لا أعلمُ كَم من الساعات كنتُ قد قضيتها في الزنزانة الانفراديّة. كنت وحيداً مع جدران أربعة باردة صامتة. لم أكن أسمع صوت أحد في تلك الزنزانة المعتمة. وأعتقد أن أحداً لم يكن يسمعني.
“للجدران آذان”. هكذا يقول المثل الشهير. لكن الجدران التي حوصرت بينها كانت خرساء وصماء. كانت تبتلع صرخاتي دون أن يرد عليّ أحد. أحياناً كنت أسمع قرقعة الأبواب الحديدية مثل رعود مجنونة تتبعها زخات من السباب والشتائم تمتزج بصرخات مذعورة. وبقدر ما كانت الشتائم مقذعة وموغلة في الفحش، كانت الصرخات مخنوقة، عميقة ويائسة. ثم كانت جبال الصمت تلقي بظلالها الثقيلة على زنزانتي وروحي وذاكرتي.
كنت أرغب في التبول. لم تكن رغبة بقدر ما كانت ضرورة وحاجة ماسة لا بد أن أقضيها مهما كلف الأمر. البرودة التي كانت تعم أرجاء الزنزانة الصغيرة زادت من حاجتي إلى التبول. امتلأت مثانتي وظننت أنها توشك على أن تنفجر. لففت نفسي على نفسي كالقنفذ، حاولت أن أخفف من حاجتي بالضغط على أصابع قدمي ورجلي والانكماش قدر الإمكان.
حين أمسك حارس السجن الضخم ذو الوجه المتجهم بمعصم يدي ورماني مثل كيس إلى قعر زنزانتي بدأت حاجتي إلى التبول. رجوت الحارس أن يمنحني نصف دقيقة لأقضي حاجتي الملحة.
لمعت استغاثتي بين شفتي وأذنيه المختومتين كسراب الصيف. رجوته مرة أخرى. رفعت صوتي قليلاً وبنبرة مليئة بالتضرع وإظهار المسكنة. قلت لحارس الجحيم ذاك:
“كُرمى لله. إن كليتي تؤلمني. دعني أذهب لقضاء الحاجة. يمكنك أن تعد للعشرة وستجدني عائداً إلى مكاني هنا”.
ابن الذئبة ذاك، ذو الوجه الكالح بدل أن يدعني أذهب، بصق على وجهي، شتمني ثم مضى وهو يصفر بلحن أغنية كنت أحبها.
تذكرت وأنا في تلك الحال جملة كان يقولها والدي: “يا بنيّ إن الله تعالى وضع نوره في الوجه الحسن. فإن كانت لك حاجة فاطلبها من ذوي الوجوه الحسنة. إنهم لن يردوا لك طلباً. الحديث يقول أطلبوا الخير عند حسان الوجوه”.
صدقتَ يا أبي.
قلت لنفسي بصوت مسموع وأنا أسترجع صورة حارس السجن الكريهة التي لم تعد تفارق مخيلتي.
توقف الزمن. صار مثل حمار عنيد توقف وسط وحول كثيفة. مع كل ثانية مرت، ازدادت حالتي سوءاً. صرت أتلوى مثل ثعبان جريح. نسيت كل شيء إلا حاجتي إلى التبول.
تذكرت مشاهد من طفولتي. كنا صغاراً أشقياء، نتوقف في رأس أحد الأزقة أو على قارعة طريق نرفع الدشداشة أو نخلع البنطلون ونتبول. تذكرت حين كنا نستيقظ صباحاً، وقبل أن نغسل وجوهنا كنا نخرج إلى الشارع لنتبول ونستمتع بمشاهدة البخار الذي يعلو بقع البول وسواقيه التي تسيل على الأرض. أما حين كنا نقف تحت المطر لنتبول، فقد كانت تأخذنا رعشة لذيذة لا يمكن وصفها.
لعنت هذه الحياة القذرة وأنا أتذكر تلك المشاهد. ألهذا الحد يمكنها أن تبخل علي بدقائق قليلة أفرغ فيها مثانتي المنتفخة؟ كيف أصبح التبول منتهى أملي في هذه الليلة اللعينة؟
كدت أتبول في ثيابي. رغبت في ذلك حقيقة لكنني تذكرت أنني أرتدي لأول مرة بنطالاً أهدتنيه خطيبتي. “لا. إنها فكرة سخيفة أن أتبول في هذا البنطال حتى لو قامت القيامة”. همست لنفسي. قاومت. منيت نفسي بأن هذا الكابوس البشع سينزاح قريباً.
بعد مضي ساعة من الوقت سمعت صوت باب الزنزانة. كنت قد تكورت على نفسي حتى أمنع مثانتي من أن تفلت ما تراكم فيها. من خلال نور شحيح جادت به كوة صغيرة في أعلى أحد الجدران تبينت وجه القادم صوبي. لم يكن ذلك الحارس الكريه. كان شاباً حسن الوجه، ممشط الشعر ونظيف الثياب لا يحمل في يده شيئاً. قلت: جاء الفرج. هذا هو الذي كان أبي يتحدث عنه. بالتأكيد لن يرد طلبي التافه.
قمت واقفاً وابتسمت في وجهه. ابتسم هو أيضاً. لا أدري بالضبط ربما لم يبتسم بل تهيأ لي ذلك. كانت ثمة ابتسامة طبيعية عذبة مرسومة على شفتيه. تلك كانت جزءاً من ملامح وجهه.
قبل أن ينطق بحرف تضرعت إليه: أرجوك اسمح لي بالذهاب للتبول. رفيقك لم يأذن لي. كليتي تؤلمني وأنا…
لا أتذكر كيف أنهيت جملتي. لم أشعر إلا وذلك الحارس ذو الوجه الحسن يهجم علي كالعفريت ويسدد لكمات متتالية إلى وجهي، يركلني في كل مكان من جسمي. لم يميز بين وجه ورأس وقدم وبطن وصدر. كان يضرب عشوائياً وبأقصى قوته. وليته اكتفى بالضرب، بل فوق ذلك كان يشتمني بأقذع العبارات، يشتم أخواتي وإلهي وديني. لا أتذكر كم دامت حفلة الضرب تلك لكنني أتذكر جيداً أنه حين انتهى من ضربي ودعني بقوله: تفو.. فأر قذر.
بعد خروجه شعرت براحة كبيرة.لم تعد تنتابني تلك الرغبة الملحة في التبول. أحسست كأن جبلاً انزاح عن صدري. استغربت الأمر! بعد كل ذلك التعذيب ينتابني شعور بالراحة؟ حين رفعت يدي عن الأرض الباردة كانت مبللة. قلت لنفسي لا بد أنني غارق في دمائي. لكن ذلك لم يكن دماً. كنت قد تبولت. تبلل البنطال الذي كان هدية خطيبتي. كأن زقاً تمزق وسال ما في جوفه سال بولي على أرض الزنزانة. فوق بقع البول ارتفع بخار بطيئ وبدأ يرسم ذلك الوجه الحسن في فضاء الزنزانة.

                       

1

استيقظ المواطن جابر سبيل على رنّات صوت منبه الموبايل “نوكيا” المتصلة عند الساعة السادسة وخمس دقائق بالضبط، حاول أن يغطي وجهه بالوسادة مثلما يفعل كل صباح لكنّه أحسّ بعجز رهيب.

تجمّد في مكانه ورنين صوت المنبه يتصاعد في رأسه كأنّه مسمارٌ يدقّ ويدقّ في ذهنه. أخيراً قرر أن يمد يده نحو المنضدة ليسكت صوت المنبه ويدع قلبه لدقائق تنظم ضرباته قبل النزول من السرير؛ لكنّه أحسّ بالعجز أيضاً وبفقدان الإحساس بيده، بيديه الاثنتين، برأسه وقدميه وكامل جسده.

انتبه المواطن جابر كالمصعوق أنه بالفعل قد تحوّل إلى شيء آخر بخلاف ذلك الشخص الذي كان آخر عهده به ليلة أمس حين نام متأخرا وهو منهك الجسد إثر سهر طويل في العمل. تأكد وهو يقيس ذهنياً تصلبه الكامل أنه قد تحول إلى شيء معدني؛ صلب وقوي يستلقي في مكانه بالفراش.

2

استغرق المواطن جابر سبيل وقتاً ليس بالقصير في محاولة للتأقلم مع هذا الجسد الخشن المتصلب الذي حلّ بديلا لجسده البشريّ، إلى أن انتبه إلى أصوات أطفال المدارس وهم يهرولون في الشوارع متجهين إلى مدارسهم، وإلى أصوات باعة الخضروات والخردوات والحليب ينادون على بضائعهم زهيدة الأسعار؛ وإلى إحساس غريب بأن ضوء الشمس بدأ بالتسرب إلى داخل الغرفة من شق ما في السقف؛ فتذكر مفزوعاً أنه تأخر كثيراً عن مواعيد عمله بالمصلحة الحكومية، وأن عقاب الخصم من الراتب وتقربع المدير المتجهم ينتظره؛ فحاول النهوض سريعا، بيد أن جسده المعدني الثقيل خذله وشده من جديد إلى الفراش.. فكر مفزوعاً: (أنا حديد، لقد تحولت إلى حديد)!

3

بعد محاولات مضنية تمكن جابر سبيل من الهبوط من على الفراش. في الحقيقة قذف بكامل جسده الجديد الحديد إلى أرض الغرفة الإسمنتية ليكتشف مع سقوط داوي الصوت أن له ما يشبه القدمين الناحلتين الطويلتين، فعمد بشكل ما على التساند عليهما وتحرك متعثراً صوب مرآة طولية تتوسط دولاب ملابسه؛ ليكتشف مرة أخرى أنه يمتلك ما يشبه العين الواحدة حادة البصر، يرى بها بقوة وتقوده بدقة عالية نحو الدولاب.

 توقف هنيهاتٍ قبل أن يرتقي بقدمي الحديد الناحلتين إلى أعلى ليكون موازيا للمرآة. وهو يبصر شكله الجديد الحديد لم يتمالك المواطن جابر سبيل نفسه من أن يصرخ بصوت غريب مفزع ومرعب جعله يدور حول نفسه كالمجنون والرصاص ينطلق من ماسورة تنتصب عند مقدمة جسده مخترقاً الحوائط والأثاث ويسافر في كل مكان!

4

فجع جابر سبيل بمرأى جسده الجديد وقد تحول إلى آلة أشبه بسلاح حربيّ مزدوج مكون من مدفعي (الدوشكا والرباعي)؛ له منظار حادّ كأنه عين الهلاك، وفوهة نارية كأنها الجحيم، وساندين أرضيين صلبين كأنهما خلقا لحمل الموت، ثم ازدادت فجيعته وهو يحس بالرصاصات القاتلة تواصل الخروج من جوفه الناري منطلقة بعشوائية بينما جسده يتقافز ويتحرك بعشوائية إلى أن قاده إلى الشارع العام ماضياً في كل اتجاه حاصداً للأرواح ومدمراً للحياة.

أنينُها..

جذبني إلى المكان، كنت مرهقًا، نظام العمل الجديد كان يمتصّنا إلى آخر قطرة حياة في شراييننا ولكنّ سوء الظن بما يكون عليه الموقف، “سبب الصرخات والأنين والتوجع المكتوم”، هو الذي أعاد لي شيئًا من الحياة وجعلني أندفع نحوها كالسّهم.

كانت وحدها، تحت نخلة، أمام دكان مهجور، حولها قاذوراتها، ولو أن الظلمة حالكة في الزقاق إلا أنها كانت تحت شعاع متسلل من لمبة بالشارع العام، مضاءة بالقدر الذي جعلني أرى وجهها الأغبر وتقلص عضلاته الصغيرة واحمرار عينيها وهما تضيقان وتتسعان في آلية  مؤلمة مثيرة للإشفاق وكأنها في وحدتها وظلمتها تستشفق شياطين الظلمات، انزلقت نظرتي إلى موضع كفّيها، وكانت تضغط بهما بطناً منتفخة تحت أسمال بالية ، وعندما رأتني، صمتت فجأة وهي تحملق في وجهي بعينين ثابتتين ووجه بارد خال من أي تعبير كوجه مومياء فرعونية.. ثم قالت بكلّ براءة:

– هل تستطيع أن تولّدني..؟ الطفل سيشقّني.. سأموت اذا لم تفعل..!

قلت لها دون تفكير..

– لماذا لا تذهبين إلى المستشفى؟!

ابتسمت ابتسامة زيتية داكنة ثقيلة.

– لا أستطيع المشي، ولا املك أجرة التاكسي، أيضا لا يمكنني ان أدفع للمستشفى.. لا يوجد في الكون شيء من غير قروش.

أصدرت مواء باهتاً ثم غابت عن الوعي وهي تهذي كالسكرى. وأحترت فيما أفعل، وأنا لا املك غير خمسة جنيهات (للبص) العام للبيت، والساعة تشير الي العاشرة والنصف، بعد نصف الساعة فقط ميعاد حظر التجوال، ولأنني مرهق من جراء كنس السينما وغسلها لا أستطيع حملها على ظهري، ولو حملتها فلا يمكن ان تقبلها المستشفى ولا توجد مستشفى لله في هذا البلد.

– همس في نفسي صوتٌ لم أستطع أن أتبينه، أصوت ملاك هو أم صوت شيطان رجيم..؟

– ما لك أنت؟ ربّها الذي خلقها قادر على ان يجد لها مخرجًا.. أقدر على نفسك… نصف ساعة وحظر التجوال.. ألحق آخر بص… وغداً الصباح تعال لتجدها قد أنجبت صرصوراً كبيراً قابعاً قربها يستكشف العالم من حوله بقرني استشعاره وعينيه اللامعتين..

