اكتب القصص

أعمل مصلّحاً للأجهزة الكهربائية الدقيقة في مدينة أور، تعلمت من زوربا حب الحياة، وكنت كجيفارا متمرداً، كنت معوزاً للفرح،  لابتسامات الناس، للربيع يلامس قلبي، للبياض، لرؤية الألوان الفاتنة تطرز حياة الناس، لأجواء السعادة تشرق على الناس مثلما أشرقت شمس تموز صباح اليوم الجمعة، أشرقت فوق هامات النخيل بلون أرجواني مخضر لتشرق معها على وجهي الأسمر الجنوبي ابتسامة شارلي شابلن، ابتدئ صباحي بابتسامة لأنهي غروبي بابتسامة، أبدأ عملي بابتسامة لأحافظ على مزاجي رائقاً طوال النهار حتى الغروب، وكأنني أجامل الصباح والناس والغروب بابتسامة صادقة ترمم القلوب المخدوشة بالحزن. أفضل أن يراني الناس بوجه تشرق فيه ابتسامة دائمة، أمشي بينهم في الأسواق والأزقة بخطوات شارلي شابلن مرتدياً ألوان الفرح الفاتنة مرفوع الرأس، لأنني أنفق وقتي كله منحني الرأس عاكفاً على تصليح أجهزة التلفزيون والستلايات. أخذت قول شارلي شابلن على محمل الجد: لن تجد قوس قزح ما دمت تنظر إلى الأسفل. آمنت برأيه: يوم من دون سخرية هو يوم ضائع، نهار يوم الجمعة مشرقٌ، كنت مثله مشرقاً بالمسرة، تذكرت أنه اليوم الذي صلب فيه المسيح “ع”، صرت أشيع أجواء الفرحة، أمازح الباعة المتجولين والكسبة وعمال المسطر والعتالين والصبية بائعي الماء البارد والمتسولين. أوصي نفسي بأن أكون هادئ البال منشرحاً، لم أعش حياتي متذمراً ساخطاً، عشت بقلب أبيض راضياً، عشتها هكذا حتى لا أصاب بالحزن. علقتُ على الحائط بدل صورة السيد الرئيس فوق رأسي حكمةً قالها شارلي شابلن:  لو كنت نبياً لجعلت رسالتي السعادة لكل البشر، ووعدت أتباعي بالحرية، ومعجزتي أن أضع البسمة والضحكة فوق أفواه الصغار، ما كنت لأتوعد أحداً بنيران جهنم ولا أعد أحداً بالجنة، كنت سأدعوهم فقط إلى أن يكونوا بشراً وأن يفكروا، ليقرأها كل من يدخل ورشتي.  ينعتني أبناء مدينتي بشارلي شابلن لأنني أمشي مثل مشيته، أبتسم ابتسامته، أدمنت مشاهدة أفلامه إلا أنني أختلف عنه في حبي للإليكترونيات. أعيش وحيداً. ينطبق علي قول رافائيل ألبرتي: أنت في وحدتك بلد مزدحم، بلغت درجة الحرارة 54 مئوية، بمجرد خروجك إلى الشارع تتلظى أشاهد غيوماً سوداً تجمعت وسط الحر القائظ في هذا الصيف المر، وما صنعته هذه الغيوم من فيء بارد، أعلم أنها أجواء الشؤم التي تُذهِب البسمة، أجواء تقبض القلب، والمتبضعون يسيرون غير مبالين بالحر لأنهم اعتادوه. حرارة أنفاس الناس تتشظى حارة هائجة تصل حدّ القسوة المنفرة، وشمس الضحى القاسية التي تستمد لونها من لون العسل. ابتسمتُ للشمس العسلية، تمنيت نزول المطر، مطر مدرار. بأصواتٍ رنّانة تملؤني بهجة لألوان أكثر ابتساماً، يمر أمام ورشتي الصغيرة وعلى الرصيف المقابل لورشتي رجال وأولاد صغار ونسوة يتسوقن، أسمع أصوات الحياة الصاخبة، أضحك بفرح طفولي. يحتسي رواد المقهى أمامي الشاي رغم ارتفاع درجات الحرارة في هجير أكثر أيام الصيف قيظاً. دخل شخص علي لم أرفع رأسي لأراه، أحسست بدخوله، كنت منهمكاً في عملي، رنوت إليه: جارنا يحيى المنغولي، كان يحيى نقياً ودوداً بريئاً عذباً بلا حدود ينجذب الناس إليه كالفراشات، يرنو لي، يمسك بيده ستلايت قديماً جداً مع جهاز التحكم عن بعد، يتلفت ويبتسم، يبتسم ويتلفت، تلفت إليه وابتسمت، ينظر إلي وأنظر إليه. كان يراوح بقدميه وهو واقف وكأنه في كردوس عسكري أمر بمحلك قف، مكانك قف، وبشفتين يابستين أخبرني بصوت فيه أشراقة رجاء ممزوجة بخجل مرت بقلبي ونشرت المسرة:  إنه عاطل، وعليّ إصلاحه، شعر قلبي بالسعادة، راح قلبي يضرب بسعادة أضلاع قفصي الصدري، ابتسمت، ابتسم، ضحكت ملء روحي، ضحك ملء روحه، وما زحته:  أنت عاطل عن العمل أم الجهاز؟ ضحك، سافرت مع ضحكته بمزاج جديد داخل نفسي، ضحك ملء روحه الطاهرة ، كنت أنظر طوال حديثنا في عينيه المنغوليتين، أخبرته بعد أن فحصت الستلايت أن الجهاز صالح للعمل وبحالة جيدة، وجهاز التحكم عن بعد كان عاطلاً. طلبت منه شراء واحد آخر من المحل المقابل لمحلي، قال: ما عندي فلوس، ضحكت بشدة ، أعطيته ثمن جهاز التحكم عن بعد، خرج فرحاً مطمئناً مبتسماً، بيمناه جهاز التحكم عن بعد، بعد خروجه بلحظات رج المكان انفجار عنيف، سبقه سطوع ضوء لهب أزرق مبهر، غليان أحمر، موجة رعب، صراخ وعويل. خرجت من ورشتي بعد انتهاء الانفجار أركض مثل شارلي شابلن لكن دونما عصا في جو ملؤه الفوضى والصراخ والدم والقتلى والجرحى والأشلاء تملأ السوق. صار المكان بشعاً، ريح حمراء عصفت بالسوق والناس وكل شيء  جعلت أرض أور أرض دم.  أرى الدمار طال كل شيء. هشم موجودات السوق وجعل الناس أشلاء، وكل شيء منقلب رأساً على عقب، بقع الدم تملأ أسفلت الشارع والجدران وهامات النخيل اكتوت بدماء القتلى والجرحى، حفرة كبيرة ملئت بجثثهم ودمائهم وبضاعتهم وبضاعة المحال التجارية وزجاج واجهات المحلات محطم، البضائع اختلطت بدماء الأبرياء، صار شائعاً رؤية الأجساد الممزقة بعد كل انفجار، خرجت وسط الدمار مرعوباً منهك القوى والروح، هرعت من محلي هلعاً خائفاً، هنالك حشد من الناجين ملطخ بالدم والوحل يحتشدون فوق شيء ما، يضربونه بشدّة، ظننته لأول وهلة إرهابياً ثانياً يحاول تفجير نفسه، فعادة ما يعمد الإرهابيون إلى تفجير مزدوج، بعد أن ينتهي التفجير الأول، يتجمع الناس لإنقاذ الجرحى، يفجر إرهابي ثان نفسه، كل من في السوق يضرب شخصاً ما، يصرخون أمسكنا الإرهابي الذي فجر العبوة الناسفة، صدق حدسي، تدافعت بين المحتشدين شاقاً لنفسي طريقاً وسطهم، بصعوبة بالغة أبعدتهم ، أزحتهم، تدافعت معهم حتى وصلت إلى الإرهابي، رأيته، إنه: يحيى المنغولي ! قد فارق الحياة لكثرة ما تلقى من ضربات مميتة، جسده مدمى، يمسك بيده اليمنى جهاز التحكم عن بعد خاصته، مات هادئ البال مطمئناً، تلقى موته ببسالة ورباطة جأش، مبتسماً رغم أنف الموت وقد ارتسمت ابتسامة عذبة فوق شفتيه الشبيهتين بفم السمكة، عيناه المنغوليتان تطالعاني بحسرة فيها لوعة، فيها تعبير طفل مرعوب عوقب عقاباً قاسياً. جثوت عليه غير مصدق، راحت دموعي تتساقط عليه، تمطره. إذ أن الناجين يعتقدون انه من فجر العبوة الناسفة وسط السوق، رحت أصرخ في وجوههم المرعوبة مزيلاً اللبس الحاصل، أخبرتهم الحقيقة، مقتله أشعل قلبي بالحزن، شعرت بنفسي وحيداً واحتضنته، شعرت بقلبي حزيناً على مقتله في تلك اللحظات غربت شمسه، ألقت غبارها على قلبي، انطفأت شمسه، سرقت منه حياته، سرقوها، رحت أبكي بحرقة عليه، حلمه أصلاح جهاز التحكم والستلايت ليرى العالم، كان طائراً مكسور الجناح، كيف يستطيع الخروج من أور. مرّ موته صاخباً وبألم كبير، مرقت فوقنا سحابة بيضاء قريبة غطت عالمنا القاسي، نظرت صوبها وهي تحجب الشمس الحمراء المتوهجة المستديرة العمودية وسط سماء رصاصية داكنة، دوى صوت انفجار ثان.

أتذكر أشياء كثيرة أخرى عنها، مثلاً: شعرها الذي تصبغه بألوان غريبة. صبغته مرة بالأزرق الباستيلي الجذاب الشبيه بالأزرق الذي يرسم به التعبيريون الألمان معاطف نسائهم. مرة صبغته بالأخضر اللون الذي يفضله السياسيون المدافعون عن البيئة، آخر مرة صبغته باللون الأحمر. رائق وقان شبيه برايات الحركات الثورية، سبارتاكوس، بادرماينهوف، الألوية الحمراء. كنا ذلك الوقت نمشي في شارع فيه الكثير من غائط الكلاب وشجر الدلّب، كان الوقت شتاءً وهي تدخّن سجائر ثقيلة الرائحة، وتزيح خصلات شعرها المصبوغة بالأحمر براحة يدها، خشيت أن تكون صبغة مؤقتة. وعندما مشينا من دون مظلة راعني أن يسقط لونه ويسيل على وجهها مع ماء المطر.

كانت لها عينان زرقاوان وأنف أفطس. أنفٌ جميلٌ ومغرٍ أشبه بأنف الراهبة. ذكرت لي أنها لا تريد أن تشبه أحداً في هذا العالم، فهي تكره والدها السكير وتكره أمها التي هجرتها وهي طفلة. قالت إنها تمنت في طفولتها أن يكون أبوها طيراً وأمها سلحفاة، وربما استبدلتهما بحيوانات أخرى، فكانت لا تستقر على رأي أبداً، فهي غالباً ما تغير أسماء الحيوانات الذين تستبدل بهم والدها ووالدتها، فهم فيلة وقرود وجمال وخنازير من دون عقائد سياسية ولا كتب مقدّسة.

أتذكر أني رأيتها مرة أو مرتين مع نادل في البار الذي أذهب له كل مساء، تدخن الحشيشة. مرة سمعتها تتحدث بكلمات بذيئة على طاولة رجل مسنّ في نفس البار الرخيص في الحي الذي يعمل فيه النادل. ربما هو طلب منها هذا مقابل نقود، فقد ذكرت لي مرة أن الحصول على النقود من عمل أشياء بذيئة أسهل من الحصول على النقود من عمل أشياء صالحة. لا أتذكّر بأية لغة كانت تقول الكلمات البذيئة ولا أعرف حتى الآن إن كنت فهمتها بالألمانية بشكل صحيح.

مرة هبطت سكرانة من سيارة أجرة. سقطت على الرصيف كحبة قمح صلبة تهاوت تحت ضربات منجل. قالت لي أن صديقها الجديد طردها من منزله، نام معها ثم سرق محفظة نقودها من حقيبتها وحين احتجت ضربها ودفعها إلى الشارع. حملتها إلى شقتها وهي تتكأ على كتفي. على السلم تقيأت على ملابسي. في الداخل كل شيء في فوضى عارمة، ملابسها مبعثرة فوق السرير، أحذيتها متناثرة على الأرضية، بقايا عشاءها بائت على طاولة صغيرة. الصحون لم تغسل منذ يومين، والمنفضة مملوءة بأعقاب السكائر. خلعت لها ملابسها ورميتها في سلة الغسيل في الحمام، ووضعتها في سريرها عارية.

حلمت بها مرات عديدة وهي عارية في السرير. تشرب البيرة أو تدخن الحشيشة. مرة حلمت بها في حجرتي، كانت الشمس تخترق الستائر وتصل إلى السرير. وهي ممددة على بطنها وسروالها منزوع حتى كاحليها وتقرأ كتاب ماركس. لا أعرف بأية لغة كانت تقرأه، فقد ذكرت لي في إحدى المرات أنها ألمانية. لا أتذكر في أي سياق كنا نتحدث ولا حتى في أية لغة ولا أعرف لماذا حدثتني عن الألمانية وعن عذريتها التي فقدتها وهي في الرابعة عشر مع فتى روسي يكبرها بعشرة أعوام في العمارة التي كانت تقطنها. قالت كان طيباً معها، لكنهما حينما يدخنان الحشيشة أو الهيرويين يتشاجران فيضربها حتى يدمي وجهها. ذكرت لي إنها تشتاق لصديق آخر قتلته عصابة جيورجية في تبليسي قبل عامين.

