عبد العال مخبر بوليس طويل أسمر، وعلى ظهر يده اليمنى سمكة فمها مفتوح، وذيلها مشقوق، وعلى عينها نقطة.

عبد العال مخبر، ومع هذا فَلَه عيلة وزوجة أحياناً تناكفه وأحياناً ترضى عنه، وأحياناً يحلف عليها يمين الطلاق، ونادرًا ما يقع اليمين.

ولعبد العال ماهية عشرة جنيهات بما فيها كلّ ما ناله وما لم ينله من علاوات.

وعبد العال سعيد جداً بحكاية المخبر، إذا ركب الأوتوبيس وجاء الكُمساري قال: ”بوليس”، وأحسّ بأهميته وهو يقول بوليس، والناس يرمقونه ويضربون له بعيونهم السلام.

وعبد العال مثل كلّ الناس يحلم بالمستقبل، وهو لا يحلم حلماً عادياً مثل أن يصبح ضابطًا أو مساعد حكمدار.. هو في الحقيقة يحلم أن يكون وزيرا للداخلية. يا سلام!.. يصحو الواحد ويلاقي نفسه وزيراً له عربة وله حاجب ويقف على باب منزله عسكري على الأقل بشريطين. بسيطة! وليست على الله ببعيدة، فالذي خلق الأرض والسماوات من العدم، ألا يمكنه أن يخلق من العسكري وزيراً؟ ثم لماذا لا يخلق منه وزيراً وهو دوناً عن رفاقه يجيد القراءة والكتابة، ويرطن أحياناً بألفاظ إنجليزية، ويلتهم الصحف ويعرف كوريا، ويستطيع أن ينطق اسم همرشولد صحيحاً.

وعبد العال من مدة كان معه تحقيق وسين وجيم، فقد اشترك مرة في ضبط واقعة واستلم هو المضبوطات، ووقع على ذلك، وبعد أيام جردت الأحراز فوجدوا حرزاً ناقصاً، وجاءوا بعبد العال وسألوه وأنكر، وألحوا في السؤال وأغلظوا وتلجلج، وشك فيه الضابط وهدده بالتفتيش، ورأى عبد العال من عينيه أنه ينوي حقاً تفتيشه، وحينئذٍ مدّ يده في جيبه وأخرج منها الحرز المفقود، وكان الحرز هو الدليل المادي في القضية، فقد كان شيكاً مزوراً.. شيكاً بمائة ألف جنيه أُتقِن تزويره.

واستغرب الضابط.. وفتح محضراً وراح يسأل، وتوقف عند السين التي تقول: لماذا احتفظت بالشيك المزور معك؟ ولم يستطع عبد العال أن يدلي بسبب واضح.. همهم وغمغم وقال كلاماً فارغاً كثيراً لم يقنع الضابط، ولم يقتنع به هو.

وفي آخر النهار عاد عبد العال من القسم منهوكاً محطّم القوى، عاد وقد خُصِم من مرتبه نصفه، ونُقل من المباحث وأُنذِر بالفصل. عاد وهو حزينٌ ساخط ومع ذلك كانت في أعماقه طراوة رضا وسعادة.. فلا أحد قد فطن إلى أنه قد احتفظ بالشيك المزور ليستخرج له صورة فوتوغرافية طبق الأصل، صورة كلفته كثيراً ودفع فيها خمسة عشر قرشاً.

ومضى اليوم ومضت وراءه أيام، وذهب حزن عبد العال وسخطه، ولكن بقيت صورة الشيك المزور.

وللآن لا تزال أسعد لحظات عبد العال هي تلك التي يهرب فيها من زحمة الناس ويختلي بنفسه، ويطمئن إلى أن أحداً لا يلحظه أو يراه، ثم يخرج حافظة نقوده بعناية، ويستخرج من جيب مخصوص فيها صورة الشيك، ويحسّ بالرعد في أذنيه والتنميل في أطرافه وهو يرى شعار البنك والحروف المطبوعة، ثم وهو يقرأ الجملة الخالدة ويملّس عليها بأصابعه: “ادفعوا لحامل هذا مبلغ مائة ألف جنيه مصري لا غير”.

ويستمرّ يحدّق في الشيك حتى تهجع الزوابع التي في جوفه، ثم يطويه بعناية ويعيده إلى جيبه الخاص في المحفظة ويتنهد، وكأنّما قد انتهى من اعترافٍ أو صلاة، ثم يعود هو في بطء إلى الناس وزحمتهم، يعود كما كان عسكرياً طويلاً وأسمر، وعلى ظهر يده اليمنى سمكة فمها مفتوح، وذيلها مشقوق، وعلى عينها نقطة.

 

أوقف أبو مصطفى عربته بمحاذاة الرصيف وربّت بيد كبيرة متشقّقة على رأس الحصان ثم قصد الدكان القريبة، وابتدأ يحمل على ظهره الاكياس الملآى بالحطب، وينقلها الى العربة. وكان الحصان حانقاً دونما سبب. وقد تبدد غضبه قليلا حين عثر على قطعة من قشور البطيخ، فَمَضى يقضمها بسكينة.

وتنبه فجأة الى أن ثمة ولدًا صغيرًا يقف على مقربة منه، ويرمقه مبتسمًا. فقال الحصان لنفسه: “أنا لا أعرفه وسأرفسه إذا دنا مني. سأرفسه رفسة قوية تكسر رأسه”.

وانتهى الحصان بعد حين من مضغ قشرة البطيخ، فانتابه الاسف لانتهائها، وراح يتطلع بغيظ الى الولد وهو يقول لنفسه: “سأرفسه”.

وكان أبو مصطفى في تلك اللحظات مازال منهمكاً في نقل أكياس الحطب ووضعها على سطح العربة٠ وأحس الحصان بالتعب، فقال لنفسه متذمراً: “العدالة مفقودة”.

وكان الحصان قد ولد في المدينة، وقضى حياته كلها في طرقاتها المفروشة بالأسفلت، ولم يغادرها مطلقا. وكان يعرف أن أجداده القدامى كانوا يمرحون طلقاء عبر البراري الشاسعة حيث لا أبنية فيها ولا جدران من حجر، ولكنهم ماتوا جميعاً.

وانحنى الولد، والتقط قشرة بطّيخ كانت بمنأى عن الحصان ثم اقترب على مهل، فَهمّ الحصان بالتراجع غير أنه تريث متشجعاً. ومد الولد قشرة البطيخ نحو فم الحصان. فتردد الحصان لحظةً خاطفة ثم تلقفها دهشًا، وطفق يمضغها بغبطة، وسمح للولد بأن يربت على عنقه بيد أنيسة صغيرة.

وأتمّ أبو مصطفى نقل أكياس الحطب الى العربة. وعندما لاحظ وجود الولد قرب الحصان صاح به: “ابتعد يا قرد”.

ثم لوّح بالسوط، مطلقًا صيحةً آمرةً بالمسير، فاندفع حينئذ الحصان الى الامام، يجر العربة الثقيلة بتباطؤ.

وسارت العربة عبر طرقات عديدة، و بلغت بعد حين شارعًا عريضًا تنتصب الأبنية الحجرية على جانبيه ولم تكد العربة تتوغل حتى اعترض طريقها واحد من رجال الشّرطة، فَصَرخَ أبو مصطفى بالحصان بصوت ممطوط: “هش”.

قال الشرطي: “ألا تعرف أن مرور العربات ممنوع في هذا الشارع؟”. فقال أبو مصطفى: “أعرف”.

“ولماذا جئت اذن من هنا؟”

“الحصان.. أنظر.. الحصان تعبان جداً، واذا مررت في هذا الشارع فسأوفّر على الحصان مشيًا كثيرًا”.

فغمر الحصان حنان عارم. وقال الشرطي: “سَير العربات ممنوع في هذا الشارع. انه للسيارات وللناس الذين يسرون على أقدامهم فقط”.

قال أبو مصطفى: “أعرف”.

ولعق شفتيه بلسانه، وأردف قائلاً: “الحصان تعبان وسينقطع رزقي اذا هلك، و أموت جوعاً ويموت  أولادي.. لي أربعة أولاد”.

“ارجع. ولن أعاقبك لمخالفتك النّظام والقانون”.

“لي أربعة أولاد يأكلون حتى الحجر”.

وأطلق أبو مصطفى ضحكة قصيرة جافة وكأنّها مدية صغيرة شرسة، ثم أضاف قائلاً: “سأقول الصدق.. أنا لا أخاف على الأولاد إنّما أخاف على أمهم”.

 فقال الشرطي متسائلا بفضول: “ولماذا تخاف عليها؟”

وكانت الاشجار خضراء على جانِبَي الشّارع، وتمتدّ في الأعلى سماء رحبة زرقاء. وأجاب أبو مصطفى: “أخاف أن يأكل الأولاد أمهم إذا جاعوا. أسنانهم فظيعة”.

ومرّت سيارة تسير بسرعة كبيرة، فَنَفخ الشرطيّ في صفّارته، فَلَم تتوقف السيارة، واستطاع الشرطي أن يلمح رقم لوحتها قبل أن تنأى عن بَصَره، فسجّله على غلاف دفتره. والتفت الى أبي مصطفى محتقن الوجه غيظاً، وقال له: “هيا ارجع”.

“دعني أمرّ هذه المرة فقط”.

 فقال الشرطيّ بصرامة: “ألم تسمع ما قلت؟ ارجع”.

“مرّة واحدة فقط”.

“ارجع. القانون قانون ولا فائدة من التوسّل”.

“الحصان تعبان”.

“هيا ارجع”.

“الله يحفظك لأمّك”.

“الله لا يحفظني، أنا لم أخترع القانون. أنا أنفّذ أوامر صادرة إليّ، وأنت يجب أن تطيع هذه الاوامر”.

فلم يفه أبو مصطفى بكلمة إنما تخيل القانون مخلوقاً ضخماً له آلاف الأيدي: القانون يأمر الشّرطيّ فيطيع الشّرطيّ، ويأمر الشّرطيّ أبا مصطفى ويجب أن يطيع أبو مصطفى الأوامر.

ووقف أبو مصطفى مترددًا هنيهات، فصاح به الشّرطيّ: “ارجع. واذا لم ترجع حالا فستندم”. فاتجه أبو مصطفى نحو العربة، وكان غضب الحصان عندئذ قد بلغ الذروة، فجمع قوته كلها، واندفع جامحًا الى الامام، فبوغت الشرطي بالعربة المندفعة نحوه، وحاول أن يقفز الى الرصيف، فلم يتمكن، وصدمه الحصان، فسقط على الارض منطرحاً على ظهره، ووطأت صدره سنابك الحصان ثم مرت فوقه عجلات العربة وتخضبت بالدم الاحمر. ودهش الحصان حين رأى صاحبه لم يبتهج إنما امتلكه الذعر والوجوم ثم انطلق يركض هارباً. وبعد لحظة توافد الناس مهرولين، وتحلّقوا حول العربة، يتألق في عيونهم الخوف الممتزج بالشهوة الخفية، كأن الشرطي المسحوق ليس إلا جسد امرأة جميلة.

ولم يتفرق الناس الا عندما حضر رجال الشرطة، وبادروا الى اعتقال القاتل. وَكان القاضي عادلا، فسيق الحصان في فجر أحد الايام الى ساحة رئيسية خيل الى الحصان أنها ما تبقّى من البراري.

ووقف الحصان مبتهجاً لأنّه قبل وصوله الى الساحة قد اجتاز شوارع عريضة كان يُمنع من السير فيها من قبل، ولكن بهجته لم تدم طويلا اذ تدلى بعد حين مشنوقًا.

(من مجموعته القصصية “الرّعد”، 1970)

 

1

 منذ ثلاثين عامًا وتزيد. تعرّفتُ إليه وهو في الرابعة والعشرين، وكان تخرّج للتوّ من مدرسة السياقة في المدينة. في بطاقة هويته كتبوا إلى جانب المهنة: “سائق باص”، وكانت هذه كفيلة، إلى جانب صورته البراقة، بأن تدخلني إلى قفص الزوجية الذي بناه لي، في قريتنا الجميلة النائية.

كنتُ في أثناء الخطوبة أحلمُ ليلَ نهارَ بالرحلات وبالفُسح الجميلة والطويلة التي سنقضيها سويةً، ولم أفهم حتى اليوم ما قصدته أختي الكبرى في إحدى ليالي السمر الصيفية على سطح البيت، حين قالت لي بدلع وحياءٍ مكظومٍ وصوتٍ مكتومٍ: “كرسي الباص الأخيرة طويلة، ولن تنسي طعمتها”.

قبل الزفاف بيومين، حين تجمعت كل صديقاتي في القرية لليلة الحناء، أخذنَ جميعهنّ بالتندر على شكلي وأنا جالسة في الكرسيّ الأول من وراء زوجي، وهو يصطحبني في رحل ونزهات كُنّ جميعهنّ يحلُمن بها. إحداهنّ حلُمت بالذهاب إلى القدس، والأخرى إلى يافا والثالثة قالت بتأكيد غريب: “بانياس أجمل الأماكن في العالم! دعيه يأخذك إلى البانياس”.

