اكتب القصص

.أجلب العالم إلى غرفتي

لم ينتبه إليّ حين اتجهت فور دخولي من الباب الواسع، صوب مكتب مراقب الدوام، لتسجيل ساعة وصولي إلى العمل.

وبالحركة الخفيفة الناعمة المتأنيّة التي قمت بها وأنا أزيح شالي المرقّط عن عنقي، لأضعه بجواري، فوق حقيبة يدي البنية الكبيرة، حيث يمدّ الكتاب جزءاً من غلافه. مركّزة في سجل التوقيع، أدوّن توقيت وصولي، بالساعة والدقيقة: الثامنة وثلاث وعشرين دقيقة. إذ يدي اليمنى تمسك بقلم التوقيع، واليسرى تسترخي فوق الشال المرقّط والحقيبة، خشية انزلاقها، كما يحدث غالباً، واندلاق محتوياتها.

لأنني مغرمة بالقراءة في كل مكان، فإنني أحشر كتابي حين أدخل مكاناً ما، أو أتوقف عن القراءة لأني أغادر مكانا آخر. أنسى الحقيبة مفتوحة، وغالباً ما آتي بحركة عشوائية، فتندلق محتويات حقيبتي.

“سبع دقائق وأغلق الدفتر”.

قال مراقب الدوام.

نظرت إلى ساعة يدي وأجبته:

” ولكن سبع دقائق هي زمن أيضاً. في دقيقة واحدة ممكن أن يتغير وجه العالم”.

لم أتوقع أن يستطيع أحد قراءة عنوان الكتاب المدوّن على الكعب الفاصل بين دفتي الكتاب، والذي يبدو من داخل الحقيبة المفتوحة، إلا إذا كان دقيق النظر ويعرف الكتاب جيداً.

من هذه اللحظة، من حركة يدي تزيح الشال المرقّط (جلد الحيّة)، ويدي التي تداعب من دون انتباه، غلاف الرواية التي في حقيبتي، من هذه اللحظة، ستبدأ أحداث هذه الرواية.

سحبت شالي المرقّط بلطف، ودسسته داخل الحقيبة، وهبطتُ في المصعد.

كان يراقب أزرار المصعد. بعد نصف ساعة تقريباً، أخذ المصعد، وهبط به إلى المستودع، حيث توقف بي، وحيث أعمل.

  منهمكة في تفريغ صناديق الخراطيم الجديدة التي وصلت المستودع ليلة البارحة في نهاية الدوام، ولم أتمكن من ترتيبها.

متسلقة السلّم الحديدي، أصعد وأهبط، لأرتب الخراطيم في الرف الثالث، سمعت صوت خطواته.

وقف أمامي بسيجارته، نظرت إليه وأنا أعلى السلم، وشعرت بدوار مفاجئ:

ـ التدخين ممنوع هنا، ألا تقرأ.

أشرت بإصبعي نحو لافتة كتب عليها: ممنوع التدخين، مواد قابلة للاشتعال.

كان المستودع محتشداً بالمواد المشتعلة، من بنزين وكيروسين. رمى سيجارته على الأرض ودهسها بحذائه.

قفزت على السلّم بحركة سريعة والتقطتُ عقب السيجارة، كاد السلّم يسقط فوقي:

-ما هذه الفوضى، الأرض نظيفة!

– هل نحن في مشفى؟

-قال ساخراً ثم أضاف:

-لكني لم أر أي منفضة

-قلت لك إن التدخين ممنوع!

وضعتُ عقب السيجارة في كيس القمامة، في الركن الصغير المفصول عن مكتبي بستارة سوداء، وعدت لأفتح صندوقاً جديداً من البضاعة وأرتّب محتوياته في الرفّ الثالث.

-أنت تعملين هنا؟

ـ-ماذا ترى؟

أجبته باقتضاب مستغربة وجوده أمامي. عادة لا يدخل هذا المكان سوى عمال نقل البضاعة من وإلى المستودع.

– وحدك؟

– أترى أحداً غيري؟

– لماذا تجيبين على السؤال بسؤال؟

– ولماذا تسأل بسذاجة؟

-ضايقتك؟

– لا أفهم ماذا تفعل هنا؟

-رأيتك فوق منذ قليل، أحببت أن أعرف طبيعة عملك.

– في المستودع، كما ترى، من أنت؟ ماذا تريد؟

– أيهمك؟

-أنت عندي، في مكان عملي، أنا مسؤولة عن هذه الأغراض.

-هل تتوقعين أن أسرقك؟

– لا ، لا تستطيع أن تفعل، كاميرات المراقبة مزروعة في كل مكان، تسجّل كل التفاصيل.

-أين يمكنني أن أدخّن؟

– نزلت هنا كي تدخن؟

– كلا، بل نزلت للتحدث إليك ، لكنك لا تكفين عن الحركة صعوداً وهبوطاً مع هذه الأكوام .

-هذه خراطيم. إنها بضاعة، وهذا عملي.

-ـ لا يهمني.

– لماذا تريد التحدث إليّ؟

– لا أعرف.

– هل تعرفني؟

-أريد أن أعرفك.

– أنت غريب.

– وأنتِ أيضاً.

– هل تظن أننا في مسرحية عبثية؟

– هل تحبين بيكيت؟

– كلا.

– تفضّلين أرنستو ساباتو.

هنا فقط، أمام هذه العبارة، توقفت عن الصعود والهبوط، ونظرت إليه. نظرت إليه للمرة الأولى، نظرت في عينيه، ولأول مرة في حياتي، أرتبكُ أمام عينيّ رجل.

– رأيت الكتاب؟

– كان داخل الحقيبة.

-لمحت العنوان؟

– من داخل الحقيبة.

-كان نصف الغلاف إلى الخارج.

-تعرف الكتاب؟

-أحب ساباتو كثيراً.

-ماذا تريد؟

-أن أدخّن.

– تصرّ على التدخين هنا؟

– نعم.

-ـ انظر( فتحت ذراعيّ مستعينة بهما) المكان مليء بالزيوت والشحوم القابلة للاشتعال.

– ألا يوجد ركن نستطيع أن ندخّن فيه بهدوء؟

– أنا لا أدخّن في العمل.

– أنا بحاجة إلى سيجارة.

نفضت يديّ من غبار الصناديق والخراطيم، مسحتهما بتنورتي، وطلبت منه اللحاق بي.

فتحت باباً يطلّ على فسحة مربّعة، تطل بدورها على أرض خالية.

-ـ هنا، تستطيع أن تدخن.

قبل أن أتركه وأدخل، أمسك بذراعي:

-ابقي معي.

-أشعر بالبرد هنا.

– لن أبقى وحدي.

– سأجلب معطفي.

دخلت أجلب المعطف، وأنا أشعر كما لو أنني أقوم بدور مسرحي. تنتابني هذه الحالة أحياناً. أشعر بأنني أفعل أشياء من خارج الواقع، أتصرف وكأنني نائمة، أو غائبة عني، لا أسيطر على سلوكي، وكأنني أستعير جسدي، بينما عقلي في مكان آخر. أتحدث إلى كائنات غير موجودة، أسمع أصواتاً تثرثر معي، تهمس لي. لا وقت أمامي الآن للتفكير، مضطرة للتصرف وفق ما يجب، وسأفكر لاحقاً، بمن يكون هذا الرجل، من أين أتى، وهل هو واقعي حقاً، هل أطفأ سيجارته في أرضية المخزن؟ عليّ أن أسرع إليه الآن، قبل أن تنتهي سيجارته، وأضطر لانتظاره، ليشعل واحدة أخرى، وينهيها من جديد.

-أنت زبون في هذه الشركة؟

-كلا

-تعمل في الشركة؟

-كلا.

-ماذا تفعل هنا إذن؟

– ظروف جاءت بي، أشرحها لك فيما بعد.

-أنت لا تعمل في السيارات إذن؟

-كلا، أنا محامٍ.

-مهنة جيدة.

-ربما.

-ألا تحبها؟

-ليس كثيراً، وأنت، أتحبين مهنتك هنا؟

-هذه ليست مهنتي!

-كيف؟

-إنه عمل لكسب العيش، وليس العمل الذي أحب.

-وما هو العمل الذي تحبين؟

للمرة الثانية، نظرت إليه، نظرت في عينيه، وللمرة الثانية ارتبكتُ أمام نظرته، أنا التي لم أرتبك يوماً أمام عينيّ رجل. مددت يدي نحوه مطالبة بسيجارة، فهذا هو الحديث الأغلى إلى روحي، الآن ، أحتاج سيجارة.

ناولني سيجارة دون استغراب، كأنه يتوقع كل ما أقوم به، كأنه يعرفني ـ أهذا جزء من النص المعدّ مسبقا؟ أشعل لي السيجارة، مقترباً مني، أنفاسه ترتطم بأنفاسي، تحوّل قلبي بغتة إلى عصفور يرتجف بين ضلوعي. قلت بثقة وقوة، وأنا أنفخ الدخان من صدري:

-الكتابة!

-تريدين أن تكتبي؟

-لو أُتيح لي أن أختار المهنة التي أحبها لاخترت الكتابة.

-أي نوع من الكتابة؟

-الرواية!

– لهذا تقرأين ساباتو؟

أخذت نفسا جديدا من السيجارة، اقتربت منه، أسندت رأسي إلى الجدار على مقربة منه، أكاد ألتصق به، كأنني أهمس له ، قلت:

-أشعر أحياناً وكأنني خارجة من كتاب.

لم يبتسم ولم تبدُ عليه أمارات الدهشة:

– يحدث هذا أحياناً.

-أيحدث لك؟

– كلا، ولكنني سمعت عن أشخاص حدث هذا معهم.

-أنا لم أسمع أو أقرأ عن هذا.

أطفأ سيجارته سحقاً في الجدار، متسائلاً برأسه، أين يستطيع أن يرميه؟ التقطت عقب السيجارة من بين إبهامه وسبابته، مست أصابعي أصابعه الأنيقة، وطوحتُ بالعقب في الهواء.

-أنا أشبه عقب السيجارة هذا.

-قلت للتو إنك خارجة من كتاب.العقب الذي رميته لا أهمية له.

-والشخص الخارج من الكتاب أيضاً، له أهمية؟

-بالتأكيد.

برمت شفتي ولم أرد.

-هل أستطيع دعوتك إلى فنجان قهوة في مكان ما؟

– لا أخرج مع الغرباء.

-ـ لكنني لست غريباً!

– كيف؟

-ألم نتحدث للتو؟

-أهذا يكفي؟

-يكفي لاحتساء فنجان قهوة.

-أشعر بالبرد، هل ندخل؟

دخلت. تركت معطفي عليّ. سألتني وأجبت بسرعة “لا، ليس خيالاً”، ثم وجدتني أفكر” لكن الوقت ضيق أمامي، ما دمت داخل الحدث، لن أستطيع أن أحدد ما إذا كان حقيقة أو خيالاً”.

-هه،هيا بنا؟

-لم أوافق.

-حسناً، اسمعي، لنفترض أنك كما تقولين، شخصية روائية، خرجت من كتاب، لماذا لا نناقش المسألة وفق منطق روائي؟

أعجبني كلامه، هززت رأسي متسائلة.

-نخرج معاً، نتناول القهوة في مكان ما، نثرثر، كما الآن، ثم تعودين إلى هنا، تماماً كما لو أنك خرجت من الرواية إلى الحياة، أو عدتِ من الحياة إلى الرواية.

لم أتمكن من مناقشة المسألة طويلاً برأسي، يتحدث كما أفكر، وفق منطقي ذاته، ما الفرق بين الكتاب والواقع ، بين القصة المدونة، والشفهية للتي نحياها، ومن يقرر إذا لم يكن ما نحياه هو رواية أيضاً؟ إنه يداعب أفكاري ذاتها.

-هل لديك نقود؟

-كثير.

– حسناً، أنا لا أملك المال، أخرج معك، شريطة أن تعيدني إلى هنا.

– موافق.

– اسبقني، سأتصل برئيسة المستودع لأستأذن منها، لدينا ساعة واحدة فقط.

-حسناً، ساعة روائية تكفي.

ضحكت وأضفت:

-عيش روائي لساعة من الزمن.

٭٭٭

لا أعتقد بأننا احتسينا فنجانين من القهوة، لأن حالة الارتباك العيشي والشك الوجودي أصبحت أكثر كثافة. بدأت أشعر بخفة وزني، كأنني ريشة أكاد ألامس الأرض، وانتابتني رغبة كبيرة في الضحك.

أصبح وجودي بحد ذاته غائماً أمامي. من أنا؟ ماذا يحصل؟

تنتابني هذه الحالة في لحظات معينة، سأشرحها لاحقاً. ولكن ما الذي شربته للتو حتى صرت ميالة للإحساس أنني كائن غير واقعي، وأن كل ما يحدث الآن لا يحدث بالفعل. وأنني ربما متُّ منذ سنوات، وأتخيلني شخصية روائية -لساباتو غالباً- صدقت عيشي وتمددت في وجودي.

ولأن الأحداث تمر حولي، وساباتو الذي أفترض أنه صنعني غير موجود أمامي، أو أنني لا أراه، بسبب غياب المؤلف، فأنا مضطرة لتحمل ثقل وجودي الحالي، مهما كانت درجة شكي به، إلا أنه، قد يكون حقيقياً، وعليّ أن أتعامل مع ما حولي ببعض المنطق الواقعي، لا الروائي.

إلا أنني، رغم محاولاتي عدم الضحك مثلاً، والتماسك كي لا أسقط، أو أُسقط معي شيئاً مما حولي، الطاولة، أو إبريق الماء، أو المزهرية. فإنني لم أتمكن من التخلص من حالة اللامبالاة التي منحت جسدي خفة غامضة.

لنفرض أنني كائن روائي، فأنا أتصرف إذن وفقاً لإرادة الكاتب أو الكاتبة، ولن تفلح كل جهودي في التحكم في سلوكي. وإن لم أكن كائناً افتراضياً، فإنني وحالتي ما هي عليه، ما من منفذ أمامي للتصرف بعقلانية. كل ما عليّ فعله، هو الحذر، كي لا أسقط على الأرض، وأُعرّض نفسي لسخرية الآخرين.

