اكتب القصص

 أنـا جورب رخيص، ثمني نصف دينار، أنتجتني تشاركية صناعية، وزع هامش ربحي على عناصر الإنتاج، اشتراني إنسان بسيط، منتج مستور الحال، تزوج هذا المنتج من فتاة بسيطة، سكن بها في شقة صغيرة كانا فرحين.

كانـت العروس لطيفة جداً معي، تغسلني كل يوم بماء دافئ، لا تحرق بشرتي بالصابون، ولا تكويني بالبوتاس، ولتنعشني تنشرني في الشرفة فيجففني نسيم بنغازي العليل .

كنـت أناجي هبات النسيم وأتذكر دعكات أناملها المخضّبة بالحناء، كانت تدعكني ببطء كعلكة في فمها المسوّك كنت أنظر إلي الجورب اللحمي المركون قرب الباب تحت مرآة  دولاب  المدخل.

وذات يوم مرضت العروس، ربما حملت، فغسلني العريس بماء بارد في عز الشتاء، أوجع أنسجتي بدعكاته الخشنة، كاد أن ينسل أسلاكي، كاد أن يفض مطاط عنقي المصفح، اختبأت منه – الله غالب – في رغوة الصابون، عندما نشرني على الحبل نسي أن يشد أذني بمساكة  فقذفتني الرياح بعيداً لأسقط في فناء دارة أنيقة، أخذت الرياح تقلبني داخل الدارة من مكان إلي مكان، وكأنها توضح لي الفرق بين الشقة والقصر. وفي أحد الأركان كانت حجرة الغسيل، اقتربت منها حذراً، كان ينبعث من داخلها صوت طنين، نظرت وظهري ملتصق بمقبض الباب، رأيت الخادمة ترمي قطع الملابس في جوف وعاء معدني متصل بخيط يتأرجح من علبة في الجدار، هذا الوعاء الطنان ليس (كلياننا الصغير) الذي لا يتصل بجسده أي خيط يربطه، خفت أن ترمقني الخادمة فتظنني من العائلة وترميني لأدور بسرعة معهم في هذا القب، ابتعدت عن الحجرة واقتربت من حبل الغسيل، لمحت جورباً ملوناً من حرير يتمايل كطاووس مقروص بمساكة جميلة. سألته بلغة الجوارب عن الوعاء الملتهـم للملابس. لم يفهمني أول مرة لأنني لم أنطـق جيداً بسبب ثقب صغير عند موضع إبهـام القدم. كررت عليه السؤال فأجابني بجوربية مكسرة: هذه غسالة “إلكتريك مستورد”.

شكرتـه دون ابتسامة، استغربت لعدم وجود مثل هذه الغسالة في بيت صاحبي العريس ثم عزوت السبب لارتفاع ثمنها، ولكنني سعيد لعدم وجودها، فالملابس داخلها تدور بسرعة كاتفاقات سلام ممرر! أنا سعيد بغسالة العشرة أصابع الطبيعية ذات الرائحة الجميلة والملمس الناعم، والدعك ببطء والنظر إلي دولاب المدخل حيث الجورب اللحمي الخجول، آه كم هي جميلة الشقة، وأنا في متعة استرجاع ذكرياتي الجميلـة فاجأني هجوم خرطوم حلزوني يتلوى كثعبان يلقف كل شيء، تراب، غبـار، أوراق شجـر، قصاصات ورق، جذبني بعنف إلي جوفـه، وجـدت نفسي داخل ظلامـه. احتميت بورقة شجرة وابتعدت عن أسلاك مكهربة داخله، فرحت لأنني لست مبللاً وإلا صعقت.

فـي المساء أفرغوا جوف (المكنسة الكهربائية) في برميل كبير للقمامة مرابط أمام الباب الفولاذي الحصين

 أمضيت ليلتي في جوف هذا البرميل المقزز تذرعت للأوساخ ورائحتها النتنة بكل ما أسعفتني به ذاكرتي من روائح العروس ومطبخها ومن عرق المنتجين وروائح المنتجات حتى الزيوت المنبعثة من آلات تصنيعي تذكرتها فدافعت عني ..

فـي الصباح كانت إجازة العريس قد اكتملت ، وتبصل شهر العسل سعادة وعاد المنتج البسيط إلي عمله في شركة التنظيفات العامة ، ما إن سكب البرميل في صندوق سيارة القمامة، حتى لحت له من بين الأكوام، رآني، تبسم لي، التقطني بحنو ووضعني في جيبه رغم تلوثي .. فأنا قريب من قلبه .. أنا من شهود ليلة دخلته. بعد الدوام عاد بي إلي الشقة، ناولني إلي العروس: عرفتني، طارت فرحاً، زغردت ، اطمأنت على عريسها من السحر، نفضتني من الغبار، قبلتني، ثم لبستني في يدها قفـازاً ..

على مدخل العمارة كان حذاء أسود. نزلت لشراء علبة سجائر وبضع حبات بندورة. حذاء أسود، فردة واحدة، على البلاطة الثانية بعد عتبة العمارة قرب الأدراج المرصوفة ببلاط لا هو أبيض ولا ملوّن، بل مجرّد حالة تتراوح بين فاتحٍ وغامقٍ لشدّة ما مرّ فوقها الزمن، وأحذية الصاعدين والنازلين من والى عملهم، ومدارسهم، وزيارة أهلهم، وأصدقائهم، وخروجهم لا لشيء إلا للترويح عن النفس في مساء طيّب النسمات أو في صباحات أيام العطلة الأسبوعية. وربما الى مقهى قريب، أو دار سينما، أو اجتماع لأيّ هدف. وقد يخرجون الى دكان، أو عيادة، أو سوق أو لتسديد فواتير الكهرباء والماء  في البنك، أو إرسال رسالة في البريد. أو يضطرّون للنزول من طوابقهم العلوية حتى المدخل لإرشاد موزّع بالونات غاز الطبخ الذي بدأ العمل حديثًا مع شركة التوزيع على موقع بالوناتهم التي خوت والتي يجب استبدالها، فهناك أفواه وبطون تجوع، وأيادٍ ونفوس تريد لها ساعة من الانشغال البطيء اللذيذ بإعداد طبخة بعيدًا عن كل الهموم التي قد تتألّف من متاعب العمل، أو المشاكل العائلية، أو الخصومات العابرة مع أهل أو أصدقاء، أو الخشية من الغلاء، أو القلق على ما سيحدث غدًا للوالدة التي لا تزال تشعر بألم غريب في الخاصرة، أو عدم تلقي إجابة من محلّ العمل الذي تم إرسال السيرة الذاتية اليه منذ أسبوعين دون ردّ.

غريبٌ أن تكون فردة واحدة لحذاء حاضرة بهذا الشكل هنا. كعبها للخارج ورأسها الحادة نحو الداخل. لا تزال صالحة للانتعال بل يمكن اعتبارها جديدة، فشيء من اللمعان لا يزال يلوح عليها. يكفي قليل من الورنيش الأسود لمسحها بثلاث أو أربع حركات رشيقة بل حتى ثقيلة وستعود كالجديدة تمامًا. بالضبط مثلما يعود الشخص يانعًا بفضل حمام ساخن بطيء بعد غفوة لساعتين عصرًا، قـُبيل الخروج مساءً الى مطعم مع أصدقاء أو حتى وحيدًا الى مقهى متواضع قريب أملا في لقاء معارف وأصحاب، أو لمجرّد البقاء في البيت والاستماع لموسيقى أو قراءة رواية أو صفحات المقالات أو المنوعات في صحيفة اليوم، بل حتى بضع صفحات من ملحق الأسبوع الفائت أو  الجلوس بكسل وشرب كأس في هواء الشرفة.

فردة حذاء غير بالية على مدخل عمارة كبيرة ليست بالحدث اليومي الذي يتكرّر. قد يحدث هذا للبعض مرّة في السنة. أو كل خمس سنوات لآخرين. وقد لا يحدث لهم بالمرة حتى لو عاشوا عمرًا مديدًا. أنا مثلا، هذه أول مرّة يحدث لي ذلك، كما لو أن الأمر شيء من النوادر بل من العجائب التي لا يحظى بها سوى المحظوظين، سواء خيرًا أم  شرًا. مثل الحب المثير للارتجاف الذي يأتيك من غير مواعيد ويُسمَع صداه في نبض متواتر للقلب خلف قضبان القفص الصدري، والذي لا تعود تعرف كيفية التصرّف ازاءه، فأنت فرِحٌ به كطفل لكنك خائف منه كطفل أيضًا على انتهاك عزلتك التي ستظلّ هي الأخرى تثير فيك الخوف دومًا. أو أنه مثل السماع فجأة عن حادث طرق يقتل صديقًا قديمًا لم تره منذ سنة ونصف السنة، ولم يخطر ببالك كثيرًا، ولم تهاتفه، بل إنه حين هاتفك مرّة فلم تنتبه للردّ عليه، لم تحاول الاتصال به بنفسك، فيختلط عليك الحزن بمشاعر الذنب والخجل لأنك الآن شخص يقف عاجزًا أمام موتٍ قريب جدًا منه لم يحسب له حساب، فجاء كطرقة عنيفة على بابك في ساعات ما قبل الفجر الحالكة السواد وانتشلك من دفء فراشك وسذاجة أحلامك فقمت متوجّسًا لتفتح وعقلك يضجّ بالقول: الله يكفينا الشر. فلما فتحتَ ووجدتَ أن لا أحد على الباب، لم يزدكَ الأمر سوى توجّس وغرابة. وقد يكون حدث فردة الحذاء الوحيدة الجديدة على باب العمارة، أقرب الى رؤية بقايا ثياب مدعوكة بالرّمل البني الأصفر على شاطئ، تعود لشخص دخل البحر فمات غرقًا ثم أعادها الموج كإشارة لأهل الأرض ودليل لهم على ابتلاع واحد من أبنائهم أو بناتهم في مقبرة البحر.

من المخيف الاقتراب من فردة الحذاء، هل يمكن أن تكون غرضًا مفخّخًا بالبارود يستهدف أحد الساكنين مما يستدعي استدعاء خبراء المتفجرات، أم أن في الأمر مسألة غريبة جعلت هذا الحذاء يحُطّ هنا كعلامة على الخواء، خواء الحذاء من قدمٍ قرب مطلع درج، أو مهبط درج، وخوائه من حالته الطبيعية التي يجتمع فيها عادة زوج من فردتي حذاء. هل يحمل هذا الحذاء المفرد الوحيد تحت خمسة طوابق مأهولة بعشرات البشر صرخة لهم جميعًا بأن انتبهوا من الحياة؟ هل يريد القول لنا: أنا كالحياة ويومًا ما ستغادرونها بكل تلك البساطة والعاديّة والهدوء التي تغادرني بها أقدامكم يوميًا قبل أن تأووا الى نومكم؟ هل يعرض نفسه كنصب لمعنى الموت والخواء الذي ينطوي عليه، على سبيل التذكير بأن ذكّر إن نفعت الذكرى؟ أم أن وجوده هنا بكل سواده الحاد هو محض صدفة عاديّة من تلك الصدف اليومية التي يموت فيها بشر مغمورو الأسماء والوجوه والسّيَر الذاتية من دون أن يكونوا قد فعلوا شيئًا يستحقون العقاب عليه بكل هذا الموت.

تابعتُ طريقي الى الدكان. لم أجد سجائري فيه. ذهبتُ الى دكان في الشارع الثاني. عُدتُ بسجائري، بل أشعلت إحداها في الطريق ونسيتُ البندورة. حين وصلتُ مدخل العمارة كان الحذاء قد اختفى، وسرت فيّ قشعريرة باردة. فقد بدا لي المكان شديد الخواء مثلما لم يبدُ لي في أيّة مرّة من ذي قبل.

 

سادتي الضباط اسمي جمال أحمد، أعمل كجندي مخابرة في وحدة الاستطلاع العميق رقم 312، المقابلة للعدو الأميركي في الجنوب.

أعترف أمامكم وأنا بكامل قواي العقلية، بأني قتلت سالم حسين، عريف المخابرة في وحدتنا، سحبت مسدسي وأصبته برصاصة في رأسه، لأنه ببساطة خائن، وعقوبة الخائن هي الموت.

أنا لا أنكر هذا الأمر أبداً، ومستعد للدفاع عن فعلتي هذه مهما كانت عقوبتكم لي.

فقد حكمت عليه بالموت ونفذت قرار الحكم بنفسي وبسلاحي. ذلك أني أثناء دخولي حجرة المخابرة قبضت عليه وهو يخاطب أحد ضباط الاستخبارات في القوات الأميركية، ظهر يوم الاثنين، فلم أحتمل لسانه المملوء بالقذارة والوحول، فسحبت مسدسي العسكري، براوونغ عيار 9 ملم، وأطلقت عليه ثلاث رصاصات، صوبتهن جيداً على بدنه، حيث استقرت واحدة في جبينه، وواحدة في قلبه، وواحدة أطلقتها على خصيتيه.

 أردت أن أخصيه لأن الخائن ليس رجلاً، بل عليه ألا يموت رجلاً هكذا هي أخلاقنا نحن العرب، الشرف والأرض أولاً، من خان الشرف عليه أن يموت بلا خصيتين ومن خان الأرض عليه أن يموت بلا قبر.

سادتي الضباط أنا لم أظلمه بهذا الأمر أبداً، فقد تعذبت وفكرت كثيراً قبل أن أقدم على قتله. حتى فقدت القدرة على النوم، منذ شهرين وأنا لم أذق طعم النوم مطلقاً، حتى عقدت له محكمة بيني وبين نفسي، بل وضعت له محامياً بخيالي، ولكن في النهاية استنتجت أنه خائن، وعقوبة الخائن لا محالة هي الموت.

 أرجوكم سادتي الضباط لا تظنوا خيانة عريف المخابرة في وحدتنا غامضة، فقد دخلت عليه مساء الثلاثاء، ووجدته يتصل بالأميركان ويعطيهم إحداثيات ومواقع عسكرية كثيرة، لقد سمعته بأذني هاتين اللتين سيأكلهما الدود بعد موتي، ونظرته بعيني هاتين وهو يخون أمامي دون أن يرف له جفن على ما فعل.

إنه جاسوس ببساطة، وحين واجهته بالأمر اعترف بأنه جاسوس يعمل لصالح الأميركان، ولكنه ندم على فعلته أو خاف من الوشاية به، فطلب مني أن أطلق عليه رصاصة واحدة في رأسه، وهي رصاصة الرحمة، فسحبت مسدسي براوننغ 9 ملم وأطلقت عليه رصاصة واحدة. فسقط صريعاً.

