قد تستمر إلى منتصف الليل، وقد تمطر الآن، وهو يسير قادما من المقهى، بعد أن أنزلوا الريدو وأغلقوا الأقفال، فتفرقوا، الباطرون بسيارته، وعامل الكونطوار على دراجته، وهو على قدميه، يسير ويسير.. في شوارع المدينة المظلمة، يراقب المحلات تقفل أبوابها والقطط والكلاب المتسكعة.

اللعنة على هذه المدينة القذرة! لا ترحم أحدا. هناك تجار النفوس، العاهرات، الشواذ، البوعارة، رجال المخزن الفاسدون، أغنياء وفقراء، النازحون من الجوع.. جوعنا وجوعهم…كل شيء موجود هنا، ستجده بكل سهولة وأنت تتعمق في الدروب المعتمة، التي لا  يدري أحد ما بداخلها. وحده الله يعلم ذلك.

المدينة قبور عالية..المدينة غول عفن..

الأغاني تأتيه من البارات، صاخبة، مختلفة: راي، غربي، شعبي…ممزقة محصوبة بالشتائم والصراخ. يخرج من فمه بخار يشبه دخان السجائر، لكنه لا يدخن ولا يشرب، لذلك اشترى مذياعا يستمع فيه الى الأغاني والبرامج الليلة التي تطرح مشاكل الناس. يرفع من صوت المذياع، وحين يتأثر بقصة ما يطلق: لاحول ولا قوة إلا بالله..

فتح سرواله وأخد يطلق الماء على البقعة المظلمة من حائط السينما المهجورة. لم يكن يسمع سوى الشرشرة ورذاذ الأغاني القادمة من البارات، لكن هذه الأصوات، مع الهدوء، اختلطت بأصوات أخرى: أصوات بكاء وترجٍ وشتائم. زرر بنطاله فابتلّت يداه وهو يفعل، وسار ناحية الأصوات، التي كانت ظلالا تتحرك، ومع اقتراب أكثر، بحذر، اتضحت الظلال: رجل وامرأة يتحركان…وباتّضاح الظلال اتضحت الأصوات أيضا، فسمع:

-تهربين مني أيتها القحبة..سأقتلك..

ينظر عمر وقد انتبه إلى رجل يدخن، صاح به الرجل:

-هيه إلامَ تنظر؟ اذهب إلى حال سبيلك..

لكنّ عمر ظل ينظر، وظل الرجل يضرب المرأة التي تعرى فخداها. كانت تصرخ، وبدا وجهها ملطخا بالدم. وظل الرجل الذي يدخن يجذب صديقه محذرا: دعها يا مراد.. ستدركنا الشرطة.. التفت عمر باحثا عن الشرطة، لكنه لم يجدها، لا صوات ولا غوات. .بل وجد مراد، يدفع صاحبه الذي يدخن، ويكيل لها الضربات:

-أيتها الكلبة..أيتها العاهرة..سأحرق…

-لن أعيدها ثانية…لن أفعل. كانت تعوي ككلبة.

-ألم أقل لك انصرف أيها النم؟!

فبرز النصل، وشعر عمر بالرعب. التفت إليه مراد:

-فاش كتشوف!!اذهب وإلا خلينا دار بوك…

-أرجوك يا أخي اعتقني..سيقتلونني..أنا بئيسة..اعتقني…توسلت.

أخد مراد يسكتها بضرباته القوية الصادرة عن جسده الضخم، وظل النصل مرفوعا والدخان يخرج من الفم.. أراد عمر أن يقول:

-حشومة..إنها فتاة مسكينة..ارحموها…لكنه تراجع لأنه تخيل بركة من الدم، وجثة متعفنة على الرصيف عثر عليها زبال في الفجر.. فتراجع، وانعطف عبر الزقاق اﻵخر، لكنه ظل يسمع صوتها تستنجد: “عفاك اعتقني..أنا مسكينة..سيقتلو…”. لكنه تجاهلها لأن الجو كان باردا، والجوع يخز مصارينه. وتخيل زلافة من الحريرة، وغرفته الصغيرة التي كانت مليئة بالكتب والجرائد، والمذياع الذي يبث برامج ليلية…

أسرع الخطى نحو الزلافة والغرفة والمذياع…وكان الصوت المستنجد الباكي قد اختفى، والمطر ينزل، لأنه شتاء عاديّ، عاديّ تماما…

رائحته مازالت عالقة بأنفي لا تغادرني، كلّما سحبت هواء إلى صدري احتلتني تلك الرائحة وعادت لي كل العذابات التي عشتها ليلتها. لم أفكر في شيء قبل أن أرسل إليه الخطاب للنشر. كنت منفعلا بما وصلني من معلومات عن البيريتا.

ربّما حان الوقت لأعترف لكم إنني أعرف الحشّاش قبل عملي في الواشنطوني. كنتُ أعرفه أيام عملي الصحفي كمحلّل سياسيّ. معرفته بالصحافة الغربية مكّنتني من كتابة المقالات السياسيّة وشقّت لي طريقًا إلى العالميّة التي لم تكتمل، وهي نفسها التي تسببت في ما حدث لي وحوّلتني إلى مكان آخر وإلى ما أنا عليه اليوم. كتبت المقال ورميته إلى الحشاش ليعدّه للنّشر في صحيفة خارج البلاد، ونمت. نهضت صباحا أعد الدوش. لم أفتح الكومبيوتر لأعرف إن كان قد نشر المقال أم لا. ظل الماء باردا. تركت الحوض عاريا أبحث عن زر معدل الحرارة في الشرفة. لم يكن معي أحد في البيت. كانت زوجتي وقتها تغيب كثيرا عن البيت بسبب شجارنا المتواصل. تقول إنّ مجالسة الكناغر صارَت أرحم من مجالستي وإنني لم أعد إنسانًا يُطاق وإنّ الوقت قد حان لتنفذ ما كانت تخطط له من زمن.

 لم أتوقع أن يخلع الباب وأجدهم أمامي. رجال طوال ببدلات سوداء وقمصان بيضاء. أمسكني اثنان منهم ووضع الثالث كيسا من القماش على رأسي. لم أعد أرى شيئا. لفوني بشيء عرفت بعدها أنه شرشف الكنبة بالصالون. جروني  فاستجبت. لم أقاوم. قبل أن أغطس في ذلك الظلام رأيتهم. من الحمق أن تفكر في مقاومة أولئك الرجال الطوال الغلاظ وأنت تراهم فما بالك ورأسك محشور في كيس أسود.  ظللت مركزا على الخطوات على درج العمارة وأنا أنزل معهم. كنت أعثر فيه كل يوم. خمس وعشرين درجة سلّم كان علي أن أنزلها هذه المرة معصوب العينين.  أنصت إلى عدد الخطى على الدرج. بدا لي أنهم أكثر من ثمانية. في آخر ذلك الركض شعرت بنسمة الهواء التي جلبت لي معها رائحة المجاري. الأكيد أن السيارة التي زجوني فيها كانت تقف هناك قريبا من مفتاح قنوات الصرف لذلك غمرتني الرائحة. فكرت. السيارة التي ركبتها تبدو بلا كراسي. دفعوني إلى صندوقها الفسيح ولم أصطدم بشيء. شعرت أن السائق بعيد. كان يمكنني أن أستشعر ذلك من صوت المحرك. تخيلت أنها سيارة الشرطة واستبعدت أن يكون من اختطفتني عصابة أو جماعة ثم قلت في نفسي إن العصابات أيضا في الأفلام تستعمل المركبات الكبيرة الشبيهة بمركبات الشرطة ولا يمكن أن تميز الواحدة عن الأخرى إلا بالنظر. كانت السيارة تسير بسرعة ولا تطلق أي انذار يشير أنها سيارة رسمية. إسعاف أو شرطة أو سيارة مطافئ. فلا أحد وضع في معصمي شيئا. فقط جروني وهم يلوون ذراعي خلفي. ذلك ما رجح عندي أنه اختطاف وليس اعتقال. بعد ساعة أو ربما ساعة ونصف هذا ما أعتقده، توقفت السيارة وجروني إلى خارجها ثم شعرت أنهم يجروني نحو بناية. حاولت التركيز مرة أخرى في عدد درجات السلم. هذا ما تعلمته من كل التوقيفات والاعتقالات التي حدثت لي سابقا. علينا أن نعتمد على حواس أخرى إذا وقع تعصيب عيوننا. كانت عشرين درجة. لكن هذه المرة كانت غريبة. لأول مرة أحشر في سيارة صامتة. بعد مسيرة قصيرة أدخلوني قاعة. لا أعلم إن كانت مضاءة أم لا. كان الكيس الملفوف فوق رأسي من الكتّان العازل للضوء. على كرسي غير مريح أجلسوني ولفوني بحبل. كان خشب الكرسي يتمايل تحتي وبي. وكنت أنتظر أن أسقط في أي لحظة منه.

اقترب مني أحدهم. كانت رائحته مميزة. تبغ ثقيل. عندما قرب وجهه مني التقطت تلك الرائحة. رائحة نبيذ رخيص. عندها سمعت آخر يقرأ بوضوح جملا من مقالي الذي كنت أرسلته البارحة للنشر:

“إن اختفاء وسيلة الجريمة من مجموع الأدلة التي ضبطت دليل أن هناك شبهات كبيرة من داخل فرقة التحقيق. فمن سرق البيريتا؟ هناك شيء غامض علينا كشفه. صندوق أسود لهذه القضية. من يحمي هؤلاء القتلة. هل فعلا هناك جهاز أمني موازي ينفذ عمليات اغتيالات نوعية تستهدف الزعماء المنافسين لأصحاب ذلك الجهاز؟”

اقترب مني صاحب الفم الأبخر:

-لماذا كتبت ذلك الخراء سيد يوسف غربال؟ من الذي يمولك؟ من الذي يدفع لك؟ مع من تشتغل؟ هل تعلم تهمك؟

لم أكن معنيا بالإجابة إلى غاية ذلك السؤال فانفجرت:

-من أنتم؟ أنا لا أفهم ما تفعلون؟

-أنت متّهم بالتخابر. التخابر مع جهات أجنبية والإساءة إلى سمعة تونس في الخارج وترويج أخبار كاذبة عن أمن البلاد في فترة عصيبة.

-كل هذه التهم من أجل مقال؟

-نحن نتابعك منذ بلوغك. ونعلم ما تفعله وأنت تعلم أن ملفك عندنا.

– هذا يعني أنكم الشرطة. لماذا تعصبون عيني هذه المرة؟  قلت محاولا تحريك رأسي منزعجا تحت الكيس.

-من حرضك؟ لماذا هذا التوقيت بالذات؟

-لا أدري عمّ تتحدثون.

سمعت الصوت البعيد الهادئ يقول: ستيلا، نفذّ.

كان الأبخر قريبا مني ورائحته تغرقني عندما  قطعه. شيء مثل النار سرى في جسدي من قدمي حتى دماغي. لم أعد أذكر شيئا. فقط وجدت نفسي على فراشي إبهام ساقي اليمنى ملفوفا في ضمادة طبية حولها سائل أحمر.

“هذه المرة إصبعك، المرة القادمة”…. همسوا في أذني. ” نحن هنا لنقضي على أمثالك، سنقتلع كل شيء يتحرك فيك المرة القادمة. زرعنا هنا لنقتلع أمثالك من الفاسدين. دفعني أحدهم على الأرض ثم أجبروني على ترديد الجملة: ما عندناش بيريتا في تونس . ماعندناش بيريتا. ” رأيتني في منامي وأنا أصرخ  “ماعندناش بيريتا….ماعندناش…. “

أمام التلفزيون بالمقهى المجاور الذي هربت إليه من كوابيسي خرج  وزير الداخلية الهادي المجذوب على قناة “نسمة” بمجلس نواب الشعب يتحدث في بهدوء: سلاح البيريتا الذي أستعمل في عملية اغتيال الشهيد شكري بلعيد غير مستعمل في تونس وليس متداولا لدى الوحدات الأمنية بمختلف أصنافها”.

أنزلت عيني نحو مكان الإصبع المقطوع. كانت كل أصابعي الأخرى تصيح “ماعندناش بيريتا في تونس”.