-ماذا شربنا؟

-كونياك.

-فقط؟

-نعم، أنتِ طلبت قهوة مع الكونياك.

-أحسّ ببعض الدوار.

-تريدين أن نغادر؟

-أين نذهب؟

-تدخلين الكتاب.

قال وهو ينهض مبتسماً، فانفجرت غاضبة:

-أتسخر مني؟

-أعتذر.

قالها على نحو جدّيّ وقاطع لا يقبل الجدل. أجبته ببعض العدوانية:

-لا تكررها ثانية.

نهضت خلفه دون أن يخطر ببالي سؤاله أين نذهب. كنت بحاجة للذهاب إلى مكان آخر، أي مكان، غير هذا المكان.

في المصعد ( لا أذكر أننا أخذنا المصعد ونحن قادمين)، أسندت رأسي إلى كتفه.

– أنت سكرانة؟

لم أجب.

توقف المصعد بنا، لفّ ذراعه خلف ظهري ليسندني، وأدخلني في سيارة ، قهقهت قائلة، وقد تجشأت رائحة الكونياك:

-أهذا باب الرواية؟

ابتسم بطريقة فاتنة، تنبهت إلى أنه وسيم للغاية. كنت قد شعرت بهذا من قبل، لكنني لم أتوقف عند الأمر، لم أنتبه، الآن أحسست كثيراً بوسامته، أهو السُّكر اللعين الذي يشوِّش مخيلتي، ألهذا ارتبكت وأنا أنظر في عينيه في المرة الأولى؟

-أين نذهب؟

-من فضلك، لا تطرح عليّ أسئلة منطقية، لست في حال تسمح لي بالتركيز، أنا الآن في مكان آخر.

أشعل صديقي سيجارة، انتبهت إلى أنني لا أعرف اسمه. رغبت في سؤاله عن اسمه، إلا أن هاتفه المحمول قطع  رغبتي في السؤال.لا أعرف ماذا قال، فقد أجرى محادثة باللغة الإنجليزية التي لا أحبها، ولا أجيدها كثيراً، وحين أقفل الهاتف، كنت قد نسيت سؤالي.

جلست على أريكة مذهّبة. ثمة أشخاص كثيرون حولي، لا أعرف أين أنا، من جاء بي إلى هذا المكان، تركني، أو نسيني.

الأمر الذي خشيته دوماً، الخوف الذي رافقني مراراً، هو أن أضيّعني.

كيف أشرح هذا؟

لا أقصد الضياع الرمزي أو الفكري، بل المادي، أن لا أستطيع أن أذهب بي، أحملني، آخذني. أف، لا أستطيع وصف هذا، حين أجرب الكلام عنه، يتحول إلى شيء آخر.

ثمة حالات تنتاب أحدنا، لا تستطيع اللغة تقديمها، بل إن اللغة، تشوِّهها. أف. سأحاول أن أشرح كيف أضيّعني.

حين يحصل ازدحام في الطريق، أو يفقد الناس بعضهم الآخر، أُطمئِن نفسي:” أنا معي، لا شيء مخيف”، كوني معي، يطمئنني إلى أنني سأتصرف بطريقة سليمة وصحيحة. ولكني سرعان ما أتساءل: “ولكن من هذا الأنا الذي يرافقني وأثق به؟”. أعرف أن هذا كلام صعب الفهم، لأنه صعب الشرح، ربما يشعر به البعض، وبأوجه مختلفة، لكن التعبير عنه بالكلمات صعب.

المهم هو أنني معي، لا مع أحد آخر. ماذا يحدث مثلاً، لو كنت في طائرة، أو باص، أو باخرة، ووقع حادث كَوني معي، سأنقذني، ولكنني لو كنت في مكان آخر غيري، فاحتمال نجاتي أقل بكثير.

لا أعرف كيف أشرح هذا،لا يهم، لا يهم.

أين أنا الآن؟ وكيف عليّ أن أكون معي لأساعدني؟ يجب أن أنهض، أتحرك، أسمح لهذه الأنا التي تسكنني بفعل ما، بدلاً من التسمّر جالسة وكأنني دونها!

لمحته من بعيد، الوسيم الذي كلما رغبت في سؤاله عن اسمه، حدث أمر ما، ونسيت السؤال.

كان يراقص صبية جميلة للغاية. يحتضنها بشغف، يتبادل معها الحديث والضحك، يهمس في أذنها، تضحك بدلع. صبية حسناء إلى حد استفزّني.

نهضت متّجهة نحوه، إنه الشخص الوحيد الذي تعرفت إليه في هذا المكان الذي وجدتني فيه فجأة.

– كيف تجدين نفسك الآن؟

سألني، فهززت رأسي دون جواب، لأن الكلام في هذا الضجيج ، يعني أن عليّ الصراخ.أحسّ بالأمر وقال:

-هل نذهب؟

كما لو أنه أنقذني من مأزق، ابتسمت له، يبدو أنني لست في المكان الصحيح، ولكن ترى أين سيذهب بي؟

– سأجلب معطفي.

ما إن شممت هواء الشارع النقي، حتى تخففت من الضجيج الذي كان يحفر في رأسي.

– أين نذهب، سألته؟

نظر إلى الساعة :

-تأخر الوقت، أوصلك إلى المنزل؟

-كم الساعة؟

-التاسعة.

– مساءً؟

ضحك مقهقهاً.

– نعم، مساء.

-اعتدت على العودة في الثامنة مساء.

لا أعرف كيف تذكرت هذا بغتة؟

– هل من مشكلة؟

– لا أظن.

كما لو أنني كنت غارقة في الماء، أو أنني أرى الأشياء من خلف حاجز، بدأت تنقشع الرؤية في رأسي، وبدأت أفكاري تتوضح أمامي، وتذكرت أين أسكن، وأنني ربما لست شخصية روائية، لأن العمارة التي أوقف الشاب الوسيم سيارته أمام مدخلها، كانت تحمل الرقم 6 ، كما قلت له من قبل وأنا أدله على عنوان سكني.

– أنزل معك؟

– نعم، من فضلك.

ترجّلنا من السيارة، دخل معي باب العمارة. مدّ يده مصافحاً معتذراً إن كان قد سبب لي أيّ إزعاج.

تركت يده الممدودة نحوي وتشبثت بعنقه واشتبكت معه بقبلة طويلة.

كنت أشم رائحة النبيذ من شفتيه، ولكنه بدا كأنه لم يعانقني، ولم يقبلني، كما لو أنني كنت أمسك بشخص من فراغ.

 

1

” لم أكتب كلمة منذ عام (…) لقد حاولتُ الكتابة. كل يوم أجلس أمام الآلة الكاتبة، ولكن لا يمكنني البدء”. جي. دي. سالينجر.

“ما المخرج إذا لم يستطع أن يمارس الإخراج؟ إنه عامل عرض أفلام بدون فلم، أو كطاحونة بلا ذرة. إنه لا شيء. نكرة”. مجهول.

“حتى في أحسن الأيام، لم أتمكّن من كتابة ما يزيد على صفحة أو اثنتين. يبدو أنني مبتلى أو ملعون بإخفاق ذهني، ما يمنعني من التركيز على ما أقوم به”. بول أوستر.

سالنجر. مجهولٌ. أوستر. لا تدعوا الأسماء تخيفكم. قرأتُ هذه الاعترافات أكثر من مرة. إنها مجرد وخز شوكة. أسألكم: ما وخزُ الشوكة أمام حديد مُحمّى تُكوى به جباهكم وجُنوبكم؟

عامان ونصف. فلأقل ثلاثة أعوام، لم أجد خلالها الكلمات. تبخّرت فجأة. كتابة جملة من فعل وفاعل ومفعول به باتت جهدا خارقا وغير محمود العواقب. للأسف لم يكن لي حظّ أرتورو بانديني لأجد محرّرا عظيما إسمه هاكموث أراسله شاكيًا: “يا إلهي! سيد هاكموث، لديّ مشكلة، فقدتُ الحيوية وقدرتي على الكتابة. هل تظن يا سيد هاكموث أنّ للطقس هنا علاقة بالأمر؟ أرجوك انصحني. انصحني أرجوك”. فيجيبني هذا الأخير مطَمْئنا: “هوّن عليك. أخرج وتعرّف إلى الحياة. لا يمكن للكلمات أن تهجرك إلى الأبد. نصيحة أخيرة: لا تجهد بصرك. تذكر ما حصل لكل من تاريكنجتون وجيمس جويس”.

أطول حصار من العزم. أطول حصار في التاريخ. أطولُ حتى من حصار لينينغراد. أحبّ شكل هذه الجملة بالروسية . Блокада Ленинграда.  والنتيجة؟ لا شيء. لن أخوض في أسباب هذا العجز الذي سأحمل آثاره داخلي إلى الأبد. أمّا عن جسدي، فالبصمة لم يعد من سبيل لإخفائها. عينان غائرتان، ونظرة بعيدة، أقرب إلى نظرة شيطان يتعذب وسط قهقهات حشد من الملائكة.

خلال كل هذه المدة، شاهدت أفلاما كثيرة، وقرأت كتبا أكثر. نمت كدبّ القطب، دون أمل في أيّ شيء. الشِعر الذي ألبسني تاج الذهب ألقيت به في التراب.

أقرأ فتزداد نباهتي. حساسيّتي تجاه الكلمات، وفطنتي التي لا مراء فيها تزداد اتساعا، فيما الكلمات تزداد ابتعادا. بمجرّد أن أضع يدي على لوحة الحروف، ترفع آذانها الطويلة كآذان الأرانب، قبل أن تفرّ مذعورة لتختبئ في حقل الكتابة. ثم لا يكون شيء، ما عدا حركة الأعشاب اليابسة.

أترك الطاولة. أقف عند النافذة التي تفتح على الجبل. لكنّ حركة الأعشاب تظل مسموعة. أندسّ في الفراش، فتندسّ الحركة معي. أعشاب كئيبة وطويلة، مثل أقواس كمنجات المآتم، تتحرّك بلطف أسود، كما لو أنها تهنّئ نفسها على وفرة الماء والغذاء في تربتي الغنية بالكوابيس.

عيناي تغوران، ونظرتي تزداد بعدا. يوما بعد آخر تصبح أكثر شبهًا بنظرة فان غوغ. أجل. فانسنت فان غوغ الذي تعرفونه. أقول هذا حقيقة لا مجازا. أرعبتني نظرتي. الغضب الذي يجيش في صدري أرعبني. لكنني لم أخف. صدّقوني، لم يحدث طوال هذه المدة أن خفت ولو مرة. تعرفون ما الذي فعلَته حركة الأعشاب هذه بفان غوغ. ذهبت بعقله. تعرفون ما الذي فعلته بهيمنغواي. تحمّل إلى حين، قبل أن يفجّر رأسه ببندقية الصيد. صدّقوني، حتى مع صورة دماغه الذي تجلّط على حائط المطبخ كمعجون السفرجل، لم أشعر بذرة واحدة من الخوف. لا أقصد أن أبدو متبجحا، ولكنها الحقيقة. ليس مقارنة بهما فقط، وإنما بالجميع، قدرتي على التحمل لا تقارن. جرّبتها في أكثر من مناسبة. في الثكنة العسكرية، أيام الجندية، أطحت بالجميع، جنودا ومدرِّبين. حين تنكمش الرئات جميعها وتزرقّ الوجوه من الإعياء، كانت هناك رئة واحدة تظلّ تعمل. رئة واحدة تظل تتنفس مرتاحة. وحين يتوقف الجميع، شخص واحد كان يتابع الركض على طول مضمار الثكنة. قلتُ لا أقصد أن أكون متبجحا، ولكن أظنّكم تعرفون من هو صاحب الرئة.

لم أعرف أبدا مصدر هذه القوة العضليّة. ولكنني عرفت أنها لا بد وأن تكون مصدر كل قوة أخرى، روحيّةٍ أو عاطفيةٍ. أمّا كيف أحوّل ما هو عضليّ فائقٌ إلى مناعة روحيّة وسيكولوجيّة، وخلاصٍ شِعريٍّ وجماليّ، فهذا هو اللغز الذي كان عليّ أن أحُلّه.

ثلاث سنوات في مدينة غريبة، في بيت من غرفتين ضيّقتين وحمّام مساحة مترين مربّعين، وما يشبه ممرّا لقطع التذاكر يُفترض أنه مطبخ. كرسيّ واحد وطاولة للأكل والقراءة. تلفاز. آلة كاتبة من طراز (Olivetti) . أريكتان بنّيّتان. سرير مزدوج. نافذة طوليّة تفتح على شرفة تفتح على الجبل. نافذة عرْضيّة تفتح على الغابة. مزهريّتان. لوحتان زيتيّتان. إطاران من البرونز الفاخر مشغولان بصورة أبي وأمّي. مكتبتان طوليّتان مثبّتتان في غرفة الجلوس. تحتهما كتبٌ فوق مسند من الخشب. كتبٌ على الأرض. مكتبة في غرفة النوم. ثم لا شيء. لااااا شيء، عدا صوت يتجوّل بين الغرف، صوتٍ يشبه حركة الأعشاب اليابسة في حقل مات أهله جميعا.

في كلّ هذا، كان ثمة ما يشعرني بالفخر. حتى وأنا أركب الميترو مجهولا وسط ناس مجهولين. حتى وأنا أشرب القهوة في بيفاتات عمّال السكك وفي مطاعم الموظفين الصغار بتاج الشوك الذي حلّ مكان تاج الذهب فوق رأسي، كان ثمة ما يشعرني بالفخر.

إنه ما لا يفسَّر. فلأقل إنّ لديّ تقديرا لنفسي هو ما أنقذني طوال هذه المدة. حتى عندما بلغ الماء ربلتيْ ساقيّ كنت واثقا أنني سأخرج بالمركب من العاصفة. تقديري لنفسي منعني أن أفلت الدفة حتى والمياه تبلغ خصري الرجّولي مقاس 40. حتى وهي تغمرني إلى فمي، وعيناي فقط تبحلقان في سقف القمرة بقيتُ أمسك بها ساحبًا بأنفي هواء المحيطات.