نعم لقد كانت رصاصة واحدة في الرأس كافية لمقتله، ولا أعرف عن أمر الرصاصتين الأخريين، فلم يكن بحاجة لرصاصات أكثر كي يموت الخائن فلا عقوبة للخائن غير الموت كما تعرفون ولا أظن أن أحداً في هذا في العالم أجمع يتنكر لذلك.

سادتي الضباط الشرف أغلى ما عندنا…وأنا كما عرفتموني جندي شريف وشجاع لذا لم يحتمل شرفي العسكري أن أجد خائناً في وحدتنا وجاسوساً للأميركان ولا أنفذ فيه حكم الموت. فالأمر لم يكن غامضاً أبداً، كما شرحته لكم، لقد دخلت عليه في غرفة المخابرة ورأيته يضحك ويتكلم باللغة الإنكليزية مع ضابط أميركي، فواجهته بالأمر. إلا أنه أنكر قال أنه يتحدث مع عريف في وحدة الأشغال أسمه عادل يتمرن على الكلام بالإنكليزية مثله، فعرفت أنه يريد خداعي، وفي تلك اللحظة لم يكن سادتي الضباط مسدسي معي، ولكني نظرت إلى الجهة اليمنى من جهاز التومسن فلحظت مسدسه، ماركة براوننغ عيار 9، موضوعاً على الكرسي، وقد شعر بالخطر، وقبل أن يبادر ويتناوله، هجمت على المسدس وانتزعته عنوة منه، تراجعت خطوتين وهو باهت أمامي فأطلقت رصاصتين صوبه، واحدة أصابت قلبه والأخرى على خصيتيه، لأن الخائن ليس رجلاً!

 لا أعرف عن أمر الرصاصة التي أصابته في رأسه.

 في تلك اللحظة دخل علينا جندي المخابرة وحيد. دخل مباشرة بعد أن سمع الرصاصة التي انطلقت وشاهد الخائن صريعاً وأنا بيدي المسدس، وهو شاهد على أية حال، وأظنه قال لكم أنه دخل المكان بعد أن سمع الرصاصة ووجد العريف مقتولاً.  

لكن ما ذكره فيما بعد ليس دقيقاً، فأنا لم أكن داخل الحجرة وقتها، كنت أسير في الممر المؤدي إلى حجرة الضابط، ومررت بحجرة المخابرة بالصدفة وسمعت العريف وحيد يطلب مني الدخول، وحين دخلت رأيته يبكي ويرتجف، سألته ما به قال أنه خان وحدته العسكرية ولوث شرفه العسكري، فقد أعطى الأميركان إحداثيات مهمة كي تقوم الطائرات الأميركية بقصف القوات العراقية لقاء مبلغ من المال، وقد ندم على ذلك وقرر أن ينتحر. فسلمته مسدسي العسكري، أخذه مني بكل ثقة، وقف أمامي واضعاً المسدس في صدغه وأطلق رصاصة واحدة، وسقط صريعاً والمسدس بيده، فدخل جندي المخابرة وحيد الذي كان يدخن خارج غرفة المخابرة فوجدني هناك واقفاً من دون سلاح، وعريف المخابرة سقط صريعاً وبيده المسدس.

أنتم تعرفون سادتي الضباط أن الجندي وحيد شخص جاهل، لا يقرأ ولا يكتب، فلاح من الجنوب لا يفهم الانكليزية ولا يعرف إذا كان عريف المخابرة يتكلم مع الأميركان أم مع جندي في وحدة الأشغال مع أصدقائه، لكن هذا الأمر لا يخدعني أبداً، كنت أقف قريباً من غرفة المخابرة فسمعت أصوات غريبة ومشاجرة في الداخل بين عريف المخابرة سالم والجندي وحيد حيث كان عريف المخابرة يتسلم برقيات مجهولة المصدر على الأرجح من الأميركان، وأثناء المشاجرة انطلقت رصاصة المسدس من الجندي وحيد، وأصابت عريف المخابرة بخصيتيه، ذلك أن الجندي وحيد يتهم عريف المخابرة بقيامه بعلاقة مع زوجته عندما أرسل لها بيده مبلغاً من المال قبل شهرين، فاستغل الخائن هذا الأمر وعقد علاقة مع زوجة الجندي وحيد، وهذا ما أكده الجندي وحيد نفسه. 

أنتم تعرفون سادتي الضباط أن الجندي وحيد يكذب حينما قال أن عريف المخابرة لم يكن يتكلم مع الأميركان، وقال أنه هو الذي كان في الواجب، وكان يتكلم مع جندي يعرفه في فصيل الأشغال، وأن العريف وحيد كان نائماً، ودخلت أنا وأيقظته واتهمته بأنه أقام علاقة مع زوجتي حينما أرسلت بيده راتبي أثناء إجازته الدورية لها.

فالأمر ليس كذلك، أولاً هي ليست زوجتي إنها زوجة الجندي وحيد وهو الذي اتهمه بالخيانة، لكن فيما بعد اكتشفت أنه كان يتكلم مع الأميركان بالانجليزية وهكذا سادتي الضباط، فأنا لم أخرق القانون إنما طبقته، جزاء الخائن هو الموت، وحينما قبضت عليه وهو يخون الجندي وحيد ويتجسس لصالح الأميركان أخذ يتلعثم في بداية الأمر، ثم أنكر بصورة قاطعة، فتصور أني سأسامحه، قلت له أنا ليس لدي أي ثار معك، ولكن هنالك من سيطبق القانون عليك، فناولت الجندي وحيد مسدسي، وقلت له خذ بثأر شرفك، فهذا هو الذي لوث شرفك.

ما أن التفت العريف سالم حتى باغته الجندي وحيد برصاصة في قلبه، فتناولت المسدس من وحيد وأطلقت عليه رصاصتين واحدة وجهتها إلى خصيتيه كي يموت بلا رجولة وواحدة على صدغه ليفارق الحياة.

هذا الخائن سادتي الضباط يستاهل الموت بلا رحمة، هكذا هي قوانيننا، لم يكن بشراً، كانت قملة توجب دعسها!

 سادتي الضباط أنا جندي شريف، لا توجد ذرة غبار على شرفي، لم أفعل أي شيء في حياتي في غير موضعه. الوقت خريف، وهذا العام هو الثاني في خدمتي العسكرية، وقد أرسلتم بطلبي لسببٍ لا أعرفه.

 أنا لا أملك أي نقود، وليست لدي أية آمال، ولم أتصل أبداً بالأميركان، كل ما قالوه عني هو تشهير، افتراء، تشويه سمعة. لم أقتل عريف المخابرة سالم بسبب امرأة، والمرأة هي امرأتي وليست امرأة الجندي وحيد. فهو لم يكن هناك ولا أعرف من جلبه شاهداً. فهو لم ير أي شيء. لقد عشت سادتي الضباط إهانة مُطوَّلة، لقد خانتني زوجتي ولوثت شرفي بينما أنا هنا أدافع عن شرف الوطن. فاستحقت القتل.

 أما عريف المخابرة فأنا لا أعرف من قتله، ربما الجندي وحيد، بسبب خيانة أحدهما وعمله كجاسوس لدى الأميركان.

 أشياء كثيرة مرت علي لا أعرف معناها ولا أدري ما سببها. لقد عذبني عريف المخابرة طويلاً، قال لي من أجل أن تكون جندي مخابرة يجب أن يكون لك صوت خال من النشاز، يجب أن تفتح فمك وتنفخ من رئتيك كما لو كنت تغني، ليس من الضروري أن تحكي لكن عليك أن تعرف ماذا تحكي.

لقد هددني سادتي الضباط لأني لم أتقن عملي، قال لي أنه سيقتلني وسوف يرقص على جثتي القذرة، لقد كان يصرخ حينما أخطأ بنقل الرسائل مع الضباط، يبصق علي، يرفسني في بطني.

أنا جندي مسكين سادتي الضباط لم أنم منذ شهرين، من بدء الهجوم الأميركي علينا وحتى اليوم، لقد تحالف الجميع ضدي:

الزمن، القدر، الأميركان، عريف المخابرة وزوجتي.

أشمّ رائحةَ موتٍ. منذ الفلول الأولى لحلول الظلام، وأنا أشمّ رائحة الموت. فوقي رائحةٌ، تحتي رائحةٌ. أنىّ توجهت أشمّ الرائحة ذاتها. إنها رائحة عطنة. أشبه ما تكون باحتراق اللحم البشري. ها هي تغزو أنفي رويدًا رويدًا. أحاول أن أتهرب منها إلا أنها تلاحقني. أشيح وجهي يمينًا تجري ورائي، أشيحه يسارًا تهاجم أنفي اكثر. كلما تهربت منها هاجمتني أكثر.. من أين تأتي هذه الرائحة الكريهة؟ من سلّطها على أنفي؟ 
أصبحت الرائحة أمرًا لا يطاق. كان لا بد لي من أن الاحقها. منذ بداياتي الأولى اعتدت على مهاجمة الخوف بدل الهروب منه. فلماذا لا أهاجم تلك الرائحة. جريتُ في الشارع المعتم مسترشدًا بتلك الرائحة.. ركضت وركضت وركضت.. إلى أن باتت الرائحة أقرب من أنفي إليه. توقفتُ هناك. وقعت عيناي على بابٍ ابتدأ بالانفتاح ببطء شديد، لم تتمكن عيناي من التقاط أطرافه. النتيجة وحدها أكدت لي أن الباب في حالة انفتاح. دخلت هناك. هبت الرائحة بكلّ فداحتها حاولتُ أن أغلق أنفي بيدي إلا أنني لم أتمكن. يدي كانت عاجزة، لا تستجيب لطلبي. حرّكت رأسي يمينًا وشمالا في محاولة مني للهروب من تلك الرائحة. غير أنها ازدادت.
ها أنا ذا أستمع إلى فحيح الرائحة، أنها تهتف بي قائلة.. إلى أين تهرب مني.. مهما حاولت سألاحقك. أقول لها بلسان متجمّد في فمي، ما الذي فعلته لك حتى تلاحقينني بكل هذه الشراسة. أحرك عنقي محاولا التهرب منها، فتلاحقني بصورة أشدّ. صوتها ليس غريبا عني.. يشبه صوت زوجتي المريضة، على فراش الموت. أحاول أن أتأكد من أمر في نفسي. من أنت؟ أسال الصوت، فيرد: هل تود أن تعرفني حقا؟ اعتقدت منذ البداية أنك عرفتني. نعم عرفته، عرفت ذلك الصوت. لكن هل عرفته حقا؟ أحاول أن أعود إلى الماضي. يوم عثرت على كنز قضيت سحابة ليال في البحث عنه. يومها أتيت إلى زوجتي أحمل العتمة في روحي وضوء الكنز الشحيح في فمي. كنت أفكر كيف يمكنني أن أقنعها بأن تحبّني بعد نحو نصف قرن من الارتباط والكراهية الواضحة في كل حركة تقذف بها في وجهي. ألقيت الكنز تحت قدميها. قلت في نفسي إنها الآن ستحبّني. الآن أعطيتها ما أرادته وما نشدته منذ كانت طفلة. 
احتضنت زوجتي العجوز المسنة الكنزَ بيديها كأنما هي تريد أن تقول لي بدون أن تفوه بأية كلمة إن الكنز لم يعد لي وإنما أمسى ملكًا صافيًا لها. لم أعارضها. وددت ان اجعلها تحبني. لقد كرهتُ الكراهية. لم يعد بإمكاني أن أتحمل المزيد منها. قلت لها هو لك. هذا كله لك. انبهرت زوجتي بقولي. كانت تلك أول مرة وآخر مرة تنبهر بما قلته لها. سألتني هل يعلم أحد بهذا الكنز؟ هززت رأسي نافيًا. أردت أن أقول لها إنّه كلّه لنا أنت وأنا. أطلّ من عينيها غضب عمره أكثر من خمسين عامًا. فهمت من نظرتها أنها تود أن يكون الكنز كله لها. حاولت أن أُشعرها بأنه لها وأن كلّ ما أطلبه هو أن تحبني قليلا، إلا أنّها احتضنت الكنز، أكثر فأكثر. فهمت أنها وجدت أخيرًا ما يمكنه أن يفرحها ولو قليلا. ليكن، هي لا تريد أن تحبني حتى لو اعطيتها كنوز قارون، فأنا أعرف أن أموال العالم كلها لا تشتري قلب امرأة كارهة. إلا أنها محاولة.. كان لا بد لي من بذلها في ذلك الظلام البهيم. 
استدرت في الغرفة الملآى برائحة الموت. كان كل ما فيها معتمًا. عدتُ إلى زوجتي فرأيتها تحتضن الكنز بقوة رهيبة. مرت أيام وليال، وزوجتي تحتضن الكنز. انعزلت عن العالم. لم تعد تسأل لا عن غذاء ولا عن شراب. بات كلّ همها أن تحتضن محبوبها الكنز. شعرت أنها وجدت بديلا لكل ما حاولها. وأدركت متأخرًا أنني أنا من قدم لها هذا البديل. قلت في نفسي، ليكن. ها قد مضى نصف قرن من الكراهية. وفي المقابل.. من محاولة التقرب منها وإقناعها بأن تحبني، فلا بأس من متابعة المحاولة. 
خلال تجوالي بين الخفافيش وبنات آوى في الليالي المعتمة، كنت أنتهي دائمًا إلى وقفتي ذاتها قبالتها في الغرفة ذاتها. أما منظرها فإنه لم يتغير. انعزلت زوجتي عن العالم، وبات حلمي المحدد أن أعيدها إليه فلعلّها تحبني إذا ما تمكنت من إعادتها الى حياتها الطبيعية. بدون تفكير مليّ شرعت أقدم لها ما لذّ وطاب من ثمار الليل. كنت أكومها قبالتها علّها تتناول منها ما يقيتها ويقويها ويجعلها تواصل الحياة، فلعلها تصل إليّ ذات عتمة. سوى أنها لم تتناول منها شيئًا. كنت أعود اليها بالمزيد من الثمار وأكومها قبالتها، لعلّ عينها تأكل منه القليل القليل، إلا أنني كنت أُفاجأ كلّما دخلت عليها في غرفتها تحدق في كوم الطعام الكبير قبالتها دون أن تمد يدها اليه. تناولت إحدى الثمرات الكبيرة وقدمتها لها علها تشعر بي، إلا أنها اشاحت بوجهها. أخرجت لسانها مشمئزةً. نظرت إلى الثمرة بيدي. كانت تفاحة ضخمة. لفت نظري أنها متعفنة وأن الدود يتساقط منها. 
ابتدأت زوجتي في النحول. حتى أنني كدت لا أراها ولولا الكنز في حضنها ربما كان من الصعب علي أن أراها. بعد كل هذا النحول، ابتدأت ألاحظ أن المرض يهاجم زوجتي بشدة. كان لا بد من أن أوجهها الى الطبيب لكنّها أنها رفضت. شعرتُ أنها تخشى أن آخذ كنزها منها وأن استفرد به. وربما خطر في بالها أنني قد ابحث عن امرأة أخرى تحبني بعد كل ما فاضت علي به من كراهية امتد عمرها حتى شاخت وباخت. مع هذا حاولت أن أقنعها بأن تتوجه الى الطبيب لإجراء عملية فهمت انها خطيرة، إلا أنها أفضل من الذهاب إلى الموت بالقدم. فواصلت الرفض.
هكذا وجد كلّ منا، هي أولا وأنا ثانيا، مع أن الحقيقة مختلفة تماما، أنا أولا وهي ثانيًا، وجد نفسه في حيرة من أمره. أنا أريدها أن تجري العملية فربما أنقذت حياتها، وهي ترفض لئلا استولي على كنزها، الذي كان بالأمس كنزي. مضى الوقت يتقاذفني من ظلامٍ الى ظلام. أتعبني الانتظار على قارعة العتمة والضباب، فاستسلمت لوسنٍ خفيف. رأيت زوجتي تنهض على رجليها وترفع الكنز بين يديها وتهوي به بكل ما لديها من قوة ووهن على رأسي.. وهي تهتف بي ما مفاده أنني أريد أن أحملها على إجراء العملية ليخلو لي الجو وأستولي على الكنز وأنعم بالحياة السعيدة مع إحدى حوريات الجنة.

