“رغم أني قد لا أفقدُ بصري بَيد أني سأزداد عُميًا لأنه ليس هناك من ينظر لي ويراني” ساراماغو.

يفتح سعيد الباب وهو مخمور، يقفز الأرنب الى الداخل، تبدأ الركلات، يعلو الصياح، من الطرفين:
 – ماذا تفعل هنا؟ إنّه مكاني..
ثم يُلفظ بركلة قدم عنيفة الى خارج جهاز التجميد الكهربائي العاطل…                          

تمتاز هذه البلاد بشدة التيار الكهربائي وقوته الفولتية العالية، لدرجة ان الأزرار الكهربائية لا تستجيب لك إذا ما حاولت اطفاء النور، فالكهرباء حصة إجبارية كالهواء، هنا شمس كهربائية دائما مشرقة ليل نهار، وتنعدم الانوار الخافتة تمامًا، مما تسبب بعطل أجهزة كثيرة، لعدم توفر الوسائل لصيانتها، لأن الصيانة تحتاج لإطفاء الجهاز وإلا تعرّض العامل لصدمة كهربائية.. 

واتخذت الدّور والمنازل والمستشفيات إجراءات مختلفة لتخفيف قوة الإضاءة عند اللزوم.. حيث اعتادت المستشفيات وضع علب كارتونية مطلية باللون الأسود فوق مصابيح الإنارة، ويتمّ دقّها بمسامير في الحائط لخلق جو من الظلام، وفي البيوت كان السكان يغطون تلك المصابيح المشعة بقطع من الخيش السميك، أو القماش الخشن الأسود مما ادى لارتفاع أسعار الأقمشة الخشنة السوداء…
 ويشعر سعيد بالظلم عندما طرد خارج بيته، يتربّع أرضًا ويضرب على فخذه اليُمنى…

 أنا الذي نظفت هذا البيت عندما كانت تنام فيه تلك القطة الملعونة، طردتها، وساعدني صديقي سمير، ومنحني بعض المنظفات، وقال لي عليك أن تنظف المكان، لا أفهم كيف يقوم قاسم اللئيم باغتصاب بيتي بكل صلافة دون ضمير؟ سوف أشتكيه الى الشرطة، إنّه حقي يا ناس، حقي.

قاسم نفسه كان صديقي قبل أيام، ما باله يكذب في صداقته؟ وأين أجد بهذا الليل القارص البرودة جهازًا آخر، ماذا فعلت أنا ليحدث معي كل هذا؟؟
يبدأ أرنب الرصيف بالنحيب والبكاء، يحاول ان يلم دشداشته البالية الممزقه حوله ليسد تلك الشقوق، يمسح دموعه، وفجأة كمن يتذكر أمرًا، يتلمس الوشم المخطوط على ذراعه اليُمنى، تبتسم دموعه بشحنة دفء غائب!

يتحرك الى الرصيف المقابل، إلى المقهى حيث نسي صاحبه أن يغلق المذياع قبل أن يخرج، يعلن المذيع: “سيتم التصويت في البرلمان على قرار توزيع الأراضي السكنية للمسؤولين يوم غد”.. يسحب بضعة أكياس مرمية قربه، يلفّها بين يديه لتصبح أشبه بكره، يتوسدها ويمدّد جسده على الأرض، يتنهد ويتنفّس الصعداء.. يغفو ويختلط صوت اصطكاك عظامه بالشخير، يضحك في نومه وتعلو قهقهاته، هل تراه يحلم؟  

 

الجسر

تستعد الوفود لزرع أحلامها في الرحلة المقبلة، و تركض براءة سمر خلف الأرانب الجميلة، يختفي أحدها في جحره، تبكي الطفلة، تنتظر خروجه… تخفض رأسها نحو تلك الحفرة الواقعة بين الأشجار محاولة البحث عنه، فأرانبها الأربعة نقصت واحدًا..
كانت النوارس ترفرف فوق دجلة، يفتح الجسر أبوابه للآلاف، رؤوس طرية لم يحن قطافها بعد، ورؤوس ثقيلة بالهمّ والحسرات، يا الله، يا معين، يا ناصر المظلومين، أعطنا المراد، نحن الفقراء المحرومين، إيمان تلف عباءتها العتيقة المتربة، وتدفع بالصغار أحلام وعمر ومحمد وزيد وعلي أمامها: تمسكوا بي يا أولاد.. نداء الرب ويتوجب علينا الطاعة، فباب الحوائج لا يرد أحدا.. يتحرك الصغار مع الوفود باتجاه الطريق.          

صداقة

يستيقظ سعيد صباحًا، يتجول في شارع المتنبي، كلهم رفاقه ولا رفيق لديه، يعطف عليه سمير الموظف في احدى المكتبات بكأس شاي وقطعة خبز:                                                           
– قسمًا بنهر دجلة والفرات، أنا لا أميز بينهما، سرقني قاسم وأنا نائم، كنت أملك بعض المال استيقظت ولم أجد بجيبي شيئًا.. قاسم اللئيم الذي اغتصب مني بيتي..
 – يا سعيد هوّن عليك، اليوم هو الجمعة، يوم رزقك سيعوضك الله، سنبحث لك عن مكان آخر… اسمع لقد ترك لك بالأمس أحد الأصدقاء دشداشة جديدة وبعض الطعام، عليك أن تذهب معي لتستحم وترتدي دشداشتك. 

– اليوم يوم عمل، واذا ارتديت دشداشة جديدة سيقطع هذا رزقي.. يا صديقي أنا أحبك لانك طيب ولا تسرق .. يصمت قليلا ثم يواصل: اسمع، بالأمس ذهبت مع صديق لي لنصطاد السمك، وإذا به كلما رفع سنارته فاز بسمكة سمينة كبيرة لكنّه يعيدها الى النهر، وكلما رفعت سنارتي حصلت على العاقول.. أو فردة ممزقة لحذاء قاسم الطنبوري… وعندما سألته: لماذا تفعل هذا؟ قال لي انه يملك إناء صغيرًا لطهو السمك، وهو يريد سمكة بحجم إناءه.

يضحك سمير…
– اسمعني… أُبشرك لقد سلموني 9 ملايين دينار، وقمت بترميم بيتي بعد انهياره….. لكن المسؤولين في الدولة يتركونني ويسافرون إلى مصر أو سوريا لا أعرف أين يذهبون؟ انهم يسافرون دائما، ويتركون قضيتي، رغم أن ملفي كامل، كلّ ما زلت أدين لهم ب 3 ملايين دينار !!
– ما هذا التخريف يا سعيد، أحاديثك اليوم غريبة؟  
– ضع لها المربى، تصبح شديدة الحلاوة هل اذهب واشترى لك منها؟ اعطني اذن المال فأنا لا أملك شيئًا…

 

صورة تذكاريّة

                                                                                             
يتحرّك سعيد ليمارس طقوسه اليومية، يبدأ بالتوجه نحو نهر دجله، يرفع يديه، يقرأ الفاتحة، يمدّ قبضة يده اليمنى ليملأها بالماء، يقربه من أنفه يقبّله ثم يحاول إعادته إلى مكانه، يتلمس الوشم أعلى ذراعه، يلتفت فيستفزه مرورهم فلا يملك الا الصياح:
Why you inside?، تعالوا هنا لآخذ معكم صورة تذكارية.                                               
ثم يقفز وسط أصحاب البشرة البيضاء والعيون الملونة، وهم بصحبة بعض غامقي البشرة، يبتسمون له بحذر فينادي على سمير: تعال، بالله عليك، خذ لي معهم صورة تذكارية بكاميرتك.

يلبّي طلبه سمير وهو يبتسم.. لكن سعيد يضمر في نفسه أن يعلق تلك الصورة في المرافق الصحية بعد أن يبصق عليها مرات…
وأخيرا يخرج أرنب سمر من جحره يلعب مع رفاقه يختفي أرنب شارع المتنبي.. لا يعرف أحد أين يجده بالضبط، ربما يجلس في زاوية ما يشرب خمرًا.. يبكى حبه القديم.


وصيّة

إيمان لا تنسَي الدعاء لي، لعل الله يهديني فاترك الخمر، لعل قدوري صاحب المحل يرفع من أجرتي اليومية، بدل أن يهدّدني بالطرد، ولعل الله يُيسّر لي عملا بمكان آخر، أفضل من قدوري اللئيم، أنتِ تعلمين أنني حداد ممتاز، لولا الخمر.. أحب الخمر يا إيمان كما أحبك جدا، أوصيك بالاولاد ادعوا لى هناك، أطلبي المراد، أدخلي من باب الحوائج، واربطي لي تلك العليقة الخضراء بالشباك لا تنسي هذا، وانثري كل حوائجنا هناك، صدقيني الإمام موسى بن جعفر(ع) يحبني كثيرا، أنا أشعر انه سيشفع لي هذه المرة صدقيني، هو يعرف أنّني لم أسرق أحدًا، وأنني أحبه جدا،  اذهبوا برعاية الله …          

                                                           
عِش أنت

يمرّ موكب رجل أمن معروف بالبلاد، فيظهر سعيد، وما إن ينزل المسؤول من سيارته حتى يسير خلفه ضباط كثر، يذرعون شارع المتنبي باتجاه النهر، وعندما يقتربون أكثر، يركض الأرنب مسرعًا خلفهم وهو يردد بصوتٍ عالٍ: 

 “تن تن ترا تن تن ترا                             
عش أنت اني متُ بعدك                           
وأطل إلى ما شئت صدّك                                                                                                                                    
كانت بقايا للغرام بمهجتي فختمت بعدك”

يُغمض عينيه ويؤشر بيديه، ويندمج كليّة في غنائه، حاول بعض الضباط صدّه، ومنعه من السير خلفهم لكن أحدهم قال لرفيقه: دعه إنه مجرد مسكين، يسمعهم سعيد: اخرس ..اخرس أنت ولا كلمة. . يتجاهله الضابط، فيواصل غناءه..  


الحبّ الاول

أحببتُ فتاةً قبل ثلاثين عامًا تقريبًا، بصراوية جميلة كأنها هندية، اسمها سهير محمد، كنت أراقبها وهي تعمل في صالون للحلاقة النسائية، وأقضي يوميا ساعتين ونصف الساعة بانتظار خروجها من مكان عملها فقط لأتأملها من بعيد، حتى اعترفت لها بحبي وبقيت في علاقة معها عامًا ونصف العام دون أن  ألمسها، والله العظيم لم ألمسها، ذهبت معي الى حديقة الزوراء مرة واحدة وأحضرت لها الكبة، لكن أهلها أرغموها على الزواج من ابن عمها، الزمن جعل قصص الحب اليوم بشعة لأن الرجال أصبحوا شياطين الحب، إنهم (حمائر)….
هكذا حدّثني سعيد و رائحة الخمر تفوح منه، يترنح وبالكاد يسير، سكت قليلا ثم واصل من بعيد:

لكن ايمان…..

واغرورقت عيناه بالدموع ..واختنق صوته في جوفه، دار وجهه واختفى.       

  

حجيج

الجمعة يوم اقبال الحجيج الى شارع المتنبي، قوم يرمون الجمرات بأساليبهم المتنوعة، قُطِعتْ كل الطرق، فالوقت أيضا وقت الحجيج نحو الجسر باتجاه باب الحوائج، لكن طريق مكّة نحو الله بدأ من بغداد سلكه قميص عثمان …. قميص عثمان كان يرمي الجمرات أيضا…  
أيّ جمعة وأي طريق وأي جسر هذا خروج عن النص!؟ عثمان استشهد منذ آلاف السنين.. كلاّ عثمان استشهد قبل سنوات ..!  لا عثمان طفل بالصف الأول ابتدائي في مدرسة دجلة! 

 ويبكي سمير على ضفاف دجلة: “لستَ نعثلا يا عثمان”.. ما زال عثمان نجمة عراقية تطفو على النهر.

ماء ساخن

تنفش الأرانب فروتها، بعد أن نظفتها الصغيرة بأفضل المنظفات، وألبستها شرائط ملونة، تتدلّى منها أحجار ملوّنة في وسط كلّ منها خرزة زرقاء، وعندما يقرض احدها جزرةً كبيرة، تصفق الصغيرة مرحًا…

– أمي أرجوك ماذا يعني الدستور والمظاهرات؟ لماذا الناس بكل مكان يخرجون للشوارع يحملون لافتات، رأيت هذا بالتلفاز أمس؟..  