في اليابسة، في صخب الحانات، الجميع تناقلوا خبر غرق المركب وهلاك القبطان، حتى أنّ أقداحا كثيرة قُرعت بهذه المناسبة وأنخابا فوّارة شُربت وسط عناقات وتربيتات على الأكتاف.

القبطان الذي انقطعت أخباره حتى نساه الجميع صار “هو”، حرًّا وسط المياه ومستقلاّ. وفيما “هو” يصارع الأمواج وحده، كنت “أنا” أتابع دورة الحياة الرتيبة نفسها:  أشرب، أقرأ، أنام، أستيقظ، أتبوّل، أستحمّ، أركب الميترو، أعمل، أغادر. كلّ شيء كان ساكنا، إلى أن سمعتُ صوت المحرّك وهو يهدر من جديد، وجملةَ السيد المسيح التي أحبّها تدوّي في سكون البيت: “لقد كان مجهولا عندما كان حيّا”.

“أبكي بدموع ساخنة”.

نمت عيناي مبلولتان، وبينما جفناي يرتخيان كان “أنا” و “هو” يغوصان في بعضهما بلطف ساق الوردة  وهي تغوص في التربة. وشيئا فشيئا، ذلك الزمن الذي فرّقنا تلاشى مخلّفا خطّا رغويًّا كالذي يخلّفه مرور السُفن.

الشمس تشرق.

استيقظت وأنا تحت ثقل الشعور بأنّ حقلا مغناطيسيا يستمرّ في سحبي نحو اليابسة. في لحظةٍ ما لم أعد واثقا ممّا إذا كنتُ في الغرفة أم في عرض المحيط، إن كنتُ “أنا” أم “هو”.

يُتعبني المركب وهو يُسحبُ.

أستمرّ في التقلب تحت أغطية خفيفة وأنا أفكّر في أنّ ساعات نومي الطويلة لم تكن تخلو من العزم. أفكّر في الورقة البيضاء التي أذلّتني خلال هذه السنوات الثلاث، كيف يمكن أن أُخرج المشقّة التي فيها إلى العلن، وإن كان على نحو من يُفرغ بالسطل مركبًا تسرّبت إليه المياه.

نقلُ هذا الجهد إلى الكلمات، ومن ثمّ تحويله إلى صورة من صور الفكر، هو ما دفعني إلى التذرع بالصمت.

وهو  نفسه ما يدفعني الآن للاعتراف بأنّ الأسلوب الذي لا يُمليه عليك وضعك سينتهي عاجلا أم آجلا.

 

18

عند الساعة الواحدة بعد الظهر تقريبا. كانت الريح تدحرج علبة جعة منهوبة الروح في الشارع المقفر. سكون كبير يصل قوس بَابْ بْحَرْ ببرج الساعة 1 العملاقة عند تقاطع شارع محمد الخامس وشارع الحبيب بورڤيبة. العاصمة الخالية يشوش سكونَها معتوهُها الشهير؛ رجل من ظنون يطوف بالساعة طوافه الأخير، قبل أن يأخذ في إبعاد النّاس وتحذيرهم من سمّ العقارب العالية، ثم يبدأ في رجم أعدائه بالحجارة والحديد والبيوت والأشجار والغربان والتيوس. أشياء لا يراها إلا هو، يتوهّم أنه يلتقطها من القاعدة الرخامية لساعة الفولاذ المتبرّجة كعاهر في آخر سنوات النضال. نسي الناس أيام الخطف والرعب. لم يختف رجل واحد منذ سنة أو أكثر. كان الناس ينعمون بقيلولة شهر أغسطس المقدّسة. الحرارة تعدّت الخمسين درجة وشيطان منتصف النّهار يفلي عانته من بقايا لذّة هاربة.

فجأة ذبحت أصوات سيارات الإسعاف والشرطة القيلولة النائمة فهرع الجميع ببقايا نعاسهم أو ما تيبّس عليهم من منيّهم إلى شارع الشوارع. كان الحدث هناك، عند الساعة الشاهقة. أحزمة من الشرطة تسيّج المكان. رجال « التدخّل السّريع » يختفون وراء خوذاتهم الباردة، يدفعون بعصيّهم المتفرّجين الذين هطلت بهم أبواق السيارات من كل مكان. بشرٌ بلا عدد يرفعون رؤوسهم إلى قمة السّاعة القاسية. كائن صغير بحجم الإصبع، يتراءى للجميع من بعيد، يتسلّق بسرعة الصرصور الساعة أمام دهشتهم ليعلن القيامة.

    اشرأبت الأعناق نحو المتسلّق الجسور الذي انتهى إلى رأس السّاعة مُمسكا بأحد عقاربها. سحب من جيبه الخلفي قارورة. شرب ثم أفرغ ما تبقّى منها على فروة رأسه. استل حزامه الجلدي وثبّت به نفسه إلى حلقات الحديد والتفت نحو الحشود التي تكاثرت تحته مثل النّمل. حاصرتها الشّرطة المتوتّرة، ركض أعوانها في كل اتّجاه يكلّمون أجهزة اللاسلكي ويطلبون بإشارات عصبية من الرّجل العالي أن ينزل من الممنوع. بينما كان هو يغمغم بكلام تتمزّق أحشاؤه في الأجواء فلا يصل منه إلاّ فتات كبعر الأكباش. تشي حركة يده اليسرى، التي يلوّح بها يمينا وشمالا، أنه يرفض النزول. أخذت الشرطة تدفع الناس المتحلّقين مثل الخنافس حول الساعة، تحاول منع التصوير وإخراس الأصوات والهواتف المحمولة المرفوعة نحو عقارب الساعة. حركة المرور شُلّت ومحركات السيارات تنبض مثل عروق عدّاء المائة متر على خط الانطلاق.

أمرٌ خطير ما كان يحدث، فلم يجرؤ أحد على الاقتراب من الساعة منذ سنتين بعدما سقط منها أحد مشجّعي كرة القدم فرحا بفوز فريقه بكأس الجمهورية. يومها، تحوّلت مياه تلك النافورة التي تضخّ مياه الزينة تحت الساعة إلى بركة حمراء. منذ ذلك المساء أصبحت الساعة تخضع لحراسة مشدّدة، وهي التي تحتلّ موقعا خطيرا في قلب العاصمة، زيادة على ما يرويه عنها المعتوه أحيانا.

ازداد الزّحام وانتعشت الصفوف الأمامية بالسيّاح الذين تدفّقوا من الشواطئ ومن الفنادق القريبة. خفتت عصيّ أعوان الشرطة قليلا لكن توتّرهم ازداد. كانوا يركضون في كل مكان يسيّجون الأرصفة ويوسّعون من المنطقة المحظورة بينما الرّجل متمسّك بلسان العقرب في أعلى الساعة مثل وزغة.

قبل سنوات كان ينتصب في مكان هذه الساعة تمثال أخضر لبورڤيبة على حصان يرفع إحدى قدميه الأماميتين في وجوه الناظرين إلى السماء. قيل إنّه يرفعها في وجه ابن خلدون الذي زُرع تمثاله مثل الكابوس قبالته، وبطلب منه. بعد الإطاحة بحكم الراكب اقتلع التّمثال ونبتت مكانه ساعة عملاقة بجذع إسمنتي بارد، سرعان ما توالد لها صغار في كل مدينة وفي كل قرية. بينما طُوردت تماثيل الزعيم في كل أرض.

استبدلت السّاعة بأخرى سويسرية أو إنجليزية أو أمريكية، أخبار متضاربة حول جنسية الساعة الجديدة وجذعها البرونزي المزيّن على طريقة الرقش العربي. كلام بلا دليل ولا برهان عن ساعة مجهولة النسب غُرست في قلب المدينة اللاهية بأبنائها. لا أثر للزعيم الذي تمّ ترحيل تمثاله إلى “حلق الوادي” ليظل ينظر إلى البحر المرّ.

ظل الرّجل العنكبوت يتجوّل فوق المحظور مستعينا بحزامه الذي ينقله من جانب إلى آخر مثل متسلّق جبال محترف. وتحته العالم مُرْتبكا. اشتد الزحام بعد أن خرج الموظفون من مكاتبهم. مضت ساعة كاملة والشرطة تأكل عصيّها، عاجزة عن إقناع رجل السّاعة بالنّزول. في الزّحام كانت تجري أمور غربية. نشطت السّرقة ونشل الهواتف المحمولة والعقود من جيود النساء وامتدت الأيادي إلى النهود المشدوهة والعجيزات المنسيّة.

الصّعود إلى أعلى الساعة جرم كبير ومعصية لا تُغتفر وما حدث يومها مسألة تمسّ الأمن، والشرطة في مأزق. كيف يمكن أن تسيطر على الأمر والفضيحة تحدثُ أمام الجميع: أهال وأجانب والبلاد في عزّ الموسم السياحي؟

يكاد الضابط يأكل وجه شرطي مهزوم وهو يسأله للمرة الألف: “كيف وصل ولد القحبة إلى هناك؟ أين كنتم يا بهايم؟ كيف تركتموه يقترب من السّاعة ويتسلّقها أيضا؟ “

في الجانب الآخر انقضّ شرطي على سائح وانتزع منه آلة التّصوير التي صوّبها نحو السّاعة. اجتثّ الشرطي البطارية منها وأعادها له في عصبيّة محذّرا إياه من استعمالها مجدّدا. هكذا صارت المنطقة المسيّجة منطقة أمنية محظورة.

بدأت الحشود تتململ من تصرّفات أعوان الشّرطة الذين جعلوا بينهم وبين موقع الحدث مسافة كبيرة. ازداد تذمّرهم عندما شاهدوا رجل السّاعة يلوّح بيده موجّها خطابه نحو رئيس فرقة التدخّل السّريع. فهموا أنّه يطلب ماءا فقد أخذ يلوّح بالقارورة الفارغة في الهواء. جاءت قارورة الماء. صعد بها شرطي إلى أعلى السلّم الداخلي للسّاعة. رمى إليه بالحبل الذي عُلّقت به القارورة. اختطف الحبل آمرا الشرطي بالرجوع من حيث أتى بعد أن همّ بمفاوضته.

لم يُسمع شيء من حواره مع الشرطي. فقد كان الناس مشغولين بما يهذي به أحد الشبّان، صاح فيهم: « إنّهم ينقلون الأحداث في التلفزيون وصوت الرّجل مسموع. انظروا لقد وصلتني رسالة هاتفيّة قصيرة تعلن الخبر مع رقم تردّد القناة».

سحبوا هواتفهم. كانت الرّسالة قد وصلتهم جميعا في نفس الوقت. ازداد أعوان الشرطة اضطرابا وبدؤوا يبحثون بينهم كالمجانين عن شيء ما. وصلت فرقة أخرى انشغلت بالبحث في البنايات المقابلة والمجاورة عن مكان البثّ وعن الكاميرا التي تصوّر الحدث.

هرول البعض إلى بيوتهم بينما ظل الجمهور يتكاثر حتى ضاقت به أرصفة الشوارع وفاضت به الطّرق.

2

’’ وأردتني عبدًا يباع ويشترى

وأردتني يأسًا يعيش بلا ددِ‘‘ 1

***

كانت المسافة بين الطابق والطابق شهورًا وأعوامًا، أحيانًا يزدحم المصعد، وأحيانا يسكنه الخواء، ربما مرّ أمامي أناس هابطون، في مصعد آخر، الجميع يحاول الصعود، أو إقناع نفسه بأنه قد صعد فعلا. أصابتني نوبات ضحك حين رأيت بالأسفل من مكاني المرتفع، الصكوك الزائفة في أيدي المهاويس. الكارثة أنهم لا يدركون وجود المصاعد من الأساس، وجوه كثيرة جدا، كلٌ يبحث عما يرتضيه فقط، دائما تتغير الموجودات، والبشر، وتبقى الصكوك واحدة. رأيتهم يتقاتلون، كل منهم يقاتل الآخر من أجل أن يرضى بما ارتضاه هو! الكل بدا عليه أنه ارتضى بمصادفة وهمه الخاص، بل ويقاتل من أجله. كيف لهؤلاء أن يصنعوه؛ فيكدحون إليه! تملأني القهقهات عندما ألمح مريدين لمُمسكي الصكوك الزائفة، يحسبون أنهم سيصعدون عبرهم وعلى طريقتهم. عبثًا.. ما هذا الجنون؟!

– بعضٌ منك لا يزال هناك. قالها رفيقي الذي ظهر للتو وهو يشير إلى أسفل، يبدو أنني تجاوزت المنطقة المحظورة!

– ربما كنت أنت الذي لست هنا.

ارتكن إلى الجدار المعدني خلفه، نظرة بعمق السنين انحفرت في عينيه.

– أنا هنا قبل أن يكون الزمن.. والمكان.

– جعلوه فانجعل يا صديقي. لماذا الأسود؟

وكأنه انتبه الآن فقط لملابسه السوداء، نظر إليّ، عيناه تفكران! لم يرد، ولكن نظرته فعلت، إنه التحدي… الغِل.

– ألم أقل لك مجعولا. قلتها هازئا.

زادت سرعة المصعد.. بل إنه تلاشى متعديا سرعة الضوء، انسحقتْ خلاياي، لفّني الجنون، والعدم. وسكن كل شيء.. لم يعد هناك صمتٌ للصمت فأصفه وأحكيه.

أضاء الرقم (6) جليًّا أمامنا، تأملته قليلًا، فانفجرتُ بالضحكات، كاد أن يتميز من الغيظِ، زدتُ من ضحكاتي متعمّدًا:

– بقي واحدٌ.

تقدَّم نحوي ببطءٍ، ثبّت كينونته في نظرة تجاهي:

– هذا لن يكون وأنا معك.