لو لم أذكر ذلك السلاح اللعين ما كانوا فعلوا بي هذا. كم صرت بشعة أيتها القدم. ليتني ألقاك أيها الحشاش لأفرغ فيك مخزن البيريتا كاملا. 


كمال الرياحي، فصل من رواية “البيريتا يكسب دائمًا”، منشورات المتوسّط، 2019.

مقدمة: هيئة التّحرير

كُتبت هذه القصة القصيرة المُرعبة والمبسّطة ضمن منافسةٍ  لتأليف قصص الرعب وقعت بين الشاعرين لورد بايرون وبرسي بيتش شيللّي عام 1816. أفرزت هذه المنافسة في النهاية الأثر الأدبيّ الشهير: “فرانكشتاين” لماري شيلّلي (زوجة بيرسي بيتش تشيللّي). نُشرت قصّة بايرون أوّل مرّة عام 1819، تحت عنوان “مقطع”، في مجموعة “مازيبّاMazeppa /“. بالرّغم من أنّها لم تحتلّ مكانةً مركزيّة في مجموعة أعمال بايرون، فقد أثّرت بشكلٍ كبير في أدبِ مصّاصي الدّماء في إنجلترا ومثّلت إلهامًا لجون وليامز بوليدوري في “مصّاص الدّماء”(1819)

 

“في العام ـــــ 17، بعد أن أزمعتُ منذ فترة على القيام برحلةٍ في بلدانٍ لم يرتدها الرحّالون كثيرا إلى حين هذه اللّحظة، انطلقتُ، رفقةَ صديق سأسمّيه أوغسطس دارفل. كان  يكبرني ببضع سنوات ورجلا موسرًا ومن عائلة عريقة: ميزات حالت مداركه الواسعة دون التقليل أو الترفيع من قيمتها. جعلته بعض الظروف الغريبة في تاريخه الشّخصيّ موضع عناية واهتمام وحتّى احترام بالنّسبة إليّ، لم يستطيع محوه أي تحفّظ في آدابه أو علامات قلقٍ عرَضيّة تقترب أحيانا من الجنون.

“كنت لم أزل بعدُ شابّا في الحياة، التي بدأتها مبكّرًا، ولكنّ حميميّتي معه كانت حديثة العهد: درسنا معا في نفس المدارس والجامعات، ولكنّ ارتقاءه فيها سبق ارتقائي، كما أنّه انخرط عميقًا في ما يُسمّى العالم، بينما كنت ما أزالُ بعدُ في الدّير. كنتُ قد سمعت وقتها الكثير عن حياته الماضية والحاضرة، وبالرغم من وجود تناقضاتٍ عديدة متضاربة في هذه الأوصاف، مازال بإمكاني الاستنتاج من المجمل، بأنّه كان كائنا غير عاديّ ومهما حاول جاهدا أن يتفادى الانتباه، فسوف يظلّ لافتا للنّظر. بعد ذلك، طوّرت معرفتي به، وسعيت لكَسب صداقته، ولكنّ هذه الأخيرة بدت صعبة المنال؛ أيًا كانت العواطف التي  امتلكها، فقد بدا  الآن بعضها تلاشت والأخرى تكثّفت: وبعواطفه الحادّة هذه، كانت لي فرصٌ كافية لأُلاحظ بأنّه على الرّغم من قدرته على التحكّم فيها، لم ينجح في إخفاءها كلّيّة. ومع ذلك، كانت له القدرة على إعطاء عاطفة ما ملمح عاطفة أخرى، بشكل يجعل من الصّعب معرفة ما يدور بداخله. تغيّرت تعابير وجهه قليلاً، لكن بوتيرة سريعة جعلت تعقّبها إلى منابعها أمرًا غير مُجدٍ. كان من المؤكّد أنّه وقع فريسة اضطرابٍ مزمن ما، ولكن سواء كان ينبع من الطموح أو الحب أو النّدم أو الحزن، من إحداها أو جميعها، أو من مزاجٍ مرضيّ أقرب إلى الدّاء، فإنّي لم أستطع معرفته: كانت هناك ظروف مزعومة ربّما برّرت كلّ سبب من هذه الأسباب، ولكن مثلما قلت سابقا، كانت هذه الأسباب جدّ متناقضة ومتعارضة إلى درجة أنّه لم يكن ممكنًا التركيز على أحدها بدقّة. يُفترض عموما أنّه حيثما هناك غموضٌ فلا بدّ أنّ هناك شرّا أيضا: لا أعرف كيف يمكن أن يكون هذا. ولكن في داخله كان هناك أحدهما بالتّأكيد، ومع ذلك لم أكن متأكدا من حجم الآخر – وشعرت بالاشمئزاز،  بقدر ما كان ينظر إلى نفسه، من الايمان بوجوده. استُقبِلت تصوّراتي ببرود كبير: ولكنّي كنت شابّا ولا تثبط عزيمتي بسهولة. ونجحت بطول المدّة وإلى درجة ما، في اكتساب ذلك التواصل العادي والثّقة المعتدلة للشّؤون اليوميّة العامّة، والذي تشكّل وتوطّد بفضل تشابه العمل وتواتر اللقاءات، وهو ما يسمّى بالحميميّة، أو الصّداقة، وفقا لتصوّر من يستعمل هذه الكلمات للتعبير عنها .

“كان دارفل قد سافر في السابق على نطاق واسع، والتجأت إليه لأطلب المعلومة في ما يتعلق بالقيام برحلتي المقررة. كانت أمنيتي الخفيّة هي أن يقتنع بمرافقتي. كان أيضا أملا ممكنا، يتأسس على قلق غامض لاحظته فيه. والذي منح أملي هذا قوّةً متجدّدة، تلك الحيويّة التي أبداها تجاه هكذا شؤون، ولامبالاته الواضحة لكلّ ما يحيط به في الحين. هذا ما لمّحت به في الأوّل ثمّ عبّرت عنه: أمّا إجابته، ولو أنّي توقّعتها جزئيّا، فإنّها وهبتني كامل المتعة الكامنة في المفاجأة – لقد وافق. وبعد التحضيرات اللازمة، انطلقنا في رحلاتنا. وبعد الترحال في بلدان عديدة في جنوب أوروبا، فإنّ اهتمامنا تحوّل إلى الشّرق، وفقا لوجهتنا الأصليّة، وخلال تجوالي في هذه المناطق، وقعت الحادثة التي سأرويها.

“كانت حالة دارفل الجسدية، والذي بدا من هيئته أنّه كان قويًا في سنوات شبابه، قد أخذت منذ مدّة في التّلاشي تدريجيّا، دون تدخّل أيّ مرض واضح، فلم يكن يعاني من كحّة أو حمّى، ومع ذلك صار أكثر وهنًا، يوما بعد آخر، تصرّف باعتدال، ولم ينتكس أو يتذمّر من التّعب، لكنّه كان يضعف تدريجيًا على نحو واضح. زادَ صمته وأرقه، وبطول الوقت تغير على نحو خطير، إلى درجة أنّ خوفي أصبح متعلّقا بما أعتقدت أنّه خطر عليه.  

“عند وصولنا إلى سميرنا، عزمنا على رحلة إلى آثار إفيزوس وسارديس وحاولت من خلالها أن أنصحه بالعدول نظرا لحالته الصحية الحالية – ولكن دون جدوى. لقد تصرّف كما لو أن جنا استحوذ عليه، ومع ذلك برزانة، وهو ما تنافر مع حماسه لمواصلة ما اعتبرتُه مجرّد حفلة للمتعة قلّما تناسب شخصًا معلولاً.  ولكنّي لم أعارضه أكثر- وفي غضون بضعة أيّام انطلقنا معا، مصحوبيْن فقط بعربة وجنديّ انكشاريّ واحد.

” قطعنا نصف المسافة نحو آثار إيفيزوس، تاركيْن وراءنا ضواحي سميرنا الخصبة، ودخلنا ذاك المسلك البرّي وغير المأهول، عبر الأهوار والممرّات الضّيّقة التي تقود نحو بعض الأكواخ التي ما تزال ماثلة فوق أعمدة معبد دِيانا المكسورة – الحيطان غير المسقوفة للمسيحيّة المرحّلة، والخراب التام لمسجد تمّ  هجره في مرحلة متأخرة – عندما أجبرنا المرض المفاجئ والسّريع لمرافقي على التوقّف في مقبرة تركيّة، شواهد القبور المغطّاة كانت الشيء الوحيد الذي يدلّ على الحياة البشرية التي أقامت يوما  في البراري. الفندق الوحيد الذي رأيناه مررنا به قبل ساعات، ولم يكن على مد البصر أو الأمل بقايا مدينة أو حتّى كوخ، و”مدينة الأموات” هذه بدت الملجأ الوحيد لصديقي سيء الحظّ، والذي بدا على حافّة أن يصبح آخر ساكنيها. 

 “في هذه الحالة، بحثت في الأنحاء عن أكثر مكانٍ يستطيع فيه الاسترخاء براحة: – على عكس المظهر المعتاد للمقابر الإسلاميّة، كانت شجرات السّرو هنا قليلة العدد ومبعثرة على امتدادها على نحو ضئيل، أمّا شواهد القبور فقد كانت متهدّمة في معظمها وبالية بفعل الزّمن، وأسند دارفل نفسه على أكبرها وتحت أكثر الشّجرات امتدادا، بوضع نصفِ مستلق وبصعوبة كبيرة. طلب ماءً. كان لديّ بعض الشّكوك في قدرتنا على إيجاد بعض منه، واستعددتُ للذّهاب بحثا عنه بحزن متردّد. ولكنّه أرادني أن أبقى، والتفت إلى سليمان، جنديّنا الإنكشاري، الذي كان يقف قربنا يدخّن بهدوء كبير، وقال “سليمان، أحضر بعض الماء.” وبدأ يصف المكان الذي من المفترض أن يجد الماء فيه، بدقّة متناهية، في بئر صغيرة مخصصة للجمال، على بعد بضع ياردات على اليمين. أطاع الإنكشاريّ. سألت دارفل “وكيف تعرف هذا؟” – أجاب “في حالتنا هذه، يجب أن تلاحظ بأنّ هذا المكان كان مأهولا في السّابق، ولم يكن ليكون كذلك لولا وجود الينابيع: لقد كنتُ هنا أيضا في السابق.”

 ” كنتَ هنا في السابق! – كيف أمكنك ألاّ تخبرني بهذا؟ وما الذي عليك فعله في مكان لا يستطيع أحدٌ أن يبقى فيه لحظةً أكثر ممّا يحتمله؟”

لم أتلقّ إجابة على هذا السّؤال. في الأثناء، عاد سليمان بالماء، تاركا العربة والأحصنة عند الينبوع. بدا إطفاء عطشه أنّه يحييه للحظة، وعلّقتُ آمالا في قدرته على المواصلة، أو على الأقلّ أن يعود، وحثثته على المحاولة. كان صامتا – وبدا أنّه يستجمع قواه على الكلام. بدأ –

 “هذه نهاية رحلتي، وحياتي – جئت إلى هنا كي أموت، ولكنّ لي طلبا، أمرا – سيكون بمثابة كلماتي الأخيرة – هل  ستلبيه؟

“طبعا، ولكنني أتمنى الأفضل.”

“ليست لي آمال، ولا أمنيات ما عدا هذا – أخفِ موتي عن كلّ كائن بشريّ.”

“أتمنّى ألاّ يكون هناك داع، سوف تشفى و-“

“اصمت! سيكون الأمر هكذا: عِدْ بهذا.”

” أعد بهذا.”

” أقْسِم بهذا، بكلّ ما..”

وهنا حلف يمينا ذا جلال عظيم.

” لا يوجد داعٍ لهذا. سوف ألبي طلبك، وأن تشكّ في.. “

“هذا غير ممكن- يجب أن تُقسم.”

أديّت القسم، وبدا أنّ ذلك أراحه. نزع من إصبعه خاتما ذا طابع عليه بعض الحروف العربية، وقدّمه إليّ. ثمّ تابع –

” في اليوم التاسع من الشّهر، عند منتصف النهار تحديدا (أيّ شهر تريد، لكن لا بدّ أنّ هذا هو اليوم)، يجب أن ترمي بهذا الخاتم في ينابيع الملح التي تصب في خليج ألوسيس، وفي اليوم التالي، عليك أن تذهب إلى أطلال معبد سيريس سيريس، وتنتظر ساعةً”

“لماذا”؟

“سترى.”

