مشروع القصة القصيرة

search

 

لم تكن قد مرّت عليّ سوى بضعة أشهر مذ أكملت فترة الخدمة العسكرية الإلزامية حين جاء نفير يوم كيبور مستدعيًا كلّ الجنود. في وهلة، فكّرت في تجاهل النداء. لا أعرف لما فكّرت في ذلك، لكنّني عرفت يقينًا أنّني لن أستطيع تحمّل تبعات ذلك التجاهل. تهمة الخيانة العظمى ستكون جاهزة لإعدامي. غالبت أفكاري الجامحة ورميتها جانبًا، وتركت هوّيتي الإسرائيلية تتسلّم زمام قيادتي وتدفعني نحو إخراج بذلتي العسكرية، والجري سريعًا نحو ما كنت أعرف بشكل ضبابي أنّه مصيري المحتوم. المصير الذي حذّرتني منه الخالة ميمونة حين زارتني في منامي الليلة التي سبقت مغادرتي المغرب. نظرت إليّ طويلًا، حتى سالت دمعتان على خدّيها. مسحت دمعتيها وربّتت، بأصابعها المبتلّة، خدّي الأيمن. رجتني ألّا أهاجر، أن أبقى في المغرب، وإلّا فإنّني سأجد نفسي، أكثر من مرّة، في خضمّ حروب لا ناقة لي فيها ولا جمل. استيقظتُ ولمست الخدّ حيث ربّتت كفّ الخالة ميمونة. كان الخدّ دافئًا فشعرت بالحنين إلى جارتنا ميمونة التي كنتُ سمعت أنّها اختفت بغتة، مباشرة بعد انتقال عائلتي من مكناس إلى الدار البيضاء. حالات اختفاء اليهود المباغتة كانت قد غدت مألوفة، وهي تعني أنّ المختفي قد هاجر، غالبًا إلى إسرائيل، وإن كان ميسور الحال، فإلى فرنسا. غير أنّني كنت أعرف يقينًا أنّ الخالة ميمونة تعتبر المغرب وطنها الذي لا تعرف غيره، ولا يمكن أن تكون قد هاجرت إلى أرض الميعاد. عرفت أنّ لاختفائها سرًّا، خصوصًا أنّني لم أنس يومًا الحكاية القديمة التي تُحكى عنها.

تعود الحكاية إلى أربعين عامًا مضت قبل اختفائها الثاني، حين، في اليوم الذي تفتّحت فيه زهرة ربيعها العشرين، اختفت. كاد أبوها يجنّ بعد أن بحث عنها، وبحث معه كلّ رجال الملاح، أشهرًا من دون جدوى. قيل أنّ شابًّا مسلمًا غرّر بها وأوقعها في شباكه ثمّ تركها. بعض الشبّان أقسموا على ذلك، لكن تبيّن لاحقًا أنّهم كذبوا لتصفية حساب شخصي لديهم مع ذلك الشابّ. يقال أنّ والد ميمونة وبعض الرجال كمنوا للشابّ وأتوا به معصوب العينين مكبّل الأطراف إلى كوخ مهجور في المقبرة عند أطراف الملاح. اعترف الشابّ بكلّ ذنوبه وخطاياه، بعد أن كُسرت مفاصل أصابع يده وخلع أحد أضراسه، لكنّه لم يكن يعرف شيئًا عن الشابّة المختفية ميمونة. في النهاية، استسلم الأب لقضاء الربّ وتفرّغ لخدمة المعبد والدعاء ليل نهار للربّ أن يعيد إليه ابنته، التي كانت تؤنس وحدته مُذ رحلت زوجته يوم وضعِها، كما أعاد من قبل يوسف إلى يعقوب. واستجاب الربّ بعد عام. بعد تمام السنة على اختفائها عادت ميمونة، ولم تكن وحدها. عادت تحمل بين ذراعيها رضيعًا في شهوره الأولى. بُهت كلّ من رآها، وفقد أبوها قدرته على الوقوف حين جاء يهرول لاستقبالها بعد أن سمع خبر عودتها ورأى الرضيع بين ذراعيها.

لم يكن سهلًا أن يصدّق أحد حكاية ميمونة. قالت أنّها سمعت ذات ليلة الربّ يناديها فخرجت إلى الصحارى والقفار حتى وصلت إلى كهف في جبل ناء، وهناك استقرّت تصلّي ليل نهار وتتلقّى عطايا الربّ، إلى أن سمعت ذات فجر بكاء طفل، فخرجت لتجد رضيعًا في لفّة عند باب الكهف. حملته، وبتلقائية فطرية، ألقمته ثديها البكر، ورأت اللبن يتدفّق إلى فم الرضيع. ابتسمت وعرفت أنّ موعد عودتها قد حان.

«عَمران»، قالت ميمونة للجموع المحيطة بها تستمع لحكايتها، وأكّدت بقامة شامخة: «اسمه عمران. إنّه ابني. ابن الصحراء. إنّه ابن الربّ». لم يتحمّل الأب المزيد وأرسل كفّه إلى وجه ابنته. أقسم الكثيرون إنّ صوت الصفعة بدا أنّه صوت الرعد، وأقسم آخرون إنّهم شعروا بالأرض تهتزّ تحت أقدامهم، لكنّ ميمونة لم تهتزّ قيد أنملة. فقط غطاء رأسها انفلت وانزلق، وآنذاك بُهت الجمع مجدّدًا. هذه المرّة أمام بياض شعرها الناصع. يعرف الجميع أنّ شعر ميمونة حريري أسود فاحم كان يتغزّل به كلّ شباب الملاح. لكنّه صار الآن أبيضَ تمامًا. أبيضَ كالثلج. فكّر البعض في أنّ الخطيئة لا يمكن أن يكون لونها أبيض، وتساءل آخرون أيّ هول شاهدته المسكينة ميمونة.

لم يجرؤ أحد على تصديق حكاية ميمونة علنًا. رفض الأب استقبالها وأقسم أن يحرق كلّ بيت في الملاح يقبل بها. خرجت ميمونة بالشموخ ذاته الذي أتت به، وعُرِف لاحقًا أنّ شيخًا مسلمًا استقبلها في غرفة خارجية ملحقة ببيته، واشتغلت لديه خادمة تقوم بأمور البيت. أمّا أبوها فتوقّف عن خدمة المعبد وتوقّف عن دعوة ربّ إسرائيل، وعثروا عليه ذات صباح، بعد أشهر، في خندق لتصريف الفضلات، ورائحة الخمر في فمه تغطّي رائحة الفضلات على ملابسه. آنذاك، عادت ميمونة إلى بيت أبيها. في البداية، كان الكلّ يتهرّب منها، ثمّ بدأت بعض الجارات المتقدّمات في العمر يشفقن عليها، ثمّ صار الجميع يتقرّب منها، نساء ورجالًا، بعد أن عرفوا بركاتها وقدراتها الشفائية. قيل أنّ أناملها لا تلمس جسدًا عليلًا إلّا وقام صاحبه معافًى صحيحًا سليمًا. قيل أنّ أناملها لا تمسّد شعر عذراء إلّا جاءها خاطب في اليوم التالي. قيل أنّها لا تلمس بطن عاقر إلّا وجاءها الوحم في الشهر ذاته.

ثمّ انكشف السرّ يوم همس حاخام مكناس في أذنها بكلمات ما كان يجب أن يهمس بها. فالأمر كان يجب أن يبقى سرًّا كما تنصّ التعاليم، غير أن حماسة الحاخام كانت أكبر من حرصه. همس لها بأنّها واحدة من الورعين الستّة والثلاثين.

لم تفهم الخالة ميمونة شيئًا في البداية. ثمّ بحثت وتقصّت وعرفت. عرفت أنّ بعض الطوائف اليهودية، وأبرزهم طائفة الحاسيديم الصوفية، تؤمن بوجود ستّة وثلاثين شخصًا بارًّا صالحًا يتمثّل دورهم في الحياة في تبرير أفعال الجنس البشري وأهدافه في نظر الربّ. هوّيتهم غير معروفة ويجب أن يبقى أمرهم سرًّا. في حالة اختفاء ولو واحد منهم فإنّ استقرار العالم يتهدّد وتأتي القيامة. في بعض المعتقدات، يملك هؤلاء الصالحون قوى غامضة تمكّنهم من حماية اليهود من الكوارث التي تحيط بهم. لكن في معتقدات أخرى أولئك الأفراد أنفسهم لا يعرفون أنّهم من الأبرار الأكثر ورعًا، لذلك، تقول التعاليم، أنّه على كلّ يهودي أن يتصرّف كأنّه واحد منهم. أن يتصرّف كأنّه صالح بارّ ورع يقف استقرار العالم كلّه على صلاحه الشخصي.

بدأت الخالة تكتشف لديها، مع مرور السنوات، قدرات لا تتوفّر للأشخاص العاديين. تجاوزت شفاء المرضى إلى استشراف المستقبل والسفر عبر العوالم. رأت الخالة ميمونة في أحد أحلامها، أو أسفارها عبر العوالم، فما كان في مقدورها دائمًا التمييز بين الاثنين، غرق السفينة إيجوز في رحلتها الثالثة عشرة، وارتعبت من المصير المهول الذي سيعانيه الغرقى، فبدأت رحلتها الطويلة لتلحق بالسفينة قبل إبحارها. سافرت من مكناس إلى الدار البيضاء ومنها إلى طنجة ثمّ إلى الحسيمة، متتبّعة طريق وكالة الهجرة، لكنّ لا أحد من الرجال سيأخذ كلامها مأخذ الجدّ، وستغرق السفينة تاركة ثقبًا كبيرًا في قلبها.

لقد رأت. رأت كلّ شيء، غير أنّها لُعنت كما لُعنت من قبل كاساندرا، ابنة ملك طروادة التي منحها الإله أبولو عطيّة التنبّؤ ثمّ حكم عليها حين رفضته بألّا يصدّق نبوءتها أحد. سترى الخالة ميمونة وستلقي تنبّؤاتها لكن لا أحد سيصدّق. لا أحد، على امتداد خطّ الهجرة من مكناس إلى الحسيمة، صدّق كلامها. لا أحد صدّق أنّ السفينة ستغرق. قيل أنّها كافرة بإسرائيل تريد ثني اليهود عن أرض الميعاد. لا أحد صدّقها، وغرقت السفينة، وبقيت الملعونة تعاتب الربّ على النعمة الممنوحة إليها والتي ليست إلّا لعنة طالما أنّ لا أحد يريد أن يصدّقها.

في تلك الليلة، العاشر من يناير السنة الحادية والستين بعد المئة التاسعة عشرة، كانت الخالة ميمونة راكعة وسط برك المياه ورائحة السمك، في المرفأ، تشبك أصابع يديها بين فخذيها وتبكي وتشهق مناجية ربّها إلوهيم أن يتعطّف على الأطفال العشرين المتشبّثين بتلابيب أمّهاتهم تحت سطح السفينة، وأن ينقذهم وينقذ كلّ ركّاب السفينة من الغرق. اعتقدت الخالة ميمونة، منذ اكتشافها المذهل بأنّها واحدة من الورعين الستّة والثلاثين الذين يقف استقرار العالم على أكتافهم، أنّها تملك القوّة للتغيير، القوّة لإحداث التغيير الإيجابي في العالم، القوّة لتصحيح الأخطاء الكبرى والحفاظ على استقرار حياة الإنسانية. لكنّها في تلك الليلة الباردة، صلّت كثيرًا، وبكت كثيرًا، ورجت إلوهيم كثيرًا، من دون فائدة. استعطفت حتى بحّ صوتها وبكت حتى جفّت مدامعها ولم يبق أمامها في النهاية إلّا أن تعرض روحها خالصة قربانًا عن الأطفال في جوف السفينة، لكنّ ربّ إسرائيل صمّ أذنيه عن صلواتها، وشاءت حكمته أن تغرق السفينة. لم تتقبّل الخالة ميمونة عزوف الربّ عن استجدائها فكفكفت دموعها وانقلبت على عقبيها، مصرّة على أنّها ستلقي خلف ظهرها تعاليم التوراة، كلّ التعاليم، وتتخلّى عن كونها واحدة من الصالحين الحاملين أنوارَ القداسة الربّانية.