سألتُ غير مكترثٍ.. وساخرًا:

– تراك إن تقدمتَ، احترقت؟

– كيف فاته أن يتركك ومن مثلك؟

– فاتته أشياء كثيرة يا عزيزي.. هلمّ اذهب عن حواسي. فذهبَ.

لم يتحرك المصعد، إنما ارتسم أمامي الرقم (7) فجأة، وانفتح الباب، فتقدمتُ.

هنا سِدرة منتهاي.

***

في اللا مكان يكون البراح باتساع اللا أفق، الأبيض في كل شيء، لا نهاية للرخام الأبيض.. والأعمدة، مع أنها بلا عمد! الأبيض هنا له صيرورة؛ كان فسار فصار. يحملني.. يسري بي إلى ما كنت أعرف أني حتما ملاقيه.

مكتب بيضاوي بحجم خرافي، مكتبة عملاقة باتساع ما ورائه، هائلة الحجم والمظهر، تضم فقط أربعة كتب! هنا رأيت الجالس خلف المكتب.. مستوٍ على كرسيه، وكان يبتسم.

هو أيضا كل ما فيه أبيض، ملامحه تخلق انفعالات متجسدة، سكناته تعطي الصفات.. ولا تحيط به صفات. اقتربتُ، فكنت قاب قوسين أو أدنى.

– إذن.. أنت هنا.

قلت: أولم تكن تعرف!

– معرفتي للفعل لا تجبر أحدًا على أن يفعله.

لم أصغ، أعدت تأمل المكان، فلم أستطع الفرار منه بنظراتي، عدت إلى ملامحه صاغرا. تمالكت نفسي:

– ألا توجد هنا كتب غير هذه، ألديك كتاب عن لينكولن؟

ارتسم الغضب على وجهه، فكسا التحدي كلماتي:

– قد أتى بما لم تأت به أنت، ألغى عبودية البشر.

– لا تختبر غضبي.

– أه طبعا.. سأصمت عن التساؤل كي لا أُساء. قلتها ساخرًا. تأملت عقارب ساعتي، وجدتها تعمل بكفاءة. تشاغلت بها:

– هذه الساعة تعمل بكفاءة تامة مذ عشر سنوات، صنعها صانعها بمهارة، ولم يعد مشغول بمسيرها، هي تعمل وحدها وكفى، كنت أحسبها لن تعمل هنا. لكن الحقيقة أن الوقت يمر ولا يبالي.

– جئتني طالبا، فاطلب أستجيب لك.

– قد فعلت من قبل.. كثيرا، نسبة ما يتحقق مما أريد ضئيلة وثابتة لا تتغير، سواء كنت أطلب منك أو لا أطلب. والعجيب حقا أن النتيجة واحدة حتى لو تضرعت إلى وسادتي. قد وجدت أني لا بُد أن أفعل، لا أطلب.

تجمدت ملامحه على نظرة غاضبة مفزعة وثبت أمامي بلا حراك.

تراءى إلى عيني حاجز زجاجي، يلف المكان، تبدو من خلفه السحب.. البراح، ظهر لعيني خلفه، أناس يحلقون، يتوحدون مع السحب، مبتهجون. نظرت إلى عينيه بعمق، ورجوت داخل نفسي أن يعرف أمنيتي بأن أحلق بالخارج بعيدا عنه.. مع المحلقين.

2

طاولة بدعامة حديدية تجاور السرير، رزمة من الكتب النقدية و الفلسفية، روايتان ومضخم صوت يحتلان أحد أركانها، يتوسط الحاسوب الطاولة أين فُتح على إحدى القنوات الوثائقية.

كتَبَ في خانة البحث كلمتَين، “خارج النص”، فتبادرَ إلى ذهني مباشرة سؤال كيف يمكن أن نكون خارج النص؟ أو كيف للكاتب أن يكون خارج نصّه؟

تناسيت الأسئلة وأنا أتابع سهم الفأرة على الشاشة. أختار عنوانا من أرشيف البرنامج وأنقر عليه مرّتين، ففُتحت نافذة فيديو لا تتجاوز مدّته خمسًا وعشرين دقيقة. كان موضوع الحلقة حول كتاب الهويات القاتلة لأمين معلوف.

متكئةً على ذراعه بينما يده الأخرى تداعب شعري، صببت جلّ انتباهي على حلقة البرنامج. كان الموضوع شيقًا جدًا حدّ أنني لم أحرك ساكنًا إلى أن انتهت الحلقة.

 “من أين لك بهذه التحفة؟”سألته مثل طفلٍ عثر لتوّه على منبع لا نهائي من الحكايات. “البرنامج موجود من فترة طويلة على اليوتيوب”، أجاب بنبرة العارف الذكيّ.

أخذني البرنامج، الموسيقى، طريقة التقديم، موضوع الحلقة وخاصة العنوان. لم أتفطن إلا ليده وهي تسحبني من بطني. أحب هذه الحركة، تشعرني بالأمان والاحتواء وأنا التي أعيش غربتي من زمن.

 “من فترة طويلة لم أشعر بهذا الإشباع المعرفيّ، لقد تركت فيّ  الحلقة أثرًا والكثير من الأسئلة”، قلت وأنا أقرأ عناوين بقيّة الحلقات.

 “تعالَي حتى أترك عليك أثري وألج نصّك”، قالها وهو يحاول تحريري من قميصي القطنيّ.

***

أغلق الحاسوب ثم وضعه في حقيبته السوداء. كثيرا ما كان يحملها على كتفه الأيسر وهو في طريقه إلى الجامعة. وضع الكرسي أمام الخزانة وسحب من فوقها حقيبة سفر صغيرة الحجم  يستعملها عادةً عند تنقله من مدينة إلى أخرى لإلقاء محاضرة أو المشاركة في ندوة.

وضع حقيبة الحاسوب السوداء داخل الأخرى وأقفلها مستعملا قفلا حديديًا. صحيح أنه صغير الحجم لكنّه يفي بالغرض. هذه المرة لا يمكنها الفرار، فقد حجزها داخل حقيبتين. كان هذا آخر الحلول التي لجأ اليها بعد أن فشلت سابقاتها.

اعتقدتُ في بادئ الأمر أنه نسي ذكر اسمه لكن الأمر أصبح أكثر من غياب اسم، فقد اختفت الأوصاف ثم الأفعال. فَبَعد كل ليلة يترك فيها الحاسوب يستيقظ في الغد ليجد جُملا ناقصة من نصّه. استغرب ما حدث لكن الأمر أصبح محيرًا أكثرـ خاصة عندما يجد فراغاتٍ بيضاءَ مكانَ الكلمات التي اختفت.

قرّر في البداية إغلاقَ حاسوبه فكثيرا ما كان ينساه مفتوحا إلى أن ينطفئ لوحده. لكن الأمر لم ينجح، فما زالت الكلماتُ والجمل تطير من نصّه مخلّفةً البياض مكانها. حاول بطرق مختلفة إلا أنه كان يفشل في كلّ مرة، والليلة قرّر أن يقفل على حاسوبه داخل حقيبتين علّه ينجح في إبقاء الكلمات في مكانها. 

لم يغمض له جفن وهو يراقب الحقيبة الموضوعة قبالته بجانب الحائط. قرر أن لا ينام حتى الصباح. ظلّ يدخن ويشرب القهوة تلو الأخرى إلى أن لاحت له من خلال النافذة خيوط الفجر الاولى. اتكأ على السرير محاولا أن لا يشيح بنظره عن الحقيبة، لكنّ النعاس قد أخذ منه مأخذًا، فلم يفق إلا على صوت المنبه وهو يزعق معلنًا الثامنة صباحًا.

قفز إلى الحقيبة الأولى، فتحها بقوة جاعلا القفل يطير في الهواء ثم الثانية، وضع الحاسوب أرضًا، تطلب الأمر دقيقتين ونصف الدقيقة أو اكثر بقليل، لفتحه، ثم بنقرتين ظهر النص أمامه. أمسك برأسه بحركة عصبيّة وهو يصرخ “كيف يمكن لهذا أن يحدث، كيف كيف؟”

كان النص شبه فارغ فاغلب الفقرات يكسوها البياض مثل رأس كردي غزاه الشيب، فجأة لكن المفاجأة التي جعلته يصرخ هو ما كتب بالخط العريض في أسفل الورقة:

“لقد مللت احتجازك لي، أغادر نصك هذه المرة بإرادتي، أنا الآن حرّ، أنا خارج النص”.

***

وضعَت الظرف فوق الطاولة بجانب سريرها بشكل يمكنُ رؤيته بسهولة، ثم أفرغت كلّ ما في القنينة من حبوب في حفنتها وبحركة واحدة رمتها كلّها في فمها و ألحقت بها جرعة من الماء.

تدحرجت الحبيبات البيضاء داخل بلعومها بشكل منتظم وكأنها قد نظمت في خيط رفيع إلى أن وصلت إلى فتحة المعدة فتوقّفت الحبة الأولى بشكل مفاجئ جعل من الأخريات يتصادمن وراءها ويتكدسن فوق بعضهن. تساءلن عن سَبب هذا التوقف المفاجئ فصاحت الأولى برعب قائلة بأنها تخاف الأماكن السحيقة والمعدة تبدو من فوق كثقب أسود مستعد لالتهام وطحن كل شيء.

أحست بشيء يسد آخر البلعوم فأخذت الكأس من جديد وعبأت منه جرعة ثانية أكبر من الأولى، تعالت صيحات الحبيبات وهن يشاهدن الموجة العملاقة تقترب منهن لتحملهن بقوة إلي جوف المعدة. تناثرت الحبات وارتطمت على جدار المعدة مفتتة العقد الذي نظمن فيه كحبات لؤلؤ يمنيّ.

بحركة جميلة، أسدلت شعرها على الوسادة ثم أراحت خدها أولا وبالتدريج بقية رأسها. أرادت التأكد أن وضعية رقبتها مريحة. لن يمرّ وقتٌ طويل حتى يأخذها النعاس، نعاسٌ أبديٌّ تغادر فيه الحياة  بهدوء دون ضوضاء، موت رومانسي يداعب أجفانها ثم يسري إلى بقية جسدها فتتخدر أعضاؤها تدريجيا إلى أن يصل الخدر إلى القلب فيتوقف عن النبض بهدوء.

 ” ذاهبة أنا إلى الاعلى إلى المؤلف الأول لأخبره انني لم أجدني يومًا في نصّه وأنّ عليه في المرة المقبلة أن يرسله على شكل إيميلات، فالكلّ يمتلك الانترنت ولن يحتاج الى وسيط يعبث بنصّه في كلّ مرة”.

 

6

 

1

حين رأى “الحاج صالح” الطائر في واجهة إحدى محلات بيع الطيور في المدينة العتيقة، خفق قلبه بشدّة، واستعاد بسرعة شريط ذاكرته الممزّقة: لا شكّ أنه هو، ببّغاء يمينة. اقترب الشيخ من محلّ بيع الطيور، كان هناك شابّ قصير القامة، يلقّن عصفورا صغيراً الغناء، ألقى عليه الحاج صالح التحيّة، فرحّب به الشابّ، وهو لا يزال يصفّر للعصفور الصغير: تفضل حاج. دقّق الشيخ نظره في الببّغاء الرماديّ الضخم: نعم إنّه هو، بذيله الأحمر الطويل، وطوق النّحاس في ساقه، نعم إنه ببغاء يمينة.
عرف الحاج صالح يمينة في ماخور باب الغربي منذ منتصف التسعينات، كانت أيامها هي شابة في الثلاثينات تشتغل هناك، وكان هو في آخر كهولته لكنه لا يزال يشتعل فحولة، وكان يزور الماخور مرة في الأسبوع، فتتجاذبه القحاب وهنّ يضحكن، فكان يقضي وطره مع واحدة منهنّ، ويخرج مسرعاً، وفي إحدى زياراته جذبته يمينة بغمزتها التي تشبه ومضة البرق وبرائحة عطرها القوية، لم تتعامل معه كمجرّد زبون عادي، أشعلته بأنفاسها الحارة وأيقظت داخله العاشق الذي نام منذ نصف قرن، حين عشق ابنة عمه لمياء، وخطفها منه أخوه الأكبر “سيدي” كما كان يناديه، وحين أصبح جاهزا ليكوّن عائلة كما قال له والده أيامها، وجد نفسه مع امرأة لا يحبّها، أنجبت له قبيلة من المتخلفين ذهنياّ، وامتلأت بالدّهون مثل أنثى الكركدن، لذلك هجرها وأصبح حريفا كريما في ماخور باب الغربي. منذ عرف الحاج صالح يمينة أصبحت عشيقته التي يختزل فيها النساء جميعهن، حتى بعد عودته من الحجّ لم يصبر على زيارتها، بعد ذلك صار يلتقي بها في شقتها التي تكتريها في إحدى العمارات في ترو كديرو، وكان يقاوم صعود الدرجات إلى الطابق الثالث، مفضلا ذلك على ضحك القحاب منه داخل الماخور، ونظرات الناس إليه وهو يخرج متسللا من الماخور.