“تقول اليوم التاسع من الشهر؟”

“التاسع”

بعدما لاحظتُ له بأنّ اليوم، كان اليوم التاسع من الشهر، تغيّرت ملامحه، وتوقّف. عندما جلس، وكان واضحا أنه صار أكثر ضعفا، حطّ على شاهدة قبر حذونا، طائر لقلق يحمل أفعى في منقاره، ودون أن يلتهم فريسته، ركز نظره نحونا بثبات. لا أعرف ما الذي دفعني لإبعاده، ولكنّ المحاولة كانت بلا جدوى. حام بضع حومات في الهواء، وعاد بالضبط إلى نفس المكان. أشار دارفل نحوه، وابتسم – ثمّ تكلّم – لا أعرف إليّ أم إلى نفسه- ولكنّ الكلمات كانت فقط “هذا جيّد!”

” ما الجيّد؟ ماذا تقصد؟”

” لا يهمّ، يجب أن تدفنني هنا هذه اللّيلة، وتحديدا هناك أين حطّ الطّائر الآن. تعرف بقيّة وصاياي. ” وبعدها واصل في منحي بعض التوجيهات على نحوٍ يجعل موته مخفيّا على أحسن وجه.  وبعد انتهاء التوجيهات، صرخ “هل ترى ذاك الطائر؟”

“بالتأكيد.”

“والثعبان الذي يتلوّى في منقاره؟”

“دون شكّ، لا يوجد أمر غير مألوف في ذلك، إنّه فريسته الطّبيعيّة. ولكنّ الغريب أنّه لا يلتهمه”.

“ضحك بطريقة مروّعة، وقال بصوتٍ ضعيف “لم يحن الوقت بعد!” وبينما كان يتكلّم، طار اللّقلق بعيدا. تابعته بعينيّ للحظات – كانت على الأكثر عشر ثوان معدودة. شعرتُ بثقل وزن دارفل، يضغط على كتفي، وعند التفاتي لأنظر في وجهه، وجدت أنّه ميّت !

“كنت مصدوما بالحقيقة المباغتة التي لا يمكن إخطاؤها  أصبحت ملامحه تقريبا سوداء في غضون بعض الدّقائق. كنت سأقرن هذا التغيّر السّريع جدّا بالسمّ لو أني لم أكن واعيا أنّه لم يكن هناك مجال  ليتناوله دون أن أشعر. حل المساء، والجثّة تحولت بسرعة شديدة، ولم يبق شيء غير أن ألبّي طلبه. بمساعدة خنجر سليمان وسَيفي، حفرنا قبرا صغيرا في المكان الذي أشار نحوه دارفل: كان التراب يستجيب بسهولة، وقد استقبل في السابق بعض الساكنين المسلمين. حفرنا عميقا بقدر ما سمح لنا به الوقت، وبعد أن أهَلْنا التّراب الجافّ فوق ما تبقّى من الكائن الفريد الرّاحل للتو، قطعنا بعض أوراق العشب الأكثر اخضرارا من التّربة الأقلّ ذبولا حولنا، ووضعناها فوق مدفنه.

“بين الدّهشة والحزن، كنتُ مجرّدا من الدّموع.”   

 

عمر هذا الخل 99 سنة بالضبط، وإذا صحت حساباتي التي أجريتها على رزنامة المواعظ اليومية، فهذا العطر ُصنع قبل أسبوع واحد من وقوع الرأس الكونكريتية الضخمة لصدام حسين على الإسفلت، وكانت حكمة ذلك اليوم في الرزنامة: “حفيد الكنغر في جيبه وحفيد العطار في خشمه”. عمّال مصنع الدبس كانوا يفرّون إلى بيوتهم وعلى دراجاتهم علب قصدير فارغة لن تفيدهم في شيء، وستباع بعد أيام لأحد المشاتل وتصبح سندانة خصيبة لتربية القرنفل، أما الدبس فقد تركوه يجري في المعصرة، الواقع أن البصرة كلها كانت تعتصر ويسيل منها دبس من الهيجان والتوتر، وفي قائمة أفضل عشرة أشياء تعتصر الآن كان رأس الرئيس تحت أرجل المواطنين يأتي أولًا، بينما يحل دبس المصنع في آخر القائمة، وبين الرقم 1 و 10 أنوف كبيرة تعصرها الأرجل الغاضبة.

باعني إياه واحد من موظفي البنك الوطني للمخاط، شاب بدين يتكلم وهو يدعك ياقته دائماً ويلوي رقبته، توثقت علاقتي به وأصبح وكيلي الشخصي، فلم أعد بحاجة لمراجعة نصف سنوية للبنك، يزورنا دورياً في المنزل ويأخذ مدخراتنا من المخاط في علب معزولة حرارياً، ولأن عملية حلب مناخيرنا دقيقة وصارمة حسب الشروط والضوابط القانونية فهذا يعني أن سلمان داي باي يقضي ثلاث ساعات بيننا كل مرة، نعم فهذا هو اسمه، سلمان داي باي … يقول أن جده الكبير كان طفلاً لا يسمع ولا يتكلم، يقضي كل الظهيرات الحارّة على ضفاف دجلة، ودجلة هذا نهر صغير، يرجح بعض رجال الدين ورواة األساطير بأنه لم يكن موجوداً، وقد اخترعه الفسقة والفجار وشاربو عصير البطيخ، داي باي داي -إذا شئنا أن نستعمل الاسم الكامل- هو جد سلمان، اعتاد أن يمسك قداحتين في كلتي يديه، وفي جيوب دشداشته عشرات القداحات العاطلة، وأصابعه مثلومة ومحزّزة من القَدح في الهواء، بيني وبينكم جده صبي أهبل يتجاهله المارّة ثم صار مشهوراً جداً في ظرف أسابيع، حينما انتشر عنه مقطع قصير في الانترنت وهو ينطق لأول مرة في حضرة جنديين أمريكيين يرافقهما مترجم عراقي.

لقد صار آل داي باي داي من أشهر تجار البللد، ولديهم من ذريتهم مذيع مشهور ُيجري حوارات لاذعة مع السياسيين، وطبيبة نسائية ومخرج أغنيات شبابية، وممثل قصير القامة ظهر في أحد أفللم بيتر سبايك، ضمن مشهد من خمس ثوان، لاصطدام جيشين عظيمين في القرن الثالث قبل الميلاد، وهناك في قلب البصرة مسجد الداي باي داي المشهور، عمره سبعة عقود تقريباً، ولا أظنه سيمحى أو يتغير اسمه على الأقل، مسجد الداي باي داي صنم ثقيل في ذاكرة كل المواطنين هنا، يمكن ملاحظته كخلفية تلفزيونية ملتصقة بظهر أي شخصية إعلامية تستضيفها قناة البي بي سي من هنا، صممته معمارية بريطانية من أصول عراقية على شكل مستطيل تبزغ منه نخلتان مائلتان على بعضهما بمثابة المئذنتين، بحيث أن صوت آذان الصلاة منهما يأتي مزدوجاً ويكمل بعضه، ومن الواضح بأن مصممة الداي باي داي الشريف توّخت استعمال رموز الوحدة والتآلف والبقاء، وحالياً لم يعد يشير اسم عائلة سلمان إلى جده الصبي ذي القداحات مثلما يشير إلى المنارتين المتآخيتين، وإذا حدثنا وهو يمخط أنوفنا عن ِحرفيته العالية وبرجوازيته اللنيقة المرتبطة بدقته بالتمخط وتخزين سوائل الوجه فلا نقاطعه، ولا نجعله يستمتع بصوت الإنسان مسدود اللنف، ونعصيه دوماً ونهزأ بالجملة الدعائية التي يستعملها البنك الوطني للمخاط: (هل جربت أن تغني بأنفٍ مسدود؟ هل تدري كم سيسعدك ذلك وسيمطرك بالحظ والثروة؟!).

أحبَّ سلمان مديرته في البنك، سيدة في الخمسين، هي التي جعلت الناس ينتبهون إلى هزة رقبته المَرضية، وتلمسه لياخته، وزر قميصه الثاني، كلما استهل الكالم، لقد عيرته مرة بذلك وطردته من مكتبها، وقفتْ على عتبة الباب وانتظرت أن يفطن إليها الموظفون ويستعدون لسماعها، ومنذ ذلك اليوم تفاقمت حالة سلمان وصار يكرر ذلك دون قصد مرة وعمداً عشرات المرات، وأصبحت هذه سمة يشتهر بها، لم ترفضه المديرة فحسب بل سخرت منه وعيرته بكل شيء في وجهه ومظهره، وتعدت ذلك إلى تاريخ أسرته وبيعهم للعسل والخل ودقوس المرق المصنوع منزلياً، وتناست تاريخهم المجيد ومسجدهم العظيم .

هذا ما يسرّني به سلمان إذا مكثنا وحدنا في حديقتنا، فأنا ال أحب أن يستمع َّإلي أوالدي وأنا أتمخط وأفضّل أن يصغي إلي الجيران بدالً من أهلي، أريد أن يسمع جاري صوت أنفي، فلطالما أردت أن أقنعه بما ألصوات األنوف من دالئل على الصحة وخصوبة الرجل. وحدث مرة أن تأفف سلمان من رؤوس الجيران وهي تظهر وتختفي على الحيطان، أنا نفسي تعجبت، وزاد عجبي لمّا حزم سلمان حقائبه المعدنية وخرج.

أخرجت اليوم علبة الخل التي اشتريتها منه، سافر آخر الأولاد عبر قطار الفرات وهو يحذرني من العودة إلى لعق علبة الخل الزجاجية تلك، حلفت له بأني لن أجرب ذلك مرة أخرى، حلفت له وفي نفسي بأني سألطع منها ملعقة رز كبيرة حال خروجه من المنزل، وهذا ما حصل … وكم كان وداعه طويلًا ومملًا، كان يؤكد لي بأن عليّ تجريب قطار الفرات الجديد هذا، فهو سريع ويقذفه في خليج عمان بعد 14 دقيقة فقط، ويشعر راكبه فعلًا بأنه في حوض الفرات، وأن قرارات الحكومة في تحويل هذا الوادي الجاف إلى نفق كانت ذات جدوى حقاً، قال هذا وغادر وهو ينظر إلى سبابتي التي كانت تتحرك في الهواء، وتلعق الخل في أفكاري.

يجري رزم علب المخاط في أوعية من الألمنيوم، يُسفّرونه إلى الشمال حيث خليج البصرة، لا زال مشروع قلب البلاد، وتحويل جنوبها شمالًا قيد الإنشاء، سمعت أن العمال يستنزفون أكبر قدر من المخاط هناك وإن المشروع صار يستلزم وقتاً أكبر خارج الخطة، ما تحقق على الأرض هو قلب هذه الأرض، وبقي الشيء الصعب … كيف يخطو الناس نزولًا وفي بالهم أنهم يصعدون، وكيف تلتفت يميناً وانت تلتفت شمالًا، أعني أن المتعطل هو بعض الاستعدادات النفسية ويجري الآن خلال ورش نتدرب فيها على عكس اتجاهاتنا، والتأقلم مع الوجهة الجديدة، بعد ذلك تأتي المرحلة البايلوجية، وهذا أيسر قليلًا، خذ معدتك وجهازك التناسلي إلى طبيب العائلة، ثم اجعله يدلك وينظف بمرهماته الخاصة، وستلاحظ كيف صار جسدك كله يستدير ويستجيب لبوصلة جديدة، هذا ما أنت موعود به حسب المنشورات، وإعلانات الشوارع والمراحيض العامة.