وصلت إلى الجبهة في الصباح التالي ليوم النفير، وكانت كلّ قوّات الاحتياط قد التحقت بمراكزها. كانت مهمّتي، رفقة الكتيبة، توفير الدعم لحماية مركز اتّصالات ومخزن ذخيرة في ممرّ حيوي في سيناء. لكن، مجرّد وصول الكتيبة، في اللحظة التي نزلنا من الشاحنة، سمعت هدير الطائرات المصرية، المنخفضة جدًّا، ورأيت قنابلها تهوي علينا مباشرة. آخر ما رأيته كان كتلة من اللهب تنطلق من المركز الذي ذهبنا لحمايته، ثمّ وجدت نفسي أطير إلى الخلف أمتارًا قبل أن أسقط على الرمال الصلبة. أغمضت عينيّ وفتحتهما فورًا. شعرت بهدوء مباغت وراحة كبيرة. لكنّني لم أرَ شيئًا. كان الظلام دامسًا، بل كان الظلام كتلة مجسّدة فكّرت في أنّني قادر على إمساكها بيدي. رمشت كثيرًا ودرت حول نفسي أكثر من مرّة قبل أن أرى نقطة ضوء تقترب. تقترب وتتّسع حتى بدت لي أخيرًا نفقًا مضيئًا يقود إلى مكان ما. لا أتذكّر أنّني جزعت أو تردّدت، بل خطوت بثقة نحو نفق الضوء، وبغتة وجدت نفسي داخل غرفة مشعّة بالبياض. كانت الخالة ميمونة هناك، جالسة على طرف سرير، تبتسم. أشارت لي بالاقتراب. أمسكت بكفّي وأجلستني جانبها. ربّتت خدّي وابتسمت ابتسامتها الحنون التي لا تخلو من حزن عشّش في أوصالها طيلة سنوات. قالت لي من دون أن تحرّك شفتيها: «ولدي، منذ اليوم أنت خليفتي». لم يتسنَّ لي أن أسألها عن قصدها، فقد شعرت بقوّة رهيبة تضغط عليّ. شعرت بأنّني أنسحق، وصرخت. فتحت عينيّ وصدى صرختي ما زال يتردّد في أذنيّ. وجدت نفسي آنذاك في المستشفى العسكري في تلّ أبيب، وقيل لي أنّ الحرب قد وضعت أوزارها.

بعد أن استيقظت يومذاك في المستشفى العسكري شغل بالي أمران اثنان لا غير؛ أوّلًا، الشلل الذي شعرت به في فخذي، وعدم قدرتي على السير باتّزان بسبب عملية إزالة الشظيّة الكبيرة من مخلّفات الانفجار، التي انغرست في فخذي. وثانيًا المفاجأة التي استقبلتني بها مرآة الحمّام حين ذهبت إليه أوّل مرّة بعد الاستيقاظ. أعتقد أنّ كلّ نزلاء المستشفى وزوّاره سمعوا ذلك المساء صرختي المذعورة، صرختي المجنونة. صرختي الحيوانية.

«سيّدي، ما الخطب؟».

جاءت إحدى الممرّضات على عجل وسألت السؤال وهي تتلفّت في أرجاء الحمّام وتنظر إلى جسدي الذي بدا لها سليمًا.

انعقد لساني وانحبس الكلام. أشرت بإصبعي إلى شعر رأسي، الذي صار أبيضَ. أبيضَ تمامًا كقطن ثلجي.

ابتسمت الممرّضة وتقدّمت تتأبّط ذراعي وتعيدني إلى الفراش.

«لا داعي للقلق. الحرب تفعل ذلك، وأنت لست الأوّل ولا الأخير. ليس في الأمر ضرر على صحّتك».

«ولكن»، لم أقوَ على الاستمرار واقفًا فتهاويت على السرير. «كيف حدث هذا؟».

«يمكنك أن تسأل الطبيب لمعلومات أدقّ. لكن باختصار، يمكن في حالة الفزع والشدّ العصبي أن يفرز الجسم مباشرة في الدم إنزيمات سريعة الانتشار قادرة على أكسدة الميلانين في الشعر بسرعة خارقة. هل تعلم أنّ ماري أنطوانيت ابيضّ كامل شعرها خلال الساعات التي سبقت اقتيادها إلى المقصلة، أثناء الثورة الفرنسية، لدرجة أنّهم لم يتعرّفوا إليها؟» هزّت الممرّضة كتفيها وضحكت ضحكة خفيفة، «الآن صار التحوّل المفاجئ للون الشعر إلى الأبيض مرضًا يسمى متلازمة ماري أنطوانيت».

لا. ليس هذا هو

قبل أن ينام قرأ قصة ”التحول“ الشهيرة لفرانز كافكا، وحين استيقظ في الصباح التالي وجد نفسه انمسخ. لا، لم يتحول إلى حشرة ضخمة مثل جريجور سامسا، بل أصبح نسخة مشوهة نتنة من نفسه. لكنه أدرك، بشكل ما، أن نهايته لن تختلف عن نهاية الشاب سامسا، وأدرك أنه سيموت بعد ثلاثة أشهر بالتمام والكمال، قبل يوم مولده السابع والعشرين.

الآن وقد استوليت على انتباهكم، لنعد للبداية قليلا ونبدأ خطوة بخطوة.

تسألون من أنا؟ يا لفضول عقلكم البشري المحدود الذي لن يستطيع استيعاب كينونتي الشاسعة. يكفي أن تعلموا بأني حملت أسماء كثيرة على امتداد تاريخكم الإنساني. منها الشاعر الضرير، شكسبير، الحكواتي… وربما أشهرها لديكم هو شهرزاد. وتسألون الآن أين تدور هذه الأحداث. يا لفضولكم اللامحدود. هل هذا مهم حقا؟ فليكن المكان هو مدينة طنجة. لكن بالتأكيد ليست مدينة طنجة التي تعرفون. هذه طنجة أخرى تشبهها. طنجة موازية لما تعدونه العالم الواقعي. إلا إن هذا التوازي لا يعني أنها خيالية. لنتفق من البداية على أن ثنائية الواقع والخيال نسبية تماما.

هل يمكنني الآن العودة للحكاية؟ جيد.

البداية كانت في مجاري الصرف الصحي. كان يجري وهو يتلفت إلى الوراء بين خطوة وأخرى هاربا من حشرة ضخمة بدت له تحت الأضواء الخافتة كأنها صرصار بحجم ديناصور. طبعا هو يحلم. أعرف أنكم نبهاء بما يكفي لتدركوا ذلك ولتعرفوا أيضا بأن هذا الحلم نتيجة طبيعية للقصة، أو الرواية، التي قرأها قبل نومه.

قبل أن يعود إلى بيته ذلك اليوم الذي سبق تحوله، وقد كان يوم أحد، كان قد ترك قدميه تقودانه عصرا نحو شاطئ مالاباطا حيث لم يذهب منذ خمس سنوات. أعجبه الكورنيش الجديد والساحة الشاسعة التي أرادت البلدية أن تقلد بها ساحة مسجد حسان في الرباط، لكنه على بعد خطوات إلى الأمام وجد نفسه أمام مجرى مفتوح لتصريف فضلات سكان المدينة مباشرة إلى الشاطئ. على يساره رأى أطفالا يسبحون مستمتعين وسط مياه الفضلات الممتزجة بمياه البحر، وعلى يمينه رأى القنطرة التي تغطي جزءا من وادي الصرف الصحي حيث تمر عليها السيارات بسرعات لا تسمح للمشاة بالعبور. أطل على المجرى وحدق بعض الوقت في المياه المتهادية بثقل الفضلات البشرية. رفع بصره ورأى على الجانب الآخر من القنطرة رجلا يتفحصه بإمعان. رجلا غريبا يغطي السواد كامل جسده. حذاء أسود لامع وبذلة فاخرة من السواد المتموج. شعر قصير أشعث، عينان جاحظتان وأذنان كبيرتان مشرعتان لاستقبال أسرار العالم الدفينة. كل ما فيه أسود إلا بشرته الشاحبة البيضاء ومفكرة صغيرة حمراء في يده اليسرى. العينان حادتان لا تخفيان شيئا من ذكاء صاحبهما المتقد، لكنهما أيضا تكشفان حزنا دفينا فرض نفسه على كامل الوجه. بدا له الوجه مألوفا. مألوفا جدا. لعله شخص شهير. واثق هو أنه شاهد صورة لهذا الوجه منذ وقت قريب.

أبعد بصره عن الرجل وأخرج من جيبه مغلفا مرسوما على ركنه أيقونة خضراء لأفعى تلتهم ذيلها ومكتوبا عليه ”مختبر التحليلات الطبية والانجاب البيولوجي“. تأمل فيه طويلا حتى دمعت عيناه. زم شفتيه. قطب جبهته. ثم أرخى قسمات وجهه. تنهد، وترك الحسرة تطبع نفسها على بياض لوحة الوجه. انزلق المغلف وانفلت من يده ورأى الرياح الخفيفة تلاعبه قليلا، كأنها تهدهد ريشة لتنام، قبل أن تودعه سطح الماء. رآه يطفو قليلا ويسري مع التيار، إلى أن تشبع بمياه الصرف الصحي وأنزله ثقل الفضلات إلى الأعماق.

تلك القنطرة وأعمدتها الخرسانية التي ترتكز على المجرى هي المكان الذي يدور فيه هذا الحلم. بالضبط الجزء السفلي من القنطرة.

كلما أوغل في المجاري خفتت الإضاءة وتضاعفت كمية الروائح النتنة التي يبتلعها بملء فمه اللاهث لإمداد رئته بالهواء.

تعثر وسقط فوجد نفسه تحت المياه الكثيفة واللزجة. نهض بسرعة وبصق ما تسرب إلى فمه ومسح عن وجهه ما التصق به من طين سكان المدينة. عاد يواصل الجري بسرعة غيرِ معتادة في عالم الكوابيس. لكنه، كمن حسد نفسه وأصابها بسحر عينيه، أحس بوخزة رهيبة من الألم على كفله الأيمن وسقط مجددا، وفوقه حطت الحشرة، الأشبه بالديناصور اللاحم الفتاك الشهير باسم تي-ريكس، وبدأت تقترب بفكها إلى عنقه.

تسارعت دقات قلبه وتردد صداها كطبول الحرب تحت أقواس القنطرة. انتبه الآن إلى أن الصمت كان مطبقا، ولم يكن يسمع حتى صوت الماء المنزاح، والمتناثر، من تحت ثقل خطواته. لكنه الآن يسمع صوت دقات قلبه كأنها طبول إعلان حرب بين قبيلتين في مجاهل افريقيا. أراد أن يرفع يديه من تحت المياه ليدفع عنه الحشرة، التي بدت له الآن كلبا أسود ضخما يشبه، لا بل هو ذاته، كلب آل باسكرفيل، لكنها لم تستجب للإشارات العصبية القادمة من دماغه. أراد أن يصرخ، كفعل يائس لا بديل له عنه، غير أن لسانه التصق بسقف حلقه وبدأ يشعر بالاختناق. سارت الرعشة في جسده وانتفض، وشعر بسائل دافئ يسيل بين فخذيه، ثم فتح عينيه.

أول ما أحس به بعد الاستيقاظ هو أن الرائحة العفنة بقيت عالقة في أنفه، وانتقلت من الحلم إلى الواقع. سيعرف بعد قليل أن العكس هو الصحيح. رائحته التي صارت نتنة انتقلت إلى حلمه، بل هي التي شكلت الحلم كله قبيل لحظات من استكمال الدماغ خطوات الإيقاظ.

ثاني ما أحس به هو الخدر المنتشر على كامل نصفه الأيمن. خدر مسكون بالوخزات. كان شعورا قريبا من التنميل. بل هو التنميل ذاته لكن بدرجة مضاعفة عشرات المرات. الغريب أنه كان نائما على جانبه الأيسر. فكر. يفترض أن يكون التنميل على الجانب الذي نام عليه وليس الجانب المتحرر من الضغط.

ثالث ما أحس به هو البلل الدافئ بين فخذيه نزولا إلى ساقيه. نعم تعرفون بالتأكيد ماذا يعني ذلك.

لم يصدق نفسه. ظنَّ أنه ما زال يحلم. رمش بعينيه عدة مرات لكن لا شيء تغير. الرائحة النتنة نفسها، التنميل عينه على كامل نصفه الأيمن، والبلل ذاته تحته. لم يكن حلما إذن. تجول ببصره في أرجاء الغرفة. إنها غرفته بالتأكيد. زوجته نائمة على الطرف الآخر من السرير. على مقربة منها مهد طفلتها. ساعة الحائط العتيقة، التي اشترتها أمه ضمن تجهيزات عرسها، تشير إلى السادسة صباحا. على الحائط أمامه ثلاث من لوحات الخط العربي التي كان يهوى رسمها قبل أن تقبض عليه الحياة بفكها وتقصم ظهره. إنها غرفته بالتأكيد. ليس حلما ما يعيشه الآن.

الآن، بعد أن أراد أن ينقلب على ظهره، جاءت لحظة الحقيقة. الحقيقة التي سترتج لصرخته منها جدران كامل العمارة، ذات التصميم الكولونيالي، وسيبقى صداها طويلا في الشقة الشاسعة ينتقل من غرفة إلى غرفة، يطرق الأبواب كلها بابا بابا، والآذان كلها أذنا أذنا، مارا تحت الكراسي قافزا فوق الأرائك، مرتدا على الجدران والأرضية والسقف، وسيحتاج الأثاث إلى وقت طويل قبل أن يمتص كامل مشاعر اليأس والغضب والحزن والألم المنصهرة في الصرخة.