2

أعاد الشابّ ترحيبه بالشيخ: تفضل حاج
يزيد فضلك عيش ولدي.
الحاج صالح لا يفقه شيئا من تربية الطيور، لكنه تاجر خبير، ويجيد المقايضة، فحوّل نظره عن ببّغاء يمينة، وأشار نحو ببغاء أخضر صغير: كم ثمن هذا؟
الزوج بمائة دينار يا حاج. هو ببغاء كويكر، وهو باهظ الثمن، لكن الكساد بعد الثورة اضطرّنا للبيع بالخسارة.
أشار الحاج لأنواع كثيرة من الطيور، وحين تأكّد من ضجر الشاب بائع الطيور منه، أدرك أنّ الفرصة حانت لاقتناص غايته، فنظر نحو ببغاء يمينة وسأل الشابّ ببرود:

ـ وهذا العجوز الرماديّ كم ثمنه؟
ـ هذا لا يناسبك يا حاج؟
ـ لأنه عجوز مثلي هههه
ـ لا لا إنه بذيء 
ـ ما معنى ذلك؟ 
ـ لقد باعه لي شابّ سلفيّ، قال إنه فشل في تلقينه كلام اللّٰه والدعاء الصالح، وقد ضاق صدره من الكلام البذيء الذي كان يردّده الببغاء، ولولا تدخّل زوجته التي استعطفته أن يطلق الطائر في سبيل حاله، لدقّ عنقه. في الأخير فكّر في بيعه، وعرضه عليّ، وأنا اشتريته وندمت، فهو يسبّب لي الكثير من الحرج مع الزبائن، خاصة مع السيدات.
ـ طيب، سأشتريه أنا منك
ـ لكن يا حاج..  
ـ لا أريد كلمة “لكن”. سنتفق في ثمنه، وسألقّنه في بيتي كلام الله ووصايا السلف الصالح. قل كم تطلب ثمنا له؟.
ـ هو لك إذا، هو ببغاء رمادي إفريقي ذو ذيل أحمر، هذا النوع نادر وباهظ الثمن، صدّقني لو يلحظه أحد السائحين الإنجليز أو الألمان سيدفع مقابله ثمن سيارة، لكن أنت تعرف حال البلاد بعد الثورة الكلبة.
ـ ما رأيك في خمسين دينارا ثمنا له؟، هذا كلّ ما أملكه. 
اتفقنا. قالها الشابّ بلهفة، وهو يمدّ يده نحو الببغاء، ليخرجه من القفص.

3

أول مرة رأى فيها الحاج صالح الببغاء الرمادي كانت في شقة يمينة في زيارته الثانية لها، هو يتذكّر جيدا ذلك اليوم، حين نزع برنسه وألقاه على فوتاي في ركن صالة الجلوس الصغيرة التي كانت تستقبله فيها يمينة، وقبل أن يجلس سمع صوتا قويا يأتي من جهة المطبخ يقول: يا ولد القحبة. فقام مذعورا، بينما كانت يمينة تتقلّب على الفوتاي من الضحك. من هذا يا ابنة الق…..؟ قال الحاج وهو يلتفت جهة الصوت الذي عاد قويا هذه المرة: يا ولد الق….. ظنّ الحاج صالح أنّ يمينة أوقعته في فخ للضحك منه، وهمّ بالتقاط برنسه ومغادرة شقتها، غير أنها قفزت إلى المطبخ وعادت وهي تضع الببغاء على كتفها. نظر الحاج إلى الطائر الغريب وهو يمسك بطرف سوتيانها من جهة نهدها الأيسر، بينما ذيله الأحمر الطويل يهبط على زندها، نظرت يمينة إلى ببغائها، وقالت: رحّب بضيفنا، فصرخ: يا ولد الق……قال الحاج: ترحيب جميل يليق بالضيف. فضحكت يمينة، قال الحاج: ابعدي هذا الشيطان عن كتفك. قالت: أحسست بالغيرة. ضحك الحاج صالح وهو ينحني ليجلس على الفوتاي، كان هذا ما أحسّ به تلك اللحظة: الغيرة على حبيبته الشابة من ببّغاء رماديّ عجوز. ولتغيظه أكثر، كانت تزمّ شفتيها وتقرّبهما من الببّغاء فيفتح منقاره المعقّف مخرجا لسانه الرقيق ويقبّلها، فيصرخ الحاج: يا ولد الق……، وتضحك يمينة حتى تدمع عيناها.

4

سار “الحاج صالح” نازلا من المدينة العتيقة، متوجها نحو كورنيش بوجعفر، بينما الببغاء كان ملتصقا بمعصم يده اليمنى، مختبئا تحت البرنس. قال الشيخ مخاطبا الطائر: يا ولد الق….. أصبحنا غريبين معا، تركتنا يمينة وغابت، ليتك كنت حماما زاجلا فتأخذنا الآن إليها، لكنك لم تتعلم سوى الكلمات البذيئة، ماذا يفيدنا الآن لسانك السليط؟. أحسّ الحاج صالح أنّ الببغاء يعاتبه، ويقول له: وأنت ماذا فعلت حين رجتك يمينة أن تتزوجها وتريحها من العذاب الذي كانت تلاقيه في ماخور باب الغربي بعد الثورة، ألم تلتصق بك وهي ترتعش من الذعر، وتتوسل إليك باكية أن تنقذها، ألم تحدثك عن السلفيين الذين حاصروهم مرة بالخناجر والسيوف، وهدّدوهم بالحرق، وحدّثتك عن الشابّ الملتحي الذي اقترب منها يوما، ودعاها أن تعلن توبتها ويتزوّجها، ثمّ يذهبان للجهاد معاً في سوريا؟. ألم يحدث كلّ هذا، وأنت واقف أمامها ببرنسك مثل تمثال ابن خلدون؟ تكلم يا ولد الق….. ألا تستحقّ أن تُسيّج بالأسلاك وتقف قبالتك دبابة عسكرية ويلقي عليك الحمام المذعور من صوت لاكريموجان فضلاته مثلما يحدث الآن مع تمثال ابن خلدون.
أحسّ الحاج صالح بدموعه تفيض على خديه، وتبلل لحيته البيضاء القصيرة، كان لحظتها قد بلغ شاطئ البحر، الوقت منتصف النهار في يوم جمعة من ديسمبر الحزين، شعر برغبة في البكاء، وأراد أن يكون بكاءه إلى اللّٰه، مسح بيده اليسرى على رأس الببغاء، وقال: لنذهب الآن ونصلّي الجمعة معا.

5

وصل الحاج صالح الجامع، وقد تخفّف قليلا من حزنه، جلس آخر المصلين الذين تقرفصوا قبالة محراب إمامهم، سكنته أحاسيس متناقضة لم يسيطر عليها، رغبته في البكاء في بيت اللّٰه، حقده على البغال الملتحين حوله بعطورهم الثقيلة وقمصانهم التي تُظهر مؤخراتهم التي تذكّره بزوجته التي هجرها منذ سنوات. لا شكّ أنّ أحدهم هو الذي سرق منه حبيبته. صعد الإمام إلى محرابه، وبدأ يخطب في المتقرفصين أمامه، قال: نحن أمّة كرّمها اللّٰه بالإسلام….لحظتها أخرج الببّغاء رأسه من تحت برنس الحاج، وأطلق صوتاً حادّا: يا ولد القحبة. تململ المتقرفصون وهم يهمهمون وامتقع وجه الإمام، وشعر الحاج صالح بالحرج وهو يحاول السيطرة على الببغاء. قال الإمام وهو يضرب بعصاه على خشب المحراب: من لغى فلا جمعة لهْ. قالها بنبرة حادة، فردّد البوق المثبّت في صومعة الجامع صدى جملته: لهْ لهْ لهْ لهْ… قال الإمام: نحن الأمّة الوحيدة التي سيشفع لها نبيها يوم القيامة، وستدخل الجنة بفضله…. وما كاد يكمل جملته، حتى أخرج الببغاء رأسه من تحت البرنس الذي يلفّه، وصرخ: يا ولد القحبة. تململ المتقرفصون بمؤخراتهم الكبيرة وهم يحاولون التلفّت ولا يقدرون، وكان الإمام يضرب بعصاه على خشب المحراب: من لغى فلا جمعة لهْ. والبوق المثبّت في صومعة الجامع يردّد خلفه: لهْ لهْ لهْ لهْ… أثار المشهد ضحكة في أعماق الحاج صالح، خلّصته من حرجه، وبرّدت حقده على الذين عذبوا حبيبته وسرقوها منه، أحسّ أنّ الببغاء ينتقم لصاحبته، فمدّ إليه يده تحت البرنس ماسحاً على منقاره، كأنّه يشجّعه على التكلّم. أصبح الأمر سجالا بين الإمام والببغاء. تستطيع القول إنها صلاة كوميدية اختصرها الإمام بأدعية قصيرة بعد خطبة الجمعة، وبسورتين قصيرتين من القرآن الإخلاص والكوثر، قبل أن يسلّم على الملائكة، ويلتفت جهة الصوت قائلا: الرجاء عدم السماح بدخول الصبيان مستقبلا. أحسّ الحاج صالح بنشوة المنتصر، وهو يخرج من الجامع، متأبّطا ببغاءه البطل، الشيء الوحيد الذي لطّخ انتصاره هذا، أنّه لم يتجرّأ هو ويقول للمتقرفصين أمامه: يا أولاد الق ….

6

منذ سنوات، كان الحاج صالح يعيش وحيدا، في بيته الريفيّ قرب مدينة سوسة، بعد أن هجر زوجته، وألّبت عليه أولاده التيوس كما يسمّيهم، فترك لهم كلّ الحوانيت التي يملكها في المدينة، وسكن بيته في حقل الزيتون، مكتفيا بما يصله من كراء دكّان له في المدينة العتيقة، وما تجود به شجرات الزيتون، عموما كانت حياته جميلة وهادئة لا تعكّرها كوابيس الشيخوخة، كان يأكل جيدا، ويتعامل بكرم مع سواق التاكسيات الذين يوصلوه إلى بيته، ومع المرأة التي تطبخ له وتنظف بيته وهي زوجة جاره الفقير، فهو لم يكن يبخل عليها أبدا بشراء الكتب المدرسية لأطفالها والتكفّل بملبسهم ومأكلهم حين تتعسّر سبل والدهم في إيجاد عمل، كان الحاج نهرا يغذّي جداول كثيرة وكانت يمينة هي النبع الذي يكوّنه، ويملؤه بالحنان وحبّ الناس، وحين غابت، جفّت أحاسيس الشيخ الرقيقة، وغلظت طباعه، وأصبح منعزلا ولامباليا بمن حوله، أصبح قبرا يتحرّك ببطء، وينمو فوقه شوك كثيف، لا أحد يفكّر أن يربّت عليه، حتى زوجة جاره يئست من الإلحاح عليه بترك مفاتيح البيت لها، لتنظف غرفه وتطبخ له شيئا يدفئ أمعاءه. حين وصل الحاج صالح ببغاء إلى بيته ومعه ببّغاء يمينة، أحسّ أنه مقصّر في حقّ طائر حبيبته، فالبيت الذي نسجت العنكبوت شباكها في زواياه واختنق برائحة الرطوبة الثقيلة، لم يكن لائقا بساكن البيت الجديد، رأى الحاج صالح في الببغاء رسالة تركتها له يمينة قبل اختفائها، بل إنه كان جزءا منها، لذلك اجتهد في الاهتمام به، وفتح بيته لزوجة جاره حتى تهتمّ به كما تفعل، عاد النهر العجوز إلى جريانه، وفي ليالي الشتاء الطويلة كان الحاج صالح يسامر الببغاء، ويحدثه عن يمينة، ويستمع معه لأغاني فريد الأطرش الحزينة، فيتخفف من إحساس شوقه الحارق إلى حبيبته، وكان يطعم الببغاء الفواكه التي تحبها يمينة، وحين يتذكر جلاّديها، كان يأخذ معه الببغاء إلى الجامع، المكان الوحيد الذي يشتمهم فيه، ولا يقدرون على الرّدّ عليه.

3

يخالُ الناظر إلى الصّورة الكبيرة المُعلقة على حائط الصالون الواسع أنّ فيها خللا ما. هو خلل لا يستطيعُ تحديده من النظرة الأولى، وربّما ليس من الثانية، ثمّ لا حرجَ عليه إن أدام النظرَ إليها، فهذه الصور الكبيرة وإطارها المختار بعناية علّقت هناك كي ينظر الجميع إليها ويُدقّق في تفاصيلها الثابتة. لكنّ هذه الصّورة ليست كصور الزّفاف الصخريّة الصّامدة التي تطلّ منها وجوه مبتسمة ونظرات متعلّقة ببعضها أو بالمدى المُمتد أمامها. هي صورة قديمة وربّما باهتة قليلا، النظرات ليست عاديّة، أو ربّما لعبة النظرات ليست مألوفة.

وتوقّفت الصورة عند تلك اللحظة، جمعتها كلّها بوضوح وبساطة. عريس جامد الملامح ينظرُ إلى الفراغ أمامهُ، وعروسٌ تنظرُ إلى يمينها الذي يظهر منه طرف خشبيّ ضخم لشيء يشبه الخزانة. هكذا يتمّ تعليب الزّمن دون مراعاة تاريخ انتهاء الصّلاحيّة، ومعه نحفظ في الإطار بعض القناعات الخفيّة وبعض الرضا أيضا لأيّام نسأل فيها: هل حقّا مضتْ عشرون سنة؟ ثلاثون؟

المرآة المعلّقة في غرفة النوم بما تحملهُ من ندوب بشعة على سطحها تُطيح بأكذوبة الصّور والزّمن المعلّب. أمامها تُحصي العروس القديمة التجاعيد الجديدة وتنعى النضارة الزّائلة ثمَّ تُربّت على كتف القناعة والرضا قبل أن تنتهي صلاحيّتهما.

القناعة أنّها تزوّجت مقابل ثروة حضاريّة على شكل خزانة خشب عملاقة. هي القناعة الّتي أورثتها الرضا، وكلاهما كانا كفيليْن أن تعيش. لا تعرف إلى متى يعود تاريخ هذه الخزانة، ولكنّها كانت سببا في حياة زوجيّة هادئة لجيلين أو ثلاثة من النساء تنتهي بحماتها. وتبدأ بها جيلا رابعا.

هذه تزوجت مقابل عشر أساور ذهب، وتلك مقابل غرفة واسعة أنيقة في بيت حماتها، وأخرى ضرّة مدلّلة على زوجة عاقر. 

ووردة تزوّجت مقابل خزانة خشب تلمُّ بين دفّتيها المتينتيْن فرشات صوفٍ سميكة.

كانت عروسا نضرة حين سمعت إحداهن من وراء الحائط تقول للأخرى بينما كانت هي تنشر غسيلها :

ماردٌ من خشب يطغى على حضور عروسيْن في صورة زفافٍ تقليديّة. وقفا بجانبه يُرتّبان نظراتهما ووقفتهما المرتبكة.