لم نفهم وقتها تأكيدَها القاطعَ هذا وسألناها عمّا إذا كانت ذهبت إلى البانياس، فأجابت بأنّ أخاها كان هناك قبل سنة وقال إنها أجمل الأماكن في العالم. وضحكنا حتى دمعت أعيننا… ثم قالت أختي الصغرى بحسد واضح وافقها الجميع عليه: “أنتِ ونحن نسمع بالأماكن والرحلات، بينما ستكون أختي هي الوحيدة التي سترى هذه الأماكن بحق وحقيقة”.

وتنهّدتُ بفرحٍ وخوفٍ كبيريْن.

2

أستيقظ في كلِّ صباح في الخامسة فجرًا. أطبخ لنفسي غلاية صغيرة من القهوة السوداء الحلوة وأستقبل الشمس القادمة من رحلتها وهي حمراء ناضجة نضوج التين “الحمّاري” في كرم والدي المرحوم. أشربُ قهوتي بصمت ولا أضايق الشمس الآتية من رحلتها اليومية. لا شكّ في أنها مرهقة جدًا الآن، ولا تنقصها ثرثارة مثلي لتروي لها عن حياتها مع زوجها سائق الباص. أشربُ القهوةَ وأحلمُ برحلات الشمس اللانهائية، وأتمنى لنفسي واحدةً منها على الأقل.

في تلك الهنيهة الصباحية لوحدي، أكتشفتُ لوحدي، أنّ الشمس تزور عمليًا كل العالم في 24 ساعة، كلّ يوم! ما أقواها وما أجمل حياتها، هذه الشمس. تطوفُ كلَّ العالم لوحدها، ومن دون كلل أو ملل، تطوفُ ولا تتعبُ، تمامًا مثلما وعدتْني أمّي قبلَ أن يأتي أهل العريس ليأخذوني من بيت أهلي بساعة. ثم مالتْ عليّ قليلاً وقالت بتوسّلٍ لم أعتقد أنه سيبدرُ عنها يومًا: “إبقي اذكريني في رحلاتكم الجميلة”.

عندما يستيقظ زوجي تكون غلاية القهوة الثانية قد نزلت للتوِّ عن قرص النار. لا يُنظف أسنانه أبدًا ومع ذلك فإنها ناصعة وقوية مثل أسنان الحصان. أمي كانت تقول دومًا إنّ زوجي يأتي من عائلة كل رجالها مثل الخيل: أقوياء وأصحّاء وأسنانهم كبيرة وبيضاء. حتى إنّ أبي المرحوم لم يُخفِ حماسَه من أحفاده الذين سأنجبهم له، لأنهم “سيُولدون كالخيل، يرفعون الرأس إلى أعلى”.

ومع ذلك وددتُ لو ينظف أسنانه، خاصةً في الصباح، حين يهمّ بي أحيانًا، وأنا أيقظه، فيشدّني من يدي ويستلقي فوقي على السرير ولا يكترث بشيء. لا ينتظرني حتى لأستيقظ كما يجب، أو لأغسل وجهي. وما أن أستيقظ كما يجب حتى يكون قد انتهى من اللهاث السريع ذي الرائحة الكريهة، فينكفئ على الجانب الآخر ويسأل بهدوء: متى ستنهضين؟

ولكنني ربّيتُ أبنائي على تنظيف أسنانهم. لا أريد لأيٍّ منهم أن تتضايق منه زوجته في الصباح أو قبل النوم. على أبنائي أن يكونوا رجالا أصحاء وجميلين وحسّاسين لنسائهنّ. ولو كانت وُلدت لي ابنة -كما أملتُ دائمًا- لكنتُ صنعتُ منها أفضل امرأة في الدنيا. ولكنتُ بعثتُ بها إلى الجامعة وعادت إليّ طبيبة تطبّب لي عظامي المتفكّكة ومفاصلي التي بدأت تلتهب. طبيب القرية قال لي إنّ عليّ أن أريحَ جسدي وأن أتوقف عن القيام بأية مشاغل صعبة. الحمار. لا يكفي أن يذهب المرء إلى الجامعة ويصبح طبيبًا، عليه أن يكون ذكيًا أيضًا وفطينًا. ومن سيقوم بكلِّ مشاغل العائلة والبيت؟ هو؟ لو وُلدتْ لي ابنة وصارت طبيبة أفضلَ منه بألف مرة لكانت علّمته درسًا في الحياة يسوى كل المعدات الباردة التي يضعها على جسدي عندما أذهب إليه. يضعها ويطيلُ وضعَها ولا أتبرّم لسببٍ لا أعرفه.

3

خمسة أبناء وكُلهم رجال متعلمون مثل الورود الحمراء البراقة في لحظة صفاء نادرة. أنظر إليهم ولا أتحسّر إلا على المرات التي لم أقبّلهم فيها أكثرَ مما قبّلتهم، لا أتحسّر إلا على المرات التي كنتُ أعلم أنهم يقظون فيها يدرسون وأنا خالدة للنوم.

البكر مهندس والثاني معلم والثالث ممرض والرابع تاجر في سوق يسمونها البورصة والخامس يعمل في بنك القرية. ما زال أعزبَ “قريد العشّ”. الوحيد الذي لم يستقرّ في بيت له، ولكنني أتمنى بيني وبين نفسي أن يتأخرَ قليلا أكثرَ، كي يُؤنسَ وحدتي في العصريات الطويلة التي يكون فيها زوجي غائبًا، يسوقُ الباصَ آخذًا أربعين أو خمسين شخصًا في رحلة جميلة.

المرة الأولى التي ركبتُ فيها الباص كانت بعد الزواج بيوميْن. كان ما زال فرجي يؤلمني من ليلة الدخلة، وكنتُ كلما تذكرتُ اللحظة الأولى أهرعُ للتقيؤ في المرحاض، متعللة بأمٍر ما قد أكون أكلتُه في ليلةِ الزفاف. ولكنني كنتُ على الرغم من شعوري هذا أنتظر بلهفةٍ ركوبَ باص الشركة الذي يسُوقه زوجي وأن نمضي معًا في رحلات طويلة نلحق بها أثر الشمس الغائبة، فلا تغيبُ. في المرة الأولى ذهبنا في الباص إلى المدينة المجاورة وتعشيْنا سمكًا مشويًا. كان لذيذًا، واستغرقني أسبوع حتى علمتُ فيما بعد أنّ هذه “الرحلة” كانت شهر العسل الذي يتحدثون عنه.

لم آبه كثيرًا بشهر العسل القصير، فقد كنتُ متأكدة من أنّ شهورًا من هذا العسل آتية لا ريب فيها. بعد أربعة أيام عاد زوجي إلى العمل. ولمّا عاد، طلب مني أن أنظف الباص الذي ملأه الطلاب الملاعين بالمُسليّات والمُكسّرات والقيءِ. نظفتُه كما لو كان غرفةَ نومِنا. عادَ يلمع مثل البلّور وعاد فرجي يؤلمني في تلكَ الليلةِ تمامًا كما في الليلةِ الأولى. ولكنني لم أنبس بكلمةٍ؛ فغدًا سيأخذني إلى رحلةٍ جديدةٍ.

4

صارَ ينطلقُ في كلِّ صباح إلى عملِه، إلى رحلاتِه، ولا يعودُ إلا في المساء. وبعد أن يتعشى، آخذُ أدواتِ التنظيفِ وأصعدُ إلى الباصِ الطويلِ وأُعمِلُ فيه تنظيفًا، حتى يعودَ جديدًا كما خرجَ من الشركةِ. مع الوقتِ صرتُ خبيرةً بالنفايات التي أجمعها من الباص، وبواسطتها صرتُ أتكهّنُ بأعمار المسافرين وطباعِهم وأهدافِ رحلاتِهم. في مراتٍ كانَ يعودُ الباصُ نظيفًا إلا من بعضِ الأوراقِ البيضاءِ المكتوبةِ عليها كلماتٌ بلغةٍ لا أعرفُها؛ في مراتٍ أخرى كان يعود مليئًا بأغلفة المسليات والنقارش وعلب المشروبات الخفيفة الفارغة، وبعض القيء هنا وهناك.

ومع الوقت أيضًا لم أعدّ أحسّ بأية آلامٍ عندما يهمّ بي، كأنّ مصدر الألم انطفأ إلى الأبد، ففرحتُ لانطفائه ولم أزل.

عندما ولدتُ الأول، وعدني زوجي سائق الباص برحلةٍ خلابةٍ أستعيد فيها عافيتي وأعوّض على ولادتي العسيرة الأولى. ولكنه نسي، بعد أن توفت حماتي من ولادة البكر بثلاثة أيام، وأنا خجلتُ من أن أسألَه عن الرحلةِ الموعودةِ، لأنه صار يعودُ في أغلبِ الأحيانِ غاضبًا ومُزمجرًا ويبرطمُ بعباراتٍ فيها شتائم ومسبّات على صاحب الشركة وعلى زملائه وعلى ظروف العمل المهينة. عندما وُلد الثاني لم يقترح أية رحلة، وأنا لم أفاتحْه بالموضوع؛ فالولادة الثانية كانت سهلة نسبيًا للأولى، ولم أعتقد بيني وبين نفسي أنني أستحق رحلة في باص زوجي على ولادةٍ سهلةٍ.

بعد أن ولدتُ الثالثَ تيقنتُ نهائيًا من أنَّ الرحلةَ التي أنتظرُها لن تأتي أبدًا. كيف سنخرجُ في رحلةٍ جميلةٍ وطفلي رضيعٌ والطفلان الآخران يبكيان لأتفهِ الأسبابِ؟

كنتُ استقبل صديقاتي الفرحات العائدات من رحلاتهنّ مع أزواجهنّ إلى القدس ويافا وبانياس وأبتسم تأدبًا، وأنا أستمع إلى تفاصيل مثيرة وأخرى مملة لا يتعبنَ من تردادها، وأتجاهل الواحدة منهنّ حين تقول على حين غرة: “ألا تحديثننا عن رحلاتك في الباص الجميل”؟

ومن دون أن أدري تحوّلت علاقتي مع الباص إلى علاقةِ دلوٍ مليءٍ بالماءِ والصابونِ، ومكنسةٍ وبعض أقمشيةٍ باليةٍ. في كلِّ يومين أو ثلاثة أصعدُ إليه وأمسحُ بقايا القيءِ والأكياسِ التي خلّفها الصغارُ خلفَهم. صرتُ خبيرةً في أنواع الأكياس وألوانها وأسماء المسليات التي بها، وهكذا صرتُ أشتريها لأبنائي عندما يهمّون إلى رحلةٍ مدرسيةٍ. كنتُ أملأ حقائبَهم بأشهى المُسلّيات وأودّعُهم دامعةً وهم يركبونَ الباصَ في الرحلةِ المدرسيةِ التي لم يكونوا ينامون في الليلة التي تسبقها. كنتُ أسمع همسَهم في الليل وهم يتجاذبونَ أطرافَ الجّمَلِ حول المكان الذي سيذهبون إليه وحول زملائهم وما اشتروه وكيف أنني دائمًا أشتري لهم أفضلَ المسليات، إلا أنهم كانوا يُجمعون دائمًا على أنّ زوجي أفضلُ رجل في الدنيا لأنه يأخذهم في رحلات المدرسة ويحفظ لهم دائمًا المقعد الأخيرَ الطويلَ.

وكنتُ أتقلّب في سريري وأنظر إلى السقفِ المعتمِ وأتذكرُ أنّ خالتَهم أيضًا كانت من مُحبّي المقعدِ الطويلِ في الخلف، مع أنها هي الأخرى لم تُجرّبه في حياتها.

في كل صباح كانوا يخرجون إلى المدرسة في الباص الكبير، الذي عتق وصار مهترئًا، ويتركونني لوحدي على قارعةِ المدخلِ ألوّحُ بيدي وأستنشقُ رغمًا عني دخانَ “الديزل” الأسودِ الكريهِ.

عندما وُلد الرابعُ حصل زوجي على باص جديد من الشركة. كان منظرُه خلابًا ونظيفًا وجديدًا؛ كان يعبق براحةِ أغطيةِ الكراسي الجديدةِ وكدتُ لفرطِ اندهاشي أن أقعَ إلى الخلف عندما قال لي زوجي بفخرٍ إنّ به فيديو وتلفازًا! ولكنّ فرطَ الدهشة جعلني أيضًا أندفعُ إلى الخلف مُروَّعَةً فاندلق دلوُ الماءِ والصابونِ الذي أحضرتُه لتلميعِ الأرضيةِ اللماعةِ أصلاً، فتوسختِ الأرضُ بالماءِ ووسّخَ قسمٌ منه أرجلَ أبنائي الواقفين خلفي، فاندهشوا وتريّبوا! فلطمَني زوجي بيده على وجهِي، كما يفعلُ عادةً عندما يغضبُ، وصاحَ: يا بقرة! ألا يليقُ بكِ حتى باص جديد؟

لم يفعل أبنائي شيئًا، بل نكّسوا رؤوسهم وخرجوا بصمتٍ من الباص، تاركينني أمسحُ دموعِي وأمسحُ الماءَ عن أرضيةِ الباصِ بسرعةٍ وحرصٍ كبيريْن، كي يتركني بحال سبيلي، فالأولاد يروْن!