 

نَحنُ من أسرةٍ معروفةٍ بأن أفرادها يقومون بعد الموت بثلاثة أيام. لذا عندما ماتت أمي – عليها الرحمة – لم ندفنها ولم نُعلن عن ذلك. وضعناها في حُجرة داخلية بعيداً عن الضوء والمتقولين من الجيران وسُكان المدينة وأطفال الأسرة. وفي اليوم الثالث، عند منتصف الليل، نهضت من موتها. تقلبتْ على الفراش قليلاً. عَطست عطستين عظيمتين ثم وقفتْ على رجليها. تمطتْ مثل هِرةٍ سئمت الرقاد الطويل. ثُم طلبتْ أن يأتوها بماء حار للشُرب وآخر للحمام. وكُنا قد جهزنا لها الماء الساخن مخلوطاً بالزيت والمُلح وبعض العُطور البلدية، وماء الشُرب الذي يجب أن يُعد بالنعناع والقرض يحتاجه الذين حيوا بعد الموت. 

لم يكنُ خبر موت أمي غير معروف لدى سُكان المدينة. فلقت ماتت موتاً مشهوداً عند باب المدرسة. حيث أنها تعمل معلمة للغة والأدب الإنجليزي في المرحلة الثانوية. وبينما كانت تخرج من المدرسة في صُحبة بعض المعلمات، إذا بثور هائج يهجم عليهن.  ونسبة لإعاقة قديمة في ركبتها فإنها لم تستطع الهروب كما فعلت المعلمات الأخريات. فأصبحت أمي ضحية سهلة للثور الهاج. بنطحة واحدة في صدرها ألقاها أرضاً. وعندما أُخذت للمستشفى كانت جثة هامدة. قال لنا الطبيب

– لقد مَزَّق  قرنُ الثورِ قلبَها.

في العادة يتم دفن الموتى في المدينة في نفس اليوم. نسبة لسخونة الجو. فإن الموتى يتعفنون بسرعة، كما ان هنالك مقولة شائعة يحترمها الجميع وهي: إكرام الميت دفنه. أتى الناس من كل صوب وجهة للعزاء وحفر القبر وإعداد الميت للدفن. وخوفا من الفضيحة. لم يخبر عمي الرجال المستعجلين على الدفن في أمر أننا سوف لا نقوم بدفنها إلا في اليوم الثالث إذا لم تنهض من الموت. ولا أظن أن الأمر سيكون محرجاً او غير مقبول او مستهجناً. فكثير من سُكان المدينة التي نعيش فيها هم نسل ما يُسمى تيراب البنية. أي أنهم من ذرية امرأة في الزمان الماضي تركها والدها من أحد أنبياء الله إلى أن يعود من الحج الذي يستغرق سنوات كثيرة. ولكن البنت توفاها الله بعد شهور قلائل من اقامتها مع النبي. وعندما عاد الأب أخبره النبي بأن الله قد توفاها. ولكن والدها قال له:

–  سلمتك ابنتي حية كأمانة. عليك أن تردها لي حية. ولا أقبل بغير ذلك. فإذا كنت نبيا بالفعل، قل لربك أن يعيد لي بنيتي كما هي.

 فغضب النبي غضبا شديداً. وطلب من ربه أن يعيد البنية للحياة. وعندما استجاب الرب وأعادها إلى هيأتها الأولى أي كما كانت في اليوم الذي تركها فيه والدها، رَبَتَ النبيُ على رأسها مخاطبا والدها

– جعلنا كل نسلك من تيراب هذه البُنَيَّةْ إلى يوم القيامة.

 ويقصد نبي الله إن كل ذريتها ستنهض من الموت. وشاء الله أن نكون نحن من ذُرية هذه البنية وغيرنا بعض الملايين من البشر منتشرين على الأرض. في كل بلاد العالم لنا أقرباء دم ينهضون من موتهم في اليوم الثالث. أخبر أبي الرجال المتعجلين للدفن، بأننا لا ندفن الموتى إلا بعد ثلاثة أيام، وسنقوم بذلك بأنفسنا. وشكرهم على همتهم واستعدادهم للمساعدة ثم صرفهم. في اليوم الثالث عند منتصف الليل تجمعت كل الأسرة حول أمي كان عليها قبل أن تغادر أن تقول شيئا للأسرة. لأنها سوف لا تعود مرة أخرى وقد لا نلتقي بها ربما إلا بعد الموت. وكان ما  يثير فضولي: أين ستذهب أمي الآن، أين ستعيش وكيف ومع من؟؟ فسألتها.

قالت لي:

-سوف تعرف بنفسك، لا تتعجل، ستذهب إلى حيث أذهب اليوم، وستجدني.

ثم خاطبت الأسرة قائلة:” الحياة قصيرة جداً. وستكتشفون ذلك في لحظات الموت. يبدو الزمن قصيراً جداً أو إنه يتقلص وينكمش على نفسه. الثانية الواحدة تعادل كل ثروات الدُنيا تعادل كل الوقت الذي يقضيه الإنسان على الأرض. ولا يمكن أن يحصل الشخص على لحظة من الوقت. الزمن هو أغلى شيء في هذه الحياة. إنه الحياة نفسها. ترونه الآن ممتداً ولا تفعلون فيه شيئا وكأنه سيستمر للأبد رخيصاً بل متاحاً بالمجان. في لحظة النزع الأخيرة لا يمكنك أن تشترى دقيقة واحدة لتقول فيها شيئا. ثانية لتسحب فيها قدراً ضئيلا من الهواء. لا تستطيع أن تمد حياتك أبداً. يتخشب كل شيء. وينسحب الزمن آخذاً معه النبض والعقل والجسد والروح: أوصيكم خيراً بالزمن، افعلوا ما تقدرون عليه الآن”. 

نَهضتْ. وضعت على كتفها حقيبة الظهر المصنوعة من جلد الماعز وهي عبارة عن قربة صغيرة بداخلها بعض الملابس والنقود ومشغولات من الذهب. وطلبت أمي – وهذا من الغرائب – أن تحمل معها كتاب مختارات من الشعر الانجليزي حيث أنها كانت مغرمة بالشاعرة إميلي دكنسون، وكتاب الأعمال الكاملة للشاعر الأمريكي e.e commings . خرجتْ عبر البوابة الخلفية بعد أن ودعتنا واحدا واحداً بالأحضان. كان جسدها بارداً كالثلج وتفوح منها رائحة غريبة. أظنها رائحة الأموات. وبعينيها الطيبتين بقايا دموع وفي شفتيها ابتسامة صغيرة باهتة. خرجتُ خلفها. لقد قررتُ بيني وبين نفسي أن اتبعها حيثما تذهب. ليس لأنني أحبها، نعم أحبها فهي أمي، ولكن أريد أن أعرف إلى أين يذهب الموتى من تيراب البنية عندما ينهضون من الموت وعلى أكتافهم جراب مصنوع من جلد الماعز محشواً بمتعلقاتهم.

كانت تمضى بخطوات سريعة جداً. في نشاط وهمة وعلى ظهرها حقيبة الجلد. وكأنها لم تكن ميتة ثلاث ليال كاملة. التزمت مسافة جيدة بيني وبينها حتى لا تراني. لأنه من المحرم إتباع الذين يعودون من الموت. وهذا عُرف يتبعه جيدا كل أفراد سُلالة تيراب البنية. كانت خُطواتها شاسعة لدرجة أنني اضطررت على الجري وراءها حتى لا تغيب عن عيني. خاصة أن الضوء كان شحيحاً جدا والظلام دامساً. خرجنا من حدود المدينة إلى المفازة الشاسعة التي يستخدمها الرُعاة في الموسم المطير كمسرح لأبقارهم ولكنها الآن خالية تماما وجرداء في موسم الشتاء. حيث ينتقل الرعاة في صُحبة مواشيهم جنوباً متبعين العُشب والماء.  

توقفتْ فجأة. كانت تبعد عني قُرابة الخمسين متراً. فتوقفتُ أنا أيضا. عندما طالت وقفتها، جلستُ على الأرض حتى إذا حانت منها التفاته فلا تراني. لاحظتُ شيئاً غريباً يحدثُ، وهو أن جسدها أخذ يطول ببطيء. وحجمها يصير أكبر. وهنالك ضوء أخذ ينبعث من رأسها. بدأ ضئيلا مثل شرارة ثم كبر كشعلة ثقاب. ثم أصبح في حجم فانوس إضاءة فاترة. حينها تحركت. مضت إلى الأمام في خُطوات شاسعة وسريعة. كأنها تُحلق فوق سَطح الأرض ولا تطأ الثَرى. كنتُ أحسُ بها تطير في خِفة. هرولتُ خلفها ولكنها كانت تنسحب في البعيد البعيد البعيد. إلى أن لم يتبق في مجال الرؤية منها غير الضوء الذي يصدر من رأسها. وهو أيضا أخذ يختفي بالتدريج. كلما بعدتْ إلى أن اختفى تماماً. في ذلك الحين فقدتُ أثرها. فعدتُ أدراجي إلى البيت.

في الصباح الباكر. ذهبنا أنا وأبي وعمي وبعض أقاربنا إلى المقابر. حفرنا لها قبراً. وضعنا فيه كل متعلقاتها الخاصة التي لم تحملها معها. ما عدا الكُتب حيث أن أبي أراد الاحتفاظ بها في البيت. وكان أبي أيضا مثقفاً جداً ويحب قراءة الشعر ويجيد العزف على الكمان. وقيل إنه في صباه كان راقصاً بارعاً. تَمَّ دفن كل شيء في صمت. ثم وضع أبي شاهداً للقبر كُتب عليه اسمها وتأريخ وفاتها. وسطر من شعر e.e.commings.

 

ها أنت تتمددين الآن عاريةً إلى جانبي في السرير. أعوامًا طويلة وأنا أسمع صوتك في ذهني.. لقد عشت معك عمرًا كاملاً دون أن أرى صورتكِ.

تكلمي ليليان، لماذا أنت صامتة؟

نجحتُ في حلّ معادلات الرنين المغناطيسي وحصلت على بطولة عالمية في الشطرنج، وألّفتُ كتابًا شعريًا عن الكواركات وحركة الالكترونات …

لقد نجحتُ يا حبيبتي.

كانت صفراء شاحبة وجسدها متيبس إلى جانبي، أنا أيضًا كنتُ إلى جانبها في السرير، لكني ظننت أنها هي من تفوهت بتلك الكلمات. أصوات عديدة كانت تطرق مسامعي.

لكنّي كنت متأكدًا من أنها متمددة إلى جانبي فكلما أدرتُ جسدي نحوها رأيتُ وجهها الهزيل وحركة عينيها الرخوتين يمينًا ويسارًا، بينما ظلّ نهداها لفترة طويلة عبارة عن كتلتين متحجرتين فيهما أثرٌ بسيط للشقوق والندوب. وكلما أطفأتُ الأضواء وغرقت الغرفة في ظلام دامس؛ أطلتُ التحديق في وجهها ورأيتُ ابتسامتها اللامعة والمخيفة في العتمة.

أنا أيضًا ً حركتي كانت غريبة جدًا، حركة لم أعهدها من قبل في مشيتي، شعرت أن فقرات ظهري تستند إلى كتلتين عظميتين، وأن قدميّ تساعداني على القفز لمسافات طويلة وبعيدة. حتى شعر جسدي صار كثيفًا فجأة، أليس الأمر مريبا ومخيفا أن تنمو لي حوافر قذرة وينبت الشعر أو الوبر في جسدي؟

لكني لست خائفا الآن .. سابقا كانت تخيفني أشياء عديدة: صوت أبي وتقريعه لي، سخرية أطفال الحي مني وضربهم المتكرر لي، قطعان الكلاب الضالة، مسؤوليات العمل التي لم أنجح في أي منها، وكنت مرتاحًا ومطمئنًاً عندما يأتيني قرار إداري بالفصل. في هذه الحياة لم أجد لي أعداء ولا حاسدين، الكل كان ينظر لي بعين الشفقة والرحمة القاسية، تلك الرحمة التي ينظرون بها البشر لأي كلب غريب ووحيد مثلي.

حتى ليليان لم تكن تحبني، بل كانت تطعمني من يديها الملائكيتين، وعطر أخّاذٌ يجذبني نحوها، لكنها كانت تعيدني إلى قفصي بعد ربطي بالسلاسل دون أن تنظر إلى عينيّ الراجفتين والدموع تسيل منهما.

تكلمي ليليان لماذا أنت صامتة؟

حسنًا، سأجلب لك الدواء من أقرب مكتبة هنا. خدرٌ يسري في أطرافي ولا أستطيع النهوض بهذه الحوافر الجديدة .

هناك قدمتان كبيرتان تحت الطاولة تتحرك أصابعهما  بطريقة دائرية، أستطيعُ التعرف إلى الشخص من ملامح قدميه، أظنه من الأشخاص الذين كانوا يضربونني ويسخرون مني دائمًا، هذا الشخص الذي لم أستطع الإجابة عن أسئلته يوما، لكنني الآن أستطيع وأقولها لكم بكامل ثقتي وقوتي، وصرخت بكامل صوتي أنا أستطيييييييع ….

وفعلاً أجبت عن جميع أسئلته التي كانت تربكني وتخيفني، أجبت عنها جميعًا دفعة واحدة.

بقعة دم كبيرة على أرضية الغرفة. منظر الدماء يشعرني بالراحة والطمأنينة، لكن يبدو أن المشهد قد فسد وكل شيء صار واضحًا أو ربما شبه لي ذلك.