كانت تكن له تقديرا عظيما، لذلك العملاق الخشبيّ. أمّا زوجها فكانت مطمئنّة أنّها تقوم بواجبها اتّجاهه زوجة مطيعة ومدبّرة، ولا مجال للمقارنة بينهما. الغلبة للأوّل، ولولا شموخه في غرفة الصالون الواسعة لخالطها شعور بأنّها سيقت إلى بيت الزوجيّة كنعجة عجفاء. حافظت عليه كما تحافظ على كرامتها. مجوهراتها القليلة باعتها كلّها، ملابسها لم تعد تحتفظ إلا ببعض قطع لم تتلف ولم تتلاشى رائحة الذاكرة فيها.

إلا الخزانة! حرصت على الاعتناء بها كواحد من أولادها الأربعة. طقوس تنظيفها وترميم أطرافها التي تخدشها مكنسة عمياء أو عابر مُتكاسل كانت تحاكي طقوس الفرح في أسرتها القريبة. وأحيانا تتفوّق عليها. هذه المقارنة في أعماق تفكيرها لم تكن تسبب لها الحرج.

كل بيوت القرية معظمها استغنت عن فرشات الصوف واللحف الثقيلة، فلم تعد هناك حاجة إلى خزانة كبيرة مبتورة الأبواب يحفظون فيها فراشهم. قلّة من البيوت كانت تجعل من غسيل الفرشات وتنجيدها موسما احتفاليّا لتُرتّبها بعدها زاهية في خزانة خشب متواضعة. وهي كانت مواسمها أكبر من غسل فرشات لم يعد لهنّ استخدام إلا نادرا، كانت مواسم لإعادة البهاء لفكرة أنّها زوجة ممهورة وأنّ مهرها لا يقلُّ عن أيّ من قريناتها المتزوجات.

كبر أبناؤها وزوّجتهم جميعا دون قلقٍ كبير. لم تعرف أنّها ستتعوّض بكثير منه، ذاك القلق عندما يتقدّم لابنتها شابٌ لا يملك سوى غرفة صغيرة متواضعة اقتسمها من بيت أهله، وأنّ ابنتها ستحبّه وتتمسّك بالزواج منه رغم شُحّ حاله. لم تسمح قديما لنساء الحيّ أن يسخرن من حالها، أو لم ترضَ أن يتسلّل إلى قلبها إحساس بأنّها أقلّ من أيّ واحدة منهنّ. ولكنّها الآن وهي تزوّج ابنتها مقابل لا شيء كيف ستحميها من أن تصغر أمام صبايا القرية؟ لا يبدو أنّ هذا الأمر يعني ابنتها من قريب أو بعيد، فكيف ستحمي نفسها وهي تسلّم ابنتها عروسا مقابل لا شيء؟

لا شيء.

في ساعات الصّباح والبيت كلّه منشغلٌ في الاستعداد لزفاف البنت الوحيدة توقّفت أمام البوابة الكبيرة شاحنة عملاقة نزل منها خمسةُ رجال أقوياء بعضلات تكاد تخترق أكمام قمصانهم الضيّقة.

خلال دقائق كان الرجال الخمسة يحملون بصعوبة خزانة ثقيلة ويضعونها في الشاحنة متّجهين نحو بيت العروس هديّة من أمّها. العيون التي كانت تتفحّص العروس الخجولة راحت تُتابعُ المشهد المُثير وتراقب الأمّ وهي تنبّه الرجال ألاّ يخدشوا حملهم:

على مهلك، على مهلك! احذر هذه الحافّة، انتبه يا رجل هناك عتبة! أووووف ألا تفهمون كم تساوي مثل هذه الخزانة؟

ربّما أرادت أن تقول: ألا تعرفون أنّني قايضتُ بها حياة كاملة؟

قد لا يكون أحدٌ منهم يعرف ماذا يعني هذه الّتي قايضت بها حياة كاملة؟ هو ليس أكثر من خزانة ثقيلة مبتورة الأبواب.

“طلعة خزانة أم طلعة عروس؟”

 لا بدّ أنّ هذه العبارة كانت على لسان كثيرين أو في أقلّ تقدير حضرت في محاولتهم لنقل تفاصيل العرس الغريب لمن فاتته المُشاركة. في أحاديث النميمة الصباحيّة كانت حاضرة بقوّة، لا شكّ في ذلك.

“طلعة خزانة أم طلعة عروس؟”

لأيّام طويلة وبعد أن احتلّ صالون بيتها فراغ واسع ألحّ عليها سؤال غريب:

أليست الحياة التي عشتها هي وعاء أيضا؟ وأيّ حجج تعلّقتُ بها للإبقاء عليه، أقصد عليها؟

بعد أيّام كانت أريكة الزّوج ذات العشرين عاما تحتلّ المساحة التي تركتها الخزانة وفوقها مباشرة صورة الزّفاف القديمة الباهتة. الزّوج لم يسأل ولم يعترض. جلس على حافتها وصرخ متجهّما كعادته طالبا قهوته.

ضحكت من قلبها وهي تقدّم له فنجانه.

ليس هناك أمرٌ مسلٍّ أكثر من زوجٍ خشبيّ يلحُّ في طلب قهوته الحلوة.

* قصّة من المجموعة (الطلبيّة C345) الحائزة على جائزة ملتقى القصّة القصيرة العربية عام2019

 

6

تعلمتُ خصائص الأدوية وطبائع السموم لدى كيميائي. كيميائي عربي من أطراف بغداد جاء يعمل طبيباً في بلاط أحد ولاة وان. أرشدني هذا الكيميائي إلى معرفة كل الأعشاب التي يمكن استخلاص السم القاتل منها.

باح لي بكل أسرار الكيمياء. لم يترك باباً مسدوداً إلا وفتحه على مصراعيه أمامي. ما عدا سر مزج الطلق والزئبق الفرار! هذا دأب الكيميائيين منذ القديم، فلا يبوحون لأحد بهذا السر كما أنهم لا يفشون سر تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب.

لكن في نهاية الأمر، وقبل أن أملأ كأس معرفتي، أقسم لي ذلك الكيميائي العربي بضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني أن مسألة إمكانية مزج الزئبق والطلق محض كذب. وقال إنهما لا يمتزجان بأي وجه من الوجوه. ومن يقدر على ذلك فإنه سيملك الشرق والغرب.

قصة ذبح أمي وما تبعه

 

أبي الذي كان يعرف باسم بِرْزِين الألشكردي، ذبح أمي أمام عيني وأنا طفل في العاشرة من العمر.

كان الخنجر في يده ويخور مثل ثور: “أيتها العاهر لقد دنست شرفي!”

لم أكن أعرف ما الذي يجري وما هو داعي غضب أبي وثورته إلى تلك الدرجة؟ كنت في زاوية بيتنا الصغير مختبئاً وراء ستارة أرقب شجارهما. كنت أظن أن أبي لن يقتل أمي الجميلة الشابة. لكن ظني ذُبِح حين ذبحت أمي. كان أبي ما يزال في ثورته يحمل رأس أمي المقطوع، حين هربت. ركضت وركضت لا ألوي على شيء حتى حل علي المساء وبدت لي الشمس الآيلة للغروب خلف الجبال مثل رأس مقطوع. ومذاك لم نلتق أنا و أبي ثانية. كنت أعتقد أنه سيقتلني أيضاً لو رآني.

في مدينة تبعد عن قريتنا من ثلاثين إلى أربعين فرسخاً، وقعت في يد عصابة من الشطار والحشاشين. أصبحت صبيهم، يغمسون أقلامهم في دواتي ويسطرون شهواتهم على ظهري. كنت أتألم في البداية كثيراً، لكنني اعتدت بعد عديد من المرات وصرت أجد في ذلك لذة.

كنت جميلاً وسيماً مكتنزا وصقيل اللحم. كنت أخاف الرجال وأريد أن يحموني. أما ثمن حمايتي تحطيم جرة الخوف التي كنت قابعاً فيها، فقد كان أن يطفئوا نار شهواتهم لدي. صرت أنا من يريد ذلك، وإن لم يكن ثمة أحد يفعلها معي، كنت أهيم في الدروب وأتعرض للدراويش الذين كانوا يعرفون الصبيان مثلي فينتهزون أول فرصة ويلقون كشاكيلهم خلف صخرة ويدعونني لأتبعهم إلى الوادي. كان الدرويش إذ يرى جسدي العاري الصقيل، يهلل ثم يضع لحيته الطويلة في فمه ويدفع بمحراثه في أرضي يحرثها.

كبرت على هذا المنوال وشببت عن طوق أولئك الشطار والحشاشين في البلدة وصرت أذهب إلى الخانات. والخانات التي كانت منعزلة وبعيدة عن المدن، كانت مرتع اللوطيين والزناة والتجار والملالي وطلبة الفقه وكلّ من هبّ ودبّ. من النظرة الأولى كنت أتعرف على الذين يشتهون الغلمان. نظراتهم، أسلوب تحديقهم في أرداف الصبيان، بريق أعينهم واللعاب السائل على أطراف أفواههم، كل ذلك كان يشي بكونهم لوطيين.

ضحيتي الأولى

 

ذات صيف كنت متجهاً إلى دياربكر. كنت قد عبرت نهر مُرادْ واستقبلني سهل مُوشْ. كان الظلام قد حل وكنت منهكاً نعسان، كانت رغبة نوم سكان مدينة بأكملها تغزو عيني. لم يكن ذلك النعاس ليطير بالرغم من كل محاولاتي. صحيح أنني كنت متقلداً خنجري تحت الحزام، لكن قطاع الطرق كثيرون. وكان علي أن أستريح وأنام قليلاً. فآنست من أحد الأطراف ناراً، ولا أدري أي قوة جذبتي إلى تلك النار في ذلك الليل البهيم؟ كل الخوف من العصاة وقطاع الطرق ذاب في قلبي كفص من الملح، وجذبتني تلك النار إليها مثل مغناطيس.

حاصل الكلام أنني دنوت من النار فلمحت أطلال خانٍ خربٍ، لكن لا أحد قرب النار! تلوت بضع آيات لأنني ظننت أن ذلك من فعل الجن والعفاريت. ثم استولى علي الخوف وأردت اجتياز ذلك المكان لكنني سمعت خشخشة من الخان الخرب تبعها صوت آدمي صرخ قائلاً: “من هناك؟ أإنسي أم جني؟”

كان يظهر من نبرة صوته أن خوفه لا يقل عن خوفي، فتلاشى خوفي وصحت به: “أنا آدمي مثلك. أنا عابر سبيل”.

وتوجهت إلى الخان الطلل تاركاً ورائي النار التي بدأت تخبو.

كان الخان مظلماً. كنا أنا وذلك الرجل بالكاد نشاهد بعضنا في ضوء بعض النجوم وتلك النار المشرفة على الموت. رغبة النوم التي كانت قد طارت من عيني بسبب الخوف عادت لتداهمني من جديد. ودون أن أدع الرجل يسأل عن أصلي ونسبي، أو يستعلم عن قريتي وعشيرتي، قلت له:

ثم انتحى زاوية وخلع نعليه فوضعهما تحت رأسه. كان مقبض خنجره يلمع في الضوء الخافت. اشتهيته. فذهبت وتمددت بجانبه، خلعت نعلي وأسندت رأسي إليهما مثله.

انتبهت، بعد أن مضت ساعة، إلى أن الرجل يتحسس بدني رقعة فرقعة، فسكنت، فمضى الرجل أبعد وصار يمسح على ردفي المكورين. ولما رآني ساكناً لا أمانع تحسس تكة سروالي وفك العقدة على عجل. وقعت يدي من الخلف على قضيبه الساخن الصلب مثل وتد خيمة! ثارت في داخلي نيران الشهوة فنزعت عني السروال بنفسي. حصل كل شيء في العتمة والسكون. إن اللذة تتضاعف عندما يكون المرء نصف نائم، لذلك أبقيت عيني مغمضتين بينما جذبني الرجل الذي لم أكن قد رأيت وجهه بعد إلى حضنه ودق وتده ببراعة لوطي.

لقد مرت علي مئات الليالي في أحضان الفحول، لكنني لم ألتق برجل شبق مثل ذاك. وبعد أن قضى وطره وأطفأ نيرانه في بحر ناري، انقلب على ظهره وغلبه النوم فبدأ يشخر.

من النافذة الشرقية لمحت البدر المكتمل. البدر الذي أرهبه منذ طفولتي وما كنت أتجرأ على النظر إليه طويلاً. كانت أمي تقول: ″إن من يطيل النظر إلى البدر أو المرآة، يصيبه الجنون!″

لبست سروالي، وأحكمت التكة على خصري ثم نهضت لألقي نظرة إلى الخارج. حانت مني التفاتة إلى الرجل، وحينما أمعنت فيه النظر صرخت بكل ما حباني الله به من قوة صوت.

 

***

كان ذلك الرجل أبي. كانت لحيته قد شابت قليلاً، لكن وجهه كان كما عهدته مدوراً يعلوه أنف أفطس وحاجبان غليظان.

بصرختي تلك، هب من النوم فزعاً ونهض وهو يمد يده إلى مقبض خنجره. وحينما رآني في مواجهته قال بصوت مرتعش: “من أنت؟”

سللت خنجري وأسندت ظهري إلى النافذة، رأيت في نور القمر شرارات الموت التي تتطاير من عينيه. كان هو، كان هو بعينه، بقامته وصوته وهيئته وكل شيء فيه، كان أبي.

لا أدري ماذا اعتراني وقتها! بقيت لا أحير جواباً لبرهة وكأنني أخرس، ثم قلت: “الأفضل ألا تعرفني”.

لكنه رد علي بصوت يفلق الصخر: “من أنت أيها الصبي؟ هيا قل لي اسمك واسم عشيرتك!”

تقدمت خطوة إلى الأمام وقلت: “أنا ابنك، أنا ياوز. أنا ياوز الذي ذبحت أمه أمام عينيه، أنا ابنك الذي جعلته يهيم على وجهه في البراري، ابنك الذي …….”

