مشروع القصة القصيرة

search

منذ طفولتي وأنا أحلم بتعلُّم العزف على الجيتار، ومع الوقت تحوّل الموضوع إلى سوسة تعشش في دماغي، سوسة مفجوعة، كبرت معي وشاركتني حياتي.
ولكنّ الموضوع تحوّل إلى نحس. كلما ادَّخرت ثمن الجيتار حدثت مصيبة أكَلت المدخرات. عندما كنت في المدرسة ادخرت مصروفي لسنة كاملة، في العطلة الصيفية كسرت الحصّالة، كان مبلغا محترما يكفي لشراء جيتار جيد. نزلت لألعب مع الأولاد، لعبنا كرة القدم وبدلا من إصابة الهدف اصبتُ الواجهة الزجاجية لبرندة الجيران. أمطرَت السماء زجاجًا وشتائم وكرة مقطوعة بالسكين. في الليل جاء الجار إلى منزلنا وقال بأنني كسرت مزهرية أمه، وهكذا تحول الجيتار إلى مزهرية.
عندما عيّنوني شرطيّ مرورٍ قلتُ  سوف أشتري جيتارا براتبي الأول، ولكن عندما عدت إلى البيت، قالت أمي بأنّ سخّان المياه في الحمام انفجر وخرّب السيراميك، وهكذا تحول الجيتار إلى بلاط سيراميك بنقوش نوتات موسيقية.
ثم تزوّجت. ومع راتبي الضئيل والغلاء الفاحش تحول الجيتار إلى خبز ولبنة وبيض، وفواتير علاج وحفاظات أطفال وعلب حليب وهدايا صغيرة لزوجتي.
كبر الأولاد وتزوجوا واقتربت من التقاعد. السوسة الآن ترقص مسرورةً في رأسي. سوف أشتري جيتارا وقبعة مكسيكية وأظل أدندن بقية حياتي .
قالت زوجتي بأنها هي أيضا لديها سوسة قديمة تريد السفر إلى بيروت.
سافرنا إلى بيروت وفي يومنا الأول  اشتريت جيتارا واحتضنتُه  على طول الطريق من المتجر إلى الفندق.
غالبا بدوتُ كالأحمق ولكنّني خفت أن يقفز مثلا أو يتحول إلى شيء آخر غير ممتع.
وصلت الفندق، لم أنتظر حتى الصعود إلى غرفتي، جلست على الأريكة الكبيرة وطلبت زجاجة ماء، أخذت نفسًا عميقًا، وبدأت أعزف لحني الأول على جيتاري .
تحركت  أصابعي على الأوتار. حركة واحدة فقط، ثم انفجر كلّ شيء. سقطت واجهة الفندق الزجاجية كلها، والمزهريات والثريات، كل هذا بفعل الجيتار المنحوس.
في المستشفى، عندما سمعوا كلامي ضحكوا كثيرا مني، قالوا لي حتى إن جيتاري كان مغشوشًا ومصنوعًا من خشب مسوّس.

2

وضعتُ أمامي أوراقاً بيضاء، مَحبرَة نحاسية، ريشةً اختلستُهَا من بطة جيراني, أشعلتُ شمعةً وأحكمتُ تثبيتها على منتصفِ المنضدةِ، ألصقتُ أطرافَ أصابع يدي وأسندتُ مرفقي على حافةِ الطاولةِ، كنت عارياً تماماً. تنزلق حُبيباتُ عرقي من أسفل عنقي إلى مُفترق مؤخرتي التي يختفي عندها إحساسي بسريانها لتبدأَ حُبيبات أخرى الرحلة من محطة العنق. كتمتُ أنفاسي مترقباً هُبوط الوحي.

عشر دقائق، نصف ساعة، ساعة.. و لا شيء حدث. تصاعدتْ رائحةٌ مقززة من جسدي وفترتْ مؤخرتي من تقبل عرقي و حَملي. فأطفأتُ ببؤسٍ الشمعة وأدرتُ مروحة السقف وارتميتُ منهكاً على السرير.

أفقتُ من نومتي متكدراً برأسٍ ثقيلٍ، و أطراف مُتيبسةٍ، تلصصتُ على أوراقي علها مُلئت بالطبع كانتْ بيضاء فزمان المعجزات قد ولى. قمتُ مترنحاً صوب الحمام، تبولتُ واقفاً وأنا أراقبُ خَيط البول المُصفر بتمعنٍ لا معنى له. وقفتُ تحت الدش مغمضاً عيني متنصتاً على دوشةِ الماء و عراكه مع درن جسدي. أرخميدس هبط عليه الوحي و هو عارٍ مثلي، إلا أنه للأسف لم تكن لي رفاهية البانيو.

كانت الساعة تقاربُ العاشرة مساء عندما هاتفتُ جارتي الأرملة، وأنا أداعبُ عضوي الضامر. أجابتني بهمسٍ وتعذرت بضيوفٍ لديها، شتمتها بأقبحِ الألفاظ؛ فأغلقتْ المكالمة في وجهي. كنتُ في حاجةٍ لإفراغ طاقتي عسى أن تخطر على عقلي أية فكرة. طوّفتُ بأنحاءِ المنزلِ؛ لأخلص إلى تناول عشائي، ازدردتُه مرغماً وأنا أتخيلُ دمائي الجائعة تعدو من كل جهات جسدي لتتكدس عند معدتي، فتتفاجأ بجبنٍ باردٍ وقطع خبزٍ جافة. ضحكتُ حتى شَرِقتُ.

عند ظهيرة اليوم التالي كنتُ قابعاً في ركني المفضل من المقهى، كنت دوماً أفضلُ المقاعد الخلفية؛ فمنها استطيعُ الاطلاع على العالم، اتسمرُ لساعاتٍ مراقباً الناس، و تنقلات النادل بينهم، طريقة حمله لطلباتِ الزبائن، تأرجح السوار النحاسي على معصمه، وصوت احتكاك خواتمه العديدة على أسطح الطاولات كلما وضع طلباً، وعلى الرغم من لحيته الكثة إلا أنني أراهن دون دليلٍ ملموس على أنه شاذ جنسياً. تكرعتُ كوب الماء على معدتي الخاوية وطقطقتُ ظهري متلمساً مواضع الألم عند نهايته، كانت ليلة أمس مكتظةً بالأحداثِ المُرهقة. لم أنمْ قط وظللتُ أعمل طوال الليل دون طائل. كانتْ لدي العديد من عُلب الدهان التي لم تستخدم فرصصتها عند أحد حوائط بيتي، وبفرشاةٍ قديمة أخذتُ ألطخُ الجدارَ كيفما اتفق، تداخلت الألوانُ في نفورٍ و امتلأَ المكانُ برائحةِ الطلاء المُسكرة، ثم وقفتُ متصلباً أمام اللوحةِ الجدارية، في يدي أوراقٌ و قلمٌ، تركتُ عيني تتمشيان على الألوان علّ فكرة ما تنبجسُ من رأسي، لو كنتُ أنا و لطخات الألوانِ هذه جزءاً من لوحة سيريالية لرُبما نالت استحسان النقادِ، وبيعتْ في مزاداتِ أوربا بأبهظ سعرٍ.

خمنتُ أن الأفكارَ تتمنع عني لأن الألوانَ المتداخلة تشتتُ تفكيري؛ فقررتُ طلاءَ الجدارِ بلونٍ واحدٍ. تزاحمَ أمامي الأبيض والأحمر والأزرق فاخترتُ الأخضرَ الداكنَ عسى أن تتراءى أمامي كُل غابات أفريقيا بشجارات قردتها وقفزاتِ غُزلانها المتهورة وكَسَل أسودها، ورقصات قبائلها. لكن الأخضر لم يمنحني سوى رؤية باعوضةٍ تعيسة عَلقتْ في الطلاءِ اللزجِ، فمكثتُ أراقبها حتى همدتْ.

ازدادَ عددُ زوارِ المقهى، عجائز فاتهم قطار الإبداع ، شبابٌ عبقري الحرفِ لا يجدُ مساحةً لدس كِتاباته في عُقول نُقاد أصابتهم الكلاسيكيات بالتخمة، آخرون يزجون بالعضو الذكري بين كُل كلمةٍ وأخرى، الباحثون عن مأوى و جماعة، والبوهيميون الذين تزكم روائحهم الأنوف، وأنا الروائي الذي لم تجد رواياته الثلاث سوى صدى قذفَ حجر في نهرٍ. آلام الظهر تزداد، شتمتُ الأمريكي ” دان براون ” على نصيحته الغبية، بالأمس تشقلبتُ- كما قرأت في مقالته – رأساً على عقب على عارضة الباب، طنتْ أُذناي و أحتقن وجهي بالدماء. المأفون أكد أن هذه الوضعية تجلب الأفكارَ لكنها أصابتني فقط بالدوار؛ فسقطت على ظهري بمهانة لا تُناسب عمرَ الأربعين.