وجهٌ يخرج لي من باب الخزانة الموارب يحييني بإيماءة من وجهه، ويغمز لي بعينه اليسرى، كان وديعًا ولطيفًا وهو صديقي الآن، لم يكن مخيفًا هذه المرة حتى أني استطعت الإجابة عن أسئلته مرة واحدة بطريقة مذهلة فاجأته جدًا. جميل أن تحقق معجزة كبيرة في هذه الدنيا، أن تثبت للآخرين أنك حققت شيئًا ظنوه مستحيلا ًفي قاموسك، حقاً أنها سعادة عميقة وسحرية، سعادة لا توصف يشعر بها الإنسان في تلك اللحظات.

عليّ أن أسرع يجب أن أذهب إلى المدينة حالا، لأجلب لك الدواء لكن الضباب رمادي والأرض مطاطية لا أستطيع الركض، سأحاول .. فأنا لم أعد أخاف شيئًاً بعد اليوم.

كانت قفزة هائلة أنا أطير بخفة وأحلّق عاليا دون أن أغرق في لزوجة الوحل السماوي،  لكن يبدو أن سرعتي جنونية. سأهبط  في الحال. في سرّي كنت أسأل ما حاجة البشر إلى الجاذبية إذا كان الإنسان ينتصر على الضوء والجاذبية في هذه الظروف.

في الحي القديم مرّ بي أشخاص مقربون جدًا إلى قلبي، لم أكترث بهم وسلمت عليهم سلامًا عابرًا. الدكاكين والمنازل يرتادها أشخاص غرباء بمعاطف سود. نجارون يصنعون التوابيت لأهل الحي، لم أكن خائفًا، حاولت الاقتراب من هؤلاء النجارين أصحاب المعاطف السوداء، لكنهم كانوا منهمكين في عملهم ولم يلتفتوا الي أبدًا أو يرفعوا رؤوسهم نحوي.

شخص ضعيف وقامته محنية يرتدي نظارة طبية وقبعة أخبرني بصوت خافت أن ليليان ماتت .. همس لي ومضى مسرعا ًثم اختفى. تيبس الصراخ في حنجرتي، وصوت دوى في السماء مع هدير الرعد، صوت امتزج مع صوتي بين ثقوب السماء الخفية..

ليلياااااااان ….ليليااااااااااان ….ليليااااااان

كنتُ متسمرًا في غرفتي بهيئتي الحيوانية الرثة، وكانت ليليان لا تزال ممددة على السرير، لا أدري إن كنت حقًا قد ذهبت فعلا لأجلب لها الدواء أم أنني كنت هنا أبكي طوال هذه الفترة؟

أطلت النظر في عنقها الأبيض الطويل والمكتنز، كان هناك شريان بارز من هذا البياض.

عندما أجوع أشرب منه الدماء … لقد حفرت هذا الثقب بأنيابي. سامحيني حبيبتي فلم أقصد ايذاءك أبدًا.

تكلمي ليليان لماذا أنت صامتة؟

  مازلت ممدداً إلى جانبك في السرير… ها أنت تتحركين وتقتربين مني، أنا حيوانك الأليف، أشعر بجسدك يطوق جسدي وأنفاسك الحارة تلفح رقبتي ووجهي في العتمة. سيقانك تلتف حول حوافري، ولسانك الطويل يلحس رقبتي وفكي وصَدري.

أنت تنبضين الآن …أنت تتحركين.

ليليان ……………. لقد نجحتِ يا حبيبتي.

 

أعمل مصلّحاً للأجهزة الكهربائية الدقيقة في مدينة أور، تعلمت من زوربا حب الحياة، وكنت كجيفارا متمرداً، كنت معوزاً للفرح،  لابتسامات الناس، للربيع يلامس قلبي، للبياض، لرؤية الألوان الفاتنة تطرز حياة الناس، لأجواء السعادة تشرق على الناس مثلما أشرقت شمس تموز صباح اليوم الجمعة، أشرقت فوق هامات النخيل بلون أرجواني مخضر لتشرق معها على وجهي الأسمر الجنوبي ابتسامة شارلي شابلن، ابتدئ صباحي بابتسامة لأنهي غروبي بابتسامة، أبدأ عملي بابتسامة لأحافظ على مزاجي رائقاً طوال النهار حتى الغروب، وكأنني أجامل الصباح والناس والغروب بابتسامة صادقة ترمم القلوب المخدوشة بالحزن. أفضل أن يراني الناس بوجه تشرق فيه ابتسامة دائمة، أمشي بينهم في الأسواق والأزقة بخطوات شارلي شابلن مرتدياً ألوان الفرح الفاتنة مرفوع الرأس، لأنني أنفق وقتي كله منحني الرأس عاكفاً على تصليح أجهزة التلفزيون والستلايات. أخذت قول شارلي شابلن على محمل الجد: لن تجد قوس قزح ما دمت تنظر إلى الأسفل. آمنت برأيه: يوم من دون سخرية هو يوم ضائع، نهار يوم الجمعة مشرقٌ، كنت مثله مشرقاً بالمسرة، تذكرت أنه اليوم الذي صلب فيه المسيح “ع”، صرت أشيع أجواء الفرحة، أمازح الباعة المتجولين والكسبة وعمال المسطر والعتالين والصبية بائعي الماء البارد والمتسولين. أوصي نفسي بأن أكون هادئ البال منشرحاً، لم أعش حياتي متذمراً ساخطاً، عشت بقلب أبيض راضياً، عشتها هكذا حتى لا أصاب بالحزن. علقتُ على الحائط بدل صورة السيد الرئيس فوق رأسي حكمةً قالها شارلي شابلن:  لو كنت نبياً لجعلت رسالتي السعادة لكل البشر، ووعدت أتباعي بالحرية، ومعجزتي أن أضع البسمة والضحكة فوق أفواه الصغار، ما كنت لأتوعد أحداً بنيران جهنم ولا أعد أحداً بالجنة، كنت سأدعوهم فقط إلى أن يكونوا بشراً وأن يفكروا، ليقرأها كل من يدخل ورشتي.  ينعتني أبناء مدينتي بشارلي شابلن لأنني أمشي مثل مشيته، أبتسم ابتسامته، أدمنت مشاهدة أفلامه إلا أنني أختلف عنه في حبي للإليكترونيات. أعيش وحيداً. ينطبق علي قول رافائيل ألبرتي: أنت في وحدتك بلد مزدحم، بلغت درجة الحرارة 54 مئوية، بمجرد خروجك إلى الشارع تتلظى أشاهد غيوماً سوداً تجمعت وسط الحر القائظ في هذا الصيف المر، وما صنعته هذه الغيوم من فيء بارد، أعلم أنها أجواء الشؤم التي تُذهِب البسمة، أجواء تقبض القلب، والمتبضعون يسيرون غير مبالين بالحر لأنهم اعتادوه. حرارة أنفاس الناس تتشظى حارة هائجة تصل حدّ القسوة المنفرة، وشمس الضحى القاسية التي تستمد لونها من لون العسل. ابتسمتُ للشمس العسلية، تمنيت نزول المطر، مطر مدرار. بأصواتٍ رنّانة تملؤني بهجة لألوان أكثر ابتساماً، يمر أمام ورشتي الصغيرة وعلى الرصيف المقابل لورشتي رجال وأولاد صغار ونسوة يتسوقن، أسمع أصوات الحياة الصاخبة، أضحك بفرح طفولي. يحتسي رواد المقهى أمامي الشاي رغم ارتفاع درجات الحرارة في هجير أكثر أيام الصيف قيظاً. دخل شخص علي لم أرفع رأسي لأراه، أحسست بدخوله، كنت منهمكاً في عملي، رنوت إليه: جارنا يحيى المنغولي، كان يحيى نقياً ودوداً بريئاً عذباً بلا حدود ينجذب الناس إليه كالفراشات، يرنو لي، يمسك بيده ستلايت قديماً جداً مع جهاز التحكم عن بعد، يتلفت ويبتسم، يبتسم ويتلفت، تلفت إليه وابتسمت، ينظر إلي وأنظر إليه. كان يراوح بقدميه وهو واقف وكأنه في كردوس عسكري أمر بمحلك قف، مكانك قف، وبشفتين يابستين أخبرني بصوت فيه أشراقة رجاء ممزوجة بخجل مرت بقلبي ونشرت المسرة:  إنه عاطل، وعليّ إصلاحه، شعر قلبي بالسعادة، راح قلبي يضرب بسعادة أضلاع قفصي الصدري، ابتسمت، ابتسم، ضحكت ملء روحي، ضحك ملء روحه، وما زحته:  أنت عاطل عن العمل أم الجهاز؟ ضحك، سافرت مع ضحكته بمزاج جديد داخل نفسي، ضحك ملء روحه الطاهرة ، كنت أنظر طوال حديثنا في عينيه المنغوليتين، أخبرته بعد أن فحصت الستلايت أن الجهاز صالح للعمل وبحالة جيدة، وجهاز التحكم عن بعد كان عاطلاً. طلبت منه شراء واحد آخر من المحل المقابل لمحلي، قال: ما عندي فلوس، ضحكت بشدة ، أعطيته ثمن جهاز التحكم عن بعد، خرج فرحاً مطمئناً مبتسماً، بيمناه جهاز التحكم عن بعد، بعد خروجه بلحظات رج المكان انفجار عنيف، سبقه سطوع ضوء لهب أزرق مبهر، غليان أحمر، موجة رعب، صراخ وعويل. خرجت من ورشتي بعد انتهاء الانفجار أركض مثل شارلي شابلن لكن دونما عصا في جو ملؤه الفوضى والصراخ والدم والقتلى والجرحى والأشلاء تملأ السوق. صار المكان بشعاً، ريح حمراء عصفت بالسوق والناس وكل شيء  جعلت أرض أور أرض دم.  أرى الدمار طال كل شيء. هشم موجودات السوق وجعل الناس أشلاء، وكل شيء منقلب رأساً على عقب، بقع الدم تملأ أسفلت الشارع والجدران وهامات النخيل اكتوت بدماء القتلى والجرحى، حفرة كبيرة ملئت بجثثهم ودمائهم وبضاعتهم وبضاعة المحال التجارية وزجاج واجهات المحلات محطم، البضائع اختلطت بدماء الأبرياء، صار شائعاً رؤية الأجساد الممزقة بعد كل انفجار، خرجت وسط الدمار مرعوباً منهك القوى والروح، هرعت من محلي هلعاً خائفاً، هنالك حشد من الناجين ملطخ بالدم والوحل يحتشدون فوق شيء ما، يضربونه بشدّة، ظننته لأول وهلة إرهابياً ثانياً يحاول تفجير نفسه، فعادة ما يعمد الإرهابيون إلى تفجير مزدوج، بعد أن ينتهي التفجير الأول، يتجمع الناس لإنقاذ الجرحى، يفجر إرهابي ثان نفسه، كل من في السوق يضرب شخصاً ما، يصرخون أمسكنا الإرهابي الذي فجر العبوة الناسفة، صدق حدسي، تدافعت بين المحتشدين شاقاً لنفسي طريقاً وسطهم، بصعوبة بالغة أبعدتهم ، أزحتهم، تدافعت معهم حتى وصلت إلى الإرهابي، رأيته، إنه: يحيى المنغولي ! قد فارق الحياة لكثرة ما تلقى من ضربات مميتة، جسده مدمى، يمسك بيده اليمنى جهاز التحكم عن بعد خاصته، مات هادئ البال مطمئناً، تلقى موته ببسالة ورباطة جأش، مبتسماً رغم أنف الموت وقد ارتسمت ابتسامة عذبة فوق شفتيه الشبيهتين بفم السمكة، عيناه المنغوليتان تطالعاني بحسرة فيها لوعة، فيها تعبير طفل مرعوب عوقب عقاباً قاسياً. جثوت عليه غير مصدق، راحت دموعي تتساقط عليه، تمطره. إذ أن الناجين يعتقدون انه من فجر العبوة الناسفة وسط السوق، رحت أصرخ في وجوههم المرعوبة مزيلاً اللبس الحاصل، أخبرتهم الحقيقة، مقتله أشعل قلبي بالحزن، شعرت بنفسي وحيداً واحتضنته، شعرت بقلبي حزيناً على مقتله في تلك اللحظات غربت شمسه، ألقت غبارها على قلبي، انطفأت شمسه، سرقت منه حياته، سرقوها، رحت أبكي بحرقة عليه، حلمه أصلاح جهاز التحكم والستلايت ليرى العالم، كان طائراً مكسور الجناح، كيف يستطيع الخروج من أور. مرّ موته صاخباً وبألم كبير، مرقت فوقنا سحابة بيضاء قريبة غطت عالمنا القاسي، نظرت صوبها وهي تحجب الشمس الحمراء المتوهجة المستديرة العمودية وسط سماء رصاصية داكنة، دوى صوت انفجار ثان.