خطرت لي فكرة، وهي أن أحاول حملها إلى رصيف الشارع العام ربما وجدتها الدورية وتأخذها إلى الحبس وتحضر لها قابلة او طبيباً على نفقة الحكومة.

أخذنا عسسُ حظر التجوال معاً..

ربما كان الطبيب على شيء من الحق، فلقد كانت متسخة وقذرة رائحة افرازات المرض الجنسي الذي أصيبت به قوية نافذة ولا تحتمل اطلاقاً… لذا طلب الطبيب من عاملة النظافة ان تقوم بإزالة شعر عانتها، بقمله، صنانه وإفرازاته النتنة… وأن تغسل هذا الجزء جيدًا بالمياه الدافئة وصابون “الفنيك” وتضع مادة “الديتول” المطهِّرة عليه.

ثم مضى يستفرغ أمعاءه عند المغسلة لاعناً اليوم الذي درس فيه الطب وعِلم النساء والولادة.

قالت لي العاملة:

– ساعدني.. أرجوك

– قالت هي: أنا أموت

انتهرتها العاملة مغتاظة:

– موتي.. موتي أريحينا واستريحي

عندما باعدت عن ساقيها المتّسختين البنيّتين المنقطّتين بآثار الدمامل، وغابت في شبه اغماءة مستسلمة لآلام المخاض ولذة وجع الطلق.

حينما ظهرت مخالبه الأمامية، صغيرة ، بيضاء، طرية وناعمة، كنا أنا والعاملة مندهشين وغارقين في غيبوبة فنطازية لزجة موقعة في وعينا بموسيقى الرجي المتسربة إلينا من مكتب الصحة المجاور، صرير الجرذان هدير البحر، نعيق الغربان، السوداء، هفهفة شجرة النخيل الباسقة المتشامخة خلف شباك المكان، رعد مفاجئ، ثرثرة هلامية تنبعث من مسام الجدران وفراغات السُرر، قطع الاقمشة الثقيلة البيضاء، القطن الدامي المتناثر هنا وهناك.

فجأة أحسَسنا بالبرد ونحن نرى رأسه المستطيلة تعانق فراغ الحجرة، عليها شواربه السوداء الدقيقة غارقة في مخاط لزج شفيف وهلامي، قالت لي عاملة النظافة فيما بعد:

– كنت أحسّ بالأشياء تتوهج وكأنما حطّت عليها أقمار مضيئة صغيرة.

قلت:

 – امتلأت حينها بكلامٍ غريب ثقيل غير مفهوم، كان يخنقني.

بطلق أخير قفز خارجاً رشيقاً نشطاً، وكأنما نغمات موسيقى الرجي كانت توقع جريان الدم في شرايينه البكر.

أثبّتُ في أقوالي لإدارة المباحث الجنائية ان التراتيل القرآنية، هديل الحمائم، أناشيد المحبة.. ما كانت تأتي من مصدر محدد ولا يمكن أن ندّعي في إمكان أي واحد منا أن يموسق جمود الزمن.

في تلك اللحظة تساقط رطب النخلة، غرد عندليب، هوت نجمة اضاءت مشارق الدنيا، عندها فتح عينين سوداوين متفائلتين، نفض عن نفسه المخاط، بهزات عنيفة متتالية نَبَح وذلك أمر مؤكد قبل أن يقفز عبر النافذة الي الرصيف.

 

  “رغم أني قد لا أفقدُ بصري بَيد أني سأزداد عُميًا لأنه ليس هناك من ينظر لي ويراني” ساراماغو.

يفتح سعيد الباب وهو مخمور، يقفز الأرنب الى الداخل، تبدأ الركلات، يعلو الصياح، من الطرفين:
 – ماذا تفعل هنا؟ إنّه مكاني..
ثم يُلفظ بركلة قدم عنيفة الى خارج جهاز التجميد الكهربائي العاطل…                          

تمتاز هذه البلاد بشدة التيار الكهربائي وقوته الفولتية العالية، لدرجة ان الأزرار الكهربائية لا تستجيب لك إذا ما حاولت اطفاء النور، فالكهرباء حصة إجبارية كالهواء، هنا شمس كهربائية دائما مشرقة ليل نهار، وتنعدم الانوار الخافتة تمامًا، مما تسبب بعطل أجهزة كثيرة، لعدم توفر الوسائل لصيانتها، لأن الصيانة تحتاج لإطفاء الجهاز وإلا تعرّض العامل لصدمة كهربائية.. 

واتخذت الدّور والمنازل والمستشفيات إجراءات مختلفة لتخفيف قوة الإضاءة عند اللزوم.. حيث اعتادت المستشفيات وضع علب كارتونية مطلية باللون الأسود فوق مصابيح الإنارة، ويتمّ دقّها بمسامير في الحائط لخلق جو من الظلام، وفي البيوت كان السكان يغطون تلك المصابيح المشعة بقطع من الخيش السميك، أو القماش الخشن الأسود مما ادى لارتفاع أسعار الأقمشة الخشنة السوداء…
 ويشعر سعيد بالظلم عندما طرد خارج بيته، يتربّع أرضًا ويضرب على فخذه اليُمنى…

 أنا الذي نظفت هذا البيت عندما كانت تنام فيه تلك القطة الملعونة، طردتها، وساعدني صديقي سمير، ومنحني بعض المنظفات، وقال لي عليك أن تنظف المكان، لا أفهم كيف يقوم قاسم اللئيم باغتصاب بيتي بكل صلافة دون ضمير؟ سوف أشتكيه الى الشرطة، إنّه حقي يا ناس، حقي.

قاسم نفسه كان صديقي قبل أيام، ما باله يكذب في صداقته؟ وأين أجد بهذا الليل القارص البرودة جهازًا آخر، ماذا فعلت أنا ليحدث معي كل هذا؟؟
يبدأ أرنب الرصيف بالنحيب والبكاء، يحاول ان يلم دشداشته البالية الممزقه حوله ليسد تلك الشقوق، يمسح دموعه، وفجأة كمن يتذكر أمرًا، يتلمس الوشم المخطوط على ذراعه اليُمنى، تبتسم دموعه بشحنة دفء غائب!

يتحرك الى الرصيف المقابل، إلى المقهى حيث نسي صاحبه أن يغلق المذياع قبل أن يخرج، يعلن المذيع: “سيتم التصويت في البرلمان على قرار توزيع الأراضي السكنية للمسؤولين يوم غد”.. يسحب بضعة أكياس مرمية قربه، يلفّها بين يديه لتصبح أشبه بكره، يتوسدها ويمدّد جسده على الأرض، يتنهد ويتنفّس الصعداء.. يغفو ويختلط صوت اصطكاك عظامه بالشخير، يضحك في نومه وتعلو قهقهاته، هل تراه يحلم؟  

 

الجسر

تستعد الوفود لزرع أحلامها في الرحلة المقبلة، و تركض براءة سمر خلف الأرانب الجميلة، يختفي أحدها في جحره، تبكي الطفلة، تنتظر خروجه… تخفض رأسها نحو تلك الحفرة الواقعة بين الأشجار محاولة البحث عنه، فأرانبها الأربعة نقصت واحدًا..
كانت النوارس ترفرف فوق دجلة، يفتح الجسر أبوابه للآلاف، رؤوس طرية لم يحن قطافها بعد، ورؤوس ثقيلة بالهمّ والحسرات، يا الله، يا معين، يا ناصر المظلومين، أعطنا المراد، نحن الفقراء المحرومين، إيمان تلف عباءتها العتيقة المتربة، وتدفع بالصغار أحلام وعمر ومحمد وزيد وعلي أمامها: تمسكوا بي يا أولاد.. نداء الرب ويتوجب علينا الطاعة، فباب الحوائج لا يرد أحدا.. يتحرك الصغار مع الوفود باتجاه الطريق.          

صداقة

يستيقظ سعيد صباحًا، يتجول في شارع المتنبي، كلهم رفاقه ولا رفيق لديه، يعطف عليه سمير الموظف في احدى المكتبات بكأس شاي وقطعة خبز:                                                           
– قسمًا بنهر دجلة والفرات، أنا لا أميز بينهما، سرقني قاسم وأنا نائم، كنت أملك بعض المال استيقظت ولم أجد بجيبي شيئًا.. قاسم اللئيم الذي اغتصب مني بيتي..
 – يا سعيد هوّن عليك، اليوم هو الجمعة، يوم رزقك سيعوضك الله، سنبحث لك عن مكان آخر… اسمع لقد ترك لك بالأمس أحد الأصدقاء دشداشة جديدة وبعض الطعام، عليك أن تذهب معي لتستحم وترتدي دشداشتك. 

– اليوم يوم عمل، واذا ارتديت دشداشة جديدة سيقطع هذا رزقي.. يا صديقي أنا أحبك لانك طيب ولا تسرق .. يصمت قليلا ثم يواصل: اسمع، بالأمس ذهبت مع صديق لي لنصطاد السمك، وإذا به كلما رفع سنارته فاز بسمكة سمينة كبيرة لكنّه يعيدها الى النهر، وكلما رفعت سنارتي حصلت على العاقول.. أو فردة ممزقة لحذاء قاسم الطنبوري… وعندما سألته: لماذا تفعل هذا؟ قال لي انه يملك إناء صغيرًا لطهو السمك، وهو يريد سمكة بحجم إناءه.

يضحك سمير…
– اسمعني… أُبشرك لقد سلموني 9 ملايين دينار، وقمت بترميم بيتي بعد انهياره….. لكن المسؤولين في الدولة يتركونني ويسافرون إلى مصر أو سوريا لا أعرف أين يذهبون؟ انهم يسافرون دائما، ويتركون قضيتي، رغم أن ملفي كامل، كلّ ما زلت أدين لهم ب 3 ملايين دينار !!
– ما هذا التخريف يا سعيد، أحاديثك اليوم غريبة؟  
– ضع لها المربى، تصبح شديدة الحلاوة هل اذهب واشترى لك منها؟ اعطني اذن المال فأنا لا أملك شيئًا…

 

صورة تذكاريّة                                                                                             
يتحرّك سعيد ليمارس طقوسه اليومية، يبدأ بالتوجه نحو نهر دجله، يرفع يديه، يقرأ الفاتحة، يمدّ قبضة يده اليمنى ليملأها بالماء، يقربه من أنفه يقبّله ثم يحاول إعادته إلى مكانه، يتلمس الوشم أعلى ذراعه، يلتفت فيستفزه مرورهم فلا يملك الا الصياح:
Why you inside?، تعالوا هنا لآخذ معكم صورة تذكارية.                                               
ثم يقفز وسط أصحاب البشرة البيضاء والعيون الملونة، وهم بصحبة بعض غامقي البشرة، يبتسمون له بحذر فينادي على سمير: تعال، بالله عليك، خذ لي معهم صورة تذكارية بكاميرتك.

يلبّي طلبه سمير وهو يبتسم.. لكن سعيد يضمر في نفسه أن يعلق تلك الصورة في المرافق الصحية بعد أن يبصق عليها مرات…
وأخيرا يخرج أرنب سمر من جحره يلعب مع رفاقه يختفي أرنب شارع المتنبي.. لا يعرف أحد أين يجده بالضبط، ربما يجلس في زاوية ما يشرب خمرًا.. يبكى حبه القديم.


وصيّة

إيمان لا تنسَي الدعاء لي، لعل الله يهديني فاترك الخمر، لعل قدوري صاحب المحل يرفع من أجرتي اليومية، بدل أن يهدّدني بالطرد، ولعل الله يُيسّر لي عملا بمكان آخر، أفضل من قدوري اللئيم، أنتِ تعلمين أنني حداد ممتاز، لولا الخمر.. أحب الخمر يا إيمان كما أحبك جدا، أوصيك بالاولاد ادعوا لى هناك، أطلبي المراد، أدخلي من باب الحوائج، واربطي لي تلك العليقة الخضراء بالشباك لا تنسي هذا، وانثري كل حوائجنا هناك، صدقيني الإمام موسى بن جعفر(ع) يحبني كثيرا، أنا أشعر انه سيشفع لي هذه المرة صدقيني، هو يعرف أنّني لم أسرق أحدًا، وأنني أحبه جدا،  اذهبوا برعاية الله …          

                                                           
عِش أنت

يمرّ موكب رجل أمن معروف بالبلاد، فيظهر سعيد، وما إن ينزل المسؤول من سيارته حتى يسير خلفه ضباط كثر، يذرعون شارع المتنبي باتجاه النهر، وعندما يقتربون أكثر، يركض الأرنب مسرعًا خلفهم وهو يردد بصوتٍ عالٍ: 

 “تن تن ترا تن تن ترا                             
عش أنت اني متُ بعدك                           
وأطل إلى ما شئت صدّك                                                                                                                                    
كانت بقايا للغرام بمهجتي فختمت بعدك”

يُغمض عينيه ويؤشر بيديه، ويندمج كليّة في غنائه، حاول بعض الضباط صدّه، ومنعه من السير خلفهم لكن أحدهم قال لرفيقه: دعه إنه مجرد مسكين، يسمعهم سعيد: اخرس ..اخرس أنت ولا كلمة. . يتجاهله الضابط، فيواصل غناءه..  