– يا حبيبتي الناس تطالب بحقوقها، بالحياة الكريمة حيث يتوفر لهم الطعام والدواء والأمان…
تسرح الصغيرة سمر وتدخل في نوبة تفكير عميق جدي…
يصحب سمير سعيد ليغتسل ويرتدي دشداشته الجديدة، يصرّ سعيد على عدم قص شعره الطويل.

 كباب.. كباب، اليوم لن أنبش بالنفايات سآكل الكباب.. مثل الناس المهمة جدًا..

وفيما هو يتناول طعامه حتى تفاجأ بماء ساخن جدا يُسكب عليه، صرخ وشعر بحرارة مرعبة تسري في جسده كلّه وتغلي من أطرافه السّفلى، الأرنب يرفس أرضًا يصرخ يصيح: أولاد الكلب، آخ آخ.
تمزقت دشداشته الجديدة، تناثر الاكل، والجلد خُلع من جسده،  خروف لحظة السّلخ، فروة الأرنب محروقة بالكامل، تطافر الدم، وسطل كبير فارغ مرمي…
تصفق الصغيرة سمر، عبرت أخيرًا أرانبها ما رسمته لها من طريق، أسمته هي الجسر عبرته بسهولة ويُسر.       

                                                      

قميص عثمان

يتدافع المحبون للقفز في قلب دجلة، تنتشر إشاعة: إرهابي بين الجمع المتراصّ، يسود هلع، ويتم الإعلان عن ثغرات جديدة للحوائج بباطن دجلة، تغرق الأدعية عنوة، قبل ان تبلغ الطريق المقصود، تطفو الأثواب، يرتدي دجلة عباءات سود، تتناثر الأحذية، تستنجد جموع غفيرة من جوف النهر: عثمان يا عثمان أقبل إلينا يا عثمان.               
يقفز عثمان يتبعه رفاقه، يتعلق النداء بالنداء والعباءة بالعباءة، حتى يثقل حمل عثمان، تسحبه الصخور، أكان يطارد السواد؟ هل أراد صفحة دجلة بيضاء؟…
إيمان وصغارها وآلاف آخرون ناموا برعاية قرش الحوائج.. حتى يبيض أخيرا وجه دجلة بقميص عثمان…..يضرب سمير على صدره ويصرخ:  ويحنا.. منذ ألف مضت وقميص عثمان ما زال يطفو فوق دجلة!   

لو أعرف من ذا الذي أحرقني لأحرقت بيته؟ ماذا يريدون مني هل أملك قصر شعشوع؟ لو سألوني لمنحتهم الدشداشة هدية عوضًا عن كل هذا.

 يبكي سعيد ويتوجّع، يقدم له سمير المراهم والأدوية، الجواهري يتقلب في مضجعه الأخير، ليخرج وهو يؤشر بأصبع السبابة نحو دجلة:    

“يا سكتة الموت يا اعصار زوبعة يا جنجر الغدر يا أغصان زيتون”…                       
يستجيب الطب العدلي في بغداد لنداء الجواهري، يعلن حداده تضامنًا، ويفتح جحورًا مبردة للأرانب الغارقة في دجلة، وللأرانب التي لم تولد بعد، لتدخل بيوتها دون ركلات. ويواصل سعيد قهقهاته في النوم رغم حروقه.  

                                  
مظاهرة

تسحب الصغيرة سمر ثوب أمها من طرفه: تعالي تعالي يا أمي انظري للأرانب بالله عليك..
تتحرك الأم نحو الحديقة وهي تقول لابنتها: يا ابنتي طلباتك زادت كثيرا هذه الايام ..

تتفاجأ بالأرانب تركض في الحديقة وتحمل على ظهورها أوراقًا ملفوفة بشرائط ملونة، تفتح فمها من الصدمة غير مصدقة، تقترب من الأرانب أكثر، تقرأ بخط متعرج العبارات التالية على تلك الاوراق: 

 -أريد جزرة كبيرة                                       
 -أريد أرنوبة ألعب معها                                        
– أريد سريرا انام فيه                                   
– أحبّ سمر جدا                                    
تغرق الأم بالضحك: يا سمر ما هذا؟ مظاهرة للأرانب؟ … ثم تضرب راحة يدها بالأخرى قائلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا بد أن نتخلص من هذه الأرانب قبل أن تصابي بالجنون. فأنت كل تفكيرك بات محصورًا فيه، فيما الصغيرة تصرخ..

                                                
سيأتي الربيع

أنا كرهت الدنيا ولا أريد لأحد أن يكره الدنيا، الحياة جميلة، هنالك الربيع الذي سيأتي للعراق رغم الخريف، يؤشر بكف يده نحو النهر وينادي: أبو أحمد أبو احمد احذر قاربك يحمل الكثير من الناس احذر معك أطفال.

يتلمس ذراعه وهو يبتسم بحزن لبعيد، يرفع كُمّ قميصه الرث لانظر الوشم: قلب كبير مخطوط  فيه اسم ايمان زيد عمر أحلام محمد علي.                        

تركني سعيد وتوجه لقلب شارع المتنبي وهو يصرخ: أريد وسادة، قررت اليوم أن أنام على وسادة لن أنام على الرصيف.. أريد وسادة.. أريد وسادة..

ضحك بصوت عال وهو يستلم الوسادة من أحدهم، رمى بها على الرصيف، تمدد ثم وضع رأسه فوقها، صار يضحك ويبكي بنفس اللحظة، وقال: إن الحياة لا تستحق الاحترام.. فقط الحب.. وأغمض عينيه.. أغمض عينيه الى الأب ..

 …
ما زالت أرانب سمر تتظاهر في الحديقة، لكنها تحمل هذه المرة لافتات كَلّا للرحيل…

أوقف أبو مصطفى عربته بمحاذاة الرصيف وربّت بيد كبيرة متشقّقة على رأس الحصان ثم قصد الدكان القريبة، وابتدأ يحمل على ظهره الاكياس الملآى بالحطب، وينقلها الى العربة. وكان الحصان حانقاً دونما سبب. وقد تبدد غضبه قليلا حين عثر على قطعة من قشور البطيخ، فَمَضى يقضمها بسكينة.

وتنبه فجأة الى أن ثمة ولدًا صغيرًا يقف على مقربة منه، ويرمقه مبتسمًا. فقال الحصان لنفسه: “أنا لا أعرفه وسأرفسه إذا دنا مني. سأرفسه رفسة قوية تكسر رأسه”.

وانتهى الحصان بعد حين من مضغ قشرة البطيخ، فانتابه الاسف لانتهائها، وراح يتطلع بغيظ الى الولد وهو يقول لنفسه: “سأرفسه”.

وكان أبو مصطفى في تلك اللحظات مازال منهمكاً في نقل أكياس الحطب ووضعها على سطح العربة٠ وأحس الحصان بالتعب، فقال لنفسه متذمراً: “العدالة مفقودة”.

وكان الحصان قد ولد في المدينة، وقضى حياته كلها في طرقاتها المفروشة بالأسفلت، ولم يغادرها مطلقا. وكان يعرف أن أجداده القدامى كانوا يمرحون طلقاء عبر البراري الشاسعة حيث لا أبنية فيها ولا جدران من حجر، ولكنهم ماتوا جميعاً.

وانحنى الولد، والتقط قشرة بطّيخ كانت بمنأى عن الحصان ثم اقترب على مهل، فَهمّ الحصان بالتراجع غير أنه تريث متشجعاً. ومد الولد قشرة البطيخ نحو فم الحصان. فتردد الحصان لحظةً خاطفة ثم تلقفها دهشًا، وطفق يمضغها بغبطة، وسمح للولد بأن يربت على عنقه بيد أنيسة صغيرة.

وأتمّ أبو مصطفى نقل أكياس الحطب الى العربة. وعندما لاحظ وجود الولد قرب الحصان صاح به: “ابتعد يا قرد”.

ثم لوّح بالسوط، مطلقًا صيحةً آمرةً بالمسير، فاندفع حينئذ الحصان الى الامام، يجر العربة الثقيلة بتباطؤ.

وسارت العربة عبر طرقات عديدة، و بلغت بعد حين شارعًا عريضًا تنتصب الأبنية الحجرية على جانبيه ولم تكد العربة تتوغل حتى اعترض طريقها واحد من رجال الشّرطة، فَصَرخَ أبو مصطفى بالحصان بصوت ممطوط: “هش”.

قال الشرطي: “ألا تعرف أن مرور العربات ممنوع في هذا الشارع؟”. فقال أبو مصطفى: “أعرف”.

“ولماذا جئت اذن من هنا؟”

“الحصان.. أنظر.. الحصان تعبان جداً، واذا مررت في هذا الشارع فسأوفّر على الحصان مشيًا كثيرًا”.

فغمر الحصان حنان عارم. وقال الشرطي: “سَير العربات ممنوع في هذا الشارع. انه للسيارات وللناس الذين يسرون على أقدامهم فقط”.

قال أبو مصطفى: “أعرف”.

ولعق شفتيه بلسانه، وأردف قائلاً: “الحصان تعبان وسينقطع رزقي اذا هلك، و أموت جوعاً ويموت  أولادي.. لي أربعة أولاد”.

“ارجع. ولن أعاقبك لمخالفتك النّظام والقانون”.

“لي أربعة أولاد يأكلون حتى الحجر”.

وأطلق أبو مصطفى ضحكة قصيرة جافة وكأنّها مدية صغيرة شرسة، ثم أضاف قائلاً: “سأقول الصدق.. أنا لا أخاف على الأولاد إنّما أخاف على أمهم”.

 فقال الشرطي متسائلا بفضول: “ولماذا تخاف عليها؟”

وكانت الاشجار خضراء على جانِبَي الشّارع، وتمتدّ في الأعلى سماء رحبة زرقاء. وأجاب أبو مصطفى: “أخاف أن يأكل الأولاد أمهم إذا جاعوا. أسنانهم فظيعة”.

ومرّت سيارة تسير بسرعة كبيرة، فَنَفخ الشرطيّ في صفّارته، فَلَم تتوقف السيارة، واستطاع الشرطي أن يلمح رقم لوحتها قبل أن تنأى عن بَصَره، فسجّله على غلاف دفتره. والتفت الى أبي مصطفى محتقن الوجه غيظاً، وقال له: “هيا ارجع”.

“دعني أمرّ هذه المرة فقط”.

 فقال الشرطيّ بصرامة: “ألم تسمع ما قلت؟ ارجع”.

“مرّة واحدة فقط”.

“ارجع. القانون قانون ولا فائدة من التوسّل”.

“الحصان تعبان”.

“هيا ارجع”.

“الله يحفظك لأمّك”.

“الله لا يحفظني، أنا لم أخترع القانون. أنا أنفّذ أوامر صادرة إليّ، وأنت يجب أن تطيع هذه الاوامر”.

فلم يفه أبو مصطفى بكلمة إنما تخيل القانون مخلوقاً ضخماً له آلاف الأيدي: القانون يأمر الشّرطيّ فيطيع الشّرطيّ، ويأمر الشّرطيّ أبا مصطفى ويجب أن يطيع أبو مصطفى الأوامر.

ووقف أبو مصطفى مترددًا هنيهات، فصاح به الشّرطيّ: “ارجع. واذا لم ترجع حالا فستندم”. فاتجه أبو مصطفى نحو العربة، وكان غضب الحصان عندئذ قد بلغ الذروة، فجمع قوته كلها، واندفع جامحًا الى الامام، فبوغت الشرطي بالعربة المندفعة نحوه، وحاول أن يقفز الى الرصيف، فلم يتمكن، وصدمه الحصان، فسقط على الارض منطرحاً على ظهره، ووطأت صدره سنابك الحصان ثم مرت فوقه عجلات العربة وتخضبت بالدم الاحمر. ودهش الحصان حين رأى صاحبه لم يبتهج إنما امتلكه الذعر والوجوم ثم انطلق يركض هارباً. وبعد لحظة توافد الناس مهرولين، وتحلّقوا حول العربة، يتألق في عيونهم الخوف الممتزج بالشهوة الخفية، كأن الشرطي المسحوق ليس إلا جسد امرأة جميلة.