منذ تلك اللحظة صرتُ أكره هذا الباص الجديد. أنظفه رغمًا عني، وبكسل واضح. حتى إنني كنتُ “أنسى” في كثير من الأحيان أكياسًا صغيرة أو بقعة قيء أعرفُ أنّ رائحتها ستزكم أنفه في اليوم التالي. لم يكن يهمّني؛ لو كان يهتم بتنظيف أسنانه لاهتممتُ به أكثر!

5

بدأ الأبناءُ بتركِ البيتِ للدراسةِ وصرتُ أحترفُ الجلوسَ عصرًا عند مدخلِ البيتِ أنتظرُ شبحَ الباص الجديدِ. وقد أحسَنَ بِكري صُنعًا -وأيّما إحسانٍ- حين ركّب على سطح المنزل صحنًا كبيرًا مُدوّرًا قال إنه يزيد على القنوات في التلفاز أكثر من 100 محطة، فلم أصدّقه إلا حين أخذَ يقلّب بينها، وقامت قيامةُ الأبناءِ الآخرين وزوجي، كلٌ يريد أن يشاهد محطة بعينها، إلى أن صاحَ زوجي ونهرَ، ثم أخذ يقلّب حتى وصل محطةً كان فيها رجلان يصرخان على بعضهما البعض. بعد برهة قال “قريد العش”: “هذه محطة اسمها “الجزيرة”. “محطة أخبار”.

ولكنني لم أحبّ “الجزيرة” يومًا، فهم يصرخون على بعضهم البعض طيلة الوقت. كنتُ أحبُّ مشاهدةَ الأغاني وبرامج التطبيب بالأعشاب والمسلسلات العربية. لا أعرف حتى الآن كيف صمدتُ طيلة الوقتِ من دونِ هذه المسلسلات. وأكادُ أقسمُ بأنني أذكرُ حلقاتٍ كاملةً من مسلسل “مفيد الوحش” و”الجوارح” عن ظهر قلب؛ فما أن ينتهي بثّ حلقاتِ المسلسلِ على قناةٍ ما حتى تبدأ قناةٌ أخرى ببثها، لتعيد القناةُ الأولى ببثها من جديدٍ في الليل المتأخرِ، وقناة أخرى وأخرى وهكذا، حتى استغنيتُ عن أية صلة بما حولي وصرتُ أنا والصحن المدوّر الكبير أعزّ صديقيْن: أنا أؤنس وحدته في الصالة، وهو يأخذني في رحلات لم يكن ليحلم بها أيّ سائق باص.

كان كلما يطلّ زوجي من بعيد تعودُني ذكرى الألم القاتل إياه من ليلة الدخلة، فأهرع للتقيؤ خلف البيت. فيما بعد قال لي الطبيبُ إنّ عندي جرحٌ في المعدة وإنّ القيءَ الدائمَ الذي ينتابني سببُه موادّ التنظيف التي أستعملها، فنصحني باستبدالها، فاستبدلتُها. ولمّا لم يتوقف القيء قال يائسًا: المهم ألا تأكلي كثيرًا، فتتقيّئين أقلَّ. وهكذا صرتُ آكل قليلاً، وأتقيّأ قليلاً وأنحف كثيرًا، وصرتُ أسمح للطبيب بأن يطيلَ وضعَ أدواتِه على جسدي كيفما شاء، وأحيانًا كان يستغني عنها ويتحسس مواضع الألم بيديه، مرتعشًا حتى يهدأ.

6

عندما رأيتُ هذه القطعةَ المطاطيةَ الطويلةَ لم أفهم ما هي. كما أنني لم أتيقن من هذا السائل اللزج المحبوس بداخلها. كانت القطعة المطاطية ملقاة في نهاية الباص على الكرسي الأخير الطويل، نفس الكرسي الذي قالت لي أختي قبل دهر من السنين إنني لن أنسى طعمَه. عندما تعرفتُ على رائحة السائل اللزج لم أتمالك نفسي فتقيأتُ على الكرسي ووسخته شرّ توسيخ. ثم صرتُ بعد هذه الحادثة أفتعل النوم في تلك الصباحات التي يأتيني فيها من الخلف، فيبلغ مشتهاه وأنا “نائمة”- فأريحُ وأستريح!

7

أجلسُ في كل صباح لوحدي، في الخامسة صباحًا، وأسأل الشمس بصمت عن رحلتها الطويلة. أنظر إلى الباص الذي يقودُه زوجي في رحلاته الكثيرة وأودّ لو أسأله عن الأماكن التي زارَها وعن الناس الذين رقصُوا وغنّوا على مقاعدِهِ ليومٍ كاملٍ. حتى أبنائي الذين أحبُّهم أقلّوا من زياراتهم وهُم لاهون عني بزوجاتهم وأحفادي الذين أنتظرُهم بفارغ صبرٍ.

ومنذ أن وُلد أحفادي وكل أبنائي وزوجاتهم يغيبون في رحلات طويلة، لا يشبعون منها، وأنا أنتظرهم دائمًا ليعودوا إليّ بخِمار شتوي أو بقطعةِ قماش أخيّطها على ذوقي. أبنائي أشبه ما يكونون بالرحّالة، يحبّون الرحلاتِ أكثرَ من أيّ شيءٍ آخرَ. فهكذا علّمتُهم وهم صغار: لا تفوّتوا رحلةً في حيواتِكم، ولا تفوّتوا فرصةً للسّفر مهما حييتم. اسمعوا مني، فأنا أمّكم وأعرف أكثرَ منكم في الرحلات!

صرتُ أرحلُ كيفما أريدُ وأينما أريدُ، وأنا جالسةٌ في مقابل القنواتِ الكثيرةِ حتى صرتُ أكرهُ الرحلاتِ الحقيقيةَ والباصَ وزوجي، وصرتُ أقلِل من الخروج إلى الشرفةِ أو مبارحةِ مكاني في الصالة. بعد أن أنهكني المرضُ وداءُ المفاصل، موّل لي التأمين الوطني مساعِدةً تأتي لتعينَني على مهمّاتي الحياتيةِ ولترتبَ المنزلَ المُقفرَ. فـ “قريد العشّ” قرّرَ السكنَ في المدينة، حيث يسكن أخُوه الكبير، “ففرصُ العمل هناك أكثرَ”.

صرتُ أجلسُ ساعاتٍ وساعاتٍ، أسافرُ في أيةِ رحلةٍ أريدُ، وفي أيّ باص أختارُ، وعبرَ أيّ مسلسلٍ أرتئيه. ومع أنّ نظري خفّ كثيرًا وسمعي أكثرَ، إلا أنني ظللتُ قادرةً على التمييز بين الصُور والأحاديثِ وأطيافِ الأماكنِ التي أراها على الشاشة.

وهكذا سمعتُ صوتَه من الداخلِ يصيحُ: “إلحقيني، إلحقيني، عَم بموت!!” إلا أنني لم ألحقه ولم أفعلْ شيئًا. ماذا يريدُني أن أفعل؟ ثم إنّ نداءاته خفّتِ الآن، ثم توقفتْ تمامًا. أعتقد أنه نامَ الآن. فلينمْ، ماذا يريدُ مني أن أفعلَ؟ فلينتظرْ. فأنا الآن في رحلة وعليه أن ينتظر ريثما أعود.

كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، واتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

 لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلا ميّتا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له:

قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


*من المجموعة القصصيّة “الطلبيّة C345″، منشورات المتوسّط، ميلانو، 2018.

 

ما إن لمح صديقة القادم من الوطن في صالة الاستقبال في المطار، حتى بادره سائلاً إياه:

* هل أحضرت الأمانة؟

مد صديقه يده إلى حقيبة معلقة على كتفه ثم قال وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:

* لقد دوختني بمكالماتك وقولك: “أحضر لي حفنة تراب.” ألم يغترب أحد غيرك يا رجل؟!

ثم أخرج من حقيبته كيسا مليئا بالتراب.

نظر بوجه يخلو من أي مشاعر إلى صديقه الذي قدم لتوه من الوطن، تناول كيس التراب ثم توجه صامتاً إلى القطار.

بقي صامتاً في القطار أيضا، لم يكن يسمع قرقعة عجلات القطار على السكة ولا ضحكات مجموعة من الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزينة بالزمام أو فتيانا يتصايحون فرحا بنصر فريق كرة يؤيدونه. كان يمعن النظر إلى الكيس المليء بالتراب بين يديه.

كان الذين يمرون بقربه على عجل وينظرون إليه، يتخيلونه سكران أو نائما. حتى عندما طلب منه مفتش القطار تذكرة الركوب، أخرج تذكرته من جيبه ورفعها في وجه المفتش دون أن يرفع بصره عن كيس التراب، زم المفتش شفتيه وتغيرت ملامحه وهو يعيد تذكرته إلى يده التي كانت ما تزال معلقة في الهواء.

ثلاثة أعوام مرت وهو بعيد عن وطنه. وفي البلاد الجديدة التي لم تكن لتصبح وطنه صادف مصاعب شتى. قضى سنة بكاملها في سكن للاجئين، وسكن في السنتين الأخريين في منزل أشبه بالكوخ الحقير. لم تسنح له فرصة تعلم لغة البلاد التي وفد إليها، ولم يتمكن من عقد صداقة مع أحد ولم يستطع تأمين عمل يناسبه.

كانت الأيام تمر ثقيلة عليه في تلك المدينة التي لم تكن لتفتح أبوابها له. كان سيجن لو لم يمتلك الهاتف الجوال. ومع أن هاتفه لم يكن يرن إلا نادرا فقد كان يسليه، إذ كان يطلب أرقاما لا يعرف أصحابها ويسارع بالاعتذار قائلا: عفوا لقد أخطأت الرقم! كان يسمع مرات كثيرة أصواتا عنيفة غاضبة تقول: لا تخطئ مرة أخرى! لكنه لم يقلع عن تلك اللعبة لحاجته إلى سماع صوت آدمي والتحدث ولو لثوان قليلة.

كانت دائرة الخدمات الاجتماعية في البلدة تضغط عليه كثيرا ليعمل، لكنه وضع تعلم اللغة نصب عينيه هدفاً أساسياً، ولكن لم يكن هناك أحد ليساعده في تحقيق هدفه ذاك، إلى أن انخرط ذات يوم في البكاء عند موظف الخدمات الاجتماعية الذي يشبه كرة ذات عينين زرقاوين ولسان ألثغ! قال وهو يجهش بالبكاء:

* أرجوك امنحني فرصة تعلم اللغة قبل العمل!!

دخل دورة اللغة لمدة ثلاثة أشهر لم يتعلم خلالها سوى ” أنا فلان، من البلد الفلاني” وبضع جمل للمداولة اليومية.

انهمرت الرسائل القادمة من دائرة الخدمات الاجتماعية مرة أخرى على صندوق بريده البارد الصامت الذي لم يكن ليجد فيه سوى تلك الرسائل الرسمية الجافة الخالية من أي عاطفة!

اضطر لتوزيع الإعلانات، فكان يمشي لساعات في تلك الشوارع الموحشة مثل القبور ليوزع إعلانات للمطاعم والحلاقين وحتى بنات الهوى وكذلك جرائد الإعلانات التي توزع أيام السبت والأربعاء. اسودت أظافر قدميه حتى سقطت. كانت الكلاب في كثير من الصباحات تخيفه بعوائها إذ يقترب من أبواب المنازل ليدس الإعلانات في شقوقها. كان يحس بطعم المرارة في حلقه ثم يكمل مشواره.

ليست الكلاب وحدها، بل أصحاب الكلاب أيضا كانوا يزجرونه قائلين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إليه أو الرد على تحيته الصباحية:

* لا ترم هذه الأوساخ في صناديق بريدنا!!

ثم يستقلون سياراتهم ويمضون.

كان يطأطئ رأسه مضطراً وهو يبلع ريقه ثم يغادر صامتا إلى صندوق آخر.

* * *

توقف القطار في المحطة التي تسبق محطة بلدته، نزل بعض الركاب و صعد آخرون، كانت مجموعة الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزممة ما زلن يضحكن لكن قطيع مشجعي الفريق الذي ربح مباراته الأخيرة نزل من القطار وأفراده يرفعون علب البيرة في الهواء.

نظر إلى تلك الفتيات نظرة خاطفة، ثم عاد إلى التحديق في كيس التراب وشد عليه قبضته كمن يخاف اختطافه، وهدر القطار من جديد.

كان يشعر بالوحدة أنى ذهب. في القطارات، في المطاعم، في الاحتفالات التي يقيمها الناس في الشوارع، في المتاجر الكبرى. ما كان يجرؤ على النظر في وجوه الناس. كان يخشى أن يتحدث إليه أحدهم بتلك اللغة التي لا يتعلمها، فلا يرد على الناس ويتظاهر بأنه لا يسمع.

ولأنه لم يكن يتحدث بلغته أيضاً، فقد خاف من أن يصيبه الخرس وأصبح يتحدث إلى البسط والنوافذ، وإلى الغيوم والصلبان المنتصبة فوق أبراج الكنائس. حتى أنه بدأ يتحدث إلى المانيكانات التي تزين واجهات المحلات أيضاً.

عندما وصل إلى البيت، فتح الباب وهمس بصوت خفيض للتراب الصامت بين يديه في قعر الكيس:

* تفضل ادخل!

وما إن اجتاز العتبة حتى قال:

* اعذرني لأنني أتيت بك إلى هذه الغربة ولكن كان يجب عليك الحضور!!