تحاشيتُ النظرَ إلى زميل المهنة “عبد الرؤوف ” لكنه بكُل لُزُوجته المعتادة التصق بطاولتي، احتضنني بتكلف واحتضنته بتكلف، و جلسنا نتجاذب سراويلَ الحديثِ. عليك كمثقف عندما تحادثُ مثقفاً أن تنفخَ صدركَ، تنظرُ بعيداً خلفه إلى اللاشيء، تصمتُ لهنيهاتٍ كحكيم صيني، وأنْ تستخدمَ بضع كلماتٍ كمتلازماتٍ لغوية مثل: اندغام، تماهي، أفريقانية، الأنجلو سكسونية.

وكَمَن رأى أمراً طريفاً على الفيس بوك قلتُ له و أنا أعيد هاتفي إلى جيبي: هل مررتَ بشُح في الكتابةِ؟

نظر إليَّ مطوَّلاً ثم قال: لا طبعاً! المبدعُ معينه لا ينضبُ، كما تعلم فأنا سنوياً أصدر كتابين، هل تَمُر أنتَ بحبسةِ الكاتب؟

-تراجعتُ بظهري على المقعد كَمَن يتقي شرَ سهمٍ طائشٍ: لا. مستحيل! إنه شابٌ راسلني يطلبُ علاجاً لهذا المرض.

-شبك يديه قائلاً: همنجواي وروث يقولان: الحيلة للتخلص من حبسة الكاتب هي أن تقوم بالكتابةِ فحسب.

-صحيح! أجبته كاتماً غيظي عليه وعلى همنجواي هذا.

و استرسلنا في الحديث حتى شاهد “عبدالرؤوف” شاعرةً شابةً تدلفُ إلى المقهى فقطع جلسته معي وودعني حاملاً معه مشروبي الغازي وهرَع إليها.

أخبرتُ النادل ذا الخواتمِ العديدة بطلبي، أمسكتُ قلمي مبارزاً الأوراقَ البيضاءَ، وأنا أحتسي القهوة، و كُلما نفدَ قدحي جلبَ لي النادلُ واحداً آخر، قرأتُ أن الكاتبَ العظيم ” فولتير ” كان يشربُ أربعين قدحاً من القهوة عندما يكتبُ، واليوم سأحطمُ رقمه هذا، وأنهي عجزي الكتابي. عندما وصلتُ للقدحِ العاشرة قال لي النادل بنظرة متشككة: أستاذي هل أنت متأكد من أنك تريدُ المزيد؟

عند القدح الخامس عشر شعرتُ بتنميل في أطرافي, ظل يزدادُ بوتيرةٍ متسارعةٍ ليشمل كل جسدي، الطاولة اللعينة أصبحت تدور بي برعونة، فتقلصتْ معدتي وفقدتُ السيطرة تماماً على بلعومي الذي أفرغ عُصارة بطني الصفراء المُبقعة بسوادِ القهوة على الطاولةِ وعلى قميصي، بعد كل دفعة قيء أخذتْ غازات بطني تنفجر بفضائحية، كنتُ كمن ترفرفُ روحه في السقفِ مراقبةً تراجيديا الجسد، تَحلّقَ الجمعُ من حولي؛ يحاولون مساعدتي، شاهدتُ شاباً عربيداً يخرجُ هاتفه؛ ليدونَ تغريدةً بالحدثِ، أو فكرةً تصلحُ لقصةٍ قصيرةٍ مركزها بشاعة موقفي. أخيراً التقطتُ أنفاسي وبدأت ضرباتُ قلبي تنتظم، خيروني بين الذهاب بي إلى مشفى أو إلي بيتي لكنني فضلت البقاء للملمة نفسي. وشيئاً فشيئاً ابتعدتْ أنظارُ الناسِ عني وعدتُ وحيداً على طاولتي بعقلٍ خاوٍ، وأوراق بيضاء.

ثم أخذتِ الأمورُ منحى خطيراً عندما دلفَ إلى المقهى عملاقٌ ضخمٌ استطاعَ بمشقةٍ العبور من البابِ، و بالكاد بعدت رأسه بوصات قليلةٍ عن السقف، وفي صحبته عجوزٌ ذات صوتٍ عالٍ وضحكة خشنة رجولية، تجاهلا أعين الجميع و توقفا فقط عند طاولتي!. أجلستْ المرأةُ الرجلَ الضخمَ في مقعدين تحملا بمشقةٍ وزنه، بينما سحبتْ كرسياً في مواجهتي ويدها اليُسرى تتمشى على فخذ رَجُلِهَا و باليُمنى أشعلتْ سيجاراً

بللتُ لساني بريقي؛ لأقولَ: منْ أنتما؟

وبصوتٍ رنان : أنا بت مجذوب وهذا “استبيان”

بحلقتُ فيهما ببلاهة! كانتْ بت المجذوب متوسطة الطول، لونُها فاحمٌ مثل القطيفةِ السوداءِ، ما يزال فيها إلى الآن و هي تقارب السبعين بقايا جمال. بينما كان ” استبيان” أطولَ رجلٍ يمكن أن تقابله، قوي البنية، ذا وجهٍ طفولي طيب، يرتدي سروالاً صنع من أقمشة الأشرعة، وقميصاً من الكتان الفاخر، يداه ضخمتان ناعمتان متوردتان، ملامحه لاتينية مثل اسمه.

نادتْ بت مجذوب على النادل بصوتٍ مِغنَاج وطلبت حليباً للضخمِ، و شاياً لها ثم غمزته وهي تضربه بفجور على مؤخرتِه، فتلقى الصفعة بحبور لا يليق برجل!

تجرعَ ” استبيان ” كوبه في جُرعةٍ واحدةٍ، بينما شفطتْ بت مجذوب الشاي مُحْدثةً جلبةً عاليةً.

– من أنتما؟ وماذا تريدان؟

ردتْ بت مجذوب: ألستَ كاتباً؟ ألم تعرفنا؟! أنا بت مجذوب من عوالم “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح. و هذا استبيان من قصة “أجملُ رجلٍ غريق في العالم” لماركيز.

فغرتُ فاهي دهشةً، قرصتُ فخذي تحتَ الطاولةِ؛ لأتأكد أنني لا أحلمُ!

– يا رجل أَزل عنك هذهِ الدهشة الغبية، علي الطلاق ما أقوله كله صدق، كُنتُ حبيسة مثلك بين دفتي كتاب لكنني بحيلة ما استطعت الفِكاكَ من براثن الحبرِ و الورقِ، و طوفتُ كل أنحاءِ العالمِ ، تعرفتُ على العديد من الرجالِ، إلى أن قابلتُ حبيبي “استبيان” فأنساني أزواجي الثمانية، ومغامراتي الطائشة… لديه شيءٌ أمتن من الوتد وأَمضى من …. الخ.

كانتْ امرأةٌ فاجرةٌ كما قرأتُ عنها و كما تخيلتها، ثرثارةٌ بصورةٍ مزعجةٍ. بينما اكتفى “استبيان” بالنظرِ بوداعةٍ إلى يديهِ.

قاطعتها: و ماذا تريدين مني؟

– أثناء تجوالي مررتُ بعالمك؛ فأشفقتُ عليكَ يا عزيزي! أنتَ حبيسُ قصةٍ ركيكةٍ لكاتبٍ مغمورٍ، أنت مثلنا شخصية من بناتِ أفكار كاتبٍ لكن لسوء حظك كاتبك شاب لا صيت له و لن يقرأ قصتك أحدٌ؛ أخرج من سجنك هذا… العالم بالخارج فسيحٌ و ستجدُ ما يسعدكَ كما وجدتُ أنا حبيبي هذا.

جذبتْ رَجُلِها الصموت الذي لم يجعل له ماركيز لساناً. خرجا بعد أن أحدثا فوضى عارمة داخلي.

سرتُ مترنحاً نحو المرآة ليطالعني رأسٌ أصلع لوجهٍ غاضبٍ، بعينين منطفئتين، وعوينات كبيرة قبيحة، لم أحب يوماً وجهي، من قال إنني أحبُ ارتداءَ هذا القميص المزركش، كأنني سائحٌ على شواطئ المحيط الهادئ؟! نزعتُ القلمَ المزروع بتبجحٍ في أعلى ياقتي و قذفته بعيداً، نقمتُ على من كتبني، الفاشل لم يجد لي إلا شاربَ هتلر هذا؟!. الكلب جعلني أضاجع جسدَ الأرملة المترهل المقزز مرات و مرات، جعلني دون أسرة، وبالطبع دون أطفال، وحيداً أعاني من عسرٍ في الكتابة، أدور حول نفسي في عالم مغلق فقير بين بيتي و المقهى الثقافي، ثم ” عبدالرؤوف” الذي سرق مشروبي البارد و هرع حالما رأى فتاةً، حطمتُ المرآة بقبضتي دون أن تسيلَ قطرةُ دمٍ منها، خرجتُ من المقهى محدثاً زوبعةً ألجمت الجميع ، البُلَهاء لا يعلمون أنهم شخوص ثانويون في قصة بائسة، لا قيد بعد اليوم، سأرحل عن هذه الصفحات لأبحث عن عوالم أخرى، ربما أصير ملكاً فرعونياً، أو راهباً تبتياً، أو حتى مراهقاً فرنسياً، سأشبعُ كل نزواتي و أغترفُ من متعِ الحياةِ بمِعْولٍ، و عندما أسأَمُ تماماً سأحلّقُ فوقَ السحابِ وأجتبي منحوساً يعاني من حبسةِ الكاتبِ؛ لأومضَ في عقله فكرةً تنجيه من الجنون، وفداحة التشقلب رأساً على عقب.