 بقيت تهوي بالكنز على راسي فتدفق منه الدم مثل نافورة ما لبثت أن تحولت إلى نوافير.. بعدها سكبت زوجتي علي مادة مشتعلة.. فانبعثت رائحة اللحم المحروق من جسدي منطلقة في الشوارع والظلمات. في هذه الاثناء خرجتُ من جسدي. ونظرت اليها: كانت ملقاة الى جانب جثتي.. صرخت هل ماتت زوجتي؟ وبقيت أصرخ وأنا أجري مشتعلا في الشوارع ذاتها.. ورائحة الموت تلاحقني.

كانت هادية تزورنا مع أمها، ونكتب الواجبات المدرسية سوياً تحت الدالية في الأيام المشمسة، وحول المدفأة في الشتاء. كانت كتبها دائماً ممزقةً، فلم تكن تحبُّ الكتب ولا المدرسة، فأكتم غضبي منها، ثم أقول لنفسي: ذلك لا يعيبها، فهي جميلة، وبيضاء مثل الحليب، وعيناها تفيضان بالعسل، وضفائرها جميلة، جديرة بأن يُشنق المرء بها، أو يُقاد إلى حدائق الأبدية. والجميلة في غِنى عن المدارس، فهي العلم، وهي الثقافة، وهي القصائد، وهي الجائزة.

وكنت أعاتبها على إهمالها كتبها. فأبوها عنده سطل من الغراء، مكشوف دائماً للهواء، وليس مثل علبتي الصغيرة التي تجفُّ من هبة النسمة. كنت مولعاً بإصلاح الكتب وتجليدها، منذ أن اكتشفت معجزات الغراء الأبيض في مداواة جروح الكتب، فأصلح لها كتبها، ودفاترها، وأستمتع برائحة الغراء الطيبة، وغشاوته وهي تجفُّ على سبابتي، فأسلخها بسرور كما يسلخ النهار جلد الليل.

صرت معروفاً في الحي بمصلح الكتب. كان الآباء يرسلون إليّ مصاحفهم، فأقوم بالمؤاخاة بين أوراقها التي فرق بينها أصابع الزمن، وتعلمت خياطة أعقاب الكتب، وإصلاح جلود مصاحف المسجد. نهاني المصلّون، فهي أوقاف، لكني ثابرت على إصلاحها، في غفلة عنهم.

كنا جيراناً، نتشارك زقاقاً ضيقاً، طويلاً، لا يتسع سوى لشخصين يشبكان أيديهما على ضفتي مزراب حجري، وهو زقاق ليس كمثله في البلدة كلّها.

باب بيتنا، يواجه باب بيت هادية ذي السقّاطة النحاسية، المصفح بجلد التوتياء المعدني المزخرف، فأبوها نجار، وفي وسط أرض الزقاق جدول، يجمع حبّات الأمطار، ويجدلها في ساقية عذبة. وكانت هاديه تحبّ الأنهار وصناعة الزوارق، وكنت أحب تجليد الكتب، وصناعة فخاخ العصافير. هي تهوى التمزيق وأنا أحبّ التلزيق. سفنها الورقية متقنة، وسفني تجنح، وتنقلب، وتغرق في القاع.

خطبت لي أمي هادية من أمها، ونحن حول المدفأة في الشتاء، نشوي الكستناء، ونشم رائحة قشور البرتقال المشوّية العطرة. وافقت أم هادية، وابتسمت هادية علامة الموافقة، فقلت لعروسي: عندما نتزوج سأصلح لك كتبك كلها، فمزقيها كما تشائين. لكن حدث أمر لم يكن على البال، لقد كبرت هادية فجأة، كأنما بلمسة سحرية. كبرت وخُطبت أيضاً من وراء ظهري غدراً، الجميلات يُخطبن بسرعة البرق، ويُقطفن مثل حبات العنب الأولى الناضجة من العناقيد، في الصيف.

ولما ذكّرت أمي أمها بأنها مخطوبة لي، قالت بأني لا أحلُّ لها، فأنا أخوها بالرضاع، واختلفت أمي مع أمها حول عدد الرضعات المحرمة، فرضعتان لا تحرّمان، لكن أم هادية، قالت: إنها أرضعتني حتى الشبع، حولا كاملا، فليتني بقيت جائعا، فلَيْتَأنَّنَا، إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم. وأظنُّ أن أمي كانت تغش في عدد الرضعات، يائسةً، فهي تدرك أن ولدها الذي يلعب بالدحاحل، ويصطاد العصافير بالفخاخ والدود، لن يلحق بهادية في سباق النمو والشبوب، ولو شرب أنهارا من الحليب بالعسل.

لم أزعل كثيراً، فأنا ما أزال أخاها، وليس أجمل من أن تكون هادية الجميلة، التي صارت مثل أمها حواء، بين ليلة وضحاها امرأة تامة الحسن، أختي، وقلت معترفا بالهزيمة، أقبل بأحد الحسنين: حبيباً منصوراً، أو أخا مدحوراً.

لكن هادية تغيرتْ، ولم أعد أطمع سوى في أن تردَّ عليّ السلام. صارت الفراشة تمرُّ بجانبي في الزقاق الضيق، وهي ذاهبة إلى المدرسة، وأنا عائد منها، فدوام الذكور كان بكرةً، والإناث أصيلاً، فأسلّم عليها، فلا ترد السلام وتمضي وكأن طيفا مرّ بجوارها! فأما أني نحلت ولم تعد تراني، وأما أن خطيبها أمرها بمقاطعتي، كانت قد صارت فراشة، وبقيتُ ملتصقاً بالأرض، بالغراء الأبيض مثل غلاف الكتاب، أحمل معي علبة الغراء أينما ذهبت، بودّي أن ألصق الغيوم بالسماء، والشارع بالشارع، والشمال بالجنوب، ثم طارت الفراشة بعيداً، بعيداً جداً، إلى بلاد فيها نهر كبير، وتجري فيه زوارق عملاقة.

تركت هادية المدرسة، وكُتب كتابها، وأقيم لها عرس كبير، كان له طعم المأتم. إنه الكتاب الوحيد، الذي أشكّ أني لو وجدته ممزقاً، لأصلحته. وطلبتُ من أبي أن يفتح لبيتنا باباً على الشارع، بدلاً من الزقاق الذي ضاق عليّ كثيراً، وتراكمت في ساقيته حطام السفن الورقية الجانحة، ودفنت كنوز من الذكريات في قاعها، وصرت عاقّاً، والعقوق يوجب غضب الرب، ورفضت أن أزور بيت أمي الثانية، أم هادية، التي أرضعتني سبع رضعات سامّات مشبعات، حتى في الأعياد.

قالت لي أمي مواسيةً، وأنا أسلخ غشاوات الغراء الأبيض عن أصبعي الجريحة: ستكبر يا ولدي، يا فلذة كبدي، ويا قرّة عيني، وتصلح كتب العالم كلها، وستتزوج أحلى منها ألف مرة، وسأربي لك أحفادك وأزوجهم الحوريات. ولم أعد أرى هادية، ولا صورة لها عندي، تمنيت لو احتفظت بأحد كتبها الممزقة. كان خطها أعوج، وتتفاوت فيه موازين الحروف ومقادير حجومها، وتحوم النقاط حول أزهار الحروف مثل النحل، لكني كنت أحبّه، وأسكر به. وكنت أطلب منها أن تكتب لي اسمي بالعسل على كتبي، وعلى دفاتري، وعلى الحيطان، كما لو أنها نجم من نجوم السينما والتلفزيون، كما لو أن خطها لوحة تشكيلية خالدة.

وجفّت مياه النهر في بلدتنا، وجرت الرياح بما لا تشتهي سفني، وغرقت زوارقي في اليابسة وتحطمت. وضاعت ثروتي من كرات الدحل الزجاجية الجهنمية الألوان في المحيطات، والتصقت ذكرياتي ببعضها بالغراء حتى انطمست. آخيت بين آلاف الأوراق بالمرهم الأبيض اللاصق، واصطدت مئات العصافير، وأطلقتها من جديد، أملاً وبشرى، لكني لم أجد أجمل من هادية، وظلّ قلبي ممزقاً، وضاعت أوراقه الصفراء في الأنحاء مثل أوراق الشجر في الخريف، وكنت أنتظر أن تصلح هادية جلدة قلبي وأوراقه الضائعة، كما أصلحتُ كتبها وقراطيسها.

لقد نسيَتْ أخاها الذي شاركها حليب أمها، والغِراء النابع من صدر أمي. نسيت حبيبها الذي سافر معها عبر البحار، وسكنا في عشرات الجزر النائية، ورعيا قطعانا من الغزلان والفيلة والديناصورات الأليفة ذات المناقير، حبيبها الذي ما زال يحمل معه علبة الغراء مثل المدخنين، أينما حلَّ وارتحل، متحاملا على أوجاع ضلعه المكسور، ويصلح، بغراء روحه البيضاء التي سُلخت آلاف المرات، آلاف الكتب؛ كتب الحب والفلسفة، الدين والدنيا، العلوم والشعر، العربية والمترجمة من لغات الجن والأنس ومنطق الطير، ويبحث عن طيفها بين السطور، ووراء ظلال الكلمات، وتحت أنقاض الأرقام، وعن رائحة قشور البرتقال، التي تتضوع، عطراً وطيباً، على جمار الحنين.

كانت الرمال مستلقية بهدوء، سابحة في الأشعة الحارقة، صابرة على دنو الشمس منها، ممتدة مع البصر، موحشة وصامته تنظر إلينا بطرف خفي مستتر، كانوا مستغرقين في نوم عميق كالأموات جميعهم ما عداي والزعيم، لقد سرنا على أقدامنا مسافة يوم كامل، الشمس خلّفت أثارا غائرة على الوجوه ، حفرت خطوطا عميقة، الشفاه صار لها لون الرماد والطريق مازال طويلا.

الحياة تبدو كنفق مظلم، جفت ضروع الأمهات لم يتناولن طعاما منذ الأمس، صرن هزيلات شاحبات، الجوع بدأ واضحا في العيون، لا أمل في الرجوع إلى الديار لأنه لم تعد هناك ديار، كنا تحت وطأة التعب والعطش، الجوع والرحيل، صراخ الأطفال يزداد كانوا مرعوبين وكنا في العراء، صراخهم لم يكن طبيعيا، أحسه أجراس تحذير من خطر قادم، خطر لا نراه نحن البالغين، يبكون بلا دموع، على عظمة الوجه ارتسمت ملامح ابعد ما تكون عن أطفال في أعمارهم، الجوع سلبهم الحياة، ملامحهم مقيدة بأشعة الشمس القوية وشقاء الرحلة، ضلوعهم أكثر وضوحا، مساحات من الرمال بلا شواطئ تلتحم بالأفق البعيد مع السماء، الصحراء فسيحة مكشوفة أمامنا بلا آثار سحب تمتص بعض اللهب، الجفاف اجتاح الأودية وهيمن السراب، الجدب والحرب قهرا أكثر نباتات الصحراء قدرة على تحمل العطش، الزعيم كان يتفقد في تلك الأوقات المجموعة عن قرب، كان رجلا طويلا، مهيبا، صامتا، شجاعا لا يخاف المواجهة، يحترم الكل ويقدم العون للجميع، بعد أن تفقدهم حدثهم عن الصبر، خاطبهم بحنان ورفق:

– سنأكل الآن بعدها نواصل السير.

ذهب بعد ذلك للصلاة، قرأ آيات بصوت مسموع ثم دعاء الله أن يخفف عنهم عناء الرحلة ويلطف بالأطفال وأن يرفع عن الجميع وطأة الحنين إلى الديار، يدخل في مناجاة طويلة وحزينة بصوت مسموع .

بدأنا نبحر من جديد في الرمال بمجموعة بها خمسين امرأة وعشرة أطفال وامرأة حبلى على وشك الولادة، الوقت يمر بطيئا و كأن الدقائق أبدية، سرنا مسافة طويلة حتى بلغنا قرية نائية تقف وسط الخلاء وحدها تعاند الريح وأنفاس الصحراء الجهنمية، لا تكاد تلمح من البعد، ملتحمة بالرمال تسكنها خمس أسر تقريبا، استقبلونا خارج قطا طيهم، كانوا يرتدون ثيابا وسخة مبللة بالعرق المخلوط بالرمال، بنادقهم على أكتافهم، على وجوههم الكثير من البثور كأنهم قادمين من تحت الأرض لم يكن لديهم ما يقدموه لنا، كانوا أكثر بؤسا منا، قطا طيهم من القش مدخلها قريب من الأرض ارتفاع القطيه بقامة رجل، لا يوجد مكان نرتاح فيه واصلنا المسير عبرنا مساحات أخرى من الرمال ، العراء ما زال ممتدا ، الشمس بدأت تزحف نحو مثواها الأخير لكن أشعتها مازالت كاللهب .