توجه في بداية الأمر إلى غرفة نومه ووضع كيس التراب عند وسادته التي ينام عليها، لكنه استدرك قائلاً:

* لا. ليس هذا محلك!

دخل إلى الصالون ووضع الكيس هناك. لم يعجبه المكان وأخذته الحيرة فأخذ يتنقل به من زاوية إلى أخرى في شقته الصغيرة إلى أن استقر به المقام في الحمام، فسكب ما بداخل الكيس من تراب على الأرض الباردة الرطبة. ارتفعت كومة من التراب المتعب الجاف الصامت الذي شهد آثار خطواته آلاف المرات، على أرض الحمام. كاد يسمع أنين التراب إذ ينسكب ذرة ذرة على تلك الأرض الغريبة.

تضاعفت دقات قلبه واغرورقت عيناه بالدموع. نظر إلى كومة التراب ملياً ثم قال بصوت مرتجف:

* ها أنذا يا تراب وطني أشم منك رائحة الخراب.

سكب جرعات كبيرة من البيرة في جوفه ثم واصل التحدث قائلاً:

“مضت علي ثلاث سنوات وأنا بعيد عنك، اعذرني إن كنت نسيت اللغة التي كنت أحاورك بها. اعذرني إن خاطبتك في هذه الليلة الموحشة بعدم احترام. هل تذكر عندما حاصر البوليس منزلنا ثم اقتحموا غرفتي؟ أتذكر عندما حطموا قلمي وأحرقوا أوراقي التي سطرت عليها أشعارا تحكي حبي لك، أمام عيني وعينيك؟ أتذكر حينما صادروا كتبي ووضعوها مثل أرانب خائفة في أكياس قذرة؟ لقد قيدوا يدي أمام عينيك – إن كانت لك أعين – وأخرجوني وهم يركلونني ليرموني مثل كيس تبن في سيارة جيب لونها كان يحاكي لونك؟ لقد بقيت وقتها، أيها التراب، صامتا تلعق أحذية قوات الأمن دون أن تشعر بآلام معصمي المقيدين!! وعندما عدت بعد أسبوع في السيارة ذاتها، كنت أنظر من خلال زجاج النافذة إليك، كاد قلبي يتفطر وأنا أرى عجلات سيارة الأمن تزني بك!!

كنت أنت الشاهد الصامت للفجيعة حينما كانت أحذية المخابرات ترسم نقوشا متوحشة عليك وأنت في صمتك ونومك الترابي!!

هل تذكر حين طحن العشق قلبي ذات خريف؟

نعم، بدون شك ما زلت تذكر عندما كانت حبيبتي تحث الخطى كل ظهيرة فوقك لتأتي إلى غرفتي وتضع يديها على عيني المنتظرتين وهي تسأل ضاحكة: من أنا؟ كنت أتغابى فأتحسس بيدي يديها اللتين تشبهان حمامتين أليفتين ثم أرفع أصابعي إلى شفتيها المكتنزتين الدافئتين وأنزل بها إلى نهديها التفاحيين و فخذها اﻟ … وأقول: أنت جنية!!

كنا نتقلب كغمامتين ثائرتين تلهو بهما رياح مجنونة.

كانت حبيبتي تنسج بخطواتها كل ظهيرة بساط الأكاذيب، وكنت أنت على علم بالفخاخ التي تنصبها أمامي، لكنك لم تهمس ولو لمرة واحدة في أذني: حذار من أن تتعثر قدمك بالفخاخ! لم تقل لي ولو مرة واحدة: يا مجنون! لا تثق بالسراب، سيموت قلبك عطشا!! لم تقل لي: لتنته هذه اللعبة، قلبك يتعرض للطحن!!

كنا صديقين أيها التراب. كتبت فيك أروع الأشعار. كنت أشمك بكل ما في رئتي من قوة. كنت أبقي على غبارك الملتصق برموش عيني و ثيابي أسابيع و أياما ولا أنفضه عنها!!

كنت أقول: هذا غبار مقدس، غبار التراب، التراب الذي يغفو أمام باب الدار، التراب الذي يحتضن طفولتي المخنوقة وشبابي الضائع”.

احمرت عيناه رويدا رويدا، وأصبحت علب البيرة المرصوفة على رف المرآة تفرغ علبة إثر علبة، لكنه استمر في التحديق بكومة التراب المنسكبة على أرض الحمام العارية الصامتة وهو يقول:

“أصبحت تائها شريدا. حملت قلبي المحطم وطفت به في كل الأماكن دون أن أجد أحدا يلملم شظاياه. كنت تراني عشرات المرات في حيرتي – إن كانت لك أعين – لكنك كنت تبقى في صمتك الأزلي.

أما كان عليك أن تصبح أمام حزن خطواتي جنونا من غبار فتتطاير في سماء تلك المدينة المجرمة لتخبر الجميع بما يعانيه هذا القلب من آلام؟ أما كان عليك أن تخبرني بكل الفخاخ المنصوبة أمام قلبي؟ أنا الذي كنت أراك أما لي بل أكثر من أم؟

أحرقت منزلي وكتبي قهرا من حياتي البائسة وأوشكت على إحراق نفسي بينما كنت تنظر إلي صامتا، وربما كنت تقول في سرك وأنت تضحك: لقد جن الولد!!

كنت أرى معنى حياتي في حمايتك وحبك، وعندما أسمع كلمة سوء بحقك كنت أجن وأكاد أخفيك في عيني وأذود عنك بنور بصري. كنت مستعدا لبذل دمي فداء لك، ولكن أنت!! آآآآآه. بم أخبرك الليلة؟!

قل لي ما الذي فعلته لأجلي عندما ضاقت بي الأرض وسحقت طواحين الأمل قلبي لتجعله طحينا مشتعلا؟ ما الذي فعلته لأجلي عندما كنت تراني بائسا حزينا جائعا!! كنت أبكي لأجلك ولم أسمح حتى للريح بخطفك من أمام باب الدار، لم أذق للنوم طعما حتى أمنع لصوص التراب من نفيك إلى أرض المجهول!! قل لي – إن كان لك لسان – ما الذي فعلته لأجلي عندما هربت إلى هذه البلاد التي لا تصبح بلادي؟!

كنت تنظر إلي – إن كانت لك أعين – وتراني أروح وأجيء باحثا عن ذاتي التائهة، وعن حياة هادئة وحب صاف، لكنك لم تصبح وطنا لتلك الحياة ولا لذلك الحب!!

كنت تبقى صامتا، كما أنت الآن على هذه الأرض الباردة العارية وفي هذه الليلة الخرساء!! فلا تقل لي بعد: لم أتيت بي إلى هذه الغربة؟!

إنك أنت الذي دفعت بي إلى كل هذا الخراب، أنت من نفيتني. إنه ذنبك أيها التراب، ذنبك أنت. فلا تظنن أنني سأضعك بجانب رأسي على الوسادة لأشمك كل صباح وأقول: ياااه! تفوح من ذراتك رائحة الجنة!!

لا. لا أبداً. لكنني ﺴ…………. “

فجأة عمد إلى أزرار بنطاله وأخذ يحررها عن عراويها بسرعة، ثم بدأ يتبول على حفنة التراب المتكومة كأنين صامت على أرض الحمام الباردة الرطبة.

 

لم يكن هناك يوم أكثر رعبًا من الأوّل من آب. نصف الإجازة قد انقضى. كيف انقضى؟ كَحال انقضاء أربعة أسابيع تَسبقُ طور البلوغ. موكبٌ من درّاجات أولاد الجيران، كلابٌ صغيرة تهرول خلفهم. الصّالة مظلمة لأنّ الشّرفة مغطّاة وقد امتلأت الأوعية الباردة والنّظيفة بالعنب الأخضر بيد خفيّة. كلّ صباح، وأمام منظر التلفاز الّذي يشرح الصّدر، يبثّ مسلسلاً استراليًا حول منقّبي الذّهب، ومسلسلاً أستراليا آخر عن النُزل في المسلسل التلفزيونيّ جدول الخمسة أميال. افتُتح المسلسلان بألحان حزينة مصحوبة بجيتار صوتيّ. انظروا إلى قضبان الذهب الصغيرة التي تتلألأ في النهر. انظروا إلى الحريّة التي حظيتُم بها. كل صباح كان ينتابنا شعور الطلاب الطبيعيّ، والآن نحن أحرار. كلّ مساء عند الشرفة المفتوحة. حشرات من النوع الذي أطلقوا عليه لقب الخميني، غطّت أضواء النيون. لم يفكّر أحد في إيران، لم يخش أحد من إيران. كانت بنيّة اللون وقد صُبّت كلمة آية الله في الأذنين مثل خليط ساخن من الشوكولاتة. سافرت أعزّ صديقات دويت إلى الولايات المتّحدة، وكانت دوريت عضوًا في بركة “بيت داوود”، ونصف الإجازة قد انقضى. شجيرة ياسمين صغيرة فاح عبقها في أرجاء الحديقة، والشّجرة المتوهّجة الضّخمة قد انتهت من طَرح زهورها الغريبة مخلّفةً رائحة رطبة لباقة قد ذوَت. في صباح ذلك اليوم، تأمّلت فتاة طيّعة جدوَلها المُحبط حتى الأول من أيلول وتنهّدت.

هناك بؤرتان جيدتان للمراقبة من حول منزل ديبورا، الأولى عند مدخل ملجأ الحي، فوق الدرج الإسمنتيّ. الثانية، وراء محل البقالة، المنطقة الحدوديّة للبيئة القريبة، بين الصناديق البلاستيكية ورائحة النفايات. حصنان ساتران. سيسمح المنظار القديم والأسود بإلقاء نظرة مركّزة عن قرب، وسيتم إخفاؤه في كيس من القماش. يجب إجراء المراقبة أسبوعياً، مرتين في الأسبوع. بعد ظهر يوم السبت، قبل نهوض المصلين من قيلولة الظهيرة ويوم الأحد ظهرا. ساعات يجثم فيها الشارع على الإسفلت، حالمًا، تحت أشجار الجميز والساسم. يوم السبت الماضي سمعَت الرجل يتحدث الإنجليزية الغربية، يوزع التعليمات والإطراءات. هير كيتي كيتي. غود دوغ. ومرة أخرى، أثناء إطالته الحركات. غوووود دوغي. اليوم، الأحد، هادئ جدًا. من حين لآخر، أصوات غرغرة ورنين الحديد وأصوات قضم عرضيّ ونداء ديبورا آر يو ذير؟ يجب تدوين جميع العمليات بعناية في الكراسة ووضعها في الكيس. ثمّ تحليلها واحدة تلو الأخرى.

في المنزل رقم خمسة، تعيش ديبورا وزوجها. سقفهم القرميديّ متّسخ وقديم، وعلى الجدران الخارجية قالب ذو نتوءات مدبّب من الجصّ المرشوش لم يتم طلاؤه منذ مدّة. ديبورا بدينة جدّا ذات شعر أسود، أملس، مزيّت وأشعث. ترتدي دائماً أرواباً زهرية كبيرة الحجم، بينما هو نحيف جداً يربّي ذقنًا ويرتدي دائماً الكتفيّات البنيّة. لم ينجبا أطفالاً. لديهم سجن للقطط والكلاب. ليس واضحًا كم عدد الحيوانات التي يحتفظون بها. إنهم يحبون حيواناتهم القابعة في قفص كبير، عرضه كعرض حديقتهم فيما يصل طوله باب بيتهم. يتحدثون إليها باللغة الإنجليزية. تستند ديبورا إلى البوابة الحديدية، بدينة كالحوت، تقصّ على الرّجل قصصًا بنبرة عالية ومنفّرة لحرف الرّاء مثل زعق صفارة الشرطة، وترمي قطعًا صغيرة من الدجاج إلى القفص. القطط لا تسمن. الكلاب تريد الخروج.

بعد الظهر، تُفَتح إحدى الكرّاسات. هناك مشكلة في المحلول. خلطوا محلولا ملحيًا بتركيز عشرين بالمائة مع محلول ملحيّ بتركيز ثلاثين بالمائة وحصلوا على ثماني مائة غرام محلول ملحيّ بتركيز أربعة وعشرين بالمائة. كم غرامًا أخذوا من كلّ نوع؟ أغلقت الكراسة.

يوجد خلف المستودع زوج دراجات باللون البرتقاليّ. لديهم عجلة إضافيّة واحدة ويمكن الركوب عليهما دون خوف، لكنهما يُحدثان ضجيجًا. تقرر دوريت القيام بجولة على عجلتين. لا يُسمع نباح، ولا حتى مواء قطة. ولا حتى أيّ شهيق صادر من الأنف، احتكاك الفك باللسان أو حكّ الأذن بالأظفر. الحيوانات لا تخشى الدراجات. كادَت الجولة تنتهي بنجاح، لولا ديبورا، التي وجدتها دوريت بعينيها الصغيرتين، والتي ربما لم تكن صغيرة على الإطلاق، وإنّما كانت على هذه الحال فقط بسبب طيات الدهن التي علقت، متورّمةً، على كلّ وجهها. مرحبا ديريست. ديريست هي دوريت الباحثة، التي ترغب في النّظر إلى عيون الحيوانات ومنحها معنى. . تم الإمساك عليها أثناء جولة. مرحبا. تجيب دوريت وتتأكّد من أنّ المنظار مخبأ في كيس من القماش الملفوف. تنتقل ديبورا إلى العبريّة بلهجة فظّة. ألا تجيدين ركوب الدراجة؟ لا. تحاول دوريت النّظر إلى ما وراء الجسد الهائل والتقاط عينين خضراوين لقطّ سياميّ، قطعة من ذيل فرويّ لكلب بودل، ولكن لا يمكن التقاط أي شيء يتجاوز الجلابية الحريريّة الورديّة التي ترتديها ديبورا. يجب إنزال هذه العجلة الصغيرة، هذا المطلوب وكفى. لا تخافي يا ديريست. تقول مبتسمةً.