أتذكر أشياء كثيرة أخرى عنها، مثلاً: شعرها الذي تصبغه بألوان غريبة. صبغته مرة بالأزرق الباستيلي الجذاب الشبيه بالأزرق الذي يرسم به التعبيريون الألمان معاطف نسائهم. مرة صبغته بالأخضر اللون الذي يفضله السياسيون المدافعون عن البيئة، آخر مرة صبغته باللون الأحمر. رائق وقان شبيه برايات الحركات الثورية، سبارتاكوس، بادرماينهوف، الألوية الحمراء. كنا ذلك الوقت نمشي في شارع فيه الكثير من غائط الكلاب وشجر الدلّب، كان الوقت شتاءً وهي تدخّن سجائر ثقيلة الرائحة، وتزيح خصلات شعرها المصبوغة بالأحمر براحة يدها، خشيت أن تكون صبغة مؤقتة. وعندما مشينا من دون مظلة راعني أن يسقط لونه ويسيل على وجهها مع ماء المطر.

كانت لها عينان زرقاوان وأنف أفطس. أنفٌ جميلٌ ومغرٍ أشبه بأنف الراهبة. ذكرت لي أنها لا تريد أن تشبه أحداً في هذا العالم، فهي تكره والدها السكير وتكره أمها التي هجرتها وهي طفلة. قالت إنها تمنت في طفولتها أن يكون أبوها طيراً وأمها سلحفاة، وربما استبدلتهما بحيوانات أخرى، فكانت لا تستقر على رأي أبداً، فهي غالباً ما تغير أسماء الحيوانات الذين تستبدل بهم والدها ووالدتها، فهم فيلة وقرود وجمال وخنازير من دون عقائد سياسية ولا كتب مقدّسة.

أتذكر أني رأيتها مرة أو مرتين مع نادل في البار الذي أذهب له كل مساء، تدخن الحشيشة. مرة سمعتها تتحدث بكلمات بذيئة على طاولة رجل مسنّ في نفس البار الرخيص في الحي الذي يعمل فيه النادل. ربما هو طلب منها هذا مقابل نقود، فقد ذكرت لي مرة أن الحصول على النقود من عمل أشياء بذيئة أسهل من الحصول على النقود من عمل أشياء صالحة. لا أتذكّر بأية لغة كانت تقول الكلمات البذيئة ولا أعرف حتى الآن إن كنت فهمتها بالألمانية بشكل صحيح.

مرة هبطت سكرانة من سيارة أجرة. سقطت على الرصيف كحبة قمح صلبة تهاوت تحت ضربات منجل. قالت لي أن صديقها الجديد طردها من منزله، نام معها ثم سرق محفظة نقودها من حقيبتها وحين احتجت ضربها ودفعها إلى الشارع. حملتها إلى شقتها وهي تتكأ على كتفي. على السلم تقيأت على ملابسي. في الداخل كل شيء في فوضى عارمة، ملابسها مبعثرة فوق السرير، أحذيتها متناثرة على الأرضية، بقايا عشاءها بائت على طاولة صغيرة. الصحون لم تغسل منذ يومين، والمنفضة مملوءة بأعقاب السكائر. خلعت لها ملابسها ورميتها في سلة الغسيل في الحمام، ووضعتها في سريرها عارية.

حلمت بها مرات عديدة وهي عارية في السرير. تشرب البيرة أو تدخن الحشيشة. مرة حلمت بها في حجرتي، كانت الشمس تخترق الستائر وتصل إلى السرير. وهي ممددة على بطنها وسروالها منزوع حتى كاحليها وتقرأ كتاب ماركس. لا أعرف بأية لغة كانت تقرأه، فقد ذكرت لي في إحدى المرات أنها ألمانية. لا أتذكر في أي سياق كنا نتحدث ولا حتى في أية لغة ولا أعرف لماذا حدثتني عن الألمانية وعن عذريتها التي فقدتها وهي في الرابعة عشر مع فتى روسي يكبرها بعشرة أعوام في العمارة التي كانت تقطنها. قالت كان طيباً معها، لكنهما حينما يدخنان الحشيشة أو الهيرويين يتشاجران فيضربها حتى يدمي وجهها. ذكرت لي إنها تشتاق لصديق آخر قتلته عصابة جيورجية في تبليسي قبل عامين.

 زارتني مرة في منزلي. كانت في مزاج رائع. شربت البيرة وهي متمددة في سريري. دخنت الحشيشة وهي عارية تماماً. الشمس تنعكس على وجهها وكتب ماركس موضوعة على الكومدينو أو على الطاولة أو حتى مرمية عند أقدامها في السرير. كتب كثيرة، بالألمانية أو بلغات أخرى. لم تعبأ بها لأنها كانت تتكلم كثيراً، بل لم تتوقف عن الكلام أبداً. خلعت بنطلونها الجينز وقميصها الأحمر اللاصق ورمت كالسونها على الكرسي وهي تتكلم، ربما بالألمانية وربما بلغة أخرى. فأنا إلى الآن أراها في احلامي وهي ترتدي بنطلونها الضيق المخزّق من عند الركبة وتحت المؤخرة، وقميصها الأحمر اللاصق الذي يكشف عن بطنها، والبيرسنغ الفضي في أنفها تدخن الحشيشة وتتحدث دون انقطاع. 

قالت لي مرة إنها قرأت كتاباً واحداً فقط في حياتها وأثر بها كثيراً، ربما هذا الكتاب هو لوليتا نابوكوف أو كتاب آخر. لا أتذكر إن هي أخبرتني عن لوليتا في أحلامي، أو أخبرتني عنها في الواقع. سواء أكان في الأحلام أو في الواقع، فهذا لا يغير شيئاً. فالأحداث العظيمة تولد من الدم والمني والقوة، وهي تتحجر أحياناً في التاريخ وتصبح كتباً مقدسة. إذن لا معنى لأحلامي طالما كنت ألتقي بها كل يوم تقريباً أحياناً أمام البار وأنا أحمل كتاب ماركس بيدي. أحياناً في باب العمارة وأنا أهم بالذهاب إلى معهد اللغة الألمانية. أحياناً في شقتي حين يداهمها الضجر فتلجأ لي، أحياناً في شقتها حين تعود ثملة وقد استنفدت كل نقودها على الحشيشة.

ولكن لا أعرف إن قرأت لوليتا بالألمانية أم بالروسية، فقد قالت لي مرة أن صديقها الذي فقدت عذريتها معه روسي من بطرسبورغ، وكان يجبرها على فعل أشياء بذيئة. وأن الرجال جميعهم يجبرونها على عمل أشياء بذيئة وهي لا تهتم بذلك، لأنهم يشعرون بالضجر فيبحثون عن شيء آخر في الطبيعة الساكنة والمتجمدة بقرف. لا تبالي إن كان أمامي أو في ماخور تخلع جميع ملابسها تحت ضوئه الأحمر، وتتلوى على عمود في الوسط تحت عيون الرجال الغامضين، والهمهمات المقتضبة التي تختلط بموسيقى الأماكن المغلقة.

إنها مجرد فتاة طيبة لا أكثر، ترى في الظل الجثث التي لا يريد رجال البوليس رؤيتها. لا تهتم بماركس ولا بلوليتا ولا بنابكوف. تهتم فقط بساقيها الجذابتين وبكلماتها البذيئة التي تكسب منها الكثير من المال. تهتم بمعطفها الأسود الذي اشتراه لها رئيس العصابة اليمينية الذي يحلق شعره ويقود الدراجة النارية ويقلق جميع المهاجرين. لا يبدو الأمر غريباً على أحد، فهي فتاة طيبة، زارتني كثيراً في شقتي، تتمدد عارية على سريري. تعبث بكتب ماركس بقدمها لتسقطها من حافة السرير. تستلقي على ظهرها وهي تدخن سجائر رائحتها ثقيلة. لها صدر صلب صغير. بطنها ضامرة. وثمة شق بين ساقيها نصفه عانة حمراء ونصفه قهوة. تشرب البيرة أحياناً، تدخن الحشيشة، تذهب إلى الحمام عارية وحين تعود تمسح قطرات الماء عن عانتها وترمي الكلينكس في السلة.

في المرة الأخيرة قبل اختفائها بيومين طلبت مني أن أكتب على ظهرها بسكين صغيرة تحملها معها، ليكون آخر تاتو لها كلمات بذيئة بالعربية، لا أعرف إن كنت كتبتها بالعربية أو بالألمانية، أو كنت كتبت كلمات بذيئة أو كلمات ثورية، لكن بعد أن نشف الدم والحبر، أخذنا نسمع موسيقى ثقيلة، موسيقى بلا لغة، وبعد أن تعبنا من الجنس والرقص جلست على حافة سريري متعرّقة وأخذت تدخن مثل أية فتاة ضائعة.   

 

–     يا باتي يا باتي نصراني دايخ يالا البير، نصراني دايخ يالا البير.

–      معاه بندقة؟

–      لا يا باتي، معاه زمّارة سمعت زعيقها  قبل ما نوصل البير.

–      إن شاء الله خير يا خويرة، جيبي الحصان وخلّي خوتك يلحقوني.

 كان الشّابّ في حالة حرجة، أنفاسه متقطّعة، وتكسو أطرافه جروح وتقرّحات، أسعفه الحاجّ مفتاح بابتسامة ونظرة حنان، وبلّل فمه بقطرات ماء، وظلّ يهدّئ من روعه بكلمات مليئة بمعانٍ مألوفة مثل: سلامات عليك وإن شاء الله لا بأس وكن بخير ومرحبا، شرحت قلب الألمانيّ، وبثّت فيه الطّمأنينة.

عرف الحاج مفتاح من إشارات الفتى أنّه تابع للجيش الألمانيّ، وأنّه ليس بمقاتل، وإنّما هو عضو في الفرقة الموسيقيّة المصاحبة للجيش، تلك الّتي تعزف موسيقاها عند تشييع القتلى أو حين يتقدّم الجنود.

وصل أبناء الحاج مفتاح مع بعض أبناء عمومته وجيرانه إلى البئر، ممتشقين المتاح من أسلحتهم: بنادق صيد، هراوات سيوف، وغيرها.

حملوا الجنديّ إلى النّجع 1، وهناك اهتمّت به الحاجّة مقبولة جدّة الأولاد، فدفّأته بعباءة صوف وطهّرت جروحه، أمّا أصابعه المتقرّحة فدهنتها بزيت الزّيتون، ثمّ وضعت قدميه المتورّمتين في ماء دافئ. قدّمت له بعد ذلك طعامًا طازجًا: حساء زعتر، وخبز تنّور، وطبقًا من البيض المقليّ، وقطعة من جبن الماعز.

انتهى الألمانيّ سريعًا من طعامه، فقد كان جائعًا جدًّا، كلّ لقمة يضعها في فمه تستدرج أختها في الطّبق، حتّى جاء على ما فيه، ولعلّه ردّد بينه وبين نفسه أنّه لم يتذوّق قطّ طيلة عمره ما هو أطيب ممّا أكل. إنّه طعام مبارك بثّ في داخله الرّاحة. ولقد ازدادت بهجته بما وجده من لدن العائلة من عطف، ومن نظرات دافئة استشعر عبرها أنّه سعيد جدًّا كما لو أنّه بين أهله، فاتّسعت ابتسامته، وتدفّق في طلعته الدّم، فاحمرّت وجنتاه كثمرة طماطم، ودمعت عيناه عرفانًا وشكرًا.

لم يكن بينهم من يتكلّم الألمانيّة أو الإنجليزيّة متى استثنينا بضع كلمات عامّة وبسيطة تعلّموها فترة الحرب، بفضل اختلاطهم القصير والخاطف بالمتحاربين العابرين الّذين يعيشون حالة كرّ وفرّ، ممّن كانوا يقايضونهم بعض السّلع والمستلزمات اليوميّة عند الضّرورة، أو ما تسنّى لهم أن يلتقطوه من ألسنة السّيّاح قبل نشوب الحرب، حين كانت حركة السّياحة في المنطقة نشطة. كان معظم السّيّاح يأتون إلى طبرق وضواحيها طلبًا للدّفء والاستمتاع بالشّمس والبحر أو بغاية صيد الجوارج والغزلان، أو لطرق بوّابة الصّحراء بهدف التّمتع بجلال الصّمت والنّقاء وللاستشفاء بالحمّامات الرّمليّة.

استكملوا تفاهمهم مع الألمانيّ بالإشارات، وقال له الحاج جويدة ابن عمّ الحاج  مفتاح رافعًا سبّابته وهو لا يدري ما إذا كان يفهمه أم لا:

– شهادة من ديني أنّي رافقت الجرمان في البرّ والصّحراء أكثر من مرّة، ونشهد بالله أنّهم ناس خيرة.

ولشرح كلامه للألمانيّ جاور بين سبّابتيه وحكّ إحداهما بالأخرى ليبلغه مراده مستعينًا بكلمات مثل “ليبيا جرمني قود فريند قود براضر”. فهزّ الجنديّ الألمانيّ رأسه مبتسمًا دلالةً على أنّه فهم ما يرمي إليه الحاج جويدة من معنى الصّداقة والأخوّة بين الألمان واللّيبيّين. 