قال لي دليلنا:

– بعد هذا اللسان الرملي تقع الحدود لكننا أولا سنمر بقرية تريبه فهي قبل الحدود بقليل.

كنا نسير صامتين حتى صياح الأطفال هدأ، لا ضجيج سوى صوت حوافر الحمير ، قطع ذلك الهدوء صوت المرأة التي كانت تنتظر مولودا يبدو أنه الم المخاط، عسكرنا سريعا في بقعة خلاء ثم شددنا خيمة جلست داخلها ومعها بعض النسوة ، بدأت أمها بإشعال النار قالت أنهم سيحتاجون إلى الماء الساخن، لكنها بعد مسافة زمن قصير خرجت زاحفة صارخة تتبعها بعض النسوة وخيط دماء خلفها، يبدو أنها كانت تنزف، سألتهم عن زوجها قالوا أنه توفى في الهجوم الأخير الذي دفعنا لهجر الديار، العرق يتصبب منها بقوة، أحاطوا بها، كنت أقف بعيدا، أراقب علّهم يحتاجونني، كانت تقبض على ذراع أمها بقوة تستنجد كل المحيطين بنظراتها، أشارت إليّ إحداهن، ذهبتُ مسرعا:

– يجب حفر حفرة عميقة بقامة رجل ونصف تقريبا وإحضار عود غليظ بطول أطول من مقدار مدخل الحفرة.

بدأنا أنا والدليل العمل بسرعة شديدة، كان أنينها في تلك الأثناء يزداد وضوحا لكنه كان أكثر حزنا وعميقا، صاحت أحداهن:

– أسرعوا، ستموت.

بعد أن انتهينا أشارت أكبرهن سننا بربط الحبل بأحكام على منتصف العود بحيث يربط طرف الحبل الأخر بكفيّ الفتاة لنعلقها على أن يتدلى جسدها داخل الحفرة – تلك كانت هي المرة الأولى التي أرى فيها ولادة الحبل –

لم تستطع الفتاة الوقوف كانت تنزف دماء غزيرة، تلطخ ثوبها بالكثير منها، حملتها وأنزلتها داخل الحفرة بعد أن ربطت كفيها بالحبل، نزلت المرأة التي أشارت إليّ بحفر الحفرة وجلست في القاع، جردت الفتاة من ثيابها، بقية النساء تحلقن على الحافة يشددن من أزر الفتاة:

– الولادة متعسرة جدا والنزيف مستمر.

وضحت المرأة التي معها في الحفرة.

أمها كانت تنتحب بصوت عالي، ذهبت إليها تبتبتُ على رأسها:

– ستكون بخير إنشاء الله ، صلى وأطلبي لها الله.

– النزيف قتل نصف نسائنا، ستموت.

لم ادر ماذا افعل جسدي ينتفض كحمامة، الفتاة في توسلاتها، نظراتها كطفلة، طفله أيقظت كل مظاهر الشفقة عندي ، زلزلت الأعماق البعيدة، طفلة جعلني موالها احملها بيدىّ بحنان الأم الصادق بعد أن وضعت مولودها، كانت بنتا، وضعت الجسد المغسول بالدم على قطعة قماش مفروشة على الأرض داخل الخيمة، كانت لها قامة عالية وسمرة صحراوية أصيلة، مرت الدقائق كأنها قرون وددت لو استطع البقاء مع النسوة داخل الخيمة، وجعي على الفتاة كان عظيما وشفقتي سيلا جارفا، النزيف ما زال مستمرا هكذا قلن، اجتهد النسوة لإيقافه دون فائدة، كانت تنظر إلى البعيد إلى نقطة في الأفق تلوح لها بالسراب والأمل الزائف، شفتاها رغم الألم مبتسمتان كانت في الخامسة عشر من عمرها هكذا أخبرتني أمها .

الجميع كان فزعا حتى الزعيم غافله وقاره وصار يدور حول الخيمة كحجر الرحى ما عداها وكأنها في سكونها ذاك تعبر البرزخ إلى الملكوت المقدس والسكون الجسدي الخالد، ماتت بهدوء مستسلمة إلى الخلاص الإلهي، النسوة بكينها بأصوات عالية ونحيب واضعات الرمال على رؤوسهن، أنا أيضا بكيتها لكن بصمت الرجل الدارفورى الذي هدته المصائب والمحن وسلبته أرضه وموطنه جردته من داره وأخرجته من قريته. بعد مسافة طويلة من البكاء المتواصل وانشغال الأخريات بتجهيز الجثمان لاحظوا أن الفتاة المولودة ساكنة بلا حراك تحملها امرأة معمرة مكرمشة الجلد والوجه كانت طيلة سيرنا صامته ، أطلقت المرأة صرخة قوية لا تتناسب و ضآلة حجمها:

– ماتت الطفلة أيضا.

سيل الحزن جرف الجميع، الدموع نزلت بغزارة على الرمال التي امتصتها بسرعة شديدة، غطوا جثمان الأم بثوبها واضعين ابنتها على صدرها، ذهبنا بهما وسط النواح إلى مثواهما الأخير أنزلناهما بعد أن صلينا عليهما، أهلت التراب، لم استطع الوقوف بعد ذلك بركت على طرف القبر أدعو لها. غابت الشمس كليا وبدأت العتمة تتكاثف، تحجب عنا المساحات الممتدة:

– يجب أن نستأنف السير حتى نصل الحدود سريعا.

قال الدليل.

كنا نسير متقاربين محتمين ببعضنا، نتقدم ببطء، الدليل يهتدي إلى الطريق بالنجوم نحن أيضا استنجدنا بضوء القمر لمعرفة مواضع القدم ينجدنا من العتمة الموحشة، الحرب قتلت الحياة في الصحراء، الأشجار المعمرة، النباتات الشوكية التي تحتمل العطش وتقتات عليها المواشي أيام القحط، كل شيء صار إلى الفناء .

كنا نقاوم أنفاس الصحراء الحارقة ببطء السير، نسمع أصوات بعض النساء المتوجعات من هجرة الديار ومكان الميلاد. كنا جائعين كلنا الأطفال والبالغين لم نعد نحتمل، معنا القليل من المؤن، أغلب النساء لم يعدن يحتملن السير أكثر، وزعت على القافلة حفنات من التمر، نظراتهم لىّ عندما أمدهم بالتمر تترجم لغة النفوس المفجوعة، نظرات خاطفة وعابرة لكنها كافية لتترجم ما تحمله، العطش أيضا كان حاضرا .

عسكرنا وأشعلنا النيران لصنع العصيدة، النساء يعملن بصمت لقد هدهن الجوع، صوت لاهث هتك السكون ذاك منبثقا من زيل المجموعة، صوت مرتعد يطلب الزعيم، هرول في مشيته ناحية الصوت، لم يستطع ضبط خطواته المتلاحقة، هرولت خلفه، لحقت به:

– بتول !!

كانت كلمة واحدة قالتها المرأة التي كانت تقف قرب الجسد الممدد:

– هل ماتت؟

سألها الزعيم.

لم تقل لا أو نعم، علقت بصرها بالأرض، عيناها تفيضان دمعا كانت ممدده على قفاها، فاتحة عيناها على اتساعهما ، كانتا مغمورتين في بياض شامل تحدقان في الأفق البعيد أو في سراب الوصول إلى الحدود والالتحاق بمعسكر اللاجئين هناك، نظرتها غريبة حتى أن الخوف والرهبة تسللا إلى نفسي عنوة، نظرة بها الكثير من الكبرياء المفجوع والمخلّف حيث الأراضي والديار والزرع ، نظرة نحو السماء نحو أمل مفقود، كانت تقبض بيدها على حبيبات من الرمل دفناها بها، كانت لحظة مشحونة بالخوف والخشوع. بعد الدفن وضعنا على قبرها حجرا ضخما ليكون شاهدا .

جلس الزعيم على تله منخفضة يحدق في الفراغ:

– أترى يا بنى أغلب هذه المساحات الرملية كانت قرى بها مئات الأسر، كانت تفيض بالحياة.

تنهد عميقا ثم واصل:

– والآن هي جزء من الصحراء والفناء والعدم.

انسحب الزعيم بعيدا، غاب في العتمة، تتبعته جلست حيث جلس، السماء صافية والعتمة غيبت الصحراء وهدوء لا يكدر صفوه شيء ولا يسمع فيه غير صوت الإيمان بالله عز وجل كان صامتا وجلا.

بعد منتصف الليل وقبيل الفجر الأول آذن المؤذن أن قوموا لمواصلة السير عبر البرزخ حتى نبلغ النجاة .

في عام 3000 للميلاد، وبعد سنوات طويلة من الحروب العالمية والأهلية والدينية. وبعد أن غضبت السماء فضربت المياه بنيازك من الجحيم المنتقم، جاءت بالتزامن معها صواعق، وبراكين وأعاصير وعواصف وأمراض ومجاعات لم تهدئ لقرون. انتهت البشرية على الأرض تقريبًا واختفت جميع القارات بساكنيها ويبست جميع المحيطات فأصبحت وديانًا مرعبة وعميقة، ولم يبق الآن إلا أشخاص يعيشون في كهفٍ كبير تحت الأرض حفرهُ نيزك منذ قرن…

كانوا مائة فقط، يرتدون الجلود، يتسلحون بالصخور، يتوسدون الأذرع، ويأكلون العشب من مرعى أخضر صغير، تكون بمحاذاة بركة مياه راكدة. كانوا بلا أسماء وبلا لغة، يتكلمون بالإشارات ويكنون بعضهم بالأرقام.. ثمانون رجلًا و خمس عشر امرأة وخمسة أطفال، هذا ما تبقى من البشرية كلها!..

لم يكونوا بحاجةٍ للغة ليدركوا أنهم آخر ما تبقى على هذه الأرض، وأنهم آخر أمل في تكوين البشرية من جديد. لذا أصروا بعضهم البعض كالعناقيد وتشبثوا بالحياة بما تبقى لديهم من مخالب وتعاهدوا على البقاء معًا كي ينقذوا هذا الكوكب. يخرجون كل صباح للمرعى، يجترون العشب كالغنم ويتمرغون قرب المياه كالكلاب ثم يعودون عند الغروب كي يهجعوا في الكهف كالخفافيش. ذات يوم وبعد أن رجع الجميع إلى الكهف. وبدأوا بعد أنفسهم كي يتأكدوا من تعدادهم كما العادة فوجئوا بأن الرقم تسعة غير موجود..

– أين أختفى الرقم تسعة ؟!

اتسعت الأحداق ريبةً واهتزت الأرواح خوفًا وبدا على وجوههم قلق واضح حقيقي لهذا الاختفاء الغريب، إذ لم يغب أحد عنهم منذ أكثر من عشر سنوات، بعد ساعات من الصمت اليائس الممل، دخل عليهم الرقم تسعة الكهف بثغرٍ باسم وجبين متعرق. وقف أمامهم كتمثالٍ مبتسمًا وقبل أن يشير إليه أحد بإصبع إتهامٍ صغير، فتح يديه كمن يريد أن يدعو كتلك الأقوام التي كانت تؤمن برب السماء قبل أن يفنوا من الأرض جميعًا!

وتلاها بابتسامةٍ عريضة لم تخلُ من بلاهة لتكشف يداه عن قلادةٍ فضية اللون، بسوارٍ جلدي يتوسطها قلب كبير صدئ الأطراف. نظر الجميع إلى القلادة بشغفٍ وذهولٍ كبيرين. ثم تقدم رجل عظيم الهيئة، ضخم الأطراف، أشيب الشعر، بدا من لحيته وتجاعيده أنه أكبرهم عمرًا، كان يدعى الرقم مائة، نظر إليه غاضبًا كمن يقول أين كنت، لم يرد الرقم تسعة سوى بأن رفع يديه ليريه القلادة.

تغيرت الأيام بعدها، أصبح الرقم تسعة محط أنظار الجميع واكتسب أهمية جديدة وفريدة وواسعة. أصبح الرجل الوحيد الذي تتهافت عليه الأعين أينما حل أو ذهب.. الجميع يريد مصاحبته، ويتمنى أن يتقرب إليه، كما يفتخر بمعرفته له، إنه الرجل ذو القلادة الفضية، سعيد الحظ من يضحك معه وأسعد حظًا من يرافقه إلى العشب فجرًا، أما الأسعد حظًا بين البشرية كلها فهو من يجعله يلمسها، وهذا لا يحدث إلا نادرًا.. تصارعت النساء لكسب وده وقلبه وقلادته!

فواحدة تتعرى أمامه، وأخرى تغمزه بعينها، وثالثة تغريه بنهدها البارز المتضخم، أما الاكثر جرأة فكانت تلك التي هجمت عليه وهو نائم!..

سرت بين الرجال غيرة كالسّم وتجلت في أعينهم نظرات كره وحقد وحسد خبيث. واستعدت أرواحهم بشٍّر مضمور وعنفٍ قادم.. ثم انقسموا إلى أكثر من معسكر. الكبير صاحب الرقم مائة ومعه عدد من الأرقام المؤيدة يرى أن القلادة بدعة ويجب أن تُرمى في البركة.. وآخرون يقودهم الرقم عشرة يعارضون ويؤمنون بالحرية و بحقه في ملكيته الخاصة، أما البقية فقد كانوا على الحياد.. وهكذا انقسم الكهف لأول مرة في حياته!..

تشاجر ذات صباح رجلان، أحدهم يحب صاحب القلادة وآخر يبغضه. تنامي الشجار وتسامى كالبخار إلى أن وصل ذروته فقام المحب بقتل المبغض بعد أن سحق جمجمته بصخرةٍ عظيمة. عُقدت محكمة ببشرٍ عُراة إلا من جلد الحيوانات وأصدر الرقم مائة قرارًا بوجوب التخلص من القلادة فورًا.. رفض الرجل رقم تسعة تسليم قلادته فأعدموه لمخالفته القانون وحدث ذلك بعد أن جروه إلى البركة وجلس فوقه أربعة أشداء ليموت غرقًا.. بعدها أخذت القلادة وسلمت إلى الزعيم رقم مائة، ليتخلص منها وينهي شرها الآثم.. كانت الصدمة مفجعة كجنازة عندما أطل عليهم الزعيم في اليوم التالي وهو يرتدي القلادة على صدره كعروس. بعد ليلتين قُتل الزعيم واختفت القلادة.. وُجهت الاتهامات لبعضهم البعض وبدأ الشك يتوغل إليهم كعاصفة. وتشكلت مجاميع كثيرة من المعارضين والمؤيدين والطامعين والحاقدين والحاسدين، فانقسموا وتعصبوا وتحزبوا واختلفوا وتناحروا وتقاتلوا وتذابحوا وأنهوا بعضهم بعضًا.