لستُ خائفةً، تكذب بثقة، على نفسها وعلى ديبورا. هذا أمر مؤقّت. في ختام الإجازة، سوف أُنزل العجلة. ويت أ سيكَند، دير.  تختفي ديبورا داخل المنزل، تفتح باب الشّاشة الذي طُرق خلفها كما لو كان صوت ضربة، ثمّ الباب الخشبيّ الثقيل، وتختفي وهي تخطو مثل الدبّ. آن أوان إخراج المنظار وفحص ما يجري هناك في القفص في الفناء الخلفيّ، لكن كم تبقّى من الوقت أساسًا؟ تعود ديبورا وبيدها زرديّة كبيرة تمدّها إلى الأمام. ذير يو غو، تقول مبتسمةً، وتنحني إلى الأسفل. تفصل العجلة الإضافيّة عن الدراجة وتجعلها تسقط في الشارع بضربة خفيفة تهزّها إلى الهامش. وِل، غود لاك ديريست. تبتسم، تدير ظهرها لدوريت، تستند إلى البوابة الحديديّة وتنظر إلى حديقتها برضا. تنظر دوريت بحدقتين متحرّكتين بينما تتلاشى قبضتها عن الزردية الكبيرة تدريجيًا. كانت ثقيلة عليها. الزردية موضوعة في أحد الأصص المهجورة، المتربة والمغبرة، التي لا ينمو فيها سوى حشيش النجيل. تنزل دوريت عن مقعد الدراجة، تمسك بالمقود وتجذب الدراجة باتجاه اليمين في أعلى طريق العودة إلى المنزل.

يتربص المساء من داخل طاولة الكتابة. أسئلة في النّسبة. مجموع عددين هو أربعون. النسبة بين العدد الكبير والعدد الصغير هي 2 إلى 3. ما هو العدد الصغير؟ تمسك دوريت بمجموعة من الأقلام الملونة. تدوّن في الكراسة، في رأس الصفحة، الكلمات “العدد الصغير هو” باللون الأحمر، وترسم من حولها قطّ رماديّ يجلس على سور، يتأرجح ذيله يمينًا بوضعيّة تذكّر بعلامة النّصر. إلى جانب القطّ ترسم الكلب سنوبي، مستريحًا على سطح وِجاره.

ككلّ مساء، وُضع التلفاز في الشرفة وبث الألعاب الأولمبية. ثلاث رياضيّات يحلّقن الواحدة تلو الأخرى واحدًا تلو الآخر بالتوازي، مرتديات بدلة لصوقة بيضاء، شعورهنّ ملفوفة جيدًا في هيئة كعكة صغيرة، معززة بدبابيس الألومنيوم. على صدورهنّ عُلّقت بدبّوس علامة من القماش تحمل أعلامهنّ الوطنيّة وشعارًا تجاريًا يشبه الجناح لشركة منتجات رياضية. لفةٌ فطَيران, لفّة فهبوطٌ بساقين على خط الهبوط مباشرة. يرفع القضاة اللافتات ويوزّعون الدرجات. تنحني الرياضيّات ويركضن خلف الكواليس. صوت نقيق ضفدع قادم من العشب. تنهض دوريت عن الكرسي، تتأمل مقابضه المصنوعة من الألومنيوم، في المقعد المصنوع أفقيًا وعموديًا من القماش المشمع باللونين الأخضر والأصفر. تغادر إلى ملجأ الحي، تصعد الدرج، ترقب الظلام في منزل ديبورا.

الزرديّة لا تزال هناك، في الإصيص. آن أوان التحليق. بصعوبة، تنحشر في الزاوية الحادّة للفتحة الضيقة التي تسمح بها البوابة المقفلة بسلسلة، والتي يتمّ تحريكها بلا صوت بأيدٍ صغيرة ومحاولة فتحها. تُمسك بالزردية الموجودة في الإصيص وتنفلت صوب الحديقة الخلفية، وهي مكان لم يزره أحد من قبل، حيث تسمع البث الأولمبي القادم من المنزل، بينما يجرّ زوج ديبورا كرسيًا. ترى دوريت الأصوات. ألسنة قطط تشرب اللبن الرائب، عيون كلاب تلمع من شعاع الضوء الوامض من  مصباح الشارع القريب. تقرر أن تهاجم القفص في مكانين، لكن نقرة واحدة لا تكفي، بقوة، بدون خوف. تدرك الحيوانات حجم المكانة وتظلّ صامتة. تهزّ القطط أجسادها خارج القفص وتتثاءب، تقفز الكلاب إلى الأمام وإلى الخلف. لم يُصب أيّ قطّ بالرّعب، ولم يحلّق أيّ كلب، ولم يتحدّث الخَلق، بل صمَت العالَم. من التلفاز الموجود في صالة ديبورا وزوجها صدر صوت المذيع قائلاً: “رقم قياسيّ عالميّ جديد”، ولم يهرب أيّ حيوان مع دوريت. لكن الليل جليّ والإجازة كبيرة وما زال هناك شهر بحالِه على انتهائها.

*نُشرت القصّة لأول مرّة في عدد 31 لمجلّة “شفو”، منشورات ابن حوشن، 2017.

ليس هناك جسم جامد كالمفتاح يحمل المشاعر التي يحملها، فالبصمات التي تبقى عليه ولا يمحوها قانون التقادم هي رسم خفي لاحاسيس الناس الذين حملوا المفتاح واخترقوا عالمهم او خرجوا منه، كالرسم البياني على جهاز تخطيط القلب، يسجل الغضب والحزن والفرح والسكينة، فكيف يكون المفتاح حين يحمله شاعر غادر البيت حاملاً مفتاحه وديوان شعر وشحن على ظهر قارب في البحر أقلع به من حيفا إلى عكا، ثم الى بيروت وإلى.. وإلى..إلى أن التقينا في صوفيا.

في طفولتي لم يقل لي أحد شيئًا عن أبي سلمى.. لا في المدرسة ولا في البيت.. وحين كنّا صغارًا نحفظ الشعر ونتبارى فيه، كنا نبدأ المبارزة الشعرية بما أسميناه “المفتاح”، أي البيت الذي نفتتح به وكان:

أنشر على لهب القصيد        شكوى العبيد إلى العبيد

وكان يصّر على هذا المفتاح معلم اللغة العربية، لكنّه لم يقل لنا من هو قائله، والحقيقة أننا لم نسأل لأننا كنا نبحث عن أبيات ذات قافية صعبة، و”الدال” هو واحد منها، وأمّا معلم التاريخ الذي كان يستجيب إلى إلحاحنا لتمضية درس التاريخ الناشف بمبارزة شعرية فقد كان يصّر على مفتاح آخر، وهو:

ألعرب أشرف أمة               من شك في قولي كفر

ولا أعرف حتى اليوم من هو قائل هذا البيت، لكن معلم التاريخ لم يكمل السنة الدراسية، فقد افتقدناه يومًا وقيل لنا أنه يكتب الشعر وقد طُرد من المدرسة وسمعنا فيما بعد أنه غادر البلاد وصار يتنقل بين مصر وليبيا والاردن ولم يعد إلى وطنه، بل تركنا نسخر من أنفسنا ونحن نسأل:

هل حقًا، العرب أشرف أمة ؟

قد يعود الينا يومًا ويحكي عن العرب، مؤمنًا او كافرًا، ويعلم الله أنه بعد أن تعرف على حالة العرب في الخارج فسيأتينا معتذرًا ليس على كفره بل على يقينه في تلك الأيام.

أبو سلمى

بعد أن أنهيت المدرسة الثانوية في حيفا سمعت لأول مرة عن أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، ويحز في نفسي اليوم أنني كنت أمر يوميًا، ولأربع سنوات متتالية، قرب بيته ولا أعرف أن في ذلك البيت عاش وكتب “شاعرنا القوميّ”.

لم أعرف في ذلك الوقت ما معنى “الشاعر القوميّ” لأن معلمة اللغة العبرية، غرزت في رؤوسنا أن حايم نحمان بياليك هو شاعر قوميّ، ولا يجوز أن يكون هناك شاعر قوميّ لأمة إلا بياليك للأمة العبرية.

عندما كبرت صرت أسأل كطفل صغير:

لماذا لا يكون لنا شاعرنا القومي، مثلما أن لهم شاعرهم؟

وكم أردت أن يكون أبي ومعلم التاريخ شاعرًا كهذا.

إلتقيت أبا سلمى في صيف 1980، في صوفيا مدينة البلقان.

جاء ليلقي الشعر وذهبت لأدرس الشيوعية.

هناك تحدث عن حيفا، وإذا بها مدينة غير التي تعلمت فيها وأعرفها وأقضي معظم ساعات نهاري في غرفة صغيرة من غرف جريدة “الإتحاد” التي احتوت بين جدرانها على طاولة خشبية عريضة، هي طاولة أبي سلمى.

إحتفظنا نحن بطاولة مكتبه واحتفظ هو بمفتاح البيت.

كنا نتحدث إليه عبر طاولته وكان يتحدث إلينا عبر المفتاح.

مناجاة عشّاق لقمر لا يغيب، ولكنه بعيد، بعيد.

سأل عن شارع الملوك وساحة الحناطير وقال أن بيته في شارع البساتين، في حي الألمانية.

سأل:

هل تعرفون البيت؟

هل هناك أحد يحرسه؟

كان أبو سلمى يعاتبنا لأننا اكتفينا بطاولته ولم نحرس البيت، حتى أننا لم نعرفه، ولم نجرؤ على السؤال:

“لماذا ذهبت؟”

غجر

بين حيفا الأمس وحيفا اليوم درج من حجر.

ألماضي من تحت والحاضر من فوق.

بحرها يتراجع وقممها تفقد خضرتها يومًا بعد يوم.

أصبحت مدينة شاحبة مشحونة بدخان المصانع وزعيق البواخر في الميناء.

بكى وهو يحكي وبكينا نحن على بكائه.

“خرجت مع مفتاح وقصائدي.

وقعت قصائدي في البحر وظل المفتاح لأنني ربطته بخاصرتي..”

في طريقي اليه في فندق البلقان جلست على الارض امرأة غجرية وضعت في حضنها رضيعا والى جانبها وقف طفل في السابعة مادا يده للتسول. أردت أن أعطيه لكن مرافقتي البلغارية قالت:

“لا. انهم ليسوا بحاجة، فالدولة توفر لهم كل شيء وهم يرفضون هذه النعمة! الغجر يرفضون النعمة ويفضلون التسول! هذه هي حياتهم! لقد بنينا لهم المساكن وسلمناهم مفاتيح الشقق، فباعوا المفاتيح وتركوا البيوت فارغة وانتشروا في الشوارع.. يغنون ويرقصون ويتسولون..”

(شو هالحكي؟)

“لماذا تضحك يا رفيق؟”

– خذيني الى فندق البلقان واتركيني هناك مع الشيخ الغجري الفلسطيني!

إنه شاعرنا القومي؟ هل للغجر شاعر قومي؟

“لبلغاريا شاعرها!”

قالت الرفيقة نانا، وودعتني عند مدخل الفندق، ولما عانقت أبا سلمى لم يتسلل إلى أذني إلا شهقاته وطقطقة صرة المفاتيح التي حملتها موظفة جميلة وغابت في الردهات الطويلة.

تلة رضوان

رحلة البلقان كانت كالخرافات الموروثة، لا يحيكها سوى القضاء والقدر والمصادفات الجميلة، وفي صميمها إنسان تتقاذفه الأقدار، كهذا الشاعر العجوز الذي يحلم بالعودة إلى بيته ويصفه حجرًا حجرًا، ويسأل عن الدرج وعن غرفة “سعيد “وعن الحديقة ويعاتبنا لأننا لم نحرسها. وحين يبدأ رحلته يختار الأسطورة: “يُحكى عن راعٍ في تلة رضوان كان يغني لجواميسه ويعزف على الناي، أحب ابنة شيخ القبيلة وأحبته فبعث يطلب يدها.

غضب والدها على هذا الراعي “الوقح “الذي يجرؤ على مجرد التقدم اليه بطلب كهذا، فأمر بقطع أصابع يديه عقابًا له.. وكان هذا أقسى حكم ينزل على شاب ترقص أنامله الجواميس في المراعي.. في اليوم التالي رفضت الجواميس الخروج لأن الراعي لم يأتِ ولم يعزف.. وما كان من أهل القبيلة إلا أن قصوا أعواد القصب وركبوها في مكان الأصابع وعاد الراعي ليعزف على الناي فخرجت الجواميس إلى المراعي وتزوج ابنة الشيخ..