فهم الألمانيّ، عبر المفردات القليلة وما تبادله مع الجماعة من إشارات، أنّهم سينقلونه إلى مكان آخر أكثر أمنًا، فنجعهم هذا قريب من الطّريق السّاحليّة ودوريّات الجيش الإنجليزيّ وحلفائهم قد تمرّ في أيّ وقت للتّفتيش. قال له الحاج مفتاح وهو يُجاور بين رسغيه كأنّهما مقيّدان:

– بعدها جندي ألماني فيه كلبوش 2.

فهم الجنديّ كلمة كلبوش، وتدعّم فهمه أكثر بالرّسم الّذي خطّه الحاجّ مفتاح بسبّابته على التّراب، ليدرك أنّ المكان الّذي سيأخذونه إليه قد يكون مغارةً أو كهفًا.

قال الحاجّ لابنه:

 ركض ابنه إلى زريبة المواشي وجرّ الموسى على شاة سمينة، تعاون مع إخوته على سلخها بينما أوقدت نساء العائلة النّار في حطب يصنع فرقعات كأنّها ألعاب ناريّة، فتعالى دخان رائحته عطرة، وجيء سريعًا بسفرة مشويّات إلى الألمانيّ، شهيّة مزدانة بشرائح اللّيمون والطّماطم وقرون الفلفل الأخضر، مع قدَح لبن رائب تعلوه رغوة فقاقيع ظريفة كالّتي تعلو كوب البيرّة.

أشعره الطّعام اللّذيذ بأنّه ليس شريدًا في حرب داخل أراضٍ غريبة عنه، وإنّما في زردة ربيعيّة على ضفاف نهر الرّاين في بون، حيث ولد وعاش وتفنّن في الموسيقى بمعهد بتهوفن، وعندما اندلعت الحرب تمّ تجنيده لها كأغلب أقرانه، فشارك في معارك عديدة لم يكن فيها مقاتلًا، بل عازف بوق وظيفته التّحميس، أو الإيعاز في الجند، وفقًا لأوامر قائده، بالجمع والتّفرّق وبالهجوم والانسحاب.

وعندما احتاج الجيش إلى عازفين للسّفر إلى شمال أفريقيا، حيث ستنتقل الحرب رفع بوقه موافقًا، إذ رغبت نفسه في طرق آفاق جديدة دافئة طالما قرأ عنها في آثار من الأدبين، الألمانيّ والأوروبّيّ، تتحدّث عن الشّرق، بعضها لجوته وتولستوي وفولتير وكفافيس، وآثار أخرى عديدة بعضها يونانيّ وبعضها إيطاليّ. فهم منها، في ما فهم، أنّ الرّياح هناك تعزف الموسيقى في كلّ فصول السّنة، وموج البحر يغنّي، والأشجار ترقص، أمّا العصافير فتجاهل ما جاء بشأنها على ألسنة الشّعراء، لأنّه يعتبر مجرّد النّظر إليها قصيدة.

تمّ ضمّه إلى جيوش رومل ونزل أوّلًا في جزيرة جربة بتونس، ومنها تقدّم معهم شرقًا منتصرًا حتّى العلمين، ولكن بعد جهد خرافيّ لثلاث سنوات من الحرب تقريبًا، لم يتحقّق لهم النّصر الحاسم بالوصول إلى قناة السويس، وهُزِموا في النّهاية من قبل المارشال الإنجليزيّ مونتجمري في العلمين نتيجة نقص في الإمدادات من الوقود بالإضافة إلى أنّ قائدهم إرفين استدعى رومل بسبب مرضه أو لاستغلاله في جبهة أخرى أهمّ. وعانى جنود الجيش الألمانيّ كثيرًا من تداعيات الهزيمة، فمات بعضهم وأُسر البعض الآخر، أمّا من انسحب سريعًا إلى أقصى الغرب صوب تونس فكان مصيره الأسر. لكنّ الجنديّ عازف البوق لم يستسلم وتقهقر ببطء حتّى وصل قرب طبرق، وهناك كان في حالة إعياء شديد فقادته غريزة البقاء إلى البئر، قال في نفسه: الماء مثل الموسيقى أمان، وأن أبقى في أرض أعرفها مكثت فيها أكثر من سنتين أفضل من مواصلة الانسحاب والفرار نحو المجهول، هنا النّاس طيّبون وكرماء رغم ظروف الحرب الّتي شرّدتهم وأحرقت زرعهم وضرعهم وشجرهم.

أثناء تقهقره غربًا هربًا من الموت أو الأسر لم يكن معه شيء سوى بوقه وزمزميّته الفارغة، ولم تكن معه بوصلة لتحديد الاتّجاهات، فكلّ مستلزماته الحربيّة -باستثناء ملابسه الّتي نزع عنها كلّ الشّعارات- تخلّص منها في الطّريق حتّى لا تدلّ على هويّته إن رصده منظار الأعداء أو صادف أحد الوشاة في الطّريق، وحتّى يتخفّف من ثقلها وهو يكابد نقصًا في الماء وشحّا في الزّاد.

في تقهقره كان يقتفي أثر الإبل، يقول: الإبل هي الماء هي الحياة. وكان بعد مسيرة يوم أو نصف يوم يعثر بالفعل على بئر أو معطن يشرب منه ويغتسل ويملأ زمزميّته، وإن استلطف ناقة عزف لها لحنًا غليظا كرغاء جمل يشتهيها حتّى تستأنس له، ومن ثمّ ينحني تحتها ويحلب منها في زمزميّته أو يرضع من الضّرع رأسًا، ولا ينسى في كلّ مرّة أن يسكب على يديه المتقرّحتين قطرات من  لبن الإبل، أو حتّى بولها إن صادفه جمل يتبوّل، فهو يعرف من كتب الطّبّ القديم أنّ اللّبن والبول يطهّران الجروح والقروح. وعندما تنطلق الإبل من جديد في رحلتها يتبعها، لم يكن يثق في الطّيور الّتي ستقوده حتمًا نحو البساتين والبحر، حيث دوريّات الحلفاء ومن تحالف معهم من السّكّان المحلّيّين بحجّة التّخلّص من الطّليان الّذين يحتلّون ليبيا آنذاك. أمّا المتحالفون معنا نحن الألمان فهم للأسف دون فائدة، فقد كانوا عبئا كبيرًا أعاقنا في أكثر من معركة.

 لكنّ الإبل لن تقوده سوى إلى الماء البعيد عن العمران والزّحام. كان وقتًا طيّبًا يقضيه صحبة الإبل كأنّه راعٍ لها، وكان لها بمنزلة الحادي يغنّي ويعزف جاعلًا من وقع أخفافها على الأرض إيقاعًا يواكبه، يقول: أنا أغنّي وأعزف والإبل تنقر لي بأخفافها على طبل الأرض، إن كانت الأرض رمليّة فللإيقاع نكهة الرّمل ومتى كانت ترابيّة فله نكهة التّراب، وإذا كانت صخريّة فله نكهة الصّخر، وإن كانت سبخيّة فله نكهة الملح، أمّا إذا كانت بركانيّة فله نكهة النّار. يقول أيضا: لم أكن أنا من يقرّر اللّحن أو الأغنية الّتي أغنّيها وإنّما تفعل ذلك الإبلُ، تفرض إيقاعها فأواكبها بالعمل الفنّيّ الملائم، وغالبا ما يكون العمل لأحد معشوقيه، بتهوفن أو موزارت. شجيّ هو طبل الأرض، ساحرة هي أخفاف الجمال.

صارت الإبل هي ضابط الإيقاع ومايسترو الفرقة دون أن تقصد ذلك، فقد استأنست بشكل مّا عزفَ بوقه، فما عادت تجفل عندما يقترب منها حدّ الالتصاق بها والتمسّح والتّربيت على رقابها وشحوم سنامها الصّلبة، بل نجح في أن يجعل قعودًا صغيرًا يبرك ثمّ يقف بهمهمة من صوته ونفخات زاعقة من بوقه. أعجبته جدًّا السّمات الموشومة على أفخاذ الإبل وصدورها ورقابها، تلك الّتي يصنعها أصحابها بواسطة النّار كصكّ ملكيّة مقدّس، فلكلّ إبلِ قبيلةٍ سمة تخصّها معروفة لدى كلّ القبائل في الواحات والصّحراء وفي أطراف المدن. الطّريف أنّه يتبع قطيع إبل كبير به سمات مختلفة لعلّ الحرب جمّعتها من مراعيها المتفرّقة ليستأنس بعضها ببعض وتبتعد عن الموت معًا، سمات متنوّعة صنعتها نار الهويّة لا نار الدّمار: خطّان… دائرة… مثلّث… خطّ واحد… خطّان متقاطعان… خطّ في نهايته دائرة، إلخ… وعندما تأمن الإبل بابتعادها من لهيب الموت وترتوي جميعها من المعطن المشاع، تبدأ في المغادرة، كلّ قطيع  تشابهت علاماته يرحل في اتّجاه مضارب قبيلته، أمّا هو فلا يعرف مع أيّ قطيع يذهب، وإلى أيّ قطيع ينضمّ، ولحكمة مّا في نفسه يختار أقلّ القطعان عددًا فيتبعه.

لم تكن صحّته تسعفه لمواكبة قطعان الإبل ومتابعتها وهي الّتي لا تكلّ ولا تملّ من المشي. ومع بعض العواصف الرّمليّة الّتي فاجأته في الطّريق ضيّع أثرها تمامًا، ووجد نفسه على أرض طينيّة باهتة تنبثق منها بعض الصّخور الملساء المحاطة بنبْتات رماديّة متشبّعة بالماء وتنتشر حولها برك سبخيّة مكتظّة بنبات الدّيس القاسي. تأمّل الطّين لاقتفاء أخفاف الإبل، لكنّه لم يجدها ووجد آثار حيوانات أخرى مع آثار عجلات لشاحنات ومدرّعات وجنازير دبّابات، فصار لا يتحرّك في المكان إلّا ليلًا. كان يخبط في حركته خبط عشواء، لا منهج للمسير ولا وجهة معيّنة، وأخيرًا نفد منه الماء تمامًا واستبدّ به الجوع، فقرّر في النّهاية أن يقترب قليلًا من العمران لعلّ رحمة يسوع والعذراء ومعجزاتهما تحفّ به. كان يسمع أصوات شياه وماعز ونهيق حمير وعواء ذئب أبحّه الجوع. تتبّع أثر الصّوت بأذنه الموسيقيّة المرهفة وهو في قمّة الإعياء، وعندما اقترب من خيال يشبه فوّهة البئر استجمع قواه، وبآخر ما يملك من أنفاس نفخ في بوقه ثمّ خرّ مغشيّا عليه.

عندما فتح عينيه بعد غفوة ساعتَين أو ثلاث بسبب التّعب الشّديد والإرهاق والطّعام الشّهيّ الّذي تناوله، ووجد الحاج مفتاح وبعض أبنائه يحيطون به مبتسمين، تلمّس جانبه بسرعة كمَن افتقد شيئًا عزيزًا، فابتسم الحاج مفتاح وقال وهو يمسّ صدره بكفّه مرّاتٍ أمارةً على الاطمئنان:

– إنّه هناك في الحفظ والصّونّ، اطمئنّ ، هاتِ زمّارته يا بنت.

 جاءت خويرة بالبوق:

– جلّيتها بقشور اللّيمون وها هي تبرق كما الذّهب.

ابتسم الألمانيّ عندما رأى بوقه نظيفًا لامعًا تنعكس عليه أشعّة الشّمس المتسرّبة من فتحةٍ بِرواق الخيمة، وشكر الجميع بعينيه وكلمتَي Vielen Dank، أي شكرًا جزيلًا، استلمه منهم، ضمّه إلى صدره، وصار يترقّب ما سيناله من هؤلاء النّاس الّذين احتفوا به وكأنّه ضيف عزيز، وهو مطمئنّ الآن فقد اعتنوا به اعتناء الإنسان بالإنسان وأسعفوه إسعاف الطبيب، ونظّفوا بوقه من سخام الدّخان والأتربة ومن الرّمال الّتي دخلت فتحاته أثناء المعركة، أو ساعة انسحابه الاضطراريّ منها.

بعد دقيقة من عناقه للبوق، جعله بين يديه ونشر أصابعه المدهونة بزيت الزّيتون على أزراره، ثمّ رفع بصره نحو العائلة كأنّه يطلب إذنًا منهم كي يلعب ببوقه قليلًا، أشار إليه الحاج مفتاح برأسه موافقًا أن يُسمعهم لحنًا، وشجّعه بهزّات من رأسه تحثّه أن يبدأ، قال له: ليتك تفهم كلامنا يا رجل لتعرف أنّنا عشّاق موسيقى، وأنّنا لا نخرج للرّعي أو الحرث أو الحصاد إلّا ومزاميرنا وطبولنا تتقدّم الرّكب ونحيي دومًا حفلات الكشك 3، وحفلات الأعراس الّتي تتمّ بين أبناء العشيرة أو عشائر بدويّة أخرى قريبة منّا، انفخ يا رجل، فالحياة عبارة عن نفخة من فم الرّبّ.