بعد أشهر قليلة، ظهر طفل وحيد يبكي في كهفٍ وبين يديه قلادة صغيرة فضية اللون، صدئة الأطراف، قضت على آخر ما تبقى من البشرية!..

 

“أنا بحبّ البحر”، قالت الفتاة. أربعة أطفال وامرأة بالغة كانوا يسيرون ويتعثرون فوق الرمل. كانت الظهور والأكتاف والأيدي محمّلة بحقائب ظهر وأمتعة. زوّادةٌ زرقاء اللون شدّت يد المرأة وكتفها إلى الأسفل، ومن إبط أحد الأطفال أطلّت مظلّة حمراء على نحوٍ مائل. في منتصف الطريق، وفي أوج هذا الوضع المزعج، وقفت نور ابنة الثانية عشر عامًا وقالت إنها تحبّ البحر. “أنا بحب البحر”، قالت، وحتّى الأربعة الآخرون الذين ساروا وتعثّروا وقفوا وحدّقوا فيها ثمّ حدّقوا في البحر الذي كان لا يزال بعيدًا بعض الشيء ولكنه كان ممتدًا أمامهم، وتسمّرت نور مكانها وتأملته. لم يستغرق السفر من قريتها إلى الشاطئ أكثر من ساعة وربع الساعة، لكنّها لم ترَ البحر من قبل قطّ، لا هي ولا شقيقها محمد ابن الثمانية، ولا أبناء عمومتها: سمير، ابن العاشرة، وياسمين ابنة السابعة. هذه المساحات الهائلة الرائعة، والأمواج المتكسرة والهائجة والمتلاشية والمتجمّعة بخفّة على الشاطئ، اللون الأزرق الحاد تحت شمس الظهيرة التي أخذ حرّها في الانحسار، النسيم العليل يهبّ على وجوههم وأذرعتهم- في ظلّ الظروف التي وُلدوا فيها، لم يكن كلّ هذا الخير والجمال من نصيبهم،  ولا من نصيب ذويهم.

اجتازت المرأة والأربعة الذين رافقوها الحاجزَ العسكريّ بالقرب من مدخل قريتهم بسيارتها الفورد-فييستا الحمراء دون أن يتوقّفوا أو يقع توقيفهم. لم تكن لديها أدنى فكرة عن القوانين والأوامر في هذه المحافظات: هل ينطبق على الأطفال أيضًا ما هو مكتوب على اللافتة الحمراء الكبيرة التي تسبق الحاجز، والتي تُفيد بأن هذا المعبر معدّ للإسرائيليين فقط؟ كلا، حقيقةً لم تكن تعلم- ربما كان مسموحًا للأطفال أن يعبروا حتّى لو لم يكونوا من الإسرائيليين؟ لقد راجَت إشاعة من هذا القبيل، حتّى في القرية هذا ما رووه لها، ومع ذلك شعرت بانقباض في بطنها وارتجاف في ركبتيها أثناء دنوّ السيارة من موقف الجنود. خشيت أن ينتهي هنا كلّ البرنامج الجميل لنهار هذه الجمعة، أن يتلاشى كحلم-  البرنامج الذي عدّ الأطفال، وهي أيضًا، في الحقيقة، عدّت مثلهم بعض الشيء، اللحظات من أجله منذ ساعات الصباح المبكرة، على حدّ قول الأهل. وبالفعل، عندما وصلت إلى القرية كانوا ينتظرونها  عند درج منزلهم ومعهم صُررهم،  متوترين، لا تعلو وجوههم الجامدة ابتسامة أو طرف ابتسامة من فرط التوتر واللا يقين.

نعم، هي الأخرى كانت متوترة، وقد خشيت أن يقع توقيفها عند الحاجز، فيأمروها بأن ترَكن السيارة جانباً ويجرون تحقيقًا معهم ثمّ يقومون بإعادتهم. عندما غادروا القرية، خطر في بالها لوهلة أن تأمر الأطفال بعدم التحدث باللغة العربية إلى أن يجتازوا الحاجز، كما لو كانوا يجيدون التحدّث بلغة أخرى غيرها. لكنهم لم ينطقوا كلمة واحدة أساسًا. جلسوا كما لو أن البكم أصابهم، وقد اقتربت ببطء من موقع الجنود، بطنها ينقبض وركبتاها ترجفان. أنزلت زجاج النافذة، ولوحت محيّيةً الجندي المسلح الذي أشار إليها بذراعه أن تبطىء أكثر وربما حتى أن تتوقف، لكنها تباطأت كثيرًا وحسب. ابتسمت بحرارة وهزّت رأسها لتشير له بأن كليهما ينتميان إلى المعسكر ذاته، إلى هذا الشعب وإلى أسياد هذه البلاد، وهو ما تصوّره الجندي عند رؤية السيارة ووجه المرأة التي كانت تقودها، فردّ عليها بابتسامة وتحيّة، ومع ذلك سألها: “هل كلّ شيء على ما يرام؟” ليتأكّد من صدق اللهجة إلى جانب المظهر. “تمام، صبابا” أجابته، لكن عندما أحنى رأسه قصد إقحامه في إطار نافذة السيارة  ليلقي نظرة خاطفة على بقية الركّاب، داست أكثر قليلا على دواسة الوقود.

هيّا، تحرّك، ما بك تتطفّل عليّ. أرادت أن تقول له “أفسح مجالاً للعَيش”، وتراجع الجندي جانبًا، شبه مَدفوع، وواصلت هي سفرها، ورفعت بصرها نحو المرآة ورأت أنه لا يهتمّ وواصلَت القيادة. هذرت بينها وبين نفسها: “أوف، من يمتلك طاقة لكلّ هذه المشاكل المغيظة”. وصرخت تجاه الفضاء السّاكن: “نحن في إسرائيل!” وقد اندهشت هي نفسها من الإحساس الذي انتابها بأنّها في بيتها عند رؤية اللون الأخضر البارز في اتجاه ميفو بيتار وبارك بيغن، والذي استبدل على نحو فجائيّ اللون الأصفر القاتم للتلال والجبال المكشوفة شرقًا. “لقد اجتزنا، نحن في إسرائيل ، سنسافر إلى البحر!”

كلّ ذلك صارَ نسيًا منسيًا. الآن كانوا خلّفوا وراءهم بلاد الحواجز واجتازوا موقف الدفع عند مدخل بارك نيتسانيم، حيث لم يطالب أحد هناك بالتحّقق من هويّة هذه السيّدة والأطفال الهادئين الذين رافقوها، وإنّما اكتفوا بجباية رسوم الدّخول. وها قد عثرت على مكان لرَكن السيارة في موقف السيارات الكبير التابع لشاطىء الاستحمام، وقد ترجّل الأفراد الخمسة وأخرجوا معهم صُررهم من السيارة وأخذوا يسيرون في صمتٍ فوق الرمل باتجاه البحر.

ثم وقفت نور وقالت قَولها: “أنا بحبّ البحر”، ووقفت المرأة أيضًا ونظرت إليها وإلى الأطفال الثلاثة الآخرين الذين هم بدورهم وقفوا، كلّ بوضعيّة مغايرة، كما لو كانوا يلعبون لعبة الحركات،  وكَما لو أنّ الطفل الذي وقف مواجهًا الجدار في تلك اللحظة حوّل نظره كَي يرى ويتحقّق أيّ من اللاعبين أخفق في الثّبوت مكانه وتحرّك قليلا وبالتّالي توجّب عليه مغادرة اللعبة. لكن المرأة وجدت نفسها تنظر وتتفحّص الأربعة لكي تستفذ التجربة، وتعيش ثراء وجوهر هذه اللحظة التي انتظرتها منذ أن تمّ التخطيط لها وتحدّد السّفر: رؤيتهم وهم يرون البحر لأول مرة. عيون متفاجئة، متّقدة، وشفاه مفتوحة قليلا. من طرف ثغر ياسمين، الأصغر سنًا، سال خيط رضاب أبيض رفيع، على ما يبدو لم تزدرد ريقها. عينا محمّد الداكنتان كانتا شبه دائريّتين من فرط اتساعهما. بدا سمير على أهبة الضّحك، أمّا نور، التي كانت أكبر سنًا، وعلى مشارف مرحلة الصّبا، فقد كانت هي بالذات جديّة، وارتسمت على وجهها تعابير توّاقة، حالمة وحدّقت عيناها  في المَدى البعيد.

تلك اللحظة، في الغالب، طالت كثيرًا في ذاكرتها وحدها فقط. في الواقع، لا بدّ أنّهم سارعوا في البحث عن مكان لهم وسط زحام المصطافين، والمظلات والكراسي والحصر والمبرّدات والأطفال والكلاب وحلقات التعويم بكافة الأشكال والألوان والأحجام، وسط أنغام أجهزة المذياع المحمولة وضربات لعبة الماتكوت والصراخ والكلام بالعبرية والروسية والانجليزية، التي ستختلط بها بعد قليل أصوات نور ومحمد وياسمين ومسير بالعربيّة- بعد مدّة وجيزة سيتحدّثون بينهم بأصوات منخفضة حتى لا يبرزوا في المكان، لكنّهم بعد ذلك سوف ينسون وسوف بصرخون، كلّ تجاه الآخر وكلّ على الآخر، بنغماتهم الصادرة من الحناجر والتي تجد المرأة البالغة صعوبة كبيرة في تعلّم طريقة نطقها بشكل سليم.

لقد غرزوا المظلة  الحمراء في الرمل، وفرشوا بطانية تحت ظلّها، وقالت المرأة للأطفال إن هذا مخيمهم وإنّه يُسمح لهم بوضع الحقائب والأمتعة وخلع نعالهم والتوجه إلى غرفة الملابس لتبديل ملابسهم هناك، والعودة على الفور وعدم الابتعاد بأي شكل من الأشكال دون الإبلاغ ودون طلب الإذن. عادوا، واحدًا تلو الآخر، وكانوا ما زالوا مطيعين ومنضبطين. عادت نور ببنطال جينز طويل وقميص تريكو- كانت تبلغ من العمر اثنا عشر عاما فقط وبدا عليها أنّها قد التزمت بالقواعد المصريّة التي تنطبق على بنات جنسها. عاد سمير ببنطال قصير حتى الركبتين وعندما بدأ أخيرًا بالقفز والركض، تبيّن أنّ تحته يوجد خط عريض لكلسون أحمر قاتم عند الخصر، أضفى عليه مظهرًا عصريًا. عاد محمد وياسمين وحدهما يرتديان المايوه- ارتدى محمد شورت سباحة أخضر فاتحًا وارتدت ياسمين بدلة سباحة صفراء وخضراء مزينة بتنورة صفراء قصيرة جدًا لدرجة أنه لم يكن ممكنًا اعتبارها وسيلة ساترة، وربما حتى العكس: شكل من أشكال الاستفزاز الشقيّ، تعلن أنّها لم تُصنَع للسّتر وإنّما للكَشف، للكشف عما هو موجود في هذه الأثناء: جسد لطيف لفتاة صغيرة معافاة، ما زال يحتفظ بشيء من الاستدارة الطفوليّة.

الآن وقد تم تدوين هذا الوصف المفصّل من ذاكرتها وفقًا للملاحظات التي قيّدتها بعَجلةٍ بعد فترة وجيزة من الرحلة، أي منذ فترة طويلة- تزوجت نور وهي الآن على وشك إنهاء تعليمها العالي في موضوع الكيمياء، وقد خرج سمير من المدرسة ويعمل متدرّبًا في الكَراج. محمد صار في عامه الأخير في الثانوية العامّة، وفي الآونة الأخيرة، نضج كثيرًا عندما أصبح معالجًا مرافقًا لأخيه البكر الذي أصيب إصابة خطيرة في حادث طرق. وياسمين فتاة لا تخرج من المنزل بدون غطاء للرأس- الآن وهي تدرك أن ذاكرتها قد احتفظت بتفاصيل أكثر من هذه- تسأل نفسها لماذا نظرت إليهم وقتها هذه النظرة الفاحصة شديدة التدقيق لدرجة أنها حفظت حركاتهم وكلامهم وملابسهم بهذه التفاصيل. من الواضح لها أنه بصرف النظر عن الفضول لمعرفة كيف قام ذووهم بتجهيزهم لقضاء أول رحلة يقومون بها في حياتهم على شاطىء البحر، كان لهذه النظرة أيضًا غرض هدف عملي: أن تحفر في وعيها مظهر كل واحد منهم وتمييزهم بعلامات حتى لا يضيعوا، لا سمح الله، بحيث أنّه في حال أن اكتشفوا حريتهم فجأة في فضاءات الرمل والبحر هذه، وانفصلوا وابتعدوا وركضوا، كلّ منهم في اتجاه، فإنّها سوف تتمكّن من قَنصهم، على الأقل بعينيها، إن لم يكن بكلتا يديها،  اللتين أرادتا فعليًا تقييدهم بطريقة أو بأخرى خشية إخفاقها في الوفاء بوعدها لذويهم بإعادتهم إلى منازلهم عند المساء سالمين. وعدتهم بذلك دون أن يطلبوا منها أساسًا، وقد ردّوا عليها بأنّهم لا يشعرون بالقلق على الإطلاق- ما الداعي للقلق، وهم معها، قال لها والد نور وقد مدّ يديه قليلا ثمّ وضع يده اليمنى جهة قلبه، وهم يعرفون أنّه يمكنهم الوثوق بها كما لو كانت أمّهم التي أنجبتهم. يا للسخافة، قالت وقتها في قلبها، متى كان لها أربعة أطفال تحرسهم عند البحر، وزد على ذلك، لا يجيدون السباحة؟