بعد ذلك، سأكون مرتاحاً وأكف عن الشكاية للناس، سيفهم الجميع بأني عاشق الحكم القصيرة المكتوبة في الرزنامات، واحدٌ من سلسلة موظفين كانت مسؤوليتهم عبر عقود طويلة رسم اتجاهات القبلة في مسجد الداي باي داي، ألن اتجاهات القبلة مشمولة بخطة عكس االتجاهات أيضاً، هل تأخرت في قول هذا؟ قد لا يبدو مظهري مثل أجير بسيط لدى عائلة الداي باي داي، لكني أقبض راتبي من الحكومة فهذا المسجد تابع لدائرة اللوقاف، ستصبح مهمتي شاقة لمدة أسبوع لأني سأعكف وحدي على قلب الأسهم المؤدية للقبلة بعد انقلاب السجادة الترابية الكبيرة التي أعيش عليها أنا، و 200 مليون مواطن عراقي. مقارنة بأسراب من الأسماك في أحواض مرمرية، ستعاني كثيراً وهي تقلب الدورة التنفسية في خياشيمها، فمهمتي مسلية قليلًا، لقد مارست مثلها في طفولتي … كنت أراقب الحيطان التي تسوّر شوارع العاشقين وأنقب في جذوع الأشجار بحثاً عن أسهم المحبين، تلك المستقيمات المدببة التي يرسمونها في خلواتهم، أقطع رؤوسها وأعكسها، أما اللسماك والحمير المعتادة على بوصلة وهمية في أدمغتها فأدوارهم وأدوار أصحابهم أصعب بكثير.

هذه الليلة لن يأتي سلمان داي باي، ولن أثبت له استطاعتي على كرع قنينة خل معتق بأكملها، لن أعيّره أن جده الكبير الصبي استمع إلى خطبة ج. دبليو بوش الأولى، وتلك الخطبة كانت سبباً في تسيمته داي باي داي:

.Day by day Iraqi people passing the new period …etc

لن أعيّره بأن جده نطق أول ما نطق بعبارة داي باي داي على لسان الرئيس أمام مجندين يحبون الضحك على الصبيان السمان، فصار له اسم وصورة مشهورة من يومها، فكل هذا أصبح لازمة سخيفة مني تضايقه وتشل لسانه، قررت أن استسلم لروح المتقاعد من قطع رؤوس الأسهم، وأمنحه دورة تدريبية مجانية في كيفية ربط حذائه في ظل البوصلة الجديدة.

عبد العال مخبر بوليس طويل أسمر، وعلى ظهر يده اليمنى سمكة فمها مفتوح، وذيلها مشقوق، وعلى عينها نقطة.

عبد العال مخبر، ومع هذا فَلَه عيلة وزوجة أحياناً تناكفه وأحياناً ترضى عنه، وأحياناً يحلف عليها يمين الطلاق، ونادرًا ما يقع اليمين.

ولعبد العال ماهية عشرة جنيهات بما فيها كلّ ما ناله وما لم ينله من علاوات.

وعبد العال سعيد جداً بحكاية المخبر، إذا ركب الأوتوبيس وجاء الكُمساري قال: ”بوليس”، وأحسّ بأهميته وهو يقول بوليس، والناس يرمقونه ويضربون له بعيونهم السلام.

وعبد العال مثل كلّ الناس يحلم بالمستقبل، وهو لا يحلم حلماً عادياً مثل أن يصبح ضابطًا أو مساعد حكمدار.. هو في الحقيقة يحلم أن يكون وزيرا للداخلية. يا سلام!.. يصحو الواحد ويلاقي نفسه وزيراً له عربة وله حاجب ويقف على باب منزله عسكري على الأقل بشريطين. بسيطة! وليست على الله ببعيدة، فالذي خلق الأرض والسماوات من العدم، ألا يمكنه أن يخلق من العسكري وزيراً؟ ثم لماذا لا يخلق منه وزيراً وهو دوناً عن رفاقه يجيد القراءة والكتابة، ويرطن أحياناً بألفاظ إنجليزية، ويلتهم الصحف ويعرف كوريا، ويستطيع أن ينطق اسم همرشولد صحيحاً.

وعبد العال من مدة كان معه تحقيق وسين وجيم، فقد اشترك مرة في ضبط واقعة واستلم هو المضبوطات، ووقع على ذلك، وبعد أيام جردت الأحراز فوجدوا حرزاً ناقصاً، وجاءوا بعبد العال وسألوه وأنكر، وألحوا في السؤال وأغلظوا وتلجلج، وشك فيه الضابط وهدده بالتفتيش، ورأى عبد العال من عينيه أنه ينوي حقاً تفتيشه، وحينئذٍ مدّ يده في جيبه وأخرج منها الحرز المفقود، وكان الحرز هو الدليل المادي في القضية، فقد كان شيكاً مزوراً.. شيكاً بمائة ألف جنيه أُتقِن تزويره.

واستغرب الضابط.. وفتح محضراً وراح يسأل، وتوقف عند السين التي تقول: لماذا احتفظت بالشيك المزور معك؟ ولم يستطع عبد العال أن يدلي بسبب واضح.. همهم وغمغم وقال كلاماً فارغاً كثيراً لم يقنع الضابط، ولم يقتنع به هو.

وفي آخر النهار عاد عبد العال من القسم منهوكاً محطّم القوى، عاد وقد خُصِم من مرتبه نصفه، ونُقل من المباحث وأُنذِر بالفصل. عاد وهو حزينٌ ساخط ومع ذلك كانت في أعماقه طراوة رضا وسعادة.. فلا أحد قد فطن إلى أنه قد احتفظ بالشيك المزور ليستخرج له صورة فوتوغرافية طبق الأصل، صورة كلفته كثيراً ودفع فيها خمسة عشر قرشاً.

ومضى اليوم ومضت وراءه أيام، وذهب حزن عبد العال وسخطه، ولكن بقيت صورة الشيك المزور.

وللآن لا تزال أسعد لحظات عبد العال هي تلك التي يهرب فيها من زحمة الناس ويختلي بنفسه، ويطمئن إلى أن أحداً لا يلحظه أو يراه، ثم يخرج حافظة نقوده بعناية، ويستخرج من جيب مخصوص فيها صورة الشيك، ويحسّ بالرعد في أذنيه والتنميل في أطرافه وهو يرى شعار البنك والحروف المطبوعة، ثم وهو يقرأ الجملة الخالدة ويملّس عليها بأصابعه: “ادفعوا لحامل هذا مبلغ مائة ألف جنيه مصري لا غير”.

ويستمرّ يحدّق في الشيك حتى تهجع الزوابع التي في جوفه، ثم يطويه بعناية ويعيده إلى جيبه الخاص في المحفظة ويتنهد، وكأنّما قد انتهى من اعترافٍ أو صلاة، ثم يعود هو في بطء إلى الناس وزحمتهم، يعود كما كان عسكرياً طويلاً وأسمر، وعلى ظهر يده اليمنى سمكة فمها مفتوح، وذيلها مشقوق، وعلى عينها نقطة.

 

أوقف أبو مصطفى عربته بمحاذاة الرصيف وربّت بيد كبيرة متشقّقة على رأس الحصان ثم قصد الدكان القريبة، وابتدأ يحمل على ظهره الاكياس الملآى بالحطب، وينقلها الى العربة. وكان الحصان حانقاً دونما سبب. وقد تبدد غضبه قليلا حين عثر على قطعة من قشور البطيخ، فَمَضى يقضمها بسكينة.

وتنبه فجأة الى أن ثمة ولدًا صغيرًا يقف على مقربة منه، ويرمقه مبتسمًا. فقال الحصان لنفسه: “أنا لا أعرفه وسأرفسه إذا دنا مني. سأرفسه رفسة قوية تكسر رأسه”.

وانتهى الحصان بعد حين من مضغ قشرة البطيخ، فانتابه الاسف لانتهائها، وراح يتطلع بغيظ الى الولد وهو يقول لنفسه: “سأرفسه”.

وكان أبو مصطفى في تلك اللحظات مازال منهمكاً في نقل أكياس الحطب ووضعها على سطح العربة٠ وأحس الحصان بالتعب، فقال لنفسه متذمراً: “العدالة مفقودة”.

وكان الحصان قد ولد في المدينة، وقضى حياته كلها في طرقاتها المفروشة بالأسفلت، ولم يغادرها مطلقا. وكان يعرف أن أجداده القدامى كانوا يمرحون طلقاء عبر البراري الشاسعة حيث لا أبنية فيها ولا جدران من حجر، ولكنهم ماتوا جميعاً.

وانحنى الولد، والتقط قشرة بطّيخ كانت بمنأى عن الحصان ثم اقترب على مهل، فَهمّ الحصان بالتراجع غير أنه تريث متشجعاً. ومد الولد قشرة البطيخ نحو فم الحصان. فتردد الحصان لحظةً خاطفة ثم تلقفها دهشًا، وطفق يمضغها بغبطة، وسمح للولد بأن يربت على عنقه بيد أنيسة صغيرة.

وأتمّ أبو مصطفى نقل أكياس الحطب الى العربة. وعندما لاحظ وجود الولد قرب الحصان صاح به: “ابتعد يا قرد”.

ثم لوّح بالسوط، مطلقًا صيحةً آمرةً بالمسير، فاندفع حينئذ الحصان الى الامام، يجر العربة الثقيلة بتباطؤ.

وسارت العربة عبر طرقات عديدة، و بلغت بعد حين شارعًا عريضًا تنتصب الأبنية الحجرية على جانبيه ولم تكد العربة تتوغل حتى اعترض طريقها واحد من رجال الشّرطة، فَصَرخَ أبو مصطفى بالحصان بصوت ممطوط: “هش”.

قال الشرطي: “ألا تعرف أن مرور العربات ممنوع في هذا الشارع؟”. فقال أبو مصطفى: “أعرف”.

“ولماذا جئت اذن من هنا؟”

“الحصان.. أنظر.. الحصان تعبان جداً، واذا مررت في هذا الشارع فسأوفّر على الحصان مشيًا كثيرًا”.

فغمر الحصان حنان عارم. وقال الشرطي: “سَير العربات ممنوع في هذا الشارع. انه للسيارات وللناس الذين يسرون على أقدامهم فقط”.

قال أبو مصطفى: “أعرف”.

ولعق شفتيه بلسانه، وأردف قائلاً: “الحصان تعبان وسينقطع رزقي اذا هلك، و أموت جوعاً ويموت  أولادي.. لي أربعة أولاد”.

“ارجع. ولن أعاقبك لمخالفتك النّظام والقانون”.

“لي أربعة أولاد يأكلون حتى الحجر”.

وأطلق أبو مصطفى ضحكة قصيرة جافة وكأنّها مدية صغيرة شرسة، ثم أضاف قائلاً: “سأقول الصدق.. أنا لا أخاف على الأولاد إنّما أخاف على أمهم”.

 فقال الشرطي متسائلا بفضول: “ولماذا تخاف عليها؟”

وكانت الاشجار خضراء على جانِبَي الشّارع، وتمتدّ في الأعلى سماء رحبة زرقاء. وأجاب أبو مصطفى: “أخاف أن يأكل الأولاد أمهم إذا جاعوا. أسنانهم فظيعة”.

ومرّت سيارة تسير بسرعة كبيرة، فَنَفخ الشرطيّ في صفّارته، فَلَم تتوقف السيارة، واستطاع الشرطي أن يلمح رقم لوحتها قبل أن تنأى عن بَصَره، فسجّله على غلاف دفتره. والتفت الى أبي مصطفى محتقن الوجه غيظاً، وقال له: “هيا ارجع”.

“دعني أمرّ هذه المرة فقط”.

 فقال الشرطيّ بصرامة: “ألم تسمع ما قلت؟ ارجع”.

“مرّة واحدة فقط”.

“ارجع. القانون قانون ولا فائدة من التوسّل”.

“الحصان تعبان”.

“هيا ارجع”.

“الله يحفظك لأمّك”.

“الله لا يحفظني، أنا لم أخترع القانون. أنا أنفّذ أوامر صادرة إليّ، وأنت يجب أن تطيع هذه الاوامر”.

فلم يفه أبو مصطفى بكلمة إنما تخيل القانون مخلوقاً ضخماً له آلاف الأيدي: القانون يأمر الشّرطيّ فيطيع الشّرطيّ، ويأمر الشّرطيّ أبا مصطفى ويجب أن يطيع أبو مصطفى الأوامر.