قال أبو سلمى أنه تأثر كثيرًا بهذه الحكاية وظلت ترافقه ومنها بدأ يكتب الشعر، كانت هي المفتاح للإلهام، مثلما كانت أصابع الراعي المقطعة المفتاح للموسيقى التي أطربت الجواميس، وهل هناك اقتحام لعالم روحانيّ أو ماديّ دون مفتاح؟

في عام النكبة فقدت عشرات ألوف المفاتيح، منها ما ظل في الأبواب المشرعة ومنها ما وقع على الطريق الوعرية أو في البحر، إذا لم يربط في الخاصرة، وها هم أصحابها ينتظرون أكثر من خمسين عامًا صابرين على فراقها مؤمنين “أن الصبر مفتاح الفرج” مستبدلين مفتاح البيت الحديدي بمفتاح الأمل الذي تبدد بعد أن قامت الجرافات وأخذت البيت والمفتاح.

ألبيت

مات أبو سلمى بعيدًا بعيدًا عن وطنه، بعد شهرين من لقائنا في البلقان.

مات في أمريكا ودفن في دمشق وترك المفتاح لابنه سعيد..

عدت إلى البيت في شارع البساتين، لأبحث عنه ولأسأله إن كان هو أيضًا يشتاق الى أهله مثلما يشتاق أهله له، وقد كنت أمّر يوميًا بجانبه ولا أراه، وربّما لأن معلمة المدنيات اليهودية قالت لنا: “العرب في حيفا هربوا خوفًا من البراميل التي دحرجناها في نزلة ستيلا مارس وعلى الدرج الذي يفصل بين حيفا من فوق وحيفا من تحت ففكروها طائرات ودبابات.. وتركوا بيوتهم وهربوا، ويقال ان امرأة حملت وسادة بدلا من ان تحمل رضيعها الذي نام في السرير.. وعندما دخلنا كان الطبيخ على النار.. “

عدت إلى حيفا بعد رحلة البلقان وذهبت إلى حنا نقارة، صديق أبي سلمى، وطلبت منه أن يأخذني إلى البيت.

وقع خطانا على السلم الخشبي لم يوقظ أهل البيت.

إنتظرنا أن يفتح أحد بابًا ويقول:تفضلوا!

كنا كمن يتحرك في كهف مهجور.

“هذه غرفة النوم”..

وضرب حنّا بكفه على جدار اهتز هزات خفيفة واختفى رجع الصدى، وفي عينيه علقت دمعتان.. أما السقوط على أرضية “الكوريدور” الخشبية وأما البقاء في عناق طويل مع الرموش الذابلة.

طرقنا على الباب.. لم يسمع صوت.

“ربما أنه مهجور”

طرقنا مرة اخرى.

“من هناك”؟

ردّت علينا امرأة كأننا أيقظناها من سبات عميق.

لم نعرف كيف نعرّف عن أنفسنا، ولو عرفنا لأثرنا خوفها في مدينة عندما يطرق غريب وصل بلا موعد على أبواب منازلها، فإما أن يكون حراميًا وإما أن يكون شرطيًا وكلاهما يثيران أشد أحاسيس الخوف.

“سلام عليك أيتها السيدة”

وجوم..

“هل تسكنين هنا منذ زمن بعيد؟ منذ عام1948؟”

عجوز في الستينات وقفت خلف بابها المشقوق وحدقت بنا حيرى ومرتبكة ونحن ألقينا بنظراتنا إلى باطن الغرفة.

“أسكن هنا منذ عام 1949”

أشار حنا إلى الغرفة الواسعة وقال، هذا هو الصالون.. كان يستقبلنا هنا.. وسألنا السيدة:

“هل تعرفين من كان يسكن الدار قبل مجيئك”؟

فأجابت السيدة:

“لا أعرف! عائلة بولونية.. قبلها سكنت عائلة ألمانية..”

قال حنا نقارة:

“هذا البيت لقريب لي توفّي قبل شهر.. نزح عنه قبل 32 عامًا..”

سألت السيدة:

“هل هو عربيّ؟”

إمرأة عجوز قدمت من رومانيا عندما كان صاحب هذا البيت يحمل المفتاح وقصائده ويركب قاربًا أبحر به بمحاذاة الشاطئ من حيفا، إلى عكا، إلى طرابلس..

“هل تعلمين أن صاحب هذا البيت هو شاعر فلسطيني كبير توفي قبل شهر؟ هل تعلمين أنه ظل يحتفظ بمفتاح البيت على أمل العودة؟”

حركت رأسها كأنها تقول: “مسكين هذا الشاعر!” ثم واصلت: “البيت قديم وقد طلبت من البلدية أن تعطيني بيتًا آخر، ولكن لا يوجد فلوس.. أسكن في غرفة واحدة، هنا مطبح وهنا حمام وهنا غرفة مسدودة بالباطون.. سدتها البلدية، إنها تدلف، جدرانها مشققة وشبابيكها محطمة..”

مد حنا يده وصافح السيدة العجوز. الدمعة التي تراخت على الرموش الذابلة انقسمت وتساقطت على خده. عدنا إلى السلم الخشبي، والكوريدور، وخرجنا من المدخل. هناك بيت فوزي بندر، كان وكيل شركة تأمين، وهذا بيت زكي التميمي، وهذا لحسين عبد الصمد، وهذا للدجاني وهذا للعنبتاوي، وهناك نصار الفرمشاني، وهذا بيت المحامي عيسى هزو.. هل حملوا مفاتيح بيوتهم التي بنيت من حجر وما زالت قائمة حتى اليوم؟

زنزانة

رهيبة صكصكة المفاتيح حين تجتمع وتتراقص على خاصرة راهب يمشي في دهليز إلى غرفة معتمة في الأديرة القديمة، أو حين تصطك في يد سجان تسمع وقع بسطاره عندما تكون منقبضا في زنزانة، وتعلو شيئا فشيئا إلى أن يتوقف، فتقف على رجليك لتصغي بترقب وتوتر إلى معركة حشر المفاتيح في الثقب الوحيد الذي يربطك بالعالم الخارجي، وعندما تسمع “طقة” وتتلوها أخرى اقوى منها تتنفس الصعداء لأن السجان يفتح الباب ويأمرك أن تخرج إلى أن يعيدك ثانية.

ليس بيني وبين المفاتيح علاقة عشق, وقد جاء مفتاح أبي سلمى ليحررني من حقد على المفاتيح كان اشتد في نفسي في ليلة من ليالي أيلول 1977.

في منتصف تلك الليلة حرقت كل سجائري، ولم يكن من عادتي أن لا أبقى سيجارة لقهوة الصباح، لكنني فعلتها في تلك الليلة، فتبين لي فيما بعد أن السيجارة في البيت كالحجاب يطرد “الوسواس الخناس” ويبعد الشياطين وأولاد الحرام وإلا كيف حدث أن في تلك الليلة وبعد أن أقفلت الباب واسترخيت على سريري وما كدت أغمض عيني حتى سمعت طرقا شديدا على الباب وهرجا ووقع خطى أيقظ طفليّ وزوجتي فقاموا مذعورين وأنا معهم، ولما فتحت الباب واذا بثلاثة رجال وأربعة وخمسة وعشرة تجمعوا في المدخل بلباس مدني وبوليسي وقال أولهم: “جئنا لنفتش البيت!”

وناولني ورقة لم أقرأها، ودخلوا بقوة وانتشروا في أركان البيت وفتشوا في المكتبة وفي الخزائن وفي الثلاجة وتحت الفراش، ووصل عددهم إلى أكثر من ثلاثين رجلاً ضاع بينهم طفلاي وهما يبكيان ولا يفهمان ما يدور في البيت. كان على طاولتي مفتاح كبير لبوابة قديمة ورثته عن جدي. حين كنت أتأمل فيه وأقرأه كان يعيدني إلى تلك الأيام وذلك الجيل وإلى الحالة الفلسطينية التي تجمعني بهذا الجيل المعذب، ويبدو أن ضابط العملية بذكائه المخابراتي الخارق أدرك عمق العلاقة بيني وبين هذا المفتاح فبدأ يحقق: “من أين لك هذا؟” وأمرني أن آخذه إلى البوابة الكبيرة، ولما أقنعته أن مثل هذه البوابات كان في زمن البيوت الحجرية الكبيرة التي هدمتها جرافاتهم، عندها سحبه بعصبية وقال: “سيكون شهادة ضدك”، وأمرني بأن أصعد الى السيارة واختفى المفتاح.

أمضيت ليلتين في زنزانة “الجلمة “ولم تكن المرة الأولى التيأعرف فيها السجن والزنزانة، ولكنها المرة الأولى التي شعرت فيها أن السيجارة تصبح في السجن وسيلة تعذيب. قلت للسجان: “أعطني سيجارة!” نظر إلي وابتسم ابتسامة خبيثة عبر الفتحة المربعة في وسط الباب وقال: “بعد قليل”، واصطكت مفاتيحه وغاب.. وكانت هذه “البعد قليل” ساعتين وأكثر عاد بعدها وفتح الطاقة وناولني سيجارة وقال: “نسيت علبة الكبريت, سأذهب لأحضرها بعد قليل”. وكانت “البعد قليل “الثانية أطول من سابقتها, وأدركت أن طقوس التعذيب قد بدأت… ولم أشعر بالانفراج إلا عندما كان السجان يفتح الباب ويقودني إلى غرفة التحقيق.

ثلاثة محققين كانوا هناك: طيب وشرير وبشع. ألطيب عرض علي سجائره والقهوة وكان مؤدبا وحاول اقناعي بأن أرتدع عن خطي السياسي المناهض للسلطة وعرض علي المال والوظيفة وحتى عضوية الكنيست. وفتح ملفا كبيرا وقال: “كل ما كتبته ونشرته وقلته محفوظ عندنا.. وهو مترجم حرفيا”.

قلت له: “أنا سعيد أن هناك من يهتم بما أكتب. وسعيد أكثر أن كتاباتي تترجم. حبذا لو تقومون بنشرها بلغتكم”.

أغاظه هذا الكلام “الصقع”, فهب من مكانه وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل عليّ الشرير وقال أنه يستطيع ان “يخرب بيتي” وأن “يجعل حياتي جحيما وأن الدولة التي انتصرت على مائتي مليون عربيّ لا تحسب حسابًا لواحد مثلي”.

قلت له: “أعرف أنكم اقوياء وأنا لا أتحدى دباباتكم”.

قال: “اذن ستظل مشاكسًا؟”

وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل البشع. شاب طويل وضخم ومفتول العضلات صار يبرم حولي ويلف ويدور وينظر إلي نظرات مرعبة, وقال: “من أنت؟ ماذا تساوي؟ أنت لا تساوي الرصاصة التي ستخترق دماغك. لا.. لن نخسر عليك رصاصة. نحن سنطلق سراحك. سنقول لك أنت حر, إذهب أينما شئت, وستركب سيارتك، وتسافر وفجأة تأتيك سيارة شحن كبيرة، سيمترلر،  وتدوس عليك كما يدوس الفيل على النملة، وبعدها ستركض زوجتك خلف شركة التأمين لتدفع التعويضات”

وتكررت هذه الجولة الثلاثية لمدة 48 ساعة. تعلمت منها درسا واحدا: أن لا أنام ليلة دون أن أترك سيجارة لقهوة الصباح.

أطل عليه..

وصرت أكره المفاتيح وصكصكتها. إلى أن كان ذلك اللقاء مع أبي سلمى في فندق البلقان في صوفيا. صار للمفتاح معنى آخر في حياتي. علمني مفتاحه أن ليلتي ويومي في سجن الجلمة كانت المفتاح إلى عالم من المواجهة ليس فيه تنازل ولا مساومة ولا التفاف على الحق.

“سنلتقي في حيفا”، قلت لأبي سلمى.

بعد شهرين رحل تاركا المفتاح وقد أُشبِعت قصائده الضائعة بملح البحر. بعد سنوات قليلة أَخلت العجوز الرومانية البيت، ربما انتقلت الى بيت آخر أو الى العالم الآخر. ظل البيت مهجورا لعدة سنوات أخرى. لم يقم أحد بزيارة البيت. مررت يوما من هناك، كانت الجرافات قد أنهت عملها، والبيت تحول الى ركام صارت الجرافات تحمله على شاحنة كبيرة وتطاير غبار كثير. لم يبقَ لبيتِ شاعرنا القومي أثر. هناك في حيفا، حي الألمانية ساحة كبيرة هي موقف سيارات أطل عليها من مكتبي في “معهد إميل توما”، فتأخذني بعيدا إلى فندق البلقان وإلى مفتاح على خاصرة شاعر لم يقدر على حماية قصائده فسقطت في البحر ولم نقدر على حماية بيته فمسحتها الجرافات.

يوم دخول الجيش الصينيّ، حضر أخي ليسكن معنا وقد وصل مباشرةً بعد الاستسلام وتسليمهم القدس. عمليًا، لم أنجح في فهم كراهيّتهم العمياء للعربفقط في بادىء الأمر. وصلت شائعات غريبة إلى القدس من العراق وسوريا، من أراضي شرق الأردن. كان من الصعب تصديق أنّهم، في الوقت الذي كانوا فيه يقاتلون في سيبيريا وألاسكا وأستراليا ومصر، وجدوا وسائل لنقل المدنيّين الصُّفر وتوطينهم بالآلاف في القرى والمدن المهجورة، في الدول العربية. أما نحن، فقد نظروا إلينا كمجموعة صغيرة يمكنها أن تكون وسيلة مساعدة لهم في هذه الأثناء. وإلى أن يغيروا رأيهم، قد يُحسم مصير هذه الحرب الرهيبة، لأنني لا أعرف كم من الوقت ستستمر هذه الحصانة التي حظينا بها في الوقت الحالي. أخي، الذي كلّما طالت مدّة عمله عندهم كسائق مرشد لأحد ضباطهم، فهم أكثر لغتهم الغريبة، وهكذا زاد ترويعه لنا بقصصه حول مصير العرب.