الحبّ الاول

أحببتُ فتاةً قبل ثلاثين عامًا تقريبًا، بصراوية جميلة كأنها هندية، اسمها سهير محمد، كنت أراقبها وهي تعمل في صالون للحلاقة النسائية، وأقضي يوميا ساعتين ونصف الساعة بانتظار خروجها من مكان عملها فقط لأتأملها من بعيد، حتى اعترفت لها بحبي وبقيت في علاقة معها عامًا ونصف العام دون أن  ألمسها، والله العظيم لم ألمسها، ذهبت معي الى حديقة الزوراء مرة واحدة وأحضرت لها الكبة، لكن أهلها أرغموها على الزواج من ابن عمها، الزمن جعل قصص الحب اليوم بشعة لأن الرجال أصبحوا شياطين الحب، إنهم (حمائر)….
هكذا حدّثني سعيد و رائحة الخمر تفوح منه، يترنح وبالكاد يسير، سكت قليلا ثم واصل من بعيد:

لكن ايمان…..

واغرورقت عيناه بالدموع ..واختنق صوته في جوفه، دار وجهه واختفى.       

  

حجيج

الجمعة يوم اقبال الحجيج الى شارع المتنبي، قوم يرمون الجمرات بأساليبهم المتنوعة، قُطِعتْ كل الطرق، فالوقت أيضا وقت الحجيج نحو الجسر باتجاه باب الحوائج، لكن طريق مكّة نحو الله بدأ من بغداد سلكه قميص عثمان …. قميص عثمان كان يرمي الجمرات أيضا…  
أيّ جمعة وأي طريق وأي جسر هذا خروج عن النص!؟ عثمان استشهد منذ آلاف السنين.. كلاّ عثمان استشهد قبل سنوات ..!  لا عثمان طفل بالصف الأول ابتدائي في مدرسة دجلة! 

 ويبكي سمير على ضفاف دجلة: “لستَ نعثلا يا عثمان”.. ما زال عثمان نجمة عراقية تطفو على النهر.

ماء ساخن

تنفش الأرانب فروتها، بعد أن نظفتها الصغيرة بأفضل المنظفات، وألبستها شرائط ملونة، تتدلّى منها أحجار ملوّنة في وسط كلّ منها خرزة زرقاء، وعندما يقرض احدها جزرةً كبيرة، تصفق الصغيرة مرحًا…

– أمي أرجوك ماذا يعني الدستور والمظاهرات؟ لماذا الناس بكل مكان يخرجون للشوارع يحملون لافتات، رأيت هذا بالتلفاز أمس؟..  

– يا حبيبتي الناس تطالب بحقوقها، بالحياة الكريمة حيث يتوفر لهم الطعام والدواء والأمان…
تسرح الصغيرة سمر وتدخل في نوبة تفكير عميق جدي…
يصحب سمير سعيد ليغتسل ويرتدي دشداشته الجديدة، يصرّ سعيد على عدم قص شعره الطويل.

 كباب.. كباب، اليوم لن أنبش بالنفايات سآكل الكباب.. مثل الناس المهمة جدًا..

وفيما هو يتناول طعامه حتى تفاجأ بماء ساخن جدا يُسكب عليه، صرخ وشعر بحرارة مرعبة تسري في جسده كلّه وتغلي من أطرافه السّفلى، الأرنب يرفس أرضًا يصرخ يصيح: أولاد الكلب، آخ آخ.
تمزقت دشداشته الجديدة، تناثر الاكل، والجلد خُلع من جسده،  خروف لحظة السّلخ، فروة الأرنب محروقة بالكامل، تطافر الدم، وسطل كبير فارغ مرمي…
تصفق الصغيرة سمر، عبرت أخيرًا أرانبها ما رسمته لها من طريق، أسمته هي الجسر عبرته بسهولة ويُسر.       

                                                      

قميص عثمان

يتدافع المحبون للقفز في قلب دجلة، تنتشر إشاعة: إرهابي بين الجمع المتراصّ، يسود هلع، ويتم الإعلان عن ثغرات جديدة للحوائج بباطن دجلة، تغرق الأدعية عنوة، قبل ان تبلغ الطريق المقصود، تطفو الأثواب، يرتدي دجلة عباءات سود، تتناثر الأحذية، تستنجد جموع غفيرة من جوف النهر: عثمان يا عثمان أقبل إلينا يا عثمان.               
يقفز عثمان يتبعه رفاقه، يتعلق النداء بالنداء والعباءة بالعباءة، حتى يثقل حمل عثمان، تسحبه الصخور، أكان يطارد السواد؟ هل أراد صفحة دجلة بيضاء؟…
إيمان وصغارها وآلاف آخرون ناموا برعاية قرش الحوائج.. حتى يبيض أخيرا وجه دجلة بقميص عثمان…..يضرب سمير على صدره ويصرخ:  ويحنا.. منذ ألف مضت وقميص عثمان ما زال يطفو فوق دجلة!   

لو أعرف من ذا الذي أحرقني لأحرقت بيته؟ ماذا يريدون مني هل أملك قصر شعشوع؟ لو سألوني لمنحتهم الدشداشة هدية عوضًا عن كل هذا.

 يبكي سعيد ويتوجّع، يقدم له سمير المراهم والأدوية، الجواهري يتقلب في مضجعه الأخير، ليخرج وهو يؤشر بأصبع السبابة نحو دجلة:    

“يا سكتة الموت يا اعصار زوبعة يا جنجر الغدر يا أغصان زيتون”…                       
يستجيب الطب العدلي في بغداد لنداء الجواهري، يعلن حداده تضامنًا، ويفتح جحورًا مبردة للأرانب الغارقة في دجلة، وللأرانب التي لم تولد بعد، لتدخل بيوتها دون ركلات. ويواصل سعيد قهقهاته في النوم رغم حروقه.  

                                  
مظاهرة

تسحب الصغيرة سمر ثوب أمها من طرفه: تعالي تعالي يا أمي انظري للأرانب بالله عليك..
تتحرك الأم نحو الحديقة وهي تقول لابنتها: يا ابنتي طلباتك زادت كثيرا هذه الايام ..

تتفاجأ بالأرانب تركض في الحديقة وتحمل على ظهورها أوراقًا ملفوفة بشرائط ملونة، تفتح فمها من الصدمة غير مصدقة، تقترب من الأرانب أكثر، تقرأ بخط متعرج العبارات التالية على تلك الاوراق: 

 -أريد جزرة كبيرة                                       
 -أريد أرنوبة ألعب معها                                        
– أريد سريرا انام فيه                                   
– أحبّ سمر جدا                                    
تغرق الأم بالضحك: يا سمر ما هذا؟ مظاهرة للأرانب؟ … ثم تضرب راحة يدها بالأخرى قائلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا بد أن نتخلص من هذه الأرانب قبل أن تصابي بالجنون. فأنت كل تفكيرك بات محصورًا فيه، فيما الصغيرة تصرخ..

                                                
سيأتي الربيع

أنا كرهت الدنيا ولا أريد لأحد أن يكره الدنيا، الحياة جميلة، هنالك الربيع الذي سيأتي للعراق رغم الخريف، يؤشر بكف يده نحو النهر وينادي: أبو أحمد أبو احمد احذر قاربك يحمل الكثير من الناس احذر معك أطفال.

يتلمس ذراعه وهو يبتسم بحزن لبعيد، يرفع كُمّ قميصه الرث لانظر الوشم: قلب كبير مخطوط  فيه اسم ايمان زيد عمر أحلام محمد علي.                        

تركني سعيد وتوجه لقلب شارع المتنبي وهو يصرخ: أريد وسادة، قررت اليوم أن أنام على وسادة لن أنام على الرصيف.. أريد وسادة.. أريد وسادة..

ضحك بصوت عال وهو يستلم الوسادة من أحدهم، رمى بها على الرصيف، تمدد ثم وضع رأسه فوقها، صار يضحك ويبكي بنفس اللحظة، وقال: إن الحياة لا تستحق الاحترام.. فقط الحب.. وأغمض عينيه.. أغمض عينيه الى الأب ..

 …
ما زالت أرانب سمر تتظاهر في الحديقة، لكنها تحمل هذه المرة لافتات كَلّا للرحيل…

أوقف أبو مصطفى عربته بمحاذاة الرصيف وربّت بيد كبيرة متشقّقة على رأس الحصان ثم قصد الدكان القريبة، وابتدأ يحمل على ظهره الاكياس الملآى بالحطب، وينقلها الى العربة. وكان الحصان حانقاً دونما سبب. وقد تبدد غضبه قليلا حين عثر على قطعة من قشور البطيخ، فَمَضى يقضمها بسكينة.

وتنبه فجأة الى أن ثمة ولدًا صغيرًا يقف على مقربة منه، ويرمقه مبتسمًا. فقال الحصان لنفسه: “أنا لا أعرفه وسأرفسه إذا دنا مني. سأرفسه رفسة قوية تكسر رأسه”.

وانتهى الحصان بعد حين من مضغ قشرة البطيخ، فانتابه الاسف لانتهائها، وراح يتطلع بغيظ الى الولد وهو يقول لنفسه: “سأرفسه”.

وكان أبو مصطفى في تلك اللحظات مازال منهمكاً في نقل أكياس الحطب ووضعها على سطح العربة٠ وأحس الحصان بالتعب، فقال لنفسه متذمراً: “العدالة مفقودة”.

وكان الحصان قد ولد في المدينة، وقضى حياته كلها في طرقاتها المفروشة بالأسفلت، ولم يغادرها مطلقا. وكان يعرف أن أجداده القدامى كانوا يمرحون طلقاء عبر البراري الشاسعة حيث لا أبنية فيها ولا جدران من حجر، ولكنهم ماتوا جميعاً.

وانحنى الولد، والتقط قشرة بطّيخ كانت بمنأى عن الحصان ثم اقترب على مهل، فَهمّ الحصان بالتراجع غير أنه تريث متشجعاً. ومد الولد قشرة البطيخ نحو فم الحصان. فتردد الحصان لحظةً خاطفة ثم تلقفها دهشًا، وطفق يمضغها بغبطة، وسمح للولد بأن يربت على عنقه بيد أنيسة صغيرة.

وأتمّ أبو مصطفى نقل أكياس الحطب الى العربة. وعندما لاحظ وجود الولد قرب الحصان صاح به: “ابتعد يا قرد”.

ثم لوّح بالسوط، مطلقًا صيحةً آمرةً بالمسير، فاندفع حينئذ الحصان الى الامام، يجر العربة الثقيلة بتباطؤ.

وسارت العربة عبر طرقات عديدة، و بلغت بعد حين شارعًا عريضًا تنتصب الأبنية الحجرية على جانبيه ولم تكد العربة تتوغل حتى اعترض طريقها واحد من رجال الشّرطة، فَصَرخَ أبو مصطفى بالحصان بصوت ممطوط: “هش”.

قال الشرطي: “ألا تعرف أن مرور العربات ممنوع في هذا الشارع؟”. فقال أبو مصطفى: “أعرف”.

“ولماذا جئت اذن من هنا؟”

“الحصان.. أنظر.. الحصان تعبان جداً، واذا مررت في هذا الشارع فسأوفّر على الحصان مشيًا كثيرًا”.

فغمر الحصان حنان عارم. وقال الشرطي: “سَير العربات ممنوع في هذا الشارع. انه للسيارات وللناس الذين يسرون على أقدامهم فقط”.

قال أبو مصطفى: “أعرف”.

ولعق شفتيه بلسانه، وأردف قائلاً: “الحصان تعبان وسينقطع رزقي اذا هلك، و أموت جوعاً ويموت  أولادي.. لي أربعة أولاد”.

“ارجع. ولن أعاقبك لمخالفتك النّظام والقانون”.

“لي أربعة أولاد يأكلون حتى الحجر”.

وأطلق أبو مصطفى ضحكة قصيرة جافة وكأنّها مدية صغيرة شرسة، ثم أضاف قائلاً: “سأقول الصدق.. أنا لا أخاف على الأولاد إنّما أخاف على أمهم”.

 فقال الشرطي متسائلا بفضول: “ولماذا تخاف عليها؟”

وكانت الاشجار خضراء على جانِبَي الشّارع، وتمتدّ في الأعلى سماء رحبة زرقاء. وأجاب أبو مصطفى: “أخاف أن يأكل الأولاد أمهم إذا جاعوا. أسنانهم فظيعة”.

ومرّت سيارة تسير بسرعة كبيرة، فَنَفخ الشرطيّ في صفّارته، فَلَم تتوقف السيارة، واستطاع الشرطي أن يلمح رقم لوحتها قبل أن تنأى عن بَصَره، فسجّله على غلاف دفتره. والتفت الى أبي مصطفى محتقن الوجه غيظاً، وقال له: “هيا ارجع”.

“دعني أمرّ هذه المرة فقط”.

 فقال الشرطيّ بصرامة: “ألم تسمع ما قلت؟ ارجع”.

“مرّة واحدة فقط”.

“ارجع. القانون قانون ولا فائدة من التوسّل”.

“الحصان تعبان”.

“هيا ارجع”.

“الله يحفظك لأمّك”.

“الله لا يحفظني، أنا لم أخترع القانون. أنا أنفّذ أوامر صادرة إليّ، وأنت يجب أن تطيع هذه الاوامر”.

فلم يفه أبو مصطفى بكلمة إنما تخيل القانون مخلوقاً ضخماً له آلاف الأيدي: القانون يأمر الشّرطيّ فيطيع الشّرطيّ، ويأمر الشّرطيّ أبا مصطفى ويجب أن يطيع أبو مصطفى الأوامر.