 زارتني مرة في منزلي. كانت في مزاج رائع. شربت البيرة وهي متمددة في سريري. دخنت الحشيشة وهي عارية تماماً. الشمس تنعكس على وجهها وكتب ماركس موضوعة على الكومدينو أو على الطاولة أو حتى مرمية عند أقدامها في السرير. كتب كثيرة، بالألمانية أو بلغات أخرى. لم تعبأ بها لأنها كانت تتكلم كثيراً، بل لم تتوقف عن الكلام أبداً. خلعت بنطلونها الجينز وقميصها الأحمر اللاصق ورمت كالسونها على الكرسي وهي تتكلم، ربما بالألمانية وربما بلغة أخرى. فأنا إلى الآن أراها في احلامي وهي ترتدي بنطلونها الضيق المخزّق من عند الركبة وتحت المؤخرة، وقميصها الأحمر اللاصق الذي يكشف عن بطنها، والبيرسنغ الفضي في أنفها تدخن الحشيشة وتتحدث دون انقطاع. 

قالت لي مرة إنها قرأت كتاباً واحداً فقط في حياتها وأثر بها كثيراً، ربما هذا الكتاب هو لوليتا نابوكوف أو كتاب آخر. لا أتذكر إن هي أخبرتني عن لوليتا في أحلامي، أو أخبرتني عنها في الواقع. سواء أكان في الأحلام أو في الواقع، فهذا لا يغير شيئاً. فالأحداث العظيمة تولد من الدم والمني والقوة، وهي تتحجر أحياناً في التاريخ وتصبح كتباً مقدسة. إذن لا معنى لأحلامي طالما كنت ألتقي بها كل يوم تقريباً أحياناً أمام البار وأنا أحمل كتاب ماركس بيدي. أحياناً في باب العمارة وأنا أهم بالذهاب إلى معهد اللغة الألمانية. أحياناً في شقتي حين يداهمها الضجر فتلجأ لي، أحياناً في شقتها حين تعود ثملة وقد استنفدت كل نقودها على الحشيشة.

ولكن لا أعرف إن قرأت لوليتا بالألمانية أم بالروسية، فقد قالت لي مرة أن صديقها الذي فقدت عذريتها معه روسي من بطرسبورغ، وكان يجبرها على فعل أشياء بذيئة. وأن الرجال جميعهم يجبرونها على عمل أشياء بذيئة وهي لا تهتم بذلك، لأنهم يشعرون بالضجر فيبحثون عن شيء آخر في الطبيعة الساكنة والمتجمدة بقرف. لا تبالي إن كان أمامي أو في ماخور تخلع جميع ملابسها تحت ضوئه الأحمر، وتتلوى على عمود في الوسط تحت عيون الرجال الغامضين، والهمهمات المقتضبة التي تختلط بموسيقى الأماكن المغلقة.

إنها مجرد فتاة طيبة لا أكثر، ترى في الظل الجثث التي لا يريد رجال البوليس رؤيتها. لا تهتم بماركس ولا بلوليتا ولا بنابكوف. تهتم فقط بساقيها الجذابتين وبكلماتها البذيئة التي تكسب منها الكثير من المال. تهتم بمعطفها الأسود الذي اشتراه لها رئيس العصابة اليمينية الذي يحلق شعره ويقود الدراجة النارية ويقلق جميع المهاجرين. لا يبدو الأمر غريباً على أحد، فهي فتاة طيبة، زارتني كثيراً في شقتي، تتمدد عارية على سريري. تعبث بكتب ماركس بقدمها لتسقطها من حافة السرير. تستلقي على ظهرها وهي تدخن سجائر رائحتها ثقيلة. لها صدر صلب صغير. بطنها ضامرة. وثمة شق بين ساقيها نصفه عانة حمراء ونصفه قهوة. تشرب البيرة أحياناً، تدخن الحشيشة، تذهب إلى الحمام عارية وحين تعود تمسح قطرات الماء عن عانتها وترمي الكلينكس في السلة.

في المرة الأخيرة قبل اختفائها بيومين طلبت مني أن أكتب على ظهرها بسكين صغيرة تحملها معها، ليكون آخر تاتو لها كلمات بذيئة بالعربية، لا أعرف إن كنت كتبتها بالعربية أو بالألمانية، أو كنت كتبت كلمات بذيئة أو كلمات ثورية، لكن بعد أن نشف الدم والحبر، أخذنا نسمع موسيقى ثقيلة، موسيقى بلا لغة، وبعد أن تعبنا من الجنس والرقص جلست على حافة سريري متعرّقة وأخذت تدخن مثل أية فتاة ضائعة.   

 

–     يا باتي يا باتي نصراني دايخ يالا البير، نصراني دايخ يالا البير.

–      معاه بندقة؟

–      لا يا باتي، معاه زمّارة سمعت زعيقها  قبل ما نوصل البير.

–      إن شاء الله خير يا خويرة، جيبي الحصان وخلّي خوتك يلحقوني.

 كان الشّابّ في حالة حرجة، أنفاسه متقطّعة، وتكسو أطرافه جروح وتقرّحات، أسعفه الحاجّ مفتاح بابتسامة ونظرة حنان، وبلّل فمه بقطرات ماء، وظلّ يهدّئ من روعه بكلمات مليئة بمعانٍ مألوفة مثل: سلامات عليك وإن شاء الله لا بأس وكن بخير ومرحبا، شرحت قلب الألمانيّ، وبثّت فيه الطّمأنينة.

عرف الحاج مفتاح من إشارات الفتى أنّه تابع للجيش الألمانيّ، وأنّه ليس بمقاتل، وإنّما هو عضو في الفرقة الموسيقيّة المصاحبة للجيش، تلك الّتي تعزف موسيقاها عند تشييع القتلى أو حين يتقدّم الجنود.

وصل أبناء الحاج مفتاح مع بعض أبناء عمومته وجيرانه إلى البئر، ممتشقين المتاح من أسلحتهم: بنادق صيد، هراوات سيوف، وغيرها.

حملوا الجنديّ إلى النّجع 1، وهناك اهتمّت به الحاجّة مقبولة جدّة الأولاد، فدفّأته بعباءة صوف وطهّرت جروحه، أمّا أصابعه المتقرّحة فدهنتها بزيت الزّيتون، ثمّ وضعت قدميه المتورّمتين في ماء دافئ. قدّمت له بعد ذلك طعامًا طازجًا: حساء زعتر، وخبز تنّور، وطبقًا من البيض المقليّ، وقطعة من جبن الماعز.

انتهى الألمانيّ سريعًا من طعامه، فقد كان جائعًا جدًّا، كلّ لقمة يضعها في فمه تستدرج أختها في الطّبق، حتّى جاء على ما فيه، ولعلّه ردّد بينه وبين نفسه أنّه لم يتذوّق قطّ طيلة عمره ما هو أطيب ممّا أكل. إنّه طعام مبارك بثّ في داخله الرّاحة. ولقد ازدادت بهجته بما وجده من لدن العائلة من عطف، ومن نظرات دافئة استشعر عبرها أنّه سعيد جدًّا كما لو أنّه بين أهله، فاتّسعت ابتسامته، وتدفّق في طلعته الدّم، فاحمرّت وجنتاه كثمرة طماطم، ودمعت عيناه عرفانًا وشكرًا.

لم يكن بينهم من يتكلّم الألمانيّة أو الإنجليزيّة متى استثنينا بضع كلمات عامّة وبسيطة تعلّموها فترة الحرب، بفضل اختلاطهم القصير والخاطف بالمتحاربين العابرين الّذين يعيشون حالة كرّ وفرّ، ممّن كانوا يقايضونهم بعض السّلع والمستلزمات اليوميّة عند الضّرورة، أو ما تسنّى لهم أن يلتقطوه من ألسنة السّيّاح قبل نشوب الحرب، حين كانت حركة السّياحة في المنطقة نشطة. كان معظم السّيّاح يأتون إلى طبرق وضواحيها طلبًا للدّفء والاستمتاع بالشّمس والبحر أو بغاية صيد الجوارج والغزلان، أو لطرق بوّابة الصّحراء بهدف التّمتع بجلال الصّمت والنّقاء وللاستشفاء بالحمّامات الرّمليّة.

استكملوا تفاهمهم مع الألمانيّ بالإشارات، وقال له الحاج جويدة ابن عمّ الحاج  مفتاح رافعًا سبّابته وهو لا يدري ما إذا كان يفهمه أم لا:

– شهادة من ديني أنّي رافقت الجرمان في البرّ والصّحراء أكثر من مرّة، ونشهد بالله أنّهم ناس خيرة.

ولشرح كلامه للألمانيّ جاور بين سبّابتيه وحكّ إحداهما بالأخرى ليبلغه مراده مستعينًا بكلمات مثل “ليبيا جرمني قود فريند قود براضر”. فهزّ الجنديّ الألمانيّ رأسه مبتسمًا دلالةً على أنّه فهم ما يرمي إليه الحاج جويدة من معنى الصّداقة والأخوّة بين الألمان واللّيبيّين. 

فهم الألمانيّ، عبر المفردات القليلة وما تبادله مع الجماعة من إشارات، أنّهم سينقلونه إلى مكان آخر أكثر أمنًا، فنجعهم هذا قريب من الطّريق السّاحليّة ودوريّات الجيش الإنجليزيّ وحلفائهم قد تمرّ في أيّ وقت للتّفتيش. قال له الحاج مفتاح وهو يُجاور بين رسغيه كأنّهما مقيّدان:

– بعدها جندي ألماني فيه كلبوش 2.

فهم الجنديّ كلمة كلبوش، وتدعّم فهمه أكثر بالرّسم الّذي خطّه الحاجّ مفتاح بسبّابته على التّراب، ليدرك أنّ المكان الّذي سيأخذونه إليه قد يكون مغارةً أو كهفًا.

قال الحاجّ لابنه:

 ركض ابنه إلى زريبة المواشي وجرّ الموسى على شاة سمينة، تعاون مع إخوته على سلخها بينما أوقدت نساء العائلة النّار في حطب يصنع فرقعات كأنّها ألعاب ناريّة، فتعالى دخان رائحته عطرة، وجيء سريعًا بسفرة مشويّات إلى الألمانيّ، شهيّة مزدانة بشرائح اللّيمون والطّماطم وقرون الفلفل الأخضر، مع قدَح لبن رائب تعلوه رغوة فقاقيع ظريفة كالّتي تعلو كوب البيرّة.

أشعره الطّعام اللّذيذ بأنّه ليس شريدًا في حرب داخل أراضٍ غريبة عنه، وإنّما في زردة ربيعيّة على ضفاف نهر الرّاين في بون، حيث ولد وعاش وتفنّن في الموسيقى بمعهد بتهوفن، وعندما اندلعت الحرب تمّ تجنيده لها كأغلب أقرانه، فشارك في معارك عديدة لم يكن فيها مقاتلًا، بل عازف بوق وظيفته التّحميس، أو الإيعاز في الجند، وفقًا لأوامر قائده، بالجمع والتّفرّق وبالهجوم والانسحاب.

وعندما احتاج الجيش إلى عازفين للسّفر إلى شمال أفريقيا، حيث ستنتقل الحرب رفع بوقه موافقًا، إذ رغبت نفسه في طرق آفاق جديدة دافئة طالما قرأ عنها في آثار من الأدبين، الألمانيّ والأوروبّيّ، تتحدّث عن الشّرق، بعضها لجوته وتولستوي وفولتير وكفافيس، وآثار أخرى عديدة بعضها يونانيّ وبعضها إيطاليّ. فهم منها، في ما فهم، أنّ الرّياح هناك تعزف الموسيقى في كلّ فصول السّنة، وموج البحر يغنّي، والأشجار ترقص، أمّا العصافير فتجاهل ما جاء بشأنها على ألسنة الشّعراء، لأنّه يعتبر مجرّد النّظر إليها قصيدة.

تمّ ضمّه إلى جيوش رومل ونزل أوّلًا في جزيرة جربة بتونس، ومنها تقدّم معهم شرقًا منتصرًا حتّى العلمين، ولكن بعد جهد خرافيّ لثلاث سنوات من الحرب تقريبًا، لم يتحقّق لهم النّصر الحاسم بالوصول إلى قناة السويس، وهُزِموا في النّهاية من قبل المارشال الإنجليزيّ مونتجمري في العلمين نتيجة نقص في الإمدادات من الوقود بالإضافة إلى أنّ قائدهم إرفين استدعى رومل بسبب مرضه أو لاستغلاله في جبهة أخرى أهمّ. وعانى جنود الجيش الألمانيّ كثيرًا من تداعيات الهزيمة، فمات بعضهم وأُسر البعض الآخر، أمّا من انسحب سريعًا إلى أقصى الغرب صوب تونس فكان مصيره الأسر. لكنّ الجنديّ عازف البوق لم يستسلم وتقهقر ببطء حتّى وصل قرب طبرق، وهناك كان في حالة إعياء شديد فقادته غريزة البقاء إلى البئر، قال في نفسه: الماء مثل الموسيقى أمان، وأن أبقى في أرض أعرفها مكثت فيها أكثر من سنتين أفضل من مواصلة الانسحاب والفرار نحو المجهول، هنا النّاس طيّبون وكرماء رغم ظروف الحرب الّتي شرّدتهم وأحرقت زرعهم وضرعهم وشجرهم.