في البداية لم نصدّق كل هذه الشائعات. كانت الأمور واضحة. على سبيل المثال، نهبوا من عرب القدس كل ما هو ذو قيمة. بدأوا بالسجاد وأجهزة التلفزيون. وقبل بضعة أشهر، نهبوا أجهزة الراديو، الترانزستورات وجميع الأجهزة الكهربائية. كانت علاقتنا مع بقية البلدان محدودة للغاية. لم يعبر أحد تقريبًا حدود ما وصفوه ب “مناطق التطوير”. لكن على الرغم من ذلك وصلت إلى مسامعنا أخبار من هنا وهناك. لم تكن في حيفا وتل أبيب تجمعات عربيّة كثيرة. الحفنة القليلة من عرب حيفا تمّ نقلها إلى الناصرة. والمناطق العربية الرئيسية، مثل وادي عارة ونابلس- جنين أو بيت لحم – الخليل، تمّ إغلاقها وتطويقها بحراسة عسكريّة. ثم وصل المواطنون الصينيون فجأة برفقة زوجاتهم وأطفالهم، جماعاتٍ جماعات، واستقروا في قرى العرب. أين اختفى العرب؟ التحدث عن ذلك بصوت عال كان أمرًا محظورًا. شيئًا فشيئًا، اتّضح لنا، دون أدنى شك، أنهم يقتلوننا بأعدادهم الهائلة. يبدو أنهم فعلوها أيضًا في العراق وسوريا وجميع الدول المجاورة.

يفعلونها بطريقة بسيطة وناجعة. يحفر العرب حفرًا. يخبرون الجميع بأنّ هذه الحفر ستشكّل أساساتٍ لدار الثقافة الصينيّة الضّخم، والذي سوف يشيدونه تكريما لماو (المقصود ماو الثالث، لمَن لا يعرف السلالة الحاكمة). ثم يحشدون جميع السكان ليلقوا أمامهم خطابًا. تصل مروحية وترشّهم من فوق، فيقعون دون صحوة. أخبرني أحدهم أن الكيبوتسات تتلقّى حصصًا خاصة من الوقود لتغطية هذه الحفر باستخدام العدّة الميكانيكية القليلة المتبقية في أيديهم. أعتقد أنه يحظر لمس الجثث مدّة تقارب شهرًا من وقت الرش. لم يكن للمسألة علاقة بالكراهية، كما اعتقدتُ في البداية. كانت عمليّة منفّذة بهدوء وبحسابات واضحة. كان جول فيرن قد تنبأ باحتلال الصينيين العالم. يبدو أنهم قرروا أن يدمّروا الأمم العظيمة ويرثوا مدنهم وقراهم، بكل ممتلكاتها، باستثناء الملابس التي دفنوا فيها الموتى. أما بالنسبة لنا، فمجرّد حقيقة كوننا شعبًا صغيرًا وموهوبًا قد أنقذتنا بشكل مؤقّت. هكذا، تم تأكيد الشائعات الغامضة التي وصلتنا من الهند في بداية هذه الحرب.

أول أمس، عادت زوجتي من المستشفى الذي كانت تعمل فيه كممرضة في قسم التوليد. كانت مصدومةً .

أخرجوا النّساء العربيّات ولم يفتح أحد فمه بكلمة. حضر طبيب صينيّ وفحص جميع النساء جيدًا. العربيّات اللواتي وضعنَ، أخذوهنّ مع أطفالهنّ. حاولت زوجتي إنقاذ طفل من بين زوج من التوائم، حتى تربّيه عوضًا عن ابنتنا، التي قُتلت في ظروف مأساويّة قبل حوالي عام، يوم اندلاع هذه الحرب العالمية، والتي نأمل أن تكون الأخيرة. رفض مدير القسم أن يخفيه وقال إنه لا ينوي تعريض المستشفى للخطر بسبب طفل عربي. لم تذهب إلى العمل منذ ثلاثة أيام. تدور في البيت رائحة غادية طوال الوقت وتتشاجر مع أخي. لا أعرف ما الذي تعتزم فعله، ولكن من تعابير وجهها واضح أنّها ستفعل شيئًا. بالكاد تحدثت معي منذ ذلك اليوم. لا يمكنها أن تغفر لي عدم إدانتي للطبيب بشدّة وحزم، ولكن كيف يمكنني أن أدينه؟ ماذا كنت سأفعل في مكانه؟ لقد صدرت الأوامر وتم إلصاقها في جميع الأماكن، والتي تنصّ على أن من يُخبىء رجلاً عربيًا، أو امرأة عربية، أو طفلًا عربيًا في منزله أو في مكان عمله، أو يساعد على إخفائه، عقوبته الموت. أعرف مدير قسم الولادة من أيّام المدرسة. كان فتى سمينًا وطيّبًا. ما كان ليعرّض جميع المرضى والأطباء اليهود الآخرين للخطر. ربّما لن يضرّوهم أو يعدموهم، وإنّما فقط المسؤولون بشكل مباشر، أي هو وزوجتي. وربما طبيب آخر من القسم. زوجتي صغيرة في السنّ وفيها حماس كبير لإنقاذ الأرواح، ولكن لا يمكنها أن تطلب منه أن يخاطر بحياته. صحيح أن الطفل العربيّ مثله مثل أي طفل آخر. لكن أليس المثل القديم القائل “فقراء بلدك أولى” ثمرة حكمة شعبية واقعية رشيدة؟ للدكتور ألون زوجة وأولاد ولا يمكنه أن يخاطر بحياته، وزوجتي لا تغفر لي على تعليقاتي هذه.

مرت ثلاثة أيام على نومنا في غرفتين منفصلتين، وهو ما لم يحدث منذ زواجنا قط. قطعت حديثها مع أخي تماما، فقد بدأت تشكّ في أنّه يتعاون معهم فيما يتعلّق بالعرب. لو استمر الأمر على هذه الحال بضعة أيام أخرى لالتهم الواحد منا الآخر ببطء. لكن اليوم انفجر الأمر.

وصل أخي كالعادة، ظهرًا. جلسنا لتناول الطعام. لم يصدر صوت سوى قعقعة الأطباق وصوت مضغ أخي الفظ. كانت زوجتي  تمخط في كل مرة وتنظف أنفها، كما لو كانت مصابة بسيلان الأنف. لم أكن متأكدًا إن كانت مصابة بالبرد فعلاً أم كانت منفعلة ولم ترغب في أن نعتقد أنها تبكي. مرّ تناول الحساء بسلام. فكرت في هذه المفاجأة التي أعدتها لنا، إعداد حساء البصل مع قطع الخبز المحمّص المغطّى بالجبنة الصفراء التي تعوم في الأطباق. ظننت أن ذلك قد يكون علامة على ذوبان الجليد في العلاقة. لمّت الأطباق ووزعت اللحم بصمت. كانت دجاجة أقنان تحوّلت إلى البرية واصطادها الضابط الذي يعمل عنده أخي، في إحدى القرى الخالية، وسلّمها له كهدية. شَرَعنا في أكلها. جلست هي أمام طبقها ولم تأكل.

“لماذا لا تأكلين؟” سألتها.

“أشعر أننا نأكل جثتها”، قالت وهي تنظر إلى أخي الذي انفجر ضاحكا.

“لا أفهم- قالت وألقت شوكتها بقوّة على الطاولة، –ألا تشعرون بفقدانكم لإنسانيّتكم؟!”

قال أخي: “أنا لا أشعر، يا حلوة”.

واصلتُ الأكل. لم نتناول اللحوم منذ شهر ونصف.

قالت لأخي: “أنت بهيمة. أحتقرك، أنت مجرّد من العاطفة الإنسانية”.

“ماذا تريدين منّي أن أفعل يا حلوة؟”

“توقف عن مناداتي هكذا!”

قال: “وأنت، لا تنعتيني بأسماء تحقيريّة”.

خِلت أنها سترمي الطبق في وجهه.

راقبتها وهي تحاول أن تضبط نفسها. أبعدتُ طبقها للاحتياط.

“إنقاذ اللحم، ها؟” قالت لي بسخرية.

قلت مزدردًا تعليقها: “نحن نقيم هنا معاً ولا يمكننا أن نحوّل حياتنا إلى جحيم. لقد تسبّبتِ في ذلك، في الأيام الثلاثة الأخيرة”.

قالت باتّقاد: “لا أحد منا طيّب أو مثاليّ. وحياتنا كلها على حالها، إلا لو حاولنا وبذلنا جهدًا في فعل شيء على الأقل”.

قال أخي: “مثير للاهتمام”.

واصلت كلامها: “كلّنا مدركون أنه من المستحيل إنقاذ كل العرب، لكنني سأنقذ طفلا من الأطفال الذين أعرفهم، طالب أو عوض”.

“كيف؟” سأل أخي.

“سوف تساعدني”.

الآن اتّضح المعنى من وراء حساء البصل.

“أنا؟ أنت مجنونة، مجنونة، يا امرأة، لا دراية لك عمّا تتحدثين. هذه رومانسية لا معنى لها، عندما تقبعين في السجن، فإنّك، لن تفكري في كل هذه الأشياء الجميلة، قبل أن يعدموك، يا حلوة. آسف، لم أقل ذلك لأضايقك، حسنًا؟ أنا فقط أتظاهر، هذه طريقة إغاظة تعبيرًا عن الودّ لك. هل تعتقدين أنني غبيّ أو بلا روح؟ لكن عليك أن تفهمي أن حياتك معرّضة للخطر. وحياته أيضًا”، قال مشيرًا إليّ. “ناهيك عن نفسي.  لا بدّ أنّك تريدين منّي أن أهرّب أحدهم في سيارة الضابط الذي أعمل عنده، صحيح؟”

“بالضّبط. من المدينة القديمة قد يكون الأمر صعبًا، لكن من أبو طور سيكون الأمر هيّنًا”.

نظر إليّ أخي ثم قال: “سأخبركما بالحقيقة. أنا واثق من أن العرب بشرٌ مثلنا تماما. ليس بالضبط، إلا إذا تمّت تنشئتهم بطريقة مختلفة وكل هذا الهراء. لكنّهم سيظلون عربًا، كما بقينا نحن يهودًا. أعتقد أن الحرب ستنتهي في غضون سنة تقريبًا، ولن تُحسم لمصلحتهم. الأمريكيّون مضطرون لكَسب الحرب. ونحن”، ضرب بقبضته على الطاولة، “سنتخلّص في هذه الأثناء من المشكلة العربيّة! هل تدركان معنى أن لا يكون هناك المزيد من العرب، أو على الأقل ألا يتواجدوا في هذه المنطقة؟ وهنا، في القدس، سنشيّد الهيكل، بأيدٍ نظيفة، دون أن نكون قد مسسناهم بسوء. الصينيّون سينفّذون المهمّة بدلا منّا. إنها معجزة، حدثت بقدرة قادر. سوف يقضون على العرب ثمّ يُهزمون قبل أن يصلوا إلى النهاية. لا تظّنا أنّني لا أتألّم وأنا أراهم يُقادون إلى وادي هنوم”.

“رأيت؟ لم تحكِ ذلك من قبل”، قالت زوجتي.

قال: “لا أستطيع أن أحكي. بفضل ذلك، ما زلنا نقيم في شقتنا ونأكل مثل البشر، ويتوفر لدينا الماء الساخن للاستحمام، لكن ليس هذا هو سبب عَملي لصالحهم”.

“هل أنت حقا مجرد مرشد وسائق؟” سألت زوجتي بنبرة شك.

لا”، قال أخي. “أنا أساعدهم على التمييز بين اليهود والعرب. في نظرهم، جميعنا نمتلك نفس الوجه الأبيض”.

“هل تساعدهم في العثور على العرب؟” قالت زوجتي بنبرة شبه هامسة. ثم وقفت وصرخت: “اخرج من هنا، اخرج من هنا! اخرج من بيتي! قاتل!قاتل!قاتل!”

لم يتحرّك أخي من مكانه.

قلت: “تمار، لقد قررنا أن نتحدث بصراحة وأن نوضح الأمور. أنت تفقدين صوابك. اهدئي”.

“ألن تطرده من المنزل؟”

“لا، إنه أخي”.

“إذن، سأرحل”.

قال أخي وهو ينهض من مكانه: “هشششش. لا يجب أن أبقى هنا طالما لم ترغبي في ذلك.  أتعجّب فقط كيف ستهرّبين العربيّ الصغير”.

قلت:”هذا صحيح. اجلسي”.

“سنشيّد الهيكل”، كررت كلامه هامسةً. “وحش”.

قال أخي: “لم نخطئ ولم نرتكب جرمًا”.