لمح بريق فرح في عيون الحاج وأبنائه وبنته الوحيدة، وكذلك في عيني الحاجّة مقبولة الّتي مرّضته وفي عيني زوجته السّيّدة مرعيّة الّتي رفعت رأسها من وراء الرّواق لتسمع وترى. فعرف أنّ كلام الحاج مفتاح مدح للموسيقى وإذْن له بالعزف، فبدأ ينفخ الحياة في بوقه محرّكًا أصابعه لتنبثق في المكان فراشات موسيقيّة تزوره من ريف طفولته في بون، موسيقى هادئة تنشط تدريجيّا فتحفّز السّامع على التّفاعل معها بتمييل أطرافه ورأسه وجذعه وأردافه في حركات راقصة. وعندما انتهى من العزف صفّق له الجميع. وقالت خويرة:

– الّذي سمعته الآن ليس كالزّعيق الّذي سمعته قبل أن أجده فاقدًا للوعي.

قال أبوها:

– ذاك الزّعيق كان موسيقى ألم وطلب نجدة، لكنّ المقطوعة الّتي عزفها الآن موسيقى امتنان للرّبّ الذي أنجاه ووضعه وبوقَه بين أيدٍ أمينة.

أشجار التين الشوكي كما أعرفها قصيرة القامة دوما، على خلاف تلك التي توجد في القرية التي يعيش فيها جدي، فقد كانت باسقة، متطاولة في السماء، متكاثفة إلى حدود أنها تنبئ بسرّ يختفي دوما في تلافيفها. وما عمق  هذا الإحساس لدي، وجعلني أدرك أنها أشجار غير بريئة، هو رؤيتي في يوم ما لصديقتنا الجميلة البيضاء “جنة” وهي تعدو، محاولة التستر خلف أغصان هذه الأشجار وخلف أوراقها المنتفخة العريضة، وكأنها بطلة حكاية خرافية تفر من مملكة مرعبة.

كانت حبيبات العرق المتصبب من جبينها تزيد من حمرة وجنتيها، وحين أوشكت أن تصطدم بي، سرت في جسدي قشعريرة أشبه بالصعقة الغريبة، بدت لي جنة وكأنها ليست من نفس جنسي، مع أنني أعرفها جيدا وسبق لي أن رأيتها أكثر من مرة تستحم كما ولدتها أمها؛ فلها نهدان جموحان يشبهان نهدي بالتحديد. ولكن جنة كانت تختلف عني في الكثير من خبايا نفسها، فهي على خلاف أغلب فتيات القرية، كانت دائمة الذهول، وكأنها تعيش بيننا وتنظر بعينيها إلى عالم آخر لا نعرف عنه أي شيء. وما يزيد من غرابتها لون عينيها اللوزيتين اللتين يطغى عليهما اللون الأزرق السماوي الذي جعلها حديث القرية كلها. ورغم ما كان يقال عنها وعن عينيها، فإنني لم أفهم شيئا عن هذا الذهول الذي يتصاعد منهما، إلا حين كبرت وأصبحت أفهم إشارات الكبار التي تتحدث عن الجن الذين سكنوا جنة والذين  سجنوها في صندوق لا يُرى اسمه الرغبة.

كانت جنة صديقتي في أيام العطل الصيفية؛ أنا القادمة من زحام المدن، كنت شغوفة جدا بها؛ الفتاة الجميلة، الشقراء، زرقاء العينين، مثل السماء الصافية في الأيام الحارقة، كانت فتاة لا تخاف، وكانت جدتي تحذرنا منها كثيرا وتسرد كلمات لم أكن أفهم معناها بلهجتها البدوية التي لم نألفها: “هذيك زفانية”  1. لم يكن تحذير جدتي ذا أثر علي، فقد كنت أجد متعة في مجالستها والحديث معها، ذلك أن الضوء المنبثق من عينيها كان يشعرني بمغادرة هذا العالم والانفصال عن نفسي وتحولي إلى مجرد طيف خفيف. لذلك كثيرا ما كنت أتلمس يدها بحنان كي أنتقل إلى هذه العوالم التي أتصورها أشبه بالجنة. لم تكن جدتي تقبل رفقتي لها، لذلك كانت تعيدني إلى البيت كلما رأتني أركض معها في العرصات الشاسعة ونحن ننزع الثياب عن الفزاعات العملاقة الرابضة وسط العنب لإفزاع الطيور، كنا دوما نعبث بالفزاعات العارية، وكان لدي الوهم أننا حين سننزع الثياب سنجد أجسادا حقيقية، لكننا كنا لا نعثر سوى على مجرد قصب معقود بحبال صلبة.

كنت معتادة أن أذهب في أيام الدراسة إلى المدينة، لكن جنة كانت بالنسبة إلي ذلك الوجه الحارق الذي يربطني بهواجس القرية ولعناتها، وكأن بها نوعا من المس المرعب الذي يغذي خيالي الراغب في تصديق  الحكايات التي كانت ترويها جدتي بعد أن يحل الظلام، لكنني حين عدت لآخر مرة أحسست بأن جنة قد تغيرت طبيعتها، وعلت التعاسة وجهها؛  كانت قد انتفخت كثيرا و صارت سمينة أكثر من المعتاد، واختفت  يدها التي كانت تدخلني لعوالم السحر. وفي صباح ثقيل استيقظنا على صراخ حاد، وهرعنا إلى حيث تشير الأصابع، ونظرت مندهشة كما الجميع إلى طفل صغير متكور نائم تحت كومة من القش، كانت حمرة وجنتيه أليفة لدي تماما، وكان هناك جمهور غفير من الأصوات يغمغمون: إنه ابن جنة، شعره  أشقر مثل لون شعرها،  وعيناه!… أنظروا إلى عينيه.

كان الطفل ملاكا صغيرا، عيناه زرقاوان يحيطهما صفاء آسر، وأصابعه الوردية تقبض على شيء ما، وكأنه يمسك بيد تحميه، وكل من يراه يقع في حبه، ومع ذلك الكل كان يلعن جنة في السر والجهر، ويتمنون لو ألقوا بها في جب عميق. أما بالنسبة إلي، فإن مشهد الطفل رسخ في ذاكرتي بأن أطفال الحب هم أكثر جمالا من الآخرين، و لا أدري إن كان الخوف المعجون بالرغبة هو من يمنحهم ذلك البهاء الذي يغذي الأسطورة .

كانت جدتي بين الحضور المتجمهرين، وما إن رأتنا حتى أخذت تحثنا على العودة للبيت، وأومأت لنا بنظرتها الفاتكة، نحن معشر بناتها وبنات بناتها وهي تضغط على مخارج الحروف بقسوة: ألم أقل لكن إنها “زفانية”؟

لكنني لشدة حبي لجنة تسللت ولم أعر كلام جدتي أي اهتمام، وانتظرت طويلا علني أرى جنة مرة أخرى، لكنها اختفت، فقد بدأ الوعيد والشتائم والتهديد يلاحقها في كل المجالس، بل بدأ بعض من يكرهونها، يطاردونها لمعاقبتها وجعلها عبرة للأخريات.

لم يتمكن أحد من رؤيتها ولا الإمساك بها. شاع في القرية أنها امتطت  جوادا أحمر اللون، وأن الجواد حفر الأرض وغاص بها في الأعماق وكأنها فارسة من زمن قديم ، كان الكثير من شباب القرية يبحثون عنها، لكنهم لم يعثروا لها على أثر، وعادوا متعبين،  وكأنهم نفضوا أيديهم من لعنتها. ومن الغريب جدا أن عائلتها احتفظت  بالطفل الملعون والمحبوب معا. وبعد أيام قلائل مات والدها بسبب إحساسه بالعار  ولمعاناته من مرض القلب الذي كان يفرض عليه قلة الحركة ولزوم البيت.

مرت سنوات لم ألتق فيها جنة، لكن اسمها لم ينمح من أحاديث القرية وهواجسها، فقد أكد الكثيرون بأنها تظهر بملابس بيضاء كلما جن الليل، وهي تصدر صوتا كسجع الحمام، تحت أشجار التين الشوكي العالية. وكثيرا ما كانت تنتابني الرغبة في البحث عنها ليلا، لكنني كنت أشعر بالخوف، فقد تسامقت الأشجار بشكل غريب إلى أن أصبحت متعانقة في السماء، وكأنها رؤوس شياطين تعانق بعضها البعض بحنو بالغ.

لا أزال لهذا اليوم أذكر يدها التي كنت أمسك بها كلما التقيتها، فحين كبرت كنت أراها في عيون كل الفتيات اللواتي تشدهن عيونها، وأحسست بنمو أوراق صبار كثيرة وعريضة بداخلي تشبه أوراق الأشجار التي تملأ القرية وتجاور منزل جدي، فكنت ألعن في قرارة نفسي كل أشجار الصبار التي يسميها الآخرون باسم شجرة الشيطان؛ واستعدت وجه جنة وهي تأكل فاكهتها المغطاة بالشوك دون نزع  قشرتها.

كانت فكرة الطرد من الجنة تراودني كل حين، وكأني بكل الأصوات التي كانت تصرخ تستعيد ثأرا قديما للخلق الذي عاد إلى الأرض، وكأن السعادة كامنة في نزع الجنين من الرحم وإخفاء آثار ما جنته الأم. وكثيرا ما كانت تنتابني كوابيس غريبة أستيقظ منها وأنا أصرخ بعد أن أنزع كل الأرحام، وكأنني بذلك أعدم الولادة، ثم أسأل نفسي:

حين كبر الملاك الصغير في القرية بدأت تلاحقه الأعين، فالكل يناديه بابن جنة، لكنها لم تلاحق والده الذي تزوج امرأة أخرى بصمت، وأنجب أبناء وثق أسماءهم وتواريخ ميلادهم، ولم تشر إليه الأصابع، ولم يطرد من الجنة، أتخيل حجم الملائكة الذين يرتعون في الأرض بدون صكوك اعتراف، وأتصور انتقامهم الشديد من جديد من الرحم الذي أنجبهم في صور فتيات جميلات يشبهن جنة، وأحاول لو استطعت أن أعجن العالم من جديد كي لا يموت بعد أن يتلذذ بأكل التين.

كنت دوما أستعيد الطرد من الجنة وكأنه يتكرر في ذهني وأرى الأستاذ يقف قبالتي بصوته القوي وهو يؤكد بأن الخطيئة جعلت الله يطرد آدم وحواء من الجنة، كنت أرى حواء وقد أطرقت خجلا وهي تغادر الجنة وتبكي، وأرى الخلق منذ تلك اللحظة وهم يخطئون ويصرخون ويقتلون ويعشقون ويرغبون ويموتون ويتعلمون وينامون ويستيقظون، ثم أسأل الأستاذ:

– لماذا لم يطردوا عشيق جنة من القرية؟ لقد أكلا معا تلك الفاكهة الملعونة ؟ !

لم تختف جنة تماما، فلشدة ما نسجت حولها من حكايات خارقة، رأيتها في إحدى الليالي الدامسة،  تهبط واقفة فوق غيمة كبيرة وقد اكتملت أنوثتها الشامخة، وكانت تتناسل من يدها نساء كثيرات يشبهنها وهن يتساقطن على الأرض، كان المشهد مخيفا وهي تنظر نظرات حانية إلى الأسفل، وكأنها كانت تروي الأرض من الظمأ، كنت ألتف بملابسي بقوة وصوتي لا يسعفني على الصراخ…

وروت النساء في مجامعهن الخاصة ووشوشاتهن الهامسة بأن عشيق جنة أدخل إلى “سيدي بولكوان” 2 لاختناقه الدائم ليلا بسبب يد جنة التي تلاحقه في كل مكان، وسيظل هناك ليحميه الولي الصالح من الموت المحقق.

لا أدري ما الذي جعل جدتي تتعاطف للمرة الأولى مع حكايات جنة، فقد أسرت لنا أنها ربما قد  ظلمت وأنها قتلت وبأن روحها تسكن القرية، لذلك ترى بالليل. أما أنا فكنت أشعر بيد جنة رطبة ناعمة تلمس  كل الأمكنة التي أحل بها، وكأنها قطعة من القمر تنير كل ما تلمسه.

مر زمن طويل حصلت بعدها على دكتوراه في الأنتربولوجيا، وصرت أدخل بيوتات نائية لأعرف رأي عامة الناس في هذا الموضوع أو ذاك، كما أبحث في العادات والمعتقدات وكل ما تخزنه الثقافات من أسرار، ولكن فهم الإنسان بدا لي صعبا جدا، فكلما أنرت زاوية، تعتمت زوايا أخرى. لكنني على الأقل اكتسبت جرأة ولم أعد أثق بما يقال في القرية من تعليقات ساذجة عن جنة. فلغيابها وحضورها القوي تفسير آخر، ومقاومة يدها للجميع لم تعد تؤرقني كما في السابق.

كنت أعود للقرية بين الفينة والأخرى، وفي يوم مشهود ظل الجميع يخبر بعضهم البعض بأن جنة ستعود اليوم للقرية، وهي الآن في مدخلها.  لم أصدق الخبر للوهلة الأولى، لكنني التحقت بجماعة من أهل القرية، وكأنني مدفوعة بيد لا ترى، ومشيت معهم إلى حيث اصطف حشد كبير على جنبات الطريق.