ولم يتفرق الناس الا عندما حضر رجال الشرطة، وبادروا الى اعتقال القاتل. وَكان القاضي عادلا، فسيق الحصان في فجر أحد الايام الى ساحة رئيسية خيل الى الحصان أنها ما تبقّى من البراري.

ووقف الحصان مبتهجاً لأنّه قبل وصوله الى الساحة قد اجتاز شوارع عريضة كان يُمنع من السير فيها من قبل، ولكن بهجته لم تدم طويلا اذ تدلى بعد حين مشنوقًا.

(من مجموعته القصصية “الرّعد”، 1970)

 

1

 منذ ثلاثين عامًا وتزيد. تعرّفتُ إليه وهو في الرابعة والعشرين، وكان تخرّج للتوّ من مدرسة السياقة في المدينة. في بطاقة هويته كتبوا إلى جانب المهنة: “سائق باص”، وكانت هذه كفيلة، إلى جانب صورته البراقة، بأن تدخلني إلى قفص الزوجية الذي بناه لي، في قريتنا الجميلة النائية.

كنتُ في أثناء الخطوبة أحلمُ ليلَ نهارَ بالرحلات وبالفُسح الجميلة والطويلة التي سنقضيها سويةً، ولم أفهم حتى اليوم ما قصدته أختي الكبرى في إحدى ليالي السمر الصيفية على سطح البيت، حين قالت لي بدلع وحياءٍ مكظومٍ وصوتٍ مكتومٍ: “كرسي الباص الأخيرة طويلة، ولن تنسي طعمتها”.

قبل الزفاف بيومين، حين تجمعت كل صديقاتي في القرية لليلة الحناء، أخذنَ جميعهنّ بالتندر على شكلي وأنا جالسة في الكرسيّ الأول من وراء زوجي، وهو يصطحبني في رحل ونزهات كُنّ جميعهنّ يحلُمن بها. إحداهنّ حلُمت بالذهاب إلى القدس، والأخرى إلى يافا والثالثة قالت بتأكيد غريب: “بانياس أجمل الأماكن في العالم! دعيه يأخذك إلى البانياس”.

لم نفهم وقتها تأكيدَها القاطعَ هذا وسألناها عمّا إذا كانت ذهبت إلى البانياس، فأجابت بأنّ أخاها كان هناك قبل سنة وقال إنها أجمل الأماكن في العالم. وضحكنا حتى دمعت أعيننا… ثم قالت أختي الصغرى بحسد واضح وافقها الجميع عليه: “أنتِ ونحن نسمع بالأماكن والرحلات، بينما ستكون أختي هي الوحيدة التي سترى هذه الأماكن بحق وحقيقة”.

وتنهّدتُ بفرحٍ وخوفٍ كبيريْن.

2

أستيقظ في كلِّ صباح في الخامسة فجرًا. أطبخ لنفسي غلاية صغيرة من القهوة السوداء الحلوة وأستقبل الشمس القادمة من رحلتها وهي حمراء ناضجة نضوج التين “الحمّاري” في كرم والدي المرحوم. أشربُ قهوتي بصمت ولا أضايق الشمس الآتية من رحلتها اليومية. لا شكّ في أنها مرهقة جدًا الآن، ولا تنقصها ثرثارة مثلي لتروي لها عن حياتها مع زوجها سائق الباص. أشربُ القهوةَ وأحلمُ برحلات الشمس اللانهائية، وأتمنى لنفسي واحدةً منها على الأقل.

في تلك الهنيهة الصباحية لوحدي، أكتشفتُ لوحدي، أنّ الشمس تزور عمليًا كل العالم في 24 ساعة، كلّ يوم! ما أقواها وما أجمل حياتها، هذه الشمس. تطوفُ كلَّ العالم لوحدها، ومن دون كلل أو ملل، تطوفُ ولا تتعبُ، تمامًا مثلما وعدتْني أمّي قبلَ أن يأتي أهل العريس ليأخذوني من بيت أهلي بساعة. ثم مالتْ عليّ قليلاً وقالت بتوسّلٍ لم أعتقد أنه سيبدرُ عنها يومًا: “إبقي اذكريني في رحلاتكم الجميلة”.

عندما يستيقظ زوجي تكون غلاية القهوة الثانية قد نزلت للتوِّ عن قرص النار. لا يُنظف أسنانه أبدًا ومع ذلك فإنها ناصعة وقوية مثل أسنان الحصان. أمي كانت تقول دومًا إنّ زوجي يأتي من عائلة كل رجالها مثل الخيل: أقوياء وأصحّاء وأسنانهم كبيرة وبيضاء. حتى إنّ أبي المرحوم لم يُخفِ حماسَه من أحفاده الذين سأنجبهم له، لأنهم “سيُولدون كالخيل، يرفعون الرأس إلى أعلى”.

ومع ذلك وددتُ لو ينظف أسنانه، خاصةً في الصباح، حين يهمّ بي أحيانًا، وأنا أيقظه، فيشدّني من يدي ويستلقي فوقي على السرير ولا يكترث بشيء. لا ينتظرني حتى لأستيقظ كما يجب، أو لأغسل وجهي. وما أن أستيقظ كما يجب حتى يكون قد انتهى من اللهاث السريع ذي الرائحة الكريهة، فينكفئ على الجانب الآخر ويسأل بهدوء: متى ستنهضين؟

ولكنني ربّيتُ أبنائي على تنظيف أسنانهم. لا أريد لأيٍّ منهم أن تتضايق منه زوجته في الصباح أو قبل النوم. على أبنائي أن يكونوا رجالا أصحاء وجميلين وحسّاسين لنسائهنّ. ولو كانت وُلدت لي ابنة -كما أملتُ دائمًا- لكنتُ صنعتُ منها أفضل امرأة في الدنيا. ولكنتُ بعثتُ بها إلى الجامعة وعادت إليّ طبيبة تطبّب لي عظامي المتفكّكة ومفاصلي التي بدأت تلتهب. طبيب القرية قال لي إنّ عليّ أن أريحَ جسدي وأن أتوقف عن القيام بأية مشاغل صعبة. الحمار. لا يكفي أن يذهب المرء إلى الجامعة ويصبح طبيبًا، عليه أن يكون ذكيًا أيضًا وفطينًا. ومن سيقوم بكلِّ مشاغل العائلة والبيت؟ هو؟ لو وُلدتْ لي ابنة وصارت طبيبة أفضلَ منه بألف مرة لكانت علّمته درسًا في الحياة يسوى كل المعدات الباردة التي يضعها على جسدي عندما أذهب إليه. يضعها ويطيلُ وضعَها ولا أتبرّم لسببٍ لا أعرفه.

3

خمسة أبناء وكُلهم رجال متعلمون مثل الورود الحمراء البراقة في لحظة صفاء نادرة. أنظر إليهم ولا أتحسّر إلا على المرات التي لم أقبّلهم فيها أكثرَ مما قبّلتهم، لا أتحسّر إلا على المرات التي كنتُ أعلم أنهم يقظون فيها يدرسون وأنا خالدة للنوم.

البكر مهندس والثاني معلم والثالث ممرض والرابع تاجر في سوق يسمونها البورصة والخامس يعمل في بنك القرية. ما زال أعزبَ “قريد العشّ”. الوحيد الذي لم يستقرّ في بيت له، ولكنني أتمنى بيني وبين نفسي أن يتأخرَ قليلا أكثرَ، كي يُؤنسَ وحدتي في العصريات الطويلة التي يكون فيها زوجي غائبًا، يسوقُ الباصَ آخذًا أربعين أو خمسين شخصًا في رحلة جميلة.

المرة الأولى التي ركبتُ فيها الباص كانت بعد الزواج بيوميْن. كان ما زال فرجي يؤلمني من ليلة الدخلة، وكنتُ كلما تذكرتُ اللحظة الأولى أهرعُ للتقيؤ في المرحاض، متعللة بأمٍر ما قد أكون أكلتُه في ليلةِ الزفاف. ولكنني كنتُ على الرغم من شعوري هذا أنتظر بلهفةٍ ركوبَ باص الشركة الذي يسُوقه زوجي وأن نمضي معًا في رحلات طويلة نلحق بها أثر الشمس الغائبة، فلا تغيبُ. في المرة الأولى ذهبنا في الباص إلى المدينة المجاورة وتعشيْنا سمكًا مشويًا. كان لذيذًا، واستغرقني أسبوع حتى علمتُ فيما بعد أنّ هذه “الرحلة” كانت شهر العسل الذي يتحدثون عنه.

لم آبه كثيرًا بشهر العسل القصير، فقد كنتُ متأكدة من أنّ شهورًا من هذا العسل آتية لا ريب فيها. بعد أربعة أيام عاد زوجي إلى العمل. ولمّا عاد، طلب مني أن أنظف الباص الذي ملأه الطلاب الملاعين بالمُسليّات والمُكسّرات والقيءِ. نظفتُه كما لو كان غرفةَ نومِنا. عادَ يلمع مثل البلّور وعاد فرجي يؤلمني في تلكَ الليلةِ تمامًا كما في الليلةِ الأولى. ولكنني لم أنبس بكلمةٍ؛ فغدًا سيأخذني إلى رحلةٍ جديدةٍ.

4

صارَ ينطلقُ في كلِّ صباح إلى عملِه، إلى رحلاتِه، ولا يعودُ إلا في المساء. وبعد أن يتعشى، آخذُ أدواتِ التنظيفِ وأصعدُ إلى الباصِ الطويلِ وأُعمِلُ فيه تنظيفًا، حتى يعودَ جديدًا كما خرجَ من الشركةِ. مع الوقتِ صرتُ خبيرةً بالنفايات التي أجمعها من الباص، وبواسطتها صرتُ أتكهّنُ بأعمار المسافرين وطباعِهم وأهدافِ رحلاتِهم. في مراتٍ كانَ يعودُ الباصُ نظيفًا إلا من بعضِ الأوراقِ البيضاءِ المكتوبةِ عليها كلماتٌ بلغةٍ لا أعرفُها؛ في مراتٍ أخرى كان يعود مليئًا بأغلفة المسليات والنقارش وعلب المشروبات الخفيفة الفارغة، وبعض القيء هنا وهناك.

ومع الوقت أيضًا لم أعدّ أحسّ بأية آلامٍ عندما يهمّ بي، كأنّ مصدر الألم انطفأ إلى الأبد، ففرحتُ لانطفائه ولم أزل.

عندما ولدتُ الأول، وعدني زوجي سائق الباص برحلةٍ خلابةٍ أستعيد فيها عافيتي وأعوّض على ولادتي العسيرة الأولى. ولكنه نسي، بعد أن توفت حماتي من ولادة البكر بثلاثة أيام، وأنا خجلتُ من أن أسألَه عن الرحلةِ الموعودةِ، لأنه صار يعودُ في أغلبِ الأحيانِ غاضبًا ومُزمجرًا ويبرطمُ بعباراتٍ فيها شتائم ومسبّات على صاحب الشركة وعلى زملائه وعلى ظروف العمل المهينة. عندما وُلد الثاني لم يقترح أية رحلة، وأنا لم أفاتحْه بالموضوع؛ فالولادة الثانية كانت سهلة نسبيًا للأولى، ولم أعتقد بيني وبين نفسي أنني أستحق رحلة في باص زوجي على ولادةٍ سهلةٍ.