ووقف أبو مصطفى مترددًا هنيهات، فصاح به الشّرطيّ: “ارجع. واذا لم ترجع حالا فستندم”. فاتجه أبو مصطفى نحو العربة، وكان غضب الحصان عندئذ قد بلغ الذروة، فجمع قوته كلها، واندفع جامحًا الى الامام، فبوغت الشرطي بالعربة المندفعة نحوه، وحاول أن يقفز الى الرصيف، فلم يتمكن، وصدمه الحصان، فسقط على الارض منطرحاً على ظهره، ووطأت صدره سنابك الحصان ثم مرت فوقه عجلات العربة وتخضبت بالدم الاحمر. ودهش الحصان حين رأى صاحبه لم يبتهج إنما امتلكه الذعر والوجوم ثم انطلق يركض هارباً. وبعد لحظة توافد الناس مهرولين، وتحلّقوا حول العربة، يتألق في عيونهم الخوف الممتزج بالشهوة الخفية، كأن الشرطي المسحوق ليس إلا جسد امرأة جميلة.

ولم يتفرق الناس الا عندما حضر رجال الشرطة، وبادروا الى اعتقال القاتل. وَكان القاضي عادلا، فسيق الحصان في فجر أحد الايام الى ساحة رئيسية خيل الى الحصان أنها ما تبقّى من البراري.

ووقف الحصان مبتهجاً لأنّه قبل وصوله الى الساحة قد اجتاز شوارع عريضة كان يُمنع من السير فيها من قبل، ولكن بهجته لم تدم طويلا اذ تدلى بعد حين مشنوقًا.

(من مجموعته القصصية “الرّعد”، 1970)

 

1

 منذ ثلاثين عامًا وتزيد. تعرّفتُ إليه وهو في الرابعة والعشرين، وكان تخرّج للتوّ من مدرسة السياقة في المدينة. في بطاقة هويته كتبوا إلى جانب المهنة: “سائق باص”، وكانت هذه كفيلة، إلى جانب صورته البراقة، بأن تدخلني إلى قفص الزوجية الذي بناه لي، في قريتنا الجميلة النائية.

كنتُ في أثناء الخطوبة أحلمُ ليلَ نهارَ بالرحلات وبالفُسح الجميلة والطويلة التي سنقضيها سويةً، ولم أفهم حتى اليوم ما قصدته أختي الكبرى في إحدى ليالي السمر الصيفية على سطح البيت، حين قالت لي بدلع وحياءٍ مكظومٍ وصوتٍ مكتومٍ: “كرسي الباص الأخيرة طويلة، ولن تنسي طعمتها”.

قبل الزفاف بيومين، حين تجمعت كل صديقاتي في القرية لليلة الحناء، أخذنَ جميعهنّ بالتندر على شكلي وأنا جالسة في الكرسيّ الأول من وراء زوجي، وهو يصطحبني في رحل ونزهات كُنّ جميعهنّ يحلُمن بها. إحداهنّ حلُمت بالذهاب إلى القدس، والأخرى إلى يافا والثالثة قالت بتأكيد غريب: “بانياس أجمل الأماكن في العالم! دعيه يأخذك إلى البانياس”.

لم نفهم وقتها تأكيدَها القاطعَ هذا وسألناها عمّا إذا كانت ذهبت إلى البانياس، فأجابت بأنّ أخاها كان هناك قبل سنة وقال إنها أجمل الأماكن في العالم. وضحكنا حتى دمعت أعيننا… ثم قالت أختي الصغرى بحسد واضح وافقها الجميع عليه: “أنتِ ونحن نسمع بالأماكن والرحلات، بينما ستكون أختي هي الوحيدة التي سترى هذه الأماكن بحق وحقيقة”.

وتنهّدتُ بفرحٍ وخوفٍ كبيريْن.

2

أستيقظ في كلِّ صباح في الخامسة فجرًا. أطبخ لنفسي غلاية صغيرة من القهوة السوداء الحلوة وأستقبل الشمس القادمة من رحلتها وهي حمراء ناضجة نضوج التين “الحمّاري” في كرم والدي المرحوم. أشربُ قهوتي بصمت ولا أضايق الشمس الآتية من رحلتها اليومية. لا شكّ في أنها مرهقة جدًا الآن، ولا تنقصها ثرثارة مثلي لتروي لها عن حياتها مع زوجها سائق الباص. أشربُ القهوةَ وأحلمُ برحلات الشمس اللانهائية، وأتمنى لنفسي واحدةً منها على الأقل.

في تلك الهنيهة الصباحية لوحدي، أكتشفتُ لوحدي، أنّ الشمس تزور عمليًا كل العالم في 24 ساعة، كلّ يوم! ما أقواها وما أجمل حياتها، هذه الشمس. تطوفُ كلَّ العالم لوحدها، ومن دون كلل أو ملل، تطوفُ ولا تتعبُ، تمامًا مثلما وعدتْني أمّي قبلَ أن يأتي أهل العريس ليأخذوني من بيت أهلي بساعة. ثم مالتْ عليّ قليلاً وقالت بتوسّلٍ لم أعتقد أنه سيبدرُ عنها يومًا: “إبقي اذكريني في رحلاتكم الجميلة”.

عندما يستيقظ زوجي تكون غلاية القهوة الثانية قد نزلت للتوِّ عن قرص النار. لا يُنظف أسنانه أبدًا ومع ذلك فإنها ناصعة وقوية مثل أسنان الحصان. أمي كانت تقول دومًا إنّ زوجي يأتي من عائلة كل رجالها مثل الخيل: أقوياء وأصحّاء وأسنانهم كبيرة وبيضاء. حتى إنّ أبي المرحوم لم يُخفِ حماسَه من أحفاده الذين سأنجبهم له، لأنهم “سيُولدون كالخيل، يرفعون الرأس إلى أعلى”.

ومع ذلك وددتُ لو ينظف أسنانه، خاصةً في الصباح، حين يهمّ بي أحيانًا، وأنا أيقظه، فيشدّني من يدي ويستلقي فوقي على السرير ولا يكترث بشيء. لا ينتظرني حتى لأستيقظ كما يجب، أو لأغسل وجهي. وما أن أستيقظ كما يجب حتى يكون قد انتهى من اللهاث السريع ذي الرائحة الكريهة، فينكفئ على الجانب الآخر ويسأل بهدوء: متى ستنهضين؟

ولكنني ربّيتُ أبنائي على تنظيف أسنانهم. لا أريد لأيٍّ منهم أن تتضايق منه زوجته في الصباح أو قبل النوم. على أبنائي أن يكونوا رجالا أصحاء وجميلين وحسّاسين لنسائهنّ. ولو كانت وُلدت لي ابنة -كما أملتُ دائمًا- لكنتُ صنعتُ منها أفضل امرأة في الدنيا. ولكنتُ بعثتُ بها إلى الجامعة وعادت إليّ طبيبة تطبّب لي عظامي المتفكّكة ومفاصلي التي بدأت تلتهب. طبيب القرية قال لي إنّ عليّ أن أريحَ جسدي وأن أتوقف عن القيام بأية مشاغل صعبة. الحمار. لا يكفي أن يذهب المرء إلى الجامعة ويصبح طبيبًا، عليه أن يكون ذكيًا أيضًا وفطينًا. ومن سيقوم بكلِّ مشاغل العائلة والبيت؟ هو؟ لو وُلدتْ لي ابنة وصارت طبيبة أفضلَ منه بألف مرة لكانت علّمته درسًا في الحياة يسوى كل المعدات الباردة التي يضعها على جسدي عندما أذهب إليه. يضعها ويطيلُ وضعَها ولا أتبرّم لسببٍ لا أعرفه.

3

خمسة أبناء وكُلهم رجال متعلمون مثل الورود الحمراء البراقة في لحظة صفاء نادرة. أنظر إليهم ولا أتحسّر إلا على المرات التي لم أقبّلهم فيها أكثرَ مما قبّلتهم، لا أتحسّر إلا على المرات التي كنتُ أعلم أنهم يقظون فيها يدرسون وأنا خالدة للنوم.

البكر مهندس والثاني معلم والثالث ممرض والرابع تاجر في سوق يسمونها البورصة والخامس يعمل في بنك القرية. ما زال أعزبَ “قريد العشّ”. الوحيد الذي لم يستقرّ في بيت له، ولكنني أتمنى بيني وبين نفسي أن يتأخرَ قليلا أكثرَ، كي يُؤنسَ وحدتي في العصريات الطويلة التي يكون فيها زوجي غائبًا، يسوقُ الباصَ آخذًا أربعين أو خمسين شخصًا في رحلة جميلة.

المرة الأولى التي ركبتُ فيها الباص كانت بعد الزواج بيوميْن. كان ما زال فرجي يؤلمني من ليلة الدخلة، وكنتُ كلما تذكرتُ اللحظة الأولى أهرعُ للتقيؤ في المرحاض، متعللة بأمٍر ما قد أكون أكلتُه في ليلةِ الزفاف. ولكنني كنتُ على الرغم من شعوري هذا أنتظر بلهفةٍ ركوبَ باص الشركة الذي يسُوقه زوجي وأن نمضي معًا في رحلات طويلة نلحق بها أثر الشمس الغائبة، فلا تغيبُ. في المرة الأولى ذهبنا في الباص إلى المدينة المجاورة وتعشيْنا سمكًا مشويًا. كان لذيذًا، واستغرقني أسبوع حتى علمتُ فيما بعد أنّ هذه “الرحلة” كانت شهر العسل الذي يتحدثون عنه.

لم آبه كثيرًا بشهر العسل القصير، فقد كنتُ متأكدة من أنّ شهورًا من هذا العسل آتية لا ريب فيها. بعد أربعة أيام عاد زوجي إلى العمل. ولمّا عاد، طلب مني أن أنظف الباص الذي ملأه الطلاب الملاعين بالمُسليّات والمُكسّرات والقيءِ. نظفتُه كما لو كان غرفةَ نومِنا. عادَ يلمع مثل البلّور وعاد فرجي يؤلمني في تلكَ الليلةِ تمامًا كما في الليلةِ الأولى. ولكنني لم أنبس بكلمةٍ؛ فغدًا سيأخذني إلى رحلةٍ جديدةٍ.

4

صارَ ينطلقُ في كلِّ صباح إلى عملِه، إلى رحلاتِه، ولا يعودُ إلا في المساء. وبعد أن يتعشى، آخذُ أدواتِ التنظيفِ وأصعدُ إلى الباصِ الطويلِ وأُعمِلُ فيه تنظيفًا، حتى يعودَ جديدًا كما خرجَ من الشركةِ. مع الوقتِ صرتُ خبيرةً بالنفايات التي أجمعها من الباص، وبواسطتها صرتُ أتكهّنُ بأعمار المسافرين وطباعِهم وأهدافِ رحلاتِهم. في مراتٍ كانَ يعودُ الباصُ نظيفًا إلا من بعضِ الأوراقِ البيضاءِ المكتوبةِ عليها كلماتٌ بلغةٍ لا أعرفُها؛ في مراتٍ أخرى كان يعود مليئًا بأغلفة المسليات والنقارش وعلب المشروبات الخفيفة الفارغة، وبعض القيء هنا وهناك.

ومع الوقت أيضًا لم أعدّ أحسّ بأية آلامٍ عندما يهمّ بي، كأنّ مصدر الألم انطفأ إلى الأبد، ففرحتُ لانطفائه ولم أزل.

عندما ولدتُ الأول، وعدني زوجي سائق الباص برحلةٍ خلابةٍ أستعيد فيها عافيتي وأعوّض على ولادتي العسيرة الأولى. ولكنه نسي، بعد أن توفت حماتي من ولادة البكر بثلاثة أيام، وأنا خجلتُ من أن أسألَه عن الرحلةِ الموعودةِ، لأنه صار يعودُ في أغلبِ الأحيانِ غاضبًا ومُزمجرًا ويبرطمُ بعباراتٍ فيها شتائم ومسبّات على صاحب الشركة وعلى زملائه وعلى ظروف العمل المهينة. عندما وُلد الثاني لم يقترح أية رحلة، وأنا لم أفاتحْه بالموضوع؛ فالولادة الثانية كانت سهلة نسبيًا للأولى، ولم أعتقد بيني وبين نفسي أنني أستحق رحلة في باص زوجي على ولادةٍ سهلةٍ.

بعد أن ولدتُ الثالثَ تيقنتُ نهائيًا من أنَّ الرحلةَ التي أنتظرُها لن تأتي أبدًا. كيف سنخرجُ في رحلةٍ جميلةٍ وطفلي رضيعٌ والطفلان الآخران يبكيان لأتفهِ الأسبابِ؟

كنتُ استقبل صديقاتي الفرحات العائدات من رحلاتهنّ مع أزواجهنّ إلى القدس ويافا وبانياس وأبتسم تأدبًا، وأنا أستمع إلى تفاصيل مثيرة وأخرى مملة لا يتعبنَ من تردادها، وأتجاهل الواحدة منهنّ حين تقول على حين غرة: “ألا تحديثننا عن رحلاتك في الباص الجميل”؟

ومن دون أن أدري تحوّلت علاقتي مع الباص إلى علاقةِ دلوٍ مليءٍ بالماءِ والصابونِ، ومكنسةٍ وبعض أقمشيةٍ باليةٍ. في كلِّ يومين أو ثلاثة أصعدُ إليه وأمسحُ بقايا القيءِ والأكياسِ التي خلّفها الصغارُ خلفَهم. صرتُ خبيرةً في أنواع الأكياس وألوانها وأسماء المسليات التي بها، وهكذا صرتُ أشتريها لأبنائي عندما يهمّون إلى رحلةٍ مدرسيةٍ. كنتُ أملأ حقائبَهم بأشهى المُسلّيات وأودّعُهم دامعةً وهم يركبونَ الباصَ في الرحلةِ المدرسيةِ التي لم يكونوا ينامون في الليلة التي تسبقها. كنتُ أسمع همسَهم في الليل وهم يتجاذبونَ أطرافَ الجّمَلِ حول المكان الذي سيذهبون إليه وحول زملائهم وما اشتروه وكيف أنني دائمًا أشتري لهم أفضلَ المسليات، إلا أنهم كانوا يُجمعون دائمًا على أنّ زوجي أفضلُ رجل في الدنيا لأنه يأخذهم في رحلات المدرسة ويحفظ لهم دائمًا المقعد الأخيرَ الطويلَ.