أثناء تقهقره غربًا هربًا من الموت أو الأسر لم يكن معه شيء سوى بوقه وزمزميّته الفارغة، ولم تكن معه بوصلة لتحديد الاتّجاهات، فكلّ مستلزماته الحربيّة -باستثناء ملابسه الّتي نزع عنها كلّ الشّعارات- تخلّص منها في الطّريق حتّى لا تدلّ على هويّته إن رصده منظار الأعداء أو صادف أحد الوشاة في الطّريق، وحتّى يتخفّف من ثقلها وهو يكابد نقصًا في الماء وشحّا في الزّاد.

في تقهقره كان يقتفي أثر الإبل، يقول: الإبل هي الماء هي الحياة. وكان بعد مسيرة يوم أو نصف يوم يعثر بالفعل على بئر أو معطن يشرب منه ويغتسل ويملأ زمزميّته، وإن استلطف ناقة عزف لها لحنًا غليظا كرغاء جمل يشتهيها حتّى تستأنس له، ومن ثمّ ينحني تحتها ويحلب منها في زمزميّته أو يرضع من الضّرع رأسًا، ولا ينسى في كلّ مرّة أن يسكب على يديه المتقرّحتين قطرات من  لبن الإبل، أو حتّى بولها إن صادفه جمل يتبوّل، فهو يعرف من كتب الطّبّ القديم أنّ اللّبن والبول يطهّران الجروح والقروح. وعندما تنطلق الإبل من جديد في رحلتها يتبعها، لم يكن يثق في الطّيور الّتي ستقوده حتمًا نحو البساتين والبحر، حيث دوريّات الحلفاء ومن تحالف معهم من السّكّان المحلّيّين بحجّة التّخلّص من الطّليان الّذين يحتلّون ليبيا آنذاك. أمّا المتحالفون معنا نحن الألمان فهم للأسف دون فائدة، فقد كانوا عبئا كبيرًا أعاقنا في أكثر من معركة.

 لكنّ الإبل لن تقوده سوى إلى الماء البعيد عن العمران والزّحام. كان وقتًا طيّبًا يقضيه صحبة الإبل كأنّه راعٍ لها، وكان لها بمنزلة الحادي يغنّي ويعزف جاعلًا من وقع أخفافها على الأرض إيقاعًا يواكبه، يقول: أنا أغنّي وأعزف والإبل تنقر لي بأخفافها على طبل الأرض، إن كانت الأرض رمليّة فللإيقاع نكهة الرّمل ومتى كانت ترابيّة فله نكهة التّراب، وإذا كانت صخريّة فله نكهة الصّخر، وإن كانت سبخيّة فله نكهة الملح، أمّا إذا كانت بركانيّة فله نكهة النّار. يقول أيضا: لم أكن أنا من يقرّر اللّحن أو الأغنية الّتي أغنّيها وإنّما تفعل ذلك الإبلُ، تفرض إيقاعها فأواكبها بالعمل الفنّيّ الملائم، وغالبا ما يكون العمل لأحد معشوقيه، بتهوفن أو موزارت. شجيّ هو طبل الأرض، ساحرة هي أخفاف الجمال.

صارت الإبل هي ضابط الإيقاع ومايسترو الفرقة دون أن تقصد ذلك، فقد استأنست بشكل مّا عزفَ بوقه، فما عادت تجفل عندما يقترب منها حدّ الالتصاق بها والتمسّح والتّربيت على رقابها وشحوم سنامها الصّلبة، بل نجح في أن يجعل قعودًا صغيرًا يبرك ثمّ يقف بهمهمة من صوته ونفخات زاعقة من بوقه. أعجبته جدًّا السّمات الموشومة على أفخاذ الإبل وصدورها ورقابها، تلك الّتي يصنعها أصحابها بواسطة النّار كصكّ ملكيّة مقدّس، فلكلّ إبلِ قبيلةٍ سمة تخصّها معروفة لدى كلّ القبائل في الواحات والصّحراء وفي أطراف المدن. الطّريف أنّه يتبع قطيع إبل كبير به سمات مختلفة لعلّ الحرب جمّعتها من مراعيها المتفرّقة ليستأنس بعضها ببعض وتبتعد عن الموت معًا، سمات متنوّعة صنعتها نار الهويّة لا نار الدّمار: خطّان… دائرة… مثلّث… خطّ واحد… خطّان متقاطعان… خطّ في نهايته دائرة، إلخ… وعندما تأمن الإبل بابتعادها من لهيب الموت وترتوي جميعها من المعطن المشاع، تبدأ في المغادرة، كلّ قطيع  تشابهت علاماته يرحل في اتّجاه مضارب قبيلته، أمّا هو فلا يعرف مع أيّ قطيع يذهب، وإلى أيّ قطيع ينضمّ، ولحكمة مّا في نفسه يختار أقلّ القطعان عددًا فيتبعه.

لم تكن صحّته تسعفه لمواكبة قطعان الإبل ومتابعتها وهي الّتي لا تكلّ ولا تملّ من المشي. ومع بعض العواصف الرّمليّة الّتي فاجأته في الطّريق ضيّع أثرها تمامًا، ووجد نفسه على أرض طينيّة باهتة تنبثق منها بعض الصّخور الملساء المحاطة بنبْتات رماديّة متشبّعة بالماء وتنتشر حولها برك سبخيّة مكتظّة بنبات الدّيس القاسي. تأمّل الطّين لاقتفاء أخفاف الإبل، لكنّه لم يجدها ووجد آثار حيوانات أخرى مع آثار عجلات لشاحنات ومدرّعات وجنازير دبّابات، فصار لا يتحرّك في المكان إلّا ليلًا. كان يخبط في حركته خبط عشواء، لا منهج للمسير ولا وجهة معيّنة، وأخيرًا نفد منه الماء تمامًا واستبدّ به الجوع، فقرّر في النّهاية أن يقترب قليلًا من العمران لعلّ رحمة يسوع والعذراء ومعجزاتهما تحفّ به. كان يسمع أصوات شياه وماعز ونهيق حمير وعواء ذئب أبحّه الجوع. تتبّع أثر الصّوت بأذنه الموسيقيّة المرهفة وهو في قمّة الإعياء، وعندما اقترب من خيال يشبه فوّهة البئر استجمع قواه، وبآخر ما يملك من أنفاس نفخ في بوقه ثمّ خرّ مغشيّا عليه.

عندما فتح عينيه بعد غفوة ساعتَين أو ثلاث بسبب التّعب الشّديد والإرهاق والطّعام الشّهيّ الّذي تناوله، ووجد الحاج مفتاح وبعض أبنائه يحيطون به مبتسمين، تلمّس جانبه بسرعة كمَن افتقد شيئًا عزيزًا، فابتسم الحاج مفتاح وقال وهو يمسّ صدره بكفّه مرّاتٍ أمارةً على الاطمئنان:

– إنّه هناك في الحفظ والصّونّ، اطمئنّ ، هاتِ زمّارته يا بنت.

 جاءت خويرة بالبوق:

– جلّيتها بقشور اللّيمون وها هي تبرق كما الذّهب.

ابتسم الألمانيّ عندما رأى بوقه نظيفًا لامعًا تنعكس عليه أشعّة الشّمس المتسرّبة من فتحةٍ بِرواق الخيمة، وشكر الجميع بعينيه وكلمتَي Vielen Dank، أي شكرًا جزيلًا، استلمه منهم، ضمّه إلى صدره، وصار يترقّب ما سيناله من هؤلاء النّاس الّذين احتفوا به وكأنّه ضيف عزيز، وهو مطمئنّ الآن فقد اعتنوا به اعتناء الإنسان بالإنسان وأسعفوه إسعاف الطبيب، ونظّفوا بوقه من سخام الدّخان والأتربة ومن الرّمال الّتي دخلت فتحاته أثناء المعركة، أو ساعة انسحابه الاضطراريّ منها.

بعد دقيقة من عناقه للبوق، جعله بين يديه ونشر أصابعه المدهونة بزيت الزّيتون على أزراره، ثمّ رفع بصره نحو العائلة كأنّه يطلب إذنًا منهم كي يلعب ببوقه قليلًا، أشار إليه الحاج مفتاح برأسه موافقًا أن يُسمعهم لحنًا، وشجّعه بهزّات من رأسه تحثّه أن يبدأ، قال له: ليتك تفهم كلامنا يا رجل لتعرف أنّنا عشّاق موسيقى، وأنّنا لا نخرج للرّعي أو الحرث أو الحصاد إلّا ومزاميرنا وطبولنا تتقدّم الرّكب ونحيي دومًا حفلات الكشك 3، وحفلات الأعراس الّتي تتمّ بين أبناء العشيرة أو عشائر بدويّة أخرى قريبة منّا، انفخ يا رجل، فالحياة عبارة عن نفخة من فم الرّبّ.

لمح بريق فرح في عيون الحاج وأبنائه وبنته الوحيدة، وكذلك في عيني الحاجّة مقبولة الّتي مرّضته وفي عيني زوجته السّيّدة مرعيّة الّتي رفعت رأسها من وراء الرّواق لتسمع وترى. فعرف أنّ كلام الحاج مفتاح مدح للموسيقى وإذْن له بالعزف، فبدأ ينفخ الحياة في بوقه محرّكًا أصابعه لتنبثق في المكان فراشات موسيقيّة تزوره من ريف طفولته في بون، موسيقى هادئة تنشط تدريجيّا فتحفّز السّامع على التّفاعل معها بتمييل أطرافه ورأسه وجذعه وأردافه في حركات راقصة. وعندما انتهى من العزف صفّق له الجميع. وقالت خويرة:

– الّذي سمعته الآن ليس كالزّعيق الّذي سمعته قبل أن أجده فاقدًا للوعي.

قال أبوها:

– ذاك الزّعيق كان موسيقى ألم وطلب نجدة، لكنّ المقطوعة الّتي عزفها الآن موسيقى امتنان للرّبّ الذي أنجاه ووضعه وبوقَه بين أيدٍ أمينة.

    آخر اتّصال هاتفيّ تلقّيته من محرّرتي الأدبيّة بياتريس، كان قبل سبعة أشهر. حاولتْ أن تكون ودودة معي. صارحتني أنّهم في دار النّشر فقدوا صبرهم عليّ في ما يخصّ عقد كتابتي لرواية جديدة، بعد أن أمهلوني سنتين كاملتين، وأنّ عليّ أن أصارحهم إذا أردت تغيير النّاشر. وفي هذه الحالة سيكون عليّ دفع مبلغ ماليّ لفسخ العقد، كما لا يحقّ لِي النّشرُ في دارٍ أخرى باسمِي الـمُستعار الذي اختاروه لي من الأوّل، “برناردو سواريس”، أوه، يا إلهي، مجرّد هذه الفكرة ترعبني. تفهّمتني بياتريس حين أخبرتها بأنّي أعاني من أزمة عجزٍ عن الكتابة، وهي على الأرجح أزمة عابرة، وأنّ الأمر لا يتعلّق أبدا بتغييري لدار النّشر. ولكنّها طلبت منّي أن أتفهّمها أيضا لأنّ إدارة الدّار تضغط عليها. وقبل أن أغلق الخطّ، اتّفقنا على ألاّ أتجاوز المهلة المتّفق عليها لكتابة رواية جديدة. وحتّى أصحاب الـمكتبات أيضا بدأوا يسألونني عن تاريخ صدور روايتي الجديدة لأنّ القّرّاء يسألون، ولم أستطع إجابتهم سوى بأنّي مازلت أشتغل عليها. والحقيقة أنّي بعد كتابة ثلاث روايات تُرجمت إلى خمس عشرة لغةً، وبعد أن نلت جوائز عديدة، أُصبت فجأة بعجز فادح عن الكتابة. وهو ما دفعني إلى ترك فرنسا منذُ سنة ونصفٍ تقريبا، هربًا من مُلاحقة دار النّشر لي، وأيضًا بحثا عن أجواءٍ أخرى قد تكون ملائمةً أكثر للكتابة. هؤلاء الفرنسيّون أوغاد، بقدر ما هم مـحترفون بقدر ما هم أنانيّون وجاحدون. فبالرّغم من كلّ هذه النّجاحات التي حقّقتها، فإنّهم كلّ مرّةً يرمون إليَّ بجائزةٍ صغيرةٍ مثل عظمةٍ لكلب. فضلا عن أنّي طوال إقامتي هناك، بدا وكأنّي أتسوّل الجنسيّة، وهي من أبسط الأشياء التي قد تُمنح إلى كاتبٍ في مقامي: أن يُصبح مواطِنا فرنسيّا.    