بعد أن ولدتُ الثالثَ تيقنتُ نهائيًا من أنَّ الرحلةَ التي أنتظرُها لن تأتي أبدًا. كيف سنخرجُ في رحلةٍ جميلةٍ وطفلي رضيعٌ والطفلان الآخران يبكيان لأتفهِ الأسبابِ؟

كنتُ استقبل صديقاتي الفرحات العائدات من رحلاتهنّ مع أزواجهنّ إلى القدس ويافا وبانياس وأبتسم تأدبًا، وأنا أستمع إلى تفاصيل مثيرة وأخرى مملة لا يتعبنَ من تردادها، وأتجاهل الواحدة منهنّ حين تقول على حين غرة: “ألا تحديثننا عن رحلاتك في الباص الجميل”؟

ومن دون أن أدري تحوّلت علاقتي مع الباص إلى علاقةِ دلوٍ مليءٍ بالماءِ والصابونِ، ومكنسةٍ وبعض أقمشيةٍ باليةٍ. في كلِّ يومين أو ثلاثة أصعدُ إليه وأمسحُ بقايا القيءِ والأكياسِ التي خلّفها الصغارُ خلفَهم. صرتُ خبيرةً في أنواع الأكياس وألوانها وأسماء المسليات التي بها، وهكذا صرتُ أشتريها لأبنائي عندما يهمّون إلى رحلةٍ مدرسيةٍ. كنتُ أملأ حقائبَهم بأشهى المُسلّيات وأودّعُهم دامعةً وهم يركبونَ الباصَ في الرحلةِ المدرسيةِ التي لم يكونوا ينامون في الليلة التي تسبقها. كنتُ أسمع همسَهم في الليل وهم يتجاذبونَ أطرافَ الجّمَلِ حول المكان الذي سيذهبون إليه وحول زملائهم وما اشتروه وكيف أنني دائمًا أشتري لهم أفضلَ المسليات، إلا أنهم كانوا يُجمعون دائمًا على أنّ زوجي أفضلُ رجل في الدنيا لأنه يأخذهم في رحلات المدرسة ويحفظ لهم دائمًا المقعد الأخيرَ الطويلَ.

وكنتُ أتقلّب في سريري وأنظر إلى السقفِ المعتمِ وأتذكرُ أنّ خالتَهم أيضًا كانت من مُحبّي المقعدِ الطويلِ في الخلف، مع أنها هي الأخرى لم تُجرّبه في حياتها.

في كل صباح كانوا يخرجون إلى المدرسة في الباص الكبير، الذي عتق وصار مهترئًا، ويتركونني لوحدي على قارعةِ المدخلِ ألوّحُ بيدي وأستنشقُ رغمًا عني دخانَ “الديزل” الأسودِ الكريهِ.

عندما وُلد الرابعُ حصل زوجي على باص جديد من الشركة. كان منظرُه خلابًا ونظيفًا وجديدًا؛ كان يعبق براحةِ أغطيةِ الكراسي الجديدةِ وكدتُ لفرطِ اندهاشي أن أقعَ إلى الخلف عندما قال لي زوجي بفخرٍ إنّ به فيديو وتلفازًا! ولكنّ فرطَ الدهشة جعلني أيضًا أندفعُ إلى الخلف مُروَّعَةً فاندلق دلوُ الماءِ والصابونِ الذي أحضرتُه لتلميعِ الأرضيةِ اللماعةِ أصلاً، فتوسختِ الأرضُ بالماءِ ووسّخَ قسمٌ منه أرجلَ أبنائي الواقفين خلفي، فاندهشوا وتريّبوا! فلطمَني زوجي بيده على وجهِي، كما يفعلُ عادةً عندما يغضبُ، وصاحَ: يا بقرة! ألا يليقُ بكِ حتى باص جديد؟

لم يفعل أبنائي شيئًا، بل نكّسوا رؤوسهم وخرجوا بصمتٍ من الباص، تاركينني أمسحُ دموعِي وأمسحُ الماءَ عن أرضيةِ الباصِ بسرعةٍ وحرصٍ كبيريْن، كي يتركني بحال سبيلي، فالأولاد يروْن!

منذ تلك اللحظة صرتُ أكره هذا الباص الجديد. أنظفه رغمًا عني، وبكسل واضح. حتى إنني كنتُ “أنسى” في كثير من الأحيان أكياسًا صغيرة أو بقعة قيء أعرفُ أنّ رائحتها ستزكم أنفه في اليوم التالي. لم يكن يهمّني؛ لو كان يهتم بتنظيف أسنانه لاهتممتُ به أكثر!

5

بدأ الأبناءُ بتركِ البيتِ للدراسةِ وصرتُ أحترفُ الجلوسَ عصرًا عند مدخلِ البيتِ أنتظرُ شبحَ الباص الجديدِ. وقد أحسَنَ بِكري صُنعًا -وأيّما إحسانٍ- حين ركّب على سطح المنزل صحنًا كبيرًا مُدوّرًا قال إنه يزيد على القنوات في التلفاز أكثر من 100 محطة، فلم أصدّقه إلا حين أخذَ يقلّب بينها، وقامت قيامةُ الأبناءِ الآخرين وزوجي، كلٌ يريد أن يشاهد محطة بعينها، إلى أن صاحَ زوجي ونهرَ، ثم أخذ يقلّب حتى وصل محطةً كان فيها رجلان يصرخان على بعضهما البعض. بعد برهة قال “قريد العش”: “هذه محطة اسمها “الجزيرة”. “محطة أخبار”.

ولكنني لم أحبّ “الجزيرة” يومًا، فهم يصرخون على بعضهم البعض طيلة الوقت. كنتُ أحبُّ مشاهدةَ الأغاني وبرامج التطبيب بالأعشاب والمسلسلات العربية. لا أعرف حتى الآن كيف صمدتُ طيلة الوقتِ من دونِ هذه المسلسلات. وأكادُ أقسمُ بأنني أذكرُ حلقاتٍ كاملةً من مسلسل “مفيد الوحش” و”الجوارح” عن ظهر قلب؛ فما أن ينتهي بثّ حلقاتِ المسلسلِ على قناةٍ ما حتى تبدأ قناةٌ أخرى ببثها، لتعيد القناةُ الأولى ببثها من جديدٍ في الليل المتأخرِ، وقناة أخرى وأخرى وهكذا، حتى استغنيتُ عن أية صلة بما حولي وصرتُ أنا والصحن المدوّر الكبير أعزّ صديقيْن: أنا أؤنس وحدته في الصالة، وهو يأخذني في رحلات لم يكن ليحلم بها أيّ سائق باص.

كان كلما يطلّ زوجي من بعيد تعودُني ذكرى الألم القاتل إياه من ليلة الدخلة، فأهرع للتقيؤ خلف البيت. فيما بعد قال لي الطبيبُ إنّ عندي جرحٌ في المعدة وإنّ القيءَ الدائمَ الذي ينتابني سببُه موادّ التنظيف التي أستعملها، فنصحني باستبدالها، فاستبدلتُها. ولمّا لم يتوقف القيء قال يائسًا: المهم ألا تأكلي كثيرًا، فتتقيّئين أقلَّ. وهكذا صرتُ آكل قليلاً، وأتقيّأ قليلاً وأنحف كثيرًا، وصرتُ أسمح للطبيب بأن يطيلَ وضعَ أدواتِه على جسدي كيفما شاء، وأحيانًا كان يستغني عنها ويتحسس مواضع الألم بيديه، مرتعشًا حتى يهدأ.

6

عندما رأيتُ هذه القطعةَ المطاطيةَ الطويلةَ لم أفهم ما هي. كما أنني لم أتيقن من هذا السائل اللزج المحبوس بداخلها. كانت القطعة المطاطية ملقاة في نهاية الباص على الكرسي الأخير الطويل، نفس الكرسي الذي قالت لي أختي قبل دهر من السنين إنني لن أنسى طعمَه. عندما تعرفتُ على رائحة السائل اللزج لم أتمالك نفسي فتقيأتُ على الكرسي ووسخته شرّ توسيخ. ثم صرتُ بعد هذه الحادثة أفتعل النوم في تلك الصباحات التي يأتيني فيها من الخلف، فيبلغ مشتهاه وأنا “نائمة”- فأريحُ وأستريح!

7

أجلسُ في كل صباح لوحدي، في الخامسة صباحًا، وأسأل الشمس بصمت عن رحلتها الطويلة. أنظر إلى الباص الذي يقودُه زوجي في رحلاته الكثيرة وأودّ لو أسأله عن الأماكن التي زارَها وعن الناس الذين رقصُوا وغنّوا على مقاعدِهِ ليومٍ كاملٍ. حتى أبنائي الذين أحبُّهم أقلّوا من زياراتهم وهُم لاهون عني بزوجاتهم وأحفادي الذين أنتظرُهم بفارغ صبرٍ.

ومنذ أن وُلد أحفادي وكل أبنائي وزوجاتهم يغيبون في رحلات طويلة، لا يشبعون منها، وأنا أنتظرهم دائمًا ليعودوا إليّ بخِمار شتوي أو بقطعةِ قماش أخيّطها على ذوقي. أبنائي أشبه ما يكونون بالرحّالة، يحبّون الرحلاتِ أكثرَ من أيّ شيءٍ آخرَ. فهكذا علّمتُهم وهم صغار: لا تفوّتوا رحلةً في حيواتِكم، ولا تفوّتوا فرصةً للسّفر مهما حييتم. اسمعوا مني، فأنا أمّكم وأعرف أكثرَ منكم في الرحلات!

صرتُ أرحلُ كيفما أريدُ وأينما أريدُ، وأنا جالسةٌ في مقابل القنواتِ الكثيرةِ حتى صرتُ أكرهُ الرحلاتِ الحقيقيةَ والباصَ وزوجي، وصرتُ أقلِل من الخروج إلى الشرفةِ أو مبارحةِ مكاني في الصالة. بعد أن أنهكني المرضُ وداءُ المفاصل، موّل لي التأمين الوطني مساعِدةً تأتي لتعينَني على مهمّاتي الحياتيةِ ولترتبَ المنزلَ المُقفرَ. فـ “قريد العشّ” قرّرَ السكنَ في المدينة، حيث يسكن أخُوه الكبير، “ففرصُ العمل هناك أكثرَ”.

صرتُ أجلسُ ساعاتٍ وساعاتٍ، أسافرُ في أيةِ رحلةٍ أريدُ، وفي أيّ باص أختارُ، وعبرَ أيّ مسلسلٍ أرتئيه. ومع أنّ نظري خفّ كثيرًا وسمعي أكثرَ، إلا أنني ظللتُ قادرةً على التمييز بين الصُور والأحاديثِ وأطيافِ الأماكنِ التي أراها على الشاشة.

وهكذا سمعتُ صوتَه من الداخلِ يصيحُ: “إلحقيني، إلحقيني، عَم بموت!!” إلا أنني لم ألحقه ولم أفعلْ شيئًا. ماذا يريدُني أن أفعل؟ ثم إنّ نداءاته خفّتِ الآن، ثم توقفتْ تمامًا. أعتقد أنه نامَ الآن. فلينمْ، ماذا يريدُ مني أن أفعلَ؟ فلينتظرْ. فأنا الآن في رحلة وعليه أن ينتظر ريثما أعود.

كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، واتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

 لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلا ميّتا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له:

قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


*من المجموعة القصصيّة “الطلبيّة C345″، منشورات المتوسّط، ميلانو، 2018.

 

ما إن لمح صديقة القادم من الوطن في صالة الاستقبال في المطار، حتى بادره سائلاً إياه:

* هل أحضرت الأمانة؟

مد صديقه يده إلى حقيبة معلقة على كتفه ثم قال وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:

* لقد دوختني بمكالماتك وقولك: “أحضر لي حفنة تراب.” ألم يغترب أحد غيرك يا رجل؟!

ثم أخرج من حقيبته كيسا مليئا بالتراب.

نظر بوجه يخلو من أي مشاعر إلى صديقه الذي قدم لتوه من الوطن، تناول كيس التراب ثم توجه صامتاً إلى القطار.

بقي صامتاً في القطار أيضا، لم يكن يسمع قرقعة عجلات القطار على السكة ولا ضحكات مجموعة من الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزينة بالزمام أو فتيانا يتصايحون فرحا بنصر فريق كرة يؤيدونه. كان يمعن النظر إلى الكيس المليء بالتراب بين يديه.

كان الذين يمرون بقربه على عجل وينظرون إليه، يتخيلونه سكران أو نائما. حتى عندما طلب منه مفتش القطار تذكرة الركوب، أخرج تذكرته من جيبه ورفعها في وجه المفتش دون أن يرفع بصره عن كيس التراب، زم المفتش شفتيه وتغيرت ملامحه وهو يعيد تذكرته إلى يده التي كانت ما تزال معلقة في الهواء.

ثلاثة أعوام مرت وهو بعيد عن وطنه. وفي البلاد الجديدة التي لم تكن لتصبح وطنه صادف مصاعب شتى. قضى سنة بكاملها في سكن للاجئين، وسكن في السنتين الأخريين في منزل أشبه بالكوخ الحقير. لم تسنح له فرصة تعلم لغة البلاد التي وفد إليها، ولم يتمكن من عقد صداقة مع أحد ولم يستطع تأمين عمل يناسبه.