وكنتُ أتقلّب في سريري وأنظر إلى السقفِ المعتمِ وأتذكرُ أنّ خالتَهم أيضًا كانت من مُحبّي المقعدِ الطويلِ في الخلف، مع أنها هي الأخرى لم تُجرّبه في حياتها.

في كل صباح كانوا يخرجون إلى المدرسة في الباص الكبير، الذي عتق وصار مهترئًا، ويتركونني لوحدي على قارعةِ المدخلِ ألوّحُ بيدي وأستنشقُ رغمًا عني دخانَ “الديزل” الأسودِ الكريهِ.

عندما وُلد الرابعُ حصل زوجي على باص جديد من الشركة. كان منظرُه خلابًا ونظيفًا وجديدًا؛ كان يعبق براحةِ أغطيةِ الكراسي الجديدةِ وكدتُ لفرطِ اندهاشي أن أقعَ إلى الخلف عندما قال لي زوجي بفخرٍ إنّ به فيديو وتلفازًا! ولكنّ فرطَ الدهشة جعلني أيضًا أندفعُ إلى الخلف مُروَّعَةً فاندلق دلوُ الماءِ والصابونِ الذي أحضرتُه لتلميعِ الأرضيةِ اللماعةِ أصلاً، فتوسختِ الأرضُ بالماءِ ووسّخَ قسمٌ منه أرجلَ أبنائي الواقفين خلفي، فاندهشوا وتريّبوا! فلطمَني زوجي بيده على وجهِي، كما يفعلُ عادةً عندما يغضبُ، وصاحَ: يا بقرة! ألا يليقُ بكِ حتى باص جديد؟

لم يفعل أبنائي شيئًا، بل نكّسوا رؤوسهم وخرجوا بصمتٍ من الباص، تاركينني أمسحُ دموعِي وأمسحُ الماءَ عن أرضيةِ الباصِ بسرعةٍ وحرصٍ كبيريْن، كي يتركني بحال سبيلي، فالأولاد يروْن!

منذ تلك اللحظة صرتُ أكره هذا الباص الجديد. أنظفه رغمًا عني، وبكسل واضح. حتى إنني كنتُ “أنسى” في كثير من الأحيان أكياسًا صغيرة أو بقعة قيء أعرفُ أنّ رائحتها ستزكم أنفه في اليوم التالي. لم يكن يهمّني؛ لو كان يهتم بتنظيف أسنانه لاهتممتُ به أكثر!

5

بدأ الأبناءُ بتركِ البيتِ للدراسةِ وصرتُ أحترفُ الجلوسَ عصرًا عند مدخلِ البيتِ أنتظرُ شبحَ الباص الجديدِ. وقد أحسَنَ بِكري صُنعًا -وأيّما إحسانٍ- حين ركّب على سطح المنزل صحنًا كبيرًا مُدوّرًا قال إنه يزيد على القنوات في التلفاز أكثر من 100 محطة، فلم أصدّقه إلا حين أخذَ يقلّب بينها، وقامت قيامةُ الأبناءِ الآخرين وزوجي، كلٌ يريد أن يشاهد محطة بعينها، إلى أن صاحَ زوجي ونهرَ، ثم أخذ يقلّب حتى وصل محطةً كان فيها رجلان يصرخان على بعضهما البعض. بعد برهة قال “قريد العش”: “هذه محطة اسمها “الجزيرة”. “محطة أخبار”.

ولكنني لم أحبّ “الجزيرة” يومًا، فهم يصرخون على بعضهم البعض طيلة الوقت. كنتُ أحبُّ مشاهدةَ الأغاني وبرامج التطبيب بالأعشاب والمسلسلات العربية. لا أعرف حتى الآن كيف صمدتُ طيلة الوقتِ من دونِ هذه المسلسلات. وأكادُ أقسمُ بأنني أذكرُ حلقاتٍ كاملةً من مسلسل “مفيد الوحش” و”الجوارح” عن ظهر قلب؛ فما أن ينتهي بثّ حلقاتِ المسلسلِ على قناةٍ ما حتى تبدأ قناةٌ أخرى ببثها، لتعيد القناةُ الأولى ببثها من جديدٍ في الليل المتأخرِ، وقناة أخرى وأخرى وهكذا، حتى استغنيتُ عن أية صلة بما حولي وصرتُ أنا والصحن المدوّر الكبير أعزّ صديقيْن: أنا أؤنس وحدته في الصالة، وهو يأخذني في رحلات لم يكن ليحلم بها أيّ سائق باص.

كان كلما يطلّ زوجي من بعيد تعودُني ذكرى الألم القاتل إياه من ليلة الدخلة، فأهرع للتقيؤ خلف البيت. فيما بعد قال لي الطبيبُ إنّ عندي جرحٌ في المعدة وإنّ القيءَ الدائمَ الذي ينتابني سببُه موادّ التنظيف التي أستعملها، فنصحني باستبدالها، فاستبدلتُها. ولمّا لم يتوقف القيء قال يائسًا: المهم ألا تأكلي كثيرًا، فتتقيّئين أقلَّ. وهكذا صرتُ آكل قليلاً، وأتقيّأ قليلاً وأنحف كثيرًا، وصرتُ أسمح للطبيب بأن يطيلَ وضعَ أدواتِه على جسدي كيفما شاء، وأحيانًا كان يستغني عنها ويتحسس مواضع الألم بيديه، مرتعشًا حتى يهدأ.

6

عندما رأيتُ هذه القطعةَ المطاطيةَ الطويلةَ لم أفهم ما هي. كما أنني لم أتيقن من هذا السائل اللزج المحبوس بداخلها. كانت القطعة المطاطية ملقاة في نهاية الباص على الكرسي الأخير الطويل، نفس الكرسي الذي قالت لي أختي قبل دهر من السنين إنني لن أنسى طعمَه. عندما تعرفتُ على رائحة السائل اللزج لم أتمالك نفسي فتقيأتُ على الكرسي ووسخته شرّ توسيخ. ثم صرتُ بعد هذه الحادثة أفتعل النوم في تلك الصباحات التي يأتيني فيها من الخلف، فيبلغ مشتهاه وأنا “نائمة”- فأريحُ وأستريح!

7

أجلسُ في كل صباح لوحدي، في الخامسة صباحًا، وأسأل الشمس بصمت عن رحلتها الطويلة. أنظر إلى الباص الذي يقودُه زوجي في رحلاته الكثيرة وأودّ لو أسأله عن الأماكن التي زارَها وعن الناس الذين رقصُوا وغنّوا على مقاعدِهِ ليومٍ كاملٍ. حتى أبنائي الذين أحبُّهم أقلّوا من زياراتهم وهُم لاهون عني بزوجاتهم وأحفادي الذين أنتظرُهم بفارغ صبرٍ.

ومنذ أن وُلد أحفادي وكل أبنائي وزوجاتهم يغيبون في رحلات طويلة، لا يشبعون منها، وأنا أنتظرهم دائمًا ليعودوا إليّ بخِمار شتوي أو بقطعةِ قماش أخيّطها على ذوقي. أبنائي أشبه ما يكونون بالرحّالة، يحبّون الرحلاتِ أكثرَ من أيّ شيءٍ آخرَ. فهكذا علّمتُهم وهم صغار: لا تفوّتوا رحلةً في حيواتِكم، ولا تفوّتوا فرصةً للسّفر مهما حييتم. اسمعوا مني، فأنا أمّكم وأعرف أكثرَ منكم في الرحلات!

صرتُ أرحلُ كيفما أريدُ وأينما أريدُ، وأنا جالسةٌ في مقابل القنواتِ الكثيرةِ حتى صرتُ أكرهُ الرحلاتِ الحقيقيةَ والباصَ وزوجي، وصرتُ أقلِل من الخروج إلى الشرفةِ أو مبارحةِ مكاني في الصالة. بعد أن أنهكني المرضُ وداءُ المفاصل، موّل لي التأمين الوطني مساعِدةً تأتي لتعينَني على مهمّاتي الحياتيةِ ولترتبَ المنزلَ المُقفرَ. فـ “قريد العشّ” قرّرَ السكنَ في المدينة، حيث يسكن أخُوه الكبير، “ففرصُ العمل هناك أكثرَ”.

صرتُ أجلسُ ساعاتٍ وساعاتٍ، أسافرُ في أيةِ رحلةٍ أريدُ، وفي أيّ باص أختارُ، وعبرَ أيّ مسلسلٍ أرتئيه. ومع أنّ نظري خفّ كثيرًا وسمعي أكثرَ، إلا أنني ظللتُ قادرةً على التمييز بين الصُور والأحاديثِ وأطيافِ الأماكنِ التي أراها على الشاشة.

وهكذا سمعتُ صوتَه من الداخلِ يصيحُ: “إلحقيني، إلحقيني، عَم بموت!!” إلا أنني لم ألحقه ولم أفعلْ شيئًا. ماذا يريدُني أن أفعل؟ ثم إنّ نداءاته خفّتِ الآن، ثم توقفتْ تمامًا. أعتقد أنه نامَ الآن. فلينمْ، ماذا يريدُ مني أن أفعلَ؟ فلينتظرْ. فأنا الآن في رحلة وعليه أن ينتظر ريثما أعود.

كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، واتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

 لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلا ميّتا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له:

قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


*من المجموعة القصصيّة “الطلبيّة C345″، منشورات المتوسّط، ميلانو، 2018.

 

ما إن لمح صديقة القادم من الوطن في صالة الاستقبال في المطار، حتى بادره سائلاً إياه:

* هل أحضرت الأمانة؟

مد صديقه يده إلى حقيبة معلقة على كتفه ثم قال وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:

* لقد دوختني بمكالماتك وقولك: “أحضر لي حفنة تراب.” ألم يغترب أحد غيرك يا رجل؟!

ثم أخرج من حقيبته كيسا مليئا بالتراب.

نظر بوجه يخلو من أي مشاعر إلى صديقه الذي قدم لتوه من الوطن، تناول كيس التراب ثم توجه صامتاً إلى القطار.

بقي صامتاً في القطار أيضا، لم يكن يسمع قرقعة عجلات القطار على السكة ولا ضحكات مجموعة من الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزينة بالزمام أو فتيانا يتصايحون فرحا بنصر فريق كرة يؤيدونه. كان يمعن النظر إلى الكيس المليء بالتراب بين يديه.

كان الذين يمرون بقربه على عجل وينظرون إليه، يتخيلونه سكران أو نائما. حتى عندما طلب منه مفتش القطار تذكرة الركوب، أخرج تذكرته من جيبه ورفعها في وجه المفتش دون أن يرفع بصره عن كيس التراب، زم المفتش شفتيه وتغيرت ملامحه وهو يعيد تذكرته إلى يده التي كانت ما تزال معلقة في الهواء.

ثلاثة أعوام مرت وهو بعيد عن وطنه. وفي البلاد الجديدة التي لم تكن لتصبح وطنه صادف مصاعب شتى. قضى سنة بكاملها في سكن للاجئين، وسكن في السنتين الأخريين في منزل أشبه بالكوخ الحقير. لم تسنح له فرصة تعلم لغة البلاد التي وفد إليها، ولم يتمكن من عقد صداقة مع أحد ولم يستطع تأمين عمل يناسبه.

كانت الأيام تمر ثقيلة عليه في تلك المدينة التي لم تكن لتفتح أبوابها له. كان سيجن لو لم يمتلك الهاتف الجوال. ومع أن هاتفه لم يكن يرن إلا نادرا فقد كان يسليه، إذ كان يطلب أرقاما لا يعرف أصحابها ويسارع بالاعتذار قائلا: عفوا لقد أخطأت الرقم! كان يسمع مرات كثيرة أصواتا عنيفة غاضبة تقول: لا تخطئ مرة أخرى! لكنه لم يقلع عن تلك اللعبة لحاجته إلى سماع صوت آدمي والتحدث ولو لثوان قليلة.

كانت دائرة الخدمات الاجتماعية في البلدة تضغط عليه كثيرا ليعمل، لكنه وضع تعلم اللغة نصب عينيه هدفاً أساسياً، ولكن لم يكن هناك أحد ليساعده في تحقيق هدفه ذاك، إلى أن انخرط ذات يوم في البكاء عند موظف الخدمات الاجتماعية الذي يشبه كرة ذات عينين زرقاوين ولسان ألثغ! قال وهو يجهش بالبكاء:

* أرجوك امنحني فرصة تعلم اللغة قبل العمل!!

دخل دورة اللغة لمدة ثلاثة أشهر لم يتعلم خلالها سوى ” أنا فلان، من البلد الفلاني” وبضع جمل للمداولة اليومية.

انهمرت الرسائل القادمة من دائرة الخدمات الاجتماعية مرة أخرى على صندوق بريده البارد الصامت الذي لم يكن ليجد فيه سوى تلك الرسائل الرسمية الجافة الخالية من أي عاطفة!

اضطر لتوزيع الإعلانات، فكان يمشي لساعات في تلك الشوارع الموحشة مثل القبور ليوزع إعلانات للمطاعم والحلاقين وحتى بنات الهوى وكذلك جرائد الإعلانات التي توزع أيام السبت والأربعاء. اسودت أظافر قدميه حتى سقطت. كانت الكلاب في كثير من الصباحات تخيفه بعوائها إذ يقترب من أبواب المنازل ليدس الإعلانات في شقوقها. كان يحس بطعم المرارة في حلقه ثم يكمل مشواره.