لكنه لم يسمح لي أن أتمّ كلامي. هجم عليّ كخنزير بري وهو يقول: “يا ابن العاهر أما زلت تعيش وأنا أبحث عنك منذ عشر سنوات؟”

وطعن وجهي بالخنجر، فرددت عليه بطعنة مماثلة لكنه تنحى وانسحب إلى الخلف وذهبت ضربتي في الهواء. تقدم مرة أخرى وطعنني عدة مرات في وجهي، فرددت عليه بأن ضربته في رقبته وصرنا نتبادل الطعنات سجالاً حتى قضيت عليه. لكن التعب والإرهاق كانا قد نالا مني كثيراً فقد امتلأ وجهي بالطعنات وانشق فمي وبلغت الطعنة الأخيرة صدري دون أن تذهب عميقاً. وبالرغم من أن جراحي كانت خفيفة فقد غبت عن الوعي وبقيت مرمياً في ذلك الخان القفر.



*فصل من رواية ميرنامة

3

نبتُّ فجأةً مثلَ شجرة. في إحدى المرّات، حلمتُ، وأنا في الخامسة من عمري، حلمًا. عادَني الحلم مرّة أخرى. تلك الليلة، نمتُ مدّة عشر دقائق. كانَ صعبًا. لم يكن الدّواء الذي وصفه لي الطبيب ناجعًا.   

المهدئات لم يكن لها مفعول عليّ في الماضي، ولن يكون لها مفعول عليّ هذه المرة. لم أتناولها في الليلة الماضية. كنت قد تعاطيتُها من قبل لأخفّف من حدّة خوفي. في الليلة السابقة، مرّ شيء في خاطري وقد أقنعني أنّ المهدّئات لا تناسبني، كان ذهني يشبه طريقًا ضيّقة مليئة بالحفريات في بلدة قديمة. كان لديّ كابوس. حلمتُ أنّني طفلٌ عادَ إلى غزّة، على رأس أحد أعلى أبراج المدينة. ركبتُ جملا فوق جملٍ أصغر، بينما عاصفةٌ قدمَت من جهة البحر. فجأةً وقعتُ وابتلعني البحر. استيقظتُ من النوم وأنا أرجف. منذ أن كدتُ أغرق في غزة وأنا في التاسعة من عمري، وأنا أخشى البحر. لماذا يلاحقني البحر؟ استيقظتُ وأنا أتساءل لماذا الآن!

بعد هذا الكابوس، لم أعد إلى النوم. عدتُ لأضع خدّي على الوسادة، بلغتُ المنضدة، وحدّقتُ في شاشة هاتفي، أقلّب الصفحات، من تطبيق إلى تطبيق، بلا غاية. المئات يتواجدون على النت. كلهم تقريبا من غزة. الساعة الآن الرابعة في غزة، وأنا هنا، في السويد. بفارق ساعة واحدة بيننا، ولكن هذه الساعة زمنٌ بين عالمين مختلفين. عثرتُ على رسالة واحدة غير مقروءة. كانت من أخي يسأل عن صحتي. سحبتُ ساقي إلى صدري، ثم بلغتُ المنضدة، ووضعت الهاتف على الطاولة برفق، ثم مددت ساقي الأخرى نحو الخزانة. كان منزلي شبيهًا بزنزانة صغيرة جميلة.

استوديو صغير يتوسطه حيّز ضيق ومزدحم. على اليمين كان المطبخ الصغير، وعلى اليسار السرير المصمم كأريكة، وفي الأمام النافذة ومنضدة ومكتبة صغيرة. نمت، درست، كتبت، أكلت وقرأت على نفس الكرسي الأريكة، والذي صادف أن يكون سريري أيضًا. لحسن الحظ، كان باب الحمام يبعد مسافة متر ونصف عن سريري الأريكة. أخبرني صديق زارني أن هذا الاستوديو الصغير أفضل من الفيلا في بلدان عديدة في العالم.

فتحت عينيّ وفجأة أغلقتهما من جديد. كانت قد تورّمتا بعد ليلة من الكوابيس، كانت قد سبقتها أربع ساعات من القراءة والكتابة. يصعب على العينين أن تنفتحا دفعة واحدة بعد كابوس مُرعبٍ أو ليلة متأخرة جميلة.

“هل علي أن أذهب إلى العمل؟” فكّرت بينما عيناي مغلقتان. لم أستطع تحديد إن كنت سأذهب أم لا. كانت السواعد والأوجه لا تزال تدور في رأسي. قلت لنفسي: “سأبقى هنا بين جدران الشقة الأربعة”. فتحت عينيّ مرة أخرى. هذه المرة، لم أنظر إلى السقف الأبيض ولكنني عدت باتجاه النافذة. كانت بي رغبة في أن أرى السماء.

هل من شمس اليوم؟ هل ستزورنا اليوم؟ سألتُ سانحًا لنَفسي سماع صَوتي.

لم نر الشمس طيلةَ أسبوعين. في هذه المدينة الشمالية، نادراً ما تأتي الشمس بعد آب. تشرق وتلقي بنورها قادمة بنسيم بارد وطقس قارس يذكر الناس بوجوده وحسب. فجأة، اتسعت عيناي. “إنها الشمس”، هذه المرة كان صوتي أعلى.

كان من الممكن أن يكون النهار جميلا. سحبت ساقي، أنزلتهما ووقفت على سريري. نظرت إلى المنضدة ووجدت بعض الكتب التي كان علي أن أعيدها إلى المكتبة. كانت لدي عادة سيئة في استعارة العديد من الكتب دفعة واحدة، بعد أن اشتري مجموعة جديدة من الكتب. ينتهي بي الأمر إلى قراءة نصف ما أشتريه ونصف ما أستعيره. علاقتي مع الكتب عزيزة. الكتب هي عائلتي وأصدقائي ورفيقات روحي. عندما يفقد الناس معنى الأسرة يتحولون إلى أشياء جديدة، أحيانًا إلى مخدرات وجريمة، وأحيانًا إلى أشياء نبيلة مثل العمل الخيري والتطوع.

التفتُ جهةَ الكتب. أمكنني التحدث إليها والتعلم منها. لم تشتك هي قط وأنا لم أتذمر. ذات مرة قال لويس بورخيس أن جميع الاختراعات البشرية هي امتداد للحواس. المجهر امتدادٌ لحاسة البصر. الهاتف امتدادٌ لحاسة السمع، المحراث ٌامتدادٌ للأسلحة والحركة. ومع ذلك، فإن الكتاب امتدادٌ لشيء غير مرئي وغير مسموع وغير ملموس. إنه امتداد للذاكرة والخيال.

لذلك، كان علي إرجاع هذه الكتب. أنهضت نفسي وأنا أنظر إلى علبة السجائر. تذكرت أنني لم أدخن طيلة يومين. اليوم قد يكون اليوم موعد استئناف عادة التدخين مرة أو مرتين. قمت بإعداد ماكينة القهوة السويدية– كانوا يطلقون عليها اسم bryggkaffe، وقمت بتشغيلها وتحولت يمينا نحو الحمام. مشيت على نحو غريب ، مشية جانبية تقريبا دافعا ساقي اليمنى أمامي كما لو كنت أختبر لوحًا خشبيًا مرتخيًا. كنت أرغب في الاستحمام، لأستمد طاقة على الرغم من علمي بأن الاستحمام الساخن سيجعل النعاس صديقي مرة أخرى. نظرت إلى المرآة. أمكنني أن أرى نفسي بشكل ضبابيّ، وجهٌ ملتحٍ بعينين متورمتين. قلت: “مزيد من الشعر الرماديّ”.

حالما غادرت الحمام، حولت سرير الأريكة أريكة فقط، ودفته إلى الحائط وأحدثت مساحة أكبر في الفيلا الصغيرة. فتحت النافذة ببطء، وأحدثت شقًا لتكوين عمود هواء. نكهة القهوة كانت تملأ الغرفة. بدأ ذهني يعمل مرة أخرى. القهوة تذكرني دائمًا باليمن. كانت اليمن أهم منتج ومصدر للبن. حتى “موكا”، ماكينة القهوة الإيطالية تحمل اسم المخا، الميناء اليمنيّ حيث كانت القهوة تُصدَّر منه. منذ أن اكتشفت ذلك، أصبحت قصتي المفضلة التي أرويها لأصدقائي الأوروبيين كلما رأيت موكا. أشعر بالفخر وأنا أحدّثهم عنها، كما لو كنت أصفع الاستعمار صفعة صغيرة على وجهه، أصحح شيئًا من التاريخ.

إنها التاسعة. علي أن أذهب، لكنني تذكرت أنه علي التخلص من القمامة. ثنيت كيس القمامة، وانتعلت حذائي وفتحت باب الزنزانة أو الاستوديو. لفح وجهي نسيم يابس. نشّطني. بعد ما يقرب خمس عشرة درجةً، كنت في الساحة خارج المبنى. في طريقي إلى الخارج ، رأيت ساعي البريد يرتدي زيّه الأخضر. “غود مورغون”، قلت. صباح الخير بالسويدية. أجاب، “غود مورغون”.

شرع في توزيع البريد في صناديق البريد الأربعة والعشرين. لا شيء ينتظرني في الأفق. لم أكن أتوقع أي شيء. فجأةً، أخرج بوسطة مختلفة، بوسطة سرية زجّها في صندوقي. توقفت وعدت بساق واحدة إلى الوراء، وقفت خلفه وابتسامة على وجهي. بمجرد أن غادر، فتحت صندوقي. أخذت الورقة وصعدت وحدّقتُ فيها. غريب. كانت ورقة تبلغني أنني تلقيت رسالة مهمة علي استلامها من مكتب البريد. وأكدوا أنه يجب عليّ الحصول على بطاقة هوية صالحة. كان ذلك غريبا. لم أكن أتوقع شيئًا. كانت نقطة مكتب البريد قريبة من منزلي، تبعد مسافة 10 دقائق فقط سيرا على الأقدام. سهّل البريد السويديّ الحياة من خلال إرسال واستقبال الرسائل البريديّة والبوسطة في الأكشاك ومحالّ التبغ. قررت الذهاب واستلامها في طريقي إلى المكتبة.

وضعت الحقيبة المليئة بالكتب وجهاز الكمبيوتر المحمول على ظهري. قبل أن أوصد الباب، غيرت رأيي. قررت ترك الحقيبة، أستلم ما في البريد والقيام ببعض المشتريات والعودة إلى المنزل ثم الذهاب إلى المكتبة. في طريقي إلى مكتب البريد  ساورني إحساس بالقلق. من يكون المرسل؟ هل كانت هدية؟ مِن مَن؟ صديق؟ حبيبة؟ العديد من الأسئلة جعلتني مشوشًا.

بدأت الشمس تستبد بالطقس، وتغيرت درجة الحرارة. كانت رائحة المطر الليلة الماضية تملأ أنفي. كان ثمة عدد قليل من الغربان وطيور أخرى كثيرة. بدأت الغربان تتبعني ما جعلني أشعر بنبض صدغيّ نبضًا ثابتا. الغربان ليست مؤشرًا جيدًا. نشأت على معرفة أن الغربان فأل شؤم أينما كانت. فجأة، سقطت ورقة رطبة صغيرة على ورقة البوسطة التي كنت  أحملها. كان كل شيء صامتًا حولي، وكانت الورقة ملتصقة بالورقة ، لكنها تتحرك كما لو كانت ترقص في حركة لولبية. ابتسمت. كنت أمام الموظف.

قلت مرحبا بالسويدية. سلمته الورقة ورخصتي القيادة للحصول على بطاقة هوية. كان صوت الماكينات عاليًا.

“تيك تيك، بيب بيب” قام بمسح الباركود الخاص بمغلف كبير. “وقع هنا من فضلك واكتب اسمك”. فعلت.  كل ما أحتاجه هو المغلف. الفضول يقتلني. “ها هو”.

إنه معي الآن. هل أذهب إلى محل البقالة أم أفتحه الآن. أعدت هويتي إلى محفظتي، ثم أعدت محفظتي إلى جيبي الأيمن. أوحى المغلف بأنه من هيئة الهجرة في السويد. كنت قد تقدمت بطلب للجنسية الشهر الماضي. قد يحتاجون إلى المزيد من الوثائق. هم بحاجة الى مزيد من الأوراق، بالتأكيد. ما أتعس حظي. قيل لي أنه يمكن للمرء الانتظار لمدة عام ليحصل على قرار، لكنني كنت بحاجة إلى شيء لا يجعلني “بلا جنسيّة”.

فتحت المغلف ووجدت وثيقة سفري الفلسطينية إلى جانب أوراق أخرى. خامرني هدوء وسكينة إلى حد ما، لكنني كنت واثقًا من أن الموظف بالداخل كان يسمع نبضي ويشعر بأنفاسي المعذّبة. على بعد مترين، أعدت جواز السفر إلى جيبي وسحبت الورقة من المغلف لقراءتها. لعلها رسالة تفسّر ما يحتاجون إليه.

فجأة تغير كل شيء. كانت عيناي مفتوحتين على آخرهما. كان فمي منفرجًا وأصبح ضباب النفس الحار قبالة وجهي أشدّ كثافة. ابتسمت. كانت ابتسامة كبيرة. إذا رآني أحدهم وأنا أحدّق في الورقة، فإنّه سينتظر ليرى ثمرة تلك الابتسامة وسبب تحديقي في تلك الورقة. كنت ما زلت أحدق فيها، فمي مفتوح وأفكاري ثقيلة.

إنها هنا مع العاصفة. مثل رقصة غريبة آتية من بعيد. صفحة عاجية تحمل شعار المملكة السويدية. الأصفر والأزرق والعقيق ألوان تزين الوثيقة. مكتوبة تُنبِئُني بواقعي الجديد. كانت بداية شيء ما. كنت أعرف أنّ بدايات أخرى كثيرة ستكون، لها نهايات أخرى كثيرة. لكن ها هي بدايتي الجديدة. كانت هناك بداية “لهم” و “لنا”. “لي” و “لهم”. لا يتناسب لون بشرتي واسمي مع جواز السفر هذا: كانت تلك أصعب بداية. ثمة لحظات تصطدم فيها السعادة والحزن بعنف، مدفوعةً برياح مجنونة تهبّ من السهوب الروسية. تلك كانت لحظة من هذه اللحظات.