ووقف أبو مصطفى مترددًا هنيهات، فصاح به الشّرطيّ: “ارجع. واذا لم ترجع حالا فستندم”. فاتجه أبو مصطفى نحو العربة، وكان غضب الحصان عندئذ قد بلغ الذروة، فجمع قوته كلها، واندفع جامحًا الى الامام، فبوغت الشرطي بالعربة المندفعة نحوه، وحاول أن يقفز الى الرصيف، فلم يتمكن، وصدمه الحصان، فسقط على الارض منطرحاً على ظهره، ووطأت صدره سنابك الحصان ثم مرت فوقه عجلات العربة وتخضبت بالدم الاحمر. ودهش الحصان حين رأى صاحبه لم يبتهج إنما امتلكه الذعر والوجوم ثم انطلق يركض هارباً. وبعد لحظة توافد الناس مهرولين، وتحلّقوا حول العربة، يتألق في عيونهم الخوف الممتزج بالشهوة الخفية، كأن الشرطي المسحوق ليس إلا جسد امرأة جميلة.

ولم يتفرق الناس الا عندما حضر رجال الشرطة، وبادروا الى اعتقال القاتل. وَكان القاضي عادلا، فسيق الحصان في فجر أحد الايام الى ساحة رئيسية خيل الى الحصان أنها ما تبقّى من البراري.

ووقف الحصان مبتهجاً لأنّه قبل وصوله الى الساحة قد اجتاز شوارع عريضة كان يُمنع من السير فيها من قبل، ولكن بهجته لم تدم طويلا اذ تدلى بعد حين مشنوقًا.

(من مجموعته القصصية “الرّعد”، 1970)

 

1

 منذ ثلاثين عامًا وتزيد. تعرّفتُ إليه وهو في الرابعة والعشرين، وكان تخرّج للتوّ من مدرسة السياقة في المدينة. في بطاقة هويته كتبوا إلى جانب المهنة: “سائق باص”، وكانت هذه كفيلة، إلى جانب صورته البراقة، بأن تدخلني إلى قفص الزوجية الذي بناه لي، في قريتنا الجميلة النائية.

كنتُ في أثناء الخطوبة أحلمُ ليلَ نهارَ بالرحلات وبالفُسح الجميلة والطويلة التي سنقضيها سويةً، ولم أفهم حتى اليوم ما قصدته أختي الكبرى في إحدى ليالي السمر الصيفية على سطح البيت، حين قالت لي بدلع وحياءٍ مكظومٍ وصوتٍ مكتومٍ: “كرسي الباص الأخيرة طويلة، ولن تنسي طعمتها”.

قبل الزفاف بيومين، حين تجمعت كل صديقاتي في القرية لليلة الحناء، أخذنَ جميعهنّ بالتندر على شكلي وأنا جالسة في الكرسيّ الأول من وراء زوجي، وهو يصطحبني في رحل ونزهات كُنّ جميعهنّ يحلُمن بها. إحداهنّ حلُمت بالذهاب إلى القدس، والأخرى إلى يافا والثالثة قالت بتأكيد غريب: “بانياس أجمل الأماكن في العالم! دعيه يأخذك إلى البانياس”.

لم نفهم وقتها تأكيدَها القاطعَ هذا وسألناها عمّا إذا كانت ذهبت إلى البانياس، فأجابت بأنّ أخاها كان هناك قبل سنة وقال إنها أجمل الأماكن في العالم. وضحكنا حتى دمعت أعيننا… ثم قالت أختي الصغرى بحسد واضح وافقها الجميع عليه: “أنتِ ونحن نسمع بالأماكن والرحلات، بينما ستكون أختي هي الوحيدة التي سترى هذه الأماكن بحق وحقيقة”.

وتنهّدتُ بفرحٍ وخوفٍ كبيريْن.

2

أستيقظ في كلِّ صباح في الخامسة فجرًا. أطبخ لنفسي غلاية صغيرة من القهوة السوداء الحلوة وأستقبل الشمس القادمة من رحلتها وهي حمراء ناضجة نضوج التين “الحمّاري” في كرم والدي المرحوم. أشربُ قهوتي بصمت ولا أضايق الشمس الآتية من رحلتها اليومية. لا شكّ في أنها مرهقة جدًا الآن، ولا تنقصها ثرثارة مثلي لتروي لها عن حياتها مع زوجها سائق الباص. أشربُ القهوةَ وأحلمُ برحلات الشمس اللانهائية، وأتمنى لنفسي واحدةً منها على الأقل.

في تلك الهنيهة الصباحية لوحدي، أكتشفتُ لوحدي، أنّ الشمس تزور عمليًا كل العالم في 24 ساعة، كلّ يوم! ما أقواها وما أجمل حياتها، هذه الشمس. تطوفُ كلَّ العالم لوحدها، ومن دون كلل أو ملل، تطوفُ ولا تتعبُ، تمامًا مثلما وعدتْني أمّي قبلَ أن يأتي أهل العريس ليأخذوني من بيت أهلي بساعة. ثم مالتْ عليّ قليلاً وقالت بتوسّلٍ لم أعتقد أنه سيبدرُ عنها يومًا: “إبقي اذكريني في رحلاتكم الجميلة”.

عندما يستيقظ زوجي تكون غلاية القهوة الثانية قد نزلت للتوِّ عن قرص النار. لا يُنظف أسنانه أبدًا ومع ذلك فإنها ناصعة وقوية مثل أسنان الحصان. أمي كانت تقول دومًا إنّ زوجي يأتي من عائلة كل رجالها مثل الخيل: أقوياء وأصحّاء وأسنانهم كبيرة وبيضاء. حتى إنّ أبي المرحوم لم يُخفِ حماسَه من أحفاده الذين سأنجبهم له، لأنهم “سيُولدون كالخيل، يرفعون الرأس إلى أعلى”.

ومع ذلك وددتُ لو ينظف أسنانه، خاصةً في الصباح، حين يهمّ بي أحيانًا، وأنا أيقظه، فيشدّني من يدي ويستلقي فوقي على السرير ولا يكترث بشيء. لا ينتظرني حتى لأستيقظ كما يجب، أو لأغسل وجهي. وما أن أستيقظ كما يجب حتى يكون قد انتهى من اللهاث السريع ذي الرائحة الكريهة، فينكفئ على الجانب الآخر ويسأل بهدوء: متى ستنهضين؟

ولكنني ربّيتُ أبنائي على تنظيف أسنانهم. لا أريد لأيٍّ منهم أن تتضايق منه زوجته في الصباح أو قبل النوم. على أبنائي أن يكونوا رجالا أصحاء وجميلين وحسّاسين لنسائهنّ. ولو كانت وُلدت لي ابنة -كما أملتُ دائمًا- لكنتُ صنعتُ منها أفضل امرأة في الدنيا. ولكنتُ بعثتُ بها إلى الجامعة وعادت إليّ طبيبة تطبّب لي عظامي المتفكّكة ومفاصلي التي بدأت تلتهب. طبيب القرية قال لي إنّ عليّ أن أريحَ جسدي وأن أتوقف عن القيام بأية مشاغل صعبة. الحمار. لا يكفي أن يذهب المرء إلى الجامعة ويصبح طبيبًا، عليه أن يكون ذكيًا أيضًا وفطينًا. ومن سيقوم بكلِّ مشاغل العائلة والبيت؟ هو؟ لو وُلدتْ لي ابنة وصارت طبيبة أفضلَ منه بألف مرة لكانت علّمته درسًا في الحياة يسوى كل المعدات الباردة التي يضعها على جسدي عندما أذهب إليه. يضعها ويطيلُ وضعَها ولا أتبرّم لسببٍ لا أعرفه.

3

خمسة أبناء وكُلهم رجال متعلمون مثل الورود الحمراء البراقة في لحظة صفاء نادرة. أنظر إليهم ولا أتحسّر إلا على المرات التي لم أقبّلهم فيها أكثرَ مما قبّلتهم، لا أتحسّر إلا على المرات التي كنتُ أعلم أنهم يقظون فيها يدرسون وأنا خالدة للنوم.

البكر مهندس والثاني معلم والثالث ممرض والرابع تاجر في سوق يسمونها البورصة والخامس يعمل في بنك القرية. ما زال أعزبَ “قريد العشّ”. الوحيد الذي لم يستقرّ في بيت له، ولكنني أتمنى بيني وبين نفسي أن يتأخرَ قليلا أكثرَ، كي يُؤنسَ وحدتي في العصريات الطويلة التي يكون فيها زوجي غائبًا، يسوقُ الباصَ آخذًا أربعين أو خمسين شخصًا في رحلة جميلة.

المرة الأولى التي ركبتُ فيها الباص كانت بعد الزواج بيوميْن. كان ما زال فرجي يؤلمني من ليلة الدخلة، وكنتُ كلما تذكرتُ اللحظة الأولى أهرعُ للتقيؤ في المرحاض، متعللة بأمٍر ما قد أكون أكلتُه في ليلةِ الزفاف. ولكنني كنتُ على الرغم من شعوري هذا أنتظر بلهفةٍ ركوبَ باص الشركة الذي يسُوقه زوجي وأن نمضي معًا في رحلات طويلة نلحق بها أثر الشمس الغائبة، فلا تغيبُ. في المرة الأولى ذهبنا في الباص إلى المدينة المجاورة وتعشيْنا سمكًا مشويًا. كان لذيذًا، واستغرقني أسبوع حتى علمتُ فيما بعد أنّ هذه “الرحلة” كانت شهر العسل الذي يتحدثون عنه.

لم آبه كثيرًا بشهر العسل القصير، فقد كنتُ متأكدة من أنّ شهورًا من هذا العسل آتية لا ريب فيها. بعد أربعة أيام عاد زوجي إلى العمل. ولمّا عاد، طلب مني أن أنظف الباص الذي ملأه الطلاب الملاعين بالمُسليّات والمُكسّرات والقيءِ. نظفتُه كما لو كان غرفةَ نومِنا. عادَ يلمع مثل البلّور وعاد فرجي يؤلمني في تلكَ الليلةِ تمامًا كما في الليلةِ الأولى. ولكنني لم أنبس بكلمةٍ؛ فغدًا سيأخذني إلى رحلةٍ جديدةٍ.

4

صارَ ينطلقُ في كلِّ صباح إلى عملِه، إلى رحلاتِه، ولا يعودُ إلا في المساء. وبعد أن يتعشى، آخذُ أدواتِ التنظيفِ وأصعدُ إلى الباصِ الطويلِ وأُعمِلُ فيه تنظيفًا، حتى يعودَ جديدًا كما خرجَ من الشركةِ. مع الوقتِ صرتُ خبيرةً بالنفايات التي أجمعها من الباص، وبواسطتها صرتُ أتكهّنُ بأعمار المسافرين وطباعِهم وأهدافِ رحلاتِهم. في مراتٍ كانَ يعودُ الباصُ نظيفًا إلا من بعضِ الأوراقِ البيضاءِ المكتوبةِ عليها كلماتٌ بلغةٍ لا أعرفُها؛ في مراتٍ أخرى كان يعود مليئًا بأغلفة المسليات والنقارش وعلب المشروبات الخفيفة الفارغة، وبعض القيء هنا وهناك.

ومع الوقت أيضًا لم أعدّ أحسّ بأية آلامٍ عندما يهمّ بي، كأنّ مصدر الألم انطفأ إلى الأبد، ففرحتُ لانطفائه ولم أزل.

عندما ولدتُ الأول، وعدني زوجي سائق الباص برحلةٍ خلابةٍ أستعيد فيها عافيتي وأعوّض على ولادتي العسيرة الأولى. ولكنه نسي، بعد أن توفت حماتي من ولادة البكر بثلاثة أيام، وأنا خجلتُ من أن أسألَه عن الرحلةِ الموعودةِ، لأنه صار يعودُ في أغلبِ الأحيانِ غاضبًا ومُزمجرًا ويبرطمُ بعباراتٍ فيها شتائم ومسبّات على صاحب الشركة وعلى زملائه وعلى ظروف العمل المهينة. عندما وُلد الثاني لم يقترح أية رحلة، وأنا لم أفاتحْه بالموضوع؛ فالولادة الثانية كانت سهلة نسبيًا للأولى، ولم أعتقد بيني وبين نفسي أنني أستحق رحلة في باص زوجي على ولادةٍ سهلةٍ.