كانت الأيام تمر ثقيلة عليه في تلك المدينة التي لم تكن لتفتح أبوابها له. كان سيجن لو لم يمتلك الهاتف الجوال. ومع أن هاتفه لم يكن يرن إلا نادرا فقد كان يسليه، إذ كان يطلب أرقاما لا يعرف أصحابها ويسارع بالاعتذار قائلا: عفوا لقد أخطأت الرقم! كان يسمع مرات كثيرة أصواتا عنيفة غاضبة تقول: لا تخطئ مرة أخرى! لكنه لم يقلع عن تلك اللعبة لحاجته إلى سماع صوت آدمي والتحدث ولو لثوان قليلة.

كانت دائرة الخدمات الاجتماعية في البلدة تضغط عليه كثيرا ليعمل، لكنه وضع تعلم اللغة نصب عينيه هدفاً أساسياً، ولكن لم يكن هناك أحد ليساعده في تحقيق هدفه ذاك، إلى أن انخرط ذات يوم في البكاء عند موظف الخدمات الاجتماعية الذي يشبه كرة ذات عينين زرقاوين ولسان ألثغ! قال وهو يجهش بالبكاء:

* أرجوك امنحني فرصة تعلم اللغة قبل العمل!!

دخل دورة اللغة لمدة ثلاثة أشهر لم يتعلم خلالها سوى ” أنا فلان، من البلد الفلاني” وبضع جمل للمداولة اليومية.

انهمرت الرسائل القادمة من دائرة الخدمات الاجتماعية مرة أخرى على صندوق بريده البارد الصامت الذي لم يكن ليجد فيه سوى تلك الرسائل الرسمية الجافة الخالية من أي عاطفة!

اضطر لتوزيع الإعلانات، فكان يمشي لساعات في تلك الشوارع الموحشة مثل القبور ليوزع إعلانات للمطاعم والحلاقين وحتى بنات الهوى وكذلك جرائد الإعلانات التي توزع أيام السبت والأربعاء. اسودت أظافر قدميه حتى سقطت. كانت الكلاب في كثير من الصباحات تخيفه بعوائها إذ يقترب من أبواب المنازل ليدس الإعلانات في شقوقها. كان يحس بطعم المرارة في حلقه ثم يكمل مشواره.

ليست الكلاب وحدها، بل أصحاب الكلاب أيضا كانوا يزجرونه قائلين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إليه أو الرد على تحيته الصباحية:

* لا ترم هذه الأوساخ في صناديق بريدنا!!

ثم يستقلون سياراتهم ويمضون.

كان يطأطئ رأسه مضطراً وهو يبلع ريقه ثم يغادر صامتا إلى صندوق آخر.

* * *

توقف القطار في المحطة التي تسبق محطة بلدته، نزل بعض الركاب و صعد آخرون، كانت مجموعة الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزممة ما زلن يضحكن لكن قطيع مشجعي الفريق الذي ربح مباراته الأخيرة نزل من القطار وأفراده يرفعون علب البيرة في الهواء.

نظر إلى تلك الفتيات نظرة خاطفة، ثم عاد إلى التحديق في كيس التراب وشد عليه قبضته كمن يخاف اختطافه، وهدر القطار من جديد.

كان يشعر بالوحدة أنى ذهب. في القطارات، في المطاعم، في الاحتفالات التي يقيمها الناس في الشوارع، في المتاجر الكبرى. ما كان يجرؤ على النظر في وجوه الناس. كان يخشى أن يتحدث إليه أحدهم بتلك اللغة التي لا يتعلمها، فلا يرد على الناس ويتظاهر بأنه لا يسمع.

ولأنه لم يكن يتحدث بلغته أيضاً، فقد خاف من أن يصيبه الخرس وأصبح يتحدث إلى البسط والنوافذ، وإلى الغيوم والصلبان المنتصبة فوق أبراج الكنائس. حتى أنه بدأ يتحدث إلى المانيكانات التي تزين واجهات المحلات أيضاً.

عندما وصل إلى البيت، فتح الباب وهمس بصوت خفيض للتراب الصامت بين يديه في قعر الكيس:

* تفضل ادخل!

وما إن اجتاز العتبة حتى قال:

* اعذرني لأنني أتيت بك إلى هذه الغربة ولكن كان يجب عليك الحضور!!

توجه في بداية الأمر إلى غرفة نومه ووضع كيس التراب عند وسادته التي ينام عليها، لكنه استدرك قائلاً:

* لا. ليس هذا محلك!

دخل إلى الصالون ووضع الكيس هناك. لم يعجبه المكان وأخذته الحيرة فأخذ يتنقل به من زاوية إلى أخرى في شقته الصغيرة إلى أن استقر به المقام في الحمام، فسكب ما بداخل الكيس من تراب على الأرض الباردة الرطبة. ارتفعت كومة من التراب المتعب الجاف الصامت الذي شهد آثار خطواته آلاف المرات، على أرض الحمام. كاد يسمع أنين التراب إذ ينسكب ذرة ذرة على تلك الأرض الغريبة.

تضاعفت دقات قلبه واغرورقت عيناه بالدموع. نظر إلى كومة التراب ملياً ثم قال بصوت مرتجف:

* ها أنذا يا تراب وطني أشم منك رائحة الخراب.

سكب جرعات كبيرة من البيرة في جوفه ثم واصل التحدث قائلاً:

“مضت علي ثلاث سنوات وأنا بعيد عنك، اعذرني إن كنت نسيت اللغة التي كنت أحاورك بها. اعذرني إن خاطبتك في هذه الليلة الموحشة بعدم احترام. هل تذكر عندما حاصر البوليس منزلنا ثم اقتحموا غرفتي؟ أتذكر عندما حطموا قلمي وأحرقوا أوراقي التي سطرت عليها أشعارا تحكي حبي لك، أمام عيني وعينيك؟ أتذكر حينما صادروا كتبي ووضعوها مثل أرانب خائفة في أكياس قذرة؟ لقد قيدوا يدي أمام عينيك – إن كانت لك أعين – وأخرجوني وهم يركلونني ليرموني مثل كيس تبن في سيارة جيب لونها كان يحاكي لونك؟ لقد بقيت وقتها، أيها التراب، صامتا تلعق أحذية قوات الأمن دون أن تشعر بآلام معصمي المقيدين!! وعندما عدت بعد أسبوع في السيارة ذاتها، كنت أنظر من خلال زجاج النافذة إليك، كاد قلبي يتفطر وأنا أرى عجلات سيارة الأمن تزني بك!!

كنت أنت الشاهد الصامت للفجيعة حينما كانت أحذية المخابرات ترسم نقوشا متوحشة عليك وأنت في صمتك ونومك الترابي!!

هل تذكر حين طحن العشق قلبي ذات خريف؟

نعم، بدون شك ما زلت تذكر عندما كانت حبيبتي تحث الخطى كل ظهيرة فوقك لتأتي إلى غرفتي وتضع يديها على عيني المنتظرتين وهي تسأل ضاحكة: من أنا؟ كنت أتغابى فأتحسس بيدي يديها اللتين تشبهان حمامتين أليفتين ثم أرفع أصابعي إلى شفتيها المكتنزتين الدافئتين وأنزل بها إلى نهديها التفاحيين و فخذها اﻟ … وأقول: أنت جنية!!

كنا نتقلب كغمامتين ثائرتين تلهو بهما رياح مجنونة.

كانت حبيبتي تنسج بخطواتها كل ظهيرة بساط الأكاذيب، وكنت أنت على علم بالفخاخ التي تنصبها أمامي، لكنك لم تهمس ولو لمرة واحدة في أذني: حذار من أن تتعثر قدمك بالفخاخ! لم تقل لي ولو مرة واحدة: يا مجنون! لا تثق بالسراب، سيموت قلبك عطشا!! لم تقل لي: لتنته هذه اللعبة، قلبك يتعرض للطحن!!

كنا صديقين أيها التراب. كتبت فيك أروع الأشعار. كنت أشمك بكل ما في رئتي من قوة. كنت أبقي على غبارك الملتصق برموش عيني و ثيابي أسابيع و أياما ولا أنفضه عنها!!

كنت أقول: هذا غبار مقدس، غبار التراب، التراب الذي يغفو أمام باب الدار، التراب الذي يحتضن طفولتي المخنوقة وشبابي الضائع”.

احمرت عيناه رويدا رويدا، وأصبحت علب البيرة المرصوفة على رف المرآة تفرغ علبة إثر علبة، لكنه استمر في التحديق بكومة التراب المنسكبة على أرض الحمام العارية الصامتة وهو يقول:

“أصبحت تائها شريدا. حملت قلبي المحطم وطفت به في كل الأماكن دون أن أجد أحدا يلملم شظاياه. كنت تراني عشرات المرات في حيرتي – إن كانت لك أعين – لكنك كنت تبقى في صمتك الأزلي.

أما كان عليك أن تصبح أمام حزن خطواتي جنونا من غبار فتتطاير في سماء تلك المدينة المجرمة لتخبر الجميع بما يعانيه هذا القلب من آلام؟ أما كان عليك أن تخبرني بكل الفخاخ المنصوبة أمام قلبي؟ أنا الذي كنت أراك أما لي بل أكثر من أم؟

أحرقت منزلي وكتبي قهرا من حياتي البائسة وأوشكت على إحراق نفسي بينما كنت تنظر إلي صامتا، وربما كنت تقول في سرك وأنت تضحك: لقد جن الولد!!

كنت أرى معنى حياتي في حمايتك وحبك، وعندما أسمع كلمة سوء بحقك كنت أجن وأكاد أخفيك في عيني وأذود عنك بنور بصري. كنت مستعدا لبذل دمي فداء لك، ولكن أنت!! آآآآآه. بم أخبرك الليلة؟!

قل لي ما الذي فعلته لأجلي عندما ضاقت بي الأرض وسحقت طواحين الأمل قلبي لتجعله طحينا مشتعلا؟ ما الذي فعلته لأجلي عندما كنت تراني بائسا حزينا جائعا!! كنت أبكي لأجلك ولم أسمح حتى للريح بخطفك من أمام باب الدار، لم أذق للنوم طعما حتى أمنع لصوص التراب من نفيك إلى أرض المجهول!! قل لي – إن كان لك لسان – ما الذي فعلته لأجلي عندما هربت إلى هذه البلاد التي لا تصبح بلادي؟!

كنت تنظر إلي – إن كانت لك أعين – وتراني أروح وأجيء باحثا عن ذاتي التائهة، وعن حياة هادئة وحب صاف، لكنك لم تصبح وطنا لتلك الحياة ولا لذلك الحب!!

كنت تبقى صامتا، كما أنت الآن على هذه الأرض الباردة العارية وفي هذه الليلة الخرساء!! فلا تقل لي بعد: لم أتيت بي إلى هذه الغربة؟!

إنك أنت الذي دفعت بي إلى كل هذا الخراب، أنت من نفيتني. إنه ذنبك أيها التراب، ذنبك أنت. فلا تظنن أنني سأضعك بجانب رأسي على الوسادة لأشمك كل صباح وأقول: ياااه! تفوح من ذراتك رائحة الجنة!!

لا. لا أبداً. لكنني ﺴ…………. “

فجأة عمد إلى أزرار بنطاله وأخذ يحررها عن عراويها بسرعة، ثم بدأ يتبول على حفنة التراب المتكومة كأنين صامت على أرض الحمام الباردة الرطبة.

 

ليس هناك جسم جامد كالمفتاح يحمل المشاعر التي يحملها، فالبصمات التي تبقى عليه ولا يمحوها قانون التقادم هي رسم خفي لاحاسيس الناس الذين حملوا المفتاح واخترقوا عالمهم او خرجوا منه، كالرسم البياني على جهاز تخطيط القلب، يسجل الغضب والحزن والفرح والسكينة، فكيف يكون المفتاح حين يحمله شاعر غادر البيت حاملاً مفتاحه وديوان شعر وشحن على ظهر قارب في البحر أقلع به من حيفا إلى عكا، ثم الى بيروت وإلى.. وإلى..إلى أن التقينا في صوفيا.