    أخبرتني نائلة وهي تلبس “السوتيان” على طرف الفراش، بأنّ عليّ الخروج من البيت وقضاء وقت في الخارج فربّما ساعدني ذلك. وكنت معظم الأحيان أبقى ساعاتٍ طويلة في البيت أتردّد على المكتب من أجل جملة واحدة أكتبها، دون جدوى. اقترحت عليّ أخذ إجازة قصيرة من عملي وترك تونس العاصمة لبضعة أيّام. وفي الواقع لا أعرف هل أنّ عملي يستحقّ فعلا تسمية “عمل”. فقد كنت أشتغل مدير تحرير مجلّة نسائيّة لا أعرف مقرّها ولا تصفّحت يوما أحد أعدادها. كنت أتلقّى النّصوص بالإيميلات من سكرتيرتي، (لا أعرفها أيضا)، ثمّ أرسل إليها تقريرا عنها. هكذا أشتغل. اقتراح نائلة الأخير كان الذّهاب في جولة إلى قرية “بني مطير” الهادئة والبعيدة عن ضجّة العاصمة. ولكنّي رفضت بإشارة من رأسي وذكّرتها بأنّ عليها اللّحاق بموعد الطّائرة التي تشتغل عليها كمضيّفة.

    انتهت من ارتداء حذائها الجلديّ الطّويل. لامستْ خصلةً بيضاء في شعري وقبّلتني، ثمّ تمنّت لي حظّا موفّقا وغادرت.

      صرتُ أشرب كلّ ليلة. تقريبا أدمنتُ الكحول. وكلّ يوم أجلس على مكتبي وراء حاسوبي ولا شيء جديد. حاولت الاستعانة بمقاطع لموسيقيّين أحبّهم ولكن دون جدوى: جون ميشال جار، ليو فيري، وجاك بريل، ولا جملة استطعت كتابتها. حاولت تغيير عادتي في الكتابة مباشرةً على الحاسوب إلى الكتابة بالقلم. ولكنّ قمّة الصّفحة الأولى للورقة البيضاء امتلأت بالنّقط السّوداء للحبر. حاولت الاستعانة بقراءة رواياتي المفضّلة، مثل “لاعب الشطرنج” لستيفان زفايج و”الموت في فينيسيا” لتوماس مان وغيرها ولكنّ ذلك لم يساعدني. أيضا قرأتُ العديد من المقالات التي تشرح ما يسمّى بمرض “أعراض الورقة البيضاء” وحاولتُ تطبيق بعض الحلول المقترحة مثل قراءة دليل الهاتف، ولكن دون جدوى. أعرف أنّ “باتريك موديانو” يفعلُ هذا دائما، ودون المرور بأيّ حالة عجز. فقبل أن ينطلق بكتابة رواية، يختار أسماء شخصيّاته من دليل هاتف قديم مات أصحابه. رأيته يتحدّث في التّلفاز كيف يجلسُ وراء مكتبه ويستعملُ عدسته المكبّرة لقراءة الدّليل. ولكنّي لا أحبّ “موديانو” ورواياته ولا دليل هاتِفِه وعدسته المكبّرة. لم أستطع معرفة سبب هذا العجز الفظيع. فكّرت في زيارة طبيب نفسانيّ، ولكنّي سرعان ما عدلت عن ذلك لأنّي لم أرد أن يعلم أحد بأنّ برناردو سواريس أصبح فجأة ودون سبب، عاجزا عن الكتابة.

    كانت علاقاتي العائليّة سطحيّة جدّا، بالأخصّ بعد موت والديَّ. وبالنّسبة إلى أختيَّ، فقد انشغلت كلّ واحدة منهما بحياتها. لم نكن نلتقي سوى مصادفة أو في مناسبات نادرة لنتبادل نفس العبارات المبتذلة. ولا أعرف إن كان بيننا أيّ شيءٍ مشترك نستطيع الحديث بخصوصه. وبينما كنت أحاولُ الخروج من هذه المعاناة اليوميّة في العجز عن الكتابة، رنّ هاتفي على رقمٍ لا أعرفه. أجبت:

    كدت أقطع الاتّصال لولا تفكيري لوهلة بأنّ المتّصل ربّما يكون قارئا، وقطع الاتّصال سيسيء إلى سمعتي، وسيُقال بأنّ برناردو سواريس كاتب لا يحترم قرّاءه. لذلك تريّثت وقلت:

ضحك المتّصل وقال:

    تساءلت ما الذي يريده منّي؟ وبالأخصّ أنّ الوقت غير ملائم أبدا لثرثرة معه في مقهى. قلت:

    لم أستطع الرّفض. بالأخصّ وقد علمت الآن أنّه لا يودّ لقائي لمجرّد اللّقاء، ولكنّ الأمر يتعلّق بتقديم مساعدة له. وخمّنت بأنّه ربّما بحاجة إلى بعض المال أو إلى تدخّل من أجل عمل، وهذه أشياء لا أستطيع صدّه بسببها أبدا، لذلك وافقت على لقائه في الغد.

    كان موعدي معه أمام فندق “أفريكا”. وجدته يقف في انتظاري أمام الفندق مرتديا زيّا رسميّا قديما وحاملا حقيبة جلديّة سوداء. بدا لي أنّ ملامحه تغيّرت بعض الشّيء، فلم أره منذ مدّة طويلة. ابتسم إليّ مظهرا سنّيه الأماميّين الكبيرين والمصفرّين من آثار تدخين “الكريستال”. صافحني بقبضة شديدة ثمّ سحبني نحوه واحتضنني ضاربا بكفّه ضربتين قويّتين على ظهري جعلتاني أسعل. وبعد السّؤال الاعتيادي عن أحوال بعضنا البعض، دخلنا إلى الفندق. أخبرني أنّه يرغب بشرب البيرة. كان الوقت مبكّرا قليلا على الشُّرب، فقد كانت السّاعة قرابة منتصف النّهار. ومع ذلك لم أرد كسر خاطره. جلسنا إلى البار. طلبنا من النّادل زجاجتي “سلتيا”. أنهى زجاجته بجرعة واحدة مباشرة دون حتّى أن يسكبها في الكأس. طلب واحدة ثانية. قلت:

أنهى زجاجته الثّانية وطلب ثالثة وأنا أتابعه مبتسما. تجشّأ بصوت عال وقال:

   – الآن أشعر أنّي متماسك يا ولد عمّي.

ضحكت وكي أستدرجه للحديث قلت:

أجاب:

تعالت ضحكاتنا معا. أشعلت سيجارة ثمّ قلت:

    انتظرتُ أن يدخل مباشرة في الموضوع، ويخبرني كيف أستطيع مساعدته. ولكنّه بدأ يتحدّث عن الأدب. وانقضت ساعة كاملة وهو يحدّثني عن كتبٍ قرأها ومعظمها لأدباء من أمريكا اللاّتينيّة. ماركيز وبينيديتي ويوسا وكورتاثار وبولانيو. كان يطلب لنا البيرة ويتابع الحديث. فاجأتني ثقافته. لاحظت أنّ لديه حاجةً مكبوتة للحديث في الأدب. تفهّمتُ ذلك، فقلّما يوجد شخص في القرية يستطيع فهم هذه المسائل المعقّدة. ولكنّي بقيتُ في الأثناء أتساءل عن الأمر الذي جاء من أجله، وهل سيبقى طوال اللّقاء يتحدّث عن الأدب؟ ذهبنا واحدا واحدا للتبوّل مرّات عديدة وعدنا، وطلبنا المزيد من البيرة، وجلس أشخاص إلى البار وغادروا، وغيّر لنا النّادل “الكمية” ثلاث مرّات، ومكّي مازال يتحدّث في نفس الموضوع حتّى نسيت أنّه جاء من أجل شيء مّا. بدأ يناقشني في رواياتي وبدا واضحا أنّه قرأها كلّها. وبعد انقضاء ساعتين ونصف تقريبا، أخبرني أنّ عليه أن يذهب. قلت:

    أخذ حقيبته من تحت كرسيّ البار الطّويل. فتحها. سحب منها مطبوعة مشدودة “بالسّبيرال” وقدّمها إليّ. فوجئت عندما قرأت ما كتب على الصّفحة الأولى: مكّي حميّد.

 

أشجار التين الشوكي كما أعرفها قصيرة القامة دوما، على خلاف تلك التي توجد في القرية التي يعيش فيها جدي، فقد كانت باسقة، متطاولة في السماء، متكاثفة إلى حدود أنها تنبئ بسرّ يختفي دوما في تلافيفها. وما عمق  هذا الإحساس لدي، وجعلني أدرك أنها أشجار غير بريئة، هو رؤيتي في يوم ما لصديقتنا الجميلة البيضاء “جنة” وهي تعدو، محاولة التستر خلف أغصان هذه الأشجار وخلف أوراقها المنتفخة العريضة، وكأنها بطلة حكاية خرافية تفر من مملكة مرعبة.

كانت حبيبات العرق المتصبب من جبينها تزيد من حمرة وجنتيها، وحين أوشكت أن تصطدم بي، سرت في جسدي قشعريرة أشبه بالصعقة الغريبة، بدت لي جنة وكأنها ليست من نفس جنسي، مع أنني أعرفها جيدا وسبق لي أن رأيتها أكثر من مرة تستحم كما ولدتها أمها؛ فلها نهدان جموحان يشبهان نهدي بالتحديد. ولكن جنة كانت تختلف عني في الكثير من خبايا نفسها، فهي على خلاف أغلب فتيات القرية، كانت دائمة الذهول، وكأنها تعيش بيننا وتنظر بعينيها إلى عالم آخر لا نعرف عنه أي شيء. وما يزيد من غرابتها لون عينيها اللوزيتين اللتين يطغى عليهما اللون الأزرق السماوي الذي جعلها حديث القرية كلها. ورغم ما كان يقال عنها وعن عينيها، فإنني لم أفهم شيئا عن هذا الذهول الذي يتصاعد منهما، إلا حين كبرت وأصبحت أفهم إشارات الكبار التي تتحدث عن الجن الذين سكنوا جنة والذين  سجنوها في صندوق لا يُرى اسمه الرغبة.

كانت جنة صديقتي في أيام العطل الصيفية؛ أنا القادمة من زحام المدن، كنت شغوفة جدا بها؛ الفتاة الجميلة، الشقراء، زرقاء العينين، مثل السماء الصافية في الأيام الحارقة، كانت فتاة لا تخاف، وكانت جدتي تحذرنا منها كثيرا وتسرد كلمات لم أكن أفهم معناها بلهجتها البدوية التي لم نألفها: “هذيك زفانية”  1. لم يكن تحذير جدتي ذا أثر علي، فقد كنت أجد متعة في مجالستها والحديث معها، ذلك أن الضوء المنبثق من عينيها كان يشعرني بمغادرة هذا العالم والانفصال عن نفسي وتحولي إلى مجرد طيف خفيف. لذلك كثيرا ما كنت أتلمس يدها بحنان كي أنتقل إلى هذه العوالم التي أتصورها أشبه بالجنة. لم تكن جدتي تقبل رفقتي لها، لذلك كانت تعيدني إلى البيت كلما رأتني أركض معها في العرصات الشاسعة ونحن ننزع الثياب عن الفزاعات العملاقة الرابضة وسط العنب لإفزاع الطيور، كنا دوما نعبث بالفزاعات العارية، وكان لدي الوهم أننا حين سننزع الثياب سنجد أجسادا حقيقية، لكننا كنا لا نعثر سوى على مجرد قصب معقود بحبال صلبة.

كنت معتادة أن أذهب في أيام الدراسة إلى المدينة، لكن جنة كانت بالنسبة إلي ذلك الوجه الحارق الذي يربطني بهواجس القرية ولعناتها، وكأن بها نوعا من المس المرعب الذي يغذي خيالي الراغب في تصديق  الحكايات التي كانت ترويها جدتي بعد أن يحل الظلام، لكنني حين عدت لآخر مرة أحسست بأن جنة قد تغيرت طبيعتها، وعلت التعاسة وجهها؛  كانت قد انتفخت كثيرا و صارت سمينة أكثر من المعتاد، واختفت  يدها التي كانت تدخلني لعوالم السحر. وفي صباح ثقيل استيقظنا على صراخ حاد، وهرعنا إلى حيث تشير الأصابع، ونظرت مندهشة كما الجميع إلى طفل صغير متكور نائم تحت كومة من القش، كانت حمرة وجنتيه أليفة لدي تماما، وكان هناك جمهور غفير من الأصوات يغمغمون: إنه ابن جنة، شعره  أشقر مثل لون شعرها،  وعيناه!… أنظروا إلى عينيه.

كان الطفل ملاكا صغيرا، عيناه زرقاوان يحيطهما صفاء آسر، وأصابعه الوردية تقبض على شيء ما، وكأنه يمسك بيد تحميه، وكل من يراه يقع في حبه، ومع ذلك الكل كان يلعن جنة في السر والجهر، ويتمنون لو ألقوا بها في جب عميق. أما بالنسبة إلي، فإن مشهد الطفل رسخ في ذاكرتي بأن أطفال الحب هم أكثر جمالا من الآخرين، و لا أدري إن كان الخوف المعجون بالرغبة هو من يمنحهم ذلك البهاء الذي يغذي الأسطورة .