كيف بدأت رحلة الطفل التاسع هرباً من الموت والحياة؟

12

كانت المعركة حامية الوطيس..

 وصفٌ كان يقرأه على الدوام في كتب التاريخ وذلك حين كان يتلو الدرس على مسامع زملائه في الصف. لكنّه لم يفكر أنه سيستخدمه يوماً كما يفعل الآن، وهو يتحدث مع صديقه لوصف تلك الليلة، حتى أنه لا يعرف معنى الوطيس، لكنه يشعر بأنّه تعبير مناسب وفقاً للحماسة التي كان يتحدث بها أستاذ التاريخ وقتها.

_”.. بدأ الاجتياح البريّ من الجهة الغربية لحي تل الهوى، فالحيّ كما تعرف مقسّم لقسمين؛ القسم الغربي، وفيه الأبراج السكنية المتلاصقة والمتسلسلة بألوانها وأسمائها، ومعروف ببرجوازيته إلى حد ما، خاصة أن معظم من سكنه هم من العاملين في السلطة الوطنية الفلسطينية التي تشكلت بعد اتفاق أوسلو، وتأسست طبقتهم البرجوازية، لكنها لم تكن صانعةً لأي ثروات من أي نوع.. بل سمعة البرجوازية ظلمت كثيرا حين وصفوا ذلك الجانب من الحي بها، وربما تطبيق المفهوم ذاته كان فيه إشكالية، فقد اعتقد كثيرون أن البرجوازي هو الغني الذي يملك مسكنه ويأكل طعاماً جيداً، وفي هذه الحال من الممكن أن نعتبر أصحاب هذا الحيّ كذلك. ولكن البرجوازية الحقيقية هي الطبقة صانعة الثروات الصغيرة من تجار وأصحاب مصانع، فهم من الكادحين أيضا، وهم من يشعلون الثورات”.

“لا أفهم لماذا عليك أن تقول كل هذه التفاصيل وكأنني من خارج البلد، وتشرح المشروح لتحكي لي عن تلك المعركة.. أو ربما تريد أن تعطي درساً في شيوعيتك المقبورة منذ زمن طويل، احكي لي القصة وخلصني.. أنا من المنطقة مثلي مثلك.. بس أنا برجوازي حقيقي وأنت برجوازي مدعي”.

“هاهاها.. بالضبط.. هذا ما أقصده، المهم أن القسم الآخر من الحي كان القسم الشرقي، والذي لم يبدأ منه الاجتياح على الرغم من أنه أقرب للحدود فالمنطقة زراعية بمعظمها، وجيش الاحتلال بدأ يتسلل من المنطقة الأضعف التي لا يتوقع منها أي مقاومة، ويبدو أنه ترك شرق الحي إلى النهاية، وفي هذا الشرق تعيش البرجوازية الحقيقية، أصحاب الأراضي والمصانع، حتى لو كان معظمها قد أقفل بسبب الحصار، وأيضا هم أصحاب الثورة، فالكثير من منازل قادة المقاومة هناك، وقد دارت ليلتها تلك المعركة في حرب 2008 و2009”.

هل توجد حرب في العالم حين تريد ذكرها يجب أن تلحقها بعامين، أو حين تكتبها تبدو وكأنك تتحدث عن العام الدراسي، فتضع “شرطة” بين الرقمين؟، في الأساس هل توجد حرب بدأت في نهاية عام وانتهت مع بداية العام الذي يليه سوى هذه الحرب؟.. تأخذه متتاليات الأسئلة والأرقام والأعوام، وكأنه يريد أن يصل لخوارزمية تشي بحدوث الحرب، وينسى أنها في حالته تُورث. يحرك النار في “الكانون” ويجمع الجمرات تحت إبريق الشاي ليسخنه للمرة الثالثة.. يشاهد في غبش أفكاره صديقه “أبو أحمد” ينظر إليه، ينتظره أن يفيق من شروده، كما انتظر قبل قليل أن تنتهي مقدماته الثورية، وهذا ما يحبه في جلساته مع “أبو أحمد”، أنه نادر ما يقاطع إسرافه في الكلام والتخيلات.

يصب الشاي ويكمل:

“تسرب الجيش إلى حي تل الهوى، واحتل الأبراج السكنية، والتي توقع الجميع أن لا أحد سيقترب منها، وقتها شعر أبناء السلطة الذين جاؤوا من تونس ولبنان بأنهم في مواجهة مباشرة مع الجيش وهذا لم يحدث منذ الثمانينات، لكن هذه المنطقة لم تكن هدف الاحتلال، بل الجانب الآخر من تل الهوى، الجانب الثوري الذي نعيش فيه. وقفتُ يومها خلف هذا الشباك أشاهد الصواريخ، وأسمع الطلقات النارية، والصراخ. هناك من خرج من الحارة باستخدام السيارات بأقصى سرعة، خاصة من يسكن على الأطراف، وهناك من علق في الوسط مثلي، ولم أستطع حتى فتح النافذة سنتيمتراً آخر، كان الظلام دامساً، فلا توجد كهرباء، كنتُ أسمع أحيانا لهاث المقاومين وهم يركضون، في الحقيقة لم أفرق بين ركض الجيش والمقاومة، لكنه لم يكن ركضاً بمعنى ما كان يحدث بالانتفاضة الأولى مثلاً بل لقد كان شيئاً أشبه بالتربص، إنها مثل لعبة إما تخرج منها حياً أو ميتاً، كما أن فيها متعة التحايل على الموت، خداعه، تقف في مواجهته لكنك تجعله يفوتك، شيء أشبه بلعبة الروليت الروسي، أن تضع رصاصة واحدة في مسدس، ثم تقوم بتدوير الاسطوانة، التي يمكن أن تحمل ست رصاصات، عدة مرات ثم تضغط على الزناد بمجرد أن تتوقف، ودون أن تنظر إذا كانت الرصاصة الوحيدة ستصيبك أم لا، هكذا كانت تلك المطاردة، وهكذا كان الاشتباك يومها”.

“الغريب أنه مرت على الحرب عشرة أعوام، وهذه هي المرة الأولى التي تسرد لي فيها هذه التفاصيل..”

“عشرة أعوام، نعم، بالضبط مثل هذه الأيام، في هذا البرد، وقتها كان من المستحيل إشعال النار للتدفئة، ضوء واحد بحجم ذبابة كان يعني موتك المحتم.. المهم يا صديقي، بقيت في البيت أغمس زيت وزعتر، بعد أن هرّبت أبنائي وزوجتي وأمي لبيت عمي قبلها بأسبوع خلال الهدنة، كنت أعرف أنهم يريدون الانتقام من هذا الشرق، وهذا ما حدث، ولكني بقيت كي أحرس البيت، أنت تعرف كم أحب التاريخ، ربما أردت أن أكون جزءاً من المعركة، وهذا ما حدث أيضاً؛ سمعت في البداية شباباً ينادون على بعضهم البعض، لم أتعرف على أي صوت منهم، وشاهدت أشباحاً سوداء تركض في السواد، كنت أعرف شباب الحارة، لكن لا توجد علاقات وثيقة فيما بيننا تجعلني أتعرف على أحدهم من صوته، فكوّني رجل مدخن، ولا أصلي الجمعة في المسجد يجعلني منبوذا بشكل أو بآخر، كنت أخرج إلى عملي، وأعود لأحضر مباراة أو أقرأ كتاباً، كنت أريد أن أكون مدرس تاريخ ولكن مع الأسف مجموعي الجيد في القسم العلمي جعل أهلي يضغطون علي لألتحق بأي شيء قريب من الطب.. فدخلت كلية الصيدلة”.

” كأنك واقف على خشبة مسرح وبتعرّف الجمهور عليك، كم ألف مرة حكيت لي قصة التاريخ وتوجيهي والصيدلية.. شو شكلنا كبرنا وخرفنا.. روح صلي الجمعة بلكي الله رحمك وتبطل تنسى”.

“اسمع بس، أكملك شو صار يا أبو أحمد، فجأة.. شاهدت أشياء بتلمع مثل مصابيح متواترة ولكنها ليست مصابيح وكأنه لمعان زجاج، عرفت على الفور أنهم وحدة خاصة من جنود الاحتلال، ولا أدري هل أسلحتهم التي كانت تلمع أم خوذاتهم، خفق قلبي كأنه سينفجر، شعرت أن رصاصة دخلت للتو في رأسي لدرجة أن العرَق سال من خلف رقبتي وانحدر إلى ساقيّ، للموت طعم حين يقترب.. ارتعبت أن آتي بأي حركة، كانوا حتماً سيسمعونني، لم تكن هناك الكثير من المنازل حولي، فالأرض لم تعمّر كلها، خالية، وهذا ما جعلها آمنة للمقاومين وصعبة على الاحتلال لذلك تصاحبهم طائرتا هيلوكبتر، لم أشاهد في حياتي سينما، لكن هنا من هذه الفتحة رأيت ما أظنه أشدّ تشويقا لقد كان سينما الواقع.

 يعرفون وجهتهم تماماً، قصفت الطائرة أحد المنازل ثم أعقبه تبادل إطلاق نار، استمر دقائق قبل أن يعود القصف من جديد للمنزل ذاته، ثم توقف كل شيء، لم أعد أسمع المعركة، يبدو أنهم غادروا أو صعدوا بالطائرة، لا أدري.. دقائق مرت قبل أن أسمع صوت أحد شباب المقاومة ينادي لإسعافه.. كان مصاباً، يبدو أن جميع رفاقه استشهدوا لأن صوته كان وحيداً وعادة المقاومين أنهم لا يتحركون أفراداً، لم يقترب أحد من سكان بيوت الحارة المتبقيين، الرعب يكاد يخرج القلوب من أماكنها، وبالطبع لم أقترب بدوري، سمعته ينادي إلحقوني… “

“يومها كنا طالعين من البيت مثل ما إنت عارف، هربنا عند دار عمنا بالشمال”

“.. سمعت حركته على التراب.. يبدو أنه كان يتقلّب على الرمل مثل قطة دهستها سيارة، هل رأيت من قبل كيف تنازع القطة المدهوسة؟ مشهد يهز أوصالك، وهكذا لعب الخيال في رأسي، فأنا أسمع الصوت ولكني لا أراه، وما لبث أن نادى من جديد بصوت أكثر خفوتا وينكم يا عرب. كان ينزف.. استغربت من فكرة أن أحدا في نزاعه الأخير يعتقد أن العرب من الممكن أن يستجيبوا، أو هو يأس الأنفاس الأخيرة الذي يفعل أفاعيله في العقل واللغة ويعيدها إلى شعاراتها الأولى.. فكيف لواحد في نزاعه ينادي مجهولين لا يعرف مقدار استجابتهم، أتدري مثل ماذا؟ سأقرب لك الفكرة، كأن يطلق مجرم عليك النار ليلاً في السويد بالبرد القارص وتصرخ وأنت تموت وحيداً على الثلج.. وينكم يا أوروبيين؟، هل تجد عبثاً أشد من هذه العبارة التي مع كامل كونها كليشيه مبتذل، إلا أنها تجعلني أرغب بالانفجار في بالبكاء، فقد فهمت بثواني شعوره الحتمي بنفسه أنه ميت لا محالة، لم يكن درسا بالتاريخ.. كان درسا في عجز الإنسان وحبه للحياة، أقصد حبي أنا، في صباح اليوم التالي حين تأكدنا أن المنطقة آمنة، خطونا بحذر خارج عتبات منازلنا، ووجدنا الرمال امتصت كل دمائه، كان يرتدي قناعاً على وجهه وجاكيتاً أسود”.

“أوف… شو هالقصة.. قشعرت بدني.. ما إلك ذنب يا سلام.. هذا قدره… ساعته اجت”.

“قدر ماذا.. هذا الشاب كان سيكون الآن في الثلاثينات لو أنه عاش وتزوج ولأصبح ربما أباً لأولاد، إن التسليم بالموت غير المبرر يخنقني، أشعر أنه عجزٌ وليس إيماناً، وين الجيران وأهل الحارة، وشيخ المسجد.. يا أخي وين العرب؟. كل يوم حين أخطو على عتبة باب منزلي منذ عشر سنين أراه مستلقياً هناك… تخيل كم مرة كنتُ على عتبة بابي.. وكم مرة رأيته ممدداً، أعيش مع الأموات منذ تلك الليلة.. هذه المدينة كلها تعيش مع الأموات..”

“هدول ثلاثة حروب مش قلال..”

” متى الحرب بتكون قليلة؟، كل حروب العالم التي قرأت عنها وخاصة التي راح ضحيتها الملايين كلها كذب، لأنه لا يستطيع أن يكتب عن الحرب سوى من عاشها”.

” استهدى بالله.. قوم صلي الفجر بكفي حكي اليوم.. لولا الإيمان كان ما صبر شعبنا على كل هذه المعاناة والإجرام”

” ليس الإيمان بل العيش مع الأموات سر قوتنا… وتصبح على خير.. أنا بصلي الصبح في البيت”.

” آه .. نسيت أنك برجوازي مخملي..المسجد يأتيك إلى السرير.. استغفر الله العظيم .. ما بده الواحد يحكي كلام يكفره.. أعوذ بالله وأتوب إليه.. ما بيجي من وراك غير جدل حامي الوطيس”.

“الكفر الحقيقي هو إلي بصير فينا”.

تحرك “أبو أحمد” نحو مسجد الحارة… رتب سلام الفناجين، وأهال الرمال على النار ليخمدها، كان يشعر طوال جلسته أن أحداً خلفه، نظر إلى تلك البقعة، لم يتغير شيء، سوى إزاحة برميل الإسمنت المتيبس الذي كان يتمدد الشهيد إلى جانبه.. وهمس “عشر سنين يا صاحبي وإحنا جيران ولا مرة قلت لك صباح الخير”.

0