ليست الكلاب وحدها، بل أصحاب الكلاب أيضا كانوا يزجرونه قائلين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إليه أو الرد على تحيته الصباحية:

* لا ترم هذه الأوساخ في صناديق بريدنا!!

ثم يستقلون سياراتهم ويمضون.

كان يطأطئ رأسه مضطراً وهو يبلع ريقه ثم يغادر صامتا إلى صندوق آخر.

* * *

توقف القطار في المحطة التي تسبق محطة بلدته، نزل بعض الركاب و صعد آخرون، كانت مجموعة الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزممة ما زلن يضحكن لكن قطيع مشجعي الفريق الذي ربح مباراته الأخيرة نزل من القطار وأفراده يرفعون علب البيرة في الهواء.

نظر إلى تلك الفتيات نظرة خاطفة، ثم عاد إلى التحديق في كيس التراب وشد عليه قبضته كمن يخاف اختطافه، وهدر القطار من جديد.

كان يشعر بالوحدة أنى ذهب. في القطارات، في المطاعم، في الاحتفالات التي يقيمها الناس في الشوارع، في المتاجر الكبرى. ما كان يجرؤ على النظر في وجوه الناس. كان يخشى أن يتحدث إليه أحدهم بتلك اللغة التي لا يتعلمها، فلا يرد على الناس ويتظاهر بأنه لا يسمع.

ولأنه لم يكن يتحدث بلغته أيضاً، فقد خاف من أن يصيبه الخرس وأصبح يتحدث إلى البسط والنوافذ، وإلى الغيوم والصلبان المنتصبة فوق أبراج الكنائس. حتى أنه بدأ يتحدث إلى المانيكانات التي تزين واجهات المحلات أيضاً.

عندما وصل إلى البيت، فتح الباب وهمس بصوت خفيض للتراب الصامت بين يديه في قعر الكيس:

* تفضل ادخل!

وما إن اجتاز العتبة حتى قال:

* اعذرني لأنني أتيت بك إلى هذه الغربة ولكن كان يجب عليك الحضور!!

توجه في بداية الأمر إلى غرفة نومه ووضع كيس التراب عند وسادته التي ينام عليها، لكنه استدرك قائلاً:

* لا. ليس هذا محلك!

دخل إلى الصالون ووضع الكيس هناك. لم يعجبه المكان وأخذته الحيرة فأخذ يتنقل به من زاوية إلى أخرى في شقته الصغيرة إلى أن استقر به المقام في الحمام، فسكب ما بداخل الكيس من تراب على الأرض الباردة الرطبة. ارتفعت كومة من التراب المتعب الجاف الصامت الذي شهد آثار خطواته آلاف المرات، على أرض الحمام. كاد يسمع أنين التراب إذ ينسكب ذرة ذرة على تلك الأرض الغريبة.

تضاعفت دقات قلبه واغرورقت عيناه بالدموع. نظر إلى كومة التراب ملياً ثم قال بصوت مرتجف:

* ها أنذا يا تراب وطني أشم منك رائحة الخراب.

سكب جرعات كبيرة من البيرة في جوفه ثم واصل التحدث قائلاً:

“مضت علي ثلاث سنوات وأنا بعيد عنك، اعذرني إن كنت نسيت اللغة التي كنت أحاورك بها. اعذرني إن خاطبتك في هذه الليلة الموحشة بعدم احترام. هل تذكر عندما حاصر البوليس منزلنا ثم اقتحموا غرفتي؟ أتذكر عندما حطموا قلمي وأحرقوا أوراقي التي سطرت عليها أشعارا تحكي حبي لك، أمام عيني وعينيك؟ أتذكر حينما صادروا كتبي ووضعوها مثل أرانب خائفة في أكياس قذرة؟ لقد قيدوا يدي أمام عينيك – إن كانت لك أعين – وأخرجوني وهم يركلونني ليرموني مثل كيس تبن في سيارة جيب لونها كان يحاكي لونك؟ لقد بقيت وقتها، أيها التراب، صامتا تلعق أحذية قوات الأمن دون أن تشعر بآلام معصمي المقيدين!! وعندما عدت بعد أسبوع في السيارة ذاتها، كنت أنظر من خلال زجاج النافذة إليك، كاد قلبي يتفطر وأنا أرى عجلات سيارة الأمن تزني بك!!

كنت أنت الشاهد الصامت للفجيعة حينما كانت أحذية المخابرات ترسم نقوشا متوحشة عليك وأنت في صمتك ونومك الترابي!!

هل تذكر حين طحن العشق قلبي ذات خريف؟

نعم، بدون شك ما زلت تذكر عندما كانت حبيبتي تحث الخطى كل ظهيرة فوقك لتأتي إلى غرفتي وتضع يديها على عيني المنتظرتين وهي تسأل ضاحكة: من أنا؟ كنت أتغابى فأتحسس بيدي يديها اللتين تشبهان حمامتين أليفتين ثم أرفع أصابعي إلى شفتيها المكتنزتين الدافئتين وأنزل بها إلى نهديها التفاحيين و فخذها اﻟ … وأقول: أنت جنية!!

كنا نتقلب كغمامتين ثائرتين تلهو بهما رياح مجنونة.

كانت حبيبتي تنسج بخطواتها كل ظهيرة بساط الأكاذيب، وكنت أنت على علم بالفخاخ التي تنصبها أمامي، لكنك لم تهمس ولو لمرة واحدة في أذني: حذار من أن تتعثر قدمك بالفخاخ! لم تقل لي ولو مرة واحدة: يا مجنون! لا تثق بالسراب، سيموت قلبك عطشا!! لم تقل لي: لتنته هذه اللعبة، قلبك يتعرض للطحن!!

كنا صديقين أيها التراب. كتبت فيك أروع الأشعار. كنت أشمك بكل ما في رئتي من قوة. كنت أبقي على غبارك الملتصق برموش عيني و ثيابي أسابيع و أياما ولا أنفضه عنها!!

كنت أقول: هذا غبار مقدس، غبار التراب، التراب الذي يغفو أمام باب الدار، التراب الذي يحتضن طفولتي المخنوقة وشبابي الضائع”.

احمرت عيناه رويدا رويدا، وأصبحت علب البيرة المرصوفة على رف المرآة تفرغ علبة إثر علبة، لكنه استمر في التحديق بكومة التراب المنسكبة على أرض الحمام العارية الصامتة وهو يقول:

“أصبحت تائها شريدا. حملت قلبي المحطم وطفت به في كل الأماكن دون أن أجد أحدا يلملم شظاياه. كنت تراني عشرات المرات في حيرتي – إن كانت لك أعين – لكنك كنت تبقى في صمتك الأزلي.

أما كان عليك أن تصبح أمام حزن خطواتي جنونا من غبار فتتطاير في سماء تلك المدينة المجرمة لتخبر الجميع بما يعانيه هذا القلب من آلام؟ أما كان عليك أن تخبرني بكل الفخاخ المنصوبة أمام قلبي؟ أنا الذي كنت أراك أما لي بل أكثر من أم؟

أحرقت منزلي وكتبي قهرا من حياتي البائسة وأوشكت على إحراق نفسي بينما كنت تنظر إلي صامتا، وربما كنت تقول في سرك وأنت تضحك: لقد جن الولد!!

كنت أرى معنى حياتي في حمايتك وحبك، وعندما أسمع كلمة سوء بحقك كنت أجن وأكاد أخفيك في عيني وأذود عنك بنور بصري. كنت مستعدا لبذل دمي فداء لك، ولكن أنت!! آآآآآه. بم أخبرك الليلة؟!

قل لي ما الذي فعلته لأجلي عندما ضاقت بي الأرض وسحقت طواحين الأمل قلبي لتجعله طحينا مشتعلا؟ ما الذي فعلته لأجلي عندما كنت تراني بائسا حزينا جائعا!! كنت أبكي لأجلك ولم أسمح حتى للريح بخطفك من أمام باب الدار، لم أذق للنوم طعما حتى أمنع لصوص التراب من نفيك إلى أرض المجهول!! قل لي – إن كان لك لسان – ما الذي فعلته لأجلي عندما هربت إلى هذه البلاد التي لا تصبح بلادي؟!

كنت تنظر إلي – إن كانت لك أعين – وتراني أروح وأجيء باحثا عن ذاتي التائهة، وعن حياة هادئة وحب صاف، لكنك لم تصبح وطنا لتلك الحياة ولا لذلك الحب!!

كنت تبقى صامتا، كما أنت الآن على هذه الأرض الباردة العارية وفي هذه الليلة الخرساء!! فلا تقل لي بعد: لم أتيت بي إلى هذه الغربة؟!

إنك أنت الذي دفعت بي إلى كل هذا الخراب، أنت من نفيتني. إنه ذنبك أيها التراب، ذنبك أنت. فلا تظنن أنني سأضعك بجانب رأسي على الوسادة لأشمك كل صباح وأقول: ياااه! تفوح من ذراتك رائحة الجنة!!

لا. لا أبداً. لكنني ﺴ…………. “

فجأة عمد إلى أزرار بنطاله وأخذ يحررها عن عراويها بسرعة، ثم بدأ يتبول على حفنة التراب المتكومة كأنين صامت على أرض الحمام الباردة الرطبة.

 

ليس هناك جسم جامد كالمفتاح يحمل المشاعر التي يحملها، فالبصمات التي تبقى عليه ولا يمحوها قانون التقادم هي رسم خفي لاحاسيس الناس الذين حملوا المفتاح واخترقوا عالمهم او خرجوا منه، كالرسم البياني على جهاز تخطيط القلب، يسجل الغضب والحزن والفرح والسكينة، فكيف يكون المفتاح حين يحمله شاعر غادر البيت حاملاً مفتاحه وديوان شعر وشحن على ظهر قارب في البحر أقلع به من حيفا إلى عكا، ثم الى بيروت وإلى.. وإلى..إلى أن التقينا في صوفيا.

في طفولتي لم يقل لي أحد شيئًا عن أبي سلمى.. لا في المدرسة ولا في البيت.. وحين كنّا صغارًا نحفظ الشعر ونتبارى فيه، كنا نبدأ المبارزة الشعرية بما أسميناه “المفتاح”، أي البيت الذي نفتتح به وكان:

أنشر على لهب القصيد        شكوى العبيد إلى العبيد

وكان يصّر على هذا المفتاح معلم اللغة العربية، لكنّه لم يقل لنا من هو قائله، والحقيقة أننا لم نسأل لأننا كنا نبحث عن أبيات ذات قافية صعبة، و”الدال” هو واحد منها، وأمّا معلم التاريخ الذي كان يستجيب إلى إلحاحنا لتمضية درس التاريخ الناشف بمبارزة شعرية فقد كان يصّر على مفتاح آخر، وهو:

ألعرب أشرف أمة               من شك في قولي كفر

ولا أعرف حتى اليوم من هو قائل هذا البيت، لكن معلم التاريخ لم يكمل السنة الدراسية، فقد افتقدناه يومًا وقيل لنا أنه يكتب الشعر وقد طُرد من المدرسة وسمعنا فيما بعد أنه غادر البلاد وصار يتنقل بين مصر وليبيا والاردن ولم يعد إلى وطنه، بل تركنا نسخر من أنفسنا ونحن نسأل:

هل حقًا، العرب أشرف أمة ؟

قد يعود الينا يومًا ويحكي عن العرب، مؤمنًا او كافرًا، ويعلم الله أنه بعد أن تعرف على حالة العرب في الخارج فسيأتينا معتذرًا ليس على كفره بل على يقينه في تلك الأيام.

أبو سلمى

بعد أن أنهيت المدرسة الثانوية في حيفا سمعت لأول مرة عن أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، ويحز في نفسي اليوم أنني كنت أمر يوميًا، ولأربع سنوات متتالية، قرب بيته ولا أعرف أن في ذلك البيت عاش وكتب “شاعرنا القوميّ”.

لم أعرف في ذلك الوقت ما معنى “الشاعر القوميّ” لأن معلمة اللغة العبرية، غرزت في رؤوسنا أن حايم نحمان بياليك هو شاعر قوميّ، ولا يجوز أن يكون هناك شاعر قوميّ لأمة إلا بياليك للأمة العبرية.

عندما كبرت صرت أسأل كطفل صغير:

لماذا لا يكون لنا شاعرنا القومي، مثلما أن لهم شاعرهم؟

وكم أردت أن يكون أبي ومعلم التاريخ شاعرًا كهذا.

إلتقيت أبا سلمى في صيف 1980، في صوفيا مدينة البلقان.

جاء ليلقي الشعر وذهبت لأدرس الشيوعية.

هناك تحدث عن حيفا، وإذا بها مدينة غير التي تعلمت فيها وأعرفها وأقضي معظم ساعات نهاري في غرفة صغيرة من غرف جريدة “الإتحاد” التي احتوت بين جدرانها على طاولة خشبية عريضة، هي طاولة أبي سلمى.

إحتفظنا نحن بطاولة مكتبه واحتفظ هو بمفتاح البيت.

كنا نتحدث إليه عبر طاولته وكان يتحدث إلينا عبر المفتاح.

مناجاة عشّاق لقمر لا يغيب، ولكنه بعيد، بعيد.

سأل عن شارع الملوك وساحة الحناطير وقال أن بيته في شارع البساتين، في حي الألمانية.

سأل:

هل تعرفون البيت؟

هل هناك أحد يحرسه؟

كان أبو سلمى يعاتبنا لأننا اكتفينا بطاولته ولم نحرس البيت، حتى أننا لم نعرفه، ولم نجرؤ على السؤال:

“لماذا ذهبت؟”

غجر

بين حيفا الأمس وحيفا اليوم درج من حجر.