كانت جدتي بين الحضور المتجمهرين، وما إن رأتنا حتى أخذت تحثنا على العودة للبيت، وأومأت لنا بنظرتها الفاتكة، نحن معشر بناتها وبنات بناتها وهي تضغط على مخارج الحروف بقسوة: ألم أقل لكن إنها “زفانية”؟

لكنني لشدة حبي لجنة تسللت ولم أعر كلام جدتي أي اهتمام، وانتظرت طويلا علني أرى جنة مرة أخرى، لكنها اختفت، فقد بدأ الوعيد والشتائم والتهديد يلاحقها في كل المجالس، بل بدأ بعض من يكرهونها، يطاردونها لمعاقبتها وجعلها عبرة للأخريات.

لم يتمكن أحد من رؤيتها ولا الإمساك بها. شاع في القرية أنها امتطت  جوادا أحمر اللون، وأن الجواد حفر الأرض وغاص بها في الأعماق وكأنها فارسة من زمن قديم ، كان الكثير من شباب القرية يبحثون عنها، لكنهم لم يعثروا لها على أثر، وعادوا متعبين،  وكأنهم نفضوا أيديهم من لعنتها. ومن الغريب جدا أن عائلتها احتفظت  بالطفل الملعون والمحبوب معا. وبعد أيام قلائل مات والدها بسبب إحساسه بالعار  ولمعاناته من مرض القلب الذي كان يفرض عليه قلة الحركة ولزوم البيت.

مرت سنوات لم ألتق فيها جنة، لكن اسمها لم ينمح من أحاديث القرية وهواجسها، فقد أكد الكثيرون بأنها تظهر بملابس بيضاء كلما جن الليل، وهي تصدر صوتا كسجع الحمام، تحت أشجار التين الشوكي العالية. وكثيرا ما كانت تنتابني الرغبة في البحث عنها ليلا، لكنني كنت أشعر بالخوف، فقد تسامقت الأشجار بشكل غريب إلى أن أصبحت متعانقة في السماء، وكأنها رؤوس شياطين تعانق بعضها البعض بحنو بالغ.

لا أزال لهذا اليوم أذكر يدها التي كنت أمسك بها كلما التقيتها، فحين كبرت كنت أراها في عيون كل الفتيات اللواتي تشدهن عيونها، وأحسست بنمو أوراق صبار كثيرة وعريضة بداخلي تشبه أوراق الأشجار التي تملأ القرية وتجاور منزل جدي، فكنت ألعن في قرارة نفسي كل أشجار الصبار التي يسميها الآخرون باسم شجرة الشيطان؛ واستعدت وجه جنة وهي تأكل فاكهتها المغطاة بالشوك دون نزع  قشرتها.

كانت فكرة الطرد من الجنة تراودني كل حين، وكأني بكل الأصوات التي كانت تصرخ تستعيد ثأرا قديما للخلق الذي عاد إلى الأرض، وكأن السعادة كامنة في نزع الجنين من الرحم وإخفاء آثار ما جنته الأم. وكثيرا ما كانت تنتابني كوابيس غريبة أستيقظ منها وأنا أصرخ بعد أن أنزع كل الأرحام، وكأنني بذلك أعدم الولادة، ثم أسأل نفسي:

حين كبر الملاك الصغير في القرية بدأت تلاحقه الأعين، فالكل يناديه بابن جنة، لكنها لم تلاحق والده الذي تزوج امرأة أخرى بصمت، وأنجب أبناء وثق أسماءهم وتواريخ ميلادهم، ولم تشر إليه الأصابع، ولم يطرد من الجنة، أتخيل حجم الملائكة الذين يرتعون في الأرض بدون صكوك اعتراف، وأتصور انتقامهم الشديد من جديد من الرحم الذي أنجبهم في صور فتيات جميلات يشبهن جنة، وأحاول لو استطعت أن أعجن العالم من جديد كي لا يموت بعد أن يتلذذ بأكل التين.

كنت دوما أستعيد الطرد من الجنة وكأنه يتكرر في ذهني وأرى الأستاذ يقف قبالتي بصوته القوي وهو يؤكد بأن الخطيئة جعلت الله يطرد آدم وحواء من الجنة، كنت أرى حواء وقد أطرقت خجلا وهي تغادر الجنة وتبكي، وأرى الخلق منذ تلك اللحظة وهم يخطئون ويصرخون ويقتلون ويعشقون ويرغبون ويموتون ويتعلمون وينامون ويستيقظون، ثم أسأل الأستاذ:

– لماذا لم يطردوا عشيق جنة من القرية؟ لقد أكلا معا تلك الفاكهة الملعونة ؟ !

لم تختف جنة تماما، فلشدة ما نسجت حولها من حكايات خارقة، رأيتها في إحدى الليالي الدامسة،  تهبط واقفة فوق غيمة كبيرة وقد اكتملت أنوثتها الشامخة، وكانت تتناسل من يدها نساء كثيرات يشبهنها وهن يتساقطن على الأرض، كان المشهد مخيفا وهي تنظر نظرات حانية إلى الأسفل، وكأنها كانت تروي الأرض من الظمأ، كنت ألتف بملابسي بقوة وصوتي لا يسعفني على الصراخ…

وروت النساء في مجامعهن الخاصة ووشوشاتهن الهامسة بأن عشيق جنة أدخل إلى “سيدي بولكوان” 2 لاختناقه الدائم ليلا بسبب يد جنة التي تلاحقه في كل مكان، وسيظل هناك ليحميه الولي الصالح من الموت المحقق.

لا أدري ما الذي جعل جدتي تتعاطف للمرة الأولى مع حكايات جنة، فقد أسرت لنا أنها ربما قد  ظلمت وأنها قتلت وبأن روحها تسكن القرية، لذلك ترى بالليل. أما أنا فكنت أشعر بيد جنة رطبة ناعمة تلمس  كل الأمكنة التي أحل بها، وكأنها قطعة من القمر تنير كل ما تلمسه.

مر زمن طويل حصلت بعدها على دكتوراه في الأنتربولوجيا، وصرت أدخل بيوتات نائية لأعرف رأي عامة الناس في هذا الموضوع أو ذاك، كما أبحث في العادات والمعتقدات وكل ما تخزنه الثقافات من أسرار، ولكن فهم الإنسان بدا لي صعبا جدا، فكلما أنرت زاوية، تعتمت زوايا أخرى. لكنني على الأقل اكتسبت جرأة ولم أعد أثق بما يقال في القرية من تعليقات ساذجة عن جنة. فلغيابها وحضورها القوي تفسير آخر، ومقاومة يدها للجميع لم تعد تؤرقني كما في السابق.

كنت أعود للقرية بين الفينة والأخرى، وفي يوم مشهود ظل الجميع يخبر بعضهم البعض بأن جنة ستعود اليوم للقرية، وهي الآن في مدخلها.  لم أصدق الخبر للوهلة الأولى، لكنني التحقت بجماعة من أهل القرية، وكأنني مدفوعة بيد لا ترى، ومشيت معهم إلى حيث اصطف حشد كبير على جنبات الطريق.

بدت جنة وكأنها أميرة، خرجت للتو من حكايات ألف ليلة وليلة، وحين اقتربت من الحشد البشري الهائل، ارتمت عليها النساء يقبلنها وأخذ الرجال بيدها يتحسسونها وكأنهم يتبركون بها. مظهر جنة تغير؛ فهي ما زالت تحافظ على أنوثتها اللافتة التي جللتها علامات الثراء التي لم تخطئها أعين أهل القرية.

ومن بين الهمهمات والابتسامات علت زغاريد النساء والتي سرعان ما تحولت إلى ريح ورعد وبرق… ومطر بلل كل أهل القرية الذين كانوا يقلبون أعينهم في السماء… وينظرون إلى جنة… وأمها تعانقها باكية وهي تصرخ: إنها ابنتي… إنها جنة.


 

تلمّظت شفتي الجافّتين وشعرت بتعب شديد.كان يوما قائظا. توشك الشمس أن تحوّل لحمي قدّيدا.  لماذا جميع النساء متّشحات بالسواد والرجال ملتحون ويلبسون لباسا أفغانيّا؟ أشعر أنّ مركبة ما أسقطتني بغتة في هذا المكان. تمثال غريب أمام السفارة الفرنسيّة، لم تزل باقية بأسلاكها الشائكة ومتاريسها الرمليّة. لا أثر لابن خلدون. بقيت الحديقة مسيّجة ومهجورة. انتصب جامعٌ، مكان الكنيسة في الجانب الآخر. توجّه التمثال بوجهه إلى مدينة تونس العتيقة، وبمؤخّرته نحو البحر. اقتربتُ أكثر.  قرأتُ على اللّوحة الرخاميّة للوجه الجديد «شيخ الإسلام ابن تيميّة».

مررت إلى الجانب الآخر بالشارع الكبير والأعين تلتهمني التهامًا. أعين متوّجهة وآتية إلى الأسواق القريبة، غير بعيد عن سكّة المترو.كنت الوحيد أملط اللّحية بين الجموع. قرّرت الذّهاب أمام الجامع.  قادني الفضول إلى معرفة ماهيّة البضاعة المعروضة على مصاطب خشبيّة، يحرسها رجال ملتحون.

لا جديد يستحقّ الذّكر. قوارير العطور والبخور وأعواد شجر الأراك وكتب القرآن والتفاسير وجلابيب للمتنقّبات. بضاعة واحدةٌ عمّقت دهشتي.لم أرها من قبل إلاّ عند القصّابين. حدّقتُ مليًّا، نعم إنّها أمعاء حيوانات، مقصوصة إلى قطع أكبر بقليل عن طول الأصابع ومربوطة بخيط رقيق على أحد أطرافها. وُضعتْ تحت غطاء بلاستيكيّ شفّاف، سرعان ما أزاحه البائع. انهمك برشّ الأمعاء بالماء، مستعملا قارورة كوكا كولا مثقوبة السدادة. أكمل مهمّته وأرجع البلاستك. خفتُ أن أسأل عن هذه البضاعة. تسلّطت عليّ سهام نظرات الباعة والمارّين. كان الفضاء كلّه قابلا للاشتعال، وكأنّه مصنع لتكرير البترول. قرّرتُ ألاّ أكون مُوقد الشرارة، نكّست رأسي وتركت المكان.

تقدّمتُ باتجاه الساعة المنتصبة من بعيد كقضيب. بعيدٍ كقضيب. أغلقت كلّ المقاهي المطلّة على الشارع. لمحتُ طفلا يتّجه نحوي. تقدّمتُ منه، سألته «لم المقاهي مغلقةٌ؟  «حملق بي باستغراب وحنق شديدين  »ألا تعرف؟ إنّنا في شهر رمضان «نَفَّضَني بعينيه وكأنّني سجّادة وسخة في يد خادمة قلقة، ثمّ تركني.

الحرّ شديد وعليّ أن أجد مكانا للاتّقاء من هذا الهجير. فكّرتُ في الحلّ الأقرب. توجّهتُ إلى المجمع التجاريّ «البالماريوم»  قد تسعفني المكيّفات داخله في تخفيف وطأة الحرّ. أعرف الشارع الكبير، لكنّ وعيي لم يفقد مهارته بعدُ في التقاط الفوارق. خفّت سرعة الماريّن وكأنّها إعادة بطيئة للقطات فيلم ما. التقطتُ احمرارا كامنا في العيون وكأنّها مُقلُ مصّاصي دماء.

يقال إنّ مصّاصي الدماء يخرجون مع حلول الظلام. هل أنا إزاء تمثّل آخر لها في وضح النّهار؟ وهل يقدر مصّاصو الدماء على التحوّل جينيّا؟ ازداد تنفّسي مع رؤية تلك الألسن الخبيثة الخارجة للسخرية منّي ومن شكلي. السماء بأزرق غامق مائل للسواد. بدت الأشجار سوداء أيضًا. حلّقت فوقها الزرازير مثل تنانين صغيرة تنفث لهيبها في الهواء، مساهمة في ارتفاع الحرّ.سرّعتُ خطواتي، لم أدر من أين استجمعت تلك القوّة الخارقة للدخول إلى البالماريوم.

صعدتُ السلّم المفضي إلى الدّاخل. لم يفتّشوني على الباب. أمر غريب!  عند دخولي وسطه شعرتُ بنوع من الراحة. انقشع الجحيم واختفى مصّاصو الدّماء. مع ذلك ما زلت غريبا بين المتنقّبات والملتحين. وصلتُ إلى باحة الطابق السّفليّ. توقّفت مستنشقا بعض الهواء البارد. أغمضتُ عينيَّ ووجّهتُ رأسي إلى الأعلى لأستجمع بعض الطاقة. ملاحقا وميضا تصاعد في الأعلى. استعددتُ للصعود على السلّم الكهربائيّ محاولاً الوصول إلى مصدر الضّوء. ألاحقُ الضوء بإصرار فراشة.