بدت جنة وكأنها أميرة، خرجت للتو من حكايات ألف ليلة وليلة، وحين اقتربت من الحشد البشري الهائل، ارتمت عليها النساء يقبلنها وأخذ الرجال بيدها يتحسسونها وكأنهم يتبركون بها. مظهر جنة تغير؛ فهي ما زالت تحافظ على أنوثتها اللافتة التي جللتها علامات الثراء التي لم تخطئها أعين أهل القرية.

ومن بين الهمهمات والابتسامات علت زغاريد النساء والتي سرعان ما تحولت إلى ريح ورعد وبرق… ومطر بلل كل أهل القرية الذين كانوا يقلبون أعينهم في السماء… وينظرون إلى جنة… وأمها تعانقها باكية وهي تصرخ: إنها ابنتي… إنها جنة.


 

هل تعلم؟

اليوم ما عدتُ أصدّق نفسي. كل ما حدث لي يبدو لي الآن وكأنه سرد غرائبي لأحداث لا تقع إلا داخل رواية خيالية. تتساقط علي الصور والذكريات بغزارة غريبة، حتى أني ما عدتُ أفرّق بين ذاكرة وصورة خيالية.. كل ما أعرفه أني وجدتُ نفسي أحكي، وأحكي..

منذ وفاة والدي، انفتحت أمامي أبواب عالم آخر.. لقائي بموراكامي، حكاية صديقي ميمون، لقائي بملاك الموت فتاة الغابة كل هذا يشبه الجنون. إنه الجنون.

 أعلم أنك قد دوّنتَ في سجلك هذه الملاحظة، ووضعت تحت لفظة مجنون سطرا أو سطرين أو ثلاثا. أنت تقوم بعملك سيدي، لن ألومك. من سألوم؟ لا أحد، أعتقد أنّ ما حدث لي يفوق عتبة اللوم، لا يهمنّي الآن إن كنت تصدقني أم لا، لأنّ ما حدث لي صار جزءا مني. هل توافقني رأيي؟

في كوخ الغابة، كنتُ مع موراكامي. كما أخبرتك. في تلك الغابة، انتقمت منه.. قتلته. قذفته داخل حفرة عميقة. كانت هناك منذ الأزل، تنتظرني. هل وجدتم جثته؟ ابحثوا عنها جيدا، لا يجب أن تيأسوا فهي مدفونة في عمق حفرة سحيقة…

 كان عليه ألا يكتب تلك الرواية، فهي أطلقت لعنة خطيرة أودت بحياة أبي، وقبله بحياة والدة صاحب الرسالة المجهولة. أؤكد لك سيدي أنها رواية لعينة. كان عليه أن يدفع الثمن. الروايات الخطيرة لا يمكن أن تُترك دون معاقبة كتّابها.

هو من طلب مني أن نسير في الغابة. هل تراه كان يعرف بنواياي الحقيقية؟ لقد طلبت منه أن نلتقي، حين كتبت له تلك الرسالة. أظنّ أنّه قرر فعلا أن نلتقي، وبحسه الروائي فهم أنّي جئت لأجل تنفيذ وعد قطعته على نفسي. نعم، هذا هو التفسير المنطقي. في الطريق حدثني كثيرا لقد حدثني كثيرا عن نظرته للموت، هو كما قال لي لا يخاف أن يموت، لأنّ الموت مجرد بوابة فقط نلج منها لندخل إلى عالم آخر، بأبعاد مختلفة. نظر إلي، وابتسم: أنت تؤمن بوجود هذا المعبر إلى العالم الآخر، ووجدوك في هذه الغابة لم يكن مجرد صدفة.

– هل قرأتَ ما كتبه دانتي في نشيده الأول ((لا أحسن أن أقول كيف دخلتها (ويقصد الغابة)، فقد كنتُ مثقلا بالنوم في اللحظة التي حدتُ فيها عن طريق الصواب)). دانتي العظيم سافر إلى الجحيم، وصوّر هذا الجحيم في صورة غابة غامضة مسكونة بالأرواح الهائمة، وهناك التقى بشاعر الرومان العظيم فرجيل.

فهمتُ أنّه كان يقصدني، فحتى أنا لا أعرف كيف وصلت إلى هذه الغابة، ورفيقي كان ميمون، روائي بينما كان فرجيل شاعر. كان ميمون مفتاح الغابة، يعيش ببلدة رجل الكلب التي عاد إليها بعد سنوات من العيش في المدينة عند خالته. تقع البلدة بمحاذاة الغابة، كان ميمون دليلي داخل دروبها الملتوية، والغامضة، مثلما كان فرجيل دليل دانتي في رحلته العجيبة. أن تسير داخل غابة هو أن تسير إلى المجهول.

 سأقول لك سيدي، يمكن لك أن تدون هذا إذا شئت، فأنا الآن قد دخلت منطقة من الوعي بأنّ العالم الحقيقي ليس إلا محاكاة لعالم خفيّ وغريب يتجاوز قدرة العقل على إدراكه. لقد تحوّلت إلى دانتي أليجري آخر، هو لينقذ ابنته من الجحيم بعد أن انتحرت، وأنا لأنتقم لوالدي من قاتله.

 لن أخفي عنك أنه كان يحذوني أمل غريب أني سأرى والدي. ميمون أخبرني أنه رآه في حلمه جالسا في الكوخ يقرأ الغابة النرويجية.

كنا نسير في دروب تلك الغابة العميقة جدا. قال لي موراكامي، أن تلك الغابة هي أعماقي. هل تصدّق؟ كنا نتجوّل داخلي! أرجوك سجّل هذا أيضا، لا أكترث إن صدقني العالم أم لا. وإذا صدق ما قاله هذا اللعين، فهذا يعني أنّي كنتُ داخلي.

 أنصتت له بهدوء يشوبه الحذر والتفكير في طريق العودة. الغريب أني طيلة مشينا لم أشعر بأي خوف أو تردد، بدا لي أنّ هدفي كان واضحا، وأنّي كنتُ أسير نحو خلاصي. النظر إلى موراكامي سيشعرك بألفة ما نحوه، وهذا أمر غريب، إلاّ أنّي قاومتها حتى لا تطفئ رغبتي في طعنه. هل قلت طعنه؟ لا أدري كيف قلتها الآن، لأني صراحة لم أطعنه، فقد ألقيت به في بئر كانت مخفية بين أحراش الغابة. أخبرني صديقي ميمون عن مكان تواجد البئر أو الحفرة، حتى موراكامي كان يعرف مكانها. لقد توقف عن السير، وقال لي أننا وصلنا. من الصعب أن ترى تلك الحفرة، فالمكان متجانس بشكل يثير الدوار. توقفنا عند المكان المحتمل. وفجأة ظهرت الفتاة صاحبة الفستان الأزرق. لقد عادت إلى الظهور. هل كانت تتبعنا؟ صعب أن أعرف. ظلت تبتسم لنا معا، وتلوّح بيدها الصغيرة لنا. وبعدها قال لي موراكامي بأنه حان وقت الرحيل، فكل شيء ينتهي بلحظة الرحيل. هل كان يعرف بنواياي؟ لحظتها فقط أدركت أننا كنا واقفين على حافة الحفرة. لم أشعر بيدي وهي تدفعه إلى حفرة الجحيم المظلمة.. لم تفارقه الابتسامة وهو يهوي إلى أعماقها المريبة. ظلت ابتسامته الغامضة ملازمة لي، إنه تذكاره الأخير.

 لا تسألني سيدي مرة أخرى أين توجد تلك الحفرة؟ إنها في مكان ما داخلي.. في داخل كل واحد منا يخفي مقبرة مليئة بجثث قتلاه.

 

لم يكن صعبًا على عُمر أن يجد غرفة في هذه المدينة الموغلة في الغموض والوحشية.. والتي تأكل البشر كل يوم.

غرفة صغيرة، تقع فوق عمارة من خمسة طوابق. جاء إليها يحمل حقيبته قادمًا من تلك القرية المنسية في الشمال. كانت صغيرة، مطلية بالأزرق، يدخلها ضوءُ لوحة الاعلانات الأصفر. وكانت أيضا مليئة بالجرائد والكتب. “كان يسكنها صحفيّ”، قال السمسار. لكنه باع الجرائد والكتب ل “مول الزريعة” مقابل عشرين درهما وحفنة من الكاوكاو. الكتب والجرائد غير مهمة. المال مهم. والكاوكاو أيضا.

ولأنه لم يكن يدخن أو يشرب – وهذا أمر نادر- فقد كان راتبه من المقهى، الذي وجد فيه عملا بسهولة أيضا، ربما بفضل دعوات تلك العجوز التي هي أمه، يكفيه.

وكان شتاءً غير عاديّ. هذه عبارة أدبية تافهة. كان شتاءً عاديا، عاديا تماما: انخفاض في درجات الحرارة مع احتمال نزول بعض الزخات المطرية التي قد تستمر إلى منتصف الليل، وقد تمطر الآن، وهو يسير قادما من المقهى، بعد أن أنزلوا الريدو وأغلقوا الأقفال، فتفرقوا، الباطرون بسيارته، وعامل الكونطوار على دراجته، وهو على قدميه، يسير ويسير.. في شوارع المدينة المظلمة، يراقب المحلات تقفل أبوابها والقطط والكلاب المتسكعة.

اللعنة على هذه المدينة القذرة! لا ترحم أحدا. هناك تجار النفوس، العاهرات، الشواذ، البوعارة، رجال المخزن الفاسدون، أغنياء وفقراء، النازحون من الجوع.. جوعنا وجوعهم…كل شيء موجود هنا، ستجده بكل سهولة وأنت تتعمق في الدروب المعتمة، التي لا  يدري أحد ما بداخلها. وحده الله يعلم ذلك.

المدينة قبور عالية..المدينة غول عفن..

الأغاني تأتيه من البارات، صاخبة، مختلفة: راي، غربي، شعبي…ممزقة محصوبة بالشتائم والصراخ. يخرج من فمه بخار يشبه دخان السجائر، لكنه لا يدخن ولا يشرب، لذلك اشترى مذياعا يستمع فيه الى الأغاني والبرامج الليلة التي تطرح مشاكل الناس. يرفع من صوت المذياع، وحين يتأثر بقصة ما يطلق: لاحول ولا قوة إلا بالله..

فتح سرواله وأخد يطلق الماء على البقعة المظلمة من حائط السينما المهجورة. لم يكن يسمع سوى الشرشرة ورذاذ الأغاني القادمة من البارات، لكن هذه الأصوات، مع الهدوء، اختلطت بأصوات أخرى: أصوات بكاء وترجٍ وشتائم. زرر بنطاله فابتلّت يداه وهو يفعل، وسار ناحية الأصوات، التي كانت ظلالا تتحرك، ومع اقتراب أكثر، بحذر، اتضحت الظلال: رجل وامرأة يتحركان…وباتّضاح الظلال اتضحت الأصوات أيضا، فسمع:

-تهربين مني أيتها القحبة..سأقتلك..

ينظر عمر وقد انتبه إلى رجل يدخن، صاح به الرجل:

-هيه إلامَ تنظر؟ اذهب إلى حال سبيلك..

لكنّ عمر ظل ينظر، وظل الرجل يضرب المرأة التي تعرى فخداها. كانت تصرخ، وبدا وجهها ملطخا بالدم. وظل الرجل الذي يدخن يجذب صديقه محذرا: دعها يا مراد.. ستدركنا الشرطة.. التفت عمر باحثا عن الشرطة، لكنه لم يجدها، لا صوات ولا غوات. .بل وجد مراد، يدفع صاحبه الذي يدخن، ويكيل لها الضربات:

-أيتها الكلبة..أيتها العاهرة..سأحرق…

-لن أعيدها ثانية…لن أفعل. كانت تعوي ككلبة.

-ألم أقل لك انصرف أيها النم؟!

فبرز النصل، وشعر عمر بالرعب. التفت إليه مراد:

-فاش كتشوف!!اذهب وإلا خلينا دار بوك…

-أرجوك يا أخي اعتقني..سيقتلونني..أنا بئيسة..اعتقني…توسلت.

أخد مراد يسكتها بضرباته القوية الصادرة عن جسده الضخم، وظل النصل مرفوعا والدخان يخرج من الفم.. أراد عمر أن يقول:

-حشومة..إنها فتاة مسكينة..ارحموها…لكنه تراجع لأنه تخيل بركة من الدم، وجثة متعفنة على الرصيف عثر عليها زبال في الفجر.. فتراجع، وانعطف عبر الزقاق اﻵخر، لكنه ظل يسمع صوتها تستنجد: “عفاك اعتقني..أنا مسكينة..سيقتلو…”. لكنه تجاهلها لأن الجو كان باردا، والجوع يخز مصارينه. وتخيل زلافة من الحريرة، وغرفته الصغيرة التي كانت مليئة بالكتب والجرائد، والمذياع الذي يبث برامج ليلية…

أسرع الخطى نحو الزلافة والغرفة والمذياع…وكان الصوت المستنجد الباكي قد اختفى، والمطر ينزل، لأنه شتاء عاديّ، عاديّ تماما…