في طفولتي لم يقل لي أحد شيئًا عن أبي سلمى.. لا في المدرسة ولا في البيت.. وحين كنّا صغارًا نحفظ الشعر ونتبارى فيه، كنا نبدأ المبارزة الشعرية بما أسميناه “المفتاح”، أي البيت الذي نفتتح به وكان:

أنشر على لهب القصيد        شكوى العبيد إلى العبيد

وكان يصّر على هذا المفتاح معلم اللغة العربية، لكنّه لم يقل لنا من هو قائله، والحقيقة أننا لم نسأل لأننا كنا نبحث عن أبيات ذات قافية صعبة، و”الدال” هو واحد منها، وأمّا معلم التاريخ الذي كان يستجيب إلى إلحاحنا لتمضية درس التاريخ الناشف بمبارزة شعرية فقد كان يصّر على مفتاح آخر، وهو:

ألعرب أشرف أمة               من شك في قولي كفر

ولا أعرف حتى اليوم من هو قائل هذا البيت، لكن معلم التاريخ لم يكمل السنة الدراسية، فقد افتقدناه يومًا وقيل لنا أنه يكتب الشعر وقد طُرد من المدرسة وسمعنا فيما بعد أنه غادر البلاد وصار يتنقل بين مصر وليبيا والاردن ولم يعد إلى وطنه، بل تركنا نسخر من أنفسنا ونحن نسأل:

هل حقًا، العرب أشرف أمة ؟

قد يعود الينا يومًا ويحكي عن العرب، مؤمنًا او كافرًا، ويعلم الله أنه بعد أن تعرف على حالة العرب في الخارج فسيأتينا معتذرًا ليس على كفره بل على يقينه في تلك الأيام.

أبو سلمى

بعد أن أنهيت المدرسة الثانوية في حيفا سمعت لأول مرة عن أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، ويحز في نفسي اليوم أنني كنت أمر يوميًا، ولأربع سنوات متتالية، قرب بيته ولا أعرف أن في ذلك البيت عاش وكتب “شاعرنا القوميّ”.

لم أعرف في ذلك الوقت ما معنى “الشاعر القوميّ” لأن معلمة اللغة العبرية، غرزت في رؤوسنا أن حايم نحمان بياليك هو شاعر قوميّ، ولا يجوز أن يكون هناك شاعر قوميّ لأمة إلا بياليك للأمة العبرية.

عندما كبرت صرت أسأل كطفل صغير:

لماذا لا يكون لنا شاعرنا القومي، مثلما أن لهم شاعرهم؟

وكم أردت أن يكون أبي ومعلم التاريخ شاعرًا كهذا.

إلتقيت أبا سلمى في صيف 1980، في صوفيا مدينة البلقان.

جاء ليلقي الشعر وذهبت لأدرس الشيوعية.

هناك تحدث عن حيفا، وإذا بها مدينة غير التي تعلمت فيها وأعرفها وأقضي معظم ساعات نهاري في غرفة صغيرة من غرف جريدة “الإتحاد” التي احتوت بين جدرانها على طاولة خشبية عريضة، هي طاولة أبي سلمى.

إحتفظنا نحن بطاولة مكتبه واحتفظ هو بمفتاح البيت.

كنا نتحدث إليه عبر طاولته وكان يتحدث إلينا عبر المفتاح.

مناجاة عشّاق لقمر لا يغيب، ولكنه بعيد، بعيد.

سأل عن شارع الملوك وساحة الحناطير وقال أن بيته في شارع البساتين، في حي الألمانية.

سأل:

هل تعرفون البيت؟

هل هناك أحد يحرسه؟

كان أبو سلمى يعاتبنا لأننا اكتفينا بطاولته ولم نحرس البيت، حتى أننا لم نعرفه، ولم نجرؤ على السؤال:

“لماذا ذهبت؟”

غجر

بين حيفا الأمس وحيفا اليوم درج من حجر.

ألماضي من تحت والحاضر من فوق.

بحرها يتراجع وقممها تفقد خضرتها يومًا بعد يوم.

أصبحت مدينة شاحبة مشحونة بدخان المصانع وزعيق البواخر في الميناء.

بكى وهو يحكي وبكينا نحن على بكائه.

“خرجت مع مفتاح وقصائدي.

وقعت قصائدي في البحر وظل المفتاح لأنني ربطته بخاصرتي..”

في طريقي اليه في فندق البلقان جلست على الارض امرأة غجرية وضعت في حضنها رضيعا والى جانبها وقف طفل في السابعة مادا يده للتسول. أردت أن أعطيه لكن مرافقتي البلغارية قالت:

“لا. انهم ليسوا بحاجة، فالدولة توفر لهم كل شيء وهم يرفضون هذه النعمة! الغجر يرفضون النعمة ويفضلون التسول! هذه هي حياتهم! لقد بنينا لهم المساكن وسلمناهم مفاتيح الشقق، فباعوا المفاتيح وتركوا البيوت فارغة وانتشروا في الشوارع.. يغنون ويرقصون ويتسولون..”

(شو هالحكي؟)

“لماذا تضحك يا رفيق؟”

– خذيني الى فندق البلقان واتركيني هناك مع الشيخ الغجري الفلسطيني!

إنه شاعرنا القومي؟ هل للغجر شاعر قومي؟

“لبلغاريا شاعرها!”

قالت الرفيقة نانا، وودعتني عند مدخل الفندق، ولما عانقت أبا سلمى لم يتسلل إلى أذني إلا شهقاته وطقطقة صرة المفاتيح التي حملتها موظفة جميلة وغابت في الردهات الطويلة.

تلة رضوان

رحلة البلقان كانت كالخرافات الموروثة، لا يحيكها سوى القضاء والقدر والمصادفات الجميلة، وفي صميمها إنسان تتقاذفه الأقدار، كهذا الشاعر العجوز الذي يحلم بالعودة إلى بيته ويصفه حجرًا حجرًا، ويسأل عن الدرج وعن غرفة “سعيد “وعن الحديقة ويعاتبنا لأننا لم نحرسها. وحين يبدأ رحلته يختار الأسطورة: “يُحكى عن راعٍ في تلة رضوان كان يغني لجواميسه ويعزف على الناي، أحب ابنة شيخ القبيلة وأحبته فبعث يطلب يدها.

غضب والدها على هذا الراعي “الوقح “الذي يجرؤ على مجرد التقدم اليه بطلب كهذا، فأمر بقطع أصابع يديه عقابًا له.. وكان هذا أقسى حكم ينزل على شاب ترقص أنامله الجواميس في المراعي.. في اليوم التالي رفضت الجواميس الخروج لأن الراعي لم يأتِ ولم يعزف.. وما كان من أهل القبيلة إلا أن قصوا أعواد القصب وركبوها في مكان الأصابع وعاد الراعي ليعزف على الناي فخرجت الجواميس إلى المراعي وتزوج ابنة الشيخ..

قال أبو سلمى أنه تأثر كثيرًا بهذه الحكاية وظلت ترافقه ومنها بدأ يكتب الشعر، كانت هي المفتاح للإلهام، مثلما كانت أصابع الراعي المقطعة المفتاح للموسيقى التي أطربت الجواميس، وهل هناك اقتحام لعالم روحانيّ أو ماديّ دون مفتاح؟

في عام النكبة فقدت عشرات ألوف المفاتيح، منها ما ظل في الأبواب المشرعة ومنها ما وقع على الطريق الوعرية أو في البحر، إذا لم يربط في الخاصرة، وها هم أصحابها ينتظرون أكثر من خمسين عامًا صابرين على فراقها مؤمنين “أن الصبر مفتاح الفرج” مستبدلين مفتاح البيت الحديدي بمفتاح الأمل الذي تبدد بعد أن قامت الجرافات وأخذت البيت والمفتاح.

ألبيت

مات أبو سلمى بعيدًا بعيدًا عن وطنه، بعد شهرين من لقائنا في البلقان.

مات في أمريكا ودفن في دمشق وترك المفتاح لابنه سعيد..

عدت إلى البيت في شارع البساتين، لأبحث عنه ولأسأله إن كان هو أيضًا يشتاق الى أهله مثلما يشتاق أهله له، وقد كنت أمّر يوميًا بجانبه ولا أراه، وربّما لأن معلمة المدنيات اليهودية قالت لنا: “العرب في حيفا هربوا خوفًا من البراميل التي دحرجناها في نزلة ستيلا مارس وعلى الدرج الذي يفصل بين حيفا من فوق وحيفا من تحت ففكروها طائرات ودبابات.. وتركوا بيوتهم وهربوا، ويقال ان امرأة حملت وسادة بدلا من ان تحمل رضيعها الذي نام في السرير.. وعندما دخلنا كان الطبيخ على النار.. “

عدت إلى حيفا بعد رحلة البلقان وذهبت إلى حنا نقارة، صديق أبي سلمى، وطلبت منه أن يأخذني إلى البيت.

وقع خطانا على السلم الخشبي لم يوقظ أهل البيت.

إنتظرنا أن يفتح أحد بابًا ويقول:تفضلوا!

كنا كمن يتحرك في كهف مهجور.

“هذه غرفة النوم”..

وضرب حنّا بكفه على جدار اهتز هزات خفيفة واختفى رجع الصدى، وفي عينيه علقت دمعتان.. أما السقوط على أرضية “الكوريدور” الخشبية وأما البقاء في عناق طويل مع الرموش الذابلة.

طرقنا على الباب.. لم يسمع صوت.

“ربما أنه مهجور”

طرقنا مرة اخرى.

“من هناك”؟

ردّت علينا امرأة كأننا أيقظناها من سبات عميق.

لم نعرف كيف نعرّف عن أنفسنا، ولو عرفنا لأثرنا خوفها في مدينة عندما يطرق غريب وصل بلا موعد على أبواب منازلها، فإما أن يكون حراميًا وإما أن يكون شرطيًا وكلاهما يثيران أشد أحاسيس الخوف.

“سلام عليك أيتها السيدة”

وجوم..

“هل تسكنين هنا منذ زمن بعيد؟ منذ عام1948؟”

عجوز في الستينات وقفت خلف بابها المشقوق وحدقت بنا حيرى ومرتبكة ونحن ألقينا بنظراتنا إلى باطن الغرفة.

“أسكن هنا منذ عام 1949”

أشار حنا إلى الغرفة الواسعة وقال، هذا هو الصالون.. كان يستقبلنا هنا.. وسألنا السيدة:

“هل تعرفين من كان يسكن الدار قبل مجيئك”؟

فأجابت السيدة:

“لا أعرف! عائلة بولونية.. قبلها سكنت عائلة ألمانية..”

قال حنا نقارة:

“هذا البيت لقريب لي توفّي قبل شهر.. نزح عنه قبل 32 عامًا..”

سألت السيدة:

“هل هو عربيّ؟”

إمرأة عجوز قدمت من رومانيا عندما كان صاحب هذا البيت يحمل المفتاح وقصائده ويركب قاربًا أبحر به بمحاذاة الشاطئ من حيفا، إلى عكا، إلى طرابلس..

“هل تعلمين أن صاحب هذا البيت هو شاعر فلسطيني كبير توفي قبل شهر؟ هل تعلمين أنه ظل يحتفظ بمفتاح البيت على أمل العودة؟”

حركت رأسها كأنها تقول: “مسكين هذا الشاعر!” ثم واصلت: “البيت قديم وقد طلبت من البلدية أن تعطيني بيتًا آخر، ولكن لا يوجد فلوس.. أسكن في غرفة واحدة، هنا مطبح وهنا حمام وهنا غرفة مسدودة بالباطون.. سدتها البلدية، إنها تدلف، جدرانها مشققة وشبابيكها محطمة..”

مد حنا يده وصافح السيدة العجوز. الدمعة التي تراخت على الرموش الذابلة انقسمت وتساقطت على خده. عدنا إلى السلم الخشبي، والكوريدور، وخرجنا من المدخل. هناك بيت فوزي بندر، كان وكيل شركة تأمين، وهذا بيت زكي التميمي، وهذا لحسين عبد الصمد، وهذا للدجاني وهذا للعنبتاوي، وهناك نصار الفرمشاني، وهذا بيت المحامي عيسى هزو.. هل حملوا مفاتيح بيوتهم التي بنيت من حجر وما زالت قائمة حتى اليوم؟

زنزانة

رهيبة صكصكة المفاتيح حين تجتمع وتتراقص على خاصرة راهب يمشي في دهليز إلى غرفة معتمة في الأديرة القديمة، أو حين تصطك في يد سجان تسمع وقع بسطاره عندما تكون منقبضا في زنزانة، وتعلو شيئا فشيئا إلى أن يتوقف، فتقف على رجليك لتصغي بترقب وتوتر إلى معركة حشر المفاتيح في الثقب الوحيد الذي يربطك بالعالم الخارجي، وعندما تسمع “طقة” وتتلوها أخرى اقوى منها تتنفس الصعداء لأن السجان يفتح الباب ويأمرك أن تخرج إلى أن يعيدك ثانية.