ومن المؤكّد أنّ نظرتها المتفحّصة قد ساعدتها في البحث عنهم والعثور عليهم في السّاعات التي أعقبت ذلك- بنطال الجينز والقميص الأزرق التابعين لنور رفيعة القوام، والتي برزت جدًا بين البنات حاسرات الجسد اللواتي كنّ عند الشاطىء، والتنورة الصفراء القصيرة التابعة لياسمين، وخط الكلسون الأحمر التابع لسمير، والبنطال اللماع الأخضر التابع لمحمّد، الذي اختفى هو بالذات عدة مرّات من فرط الشبه بينه وبين عدد من الأطفال الآخرين الّذين ارتدوا المايوه الأخضر. عدّت: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، وكرّرت العدّ في البداية، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة… لا، يكفي ثلاثة، أين محمّد؟ – “ركض محمّد إلى هناك”، أشارت نور. واحد اثنان ثلاثة، أربعة… لا، هذا ليس سمير، أين سمير؟- “ها هو سمير، مدفون في الرمل”، أرتها ياسمين…

ومع ذلك، فإنّها هي تذكر، تذكر وتعرف أنّه لم يكن الفضول وحده أو الهدف العمليّ وحده سبب تأملها الطويل للأطفال الأربعة، وإنّما أيضًا التّوق، الرغبة في رؤيتهم أطفالاً عاديين، أطفال تنكشف بشراتهم الملساء واللامعة من مياه البحر، أطفال تُمرغ فيه البوظة المخلوطة بالرمل على وجوههم المتوردة جوار الكشك، مجرد أطفال على شاطىء البحر. فهي لم تتمكّن من رؤيتهم على هذا النحو قطّ في منزلهم، في قريتهم- حيث هم أطفال عاديون هناك. من منظورها، كانوا دائما بالنسبة لها وقبل أي شيء جزأ لا يتجزأ من الواقع المشوش والمشوه لمكان محاط بأسوار وسيارات جيب عسكرية تمرّ رائحة غادية في الشارع الرئيسيّ، مكان يوقف فيه الجنود المسلحون في أحيان متقاربة أطفالا عائدين إلى المنزل من المدرسة لكي يتحقّقوا إن كانت على أيديهم آثار حجارة ألقوها… مكان حيث.. مكان حيث…

في تلك الجمعة، سرعان ما اختلطوا مع أطفال آخرين على شاطئ نيتسانيم ، ورشقوا سوية الرمل والأصداف على قناديل البحر التي انجرفت نحو الشاطىء لتلقى حتفها هناك دون أن تثير شفقة في قلب أحد، وتبادلوا التراشق بالرمال والماء، ثمّ تدحرجوا عند منحدر الكثبان الرملية، ثمّ  مُرغت البوظة والمثلجات على الوجوه، وتفككت الحزمة مرارا وتكرارا. لقد اكتشفوا حريتهم بالفعل، كلّ على طريقته.

وجدت ياسمين جالسة على الرمال وتزين أصداف قصر صغير من الرمل شيّدته. رأت سمير، وهو ولد قويّ البنية لكنّه قصير القامة، مستلق على جنبه وقدماه في المياه الضحلة ورأسه مسنود إلى مرفقه ويتأمل في صمت الرّمل الرّطب وقد ظلّ على هذه الحال لحظات طويلة. رأت نور من ظهرها، تقف على الخطّ المائيّ، لعلّ وجهها اكتسى مرة ثانية تعابير تواقة حالمة وحدّقت عيناها في المدى البعيد  صوب وعدٍ بشيء آخر، جديد، مؤثّر. وقد قنصت عيناها محمد وهو يركض فوق الصخور المسطحة داخل المياه وينحني وينظر إلى الداخل وينتشل شيئًا من البحر. توجّهت إليه ورأت عند قدميه سمكة صغيرة ترتعش وتنتفض، فالتقطها وأخذت تتخبط في راحة يده.

“أعدها فورًا إلى الماء، سوف تموت، أسرع! أعدها!” صرخت عليه بغضب، وقد صارَت فجأة هستيريّة. واندهش الصبي وألقى أخيرًا غنيمته البائسة في الماء. نظرت لحظةً إلى المكان أين عامَت السمكة بين الصخور، ولم تجرؤ على التأكّد من إعادتها إلى مكان نشأتها لتعيش هناك، أو لتحتضر وتفنى.

“هل ترون، لقد أعدتُهم جميعًا إليكم أحياء سالمين”، قالت أمام أفراد الأسرة الكثر الذين تجمهروا حول سيارة الفورد فيستا الحمراء، التي انطلق الأطفال منها كالرّيح وانتشروا مختفين عن الأنظار، بينما مكثت هي داخلها لحظة أخرى حتّى تستعيد هدوءها قليلا من عناء القيادة على أصوات الأناشيد والخطابات والتصفيق  التي ملأ بها الأطفال فضاء السيارة في طريق العَودة- كم كان مريحًا الهُدوء الذي سكَنها في السّفر في الاتجاه المعاكس- ثمّ حرّكَت ودفَعت ورفعَت مؤخّرتها عن المقعد وخرجت بشيء من الثّقل، ولم تكن رشيقة الحركة. لم لا تبدل سيارتها هذه بسيارة أعلى؟ كان قد خطر ذلك في بالها قبل أن تتوجّه بفخر إلى اللفيف: “هل ترون، أحياء سالمين”.    

كان الليل قد حلّ، وساد الظلام في بلاد ما وراء الحاجز عندما عادوا. لم يقف أيّ جنديّ هناك ليجري تفتشيًا للمسافرين في هذا الاتجاه، من إسرائيل إلى الضفّة الغربيّة، ولم ينقبض البطن ولم ترتعش الركبتان. وحدها الرّوح كادَت تنفجر من حجم التوتر الذي زال عنها الآن، عندما عادت ومعها الأربعة- لم يضلّ أحد منهم الطريق، لم يغرق منهم أحد. لكن خلافًا لها، يبدو أنّ أحدًا من أفراد الأسرة لم يخش من عدم عودتهم بسلام. لم تكن راحة وإنّما وهجٌ، وهجٌ حقيقي تدفّق الوجوه الكثيرة في ساحة المنزل في القرية، من ضوء المصباح الشديد الذي أنارها.

قال لها والد سمير وياسمين بالعبرية “أنت حتى لا تعرفين أهميّة ما فعلتِ”، ووقف وألقى خطابًا قصيرًا حول مدى أهميّة أن يبينوا لهؤلاء الأطفال أنه بإمكانهم أن يكونوا وسط أطفال يهود، أن يبدوا مثلهم وأن يلعبوا مثلهم، أهمية ألا يكبروا فقط لكي يكرهوا. عدا عن ذلك، فقد حققت لهم حلما، حلم أن يروا البحر، “وهذا ما لن ينسوه لها أبدًا. لن ينسوا لك هذا أبدا. شكرًا لك، ألف شكر”.

يصعب عليها الآن أن ترى هذه العبارة مكتوبةً. لماذا؟ لأنها ساذجة؟ لأنها مُغرقة في الانفعاليّة؟ ولعلّها كانت في ذلك الوقت لا تزال تعبّر عن أمل صادق وحقيقيّ قد تبخر الآن من قلبها ومن قلب الخطيب، الذي أصبح اليوم جدًا لأحفاد لا يزالون ممنوعين من السفر إلى شاطىء البحر، الذي يبعد مسافة ساعة عن قريتهم.

طلب منّي صديقي كلود، النادل في مقهى “أوشيه دو لا أبيي”، أن أنهي كأسي بسرعة. الساعة الثانية والربع صباحاً، وعليه أن يغلق باب المقهى. مشيت بضع خطوات وجلست في ساحة فورستنبيرغ. هنا “أنظف” دماغي كل يوم. كان البيت الذي قضى فيه الرسام الشهير دو لاكروا سنواته الاخيرة، قبالتي، وقد أصبح متحفاً الآن. بدأت أدخن سيجارة. فكّرت أن أتجه الى محطة أوسترليتز. لكنني لا أستطيع النوم ومزاجي معكّر.

“إلى متى يكرّر الفرنسيون هذه المسرحية المملة؟!” قلت بصوتٍ عالٍ وكأنني أخاطب الفنان الكبير. كنت أقصد هذه الاستعراضات العسكرية الهائلة التي يقيمونها كلّ سنة. آلاف الجنود، مئات من الدبابات والمدفعية والصواريخ، عشرات الطائرات تحلق في السماء، وحشد هائل من البشر في كل مكان، وشرطة المرور تغلق الشوارع الرئيسية المؤدية الى قلب باريس، مما يؤدي إلى فوضى هائلة تستمر طوال النهار. وتقوم القنوات التلفزيونية ببث هذه الاستعراضات مباشرة، ونرى نفس هذه الصور في شاشات مئات الآلاف من الأجهزة التلفزيونية المعروضة في فترينات محلات بيع الالكترونيات. أحبّ فرنسا ولكنني لا أحبّ هذا اليوم الذي يسمونه “كاتورز جوييه” (الرابع عشر من تموز)، الذي يحتفلون فيه بذكرى الثورة الفرنسية.

تركت ساحة فورستنبيرغ وقررت أن أقوم بنزهة حول كنيسة السان سولبيس بانتظار أن يبزغ الفجر لأدخل أي مقهى أجده أمامي. لمحت عند نهاية شارع بونابرت المتقاطع مع شارع فيو كولومبييه، امرأة أنيقة تسير بخطوات أثارت انتباهي. كانت ترتدي شورتاً قصيراً، أبيض، يكشف عن ساقين مكتنزتين. خمنت أنها تقترب من الخمسين. عندما تقلصت المسافة بيننا بدت لي حزينة.

“لماذا أنت حزينة، مدام؟!” قلتها دون أن أنتظر أي رد منها. كنت ثملا، وكانت الساعة تقارب الثالثة صباحاً.

توقفت السيدة وقالت وهي تحاول أن ترسم ابتسامة صغيرة “نعم، أنا حزينة جداً، مسيو”.

“أنا آسف جداً، مدام” قلت.

“لقد أضعت كلبي الصغير في الكاتورز جوييه، مسيو. أليس هذا محزناً!” قالتها بغنج وهي تبلل شفتيها وتمدّهما إلى الأمام.

“وأنا أضعت وطني في الكاتورز جوييه، مدام، أليس هذا محزناً؟” قلت ساخراً.

ضحكت وقالت وهي تغمض عينيها بغنج “وكيف حدث هذا؟”

“إنها حكاية طويلة، مدام”.

صمتت السيدة للحظة، ثم قالت “اسمع. هل تريد أن تشرب كأساً معي، أعرف محلا يبقى مفتوحاً حتى الفجر”.

عبرنا بولفار السان جيرمان وسرنا بمحاذاة الكنيسة، قالت لي “أنا أقيم في هذا البولفار. أليس رائعاً أن يقيم المرء في هذا الحي”.

“هذا حلم بالنسبة لي” أجبتها.

“لي أيضاً”. قالت بمرح، ثم أضافت “تصور كم سيكون الأمر رائعا، لو أننا صادفنا كلبي الصغير الآن”.

“سنجده، صدقيني مدام، أنا أشعر بذلك”. قلت.

وقفت وتطلعت اليّ:

      “أنت لطيف. تشعرني بالألفة، لقد قلت (سنجده) هذا لطف منك”.

هززت كتفيّ ولم أعرف بماذا أرد.

“نعم أنت لطيف” كررت.

عندما دخلنا مقهى “لو كونتي”، حيّاني داميان، مدير المقهى، ومدّ يده مصافحاً.

“يبدو أنك مشهور؟” قالت السيدة.

“في الحانات فقط” أجبتها، فضحكت بصوتٍ عالٍ.

طلبت نبيذاً أحمر، وطلبت هي “كير رويال”. وعندما لاحظت داميان يخرج من البار، عرفت أنه سيذهب إلى غرفة المخزن الواقعة خلف البار، بالقرب من التواليت. اتجهت فورا الى التواليت، وانتظرت لحظات حتى خرج من المخزن، فقلت له “داميان، من فضلك إذا اضطررنا الى الشرب كثيرا، هل يمكن أن أدفع الحساب غداً، لقد تعرفت على هذه السيدة اليوم”.

“بالتأكيد” قال داميان ثم أضاف “إنها تقيم في باريس منذ اسبوعين فقط، كانت في كاليفورنيا”.

“تعرفها؟!”.

“تأتي في الليل لتشرب كأساً. إنها تسكن على مبعدة خطوات من هنا”.

قالت السيدة إن اسمها ميشلين، وسألتني عن اسمي، عن حياتي، وماذا حدث لبلادي. رويت لها أنني أعمل حالياً في شركة للترجمة والطباعة، وأن طموحي هو أن أصبح مخرجاً سينمائياً. وعن بلدي، أخبرتها أن مجموعة من الضباط الأشرار قاموا في “الكاتورز جوييه” من عام 1958 بانقلاب عسكري دموي أطاح بالنظام الملكي في العراق، ومنذ ذلك الوقت يعيش الشعب العراقي تحت حكم العساكر الأجلاف.

“هل أنت ملكي؟” سألتني.

“نعم أنا ملكي. أعتقد أن النظام الملكي في بلادي كان أفضل بالنسبة لنا”.

هزّت رأسها متفهمةً. وقالت ” لقد عشت أكثر من 15 سنة في كاليفورنيا. كان عندي مطعم كبير هناك، مختص بالمطبخ الفرنسي، حسناً كنّا نمتلكه أنا وزوجي. انفصلت عنه منذ شهر”. ثم أضافت وهي تطلب كأساً إضافية “أنا طباخة محترفة. فكرت أن أفتح مطعماً هنا في باريس، لكنني قررت أن أستكشف الأجواء أولا، لذلك قبلت العمل كـ”شيف” في مطعم مشهور، يقع خلف باليه دو جوستيس (قصر العدالة). زبائني هم من أشهر قضاة باريس”. بعد لحظة صمت سألتني “أين تقيم”؟

“منذ فترة تركتُ سكني الذي كان قريباً من هنا، وحاليا أقيم في ستوديو صغير يقع بالقرب من المطبعة التي أعمل فيها. قرب بورصة باريس”.

“منطقة جميلة. ولكنها بعيدة من هنا”. قالت.

ظللنا نشرب حتى أغلق المقهى بابه، فدعتني لمواصلة الشرب في بيتها “أنه على بعد خطوات، تعال معي”.

في الصباح، خرجت ميشلين من الحمام، وكنت ما أزال في السرير، قالت صباح الخير وانحنت لتقبّلني. فسحبتها إلى السرير.