بعد أن ولدتُ الثالثَ تيقنتُ نهائيًا من أنَّ الرحلةَ التي أنتظرُها لن تأتي أبدًا. كيف سنخرجُ في رحلةٍ جميلةٍ وطفلي رضيعٌ والطفلان الآخران يبكيان لأتفهِ الأسبابِ؟

كنتُ استقبل صديقاتي الفرحات العائدات من رحلاتهنّ مع أزواجهنّ إلى القدس ويافا وبانياس وأبتسم تأدبًا، وأنا أستمع إلى تفاصيل مثيرة وأخرى مملة لا يتعبنَ من تردادها، وأتجاهل الواحدة منهنّ حين تقول على حين غرة: “ألا تحديثننا عن رحلاتك في الباص الجميل”؟

ومن دون أن أدري تحوّلت علاقتي مع الباص إلى علاقةِ دلوٍ مليءٍ بالماءِ والصابونِ، ومكنسةٍ وبعض أقمشيةٍ باليةٍ. في كلِّ يومين أو ثلاثة أصعدُ إليه وأمسحُ بقايا القيءِ والأكياسِ التي خلّفها الصغارُ خلفَهم. صرتُ خبيرةً في أنواع الأكياس وألوانها وأسماء المسليات التي بها، وهكذا صرتُ أشتريها لأبنائي عندما يهمّون إلى رحلةٍ مدرسيةٍ. كنتُ أملأ حقائبَهم بأشهى المُسلّيات وأودّعُهم دامعةً وهم يركبونَ الباصَ في الرحلةِ المدرسيةِ التي لم يكونوا ينامون في الليلة التي تسبقها. كنتُ أسمع همسَهم في الليل وهم يتجاذبونَ أطرافَ الجّمَلِ حول المكان الذي سيذهبون إليه وحول زملائهم وما اشتروه وكيف أنني دائمًا أشتري لهم أفضلَ المسليات، إلا أنهم كانوا يُجمعون دائمًا على أنّ زوجي أفضلُ رجل في الدنيا لأنه يأخذهم في رحلات المدرسة ويحفظ لهم دائمًا المقعد الأخيرَ الطويلَ.

وكنتُ أتقلّب في سريري وأنظر إلى السقفِ المعتمِ وأتذكرُ أنّ خالتَهم أيضًا كانت من مُحبّي المقعدِ الطويلِ في الخلف، مع أنها هي الأخرى لم تُجرّبه في حياتها.

في كل صباح كانوا يخرجون إلى المدرسة في الباص الكبير، الذي عتق وصار مهترئًا، ويتركونني لوحدي على قارعةِ المدخلِ ألوّحُ بيدي وأستنشقُ رغمًا عني دخانَ “الديزل” الأسودِ الكريهِ.

عندما وُلد الرابعُ حصل زوجي على باص جديد من الشركة. كان منظرُه خلابًا ونظيفًا وجديدًا؛ كان يعبق براحةِ أغطيةِ الكراسي الجديدةِ وكدتُ لفرطِ اندهاشي أن أقعَ إلى الخلف عندما قال لي زوجي بفخرٍ إنّ به فيديو وتلفازًا! ولكنّ فرطَ الدهشة جعلني أيضًا أندفعُ إلى الخلف مُروَّعَةً فاندلق دلوُ الماءِ والصابونِ الذي أحضرتُه لتلميعِ الأرضيةِ اللماعةِ أصلاً، فتوسختِ الأرضُ بالماءِ ووسّخَ قسمٌ منه أرجلَ أبنائي الواقفين خلفي، فاندهشوا وتريّبوا! فلطمَني زوجي بيده على وجهِي، كما يفعلُ عادةً عندما يغضبُ، وصاحَ: يا بقرة! ألا يليقُ بكِ حتى باص جديد؟

لم يفعل أبنائي شيئًا، بل نكّسوا رؤوسهم وخرجوا بصمتٍ من الباص، تاركينني أمسحُ دموعِي وأمسحُ الماءَ عن أرضيةِ الباصِ بسرعةٍ وحرصٍ كبيريْن، كي يتركني بحال سبيلي، فالأولاد يروْن!

منذ تلك اللحظة صرتُ أكره هذا الباص الجديد. أنظفه رغمًا عني، وبكسل واضح. حتى إنني كنتُ “أنسى” في كثير من الأحيان أكياسًا صغيرة أو بقعة قيء أعرفُ أنّ رائحتها ستزكم أنفه في اليوم التالي. لم يكن يهمّني؛ لو كان يهتم بتنظيف أسنانه لاهتممتُ به أكثر!

5

بدأ الأبناءُ بتركِ البيتِ للدراسةِ وصرتُ أحترفُ الجلوسَ عصرًا عند مدخلِ البيتِ أنتظرُ شبحَ الباص الجديدِ. وقد أحسَنَ بِكري صُنعًا -وأيّما إحسانٍ- حين ركّب على سطح المنزل صحنًا كبيرًا مُدوّرًا قال إنه يزيد على القنوات في التلفاز أكثر من 100 محطة، فلم أصدّقه إلا حين أخذَ يقلّب بينها، وقامت قيامةُ الأبناءِ الآخرين وزوجي، كلٌ يريد أن يشاهد محطة بعينها، إلى أن صاحَ زوجي ونهرَ، ثم أخذ يقلّب حتى وصل محطةً كان فيها رجلان يصرخان على بعضهما البعض. بعد برهة قال “قريد العش”: “هذه محطة اسمها “الجزيرة”. “محطة أخبار”.

ولكنني لم أحبّ “الجزيرة” يومًا، فهم يصرخون على بعضهم البعض طيلة الوقت. كنتُ أحبُّ مشاهدةَ الأغاني وبرامج التطبيب بالأعشاب والمسلسلات العربية. لا أعرف حتى الآن كيف صمدتُ طيلة الوقتِ من دونِ هذه المسلسلات. وأكادُ أقسمُ بأنني أذكرُ حلقاتٍ كاملةً من مسلسل “مفيد الوحش” و”الجوارح” عن ظهر قلب؛ فما أن ينتهي بثّ حلقاتِ المسلسلِ على قناةٍ ما حتى تبدأ قناةٌ أخرى ببثها، لتعيد القناةُ الأولى ببثها من جديدٍ في الليل المتأخرِ، وقناة أخرى وأخرى وهكذا، حتى استغنيتُ عن أية صلة بما حولي وصرتُ أنا والصحن المدوّر الكبير أعزّ صديقيْن: أنا أؤنس وحدته في الصالة، وهو يأخذني في رحلات لم يكن ليحلم بها أيّ سائق باص.

كان كلما يطلّ زوجي من بعيد تعودُني ذكرى الألم القاتل إياه من ليلة الدخلة، فأهرع للتقيؤ خلف البيت. فيما بعد قال لي الطبيبُ إنّ عندي جرحٌ في المعدة وإنّ القيءَ الدائمَ الذي ينتابني سببُه موادّ التنظيف التي أستعملها، فنصحني باستبدالها، فاستبدلتُها. ولمّا لم يتوقف القيء قال يائسًا: المهم ألا تأكلي كثيرًا، فتتقيّئين أقلَّ. وهكذا صرتُ آكل قليلاً، وأتقيّأ قليلاً وأنحف كثيرًا، وصرتُ أسمح للطبيب بأن يطيلَ وضعَ أدواتِه على جسدي كيفما شاء، وأحيانًا كان يستغني عنها ويتحسس مواضع الألم بيديه، مرتعشًا حتى يهدأ.

6

عندما رأيتُ هذه القطعةَ المطاطيةَ الطويلةَ لم أفهم ما هي. كما أنني لم أتيقن من هذا السائل اللزج المحبوس بداخلها. كانت القطعة المطاطية ملقاة في نهاية الباص على الكرسي الأخير الطويل، نفس الكرسي الذي قالت لي أختي قبل دهر من السنين إنني لن أنسى طعمَه. عندما تعرفتُ على رائحة السائل اللزج لم أتمالك نفسي فتقيأتُ على الكرسي ووسخته شرّ توسيخ. ثم صرتُ بعد هذه الحادثة أفتعل النوم في تلك الصباحات التي يأتيني فيها من الخلف، فيبلغ مشتهاه وأنا “نائمة”- فأريحُ وأستريح!

7

أجلسُ في كل صباح لوحدي، في الخامسة صباحًا، وأسأل الشمس بصمت عن رحلتها الطويلة. أنظر إلى الباص الذي يقودُه زوجي في رحلاته الكثيرة وأودّ لو أسأله عن الأماكن التي زارَها وعن الناس الذين رقصُوا وغنّوا على مقاعدِهِ ليومٍ كاملٍ. حتى أبنائي الذين أحبُّهم أقلّوا من زياراتهم وهُم لاهون عني بزوجاتهم وأحفادي الذين أنتظرُهم بفارغ صبرٍ.

ومنذ أن وُلد أحفادي وكل أبنائي وزوجاتهم يغيبون في رحلات طويلة، لا يشبعون منها، وأنا أنتظرهم دائمًا ليعودوا إليّ بخِمار شتوي أو بقطعةِ قماش أخيّطها على ذوقي. أبنائي أشبه ما يكونون بالرحّالة، يحبّون الرحلاتِ أكثرَ من أيّ شيءٍ آخرَ. فهكذا علّمتُهم وهم صغار: لا تفوّتوا رحلةً في حيواتِكم، ولا تفوّتوا فرصةً للسّفر مهما حييتم. اسمعوا مني، فأنا أمّكم وأعرف أكثرَ منكم في الرحلات!

صرتُ أرحلُ كيفما أريدُ وأينما أريدُ، وأنا جالسةٌ في مقابل القنواتِ الكثيرةِ حتى صرتُ أكرهُ الرحلاتِ الحقيقيةَ والباصَ وزوجي، وصرتُ أقلِل من الخروج إلى الشرفةِ أو مبارحةِ مكاني في الصالة. بعد أن أنهكني المرضُ وداءُ المفاصل، موّل لي التأمين الوطني مساعِدةً تأتي لتعينَني على مهمّاتي الحياتيةِ ولترتبَ المنزلَ المُقفرَ. فـ “قريد العشّ” قرّرَ السكنَ في المدينة، حيث يسكن أخُوه الكبير، “ففرصُ العمل هناك أكثرَ”.

صرتُ أجلسُ ساعاتٍ وساعاتٍ، أسافرُ في أيةِ رحلةٍ أريدُ، وفي أيّ باص أختارُ، وعبرَ أيّ مسلسلٍ أرتئيه. ومع أنّ نظري خفّ كثيرًا وسمعي أكثرَ، إلا أنني ظللتُ قادرةً على التمييز بين الصُور والأحاديثِ وأطيافِ الأماكنِ التي أراها على الشاشة.

وهكذا سمعتُ صوتَه من الداخلِ يصيحُ: “إلحقيني، إلحقيني، عَم بموت!!” إلا أنني لم ألحقه ولم أفعلْ شيئًا. ماذا يريدُني أن أفعل؟ ثم إنّ نداءاته خفّتِ الآن، ثم توقفتْ تمامًا. أعتقد أنه نامَ الآن. فلينمْ، ماذا يريدُ مني أن أفعلَ؟ فلينتظرْ. فأنا الآن في رحلة وعليه أن ينتظر ريثما أعود.

كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، واتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

 لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلا ميّتا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له:

قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


*من المجموعة القصصيّة “الطلبيّة C345″، منشورات المتوسّط، ميلانو، 2018.

 

ما إن لمح صديقة القادم من الوطن في صالة الاستقبال في المطار، حتى بادره سائلاً إياه:

* هل أحضرت الأمانة؟

مد صديقه يده إلى حقيبة معلقة على كتفه ثم قال وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:

* لقد دوختني بمكالماتك وقولك: “أحضر لي حفنة تراب.” ألم يغترب أحد غيرك يا رجل؟!

ثم أخرج من حقيبته كيسا مليئا بالتراب.

نظر بوجه يخلو من أي مشاعر إلى صديقه الذي قدم لتوه من الوطن، تناول كيس التراب ثم توجه صامتاً إلى القطار.