ألماضي من تحت والحاضر من فوق.

بحرها يتراجع وقممها تفقد خضرتها يومًا بعد يوم.

أصبحت مدينة شاحبة مشحونة بدخان المصانع وزعيق البواخر في الميناء.

بكى وهو يحكي وبكينا نحن على بكائه.

“خرجت مع مفتاح وقصائدي.

وقعت قصائدي في البحر وظل المفتاح لأنني ربطته بخاصرتي..”

في طريقي اليه في فندق البلقان جلست على الارض امرأة غجرية وضعت في حضنها رضيعا والى جانبها وقف طفل في السابعة مادا يده للتسول. أردت أن أعطيه لكن مرافقتي البلغارية قالت:

“لا. انهم ليسوا بحاجة، فالدولة توفر لهم كل شيء وهم يرفضون هذه النعمة! الغجر يرفضون النعمة ويفضلون التسول! هذه هي حياتهم! لقد بنينا لهم المساكن وسلمناهم مفاتيح الشقق، فباعوا المفاتيح وتركوا البيوت فارغة وانتشروا في الشوارع.. يغنون ويرقصون ويتسولون..”

(شو هالحكي؟)

“لماذا تضحك يا رفيق؟”

– خذيني الى فندق البلقان واتركيني هناك مع الشيخ الغجري الفلسطيني!

إنه شاعرنا القومي؟ هل للغجر شاعر قومي؟

“لبلغاريا شاعرها!”

قالت الرفيقة نانا، وودعتني عند مدخل الفندق، ولما عانقت أبا سلمى لم يتسلل إلى أذني إلا شهقاته وطقطقة صرة المفاتيح التي حملتها موظفة جميلة وغابت في الردهات الطويلة.

تلة رضوان

رحلة البلقان كانت كالخرافات الموروثة، لا يحيكها سوى القضاء والقدر والمصادفات الجميلة، وفي صميمها إنسان تتقاذفه الأقدار، كهذا الشاعر العجوز الذي يحلم بالعودة إلى بيته ويصفه حجرًا حجرًا، ويسأل عن الدرج وعن غرفة “سعيد “وعن الحديقة ويعاتبنا لأننا لم نحرسها. وحين يبدأ رحلته يختار الأسطورة: “يُحكى عن راعٍ في تلة رضوان كان يغني لجواميسه ويعزف على الناي، أحب ابنة شيخ القبيلة وأحبته فبعث يطلب يدها.

غضب والدها على هذا الراعي “الوقح “الذي يجرؤ على مجرد التقدم اليه بطلب كهذا، فأمر بقطع أصابع يديه عقابًا له.. وكان هذا أقسى حكم ينزل على شاب ترقص أنامله الجواميس في المراعي.. في اليوم التالي رفضت الجواميس الخروج لأن الراعي لم يأتِ ولم يعزف.. وما كان من أهل القبيلة إلا أن قصوا أعواد القصب وركبوها في مكان الأصابع وعاد الراعي ليعزف على الناي فخرجت الجواميس إلى المراعي وتزوج ابنة الشيخ..

قال أبو سلمى أنه تأثر كثيرًا بهذه الحكاية وظلت ترافقه ومنها بدأ يكتب الشعر، كانت هي المفتاح للإلهام، مثلما كانت أصابع الراعي المقطعة المفتاح للموسيقى التي أطربت الجواميس، وهل هناك اقتحام لعالم روحانيّ أو ماديّ دون مفتاح؟

في عام النكبة فقدت عشرات ألوف المفاتيح، منها ما ظل في الأبواب المشرعة ومنها ما وقع على الطريق الوعرية أو في البحر، إذا لم يربط في الخاصرة، وها هم أصحابها ينتظرون أكثر من خمسين عامًا صابرين على فراقها مؤمنين “أن الصبر مفتاح الفرج” مستبدلين مفتاح البيت الحديدي بمفتاح الأمل الذي تبدد بعد أن قامت الجرافات وأخذت البيت والمفتاح.

ألبيت

مات أبو سلمى بعيدًا بعيدًا عن وطنه، بعد شهرين من لقائنا في البلقان.

مات في أمريكا ودفن في دمشق وترك المفتاح لابنه سعيد..

عدت إلى البيت في شارع البساتين، لأبحث عنه ولأسأله إن كان هو أيضًا يشتاق الى أهله مثلما يشتاق أهله له، وقد كنت أمّر يوميًا بجانبه ولا أراه، وربّما لأن معلمة المدنيات اليهودية قالت لنا: “العرب في حيفا هربوا خوفًا من البراميل التي دحرجناها في نزلة ستيلا مارس وعلى الدرج الذي يفصل بين حيفا من فوق وحيفا من تحت ففكروها طائرات ودبابات.. وتركوا بيوتهم وهربوا، ويقال ان امرأة حملت وسادة بدلا من ان تحمل رضيعها الذي نام في السرير.. وعندما دخلنا كان الطبيخ على النار.. “

عدت إلى حيفا بعد رحلة البلقان وذهبت إلى حنا نقارة، صديق أبي سلمى، وطلبت منه أن يأخذني إلى البيت.

وقع خطانا على السلم الخشبي لم يوقظ أهل البيت.

إنتظرنا أن يفتح أحد بابًا ويقول:تفضلوا!

كنا كمن يتحرك في كهف مهجور.

“هذه غرفة النوم”..

وضرب حنّا بكفه على جدار اهتز هزات خفيفة واختفى رجع الصدى، وفي عينيه علقت دمعتان.. أما السقوط على أرضية “الكوريدور” الخشبية وأما البقاء في عناق طويل مع الرموش الذابلة.

طرقنا على الباب.. لم يسمع صوت.

“ربما أنه مهجور”

طرقنا مرة اخرى.

“من هناك”؟

ردّت علينا امرأة كأننا أيقظناها من سبات عميق.

لم نعرف كيف نعرّف عن أنفسنا، ولو عرفنا لأثرنا خوفها في مدينة عندما يطرق غريب وصل بلا موعد على أبواب منازلها، فإما أن يكون حراميًا وإما أن يكون شرطيًا وكلاهما يثيران أشد أحاسيس الخوف.

“سلام عليك أيتها السيدة”

وجوم..

“هل تسكنين هنا منذ زمن بعيد؟ منذ عام1948؟”

عجوز في الستينات وقفت خلف بابها المشقوق وحدقت بنا حيرى ومرتبكة ونحن ألقينا بنظراتنا إلى باطن الغرفة.

“أسكن هنا منذ عام 1949”

أشار حنا إلى الغرفة الواسعة وقال، هذا هو الصالون.. كان يستقبلنا هنا.. وسألنا السيدة:

“هل تعرفين من كان يسكن الدار قبل مجيئك”؟

فأجابت السيدة:

“لا أعرف! عائلة بولونية.. قبلها سكنت عائلة ألمانية..”

قال حنا نقارة:

“هذا البيت لقريب لي توفّي قبل شهر.. نزح عنه قبل 32 عامًا..”

سألت السيدة:

“هل هو عربيّ؟”

إمرأة عجوز قدمت من رومانيا عندما كان صاحب هذا البيت يحمل المفتاح وقصائده ويركب قاربًا أبحر به بمحاذاة الشاطئ من حيفا، إلى عكا، إلى طرابلس..

“هل تعلمين أن صاحب هذا البيت هو شاعر فلسطيني كبير توفي قبل شهر؟ هل تعلمين أنه ظل يحتفظ بمفتاح البيت على أمل العودة؟”

حركت رأسها كأنها تقول: “مسكين هذا الشاعر!” ثم واصلت: “البيت قديم وقد طلبت من البلدية أن تعطيني بيتًا آخر، ولكن لا يوجد فلوس.. أسكن في غرفة واحدة، هنا مطبح وهنا حمام وهنا غرفة مسدودة بالباطون.. سدتها البلدية، إنها تدلف، جدرانها مشققة وشبابيكها محطمة..”

مد حنا يده وصافح السيدة العجوز. الدمعة التي تراخت على الرموش الذابلة انقسمت وتساقطت على خده. عدنا إلى السلم الخشبي، والكوريدور، وخرجنا من المدخل. هناك بيت فوزي بندر، كان وكيل شركة تأمين، وهذا بيت زكي التميمي، وهذا لحسين عبد الصمد، وهذا للدجاني وهذا للعنبتاوي، وهناك نصار الفرمشاني، وهذا بيت المحامي عيسى هزو.. هل حملوا مفاتيح بيوتهم التي بنيت من حجر وما زالت قائمة حتى اليوم؟

زنزانة

رهيبة صكصكة المفاتيح حين تجتمع وتتراقص على خاصرة راهب يمشي في دهليز إلى غرفة معتمة في الأديرة القديمة، أو حين تصطك في يد سجان تسمع وقع بسطاره عندما تكون منقبضا في زنزانة، وتعلو شيئا فشيئا إلى أن يتوقف، فتقف على رجليك لتصغي بترقب وتوتر إلى معركة حشر المفاتيح في الثقب الوحيد الذي يربطك بالعالم الخارجي، وعندما تسمع “طقة” وتتلوها أخرى اقوى منها تتنفس الصعداء لأن السجان يفتح الباب ويأمرك أن تخرج إلى أن يعيدك ثانية.

ليس بيني وبين المفاتيح علاقة عشق, وقد جاء مفتاح أبي سلمى ليحررني من حقد على المفاتيح كان اشتد في نفسي في ليلة من ليالي أيلول 1977.

في منتصف تلك الليلة حرقت كل سجائري، ولم يكن من عادتي أن لا أبقى سيجارة لقهوة الصباح، لكنني فعلتها في تلك الليلة، فتبين لي فيما بعد أن السيجارة في البيت كالحجاب يطرد “الوسواس الخناس” ويبعد الشياطين وأولاد الحرام وإلا كيف حدث أن في تلك الليلة وبعد أن أقفلت الباب واسترخيت على سريري وما كدت أغمض عيني حتى سمعت طرقا شديدا على الباب وهرجا ووقع خطى أيقظ طفليّ وزوجتي فقاموا مذعورين وأنا معهم، ولما فتحت الباب واذا بثلاثة رجال وأربعة وخمسة وعشرة تجمعوا في المدخل بلباس مدني وبوليسي وقال أولهم: “جئنا لنفتش البيت!”

وناولني ورقة لم أقرأها، ودخلوا بقوة وانتشروا في أركان البيت وفتشوا في المكتبة وفي الخزائن وفي الثلاجة وتحت الفراش، ووصل عددهم إلى أكثر من ثلاثين رجلاً ضاع بينهم طفلاي وهما يبكيان ولا يفهمان ما يدور في البيت. كان على طاولتي مفتاح كبير لبوابة قديمة ورثته عن جدي. حين كنت أتأمل فيه وأقرأه كان يعيدني إلى تلك الأيام وذلك الجيل وإلى الحالة الفلسطينية التي تجمعني بهذا الجيل المعذب، ويبدو أن ضابط العملية بذكائه المخابراتي الخارق أدرك عمق العلاقة بيني وبين هذا المفتاح فبدأ يحقق: “من أين لك هذا؟” وأمرني أن آخذه إلى البوابة الكبيرة، ولما أقنعته أن مثل هذه البوابات كان في زمن البيوت الحجرية الكبيرة التي هدمتها جرافاتهم، عندها سحبه بعصبية وقال: “سيكون شهادة ضدك”، وأمرني بأن أصعد الى السيارة واختفى المفتاح.

أمضيت ليلتين في زنزانة “الجلمة “ولم تكن المرة الأولى التيأعرف فيها السجن والزنزانة، ولكنها المرة الأولى التي شعرت فيها أن السيجارة تصبح في السجن وسيلة تعذيب. قلت للسجان: “أعطني سيجارة!” نظر إلي وابتسم ابتسامة خبيثة عبر الفتحة المربعة في وسط الباب وقال: “بعد قليل”، واصطكت مفاتيحه وغاب.. وكانت هذه “البعد قليل” ساعتين وأكثر عاد بعدها وفتح الطاقة وناولني سيجارة وقال: “نسيت علبة الكبريت, سأذهب لأحضرها بعد قليل”. وكانت “البعد قليل “الثانية أطول من سابقتها, وأدركت أن طقوس التعذيب قد بدأت… ولم أشعر بالانفراج إلا عندما كان السجان يفتح الباب ويقودني إلى غرفة التحقيق.

ثلاثة محققين كانوا هناك: طيب وشرير وبشع. ألطيب عرض علي سجائره والقهوة وكان مؤدبا وحاول اقناعي بأن أرتدع عن خطي السياسي المناهض للسلطة وعرض علي المال والوظيفة وحتى عضوية الكنيست. وفتح ملفا كبيرا وقال: “كل ما كتبته ونشرته وقلته محفوظ عندنا.. وهو مترجم حرفيا”.

قلت له: “أنا سعيد أن هناك من يهتم بما أكتب. وسعيد أكثر أن كتاباتي تترجم. حبذا لو تقومون بنشرها بلغتكم”.

أغاظه هذا الكلام “الصقع”, فهب من مكانه وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل عليّ الشرير وقال أنه يستطيع ان “يخرب بيتي” وأن “يجعل حياتي جحيما وأن الدولة التي انتصرت على مائتي مليون عربيّ لا تحسب حسابًا لواحد مثلي”.

قلت له: “أعرف أنكم اقوياء وأنا لا أتحدى دباباتكم”.