______________

 Broca’s area **  منطقة تقع في الفص الأمامي من أحد جانبي المخ مختصة بإنتاج اللغة.

** محمد سعيد ناود هو رائد الرواية المكتوبة بالعربية في الأدب الإرتري الحديث وكانت روايته “رحلة الشتاء ” (صدرت في بيروت في سبعينات القرن الماضي)؛ أول عمل روائي كتب باللغة العربية في الأدب الإرتري، إلى جانب العديد من المؤلفات المتنوعة. توفي ناود بمدينة أسمرا & في 16 سبتمبر/ أيلول من العام 2010.

 

1

 فتحتُ عينيّ على العالم في مدينة بطفولة هامدة. فتحتُ عينيّ في ساحة المعركة. لم يخبرني أحد من هم الجنود، أو ما الاحتلال.

نشأت على فكرة أن الشاذ هو الطبيعي، وأن الأشخاص الذين يثيرون الخوف متى وأينما  ذهبوا، ليسوا منا.

عندما فتحت عيني على العالم، ظننت أن الشبان والمراهقين الفارّين من الجنود، كانوا يلعبون لعبة الغميضة أو يمارسون هوايتهم في لعب الغميضة.

كنت مخطئا.

مع مضيّ الأيام والأسابيع والشهور وربما الأعوام، صرتُ أدرك بأن هؤلاء الرجال المسلحين هم العدو، الاحتلال، وأولئك الذين يسعون فقط إلى القتل.

المرة الأولى التي كنت فيها قريبًا جدًا منهم وأنا رفقة والدتي نسير في الشارع الرئيسي في الطريق إلى السوق. كنت أبلغ الثالثة من عمري.

قدمت المركبات من بعيد وأخذ الناس يركضون.

فجأة شدّتني والدتي إليها، حملتني وضمتني بينما كانت تنظر إلى مركبات الجيب العسكرية الثلاث أثناء مرورها.

أحسستُ بنبض قلبها وهي تعانقني. عندما سرحتني، شعرت بِسَيلٍ من الراحة في أطرافي تبعته فورةٌ من الارتباك.

في تلك اللحظة، أدركتُ أن هناك خطأ ما. من بعدها، لم تصطحبني إلى السوق معها أبدًا.

كان اسم أول لعبة مع أترابي في الحارة “يهود وعرب”. في المرات الأولى، لم أمانع فكرة أن أكون يهوديًا، وهو ما يعني في اللعبة “الجيش”.

اجتمعنا يومًا في الحارة لنلعب اللعبة ذاتها وكنت في الرابعة من عمري، ولأني كنتُ الأصغر سنًا في المجموعة، اتخذوا قرار أن أكون “الجيش”.

– “كلا”. قلت، “أريد أن أكون عربيًا”.

– “لا، نحن العرب، أنت اليهودي، وأنت معهم”، أشار أحد الأطفال الأكبر سنًا نحو المجموعة.

لم أكن سعيدًا بذلك، وأجبت:

– “لا أريد أن أكون الشّرير. لن أكون جنديًا”.

شعرت بالغضب وحِدتُ بعيدًا، ثم جلست على إحدى الكتل الأسمنتية جوار جدار جيراننا أرقبهم يلعبون. كان العرب يرشقون “اليهود” بالحجارة ويسبّونهم، فيما الصّبية يلعبون دور الجنود ويحاكون إطلاق النار عليهم مصدرين أصواتًا من شفاههم. بعد أن فرغنا من اللعب، اعتدنا على إنشاء نقطة تفتيش بنيناها من الصخور وأغصان الشّجر، الأمر الذي أجبر المركبات على الإبطاء فيما نحن نمسك الهراوات الخشبية، ونحاكي البنادق.

 عاملنا السائقون على نحو مختلف. بعضهم مدحنا بقوله “أبطال” مضفيًا بهجةً بإظهار بطاقته لنا. أحيانا، كان الأمر ينتهي بنا مع متطرفين يأخذون في شتمنا من بعيد، ثم يعلنون عن نهاية اللعبة.

كلّ حركة، كلمة، وكلّ لعبة تشي بضيقِ طفولتنا وسحرها في غزة. سرقوا طفولتي، أمام عينيّ، فيما ظننتُ أنّ هذا هو الأمر الطبيعيّ.

وقعت عيناي، يومًا، على جريدة ألقاها أحدهم في الشارع. لطالما امتلكت شغف النظر إلى الصور في الجرائد. تحركت نحوها بتؤدة وقدماي العاريتان كساهما الغبار من أثر الرّكض والمشي في الشارع، رفعتها وأخذتها إلى ناصية الشارع، عند مدخل منزلنا. أخذت أقلب صفحات الجريدة، صفحة تلو الأخرى، محاكيًا أبي وهو يقرأ الجريدة، لكني كنت أبحلق في الصور فقط. فجأة، ثبتت عيناي على صفحة تطفح صورًا. كانت صورًا ملونة. صور نساء يبكين وجثث ودماء وأطفال قتلى وجنود مسلحين.

وجدتُني أركع، أدنو من الجريدة أكثر، أحشّفُ عينيّ، محاولا تفحص جثث الأطفال.

“لماذا لم يصرخوا؟” رنّ الصّوت في أذني. بعد سنوات، أدركتُ أنه لا يمكن الإنصات إلى صوت الأطفال في المجازر الكبيرة، وحدها أصوات الرصاص والبنادق تعلو.

قضيت ما يربو عن نصف ساعة في تأمل الصور. صورةً صورةً. انتابني إحساس بالغضب فجأة، وأنا أسيطر على نفسي، حملت الجريدة وذهبت إلى أختي الكبرى..

-“ارمِ تلك القمامة”، صرخت أمي من بعيد، مشيرةً إلى الجريدة. “والدك سيحضر لك غيرها غدًا”.

لم أنصت إليها، فتحت الصفحة التي كانت فيها الصور وسألت أختي الكبرى:

“من قتلهم؟”-

نظرت إليّ، ثم نظرت إلى الجريدة وقرأت قليلا، ثم ردّت قائلة: “الجيش”.

-“لماذا؟”، سألتها

صمتت لبرهة من الوقت ثم ردّت:

-“لأنهم مثلنا، فلسطينيون”.

-“وهل سيقتلوننا أيضًا؟”، سألت.

-“لا. في لبنان، صبرا وشاتيلا، حدث هذا منذ زمن”، قالت رافعةً يدها إلى مستوى وجهها بحركة رجعيّة إلى الخلف: “زماااان، زماااان”، بطريقة تبعث فيّ الطمأنينة وتبدّد مشاعر الخوف.

لعلّها شعرت بالخوف العميق في كلماتي.

منذ تلك اللحظة، لم تغادر صبرا وشاتيلا ذهني ولم أنس المجزرة. كما لا ينسى أي طفل المرة الأولى التي اعتلى فيها متن السفينة، أنا أيضًا لم أنس المرة الأولى التي التقطت فيها الجريدة واستُقبلت بهذه البداية القاسية.

منذ ذلك اليوم، زاد ارتباطي بالجرائد. في يومٍ، وجدني والدي أجمع الصحف في الشارع محاولًا تأمل الصّور فيها.

 “ارمها”، قالَ صارخًا.

-“أريد أن أرى الصّور”، أجبته.

-“حسنًا، سأحضر لك غدًا جرائد جديدة”، ردّ عليّ وأمرني بالدخول إلى المنزل.

في وقت لاحق من الأسبوع ذاته، عثرتُ على كنز. وجدته في غرفة أخي، تحت مرتبة أحد الأسرّة الكبيرة في المنزل.

كان هناك ما يقارب عشر مجلات ملونة. وكان اسم المجلة “عبير”- مجلة قومية تضمّنت صورًا ملونة عديدة لفدائيين ومطاردين، أي مقاتلين مقاومين ومطلوبين. قضيت أيامًا عديدة، أستيقظ من نومي، ألتقط مجلةً وأبحث باستمرار في الصور دون أن أتمكن من قراءة سطر واحد.

في ذلك الأسبوع، بدأ والدي بإحضار جريدة القدس بعد عمله. كان يشتريها يوميا إلى أن تقاعد. انتظرت عودته من العمل يوميًا. بمجرد أن يلوحَ في الشارع، أركض صوبه حافي القدمين ملتقطًا ما كان يحمله؛ فواكه أو خضروات، والجريدة.