بقي صامتاً في القطار أيضا، لم يكن يسمع قرقعة عجلات القطار على السكة ولا ضحكات مجموعة من الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزينة بالزمام أو فتيانا يتصايحون فرحا بنصر فريق كرة يؤيدونه. كان يمعن النظر إلى الكيس المليء بالتراب بين يديه.

كان الذين يمرون بقربه على عجل وينظرون إليه، يتخيلونه سكران أو نائما. حتى عندما طلب منه مفتش القطار تذكرة الركوب، أخرج تذكرته من جيبه ورفعها في وجه المفتش دون أن يرفع بصره عن كيس التراب، زم المفتش شفتيه وتغيرت ملامحه وهو يعيد تذكرته إلى يده التي كانت ما تزال معلقة في الهواء.

ثلاثة أعوام مرت وهو بعيد عن وطنه. وفي البلاد الجديدة التي لم تكن لتصبح وطنه صادف مصاعب شتى. قضى سنة بكاملها في سكن للاجئين، وسكن في السنتين الأخريين في منزل أشبه بالكوخ الحقير. لم تسنح له فرصة تعلم لغة البلاد التي وفد إليها، ولم يتمكن من عقد صداقة مع أحد ولم يستطع تأمين عمل يناسبه.

كانت الأيام تمر ثقيلة عليه في تلك المدينة التي لم تكن لتفتح أبوابها له. كان سيجن لو لم يمتلك الهاتف الجوال. ومع أن هاتفه لم يكن يرن إلا نادرا فقد كان يسليه، إذ كان يطلب أرقاما لا يعرف أصحابها ويسارع بالاعتذار قائلا: عفوا لقد أخطأت الرقم! كان يسمع مرات كثيرة أصواتا عنيفة غاضبة تقول: لا تخطئ مرة أخرى! لكنه لم يقلع عن تلك اللعبة لحاجته إلى سماع صوت آدمي والتحدث ولو لثوان قليلة.

كانت دائرة الخدمات الاجتماعية في البلدة تضغط عليه كثيرا ليعمل، لكنه وضع تعلم اللغة نصب عينيه هدفاً أساسياً، ولكن لم يكن هناك أحد ليساعده في تحقيق هدفه ذاك، إلى أن انخرط ذات يوم في البكاء عند موظف الخدمات الاجتماعية الذي يشبه كرة ذات عينين زرقاوين ولسان ألثغ! قال وهو يجهش بالبكاء:

* أرجوك امنحني فرصة تعلم اللغة قبل العمل!!

دخل دورة اللغة لمدة ثلاثة أشهر لم يتعلم خلالها سوى ” أنا فلان، من البلد الفلاني” وبضع جمل للمداولة اليومية.

انهمرت الرسائل القادمة من دائرة الخدمات الاجتماعية مرة أخرى على صندوق بريده البارد الصامت الذي لم يكن ليجد فيه سوى تلك الرسائل الرسمية الجافة الخالية من أي عاطفة!

اضطر لتوزيع الإعلانات، فكان يمشي لساعات في تلك الشوارع الموحشة مثل القبور ليوزع إعلانات للمطاعم والحلاقين وحتى بنات الهوى وكذلك جرائد الإعلانات التي توزع أيام السبت والأربعاء. اسودت أظافر قدميه حتى سقطت. كانت الكلاب في كثير من الصباحات تخيفه بعوائها إذ يقترب من أبواب المنازل ليدس الإعلانات في شقوقها. كان يحس بطعم المرارة في حلقه ثم يكمل مشواره.

ليست الكلاب وحدها، بل أصحاب الكلاب أيضا كانوا يزجرونه قائلين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إليه أو الرد على تحيته الصباحية:

* لا ترم هذه الأوساخ في صناديق بريدنا!!

ثم يستقلون سياراتهم ويمضون.

كان يطأطئ رأسه مضطراً وهو يبلع ريقه ثم يغادر صامتا إلى صندوق آخر.

* * *

توقف القطار في المحطة التي تسبق محطة بلدته، نزل بعض الركاب و صعد آخرون، كانت مجموعة الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزممة ما زلن يضحكن لكن قطيع مشجعي الفريق الذي ربح مباراته الأخيرة نزل من القطار وأفراده يرفعون علب البيرة في الهواء.

نظر إلى تلك الفتيات نظرة خاطفة، ثم عاد إلى التحديق في كيس التراب وشد عليه قبضته كمن يخاف اختطافه، وهدر القطار من جديد.

كان يشعر بالوحدة أنى ذهب. في القطارات، في المطاعم، في الاحتفالات التي يقيمها الناس في الشوارع، في المتاجر الكبرى. ما كان يجرؤ على النظر في وجوه الناس. كان يخشى أن يتحدث إليه أحدهم بتلك اللغة التي لا يتعلمها، فلا يرد على الناس ويتظاهر بأنه لا يسمع.

ولأنه لم يكن يتحدث بلغته أيضاً، فقد خاف من أن يصيبه الخرس وأصبح يتحدث إلى البسط والنوافذ، وإلى الغيوم والصلبان المنتصبة فوق أبراج الكنائس. حتى أنه بدأ يتحدث إلى المانيكانات التي تزين واجهات المحلات أيضاً.

عندما وصل إلى البيت، فتح الباب وهمس بصوت خفيض للتراب الصامت بين يديه في قعر الكيس:

* تفضل ادخل!

وما إن اجتاز العتبة حتى قال:

* اعذرني لأنني أتيت بك إلى هذه الغربة ولكن كان يجب عليك الحضور!!

توجه في بداية الأمر إلى غرفة نومه ووضع كيس التراب عند وسادته التي ينام عليها، لكنه استدرك قائلاً:

* لا. ليس هذا محلك!

دخل إلى الصالون ووضع الكيس هناك. لم يعجبه المكان وأخذته الحيرة فأخذ يتنقل به من زاوية إلى أخرى في شقته الصغيرة إلى أن استقر به المقام في الحمام، فسكب ما بداخل الكيس من تراب على الأرض الباردة الرطبة. ارتفعت كومة من التراب المتعب الجاف الصامت الذي شهد آثار خطواته آلاف المرات، على أرض الحمام. كاد يسمع أنين التراب إذ ينسكب ذرة ذرة على تلك الأرض الغريبة.

تضاعفت دقات قلبه واغرورقت عيناه بالدموع. نظر إلى كومة التراب ملياً ثم قال بصوت مرتجف:

* ها أنذا يا تراب وطني أشم منك رائحة الخراب.

سكب جرعات كبيرة من البيرة في جوفه ثم واصل التحدث قائلاً:

“مضت علي ثلاث سنوات وأنا بعيد عنك، اعذرني إن كنت نسيت اللغة التي كنت أحاورك بها. اعذرني إن خاطبتك في هذه الليلة الموحشة بعدم احترام. هل تذكر عندما حاصر البوليس منزلنا ثم اقتحموا غرفتي؟ أتذكر عندما حطموا قلمي وأحرقوا أوراقي التي سطرت عليها أشعارا تحكي حبي لك، أمام عيني وعينيك؟ أتذكر حينما صادروا كتبي ووضعوها مثل أرانب خائفة في أكياس قذرة؟ لقد قيدوا يدي أمام عينيك – إن كانت لك أعين – وأخرجوني وهم يركلونني ليرموني مثل كيس تبن في سيارة جيب لونها كان يحاكي لونك؟ لقد بقيت وقتها، أيها التراب، صامتا تلعق أحذية قوات الأمن دون أن تشعر بآلام معصمي المقيدين!! وعندما عدت بعد أسبوع في السيارة ذاتها، كنت أنظر من خلال زجاج النافذة إليك، كاد قلبي يتفطر وأنا أرى عجلات سيارة الأمن تزني بك!!

كنت أنت الشاهد الصامت للفجيعة حينما كانت أحذية المخابرات ترسم نقوشا متوحشة عليك وأنت في صمتك ونومك الترابي!!

هل تذكر حين طحن العشق قلبي ذات خريف؟

نعم، بدون شك ما زلت تذكر عندما كانت حبيبتي تحث الخطى كل ظهيرة فوقك لتأتي إلى غرفتي وتضع يديها على عيني المنتظرتين وهي تسأل ضاحكة: من أنا؟ كنت أتغابى فأتحسس بيدي يديها اللتين تشبهان حمامتين أليفتين ثم أرفع أصابعي إلى شفتيها المكتنزتين الدافئتين وأنزل بها إلى نهديها التفاحيين و فخذها اﻟ … وأقول: أنت جنية!!

كنا نتقلب كغمامتين ثائرتين تلهو بهما رياح مجنونة.

كانت حبيبتي تنسج بخطواتها كل ظهيرة بساط الأكاذيب، وكنت أنت على علم بالفخاخ التي تنصبها أمامي، لكنك لم تهمس ولو لمرة واحدة في أذني: حذار من أن تتعثر قدمك بالفخاخ! لم تقل لي ولو مرة واحدة: يا مجنون! لا تثق بالسراب، سيموت قلبك عطشا!! لم تقل لي: لتنته هذه اللعبة، قلبك يتعرض للطحن!!

كنا صديقين أيها التراب. كتبت فيك أروع الأشعار. كنت أشمك بكل ما في رئتي من قوة. كنت أبقي على غبارك الملتصق برموش عيني و ثيابي أسابيع و أياما ولا أنفضه عنها!!

كنت أقول: هذا غبار مقدس، غبار التراب، التراب الذي يغفو أمام باب الدار، التراب الذي يحتضن طفولتي المخنوقة وشبابي الضائع”.

احمرت عيناه رويدا رويدا، وأصبحت علب البيرة المرصوفة على رف المرآة تفرغ علبة إثر علبة، لكنه استمر في التحديق بكومة التراب المنسكبة على أرض الحمام العارية الصامتة وهو يقول:

“أصبحت تائها شريدا. حملت قلبي المحطم وطفت به في كل الأماكن دون أن أجد أحدا يلملم شظاياه. كنت تراني عشرات المرات في حيرتي – إن كانت لك أعين – لكنك كنت تبقى في صمتك الأزلي.

أما كان عليك أن تصبح أمام حزن خطواتي جنونا من غبار فتتطاير في سماء تلك المدينة المجرمة لتخبر الجميع بما يعانيه هذا القلب من آلام؟ أما كان عليك أن تخبرني بكل الفخاخ المنصوبة أمام قلبي؟ أنا الذي كنت أراك أما لي بل أكثر من أم؟

أحرقت منزلي وكتبي قهرا من حياتي البائسة وأوشكت على إحراق نفسي بينما كنت تنظر إلي صامتا، وربما كنت تقول في سرك وأنت تضحك: لقد جن الولد!!

كنت أرى معنى حياتي في حمايتك وحبك، وعندما أسمع كلمة سوء بحقك كنت أجن وأكاد أخفيك في عيني وأذود عنك بنور بصري. كنت مستعدا لبذل دمي فداء لك، ولكن أنت!! آآآآآه. بم أخبرك الليلة؟!

قل لي ما الذي فعلته لأجلي عندما ضاقت بي الأرض وسحقت طواحين الأمل قلبي لتجعله طحينا مشتعلا؟ ما الذي فعلته لأجلي عندما كنت تراني بائسا حزينا جائعا!! كنت أبكي لأجلك ولم أسمح حتى للريح بخطفك من أمام باب الدار، لم أذق للنوم طعما حتى أمنع لصوص التراب من نفيك إلى أرض المجهول!! قل لي – إن كان لك لسان – ما الذي فعلته لأجلي عندما هربت إلى هذه البلاد التي لا تصبح بلادي؟!

كنت تنظر إلي – إن كانت لك أعين – وتراني أروح وأجيء باحثا عن ذاتي التائهة، وعن حياة هادئة وحب صاف، لكنك لم تصبح وطنا لتلك الحياة ولا لذلك الحب!!

كنت تبقى صامتا، كما أنت الآن على هذه الأرض الباردة العارية وفي هذه الليلة الخرساء!! فلا تقل لي بعد: لم أتيت بي إلى هذه الغربة؟!

إنك أنت الذي دفعت بي إلى كل هذا الخراب، أنت من نفيتني. إنه ذنبك أيها التراب، ذنبك أنت. فلا تظنن أنني سأضعك بجانب رأسي على الوسادة لأشمك كل صباح وأقول: ياااه! تفوح من ذراتك رائحة الجنة!!