فجأةً، شعرتُ بيد ثقيلة تمسكُ من حزام سروالي. «ستأتي معي؟». فتحتُ عينيّ مذعورا محاولا تتبّع مصدر الصّوت. فزعتُ وكأنّ طائرة مرّت بقربي لتوّها متجاوزة سرعة الصّوت. كان شرطيّا عريض البنية، بزيّ مغطّى بالنياشين ولحية مخضّبة بالحنّاء وشارب محلوق.

قادني إلى مكتب صغير، تعلوه يافطةٌ كتب عليها  «شرطة .»دخلنا، كان بيني وبين الكنتوار قرابة أربعة أمتار، تفصلني عنه آله تشبه تلك التي توضع في المطارات لكشف المعادن. التفت إليّ الشرطيّ: «ما اسمك؟»

رددتُ «مروان».

» هل أنت صائمٌ في رمضان؟«

استغربت من سلوك هذا الشرطيّ.كان سؤاله مباشرا مثل رصاصة. غلبت رغبتي في التخلّص من المأزق على الموقف برمّته. تفقّدت جيوبي في حركات سريعة، لكنّني لم أجد شيئا أقدمه إليه.

بلعت ريقي وأجبته إجابة سريعة «نعم بطبيعة الحال«.

«على كلّ حال، سنكتشف ذلك بعد قليل« .

«إنّها آلة رائعة» وكأنّه ضابط مستوطنة العقاب لكافكا. تابعتُ حديث الشرطيّ عن الآلة التي تقف أمامه. تابع كلامه «إنّها فخرُ الصناعة التونسيّة قام باختراعها مهندسون لامعون»

«….»

أردف «مممم يظهر أنّك غريب عن البلد… إنّها آلة تكشف المفطرين في شهر رمضان… من تكشفه الآلة عليه أن يستظهر بشهادة طبيّة في الغرض أو وثيقة سماح من مفتي الديار التونسيّة، أو عليه أن يدفع ضريبة تقدّر بألف دينار. من يضبط متلبّسا بجرم الإفطار يجلدُ مائة مرّة في الطريق العام وفق القانون».

طلب منّي أن أمرّ وسط باب الآلة كي أبدأ بالاختبار. لم تنتظر الآلة كثيرا للصياح.

داهمني شعور غريق يصارع الأمواج، أغرق تارة وأطفو على السطح تارة أخرى. تكرّر صياح الآلة المفزع. استسلمتُ للأمر الواقع. لم يبق لي غير الرضوخ لسوط الجلاّد، وتحمّل وقع المائة جلدة.

»أعرف أنّه لا يمكنك تحمّل الجلد. هذا واضح من لحيتك». نظر إليّ وقد تراقصت عيناه ودار طرف لسانه حول شفتيه.

انفرجت أساريري، وقلت «إذن يمكنني أن أنجو».

«لا.. ستنفّذ العقوبة. القانون هو القانون. ثمّ إنّك لم تستظهر بشهادة المفتي. عليك دفع خمسين دينارا«.

«لا أملك المال».

«إذن ستعوّض ذلك».

»أعوّض… أعوّض «.

«تعال معي… تعال».

تبعته خانعًا، لم يشغل بالي غير التخلّص من هذا الموقف المخيف. دخلت المكتب. وجدت رجُلين آخرين بأجساد عظيمة كأنهما حارسا مرقص ليليّ. انسقت إليهما ولم أبد أيّ مقاومة تذكر. كنت مشدوها ممّا يحصل ولم أعرف نفسي. استسلام مُخَدَّر وكأنّني متعوّد على هذا النّوع من العقوبات مشلولا منزوع القوى، نزع الرجلان سروالي ثمّ شدّاني وأجلساني على رركبتيّ. رأيتُ الشرطيّ الأوّل يأتي نحوي. أخرج ذكره وغلّفه بتلك المعى الصغيرة، نفسها المعروضة أمام الجامع. رشّ عليها قليلا من الزيت وهمّ بإيلاج أيره. كان يتمتم بكلمات لم أفهمها، وكنت أفكّر مع كلّ رهزة في حجم الخطايا التي يتوجّب عليَّ دفعها في هذا الوطن الجديد.

هل تعلم؟

اليوم ما عدتُ أصدّق نفسي. كل ما حدث لي يبدو لي الآن وكأنه سرد غرائبي لأحداث لا تقع إلا داخل رواية خيالية. تتساقط علي الصور والذكريات بغزارة غريبة، حتى أني ما عدتُ أفرّق بين ذاكرة وصورة خيالية.. كل ما أعرفه أني وجدتُ نفسي أحكي، وأحكي..

منذ وفاة والدي، انفتحت أمامي أبواب عالم آخر.. لقائي بموراكامي، حكاية صديقي ميمون، لقائي بملاك الموت فتاة الغابة كل هذا يشبه الجنون. إنه الجنون.

 أعلم أنك قد دوّنتَ في سجلك هذه الملاحظة، ووضعت تحت لفظة مجنون سطرا أو سطرين أو ثلاثا. أنت تقوم بعملك سيدي، لن ألومك. من سألوم؟ لا أحد، أعتقد أنّ ما حدث لي يفوق عتبة اللوم، لا يهمنّي الآن إن كنت تصدقني أم لا، لأنّ ما حدث لي صار جزءا مني. هل توافقني رأيي؟

في كوخ الغابة، كنتُ مع موراكامي. كما أخبرتك. في تلك الغابة، انتقمت منه.. قتلته. قذفته داخل حفرة عميقة. كانت هناك منذ الأزل، تنتظرني. هل وجدتم جثته؟ ابحثوا عنها جيدا، لا يجب أن تيأسوا فهي مدفونة في عمق حفرة سحيقة…

 كان عليه ألا يكتب تلك الرواية، فهي أطلقت لعنة خطيرة أودت بحياة أبي، وقبله بحياة والدة صاحب الرسالة المجهولة. أؤكد لك سيدي أنها رواية لعينة. كان عليه أن يدفع الثمن. الروايات الخطيرة لا يمكن أن تُترك دون معاقبة كتّابها.

هو من طلب مني أن نسير في الغابة. هل تراه كان يعرف بنواياي الحقيقية؟ لقد طلبت منه أن نلتقي، حين كتبت له تلك الرسالة. أظنّ أنّه قرر فعلا أن نلتقي، وبحسه الروائي فهم أنّي جئت لأجل تنفيذ وعد قطعته على نفسي. نعم، هذا هو التفسير المنطقي. في الطريق حدثني كثيرا لقد حدثني كثيرا عن نظرته للموت، هو كما قال لي لا يخاف أن يموت، لأنّ الموت مجرد بوابة فقط نلج منها لندخل إلى عالم آخر، بأبعاد مختلفة. نظر إلي، وابتسم: أنت تؤمن بوجود هذا المعبر إلى العالم الآخر، ووجدوك في هذه الغابة لم يكن مجرد صدفة.

– هل قرأتَ ما كتبه دانتي في نشيده الأول ((لا أحسن أن أقول كيف دخلتها (ويقصد الغابة)، فقد كنتُ مثقلا بالنوم في اللحظة التي حدتُ فيها عن طريق الصواب)). دانتي العظيم سافر إلى الجحيم، وصوّر هذا الجحيم في صورة غابة غامضة مسكونة بالأرواح الهائمة، وهناك التقى بشاعر الرومان العظيم فرجيل.

فهمتُ أنّه كان يقصدني، فحتى أنا لا أعرف كيف وصلت إلى هذه الغابة، ورفيقي كان ميمون، روائي بينما كان فرجيل شاعر. كان ميمون مفتاح الغابة، يعيش ببلدة رجل الكلب التي عاد إليها بعد سنوات من العيش في المدينة عند خالته. تقع البلدة بمحاذاة الغابة، كان ميمون دليلي داخل دروبها الملتوية، والغامضة، مثلما كان فرجيل دليل دانتي في رحلته العجيبة. أن تسير داخل غابة هو أن تسير إلى المجهول.

 سأقول لك سيدي، يمكن لك أن تدون هذا إذا شئت، فأنا الآن قد دخلت منطقة من الوعي بأنّ العالم الحقيقي ليس إلا محاكاة لعالم خفيّ وغريب يتجاوز قدرة العقل على إدراكه. لقد تحوّلت إلى دانتي أليجري آخر، هو لينقذ ابنته من الجحيم بعد أن انتحرت، وأنا لأنتقم لوالدي من قاتله.

 لن أخفي عنك أنه كان يحذوني أمل غريب أني سأرى والدي. ميمون أخبرني أنه رآه في حلمه جالسا في الكوخ يقرأ الغابة النرويجية.

كنا نسير في دروب تلك الغابة العميقة جدا. قال لي موراكامي، أن تلك الغابة هي أعماقي. هل تصدّق؟ كنا نتجوّل داخلي! أرجوك سجّل هذا أيضا، لا أكترث إن صدقني العالم أم لا. وإذا صدق ما قاله هذا اللعين، فهذا يعني أنّي كنتُ داخلي.

 أنصتت له بهدوء يشوبه الحذر والتفكير في طريق العودة. الغريب أني طيلة مشينا لم أشعر بأي خوف أو تردد، بدا لي أنّ هدفي كان واضحا، وأنّي كنتُ أسير نحو خلاصي. النظر إلى موراكامي سيشعرك بألفة ما نحوه، وهذا أمر غريب، إلاّ أنّي قاومتها حتى لا تطفئ رغبتي في طعنه. هل قلت طعنه؟ لا أدري كيف قلتها الآن، لأني صراحة لم أطعنه، فقد ألقيت به في بئر كانت مخفية بين أحراش الغابة. أخبرني صديقي ميمون عن مكان تواجد البئر أو الحفرة، حتى موراكامي كان يعرف مكانها. لقد توقف عن السير، وقال لي أننا وصلنا. من الصعب أن ترى تلك الحفرة، فالمكان متجانس بشكل يثير الدوار. توقفنا عند المكان المحتمل. وفجأة ظهرت الفتاة صاحبة الفستان الأزرق. لقد عادت إلى الظهور. هل كانت تتبعنا؟ صعب أن أعرف. ظلت تبتسم لنا معا، وتلوّح بيدها الصغيرة لنا. وبعدها قال لي موراكامي بأنه حان وقت الرحيل، فكل شيء ينتهي بلحظة الرحيل. هل كان يعرف بنواياي؟ لحظتها فقط أدركت أننا كنا واقفين على حافة الحفرة. لم أشعر بيدي وهي تدفعه إلى حفرة الجحيم المظلمة.. لم تفارقه الابتسامة وهو يهوي إلى أعماقها المريبة. ظلت ابتسامته الغامضة ملازمة لي، إنه تذكاره الأخير.

 لا تسألني سيدي مرة أخرى أين توجد تلك الحفرة؟ إنها في مكان ما داخلي.. في داخل كل واحد منا يخفي مقبرة مليئة بجثث قتلاه.

 

لم يكن صعبًا على عُمر أن يجد غرفة في هذه المدينة الموغلة في الغموض والوحشية.. والتي تأكل البشر كل يوم.

غرفة صغيرة، تقع فوق عمارة من خمسة طوابق. جاء إليها يحمل حقيبته قادمًا من تلك القرية المنسية في الشمال. كانت صغيرة، مطلية بالأزرق، يدخلها ضوءُ لوحة الاعلانات الأصفر. وكانت أيضا مليئة بالجرائد والكتب. “كان يسكنها صحفيّ”، قال السمسار. لكنه باع الجرائد والكتب ل “مول الزريعة” مقابل عشرين درهما وحفنة من الكاوكاو. الكتب والجرائد غير مهمة. المال مهم. والكاوكاو أيضا.

ولأنه لم يكن يدخن أو يشرب – وهذا أمر نادر- فقد كان راتبه من المقهى، الذي وجد فيه عملا بسهولة أيضا، ربما بفضل دعوات تلك العجوز التي هي أمه، يكفيه.

وكان شتاءً غير عاديّ. هذه عبارة أدبية تافهة. كان شتاءً عاديا، عاديا تماما: انخفاض في درجات الحرارة مع احتمال نزول بعض الزخات المطرية التي قد تستمر إلى منتصف الليل، وقد تمطر الآن، وهو يسير قادما من المقهى، بعد أن أنزلوا الريدو وأغلقوا الأقفال، فتفرقوا، الباطرون بسيارته، وعامل الكونطوار على دراجته، وهو على قدميه، يسير ويسير.. في شوارع المدينة المظلمة، يراقب المحلات تقفل أبوابها والقطط والكلاب المتسكعة.

اللعنة على هذه المدينة القذرة! لا ترحم أحدا. هناك تجار النفوس، العاهرات، الشواذ، البوعارة، رجال المخزن الفاسدون، أغنياء وفقراء، النازحون من الجوع.. جوعنا وجوعهم…كل شيء موجود هنا، ستجده بكل سهولة وأنت تتعمق في الدروب المعتمة، التي لا  يدري أحد ما بداخلها. وحده الله يعلم ذلك.

المدينة قبور عالية..المدينة غول عفن..

الأغاني تأتيه من البارات، صاخبة، مختلفة: راي، غربي، شعبي…ممزقة محصوبة بالشتائم والصراخ. يخرج من فمه بخار يشبه دخان السجائر، لكنه لا يدخن ولا يشرب، لذلك اشترى مذياعا يستمع فيه الى الأغاني والبرامج الليلة التي تطرح مشاكل الناس. يرفع من صوت المذياع، وحين يتأثر بقصة ما يطلق: لاحول ولا قوة إلا بالله..