ليس بيني وبين المفاتيح علاقة عشق, وقد جاء مفتاح أبي سلمى ليحررني من حقد على المفاتيح كان اشتد في نفسي في ليلة من ليالي أيلول 1977.

في منتصف تلك الليلة حرقت كل سجائري، ولم يكن من عادتي أن لا أبقى سيجارة لقهوة الصباح، لكنني فعلتها في تلك الليلة، فتبين لي فيما بعد أن السيجارة في البيت كالحجاب يطرد “الوسواس الخناس” ويبعد الشياطين وأولاد الحرام وإلا كيف حدث أن في تلك الليلة وبعد أن أقفلت الباب واسترخيت على سريري وما كدت أغمض عيني حتى سمعت طرقا شديدا على الباب وهرجا ووقع خطى أيقظ طفليّ وزوجتي فقاموا مذعورين وأنا معهم، ولما فتحت الباب واذا بثلاثة رجال وأربعة وخمسة وعشرة تجمعوا في المدخل بلباس مدني وبوليسي وقال أولهم: “جئنا لنفتش البيت!”

وناولني ورقة لم أقرأها، ودخلوا بقوة وانتشروا في أركان البيت وفتشوا في المكتبة وفي الخزائن وفي الثلاجة وتحت الفراش، ووصل عددهم إلى أكثر من ثلاثين رجلاً ضاع بينهم طفلاي وهما يبكيان ولا يفهمان ما يدور في البيت. كان على طاولتي مفتاح كبير لبوابة قديمة ورثته عن جدي. حين كنت أتأمل فيه وأقرأه كان يعيدني إلى تلك الأيام وذلك الجيل وإلى الحالة الفلسطينية التي تجمعني بهذا الجيل المعذب، ويبدو أن ضابط العملية بذكائه المخابراتي الخارق أدرك عمق العلاقة بيني وبين هذا المفتاح فبدأ يحقق: “من أين لك هذا؟” وأمرني أن آخذه إلى البوابة الكبيرة، ولما أقنعته أن مثل هذه البوابات كان في زمن البيوت الحجرية الكبيرة التي هدمتها جرافاتهم، عندها سحبه بعصبية وقال: “سيكون شهادة ضدك”، وأمرني بأن أصعد الى السيارة واختفى المفتاح.

أمضيت ليلتين في زنزانة “الجلمة “ولم تكن المرة الأولى التيأعرف فيها السجن والزنزانة، ولكنها المرة الأولى التي شعرت فيها أن السيجارة تصبح في السجن وسيلة تعذيب. قلت للسجان: “أعطني سيجارة!” نظر إلي وابتسم ابتسامة خبيثة عبر الفتحة المربعة في وسط الباب وقال: “بعد قليل”، واصطكت مفاتيحه وغاب.. وكانت هذه “البعد قليل” ساعتين وأكثر عاد بعدها وفتح الطاقة وناولني سيجارة وقال: “نسيت علبة الكبريت, سأذهب لأحضرها بعد قليل”. وكانت “البعد قليل “الثانية أطول من سابقتها, وأدركت أن طقوس التعذيب قد بدأت… ولم أشعر بالانفراج إلا عندما كان السجان يفتح الباب ويقودني إلى غرفة التحقيق.

ثلاثة محققين كانوا هناك: طيب وشرير وبشع. ألطيب عرض علي سجائره والقهوة وكان مؤدبا وحاول اقناعي بأن أرتدع عن خطي السياسي المناهض للسلطة وعرض علي المال والوظيفة وحتى عضوية الكنيست. وفتح ملفا كبيرا وقال: “كل ما كتبته ونشرته وقلته محفوظ عندنا.. وهو مترجم حرفيا”.

قلت له: “أنا سعيد أن هناك من يهتم بما أكتب. وسعيد أكثر أن كتاباتي تترجم. حبذا لو تقومون بنشرها بلغتكم”.

أغاظه هذا الكلام “الصقع”, فهب من مكانه وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل عليّ الشرير وقال أنه يستطيع ان “يخرب بيتي” وأن “يجعل حياتي جحيما وأن الدولة التي انتصرت على مائتي مليون عربيّ لا تحسب حسابًا لواحد مثلي”.

قلت له: “أعرف أنكم اقوياء وأنا لا أتحدى دباباتكم”.

قال: “اذن ستظل مشاكسًا؟”

وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل البشع. شاب طويل وضخم ومفتول العضلات صار يبرم حولي ويلف ويدور وينظر إلي نظرات مرعبة, وقال: “من أنت؟ ماذا تساوي؟ أنت لا تساوي الرصاصة التي ستخترق دماغك. لا.. لن نخسر عليك رصاصة. نحن سنطلق سراحك. سنقول لك أنت حر, إذهب أينما شئت, وستركب سيارتك، وتسافر وفجأة تأتيك سيارة شحن كبيرة، سيمترلر،  وتدوس عليك كما يدوس الفيل على النملة، وبعدها ستركض زوجتك خلف شركة التأمين لتدفع التعويضات”

وتكررت هذه الجولة الثلاثية لمدة 48 ساعة. تعلمت منها درسا واحدا: أن لا أنام ليلة دون أن أترك سيجارة لقهوة الصباح.

أطل عليه..

وصرت أكره المفاتيح وصكصكتها. إلى أن كان ذلك اللقاء مع أبي سلمى في فندق البلقان في صوفيا. صار للمفتاح معنى آخر في حياتي. علمني مفتاحه أن ليلتي ويومي في سجن الجلمة كانت المفتاح إلى عالم من المواجهة ليس فيه تنازل ولا مساومة ولا التفاف على الحق.

“سنلتقي في حيفا”، قلت لأبي سلمى.

بعد شهرين رحل تاركا المفتاح وقد أُشبِعت قصائده الضائعة بملح البحر. بعد سنوات قليلة أَخلت العجوز الرومانية البيت، ربما انتقلت الى بيت آخر أو الى العالم الآخر. ظل البيت مهجورا لعدة سنوات أخرى. لم يقم أحد بزيارة البيت. مررت يوما من هناك، كانت الجرافات قد أنهت عملها، والبيت تحول الى ركام صارت الجرافات تحمله على شاحنة كبيرة وتطاير غبار كثير. لم يبقَ لبيتِ شاعرنا القومي أثر. هناك في حيفا، حي الألمانية ساحة كبيرة هي موقف سيارات أطل عليها من مكتبي في “معهد إميل توما”، فتأخذني بعيدا إلى فندق البلقان وإلى مفتاح على خاصرة شاعر لم يقدر على حماية قصائده فسقطت في البحر ولم نقدر على حماية بيته فمسحتها الجرافات.

نلجأ إلى لحظة الخلق مُرغَمين، فلا صورة أخرى تُسعفنا. تلك الهيئة المنبعثة من ارتباك المادّة. لا، ليس الارتباك، بل هي اللا مبالاة بالكينونة. أنا جاهز هذه المرّة، لقد استعددتُ لهذه المرّة. استلقيتُ يقظًا خلال اللّيل واستعدتُ المراحل في ذهني. يجب ألّا أهدر الوقت النفيس في الغثيان والذعر. قال التكنودرويد إنّ لا حاجة لذلك، يمكنك المكوث في غرفة الانتظار، يمكنك أن تذهب وتعود، سأحضره إليك. قلتُ إنّني أرغب بالمشاهدة. وكذا في الصباح، عند دخولي، أقول له ثانية إنّني أرغب بالمشاهدة. أتأمّل الشرنقة اللحميّة داخل الحُجيرة الزجاجيّة. لا أعرف ابنَ مَن كان بالأمس، أو ابنة أيّ طريد أو طريدة. ما زال معدوم الملامح للآن، ليس إلّا احتمالَ جسد. الألياف الضوئيّة تصل من أعلى الحُجيرة، موازية للجلد البرّاق، الصّناعيّ. أتخيّل صوت رضاعة، أتخيّل صوت تحصُّن. لكنّ المعلومات المتسارعة فيها صمّاء بلا صوت. التكنودرويد الواقف خلف شاشات الرّصد صامت هو الآخر، جفونه مُواربة. أنا على قناعة بأنّه ليس إلّا امتدادًا لغرفة الشّحن، تجسّدًا لها. الشرنقة اللحميّة آخذة بالتشكّل في الحُجيرة الزجاجيّة، تبحث عن القالب المُخزّن في المعلومات الواردة إليها من النسخة المحفوظة. أجهل طريقة إعادة برمجة المنظومة العصبيّة، لكنّني أرى علاماتها تتغلغل في الوجه المنبعث، في التعابير التي تستحضر كلّ واحدة منها الوجهَ الذي أعرفه، أتذكّره. إنّه عارٍ ويرتجف في الحُجيرة الزجاجيّة، ابني، ابن السنوات الستّ التي لا تتغيّر.

يستعرض بريبةٍ البيئة الغريبة من حوله. ورغم الاستعداد الدقيق أشعر بالشّلل. إنّها المرّة الثانية. يهرب اسمه من شفتيَّ، سلسلة واهية من المقاطع. أبي، يقول، أين أنا. الرعشة في صوته تتضاعف عشرات المرّات ويتردّد صداها في داخلي. أنا أجْوف، إنّها المرّة الثانية، والتكنودرويد يلمس كتفي. أشعر ببرد المادّة الصناعيّة عبر ملابسي. كم مرّ من الوقت، قرابة سنتين ونصف السنة على هذا القمر الصناعيّ ، أربعمئة وثلاثة وتسعون نهارًا محليًّا. ما زلت أعدّ في عقلي النهارات وفقًا لدورة الأرض حول محورها، على بُعد خياليّ من هنا، لكنّ العادة عصيّة على التغيّر. يجب عليّ أن أسترق النظر مرارًا إلى الساعة، في الرزنامة المزدوجة.

عاد صوتي إليّ، تعافى، بفضل البرودة المتغلغلة. إسماعيل، أقولُ. سُمّي على اسم والدي. يبتسم، ابتسامته شاحبة كشُحوبه. أقترب منه وأمسك بكتفيْه وأرفعه إليّ. أنت ثقيل، أقول له. يضحك. أنزله إلى الأرض. تتلوّى أصابع قدميْه من اللمس. يعطيه التكنودرويد ملابسَ، ارتداها في المرّة السابقة أيضًا. المقاسات لا تتغيّر.

هذا مستشفى، يقول، بنبرة تكاد تكون سؤالًا. كذبي جاهز معي، مُلمَّع. حاولت في المرّة الأولى أن أفسّر، رغم إرشادات التكنودرويد. قال لي إنّ ذكرياته الأخيرة تأتي من المخزون الاحتياطيّ. فهو على يقين بأنّه خلد للنوم في سريره. لا توجد طريقة لإعادة الدعم والتخزين. في كل عمليّة شحن سيكون الولد ذاته، الذي خلد للنوم في سريره. نعم، أقول لإسماعيل، كنتَ مريضًا، وكان علينا أن ننقلك إلى هذا المكان. الكذب عندي سهل وسليم. أين أمّي، يقول. ستأتي لزيارتك غدًا، أقول. لم يتهدّج صوتي. يقول، يجب أن أذهب إلى حفلة يارون وإفرات. آه، أقول، لقد أجّلوها من أجلك، ريثما تصحّ. من أجلي، يقول متأثرًا. السعادة القصيرة تسنده، تُغذّيه. إنّه ليس طفلًا محبوبًا في المدرسة. توسّلتُ والديّ التوأميْن أن يتدخّلا لصالحه وأن يُدعى للحفلة. كان ذلك قبل سنوات. من كان يتصوّر أنّهم يقومون بدعم وتخزين أولادنا في الفحوصات الطبيّة، ومن كان يتصوّر أن تندلع الثورة بعد شهر من حفلة عيد ميلاد هذيْن التوأميْن المُتعجرفيْن. مفارقة التسلسلات التأريخيّة تتعاظم عندما نحاول تثبيتها في أحداث حيواتنا. نخرج من باب محطّة الشّحن. لا يسأل عن وجهتنا.