لا. لا أبداً. لكنني ﺴ…………. “

فجأة عمد إلى أزرار بنطاله وأخذ يحررها عن عراويها بسرعة، ثم بدأ يتبول على حفنة التراب المتكومة كأنين صامت على أرض الحمام الباردة الرطبة.

 

لم يكن هناك يوم أكثر رعبًا من الأوّل من آب. نصف الإجازة قد انقضى. كيف انقضى؟ كَحال انقضاء أربعة أسابيع تَسبقُ طور البلوغ. موكبٌ من درّاجات أولاد الجيران، كلابٌ صغيرة تهرول خلفهم. الصّالة مظلمة لأنّ الشّرفة مغطّاة وقد امتلأت الأوعية الباردة والنّظيفة بالعنب الأخضر بيد خفيّة. كلّ صباح، وأمام منظر التلفاز الّذي يشرح الصّدر، يبثّ مسلسلاً استراليًا حول منقّبي الذّهب، ومسلسلاً أستراليا آخر عن النُزل في المسلسل التلفزيونيّ جدول الخمسة أميال. افتُتح المسلسلان بألحان حزينة مصحوبة بجيتار صوتيّ. انظروا إلى قضبان الذهب الصغيرة التي تتلألأ في النهر. انظروا إلى الحريّة التي حظيتُم بها. كل صباح كان ينتابنا شعور الطلاب الطبيعيّ، والآن نحن أحرار. كلّ مساء عند الشرفة المفتوحة. حشرات من النوع الذي أطلقوا عليه لقب الخميني، غطّت أضواء النيون. لم يفكّر أحد في إيران، لم يخش أحد من إيران. كانت بنيّة اللون وقد صُبّت كلمة آية الله في الأذنين مثل خليط ساخن من الشوكولاتة. سافرت أعزّ صديقات دويت إلى الولايات المتّحدة، وكانت دوريت عضوًا في بركة “بيت داوود”، ونصف الإجازة قد انقضى. شجيرة ياسمين صغيرة فاح عبقها في أرجاء الحديقة، والشّجرة المتوهّجة الضّخمة قد انتهت من طَرح زهورها الغريبة مخلّفةً رائحة رطبة لباقة قد ذوَت. في صباح ذلك اليوم، تأمّلت فتاة طيّعة جدوَلها المُحبط حتى الأول من أيلول وتنهّدت.

هناك بؤرتان جيدتان للمراقبة من حول منزل ديبورا، الأولى عند مدخل ملجأ الحي، فوق الدرج الإسمنتيّ. الثانية، وراء محل البقالة، المنطقة الحدوديّة للبيئة القريبة، بين الصناديق البلاستيكية ورائحة النفايات. حصنان ساتران. سيسمح المنظار القديم والأسود بإلقاء نظرة مركّزة عن قرب، وسيتم إخفاؤه في كيس من القماش. يجب إجراء المراقبة أسبوعياً، مرتين في الأسبوع. بعد ظهر يوم السبت، قبل نهوض المصلين من قيلولة الظهيرة ويوم الأحد ظهرا. ساعات يجثم فيها الشارع على الإسفلت، حالمًا، تحت أشجار الجميز والساسم. يوم السبت الماضي سمعَت الرجل يتحدث الإنجليزية الغربية، يوزع التعليمات والإطراءات. هير كيتي كيتي. غود دوغ. ومرة أخرى، أثناء إطالته الحركات. غوووود دوغي. اليوم، الأحد، هادئ جدًا. من حين لآخر، أصوات غرغرة ورنين الحديد وأصوات قضم عرضيّ ونداء ديبورا آر يو ذير؟ يجب تدوين جميع العمليات بعناية في الكراسة ووضعها في الكيس. ثمّ تحليلها واحدة تلو الأخرى.

في المنزل رقم خمسة، تعيش ديبورا وزوجها. سقفهم القرميديّ متّسخ وقديم، وعلى الجدران الخارجية قالب ذو نتوءات مدبّب من الجصّ المرشوش لم يتم طلاؤه منذ مدّة. ديبورا بدينة جدّا ذات شعر أسود، أملس، مزيّت وأشعث. ترتدي دائماً أرواباً زهرية كبيرة الحجم، بينما هو نحيف جداً يربّي ذقنًا ويرتدي دائماً الكتفيّات البنيّة. لم ينجبا أطفالاً. لديهم سجن للقطط والكلاب. ليس واضحًا كم عدد الحيوانات التي يحتفظون بها. إنهم يحبون حيواناتهم القابعة في قفص كبير، عرضه كعرض حديقتهم فيما يصل طوله باب بيتهم. يتحدثون إليها باللغة الإنجليزية. تستند ديبورا إلى البوابة الحديدية، بدينة كالحوت، تقصّ على الرّجل قصصًا بنبرة عالية ومنفّرة لحرف الرّاء مثل زعق صفارة الشرطة، وترمي قطعًا صغيرة من الدجاج إلى القفص. القطط لا تسمن. الكلاب تريد الخروج.

بعد الظهر، تُفَتح إحدى الكرّاسات. هناك مشكلة في المحلول. خلطوا محلولا ملحيًا بتركيز عشرين بالمائة مع محلول ملحيّ بتركيز ثلاثين بالمائة وحصلوا على ثماني مائة غرام محلول ملحيّ بتركيز أربعة وعشرين بالمائة. كم غرامًا أخذوا من كلّ نوع؟ أغلقت الكراسة.

يوجد خلف المستودع زوج دراجات باللون البرتقاليّ. لديهم عجلة إضافيّة واحدة ويمكن الركوب عليهما دون خوف، لكنهما يُحدثان ضجيجًا. تقرر دوريت القيام بجولة على عجلتين. لا يُسمع نباح، ولا حتى مواء قطة. ولا حتى أيّ شهيق صادر من الأنف، احتكاك الفك باللسان أو حكّ الأذن بالأظفر. الحيوانات لا تخشى الدراجات. كادَت الجولة تنتهي بنجاح، لولا ديبورا، التي وجدتها دوريت بعينيها الصغيرتين، والتي ربما لم تكن صغيرة على الإطلاق، وإنّما كانت على هذه الحال فقط بسبب طيات الدهن التي علقت، متورّمةً، على كلّ وجهها. مرحبا ديريست. ديريست هي دوريت الباحثة، التي ترغب في النّظر إلى عيون الحيوانات ومنحها معنى. . تم الإمساك عليها أثناء جولة. مرحبا. تجيب دوريت وتتأكّد من أنّ المنظار مخبأ في كيس من القماش الملفوف. تنتقل ديبورا إلى العبريّة بلهجة فظّة. ألا تجيدين ركوب الدراجة؟ لا. تحاول دوريت النّظر إلى ما وراء الجسد الهائل والتقاط عينين خضراوين لقطّ سياميّ، قطعة من ذيل فرويّ لكلب بودل، ولكن لا يمكن التقاط أي شيء يتجاوز الجلابية الحريريّة الورديّة التي ترتديها ديبورا. يجب إنزال هذه العجلة الصغيرة، هذا المطلوب وكفى. لا تخافي يا ديريست. تقول مبتسمةً.

لستُ خائفةً، تكذب بثقة، على نفسها وعلى ديبورا. هذا أمر مؤقّت. في ختام الإجازة، سوف أُنزل العجلة. ويت أ سيكَند، دير.  تختفي ديبورا داخل المنزل، تفتح باب الشّاشة الذي طُرق خلفها كما لو كان صوت ضربة، ثمّ الباب الخشبيّ الثقيل، وتختفي وهي تخطو مثل الدبّ. آن أوان إخراج المنظار وفحص ما يجري هناك في القفص في الفناء الخلفيّ، لكن كم تبقّى من الوقت أساسًا؟ تعود ديبورا وبيدها زرديّة كبيرة تمدّها إلى الأمام. ذير يو غو، تقول مبتسمةً، وتنحني إلى الأسفل. تفصل العجلة الإضافيّة عن الدراجة وتجعلها تسقط في الشارع بضربة خفيفة تهزّها إلى الهامش. وِل، غود لاك ديريست. تبتسم، تدير ظهرها لدوريت، تستند إلى البوابة الحديديّة وتنظر إلى حديقتها برضا. تنظر دوريت بحدقتين متحرّكتين بينما تتلاشى قبضتها عن الزردية الكبيرة تدريجيًا. كانت ثقيلة عليها. الزردية موضوعة في أحد الأصص المهجورة، المتربة والمغبرة، التي لا ينمو فيها سوى حشيش النجيل. تنزل دوريت عن مقعد الدراجة، تمسك بالمقود وتجذب الدراجة باتجاه اليمين في أعلى طريق العودة إلى المنزل.

يتربص المساء من داخل طاولة الكتابة. أسئلة في النّسبة. مجموع عددين هو أربعون. النسبة بين العدد الكبير والعدد الصغير هي 2 إلى 3. ما هو العدد الصغير؟ تمسك دوريت بمجموعة من الأقلام الملونة. تدوّن في الكراسة، في رأس الصفحة، الكلمات “العدد الصغير هو” باللون الأحمر، وترسم من حولها قطّ رماديّ يجلس على سور، يتأرجح ذيله يمينًا بوضعيّة تذكّر بعلامة النّصر. إلى جانب القطّ ترسم الكلب سنوبي، مستريحًا على سطح وِجاره.

ككلّ مساء، وُضع التلفاز في الشرفة وبث الألعاب الأولمبية. ثلاث رياضيّات يحلّقن الواحدة تلو الأخرى واحدًا تلو الآخر بالتوازي، مرتديات بدلة لصوقة بيضاء، شعورهنّ ملفوفة جيدًا في هيئة كعكة صغيرة، معززة بدبابيس الألومنيوم. على صدورهنّ عُلّقت بدبّوس علامة من القماش تحمل أعلامهنّ الوطنيّة وشعارًا تجاريًا يشبه الجناح لشركة منتجات رياضية. لفةٌ فطَيران, لفّة فهبوطٌ بساقين على خط الهبوط مباشرة. يرفع القضاة اللافتات ويوزّعون الدرجات. تنحني الرياضيّات ويركضن خلف الكواليس. صوت نقيق ضفدع قادم من العشب. تنهض دوريت عن الكرسي، تتأمل مقابضه المصنوعة من الألومنيوم، في المقعد المصنوع أفقيًا وعموديًا من القماش المشمع باللونين الأخضر والأصفر. تغادر إلى ملجأ الحي، تصعد الدرج، ترقب الظلام في منزل ديبورا.

الزرديّة لا تزال هناك، في الإصيص. آن أوان التحليق. بصعوبة، تنحشر في الزاوية الحادّة للفتحة الضيقة التي تسمح بها البوابة المقفلة بسلسلة، والتي يتمّ تحريكها بلا صوت بأيدٍ صغيرة ومحاولة فتحها. تُمسك بالزردية الموجودة في الإصيص وتنفلت صوب الحديقة الخلفية، وهي مكان لم يزره أحد من قبل، حيث تسمع البث الأولمبي القادم من المنزل، بينما يجرّ زوج ديبورا كرسيًا. ترى دوريت الأصوات. ألسنة قطط تشرب اللبن الرائب، عيون كلاب تلمع من شعاع الضوء الوامض من  مصباح الشارع القريب. تقرر أن تهاجم القفص في مكانين، لكن نقرة واحدة لا تكفي، بقوة، بدون خوف. تدرك الحيوانات حجم المكانة وتظلّ صامتة. تهزّ القطط أجسادها خارج القفص وتتثاءب، تقفز الكلاب إلى الأمام وإلى الخلف. لم يُصب أيّ قطّ بالرّعب، ولم يحلّق أيّ كلب، ولم يتحدّث الخَلق، بل صمَت العالَم. من التلفاز الموجود في صالة ديبورا وزوجها صدر صوت المذيع قائلاً: “رقم قياسيّ عالميّ جديد”، ولم يهرب أيّ حيوان مع دوريت. لكن الليل جليّ والإجازة كبيرة وما زال هناك شهر بحالِه على انتهائها.

*نُشرت القصّة لأول مرّة في عدد 31 لمجلّة “شفو”، منشورات ابن حوشن، 2017.