كانت إحدى شقيقاتي الأكبر منّي سناً، اللواتي اعتدن القراءة، تأخذها مني، وتناولني الملاحق الثقافية والرياضية ريثما تنتهي هي من قراءة الجريدة. كان فيها صورٌ كثيرة، وخالجني شعورٌ بالرّضى. عندما عادت منظمة التحرير الفلسطينية، انضافت صحيفتان أخريان إلى صحيفة القدس، هما “الحياه” و”الأيام”، وكنّا أنا وأخواتي الثلاث الأكبر سناً نتنافس من سيقرأهما أولاً.

عندما كبرت، حاولت أن أتخيل طفولتي بدون الصحف، بدون المجلات، بدون الصور، بدون الكلمات ورائحة الورق. لولاها، لصار عالمي فوضى، ولربّما كان قد انهار. بالنسبة إلي، كانت الصحف والصور هي العالم الذي يأخذني من لعبة “يهود وعرب”. كانت صراعي اليومي لتجديد عالمي وطرح الأسئلة المؤجلة التي ما زلت أجيب عليها، إلى هذه السنّ، وقد تجاوزتُ الثلاثين.

3

ها أنت تتمددين الآن عاريةً إلى جانبي في السرير. أعوامًا طويلة وأنا أسمع صوتك في ذهني.. لقد عشت معك عمرًا كاملاً دون أن أرى صورتكِ.

تكلمي ليليان، لماذا أنت صامتة؟

نجحتُ في حلّ معادلات الرنين المغناطيسي وحصلت على بطولة عالمية في الشطرنج، وألّفتُ كتابًا شعريًا عن الكواركات وحركة الالكترونات …

لقد نجحتُ يا حبيبتي.

كانت صفراء شاحبة وجسدها متيبس إلى جانبي، أنا أيضًا كنتُ إلى جانبها في السرير، لكني ظننت أنها هي من تفوهت بتلك الكلمات. أصوات عديدة كانت تطرق مسامعي.

لكنّي كنت متأكدًا من أنها متمددة إلى جانبي فكلما أدرتُ جسدي نحوها رأيتُ وجهها الهزيل وحركة عينيها الرخوتين يمينًا ويسارًا، بينما ظلّ نهداها لفترة طويلة عبارة عن كتلتين متحجرتين فيهما أثرٌ بسيط للشقوق والندوب. وكلما أطفأتُ الأضواء وغرقت الغرفة في ظلام دامس؛ أطلتُ التحديق في وجهها ورأيتُ ابتسامتها اللامعة والمخيفة في العتمة.

أنا أيضًا ً حركتي كانت غريبة جدًا، حركة لم أعهدها من قبل في مشيتي، شعرت أن فقرات ظهري تستند إلى كتلتين عظميتين، وأن قدميّ تساعداني على القفز لمسافات طويلة وبعيدة. حتى شعر جسدي صار كثيفًا فجأة، أليس الأمر مريبا ومخيفا أن تنمو لي حوافر قذرة وينبت الشعر أو الوبر في جسدي؟

لكني لست خائفا الآن .. سابقا كانت تخيفني أشياء عديدة: صوت أبي وتقريعه لي، سخرية أطفال الحي مني وضربهم المتكرر لي، قطعان الكلاب الضالة، مسؤوليات العمل التي لم أنجح في أي منها، وكنت مرتاحًا ومطمئنًاً عندما يأتيني قرار إداري بالفصل. في هذه الحياة لم أجد لي أعداء ولا حاسدين، الكل كان ينظر لي بعين الشفقة والرحمة القاسية، تلك الرحمة التي ينظرون بها البشر لأي كلب غريب ووحيد مثلي.

حتى ليليان لم تكن تحبني، بل كانت تطعمني من يديها الملائكيتين، وعطر أخّاذٌ يجذبني نحوها، لكنها كانت تعيدني إلى قفصي بعد ربطي بالسلاسل دون أن تنظر إلى عينيّ الراجفتين والدموع تسيل منهما.

تكلمي ليليان لماذا أنت صامتة؟

حسنًا، سأجلب لك الدواء من أقرب مكتبة هنا. خدرٌ يسري في أطرافي ولا أستطيع النهوض بهذه الحوافر الجديدة .

هناك قدمتان كبيرتان تحت الطاولة تتحرك أصابعهما  بطريقة دائرية، أستطيعُ التعرف إلى الشخص من ملامح قدميه، أظنه من الأشخاص الذين كانوا يضربونني ويسخرون مني دائمًا، هذا الشخص الذي لم أستطع الإجابة عن أسئلته يوما، لكنني الآن أستطيع وأقولها لكم بكامل ثقتي وقوتي، وصرخت بكامل صوتي أنا أستطيييييييع ….

وفعلاً أجبت عن جميع أسئلته التي كانت تربكني وتخيفني، أجبت عنها جميعًا دفعة واحدة.

بقعة دم كبيرة على أرضية الغرفة. منظر الدماء يشعرني بالراحة والطمأنينة، لكن يبدو أن المشهد قد فسد وكل شيء صار واضحًا أو ربما شبه لي ذلك.

وجهٌ يخرج لي من باب الخزانة الموارب يحييني بإيماءة من وجهه، ويغمز لي بعينه اليسرى، كان وديعًا ولطيفًا وهو صديقي الآن، لم يكن مخيفًا هذه المرة حتى أني استطعت الإجابة عن أسئلته مرة واحدة بطريقة مذهلة فاجأته جدًا. جميل أن تحقق معجزة كبيرة في هذه الدنيا، أن تثبت للآخرين أنك حققت شيئًا ظنوه مستحيلا ًفي قاموسك، حقاً أنها سعادة عميقة وسحرية، سعادة لا توصف يشعر بها الإنسان في تلك اللحظات.

عليّ أن أسرع يجب أن أذهب إلى المدينة حالا، لأجلب لك الدواء لكن الضباب رمادي والأرض مطاطية لا أستطيع الركض، سأحاول .. فأنا لم أعد أخاف شيئًاً بعد اليوم.

كانت قفزة هائلة أنا أطير بخفة وأحلّق عاليا دون أن أغرق في لزوجة الوحل السماوي،  لكن يبدو أن سرعتي جنونية. سأهبط  في الحال. في سرّي كنت أسأل ما حاجة البشر إلى الجاذبية إذا كان الإنسان ينتصر على الضوء والجاذبية في هذه الظروف.

في الحي القديم مرّ بي أشخاص مقربون جدًا إلى قلبي، لم أكترث بهم وسلمت عليهم سلامًا عابرًا. الدكاكين والمنازل يرتادها أشخاص غرباء بمعاطف سود. نجارون يصنعون التوابيت لأهل الحي، لم أكن خائفًا، حاولت الاقتراب من هؤلاء النجارين أصحاب المعاطف السوداء، لكنهم كانوا منهمكين في عملهم ولم يلتفتوا الي أبدًا أو يرفعوا رؤوسهم نحوي.

شخص ضعيف وقامته محنية يرتدي نظارة طبية وقبعة أخبرني بصوت خافت أن ليليان ماتت .. همس لي ومضى مسرعا ًثم اختفى. تيبس الصراخ في حنجرتي، وصوت دوى في السماء مع هدير الرعد، صوت امتزج مع صوتي بين ثقوب السماء الخفية..

ليلياااااااان ….ليليااااااااااان ….ليليااااااان

كنتُ متسمرًا في غرفتي بهيئتي الحيوانية الرثة، وكانت ليليان لا تزال ممددة على السرير، لا أدري إن كنت حقًا قد ذهبت فعلا لأجلب لها الدواء أم أنني كنت هنا أبكي طوال هذه الفترة؟

أطلت النظر في عنقها الأبيض الطويل والمكتنز، كان هناك شريان بارز من هذا البياض.

عندما أجوع أشرب منه الدماء … لقد حفرت هذا الثقب بأنيابي. سامحيني حبيبتي فلم أقصد ايذاءك أبدًا.

تكلمي ليليان لماذا أنت صامتة؟

  مازلت ممدداً إلى جانبك في السرير… ها أنت تتحركين وتقتربين مني، أنا حيوانك الأليف، أشعر بجسدك يطوق جسدي وأنفاسك الحارة تلفح رقبتي ووجهي في العتمة. سيقانك تلتف حول حوافري، ولسانك الطويل يلحس رقبتي وفكي وصَدري.

أنت تنبضين الآن …أنت تتحركين.

ليليان ……………. لقد نجحتِ يا حبيبتي.

 

0

.أجلب العالم إلى غرفتي

لم ينتبه إليّ حين اتجهت فور دخولي من الباب الواسع، صوب مكتب مراقب الدوام، لتسجيل ساعة وصولي إلى العمل.