“هل تعرف أنني أيضاً ملكية” قالت. “أنا طباخة، والطباخ لا يمكن إلا أن يكون ملكياً، أليس كذلك”؟

“نعم” قلت وأنا أزيح عن جسدها المنشفة الكبيرة.

ذهبت ميشلين إلى العمل وتركتني نائماً، وعندما عادت كنت في الحمام آخذ دوشا وأغني بحماس أغنية Dans Tes Bras لشارل أزنافور، فأخذتْ تغنيها معي وهي تخلع ثيابها وتدخل تحت الدوش.

“أعرف شارل أزنافور شخصيا” قالت ميشلين ونحن نتناول طعاماً فرنسياً فاخراً جلبته من المطعم. “لقد كنت الطباخة الخاصة لمغني البوب ليونيل ريتشي”.

“واو، أنا أحب ليونيل ريتشي كثيراً” قلت لها.

“أنا أيضاً” قالت ميشلين “كنت طباخته المفضلة لسنوات طويلة. ذات مرة كان شارل ازنافور أحد المدعوين عند ليونيل ريتشي وكنت أتولى الإشراف على الطبخ. قال لي ليونيل ريتشي (ميشلين ارجوك اهتمّي بالطعام اكثر من اي وقت، فالضيف القادم هو شارل ازنافور، أنه “حِشَري”، يضع أنفه في كل كبيرة وصغيرة في المطبخ، من فضلك، لا أريده أن “ينق”). وبالفعل عندما جاء أزنافور تدخل في كل صغيرة وكبيرة بما يخص الطعام. أنه كثير النق ومتطلب”.

“هل ليونيل ريتشي، لطيف كإنسان” سألتُ ميشلين.

“جدا”. قالت ميشلين بحماسة.

ثم سألتني إن كنت اتصلت بشركة الترجمة وأخبرتهم عن غيابي. قلت لها أنهم متعوّدون على سلوكي. وذكرتها “لا تنسَي أن البارحة كانت احتفالات الكاتورز جوييه”.

“كاتورز جوييه، ذكرتني، علينا أن نخرج ونبحث عن الكلب، ربما نجده في المكان الذي أضعته”.

“في ساحة السان سولبيس؟”

“نعم، قريباً من منزل كاترين دونوف، الممثلة، هل تعرفها؟”

“ومن لا يعرف كاترين دونوف!”

“صحيح. البارحة قلت لي شيئا عن السينما”.

“أحبّ أن أكون سينمائياً”.

“صحيح، أتذكر ذلك”.

ذهبنا إلى مخفر الشرطة المواجه لكنيسة السان سولبيس حيث قدمت ميشلين البيانات الخاصة بالكلب المفقود. ثم قضينا الظهيرة ندور في الطرق المحيطة بالكنيسة. شربنا بضع كؤوس من النبيذ الأبيض في المقهى المقابل للكنيسة. ثم قالت إن عليها أن تعود الى البيت وبعدها تذهب إلى العمل. اقترحت أن أذهب معها لتعطيني نسخة من مفتاح البيت.

“أشعر أنني بدأت أقع في حبّك” قالت.

“أنا أيضاً” قلت.

وقبل أن تذهب الى العمل، ذهبنا إلى السرير. ثم أخذت ميشلين دوشا وخرجت.

نهضتُ ووضعت طاولة صغيرة عند النافذة المطلة على بولفار سان جيرمان، جلبت قنينة البوربون ورحت أشرب، وبما أن البيت كان يقع تماماً فوق مقهى “أولد نيفي” المحرم عليّ دخوله بسبب مشادة مع صاحب المقهى، تخيّلت نفسي جالساً في الطابق الثاني من المقهى، رغم أنف صاحبه.

لم يكن صحيحاً ما قلته لميشلين بخصوص العمل. كلّ ما في الأمر كانت هناك شركة صغيرة تقوم باعمال الترجمة والطباعة، يديرها لبنانيّ اسمه جان، كان يحتاجني أحياناً لطبع بضع صفحات باللغة العربية. ومن حسن حظّي أن جان أبلغني قبل لقائي بميشلين بأسبوع، أنه وقع عقداً مع شركة فرنسية معروفة بصناعة الأسلحة، لترجمة بعض الكاتالوغات الخاصة بالأسلحة التي باعتها الشركة مؤخراً لعدد من دول الخليج العربي، فقد كانت الدول العربية تشترط أن تكون الكاتالوغات باللغة العربية. كان جان سعيداً يومها وهو يدعوني لشرب كأس معه، وهو يزفّ لي نبأ هذه الصفقة. وأخبرني أنه سيحتاجني “على الأقل لمدة شهرين”. ثم أعطاني مبلغاً على الحساب.

قبل أن تعود ميشلين من العمل، رن جرس التلفون. رفعت السماعة، كان على الخط شاب فرنسي سأل عن السيدة ميشلين وقال إنه كان في احتفالات الكاتورز جوييه بصحبة صديقته في أحد المقاهي، فجاء كلب صغير وجلس الى جانبهما، فلمّا غادرا المقهى فجرا حملاه معهما “لأننا عرفنا أنه ضائع”. ثم شرح لي التفاصيل قائلا أنه رأى في السلسلة المعلقة في رقبة الكلب، رقماً تلفونياً في أميركا. اتّصل بالرقم فردّ عليه رجل يتحدث الانكليزية بلكنة فرنسية، وهو الذي أعلمه بأن الكلب إنما يعود لزوجته السابقة الموجودة في باريس حاليا، ثم زوّده برقم تلفون ميشلين. شكرت الشاب وطلبت رقم تلفونه، ثم أخبرته أنه حالما تعود ميشلين من العمل ستتصل به.

“ألم أقل لك سنجده” صرختُ بأعلى صوتي وأنا أحملها، هي والأكياس التي كانت بيدها.

“انتبه انتبه ثمة قنان من النبيذ الابيض”. قالت ميشلين ثم وقفت جامدة، حدّقت بي “أشم رائحة البوربون، أرجوك لا تلعب معي”.

“إنني لا ألعب يا ميشلين، لقد وجدنا الكلب”.

“أين؟ هل اتصلت الشرطة”. هززت رأسي بالنفي ورويت لها الحكاية. أخذت رقم التلفون وراحت تتصل به، فيما انشغلت أنا بتفريغ الأكياس ووضع الأطعمة والنبيذ في الثلاجة. فجأة انطلق صراخ ميشلين “لابد أن نحتفل بهذا الخبر، إنه الاحتفال الكبير!”. لقد تأكدتْ من صحة الخبر بنفسها فأخذت ترقص وتعانقني وتسحبني إلى السرير. وقبل أن نخلع ثيابنا، طلبت أن افتح قنينة من النبيذ الابيض وأتركه بجانب السرير.

لم أحب كلب ميشلين أبدا. كان بشعاً. وكانت تقبله طوال الوقت. ومنذ أن ظهر بيننا صار يضايقني. عندما تكون ميشلين في البيت، كان ينبح طوال الوقت محتجاً على وجودي. وعندما كانت ميشلين تذهب إلى العمل ويظل معي، لم يكن يفتح فمه إطلاقا. كان يتوارى عن نظري ويختبئ، فلا يعلم الله في أي زاوية من البيت. يظل كذلك حتى يخرج من مخبئه فجأة، يقترب مني وينظر اليّ بوقاحة ثم يأخذ بالنباح في وجهي. في تلك اللحظة بالذات، كان الباب ينفتح وتدخل ميشلين.

رغم المشاجرات الصغيرة التي كانت تحدث بيننا، نتيجة اختلافات أمزجتنا وطبائعنا باتت ميشلين ترتاح اليّ، وتشتري لي الثياب، خصوصاً القمصان من الماركات الجيدة، وكانت تحب ماركة Agnes b. وبما أنني أمتلك الخبرة في الطباعة والنشر، اشترت كومبيوترا وآلة طابعة ملونة. وقالت إنها ستؤلف كتابا عن المطبخ الفرنسي، نتولى إخراجه الفنيّ سوية، “ويمكنك استخدام الكومبيوتر لكتابة السيناريو الذي رويته لي”.

لم نكن نترك أي وقت فراغ يمر دون أن نذهب إلى السرير. قبل الخروج من البيت، وأثناء العودة، وبعد الطعام، وبعد الحمام. وذات يوم وأنا عائد من العمل، قالت لي إنها تدعوني إلى مطعم مكسيكي فاخر. في المطعم طرحت عليّ فكرة أن “نقيم معاً بصورة دائمة” وسألت “ما رأيك”؟

“إننا مع بعض، ميشلين” أجبتها.

“صحيح، ولكننا لم نتحدث حتى الآن في بعض التفاصيل المهمة”.

قلت لها بلا مبالاة وأنا أدق كأسي بكأسها “لنترك هذه المسألة حتى وقت آخر”.

عبست وقالت “كما تريد”.

ولكن هذه الـ”كما تريد” لم تكن من قلبها. اذ ما إن خرجنا من المطعم وسرنا بضع خطوات حتى أخذت تقول بصوت عالٍ “كلكم هكذا تستغلون طيبتي. لقد دعوتك إلى هذا العشاء الفاخر من أجل مناقشة علاقتنا فإذا بك تردّ ببرود (لنترك المسألة الى وقت آخر)، وقت آخر متى؟ ها؟ قل لي. الآن لا تريد الا الشراب والنيك. أليست هذه حقيقتك، أيها المشرد؟”. فتحت عينيها على وسعهما ونظرت في وجهي عندما نطقت “أيها المشرد”. نظرتُ اليها باستغراب. فقالت “طبعاً، سألت عنك فأخبروني بأنك تعيش على أوهام السينما، وتنام في الشوارع، ومع ذلك رضيت بك، بل ودعوتك إلى أفخر مطعم”. واصلت كلامها الذي أثار انتباه بعض المارة “كلكم هكذا تستغلونني. زوجي كان يخونني مع أقرب صديقاتي، في الوقت الذي كنت أشتغل له طوال الوقت”. فقلت لها “أنت أيضا كنت تنكحين شابا مكسيكيا عندما كان زوجك يأخذ قيلولته. أنت نفسك أخبرتني بهذه القصة!”

” هذه ليست مشكلتك”. قالت وصمتت.

سرنا بضع خطوات، التفتت إلي”أعطني مفتاح البيت من فضلك. تعال غداً وخذ أغراضك. آسفة انني لست عائدة الى البيت الآن، سأكمل سهرتي”.

أعطيتها المفتاح ونحن في وسط الشارع. ذهبت هي لتكمل سهرتها في حانات شارع برنسيس. واتجهت أنا صوب “أوشيه دو لا أبيي” وظللت اشرب حتى الثانية. وقبل أن يغلق البار بدقائق جاءت ميشلين وطلبت كأساً. النادلان مجيد وكلود استغربا أنها وقفت إلى جانبي دون أن تكلمني.

وضعت يدي في جيبي وهممت أن أدفع حسابي. فترددت للحظة، فكرت أن أدفع حسابها ولكني خشيت ردة فعلها. انتبهت إلى أنني أرتدي أحد القمصان التي اشترتها لي، فمن يضمن أنها لن تطالب به أمام الزبائن. كنت حائراً بالفعل.

كان يقف إلى البار ياباني من الزبائن الدائمين. كان غريب الاطوار، يظل لأيام يرفض الحديث مع أي زبون. ثم يأتي في يوم آخر ويتحدث مع الجميع. ومن عادته أيضا أنّه أثناء حديثه مع أحد الزبائن، ينسحب في منتصف النقاش، ويذهب ليتحدث مع زبون آخر.

اقترب الياباني من ميشلين ودعاها إلى كأس ثم دخلا في حديث مرح وبدأت تتعالى قهقهات ميشلين. استغللت الفرصة وانسللت خارجاً دون أن أفكر للحظة أن ميشلين سوف تتبعني بل وتستدرجني لأقضي الفجر في مخفر للشرطة.

في البدء فكرت في الابتعاد عن الحيّ، خصوصاً وأن المقاهي التي أشرب فيها مغلقة، لو دانتون وروليه أوديون وتينيسي وأطلس وبونابرت. تقاعست من السير نحو منطقتي الاوبرا او مونبارناس، ذهبت الى مقهى كونتي. وما هي الا لحظات حتى جاءت ميشلين محتضنة الياباني. اقتربت مني وقالت بهدوء “خذ هذا المفتاح أرجوك. اذهب وخذ أغراضك، فأنا وصديقي الياباني قررنا الزواج، ولا أريد أي متاعب”.

“حسنا” قلت وأخذت المفتاح، فيما راحت هي تقبل صديقها الياباني “يا حبيبي الياباني”. كان بعض الزبائن ينظرون الينا ويبتسمون، بعضهم من الزبائن الدائمين وكانوا يعرفون أنها من المفترض صديقتي.

ولما لم يكن البيت يبعد عن “لو كونتي” سوى مئتي متر، ذهبت فوراً وبدأت بتجميع أغراضي. نظر إليّ الكلب من زاويته وهو يرتجف. ابتسمت له. ظل يلهث ويحدق فيّ. وقبل أن أضع قنينة الجاك دانييلز في الحقيبة، فكرت أن أشرب كأساً، فميشلين لن تأتي قبل الخامسة، هكذا خمنت. ولكن ما أن بدأت أشرب حتى أخذ الكلب ينبح، فدخلت ميشلين وصديقها الياباني. داعبت الكلب، ثم هاجت عندما رأتني جالساً والكأس بيدي.

“بَيتي ليس باراً، هل تفهم؟” حاولت سحب الكأس من يدي، فدفعتها بقوة نحو السرير. أخذ الكلب ينبح، ورأيت الياباني يفتح أزرار بنطاله ويدخل الحمام، مغلقا الباب وراءه.

“تضربني؟!” صرختْ.

“انت عاهرة حقيرة”. قلت بغضب.

أخذت ميشلين التلفون واتصلت بالشرطة. ولم تتركني أغادر البيت الا عندما جاء رجال الشرطة، فأخبرتهم بأنني رجل عنيف وأرفض ترك البيت.

“أنت عاهرة، ميشلين، وأنت تعرفين ذلك”. قلت لها وأنا أخرج مع الشرطة. كان الياباني ما زال في الحمام، والكلب بدا سعيداً في حضنها.

في السيارة سألني الشرطي “هل اشتريتما كلباً جديداً؟”. نظرت اليه باستغراب. فقال انه رآنا عندما جئنا الى المخفر وأبلغنا عن ضياع الكلب. فرويت له كيف عثرنا على ذلك الكلب “البشع”. ضحك الشرطي. ثم قال بلطف إنهم مضطرون لاحتجازي حتى الساعة السابعة والنصف صباحاً. فطلبت منه إن كان ممكنا أن أظل الى الحادية عشرة “لأنني أريد أن أنام قليلا”.