قال: “اذن ستظل مشاكسًا؟”

وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل البشع. شاب طويل وضخم ومفتول العضلات صار يبرم حولي ويلف ويدور وينظر إلي نظرات مرعبة, وقال: “من أنت؟ ماذا تساوي؟ أنت لا تساوي الرصاصة التي ستخترق دماغك. لا.. لن نخسر عليك رصاصة. نحن سنطلق سراحك. سنقول لك أنت حر, إذهب أينما شئت, وستركب سيارتك، وتسافر وفجأة تأتيك سيارة شحن كبيرة، سيمترلر،  وتدوس عليك كما يدوس الفيل على النملة، وبعدها ستركض زوجتك خلف شركة التأمين لتدفع التعويضات”

وتكررت هذه الجولة الثلاثية لمدة 48 ساعة. تعلمت منها درسا واحدا: أن لا أنام ليلة دون أن أترك سيجارة لقهوة الصباح.

أطل عليه..

وصرت أكره المفاتيح وصكصكتها. إلى أن كان ذلك اللقاء مع أبي سلمى في فندق البلقان في صوفيا. صار للمفتاح معنى آخر في حياتي. علمني مفتاحه أن ليلتي ويومي في سجن الجلمة كانت المفتاح إلى عالم من المواجهة ليس فيه تنازل ولا مساومة ولا التفاف على الحق.

“سنلتقي في حيفا”، قلت لأبي سلمى.

بعد شهرين رحل تاركا المفتاح وقد أُشبِعت قصائده الضائعة بملح البحر. بعد سنوات قليلة أَخلت العجوز الرومانية البيت، ربما انتقلت الى بيت آخر أو الى العالم الآخر. ظل البيت مهجورا لعدة سنوات أخرى. لم يقم أحد بزيارة البيت. مررت يوما من هناك، كانت الجرافات قد أنهت عملها، والبيت تحول الى ركام صارت الجرافات تحمله على شاحنة كبيرة وتطاير غبار كثير. لم يبقَ لبيتِ شاعرنا القومي أثر. هناك في حيفا، حي الألمانية ساحة كبيرة هي موقف سيارات أطل عليها من مكتبي في “معهد إميل توما”، فتأخذني بعيدا إلى فندق البلقان وإلى مفتاح على خاصرة شاعر لم يقدر على حماية قصائده فسقطت في البحر ولم نقدر على حماية بيته فمسحتها الجرافات.

1.

“التهَمتكَ المُدن”.. قال. سَحَب كرسيًا، وجلس عليه وسط الغرفة الضيّقة. أضافَ وهو يُشعل غليونَه بقدّاحة في شكل قلَم: “نحُلتَ كثيرًا. وجهُكَ شحبَ واستطال، والتماعةُ عينيكَ انطفأت. لكنّك صرتَ أجمل من قبل”. كنتُ أنظر إلى القدّاحة التي وضعها على الطاولة الصّغيرة التي كانت بيننا.

تناهى إليّ الصّوت الّذي أحدَثَته شفتاه وهو يرتشف القهوة، ثمّ ارتطام الفنجان بالصّحن. “أمّكَ تقولُ إنّكَ لم تزرها منذ فترة طويلة، وإنّها اشتاقت إليك، لكنّها لا تعرف أنّك تقيمُ في بيتٍ جميل يقع ف قلب المدينة”. في تلكَ اللحظة خطر ببالي أن أتخلّص منه، لكنّي لم أفعل ذلك، ليسَ إشفاقًا عليه، ولكن خوفًا من تلكَ الأحاسيس الموجعة التي تنتابني كلّما ارتكبتُ خطأ.

2.

كان هناك، أمامي. المسافة التي تفصل بيننا لا تتعدّى المترَ الواحد. جسدُه مكوّم على الكرسيّ، وقميصه مفتوح على صدرٍ منتفخ. كانَ يحدّثني بالطريقة نفسها التي كان يحدّثني بها قبل عشرة أعوام كما لو أنّه لم يتغيّر، كما لو أنّه لا يزال ذلك الطّفل الّذي أحببتُه خلال تلكَ السنوات البعيدة. حين خابَرني دعَوتُه فورًا. أملَيتُ عليه العنوان بوضوح. محطّة المترو، الشارع، الدائرة، رقم العمارة، الطابق. وصفتُ له المدخل وصفًا دقيقًا. قلتُ له إنّ البوّاب يشمّع الدرج دائمًا. وأوصيتُه بأن يمسك بالدرابزين حين يتسلّقه كي لا ينزلق. وها هو الآن أمامي. جسد ثقيل مكوّم على كرسي صغير. وها أنا أتساءل عن الأسباب التي دفعتني إلى دعوتِه، وأحاول أن أقنع نفسي المرتبكة بأنّ هناك شيئًا ما لا يزال يربطني به كي أخمد هذا الصّوت الداخليّ الذي يأمرني بطَردِه.

3.

انحنى على الطاولة، ومدّ رأسه الذي بدا لي آنذاك شبيهًا برأس سلحفاة باغتَها أحد. التقط القدّاحة، ودسّها في جيب بنطاله، ثمّ ارتشف القهوة من جديد فتناهى إلى سمعي مرّة ثانية صوت شفتيه. بعد لحظة تراجع بجذعه، وبدأ يتطلّع إليّ. “أمّك تقول إنّ أسنانك تأخّرت في البروز، وإنّ عمّك كان يردّد أنّك ستظلّ بلا أسنان”. أخرج الغليون من فمه، وضحك. انتبهتُ إلى أنّ قدمَه اليُمنى تكاد تلامس قدمي اليُسرى. فكّرت في دعسِها، ثمّ فيما يمكن أن يفعله لو دعستُها فعلاً.

4.

امتلأت الغرفة فجأة بضَوء الشّمس. نهضَت وأطفأت المصباح، ثمّ عدّت إلى مكاني. جالَ بنظره في الغرفة، ثمّ قال دون أن ينظر إليّ: “وهذه اللوحات هل هي حقيقيّة؟” قلت: “لا”. “لماذا علّقتها إذن؟”. قلت: “لأنّها أعجبتني”. شبك أصابعَ يديه، وصوّب إليّ نظرة قصيرة أدركتُ منها أنّه لم يقتنع بإجابتي. بعد صمتٍ طويل أشار إلى لوحة كبيرة وسألني بلهجة فيها شيء من التحدّي: “وهذه اللوحة، ماذا تعني؟”. مِلتُ قليلاً، وبدأتُ أنظر إليها متظاهرًا بالاهتمام، وبعد لحظة طويلة أجبتُه: “إنّها تعني أشياء كثيرة”. قلتُ له ذلك منزعجًا لأنّي لم أكن أعرف في الحقيقة ماذا تعني، ولم أحاول أبدًا أن أعرف ذلك. وبينما كنتُ أتمعّن فيها تساءلت للمرّة الأولى عن سبب إعجابي بها.

5.

غادرتُ الغرفة، ودخلتُ المطبخ. كنتُ متوترًا وكئيبًا. فتحتُ النافذة، وأخذتُ أنظر إلى السّطوح الرماديّة والحمام الرابض فوقها كي أخفّف من كآبتي. شاهدتُ خيطًا رقيقًا من دخان أسود يتصاعد من إحدى المداخن. ظللتُ أحدّق فيه إلى أن تلاشى. بين العمارات كانت هناك شجرة دلب وحيدة. رأيت طائرًا يحوم فوقها، ثمّ يحطّ على أحد أغصانها. قلتُ في نفسي: “هذا طائر آخر لا أعرف اسمه”. كان صغير الحجم، وكان منقاره قصيرًا. نظرتُ إليه طويلاً، ثمّ قرّرتُ أن أبحث عن اسمه في موسوعة الطّيور التي اشتريتُها منذ أن اكتشفت أنّ معرفتي بأجناسها ضعيفة.

6.

حين عُدتُ إلى الغرفة وجدتُه جالسًا على الكنبة. ابتسم ابتسامة عريضة فابتسمتُ بدَوري. كانت كآبتي قد تلاشت. جلستُ على كرسيّه، ومِلتُ برأسي كي أتجنّب ضوء الشّمس. أسند ظهره إلى مخدّة صغيرة، ومدّ ساقَيه، ثمّ وضع يديه على ركبتَيه. اختلستُ نظرة سريعة إلى ظفر خنصر يده اليمنى. كان طويلا وقذرًا. أعتقد أنه لاحظ ذلك، فقد رفع يده في تلك اللحظة، وبدأ يحكّ ذقنه.

تطلّعتُ إلى اللوحة التي أشار إليها منذ حين، وبدأت أبحث عما يمكن أن تعنيه. “أمك تقول إنها استلمت المبلغ الذي أرسلتُه لها، وإنها رمّمت القبر وطلَته بالكلس”. فاجأني كلامه فسألته: “وأي قبر؟”. أجاب وهو لا يزال يحكّ ذقنه: “قبر أبيك”. تذكرت عندئذ الرسالة التي أرسلَتها لي أمي قبل عدّة أشهر. رسالة طويلة مكتوبة بقَلم رصاص تنتقدني فيها بشدّة، وتلومني على إهمال قبر أبي. في تلك اللحظة شعرتُ برغبة قويّة في معرفة أخبارها. ولكنّني بدلاً من أن أسأله عن حالها بدأت أتخيّل وجهها.

7.

توارت الشمسُ بغتةً وراء غيوم داكنة. قال: “الطّقسُ متقلّبٌ هنا”. قلت: “نعم”. أضافَ وهو يحدّقُ في السّماء: “أعتقد أنّها ستُمطر”. قلت: “ربّما”. مضى وقتٌ طويل دون أن تقول شيئًا. تذكّرت أنّه كان يحبّ المطر والحلزون والسلاحف، وأنّه كان يسبحُ في المياه الآسنة وفي الوادي عندما يفيض. ثمّ بدأتُ أستعيدُ الماضي باحثًا عمّا يُساعدني على فهم ما حدث لنا فيما بعد. كنتُ مُعجبًا به، وكان يحبّني بصدقٍ. درسنا معًا. وعندما حصلتُ على البكالوريا التحقتُ بكليّة الطبّ لأنّني كنتُ أريدُ أم أكونَ جرّاحًا، لكنّني سُرعان ما تخلّيتُ عن الدّراسة، وتهتُ في العالم قبل أن أستقرّ صدفةً في هذه المدينة. أمّا هو فقد عُيّن مُعلّمًا، وبعد سنواتٍ بلغني أنّه أصبح مسؤولاً سياسيًا مهمًا في الغربة، وأنّه صارَ مولعًا بتربية الدواجن. وها هو الآن قبالتي ينظر إليّ بين وقت وآخر بعينين لا أستطيع تحديد لونهما. وها أنا أنبش في ذلك الماضي البعيد للعثور على شيء أستعين به على تحمّل هذا الجسد المكوّم أمامي.

8.

تململ قليلاً، ثمّ سحب ساقيه، واستوى في جلسته. وبينما كنتُ أبحث عن شيء أقوله له تثاءب، وحرّك ذراعيه، ثمّ اندفعَ واقفًا. وقفتُ بدَوري. لا أدري لماذا فعلتُ ذلك. فجأةً شعرتُ أنّه يجب أن أنهض. توجّه نحو رفّ جداريّ كُدّسَت عليه كتبٌ قديمة. رواياتٌ أغلبها لكتّاب أجانب، ومجموعات شعريّة، وموسوعات صغيرة سرقتها من مكتبة كنتُ أشتغل فيها.

مالَ على الرفّ وهو يدخل طرف قميصه تحت بنطلونه، ثمّ تناول كتابًا، وقرأ عنوانه بصوتٍ مرتفع، وأخذ يتصفّحه. دنوتُ منه، وقلتُ بلهجة متحمّسة: “رواية رائعة…” سألني عن موضوعها فرويتُ أحداثها بأسلوب مثير. أصغى في صمتٍ ثمّ قال وهو يعيد الكتاب إلى مكانه: “لا أحبّ روايات الحرب”.

9.

بدأ المطر ينزل. اقتربنا من النافذة، ورحنا ننظر إلى قطراته وهي تنزلق على زجاجها المغبر. بعد لحظة سألني: “هذا الحمام.. ألا يقترب من نافذت؟”. قلت: “أحيانًا”. أشعل غليونَه، وسحبَ منه نَفَسًا طويلاً. فجأة استدارَ نحوي وقالَ: “هل تريد أن ترسلَ شيئًا ما لأمّك؟”. سألته مستغربًا: “ستذهب الآن؟”. تفرّس في وجهي، ولم يقل شيئًا. تذكّرتُ خلال تلك اللحظة أنّه كان يحبّني بصدق، وأنّني كنتُ معجبًا به. خطر ببالي أن أدعوه إلى العشاء، ولكنّي لم أفعل ذلك خجَلاً. قلتُ وأنا أتجنّب نظرته: “لا شيء.. لا شيء”. ثمّ أضفتُ بلهجةٍ واثقة: “قل لها إنّني سأزورها قريبًا”.

رافقتُه إلى الباب، وتوادعنا. أعتقد أنّه تردّد في مصافحتي حين مدّدتُ له يدي. نزل الدّرج ببطء. عندما ابتعد انحنيتُ على الدرابزين، وأخذتُ أنظر إليه وهو يُدحرج جسده. وبعد لحظة قلتُ بصوت مرتفع: “لا تنس أنّ الدّرج مشمّع”. ظللتُ مُسَمّرًا في مكاني أنصتُ إلى وقع قدميه الثقيلتين على الخشب. وعندما غادر العمارة عدتُ إلى البيت، واستلقيتُ على الكنبة مقابل اللوحة اليت أشار إليها منذ حين، نظرتُ إليها طويلاً ثمّ تمتمتُ: “أكيد أنّها تعني شيئًا ما”.