وبالحركة الخفيفة الناعمة المتأنيّة التي قمت بها وأنا أزيح شالي المرقّط عن عنقي، لأضعه بجواري، فوق حقيبة يدي البنية الكبيرة، حيث يمدّ الكتاب جزءاً من غلافه. مركّزة في سجل التوقيع، أدوّن توقيت وصولي، بالساعة والدقيقة: الثامنة وثلاث وعشرين دقيقة. إذ يدي اليمنى تمسك بقلم التوقيع، واليسرى تسترخي فوق الشال المرقّط والحقيبة، خشية انزلاقها، كما يحدث غالباً، واندلاق محتوياتها.

لأنني مغرمة بالقراءة في كل مكان، فإنني أحشر كتابي حين أدخل مكاناً ما، أو أتوقف عن القراءة لأني أغادر مكانا آخر. أنسى الحقيبة مفتوحة، وغالباً ما آتي بحركة عشوائية، فتندلق محتويات حقيبتي.

“سبع دقائق وأغلق الدفتر”.

قال مراقب الدوام.

نظرت إلى ساعة يدي وأجبته:

” ولكن سبع دقائق هي زمن أيضاً. في دقيقة واحدة ممكن أن يتغير وجه العالم”.

لم أتوقع أن يستطيع أحد قراءة عنوان الكتاب المدوّن على الكعب الفاصل بين دفتي الكتاب، والذي يبدو من داخل الحقيبة المفتوحة، إلا إذا كان دقيق النظر ويعرف الكتاب جيداً.

من هذه اللحظة، من حركة يدي تزيح الشال المرقّط (جلد الحيّة)، ويدي التي تداعب من دون انتباه، غلاف الرواية التي في حقيبتي، من هذه اللحظة، ستبدأ أحداث هذه الرواية.

سحبت شالي المرقّط بلطف، ودسسته داخل الحقيبة، وهبطتُ في المصعد.

كان يراقب أزرار المصعد. بعد نصف ساعة تقريباً، أخذ المصعد، وهبط به إلى المستودع، حيث توقف بي، وحيث أعمل.

  منهمكة في تفريغ صناديق الخراطيم الجديدة التي وصلت المستودع ليلة البارحة في نهاية الدوام، ولم أتمكن من ترتيبها.

متسلقة السلّم الحديدي، أصعد وأهبط، لأرتب الخراطيم في الرف الثالث، سمعت صوت خطواته.

وقف أمامي بسيجارته، نظرت إليه وأنا أعلى السلم، وشعرت بدوار مفاجئ:

ـ التدخين ممنوع هنا، ألا تقرأ.

أشرت بإصبعي نحو لافتة كتب عليها: ممنوع التدخين، مواد قابلة للاشتعال.

كان المستودع محتشداً بالمواد المشتعلة، من بنزين وكيروسين. رمى سيجارته على الأرض ودهسها بحذائه.

قفزت على السلّم بحركة سريعة والتقطتُ عقب السيجارة، كاد السلّم يسقط فوقي:

-ما هذه الفوضى، الأرض نظيفة!

– هل نحن في مشفى؟

-قال ساخراً ثم أضاف:

-لكني لم أر أي منفضة

-قلت لك إن التدخين ممنوع!

وضعتُ عقب السيجارة في كيس القمامة، في الركن الصغير المفصول عن مكتبي بستارة سوداء، وعدت لأفتح صندوقاً جديداً من البضاعة وأرتّب محتوياته في الرفّ الثالث.

-أنت تعملين هنا؟

ـ-ماذا ترى؟

أجبته باقتضاب مستغربة وجوده أمامي. عادة لا يدخل هذا المكان سوى عمال نقل البضاعة من وإلى المستودع.

– وحدك؟

– أترى أحداً غيري؟

– لماذا تجيبين على السؤال بسؤال؟

– ولماذا تسأل بسذاجة؟

-ضايقتك؟

– لا أفهم ماذا تفعل هنا؟

-رأيتك فوق منذ قليل، أحببت أن أعرف طبيعة عملك.

– في المستودع، كما ترى، من أنت؟ ماذا تريد؟

– أيهمك؟

-أنت عندي، في مكان عملي، أنا مسؤولة عن هذه الأغراض.

-هل تتوقعين أن أسرقك؟

– لا ، لا تستطيع أن تفعل، كاميرات المراقبة مزروعة في كل مكان، تسجّل كل التفاصيل.

-أين يمكنني أن أدخّن؟

– نزلت هنا كي تدخن؟

– كلا، بل نزلت للتحدث إليك ، لكنك لا تكفين عن الحركة صعوداً وهبوطاً مع هذه الأكوام .

-هذه خراطيم. إنها بضاعة، وهذا عملي.

-ـ لا يهمني.

– لماذا تريد التحدث إليّ؟

– لا أعرف.

– هل تعرفني؟

-أريد أن أعرفك.

– أنت غريب.

– وأنتِ أيضاً.

– هل تظن أننا في مسرحية عبثية؟

– هل تحبين بيكيت؟

– كلا.

– تفضّلين أرنستو ساباتو.

هنا فقط، أمام هذه العبارة، توقفت عن الصعود والهبوط، ونظرت إليه. نظرت إليه للمرة الأولى، نظرت في عينيه، ولأول مرة في حياتي، أرتبكُ أمام عينيّ رجل.

– رأيت الكتاب؟

– كان داخل الحقيبة.

-لمحت العنوان؟

– من داخل الحقيبة.

-كان نصف الغلاف إلى الخارج.

-تعرف الكتاب؟

-أحب ساباتو كثيراً.

-ماذا تريد؟

-أن أدخّن.

– تصرّ على التدخين هنا؟

– نعم.

-ـ انظر( فتحت ذراعيّ مستعينة بهما) المكان مليء بالزيوت والشحوم القابلة للاشتعال.

– ألا يوجد ركن نستطيع أن ندخّن فيه بهدوء؟

– أنا لا أدخّن في العمل.

– أنا بحاجة إلى سيجارة.

نفضت يديّ من غبار الصناديق والخراطيم، مسحتهما بتنورتي، وطلبت منه اللحاق بي.

فتحت باباً يطلّ على فسحة مربّعة، تطل بدورها على أرض خالية.

-ـ هنا، تستطيع أن تدخن.

قبل أن أتركه وأدخل، أمسك بذراعي:

-ابقي معي.

-أشعر بالبرد هنا.

– لن أبقى وحدي.

– سأجلب معطفي.

دخلت أجلب المعطف، وأنا أشعر كما لو أنني أقوم بدور مسرحي. تنتابني هذه الحالة أحياناً. أشعر بأنني أفعل أشياء من خارج الواقع، أتصرف وكأنني نائمة، أو غائبة عني، لا أسيطر على سلوكي، وكأنني أستعير جسدي، بينما عقلي في مكان آخر. أتحدث إلى كائنات غير موجودة، أسمع أصواتاً تثرثر معي، تهمس لي. لا وقت أمامي الآن للتفكير، مضطرة للتصرف وفق ما يجب، وسأفكر لاحقاً، بمن يكون هذا الرجل، من أين أتى، وهل هو واقعي حقاً، هل أطفأ سيجارته في أرضية المخزن؟ عليّ أن أسرع إليه الآن، قبل أن تنتهي سيجارته، وأضطر لانتظاره، ليشعل واحدة أخرى، وينهيها من جديد.

-أنت زبون في هذه الشركة؟

-كلا

-تعمل في الشركة؟

-كلا.

-ماذا تفعل هنا إذن؟

– ظروف جاءت بي، أشرحها لك فيما بعد.

-أنت لا تعمل في السيارات إذن؟

-كلا، أنا محامٍ.

-مهنة جيدة.

-ربما.

-ألا تحبها؟

-ليس كثيراً، وأنت، أتحبين مهنتك هنا؟

-هذه ليست مهنتي!

-كيف؟

-إنه عمل لكسب العيش، وليس العمل الذي أحب.

-وما هو العمل الذي تحبين؟

للمرة الثانية، نظرت إليه، نظرت في عينيه، وللمرة الثانية ارتبكتُ أمام نظرته، أنا التي لم أرتبك يوماً أمام عينيّ رجل. مددت يدي نحوه مطالبة بسيجارة، فهذا هو الحديث الأغلى إلى روحي، الآن ، أحتاج سيجارة.

ناولني سيجارة دون استغراب، كأنه يتوقع كل ما أقوم به، كأنه يعرفني ـ أهذا جزء من النص المعدّ مسبقا؟ أشعل لي السيجارة، مقترباً مني، أنفاسه ترتطم بأنفاسي، تحوّل قلبي بغتة إلى عصفور يرتجف بين ضلوعي. قلت بثقة وقوة، وأنا أنفخ الدخان من صدري:

-الكتابة!

-تريدين أن تكتبي؟

-لو أُتيح لي أن أختار المهنة التي أحبها لاخترت الكتابة.

-أي نوع من الكتابة؟

-الرواية!

– لهذا تقرأين ساباتو؟

أخذت نفسا جديدا من السيجارة، اقتربت منه، أسندت رأسي إلى الجدار على مقربة منه، أكاد ألتصق به، كأنني أهمس له ، قلت:

-أشعر أحياناً وكأنني خارجة من كتاب.