في منتصف سَيرنا يستوعب. لقد استوعب في المرّة السابقة أيضًا، في الثانية عينها تمامًا. أنظر إلى الخلف وأخمّن المسافة. مئة وخمسون مترًا من المدخل. تتّسع عيناه في ذهول. أتابعه. يُدرك أنّ الضوء أخضر، كما يكون تحت الماء. الأفق مَشوبٌ بطيف أقوى وأصفر في أطرافه. في الأفق على يميننا كوكب سيّار ضخم، كأنّه منغمس في أطراف سفح الجبال، مُحاط بدوائرَ. المعادن الكامنة في الأطواق الصخريّة تصبغ الإشعاعات المرتدّة بلونها. تمتدّ يده إلى يدي تلقائيًّا. أمسك بها. تتعرّق راحة يدي قليلًا، رغم درجة الحرارة المُتدنّية. جسده الصناعيّ يُنظّم درجة حرارته جيدًا، وملابس الكتّان خفيفة فوق جسده. أبي، يقول. أقول، جميل، صحيح، وطعم الكلمات في فمي معدنيّ. أين نحن، يقول. أقول، أنت تذكر بدلات الواقع المتخيّل في المجمع التجاريّ. نعم، يقول. لذلك، أقول، هذا المَشفى خاصّ. مثل شريط من الواقع المتخيّل. ولكن مِمَّ أعاني، يقول. أقول، مرض نادر، أنت تبيت في مَشفاهم. مَشفاهم، يقول. نعم، أقول، مَشفاهم. يومىء برأسه. حتى أولادنا يعرفون أنّنا لا نَطال تقنيّاتهم. تعالَ، أقول، سأريكَ.

وهذه المرّة خالية من تعثّرات وتخوّفات المرّة السابقة. في هذه المرّة أنجح. أقول لنفسي، هذا إسماعيل، الذي لم أرَهُ طيلة سنتيِّ الثورة، إنّه هو، وُلد من التفكير والتوْق، دعوتُه عبر حواجز المكان والسّاعة. وبمعيّة عينيْه أنا في حِلٍّ ليوم واحد من الكراهية وشهوة الانتقام. وتبدّى لي جمال كوكب المنفى هذا، جمال العقاب. آخذه إلى الشلّالات، والمياه تتدفّق بصخب بلّوريّ. طُفرة ألمّت بأنواع العصافير والحيوانات التي جاءت معنا من الأرض في حاويات التبريد. السّمامات ضخمة كالغربان، وأصواتها المرتبكة ترافقنا في الحُرج أيضًا، حيث تتشابك فروع الأشجار الأصلانيّة بعضها ببعض، تنضح بالمراثي. وينصّ قانون فلكيّ على أنّ القمر الرابع للكوكب السيّار المُحاط بالدوائر صالح لسكنى البشر في أغلب الحالات. النهاية مبتذلة هي الأخرى وتنضح بالأسرار بلغة لا يتقنها أحد. يركض إسماعيل بمُتعة، يضحك لنكاتي المتلعثمة، ابن ذاكرتي، وليد التفكير والتوْق.

نبتة تشبه المرجان الليلكيّ تتعربش على جدران المُغر، وتصنع دوائرَ من الرمل في داخلها. أجسّد له الأمر. لو مددنا عصًا، تخرج من الرمل محالق، في طرفها فم صغير جدًا، أسنان، تدندن لحنًا ما وهي تلتفّ حول العصا وتعضّها. لحم المحالق لذيذ، شهيُّ للغاية، لو طُبخ كما يجب. الفم مُسمّم، الفم يُفرز حمضًا وسُمًّا. أكاد أفقد توازني وأنا أشدّ العصا التي تحمل آثار العضّ. على الأبخرة الصاعدة منها تُرسم صور مُموَّهة، خطوط رسم ضبابيّة. المتطرّفون يستخدمونها كوسيلة للتخمين. أتوجّه إليه وأبتسم ابتسامة ساخرة، منّي، من حركتي الثقيلة، لكنّ الشكّ بدأ يملأ عينيْه، تنحسر نظرته إلى الداخل، أعضاؤه تتصلّب أيضًا. فجأةً أدرك كم أنا مُسنٌّ، أكبر عمرًا ممّا ثُبّت في ذكرياته. إسماعيل، أقول. في المرة القادمة التي سنلتقي فيها سأكون أكبر عمرًا بسنتيْن ونصف السنة بالتوقيت المحليّ وسيكون ابن ستّ سنوات، وسيُدرك الأمر في وقت مسبق.

من أنتَ، يقول إسماعيل. أنا أبوك، أقول. ماذا حدث لك، يقول ويخطو للخلف. توقف، أقول له، توقف. رجلاه تلامسان حدودَ مرجان أخرى. في داخل دائرة الرمل صفة مُتّقدة. تلمع في ذهني فكرة لبضع ثانية، ربما يجب أن تكون النهاية هكذا، حادثة. لماذا لم يفكّر بهذا أحد غيري. تسعة وعشرون طريدًا يرفضون تجسّد أولادهم، وهم يدّعون أنّ هذا رجسٌ، لكنّهم أقليّة. وهناك المتطرّفون، الثمانية والسبعون الذين يسجدون للتجسّد، والذين يقولون إنّه طريقة للتطهّر من الإثم. سمعتُ أنّهم يُصلّون لاستنساخ أولادهم لمّا يحين دورهم. ولكن نحن، البقيّة، نرى في الأمر النعمة القاسية التي أنعم بها حُكّامنا، التجسّد هو الحقّ باستراق النظر إلى أولادنا وهم منغمسون في فترة براءتهم. يقولون إنّ قساوة العقاب مشتقة من فداحة المخالفة. استفقنا من نومتنا المتجمّدة عندما هبطت المركبة الفضائيّة على وجه القمر في مجرّة شمسيّة مجهولة. التكنودرويد الذي أشرف على الرحلة قال لنا إنّنا عُقّمنا، وإنّ المركبة الفضائيّة مُجهّزة بغرفة شحن تُحفظ فيها ملفات منسوخة لأولادنا الصّغار، لكنّ فيها شرنقة لحميّة واحدة. والقمر يدور حول محوره، يدور حول كوكب سيّار غارق، ويدور معه حول شمس غريبة.

إسماعيل، أقول له، لا تتحرّك، أنتَ… من أنتَ، يقول، أنت تشبه أبي، لكنّك لستَ هو. أنا هو، أقول له. يقول، أنا لا أصدّقك. وأنا لا أصدّق أيضًا. ربما تكون هذه النهاية حتميّة. أنا أقول له، بصعوبة كبيرة أقول، اسمع قصّة، في بلد بعيد كان هناك ثلاثة أخوة. ينظر إليّ لدقائق طويلة. لون مُقلتيْه البُنيّتيْن يصبح أفتحَ. يقول بتردّد، هذه القصّة كلّها، هذه قصّة مُملّة. ماذا كنت ترغب بأن يحدث. يبتسم بإنهاك. أمس، قبل أن يغطّ في النوم، لعبنا اللعبة ذاتها. كلّ تفصيل من شتاء النوم إيّاه محفوظ معي، وتيرة المطر، رائحة الأوراق، تنفّسه المُضمحلّ، إصراره على محاربة صاحب الأحلام، رأسه المُبطئ على المخدّة. من خلاله، من خلال النسخة المكظومة، أراه كما يجب أن يكون، عيوبه الفتيّة، بريقه، رغباته وخيباته، وأنا أحبّه، أحبّ شخصيّته الآتية من المستقبل التقديريّ للماضي، يأتي إليّ مع أوجاعه وسعادته، جدير بالعَزاء، جدير بقوّة السنين الشافية.

يقول، ما أسماؤهم. أقول، لماذا، كيف وأيّها لا. يقول، وأين سكنوا. أقول، لماذا سكن على الأرض وأكل اللفت، وكيف سكن في الماء واصطاد الأفاعي وأيّها لا يسكن في الهواء. في الهواء، يقول. في الهواء، أنا أقول، انتقل من مناخ إلى مناخ ورعى الرياح. قصّة مُملّة، يقول. وكان يدخل بين السّديم ويبحث هناك عن خارطة بم-بلبم-نم. خارطة ماذا، يقول. خارطة أيّها لا، أقول. يضحك. بشكل يكاد يكون طبيعيًّا. رجله تحتكّ بأطراف نبات المرجان. أريد العودة إلى البيت، يقول. وأنا أيضًا، أقول، رغم أنّ الرقّة بدأت تمتزج بذعر أشعر به. أمدّ له يدي. يُدير رأسه ويسترق النظر إلى وجه الرمل، إلى البثور تحته. تعال، أقول بجهد، سنعود سويةً. لكنّه لا يُدير وجهه إليّ، ولا يردّ.

أعيشُ في رعب الصّمت. ولكن ألستُ الأكثر صمتًا من بين الجميع؟ وحوشٌ رماديّة مُحدَودبة، جرذيّة ذات عيون حمراء ترافقُ حياتي.

يقول الأخصائيّ النفسيّ بِلُطفٍ: “جِد لها مكانًا يأويها”.

كنتُ طفلاً صغيرًا. هربت منها. يوميًا، كنتُ أهرب من مَسكَن الأطفال. تركتُ لها الغرفة. كنت أزحف بين الخردوات في حديقة الألعاب متخفّيًا في سروالٍ تحتيّ وفانيلة لُطّخا بطين الرّمل المرويّ، وعينا الحارس الليليّ تخِزان مثل الأضواء الكاشفة. توقف. ازحَف. توقف. ازحَف. مَطَر، مَوجةُ حرّ، مجرّد ريح. زحفت وزحفت. حتّى الطريق الأسمنتيّ الدافئ الذي خبّأته شجيرات الدفلى، وصولاً إلى جذع الأثل الدّسم، حتّى شجيرة الورد، تحت الطاولة الخشبية في شُرفتنا. ركضتُ، صافرات الحارسة تزعق، الومّاضات تومض. ركضت إلى أبي.

الأخصائيّ النفسيّ: “آسف لما حدث”.

تذمرت الحارسة، كلّ شيء مقلوب عند هذا الولد. أحنى أبي رأسه عندما قال له رئيس لجنة التربية والتعليم: “ما به هذا الولد؟ ربّما يوجد قمل العانة في فرشته؟”.

خرجَ والدي واشترى ثلاثة أقفال للتعليق من ميزانية الحلوى والصنادل حتّى يصبح من الممكن إقفال الحديقة ليلاً. قال: “بهذه الطريقة لن تَلِج الوحوش رأسَك”. ليلاً، وقفت حافي القدمين أمام النافذة، وأنا أرتدي فانيلَة وسروالاً تحتيًا أبيض.  وشاهدتُ كيف يقفل الأبواب.

دخلت الوحوش. أسقطَت أشياء.

سحبت الفرشة إلى الممر. على الشراشف كانت بقع من العشب، وللوسادة رائحة رملٍ من الأمس عندما أعادوني إلى السرير. أخلدتُ الوحوش للنوم ووقفت أمام النافذة. على والدي، على اليدين الصّلبتين اللتَين أمسكتا بي عاليًا قريبًا من مصباح السّقف فوق براز حياتي الصّغيرة، وعلى الطّفل الذي كان بإمكاني أن أكونه. بكَيت. عويتُ صياغاتِ اسمه المختصرة مثل ابن آوى. مسكينٌ هو مسكن الأطفال، مسكينةٌ هي الطاولات والكراسي والصنبور الذي يسرّب الماء. كيف يمكن الخلود للنوم وهذا العواء يحزّ الهواء؟

 قلت للأخصائيّ النفسيّ: “هل ترى كيف تعاملوا مع الأطفال هناك؟”

قالت أمّي: “لكننا تركنا له سجادة أمام النافذة الكبيرة، كان يسير دائمًا حافي القدمين، ولم نكن نريد له أن يبرد. ألا يسوى هذا شيئًا؟ ألا يُحتَسب؟