“عندما تقتل بشرًا من حولك وتساعد في القبض عليهم …”

“أنا لا أساعد في القبض عليهم. أنا فقط أنقذ اليهود الذين تم القبض عليهم عن طريق الخطأ. هذا كلّ ما في الأمر. ولا أفعل أكثر من ذلك. أهرّب أجهزة التلفزيون والراديو وأتقاسم الأموال مع الضابط الذي أعمل عنده، وهذا هو عملي الخاص الذي تستفيدين منه أنت أيضًا”.

“لم أعد أصدّقك. لكن لنفترض أنك لا تفعل أي شيء، هذه إذن خطيئتك، أنّك لا تفعل! ألا تفهم؟”

قال أخي: “ربما. لكن أبناءك وأحفادك سوف يشكرونني على ذلك. هل تفهمين معنى أن تكون لنا دولة لا عرب فيها؟ ناهيك عن الدول المجاورة”.

  لو لم تكن في حاجة إليه لتنفيذ خطتها، لكانت ألقت شيئًا على رأسه في تلك اللحظة.

توقّف”، ناشدتُه. “لا نريد أن نسمع آراءك بعد الآن”.

“هل أنت على استعداد لمساعدتي؟”

“لا”، قال أخي.

“وهل أنت مستعدّ لإعطائه السيّارة”، أشارت نحوي، “وزيّ القيادة خاصّتك؟”

“لا” قال أخي. “إلا إذا سرقتموها”.

استسلم أخي. كان يحبها منذ البداية. أعجب بها لشجاعتها. إلا أنّه استسلم الآن على حسابي.  زحف الخوف إلى معدتي. هل أفعلها؟ أنا؟ فليحمني الربّ”.

زرّر أخي قميصه.

قال: “سأعود في المساء. في هذا الوقت، جهزا خطّتكما. أسرعا، لأنكما قريبًا لن تجدا أحدًا كي تنقذوه. وليكن معلومًا لديكما أنّني سأشهد ضدّكما إذا وقعتما، وإذا قلتما أنّني اقترحت عليكما أن تسرقا سيارتي، سأضحك في وجهيكما. زيدا على ذلك، في حال أن أحضرتما عربيًا إلى المنزل فعلا، سأترك الشقة على الفور وعندها لا أعتقد أنّهم سيبقونكما في هذا الحيّ، فهو قريب جدًا من المدينة القديمة ومن فندق ماو (فندق الملك داوود سابقًا).  متى طردوكما من الشقة، فإنهم سيعثرون فورًا على العَربوش1“.

“سأقوم بتزوير الشهادات وسيظهر بصفته إبني”.

“لا يمكن خداع الكمبيوتر الإلكتروني”.

“لدي علاقات مع أحد الصينيين”.

“أوه!” قال أخي. “أنت أيضًا؟”

“ذاك الشخص الذي أنجبت زوجته عندنا بعملية قيصرية”.

“ما رُتبته؟”

“إنه ليس عسكريًا. هو يعمل في التحديث المحوسَب لسجلّ السّكان”.

“أرى أنك قد أعددت الأمر منذ وقت طويل”، هزّت زوجتي رأسها.

“إنهم حقًا متلهّفون لمضاجعة النساء البيض”، أضاف ساخرًا.

“أطالبك بالانضباط”، علّقتُ بصفتي مترأسًا لهذا الجدال.

لم تشعر زوجتي بالإهانة. نظرت إلى كلينا لوهلة ثمّ قالت بسطحيّة:

“سوف أضاجعه لأحصل على مطلبي”.

“ماذا؟” قلت.

قالت: “نعم. لن ينتقص ذلك من قيمتك”.

“لا يكفي أنّني مضطرّ للمخاطرة بحياتي وحياتك،  بل تنوين أن تضاجعي هذا الفستق؟”

الفستق” كان لقبًا ازدرائيًا أطلقه العوامّ على الصينيين. أعتقد أن مصدر الاسم برعم يشبه الصينيّ الملتحي. في طرف أحد شقّي حبّة الفول السوداني، بعد شطرها إلى نصفين، قبل أكلها. أذكر أنّ والدي كان يسمّيها “يهودونيم”2.

“لا تظنّي أن الأمر سينتهي عند أوّل مرّة”، علّق أخي.

اعتمر قبعته وغادر.

“أنت مجنونة، امرأة مجنونة. صالِحة. اللعنة!”، قال قبل أن يصفق الباب. سمعناه ينزل بالقفز درجتين ثلاثًا. بقينا لوحدنا

قلت بقلق: “تمار، أخشى أنّني لم أُخلَق لهذه الأعمال، أنت تعرفين أنني لم أكن جنديًا يومًا، وعندما يخطر في بالي كيف سأدنو من نقطة التفتيش بسيارته، كل شيء داخلي يرجف من الآن. سوف أسلّم نفسي على الفور، ولا فائدة ترجى من وراء ذلك”.

“ألن تساعدني؟”

رأيتُ نظرة يأس على وجهها، مددتُ يدي لكنّها صدّتني.

“ألن تساعدني؟ لا أفهم، لقد شرحت لي بشكل رائع على الدوام جريمة الصينيين المحسوبة.  أجدتَ تمامًا برهنة المشترك بين بني البشر كافة. أين ذهب كل هذا الكلام الآن؟”

قلت: “تمار”، وفي الواقع لم يكن لدي ما أقوله. ماذا أمكنني أن أقول؟ كنتُ أؤمن فعلا بهذا الكلام الذي ألقيته أمامهم.

قلت بشجاعة: “لو كنت رجلًا ضعيفًا وجبانًا، فهل هذا يعني أنني أكذب؟ أنا لا أكذب. أنا أؤمن فعلا بصحة هذا الكلام. العرب في نظري هم بشر مثلهم مثل اليهود. حتى الصينيون بشر في نظري. لكنني لا أستطيع أن أخاطر بحياتي من أجلهم. بمجرد أن يخطر في بالي كيف سيقبضون عليّ، كيف سيجرونني إلى المجمّع الصينيّ (المجمّع الروسيّ سابقًا) وسيحاولون أن ينتزعوا مني أسماء شركائي في الجريمة بالتعذيب، قبل أن يقطعوا رأسي. لا يهم، فلينغرز في إحدى الدعامات. لن يسبّب ألمًا بعدها”.

قالت زوجتي: “لا أستطيع العيش معك”.

لم تقل ذلك لتضايقني. نظرت إلي نظرة ألم. فتية جدا. نظيفة جدا وبريئة. الآن كانت على وشك القيام بشيء، بسببه ستمزّقها الحيوانات الصفراء إلى أشلاء.

سوف ترتدي زيه العسكري. التشابه بينكما يكفي لتضليلهم. سيكون الجوّ مظلمًا، ومع أوراقه لن يقع لك أيّ ضرر. ضع أحد هؤلاء الأطفال تحت المقعد بنفس الطريقة التي يهرّب بها أجهزة التلفزيون. لن يمسكوك”.

“وإذا فتّشوا؟”

قلت في نفسي أنه سيأتي يوم أحاسَب فيه على أفعالي. أنا المفكّر الإنسانيّ المرموق، البروفيسور بن-دافيد، ماذا فعلت كي أنقذ العرب؟ هل يمكنني أن أقول إنّ خوفي يُحسَب لمصلحتي؟ أنني خفت من التعذيب؟ أنني غير مناسب؟ يعرف الناس بالضبط من يفعل ومن يتحدث فقط. جلست زوجتي. دفنت وجهها بين يديها وشعرها المتناثر انزلقت بين أصابعها إلى الأسفل. الخوف. هذا الخوف الرهيب.

“هل ستفعلها؟” سألت.

قلت: “نعم. غدا. سأذهب أولا لأتناول من المختبر القليل من سيانيد البوتاسيوم، لأنّني سأنتحر إذا قبضوا علي”.

“أنت تجعل من الأمر شيئًا خطيرًا ومأساويًا أكثر من اللازم”، قالت. “ستسافر إلى هناك ، ستأخذ أحد الأطفال وتحضره إلى هنا. خذ طفلة، لن يحدث شيئًا. المهم أن أتمكن من إستخراج المعلومات حول وفاة طفلتنا ميري من جهاز الكمبيوتر. سأخبره أننا نسعى إلى تبني طفلة ولا نريد أن يعرفوا أنها طفلة متبناة وليست من صلبنا. حتى لو لم يصدّقني ربّما يساعدني. يمكننا حتى أن نرسلها إلى المدرسة”.

“أنت ساذجة يا تمار، سوف يبلغون عنا”.

“من؟”

“هل ينقص هنا في الحيّ كارهون للعرب؟”

“لو كان بإمكاننا الانتقال  إلى مكان آخر …”

قلت: “ربما يساعدني أخي، وهكذا يتخلّص منا جميعا”.

“أنا أزدريه هو وأمثاله، أنت تعرف ذلك. في أشدّ الحالات، سنبني جدارًا عند مدخل المخزن ونحدث فتحة عبر العلية ونخبئها هناك. أو ربما في مخبأ الأسلحة، حيث يمكننا قضاء الوقت معها من وقت لآخر أو حتى ضمّ طفل آخر إليها. إنّه الخطر ذاته، أن نموت مرّة أو مرّتين. حسنا، لا داعي للذعر، لن أرسلك مرة أخرى، فقط هذه المرة”.

“هل تعرفين بأمر مخبأ الأسلحة؟”

“وهل تظنّ أنّني عمياء وصمّاء؟”

“ظننّا أنك لم تشعري بأي شيء”.

رقدنا في السرير. استمعنا بصمت لما كان يحدث، سيارات عسكرية زحفت على الطريق من بيت لحم. بنى الصينيون مستودعات ضخمة للأسلحة والذخيرة من حول جميع الكنائس المخصصة للمسيحية. هناك وفي المدينة القديمة. لم يقصفها الأمريكيون وحلفاؤهم. نحن أيضا حظينا بحماية المقدسات. تم إجلاء سكان حيفا، على سبيل المثال، قبل عام من محيط الميناء والمناطق الصناعية. القنابل النووية التكتيكية الصغيرة والخالية من الأشعة الميناء دمّرت مرتين الميناء والمطار، وبناها الصينيون من جديد مرّتين. كانوا فعلاً مثل النمل. عمليات القصف الأولى أجّلت إبادة العرب شمال البلاد، لأنهم لم يمتلكوا القوى العاملة الكافية لهذا الإعمار المجدد. هذا، على أي حال ، ما رواه الضابط لأخي. كان هناك شيء ما في كلّ الكلام الذي قاله أخي لنا ظهرًا. رغم كلّ أحاسيس الثورة التي شعرتُ بها وأنا أسمع الكلام يخرج من فمه، إلاّ أنّه كان فيه شيء من الحقيقة. الحقيقة بأنّنا لن نواجه مشكلة أقليات في البلاد، عند تحريرها. لا شك، كلّنا حيوانات مفترسة.

عندما استيقظنا كان الظلام قد حلّ. استيقظنا على صوت خطى وصرير القفل في الباب. دخل أخي. أحضر حزمة مربوطة في كيس. سيأتي يوم يُقبض عليه متلبسًا في هذه الأعمال المشبوهة. استيقظت زوجتي أيضا وجلست على السرير. وقف عند المدخل للحظة.

“لقد جلبتُ لك هدية”، قال.

الآن فقط رأيت أن الحزمة ثقيلة للغاية. قفزت زوجتي من السرير وبيدين مرتجفتين بدأت تفكّ الحبل، وتشدّ الكيس وتفتحه. على الأرض سقطت فتاة عمرها أربع سنوات، فاتحة الشعر، متسخة، نحيفة، خائفة. هجمت زوجتي عليها كمن عثر على غنيمة. لم تنطق الفتاة بكلمة. نظرت إلينا في دهشة.

لقد نجوت، فكرت في نفسي، أو أني فقدت كل شيء. رفعت زوجتي الفتاة وأوقفتها على قدميها. أغلقت ستارة التعتيم على النافذة وأشعلت النور. نظرت الطفلة إلينا بعينين كبيرتين، زرقاوين. ربما تعود إلى أيام الصليبيين.

“لمَن هذه الفتاة؟” سألتُ.

هزّ أخي كتفيه.

” ليست لأحد، أخرجتها من المنزل الذي انفجر بعد الظهر”.

كنّا الآن ثلاثة في قارب واحد.

قالت لي زوجتي: “أحضر اللحم الذي أبقيته ظهرًا بسرعة.

ركضت وأحضرت الطعام. وضعته أمام الفتاة الصغيرة.

“هل تجيدين العبرية؟” سألت.

“كيف يمكنها أن تجيد العبرية؟” اغتاظت زوجتي.

“إنها أكبر مما تبدو عليه”، تدخل أخي. “كلّهم سيان”.

“كم عمرك؟” سألت تمار.

أرتنا خمسة أصابع في يد واحدة وإصبعًا إضافيًا في اليد الأخرى.

“أنا مسيحية”، أضافت بقلق، وأخرجت صليبًا صغيرًا تدلى من رقبتها.

هززت رأسي.

قالت لها تمار: “كلي. إنه لك”.

انقضّت الفتاة على الطعام. لم أتحمل رؤية المشهد وحوّلت رأسي. عندما نظرت إليها مجددًا رأيتها تبكي. تأكل وتبكي. ودموعها الصغيرة تسيل داخل الطبق وتكوّن بحيرات متوهجة وشفافة، للحظة وجيزة، قبل أن تختلط مع الصلصة.