لم يبتسم ولم تبدُ عليه أمارات الدهشة:

– يحدث هذا أحياناً.

-أيحدث لك؟

– كلا، ولكنني سمعت عن أشخاص حدث هذا معهم.

-أنا لم أسمع أو أقرأ عن هذا.

أطفأ سيجارته سحقاً في الجدار، متسائلاً برأسه، أين يستطيع أن يرميه؟ التقطت عقب السيجارة من بين إبهامه وسبابته، مست أصابعي أصابعه الأنيقة، وطوحتُ بالعقب في الهواء.

-أنا أشبه عقب السيجارة هذا.

-قلت للتو إنك خارجة من كتاب.العقب الذي رميته لا أهمية له.

-والشخص الخارج من الكتاب أيضاً، له أهمية؟

-بالتأكيد.

برمت شفتي ولم أرد.

-هل أستطيع دعوتك إلى فنجان قهوة في مكان ما؟

– لا أخرج مع الغرباء.

-ـ لكنني لست غريباً!

– كيف؟

-ألم نتحدث للتو؟

-أهذا يكفي؟

-يكفي لاحتساء فنجان قهوة.

-أشعر بالبرد، هل ندخل؟

دخلت. تركت معطفي عليّ. سألتني وأجبت بسرعة “لا، ليس خيالاً”، ثم وجدتني أفكر” لكن الوقت ضيق أمامي، ما دمت داخل الحدث، لن أستطيع أن أحدد ما إذا كان حقيقة أو خيالاً”.

-هه،هيا بنا؟

-لم أوافق.

-حسناً، اسمعي، لنفترض أنك كما تقولين، شخصية روائية، خرجت من كتاب، لماذا لا نناقش المسألة وفق منطق روائي؟

أعجبني كلامه، هززت رأسي متسائلة.

-نخرج معاً، نتناول القهوة في مكان ما، نثرثر، كما الآن، ثم تعودين إلى هنا، تماماً كما لو أنك خرجت من الرواية إلى الحياة، أو عدتِ من الحياة إلى الرواية.

لم أتمكن من مناقشة المسألة طويلاً برأسي، يتحدث كما أفكر، وفق منطقي ذاته، ما الفرق بين الكتاب والواقع ، بين القصة المدونة، والشفهية للتي نحياها، ومن يقرر إذا لم يكن ما نحياه هو رواية أيضاً؟ إنه يداعب أفكاري ذاتها.

-هل لديك نقود؟

-كثير.

– حسناً، أنا لا أملك المال، أخرج معك، شريطة أن تعيدني إلى هنا.

– موافق.

– اسبقني، سأتصل برئيسة المستودع لأستأذن منها، لدينا ساعة واحدة فقط.

-حسناً، ساعة روائية تكفي.

ضحكت وأضفت:

-عيش روائي لساعة من الزمن.

٭٭٭

لا أعتقد بأننا احتسينا فنجانين من القهوة، لأن حالة الارتباك العيشي والشك الوجودي أصبحت أكثر كثافة. بدأت أشعر بخفة وزني، كأنني ريشة أكاد ألامس الأرض، وانتابتني رغبة كبيرة في الضحك.

أصبح وجودي بحد ذاته غائماً أمامي. من أنا؟ ماذا يحصل؟

تنتابني هذه الحالة في لحظات معينة، سأشرحها لاحقاً. ولكن ما الذي شربته للتو حتى صرت ميالة للإحساس أنني كائن غير واقعي، وأن كل ما يحدث الآن لا يحدث بالفعل. وأنني ربما متُّ منذ سنوات، وأتخيلني شخصية روائية -لساباتو غالباً- صدقت عيشي وتمددت في وجودي.

ولأن الأحداث تمر حولي، وساباتو الذي أفترض أنه صنعني غير موجود أمامي، أو أنني لا أراه، بسبب غياب المؤلف، فأنا مضطرة لتحمل ثقل وجودي الحالي، مهما كانت درجة شكي به، إلا أنه، قد يكون حقيقياً، وعليّ أن أتعامل مع ما حولي ببعض المنطق الواقعي، لا الروائي.

إلا أنني، رغم محاولاتي عدم الضحك مثلاً، والتماسك كي لا أسقط، أو أُسقط معي شيئاً مما حولي، الطاولة، أو إبريق الماء، أو المزهرية. فإنني لم أتمكن من التخلص من حالة اللامبالاة التي منحت جسدي خفة غامضة.

لنفرض أنني كائن روائي، فأنا أتصرف إذن وفقاً لإرادة الكاتب أو الكاتبة، ولن تفلح كل جهودي في التحكم في سلوكي. وإن لم أكن كائناً افتراضياً، فإنني وحالتي ما هي عليه، ما من منفذ أمامي للتصرف بعقلانية. كل ما عليّ فعله، هو الحذر، كي لا أسقط على الأرض، وأُعرّض نفسي لسخرية الآخرين.

-ماذا شربنا؟

-كونياك.

-فقط؟

-نعم، أنتِ طلبت قهوة مع الكونياك.

-أحسّ ببعض الدوار.

-تريدين أن نغادر؟

-أين نذهب؟

-تدخلين الكتاب.

قال وهو ينهض مبتسماً، فانفجرت غاضبة:

-أتسخر مني؟

-أعتذر.

قالها على نحو جدّيّ وقاطع لا يقبل الجدل. أجبته ببعض العدوانية:

-لا تكررها ثانية.

نهضت خلفه دون أن يخطر ببالي سؤاله أين نذهب. كنت بحاجة للذهاب إلى مكان آخر، أي مكان، غير هذا المكان.

في المصعد ( لا أذكر أننا أخذنا المصعد ونحن قادمين)، أسندت رأسي إلى كتفه.

– أنت سكرانة؟

لم أجب.

توقف المصعد بنا، لفّ ذراعه خلف ظهري ليسندني، وأدخلني في سيارة ، قهقهت قائلة، وقد تجشأت رائحة الكونياك:

-أهذا باب الرواية؟

ابتسم بطريقة فاتنة، تنبهت إلى أنه وسيم للغاية. كنت قد شعرت بهذا من قبل، لكنني لم أتوقف عند الأمر، لم أنتبه، الآن أحسست كثيراً بوسامته، أهو السُّكر اللعين الذي يشوِّش مخيلتي، ألهذا ارتبكت وأنا أنظر في عينيه في المرة الأولى؟

-أين نذهب؟

-من فضلك، لا تطرح عليّ أسئلة منطقية، لست في حال تسمح لي بالتركيز، أنا الآن في مكان آخر.

أشعل صديقي سيجارة، انتبهت إلى أنني لا أعرف اسمه. رغبت في سؤاله عن اسمه، إلا أن هاتفه المحمول قطع  رغبتي في السؤال.لا أعرف ماذا قال، فقد أجرى محادثة باللغة الإنجليزية التي لا أحبها، ولا أجيدها كثيراً، وحين أقفل الهاتف، كنت قد نسيت سؤالي.

جلست على أريكة مذهّبة. ثمة أشخاص كثيرون حولي، لا أعرف أين أنا، من جاء بي إلى هذا المكان، تركني، أو نسيني.

الأمر الذي خشيته دوماً، الخوف الذي رافقني مراراً، هو أن أضيّعني.

كيف أشرح هذا؟

لا أقصد الضياع الرمزي أو الفكري، بل المادي، أن لا أستطيع أن أذهب بي، أحملني، آخذني. أف، لا أستطيع وصف هذا، حين أجرب الكلام عنه، يتحول إلى شيء آخر.

ثمة حالات تنتاب أحدنا، لا تستطيع اللغة تقديمها، بل إن اللغة، تشوِّهها. أف. سأحاول أن أشرح كيف أضيّعني.

حين يحصل ازدحام في الطريق، أو يفقد الناس بعضهم الآخر، أُطمئِن نفسي:” أنا معي، لا شيء مخيف”، كوني معي، يطمئنني إلى أنني سأتصرف بطريقة سليمة وصحيحة. ولكني سرعان ما أتساءل: “ولكن من هذا الأنا الذي يرافقني وأثق به؟”. أعرف أن هذا كلام صعب الفهم، لأنه صعب الشرح، ربما يشعر به البعض، وبأوجه مختلفة، لكن التعبير عنه بالكلمات صعب.

المهم هو أنني معي، لا مع أحد آخر. ماذا يحدث مثلاً، لو كنت في طائرة، أو باص، أو باخرة، ووقع حادث كَوني معي، سأنقذني، ولكنني لو كنت في مكان آخر غيري، فاحتمال نجاتي أقل بكثير.

لا أعرف كيف أشرح هذا،لا يهم، لا يهم.

أين أنا الآن؟ وكيف عليّ أن أكون معي لأساعدني؟ يجب أن أنهض، أتحرك، أسمح لهذه الأنا التي تسكنني بفعل ما، بدلاً من التسمّر جالسة وكأنني دونها!

لمحته من بعيد، الوسيم الذي كلما رغبت في سؤاله عن اسمه، حدث أمر ما، ونسيت السؤال.