فتح سرواله وأخد يطلق الماء على البقعة المظلمة من حائط السينما المهجورة. لم يكن يسمع سوى الشرشرة ورذاذ الأغاني القادمة من البارات، لكن هذه الأصوات، مع الهدوء، اختلطت بأصوات أخرى: أصوات بكاء وترجٍ وشتائم. زرر بنطاله فابتلّت يداه وهو يفعل، وسار ناحية الأصوات، التي كانت ظلالا تتحرك، ومع اقتراب أكثر، بحذر، اتضحت الظلال: رجل وامرأة يتحركان…وباتّضاح الظلال اتضحت الأصوات أيضا، فسمع:

-تهربين مني أيتها القحبة..سأقتلك..

ينظر عمر وقد انتبه إلى رجل يدخن، صاح به الرجل:

-هيه إلامَ تنظر؟ اذهب إلى حال سبيلك..

لكنّ عمر ظل ينظر، وظل الرجل يضرب المرأة التي تعرى فخداها. كانت تصرخ، وبدا وجهها ملطخا بالدم. وظل الرجل الذي يدخن يجذب صديقه محذرا: دعها يا مراد.. ستدركنا الشرطة.. التفت عمر باحثا عن الشرطة، لكنه لم يجدها، لا صوات ولا غوات. .بل وجد مراد، يدفع صاحبه الذي يدخن، ويكيل لها الضربات:

-أيتها الكلبة..أيتها العاهرة..سأحرق…

-لن أعيدها ثانية…لن أفعل. كانت تعوي ككلبة.

-ألم أقل لك انصرف أيها النم؟!

فبرز النصل، وشعر عمر بالرعب. التفت إليه مراد:

-فاش كتشوف!!اذهب وإلا خلينا دار بوك…

-أرجوك يا أخي اعتقني..سيقتلونني..أنا بئيسة..اعتقني…توسلت.

أخد مراد يسكتها بضرباته القوية الصادرة عن جسده الضخم، وظل النصل مرفوعا والدخان يخرج من الفم.. أراد عمر أن يقول:

-حشومة..إنها فتاة مسكينة..ارحموها…لكنه تراجع لأنه تخيل بركة من الدم، وجثة متعفنة على الرصيف عثر عليها زبال في الفجر.. فتراجع، وانعطف عبر الزقاق اﻵخر، لكنه ظل يسمع صوتها تستنجد: “عفاك اعتقني..أنا مسكينة..سيقتلو…”. لكنه تجاهلها لأن الجو كان باردا، والجوع يخز مصارينه. وتخيل زلافة من الحريرة، وغرفته الصغيرة التي كانت مليئة بالكتب والجرائد، والمذياع الذي يبث برامج ليلية…

أسرع الخطى نحو الزلافة والغرفة والمذياع…وكان الصوت المستنجد الباكي قد اختفى، والمطر ينزل، لأنه شتاء عاديّ، عاديّ تماما…

رائحته مازالت عالقة بأنفي لا تغادرني، كلّما سحبت هواء إلى صدري احتلتني تلك الرائحة وعادت لي كل العذابات التي عشتها ليلتها. لم أفكر في شيء قبل أن أرسل إليه الخطاب للنشر. كنت منفعلا بما وصلني من معلومات عن البيريتا.

ربّما حان الوقت لأعترف لكم إنني أعرف الحشّاش قبل عملي في الواشنطوني. كنتُ أعرفه أيام عملي الصحفي كمحلّل سياسيّ. معرفته بالصحافة الغربية مكّنتني من كتابة المقالات السياسيّة وشقّت لي طريقًا إلى العالميّة التي لم تكتمل، وهي نفسها التي تسببت في ما حدث لي وحوّلتني إلى مكان آخر وإلى ما أنا عليه اليوم. كتبت المقال ورميته إلى الحشاش ليعدّه للنّشر في صحيفة خارج البلاد، ونمت. نهضت صباحا أعد الدوش. لم أفتح الكومبيوتر لأعرف إن كان قد نشر المقال أم لا. ظل الماء باردا. تركت الحوض عاريا أبحث عن زر معدل الحرارة في الشرفة. لم يكن معي أحد في البيت. كانت زوجتي وقتها تغيب كثيرا عن البيت بسبب شجارنا المتواصل. تقول إنّ مجالسة الكناغر صارَت أرحم من مجالستي وإنني لم أعد إنسانًا يُطاق وإنّ الوقت قد حان لتنفذ ما كانت تخطط له من زمن.

 لم أتوقع أن يخلع الباب وأجدهم أمامي. رجال طوال ببدلات سوداء وقمصان بيضاء. أمسكني اثنان منهم ووضع الثالث كيسا من القماش على رأسي. لم أعد أرى شيئا. لفوني بشيء عرفت بعدها أنه شرشف الكنبة بالصالون. جروني  فاستجبت. لم أقاوم. قبل أن أغطس في ذلك الظلام رأيتهم. من الحمق أن تفكر في مقاومة أولئك الرجال الطوال الغلاظ وأنت تراهم فما بالك ورأسك محشور في كيس أسود.  ظللت مركزا على الخطوات على درج العمارة وأنا أنزل معهم. كنت أعثر فيه كل يوم. خمس وعشرين درجة سلّم كان علي أن أنزلها هذه المرة معصوب العينين.  أنصت إلى عدد الخطى على الدرج. بدا لي أنهم أكثر من ثمانية. في آخر ذلك الركض شعرت بنسمة الهواء التي جلبت لي معها رائحة المجاري. الأكيد أن السيارة التي زجوني فيها كانت تقف هناك قريبا من مفتاح قنوات الصرف لذلك غمرتني الرائحة. فكرت. السيارة التي ركبتها تبدو بلا كراسي. دفعوني إلى صندوقها الفسيح ولم أصطدم بشيء. شعرت أن السائق بعيد. كان يمكنني أن أستشعر ذلك من صوت المحرك. تخيلت أنها سيارة الشرطة واستبعدت أن يكون من اختطفتني عصابة أو جماعة ثم قلت في نفسي إن العصابات أيضا في الأفلام تستعمل المركبات الكبيرة الشبيهة بمركبات الشرطة ولا يمكن أن تميز الواحدة عن الأخرى إلا بالنظر. كانت السيارة تسير بسرعة ولا تطلق أي انذار يشير أنها سيارة رسمية. إسعاف أو شرطة أو سيارة مطافئ. فلا أحد وضع في معصمي شيئا. فقط جروني وهم يلوون ذراعي خلفي. ذلك ما رجح عندي أنه اختطاف وليس اعتقال. بعد ساعة أو ربما ساعة ونصف هذا ما أعتقده، توقفت السيارة وجروني إلى خارجها ثم شعرت أنهم يجروني نحو بناية. حاولت التركيز مرة أخرى في عدد درجات السلم. هذا ما تعلمته من كل التوقيفات والاعتقالات التي حدثت لي سابقا. علينا أن نعتمد على حواس أخرى إذا وقع تعصيب عيوننا. كانت عشرين درجة. لكن هذه المرة كانت غريبة. لأول مرة أحشر في سيارة صامتة. بعد مسيرة قصيرة أدخلوني قاعة. لا أعلم إن كانت مضاءة أم لا. كان الكيس الملفوف فوق رأسي من الكتّان العازل للضوء. على كرسي غير مريح أجلسوني ولفوني بحبل. كان خشب الكرسي يتمايل تحتي وبي. وكنت أنتظر أن أسقط في أي لحظة منه.

اقترب مني أحدهم. كانت رائحته مميزة. تبغ ثقيل. عندما قرب وجهه مني التقطت تلك الرائحة. رائحة نبيذ رخيص. عندها سمعت آخر يقرأ بوضوح جملا من مقالي الذي كنت أرسلته البارحة للنشر:

“إن اختفاء وسيلة الجريمة من مجموع الأدلة التي ضبطت دليل أن هناك شبهات كبيرة من داخل فرقة التحقيق. فمن سرق البيريتا؟ هناك شيء غامض علينا كشفه. صندوق أسود لهذه القضية. من يحمي هؤلاء القتلة. هل فعلا هناك جهاز أمني موازي ينفذ عمليات اغتيالات نوعية تستهدف الزعماء المنافسين لأصحاب ذلك الجهاز؟”

اقترب مني صاحب الفم الأبخر:

-لماذا كتبت ذلك الخراء سيد يوسف غربال؟ من الذي يمولك؟ من الذي يدفع لك؟ مع من تشتغل؟ هل تعلم تهمك؟

لم أكن معنيا بالإجابة إلى غاية ذلك السؤال فانفجرت:

-من أنتم؟ أنا لا أفهم ما تفعلون؟

-أنت متّهم بالتخابر. التخابر مع جهات أجنبية والإساءة إلى سمعة تونس في الخارج وترويج أخبار كاذبة عن أمن البلاد في فترة عصيبة.

-كل هذه التهم من أجل مقال؟

-نحن نتابعك منذ بلوغك. ونعلم ما تفعله وأنت تعلم أن ملفك عندنا.

– هذا يعني أنكم الشرطة. لماذا تعصبون عيني هذه المرة؟  قلت محاولا تحريك رأسي منزعجا تحت الكيس.

-من حرضك؟ لماذا هذا التوقيت بالذات؟

-لا أدري عمّ تتحدثون.

سمعت الصوت البعيد الهادئ يقول: ستيلا، نفذّ.

كان الأبخر قريبا مني ورائحته تغرقني عندما  قطعه. شيء مثل النار سرى في جسدي من قدمي حتى دماغي. لم أعد أذكر شيئا. فقط وجدت نفسي على فراشي إبهام ساقي اليمنى ملفوفا في ضمادة طبية حولها سائل أحمر.

“هذه المرة إصبعك، المرة القادمة”…. همسوا في أذني. ” نحن هنا لنقضي على أمثالك، سنقتلع كل شيء يتحرك فيك المرة القادمة. زرعنا هنا لنقتلع أمثالك من الفاسدين. دفعني أحدهم على الأرض ثم أجبروني على ترديد الجملة: ما عندناش بيريتا في تونس . ماعندناش بيريتا. ” رأيتني في منامي وأنا أصرخ  “ماعندناش بيريتا….ماعندناش…. “

أمام التلفزيون بالمقهى المجاور الذي هربت إليه من كوابيسي خرج  وزير الداخلية الهادي المجذوب على قناة “نسمة” بمجلس نواب الشعب يتحدث في بهدوء: سلاح البيريتا الذي أستعمل في عملية اغتيال الشهيد شكري بلعيد غير مستعمل في تونس وليس متداولا لدى الوحدات الأمنية بمختلف أصنافها”.

أنزلت عيني نحو مكان الإصبع المقطوع. كانت كل أصابعي الأخرى تصيح “ماعندناش بيريتا في تونس”.

لو لم أذكر ذلك السلاح اللعين ما كانوا فعلوا بي هذا. كم صرت بشعة أيتها القدم. ليتني ألقاك أيها الحشاش لأفرغ فيك مخزن البيريتا كاملا. 


كمال الرياحي، فصل من رواية “البيريتا يكسب دائمًا”، منشورات المتوسّط، 2019.

مقدمة: هيئة التّحرير

كُتبت هذه القصة القصيرة المُرعبة والمبسّطة ضمن منافسةٍ  لتأليف قصص الرعب وقعت بين الشاعرين لورد بايرون وبرسي بيتش شيللّي عام 1816. أفرزت هذه المنافسة في النهاية الأثر الأدبيّ الشهير: “فرانكشتاين” لماري شيلّلي (زوجة بيرسي بيتش تشيللّي). نُشرت قصّة بايرون أوّل مرّة عام 1819، تحت عنوان “مقطع”، في مجموعة “مازيبّاMazeppa /“. بالرّغم من أنّها لم تحتلّ مكانةً مركزيّة في مجموعة أعمال بايرون، فقد أثّرت بشكلٍ كبير في أدبِ مصّاصي الدّماء في إنجلترا ومثّلت إلهامًا لجون وليامز بوليدوري في “مصّاص الدّماء”(1819)

 

“في العام ـــــ 17، بعد أن أزمعتُ منذ فترة على القيام برحلةٍ في بلدانٍ لم يرتدها الرحّالون كثيرا إلى حين هذه اللّحظة، انطلقتُ، رفقةَ صديق سأسمّيه أوغسطس دارفل. كان  يكبرني ببضع سنوات ورجلا موسرًا ومن عائلة عريقة: ميزات حالت مداركه الواسعة دون التقليل أو الترفيع من قيمتها. جعلته بعض الظروف الغريبة في تاريخه الشّخصيّ موضع عناية واهتمام وحتّى احترام بالنّسبة إليّ، لم يستطيع محوه أي تحفّظ في آدابه أو علامات قلقٍ عرَضيّة تقترب أحيانا من الجنون.