“لا أظن”، قال الشرطي، ثم أضاف “على أية حال دوامي ينتهي في التاسعة، ولن أوقظك قبل ذلك”. ولكن الشرطي وأنا، كلانا نسي، أن اليوم كان يوم أحد، وأن أجراس كنيسة سان سولبيس المواجهة للمخفر، لن تدع أحداً ينام.

بعد هذه الحادثة، أخذت ميشلين تبحث عني في البارات وأحيانا تتصل بمكتب الطباعة والترجمة وتسأل عني. بعد يومين أو ثلاثة، وجدتني جالسا في ساحة فورستنبيرغ. قالت لي إنها كانت سكرانة وغبية، وإنها نادمة، وتدين نفسها لسلوكها البدائي. وعادت تروي تجربتها القاسية مع زوجها السابق “آه، لا تعرف كم كان قاسيا معي في تلك البلاد الغريبة”. ثم أشعلت سيجارة وأكملت “كنت مثلك غريبة. أميركا لم تكن بلدي وكنت أخشى من زوجي أن يلقي بي في الشارع وأصبح تماما مثلك، مشردة او لاجئة”، وأضافت “ماذا يعني أن يكون المرء مشرداً، كل واحد منا معرّض لأن يصبح مشردا في أي لحظة، لا استقرار في هذه الحياة، الا في (مونبارناس) أو (بيرلاشيز)” في اشارة إلى اسمي المقبرتين الشهيرتين.

كنت أهز رأسي وأنا أستمع اليها: “كان يأتي في الليل ويلقي بنفسه في السرير ويظل يشخر حتى الصباح، طبعاً كنت أعرف مضاجعاته للنادلات المكسيكيات في الظهيرة”.

“ولكن يا ميشلين أنت أيضا حدثتني عن مغامراتك مع المكسيكيين”.

“مغامرة وحيدة مع شاب وسيم”. قالت بغنج.

كانت ميشلين قد روت لي حكايتها مع شاب مكسيكي كان عشيقها قائلة: كانت فيللتنا الواسعة تقع على مبعدة سبعة كيلومترات من مكان المطعم. كان زوجي يفضل أن يقضي قيلولته في المطعم. فيما أنا كنت أذهب إلى البيت عندما تنتهي وجبة الغداء أعلمني الشاب، الذي كان يعمل غاسلا للصحون، أن زوجي كان يبقى في المطعم ليقضي قيلولته في مضاجعة النادلات. فاتحته بالامر وتعاركنا كثيرا، ولكن دون جدوى. فكان لا بد أن أفعل مثله، في النهاية أنا لست غبية إلى هذا الحد. خصوصاً وأنني كنت أعرف أن غاسل الصحون، الشاب القوي، مثله مثل أي مكسيكي يحلم بالنوم مع النساء الشقراوات، وكنت ألحظُ نظراته لي أثناء العمل في المطبخ. ذات يوم جئت إلى الشاب وقلت له إنني تركت صندوق السيارة الخلفيّ مفتوحاً، وطلبت منه أن يدخل فيه ويغلقه. عندما أنهيت عملي وفتحت الصندوق وجدت الشاب ممدداً وهو يتصبب عرقاً. أعدت إغلاقه، وانطلقت نحو البيت. وهناك بدأنا، نحن أيضا نأخذ قيلولتنا، كل ظهيرة وبعد فترة علم زوجي بالامر، فطرد الشاب، وصار يراقبني محوّلا حياتي إلى جحيم.

وافقت على الرجوع إلى ميشلين هرباً من جحيم الشارع. فالفترة التي قضيتها معها، كأحد سكان بولفار السان جيرمان، كانت مريحة، جعلتني أتهرب من حياة التشرد التي عشتها طوال عشر سنوات تقريبا. وقد اقنعت نفسي أن أفضل طريقة للبقاء معها هي أن أخرج في الصباح كأنني موظف يخرج إلى العمل، وأعود في المساء لأقضي الوقت معها، مثل أي شريكين.

لكن هذا البرنامج كان صالحاً لبضعة أيام فقط. اذ بدأت أحن إلى التسكع، والشرب مع الاصدقاء. وكنت أينما أذهب تأتي ميشلين وتسهر معنا. كانت تمر على جميع المقاهي إلى أن تجدني. وفي مرات عديدة كانت تسبب لي مشاكل مع أصدقائي. كانت تقول لي “اذهب إلى البيت وسألتحق بك”. فتأتي في الفجر لتروي لي بعض القصص لتثيرني. حدثت مشادات عديدة بيننا، اضطررت أن أترك البيت أكثر من مرة. كنا نتصالح وأعود الى البيت.

في صباح أحد الأيام، وكان يوم عطلة رسمية، تسللت الشمس منذ ساعات الفجر الاولى إلى نافذتنا. استيقظت نشيطا، أاخذت أداعب ميشلين التي بدأت تستيقظ قليلا قليلا وتستجيب لمداعباتي برغبة كبيرة. بعدها اقترحت عليها ان نذهب لنقضي اليوم بأكمله في فرساي “ألسنا ملكيين في النهاية” قلت لها.

“رائع” قالت “إلى فرساي، هذا شيء رائع حقا”.

عملنا ساندويتشات متنوعة وأخرجت من الثلاجة قنينتين من الموسكاديه. ثم أخذنا القطار الى فرساي. زرنا كل الامكنة مع مئات من السياح. التقطت لميشلين صورا عديدة، عند بوابة القصر، في حدائق القصر الخلابة، ثم طلبت ميشلين من سائح ياباني أن يلتقط لنا صورة مشتركة ونحن نضع نظارتين شمسيتين. عثرنا على عش تحت إحدى الاشجار، قضينا فيه على الساندويتشات والموسكاديه وتمددنا. ولما حان الغروب قلت لميشلين “سوف أؤجر قاربا صغيرا لنقضي الغروب في البحيرة”. ابتسمت ميشلين وقد بدت سعيدة جدا.”سوف ترين قوة ذراعيّ”. أضفت وأنا أقوم بذراعيّ بحركات من يقوم بعملية التجذيف.

ما إن نزلنا في القارب حتى قالت ميشلين وهي تتلفت يمنة ويسرة “لكن معظم الناس ذهبوا”.

“السياح يحبون مشاهدة الغرف الداخلية للقصر”. أجبتها.

“ما أجمل المكان” قالت ميشلين بصوت ناعم “تصور بعد كل هذه السنوات، ما زال قصر فرساي مثل الجنة. أكيد أنه كان في أيام لويس السادس عشر أفضل بكثير”.

هززت رأسي موافقا.

“أنت على حق. إنني أشعر بفخر كوني ملكية”. قالت وهي تمسد قدمي الممدودتين بين قدميها.

كانت ميشلين تتحدث وأنا أقود القارب نحو عمق البحيرة، إلى مكان تكثر فيه الاشجار حتى أصبحنا في مكان منعزل وشبه مظلم. أخذتُ ألتفتُ يمنة ويسرة، ثم أحدق في ميشلين، وأنا أبتسم. أخرجت كاميرتها والتقطت لي صورة.

“لماذا لا تتحدث؟” سألت.

كنت أبتسم وأنا أحدق في عينيها، تارة، وفي ذراعيّ وهما يلويان المجذافين في مياه بحيرة فرساي في ذلك الغروب الخلاب، تارة أخرى.

“ألا تقول شيئا؟!”

التفتُ يمنة ويسرة، وحركت المجذاف بقوة ليدخل القارب في منطقة أكثر ظلمة.

“قل شيئا” قالت ميشلين بصوت عال. لم أجبها بل ظللت أحدق فيها.

“بماذا تفكر، ها. بماذا تفكر، قل شيئاً رجاء، قل لي ماذا يدور في رأسك؟!”

نظرت في عينيها ولم أقل شيئا.

أخرجت سيجارة وأخذت تدخن. “ولكن قل شيئاً. ها. بماذا تفكر، هيا قل لي بماذا تفكر؟”

“أفكر في هيتشكوك، افكر في فيلم لهيتشكوك، يا ميشلين”.

نظرت اليّ وقالت بصوت متوسل “لا، هذا غير صحيح. أنت لطيف. قلت لي إنك تريد أن تكون سينمائيا، أليس كذلك؟”

أخذت ميشلين تتلفت يمنة ويسرة، فيما صار وجهها أحمر بالكامل. أحسستُ أنها تكاد أن تفقد النطق تماما. وأخيرا قالت “لا تخفني أرجوك، أنت لطيف”.

“أنت أيضا”. قلت لها مبتسماً. ثم طلبت منها أن تشعل لي سيجارة.

“حالا”. قالت وهي تتنفس الصعداء، أشعلت السيجارة واضافت “الآن جاء دوري في التجذيف”.

أخذت تجذّف بسرعة، وقالت لاهثة “ألا تعتقد أنه علينا أن نعود!”

هززت رأسي موافقاً.

راحت ميشلين تجذف بقوة، وكأنها تحاول النجاة من الغرق. كنت أدخن سيجارتي وأنظر اليها فترسم ابتسامة كبيرة كلما التقت أعيننا. حين وصلنا إلى “الميناء” قالت ميشلين بارتباك “عليّ أن أعود إلى البيت بسرعة، نعم بسرعة، أنا متعبة جداً”.

لم نتحدث في القطار إطلاقا. عندما وصلنا البيت، فتحت ميشلين الباب بسرعة، اتجهت صوب التلفون، حملته إلى الغرفة المطلة على الشارع. وأغلقت الباب من الداخل، وقالت لي من النافذة الزجاجية الكبيرة التي تفصل ما بين الغرفتين.

“أرجوك، خذ أغراضك واتركني في حالي. لقد انتهت علاقتنا، انتهت انتهت”.

“أورفوار ميشلين”. حملت أغراضي وخرجت، ولم أسمع أي ردّ.

في تلك الليلة تنقّلت بين المقاهي، وظللت أشرب حتى الفجر بدون أن تظهر ميشلين. لم تظهر في اليوم التالي أيضا ولا بعده. لم أرها لأكثر من شهر، حتى سمعت يوماً أنها تركت باريس وانتقلت مع غاسل صحون مغربيّ كان يعمل معها إلى مدينة أخرى حيث قررت أن تفتح مطعماً خاصاً بها هناك.

                       

1

استيقظ المواطن جابر سبيل على رنّات صوت منبه الموبايل “نوكيا” المتصلة عند الساعة السادسة وخمس دقائق بالضبط، حاول أن يغطي وجهه بالوسادة مثلما يفعل كل صباح لكنّه أحسّ بعجز رهيب.

تجمّد في مكانه ورنين صوت المنبه يتصاعد في رأسه كأنّه مسمارٌ يدقّ ويدقّ في ذهنه. أخيراً قرر أن يمد يده نحو المنضدة ليسكت صوت المنبه ويدع قلبه لدقائق تنظم ضرباته قبل النزول من السرير؛ لكنّه أحسّ بالعجز أيضاً وبفقدان الإحساس بيده، بيديه الاثنتين، برأسه وقدميه وكامل جسده.

انتبه المواطن جابر كالمصعوق أنه بالفعل قد تحوّل إلى شيء آخر بخلاف ذلك الشخص الذي كان آخر عهده به ليلة أمس حين نام متأخرا وهو منهك الجسد إثر سهر طويل في العمل. تأكد وهو يقيس ذهنياً تصلبه الكامل أنه قد تحول إلى شيء معدني؛ صلب وقوي يستلقي في مكانه بالفراش.

2

استغرق المواطن جابر سبيل وقتاً ليس بالقصير في محاولة للتأقلم مع هذا الجسد الخشن المتصلب الذي حلّ بديلا لجسده البشريّ، إلى أن انتبه إلى أصوات أطفال المدارس وهم يهرولون في الشوارع متجهين إلى مدارسهم، وإلى أصوات باعة الخضروات والخردوات والحليب ينادون على بضائعهم زهيدة الأسعار؛ وإلى إحساس غريب بأن ضوء الشمس بدأ بالتسرب إلى داخل الغرفة من شق ما في السقف؛ فتذكر مفزوعاً أنه تأخر كثيراً عن مواعيد عمله بالمصلحة الحكومية، وأن عقاب الخصم من الراتب وتقربع المدير المتجهم ينتظره؛ فحاول النهوض سريعا، بيد أن جسده المعدني الثقيل خذله وشده من جديد إلى الفراش.. فكر مفزوعاً: (أنا حديد، لقد تحولت إلى حديد)!

3

بعد محاولات مضنية تمكن جابر سبيل من الهبوط من على الفراش. في الحقيقة قذف بكامل جسده الجديد الحديد إلى أرض الغرفة الإسمنتية ليكتشف مع سقوط داوي الصوت أن له ما يشبه القدمين الناحلتين الطويلتين، فعمد بشكل ما على التساند عليهما وتحرك متعثراً صوب مرآة طولية تتوسط دولاب ملابسه؛ ليكتشف مرة أخرى أنه يمتلك ما يشبه العين الواحدة حادة البصر، يرى بها بقوة وتقوده بدقة عالية نحو الدولاب.

 توقف هنيهاتٍ قبل أن يرتقي بقدمي الحديد الناحلتين إلى أعلى ليكون موازيا للمرآة. وهو يبصر شكله الجديد الحديد لم يتمالك المواطن جابر سبيل نفسه من أن يصرخ بصوت غريب مفزع ومرعب جعله يدور حول نفسه كالمجنون والرصاص ينطلق من ماسورة تنتصب عند مقدمة جسده مخترقاً الحوائط والأثاث ويسافر في كل مكان!

4

فجع جابر سبيل بمرأى جسده الجديد وقد تحول إلى آلة أشبه بسلاح حربيّ مزدوج مكون من مدفعي (الدوشكا والرباعي)؛ له منظار حادّ كأنه عين الهلاك، وفوهة نارية كأنها الجحيم، وساندين أرضيين صلبين كأنهما خلقا لحمل الموت، ثم ازدادت فجيعته وهو يحس بالرصاصات القاتلة تواصل الخروج من جوفه الناري منطلقة بعشوائية بينما جسده يتقافز ويتحرك بعشوائية إلى أن قاده إلى الشارع العام ماضياً في كل اتجاه حاصداً للأرواح ومدمراً للحياة.