كان يراقص صبية جميلة للغاية. يحتضنها بشغف، يتبادل معها الحديث والضحك، يهمس في أذنها، تضحك بدلع. صبية حسناء إلى حد استفزّني.

نهضت متّجهة نحوه، إنه الشخص الوحيد الذي تعرفت إليه في هذا المكان الذي وجدتني فيه فجأة.

– كيف تجدين نفسك الآن؟

سألني، فهززت رأسي دون جواب، لأن الكلام في هذا الضجيج ، يعني أن عليّ الصراخ.أحسّ بالأمر وقال:

-هل نذهب؟

كما لو أنه أنقذني من مأزق، ابتسمت له، يبدو أنني لست في المكان الصحيح، ولكن ترى أين سيذهب بي؟

– سأجلب معطفي.

ما إن شممت هواء الشارع النقي، حتى تخففت من الضجيج الذي كان يحفر في رأسي.

– أين نذهب، سألته؟

نظر إلى الساعة :

-تأخر الوقت، أوصلك إلى المنزل؟

-كم الساعة؟

-التاسعة.

– مساءً؟

ضحك مقهقهاً.

– نعم، مساء.

-اعتدت على العودة في الثامنة مساء.

لا أعرف كيف تذكرت هذا بغتة؟

– هل من مشكلة؟

– لا أظن.

كما لو أنني كنت غارقة في الماء، أو أنني أرى الأشياء من خلف حاجز، بدأت تنقشع الرؤية في رأسي، وبدأت أفكاري تتوضح أمامي، وتذكرت أين أسكن، وأنني ربما لست شخصية روائية، لأن العمارة التي أوقف الشاب الوسيم سيارته أمام مدخلها، كانت تحمل الرقم 6 ، كما قلت له من قبل وأنا أدله على عنوان سكني.

– أنزل معك؟

– نعم، من فضلك.

ترجّلنا من السيارة، دخل معي باب العمارة. مدّ يده مصافحاً معتذراً إن كان قد سبب لي أيّ إزعاج.

تركت يده الممدودة نحوي وتشبثت بعنقه واشتبكت معه بقبلة طويلة.

كنت أشم رائحة النبيذ من شفتيه، ولكنه بدا كأنه لم يعانقني، ولم يقبلني، كما لو أنني كنت أمسك بشخص من فراغ.

 

1

عند الساعة الواحدة بعد الظهر تقريبا. كانت الريح تدحرج علبة جعة منهوبة الروح في الشارع المقفر. سكون كبير يصل قوس بَابْ بْحَرْ ببرج الساعة 1 العملاقة عند تقاطع شارع محمد الخامس وشارع الحبيب بورڤيبة. العاصمة الخالية يشوش سكونَها معتوهُها الشهير؛ رجل من ظنون يطوف بالساعة طوافه الأخير، قبل أن يأخذ في إبعاد النّاس وتحذيرهم من سمّ العقارب العالية، ثم يبدأ في رجم أعدائه بالحجارة والحديد والبيوت والأشجار والغربان والتيوس. أشياء لا يراها إلا هو، يتوهّم أنه يلتقطها من القاعدة الرخامية لساعة الفولاذ المتبرّجة كعاهر في آخر سنوات النضال. نسي الناس أيام الخطف والرعب. لم يختف رجل واحد منذ سنة أو أكثر. كان الناس ينعمون بقيلولة شهر أغسطس المقدّسة. الحرارة تعدّت الخمسين درجة وشيطان منتصف النّهار يفلي عانته من بقايا لذّة هاربة.

فجأة ذبحت أصوات سيارات الإسعاف والشرطة القيلولة النائمة فهرع الجميع ببقايا نعاسهم أو ما تيبّس عليهم من منيّهم إلى شارع الشوارع. كان الحدث هناك، عند الساعة الشاهقة. أحزمة من الشرطة تسيّج المكان. رجال « التدخّل السّريع » يختفون وراء خوذاتهم الباردة، يدفعون بعصيّهم المتفرّجين الذين هطلت بهم أبواق السيارات من كل مكان. بشرٌ بلا عدد يرفعون رؤوسهم إلى قمة السّاعة القاسية. كائن صغير بحجم الإصبع، يتراءى للجميع من بعيد، يتسلّق بسرعة الصرصور الساعة أمام دهشتهم ليعلن القيامة.

    اشرأبت الأعناق نحو المتسلّق الجسور الذي انتهى إلى رأس السّاعة مُمسكا بأحد عقاربها. سحب من جيبه الخلفي قارورة. شرب ثم أفرغ ما تبقّى منها على فروة رأسه. استل حزامه الجلدي وثبّت به نفسه إلى حلقات الحديد والتفت نحو الحشود التي تكاثرت تحته مثل النّمل. حاصرتها الشّرطة المتوتّرة، ركض أعوانها في كل اتّجاه يكلّمون أجهزة اللاسلكي ويطلبون بإشارات عصبية من الرّجل العالي أن ينزل من الممنوع. بينما كان هو يغمغم بكلام تتمزّق أحشاؤه في الأجواء فلا يصل منه إلاّ فتات كبعر الأكباش. تشي حركة يده اليسرى، التي يلوّح بها يمينا وشمالا، أنه يرفض النزول. أخذت الشرطة تدفع الناس المتحلّقين مثل الخنافس حول الساعة، تحاول منع التصوير وإخراس الأصوات والهواتف المحمولة المرفوعة نحو عقارب الساعة. حركة المرور شُلّت ومحركات السيارات تنبض مثل عروق عدّاء المائة متر على خط الانطلاق.

أمرٌ خطير ما كان يحدث، فلم يجرؤ أحد على الاقتراب من الساعة منذ سنتين بعدما سقط منها أحد مشجّعي كرة القدم فرحا بفوز فريقه بكأس الجمهورية. يومها، تحوّلت مياه تلك النافورة التي تضخّ مياه الزينة تحت الساعة إلى بركة حمراء. منذ ذلك المساء أصبحت الساعة تخضع لحراسة مشدّدة، وهي التي تحتلّ موقعا خطيرا في قلب العاصمة، زيادة على ما يرويه عنها المعتوه أحيانا.

ازداد الزّحام وانتعشت الصفوف الأمامية بالسيّاح الذين تدفّقوا من الشواطئ ومن الفنادق القريبة. خفتت عصيّ أعوان الشرطة قليلا لكن توتّرهم ازداد. كانوا يركضون في كل مكان يسيّجون الأرصفة ويوسّعون من المنطقة المحظورة بينما الرّجل متمسّك بلسان العقرب في أعلى الساعة مثل وزغة.

قبل سنوات كان ينتصب في مكان هذه الساعة تمثال أخضر لبورڤيبة على حصان يرفع إحدى قدميه الأماميتين في وجوه الناظرين إلى السماء. قيل إنّه يرفعها في وجه ابن خلدون الذي زُرع تمثاله مثل الكابوس قبالته، وبطلب منه. بعد الإطاحة بحكم الراكب اقتلع التّمثال ونبتت مكانه ساعة عملاقة بجذع إسمنتي بارد، سرعان ما توالد لها صغار في كل مدينة وفي كل قرية. بينما طُوردت تماثيل الزعيم في كل أرض.

استبدلت السّاعة بأخرى سويسرية أو إنجليزية أو أمريكية، أخبار متضاربة حول جنسية الساعة الجديدة وجذعها البرونزي المزيّن على طريقة الرقش العربي. كلام بلا دليل ولا برهان عن ساعة مجهولة النسب غُرست في قلب المدينة اللاهية بأبنائها. لا أثر للزعيم الذي تمّ ترحيل تمثاله إلى “حلق الوادي” ليظل ينظر إلى البحر المرّ.

ظل الرّجل العنكبوت يتجوّل فوق المحظور مستعينا بحزامه الذي ينقله من جانب إلى آخر مثل متسلّق جبال محترف. وتحته العالم مُرْتبكا. اشتد الزحام بعد أن خرج الموظفون من مكاتبهم. مضت ساعة كاملة والشرطة تأكل عصيّها، عاجزة عن إقناع رجل السّاعة بالنّزول. في الزّحام كانت تجري أمور غربية. نشطت السّرقة ونشل الهواتف المحمولة والعقود من جيود النساء وامتدت الأيادي إلى النهود المشدوهة والعجيزات المنسيّة.

الصّعود إلى أعلى الساعة جرم كبير ومعصية لا تُغتفر وما حدث يومها مسألة تمسّ الأمن، والشرطة في مأزق. كيف يمكن أن تسيطر على الأمر والفضيحة تحدثُ أمام الجميع: أهال وأجانب والبلاد في عزّ الموسم السياحي؟

يكاد الضابط يأكل وجه شرطي مهزوم وهو يسأله للمرة الألف: “كيف وصل ولد القحبة إلى هناك؟ أين كنتم يا بهايم؟ كيف تركتموه يقترب من السّاعة ويتسلّقها أيضا؟ “

في الجانب الآخر انقضّ شرطي على سائح وانتزع منه آلة التّصوير التي صوّبها نحو السّاعة. اجتثّ الشرطي البطارية منها وأعادها له في عصبيّة محذّرا إياه من استعمالها مجدّدا. هكذا صارت المنطقة المسيّجة منطقة أمنية محظورة.