“كنت لم أزل بعدُ شابّا في الحياة، التي بدأتها مبكّرًا، ولكنّ حميميّتي معه كانت حديثة العهد: درسنا معا في نفس المدارس والجامعات، ولكنّ ارتقاءه فيها سبق ارتقائي، كما أنّه انخرط عميقًا في ما يُسمّى العالم، بينما كنت ما أزالُ بعدُ في الدّير. كنتُ قد سمعت وقتها الكثير عن حياته الماضية والحاضرة، وبالرغم من وجود تناقضاتٍ عديدة متضاربة في هذه الأوصاف، مازال بإمكاني الاستنتاج من المجمل، بأنّه كان كائنا غير عاديّ ومهما حاول جاهدا أن يتفادى الانتباه، فسوف يظلّ لافتا للنّظر. بعد ذلك، طوّرت معرفتي به، وسعيت لكَسب صداقته، ولكنّ هذه الأخيرة بدت صعبة المنال؛ أيًا كانت العواطف التي  امتلكها، فقد بدا  الآن بعضها تلاشت والأخرى تكثّفت: وبعواطفه الحادّة هذه، كانت لي فرصٌ كافية لأُلاحظ بأنّه على الرّغم من قدرته على التحكّم فيها، لم ينجح في إخفاءها كلّيّة. ومع ذلك، كانت له القدرة على إعطاء عاطفة ما ملمح عاطفة أخرى، بشكل يجعل من الصّعب معرفة ما يدور بداخله. تغيّرت تعابير وجهه قليلاً، لكن بوتيرة سريعة جعلت تعقّبها إلى منابعها أمرًا غير مُجدٍ. كان من المؤكّد أنّه وقع فريسة اضطرابٍ مزمن ما، ولكن سواء كان ينبع من الطموح أو الحب أو النّدم أو الحزن، من إحداها أو جميعها، أو من مزاجٍ مرضيّ أقرب إلى الدّاء، فإنّي لم أستطع معرفته: كانت هناك ظروف مزعومة ربّما برّرت كلّ سبب من هذه الأسباب، ولكن مثلما قلت سابقا، كانت هذه الأسباب جدّ متناقضة ومتعارضة إلى درجة أنّه لم يكن ممكنًا التركيز على أحدها بدقّة. يُفترض عموما أنّه حيثما هناك غموضٌ فلا بدّ أنّ هناك شرّا أيضا: لا أعرف كيف يمكن أن يكون هذا. ولكن في داخله كان هناك أحدهما بالتّأكيد، ومع ذلك لم أكن متأكدا من حجم الآخر – وشعرت بالاشمئزاز،  بقدر ما كان ينظر إلى نفسه، من الايمان بوجوده. استُقبِلت تصوّراتي ببرود كبير: ولكنّي كنت شابّا ولا تثبط عزيمتي بسهولة. ونجحت بطول المدّة وإلى درجة ما، في اكتساب ذلك التواصل العادي والثّقة المعتدلة للشّؤون اليوميّة العامّة، والذي تشكّل وتوطّد بفضل تشابه العمل وتواتر اللقاءات، وهو ما يسمّى بالحميميّة، أو الصّداقة، وفقا لتصوّر من يستعمل هذه الكلمات للتعبير عنها .

“كان دارفل قد سافر في السابق على نطاق واسع، والتجأت إليه لأطلب المعلومة في ما يتعلق بالقيام برحلتي المقررة. كانت أمنيتي الخفيّة هي أن يقتنع بمرافقتي. كان أيضا أملا ممكنا، يتأسس على قلق غامض لاحظته فيه. والذي منح أملي هذا قوّةً متجدّدة، تلك الحيويّة التي أبداها تجاه هكذا شؤون، ولامبالاته الواضحة لكلّ ما يحيط به في الحين. هذا ما لمّحت به في الأوّل ثمّ عبّرت عنه: أمّا إجابته، ولو أنّي توقّعتها جزئيّا، فإنّها وهبتني كامل المتعة الكامنة في المفاجأة – لقد وافق. وبعد التحضيرات اللازمة، انطلقنا في رحلاتنا. وبعد الترحال في بلدان عديدة في جنوب أوروبا، فإنّ اهتمامنا تحوّل إلى الشّرق، وفقا لوجهتنا الأصليّة، وخلال تجوالي في هذه المناطق، وقعت الحادثة التي سأرويها.

“كانت حالة دارفل الجسدية، والذي بدا من هيئته أنّه كان قويًا في سنوات شبابه، قد أخذت منذ مدّة في التّلاشي تدريجيّا، دون تدخّل أيّ مرض واضح، فلم يكن يعاني من كحّة أو حمّى، ومع ذلك صار أكثر وهنًا، يوما بعد آخر، تصرّف باعتدال، ولم ينتكس أو يتذمّر من التّعب، لكنّه كان يضعف تدريجيًا على نحو واضح. زادَ صمته وأرقه، وبطول الوقت تغير على نحو خطير، إلى درجة أنّ خوفي أصبح متعلّقا بما أعتقدت أنّه خطر عليه.  

“عند وصولنا إلى سميرنا، عزمنا على رحلة إلى آثار إفيزوس وسارديس وحاولت من خلالها أن أنصحه بالعدول نظرا لحالته الصحية الحالية – ولكن دون جدوى. لقد تصرّف كما لو أن جنا استحوذ عليه، ومع ذلك برزانة، وهو ما تنافر مع حماسه لمواصلة ما اعتبرتُه مجرّد حفلة للمتعة قلّما تناسب شخصًا معلولاً.  ولكنّي لم أعارضه أكثر- وفي غضون بضعة أيّام انطلقنا معا، مصحوبيْن فقط بعربة وجنديّ انكشاريّ واحد.

” قطعنا نصف المسافة نحو آثار إيفيزوس، تاركيْن وراءنا ضواحي سميرنا الخصبة، ودخلنا ذاك المسلك البرّي وغير المأهول، عبر الأهوار والممرّات الضّيّقة التي تقود نحو بعض الأكواخ التي ما تزال ماثلة فوق أعمدة معبد دِيانا المكسورة – الحيطان غير المسقوفة للمسيحيّة المرحّلة، والخراب التام لمسجد تمّ  هجره في مرحلة متأخرة – عندما أجبرنا المرض المفاجئ والسّريع لمرافقي على التوقّف في مقبرة تركيّة، شواهد القبور المغطّاة كانت الشيء الوحيد الذي يدلّ على الحياة البشرية التي أقامت يوما  في البراري. الفندق الوحيد الذي رأيناه مررنا به قبل ساعات، ولم يكن على مد البصر أو الأمل بقايا مدينة أو حتّى كوخ، و”مدينة الأموات” هذه بدت الملجأ الوحيد لصديقي سيء الحظّ، والذي بدا على حافّة أن يصبح آخر ساكنيها. 

 “في هذه الحالة، بحثت في الأنحاء عن أكثر مكانٍ يستطيع فيه الاسترخاء براحة: – على عكس المظهر المعتاد للمقابر الإسلاميّة، كانت شجرات السّرو هنا قليلة العدد ومبعثرة على امتدادها على نحو ضئيل، أمّا شواهد القبور فقد كانت متهدّمة في معظمها وبالية بفعل الزّمن، وأسند دارفل نفسه على أكبرها وتحت أكثر الشّجرات امتدادا، بوضع نصفِ مستلق وبصعوبة كبيرة. طلب ماءً. كان لديّ بعض الشّكوك في قدرتنا على إيجاد بعض منه، واستعددتُ للذّهاب بحثا عنه بحزن متردّد. ولكنّه أرادني أن أبقى، والتفت إلى سليمان، جنديّنا الإنكشاري، الذي كان يقف قربنا يدخّن بهدوء كبير، وقال “سليمان، أحضر بعض الماء.” وبدأ يصف المكان الذي من المفترض أن يجد الماء فيه، بدقّة متناهية، في بئر صغيرة مخصصة للجمال، على بعد بضع ياردات على اليمين. أطاع الإنكشاريّ. سألت دارفل “وكيف تعرف هذا؟” – أجاب “في حالتنا هذه، يجب أن تلاحظ بأنّ هذا المكان كان مأهولا في السّابق، ولم يكن ليكون كذلك لولا وجود الينابيع: لقد كنتُ هنا أيضا في السابق.”

 ” كنتَ هنا في السابق! – كيف أمكنك ألاّ تخبرني بهذا؟ وما الذي عليك فعله في مكان لا يستطيع أحدٌ أن يبقى فيه لحظةً أكثر ممّا يحتمله؟”

لم أتلقّ إجابة على هذا السّؤال. في الأثناء، عاد سليمان بالماء، تاركا العربة والأحصنة عند الينبوع. بدا إطفاء عطشه أنّه يحييه للحظة، وعلّقتُ آمالا في قدرته على المواصلة، أو على الأقلّ أن يعود، وحثثته على المحاولة. كان صامتا – وبدا أنّه يستجمع قواه على الكلام. بدأ –

 “هذه نهاية رحلتي، وحياتي – جئت إلى هنا كي أموت، ولكنّ لي طلبا، أمرا – سيكون بمثابة كلماتي الأخيرة – هل  ستلبيه؟

“طبعا، ولكنني أتمنى الأفضل.”

“ليست لي آمال، ولا أمنيات ما عدا هذا – أخفِ موتي عن كلّ كائن بشريّ.”

“أتمنّى ألاّ يكون هناك داع، سوف تشفى و-“

“اصمت! سيكون الأمر هكذا: عِدْ بهذا.”

” أعد بهذا.”

” أقْسِم بهذا، بكلّ ما..”

وهنا حلف يمينا ذا جلال عظيم.

” لا يوجد داعٍ لهذا. سوف ألبي طلبك، وأن تشكّ في.. “

“هذا غير ممكن- يجب أن تُقسم.”

أديّت القسم، وبدا أنّ ذلك أراحه. نزع من إصبعه خاتما ذا طابع عليه بعض الحروف العربية، وقدّمه إليّ. ثمّ تابع –

” في اليوم التاسع من الشّهر، عند منتصف النهار تحديدا (أيّ شهر تريد، لكن لا بدّ أنّ هذا هو اليوم)، يجب أن ترمي بهذا الخاتم في ينابيع الملح التي تصب في خليج ألوسيس، وفي اليوم التالي، عليك أن تذهب إلى أطلال معبد سيريس سيريس، وتنتظر ساعةً”

“لماذا”؟

“سترى.”

“تقول اليوم التاسع من الشهر؟”

“التاسع”

بعدما لاحظتُ له بأنّ اليوم، كان اليوم التاسع من الشهر، تغيّرت ملامحه، وتوقّف. عندما جلس، وكان واضحا أنه صار أكثر ضعفا، حطّ على شاهدة قبر حذونا، طائر لقلق يحمل أفعى في منقاره، ودون أن يلتهم فريسته، ركز نظره نحونا بثبات. لا أعرف ما الذي دفعني لإبعاده، ولكنّ المحاولة كانت بلا جدوى. حام بضع حومات في الهواء، وعاد بالضبط إلى نفس المكان. أشار دارفل نحوه، وابتسم – ثمّ تكلّم – لا أعرف إليّ أم إلى نفسه- ولكنّ الكلمات كانت فقط “هذا جيّد!”

” ما الجيّد؟ ماذا تقصد؟”

” لا يهمّ، يجب أن تدفنني هنا هذه اللّيلة، وتحديدا هناك أين حطّ الطّائر الآن. تعرف بقيّة وصاياي. ” وبعدها واصل في منحي بعض التوجيهات على نحوٍ يجعل موته مخفيّا على أحسن وجه.  وبعد انتهاء التوجيهات، صرخ “هل ترى ذاك الطائر؟”

“بالتأكيد.”

“والثعبان الذي يتلوّى في منقاره؟”

“دون شكّ، لا يوجد أمر غير مألوف في ذلك، إنّه فريسته الطّبيعيّة. ولكنّ الغريب أنّه لا يلتهمه”.

“ضحك بطريقة مروّعة، وقال بصوتٍ ضعيف “لم يحن الوقت بعد!” وبينما كان يتكلّم، طار اللّقلق بعيدا. تابعته بعينيّ للحظات – كانت على الأكثر عشر ثوان معدودة. شعرتُ بثقل وزن دارفل، يضغط على كتفي، وعند التفاتي لأنظر في وجهه، وجدت أنّه ميّت !

“كنت مصدوما بالحقيقة المباغتة التي لا يمكن إخطاؤها  أصبحت ملامحه تقريبا سوداء في غضون بعض الدّقائق. كنت سأقرن هذا التغيّر السّريع جدّا بالسمّ لو أني لم أكن واعيا أنّه لم يكن هناك مجال  ليتناوله دون أن أشعر. حل المساء، والجثّة تحولت بسرعة شديدة، ولم يبق شيء غير أن ألبّي طلبه. بمساعدة خنجر سليمان وسَيفي، حفرنا قبرا صغيرا في المكان الذي أشار نحوه دارفل: كان التراب يستجيب بسهولة، وقد استقبل في السابق بعض الساكنين المسلمين. حفرنا عميقا بقدر ما سمح لنا به الوقت، وبعد أن أهَلْنا التّراب الجافّ فوق ما تبقّى من الكائن الفريد الرّاحل للتو، قطعنا بعض أوراق العشب الأكثر اخضرارا من التّربة الأقلّ ذبولا حولنا، ووضعناها فوق مدفنه.

“بين الدّهشة والحزن، كنتُ مجرّدا من الدّموع.”