بدأت الحشود تتململ من تصرّفات أعوان الشّرطة الذين جعلوا بينهم وبين موقع الحدث مسافة كبيرة. ازداد تذمّرهم عندما شاهدوا رجل السّاعة يلوّح بيده موجّها خطابه نحو رئيس فرقة التدخّل السّريع. فهموا أنّه يطلب ماءا فقد أخذ يلوّح بالقارورة الفارغة في الهواء. جاءت قارورة الماء. صعد بها شرطي إلى أعلى السلّم الداخلي للسّاعة. رمى إليه بالحبل الذي عُلّقت به القارورة. اختطف الحبل آمرا الشرطي بالرجوع من حيث أتى بعد أن همّ بمفاوضته.

لم يُسمع شيء من حواره مع الشرطي. فقد كان الناس مشغولين بما يهذي به أحد الشبّان، صاح فيهم: « إنّهم ينقلون الأحداث في التلفزيون وصوت الرّجل مسموع. انظروا لقد وصلتني رسالة هاتفيّة قصيرة تعلن الخبر مع رقم تردّد القناة».

سحبوا هواتفهم. كانت الرّسالة قد وصلتهم جميعا في نفس الوقت. ازداد أعوان الشرطة اضطرابا وبدؤوا يبحثون بينهم كالمجانين عن شيء ما. وصلت فرقة أخرى انشغلت بالبحث في البنايات المقابلة والمجاورة عن مكان البثّ وعن الكاميرا التي تصوّر الحدث.

هرول البعض إلى بيوتهم بينما ظل الجمهور يتكاثر حتى ضاقت به أرصفة الشوارع وفاضت به الطّرق.

2

’’ وأردتني عبدًا يباع ويشترى

وأردتني يأسًا يعيش بلا ددِ‘‘ 1

***

كانت المسافة بين الطابق والطابق شهورًا وأعوامًا، أحيانًا يزدحم المصعد، وأحيانا يسكنه الخواء، ربما مرّ أمامي أناس هابطون، في مصعد آخر، الجميع يحاول الصعود، أو إقناع نفسه بأنه قد صعد فعلا. أصابتني نوبات ضحك حين رأيت بالأسفل من مكاني المرتفع، الصكوك الزائفة في أيدي المهاويس. الكارثة أنهم لا يدركون وجود المصاعد من الأساس، وجوه كثيرة جدا، كلٌ يبحث عما يرتضيه فقط، دائما تتغير الموجودات، والبشر، وتبقى الصكوك واحدة. رأيتهم يتقاتلون، كل منهم يقاتل الآخر من أجل أن يرضى بما ارتضاه هو! الكل بدا عليه أنه ارتضى بمصادفة وهمه الخاص، بل ويقاتل من أجله. كيف لهؤلاء أن يصنعوه؛ فيكدحون إليه! تملأني القهقهات عندما ألمح مريدين لمُمسكي الصكوك الزائفة، يحسبون أنهم سيصعدون عبرهم وعلى طريقتهم. عبثًا.. ما هذا الجنون؟!

– بعضٌ منك لا يزال هناك. قالها رفيقي الذي ظهر للتو وهو يشير إلى أسفل، يبدو أنني تجاوزت المنطقة المحظورة!

– ربما كنت أنت الذي لست هنا.

ارتكن إلى الجدار المعدني خلفه، نظرة بعمق السنين انحفرت في عينيه.

– أنا هنا قبل أن يكون الزمن.. والمكان.

– جعلوه فانجعل يا صديقي. لماذا الأسود؟

وكأنه انتبه الآن فقط لملابسه السوداء، نظر إليّ، عيناه تفكران! لم يرد، ولكن نظرته فعلت، إنه التحدي… الغِل.

– ألم أقل لك مجعولا. قلتها هازئا.

زادت سرعة المصعد.. بل إنه تلاشى متعديا سرعة الضوء، انسحقتْ خلاياي، لفّني الجنون، والعدم. وسكن كل شيء.. لم يعد هناك صمتٌ للصمت فأصفه وأحكيه.

أضاء الرقم (6) جليًّا أمامنا، تأملته قليلًا، فانفجرتُ بالضحكات، كاد أن يتميز من الغيظِ، زدتُ من ضحكاتي متعمّدًا:

– بقي واحدٌ.

تقدَّم نحوي ببطءٍ، ثبّت كينونته في نظرة تجاهي:

– هذا لن يكون وأنا معك.

سألتُ غير مكترثٍ.. وساخرًا:

– تراك إن تقدمتَ، احترقت؟

– كيف فاته أن يتركك ومن مثلك؟

– فاتته أشياء كثيرة يا عزيزي.. هلمّ اذهب عن حواسي. فذهبَ.

لم يتحرك المصعد، إنما ارتسم أمامي الرقم (7) فجأة، وانفتح الباب، فتقدمتُ.

هنا سِدرة منتهاي.

***

في اللا مكان يكون البراح باتساع اللا أفق، الأبيض في كل شيء، لا نهاية للرخام الأبيض.. والأعمدة، مع أنها بلا عمد! الأبيض هنا له صيرورة؛ كان فسار فصار. يحملني.. يسري بي إلى ما كنت أعرف أني حتما ملاقيه.

مكتب بيضاوي بحجم خرافي، مكتبة عملاقة باتساع ما ورائه، هائلة الحجم والمظهر، تضم فقط أربعة كتب! هنا رأيت الجالس خلف المكتب.. مستوٍ على كرسيه، وكان يبتسم.

هو أيضا كل ما فيه أبيض، ملامحه تخلق انفعالات متجسدة، سكناته تعطي الصفات.. ولا تحيط به صفات. اقتربتُ، فكنت قاب قوسين أو أدنى.

– إذن.. أنت هنا.

قلت: أولم تكن تعرف!

– معرفتي للفعل لا تجبر أحدًا على أن يفعله.

لم أصغ، أعدت تأمل المكان، فلم أستطع الفرار منه بنظراتي، عدت إلى ملامحه صاغرا. تمالكت نفسي:

– ألا توجد هنا كتب غير هذه، ألديك كتاب عن لينكولن؟

ارتسم الغضب على وجهه، فكسا التحدي كلماتي:

– قد أتى بما لم تأت به أنت، ألغى عبودية البشر.

– لا تختبر غضبي.

– أه طبعا.. سأصمت عن التساؤل كي لا أُساء. قلتها ساخرًا. تأملت عقارب ساعتي، وجدتها تعمل بكفاءة. تشاغلت بها:

– هذه الساعة تعمل بكفاءة تامة مذ عشر سنوات، صنعها صانعها بمهارة، ولم يعد مشغول بمسيرها، هي تعمل وحدها وكفى، كنت أحسبها لن تعمل هنا. لكن الحقيقة أن الوقت يمر ولا يبالي.

– جئتني طالبا، فاطلب أستجيب لك.

– قد فعلت من قبل.. كثيرا، نسبة ما يتحقق مما أريد ضئيلة وثابتة لا تتغير، سواء كنت أطلب منك أو لا أطلب. والعجيب حقا أن النتيجة واحدة حتى لو تضرعت إلى وسادتي. قد وجدت أني لا بُد أن أفعل، لا أطلب.

تجمدت ملامحه على نظرة غاضبة مفزعة وثبت أمامي بلا حراك.

تراءى إلى عيني حاجز زجاجي، يلف المكان، تبدو من خلفه السحب.. البراح، ظهر لعيني خلفه، أناس يحلقون، يتوحدون مع السحب، مبتهجون. نظرت إلى عينيه بعمق، ورجوت داخل نفسي أن يعرف أمنيتي بأن أحلق بالخارج بعيدا عنه.. مع المحلقين.

2

يخالُ الناظر إلى الصّورة الكبيرة المُعلقة على حائط الصالون الواسع أنّ فيها خللا ما. هو خلل لا يستطيعُ تحديده من النظرة الأولى، وربّما ليس من الثانية، ثمّ لا حرجَ عليه إن أدام النظرَ إليها، فهذه الصور الكبيرة وإطارها المختار بعناية علّقت هناك كي ينظر الجميع إليها ويُدقّق في تفاصيلها الثابتة. لكنّ هذه الصّورة ليست كصور الزّفاف الصخريّة الصّامدة التي تطلّ منها وجوه مبتسمة ونظرات متعلّقة ببعضها أو بالمدى المُمتد أمامها. هي صورة قديمة وربّما باهتة قليلا، النظرات ليست عاديّة، أو ربّما لعبة النظرات ليست مألوفة.

وتوقّفت الصورة عند تلك اللحظة، جمعتها كلّها بوضوح وبساطة. عريس جامد الملامح ينظرُ إلى الفراغ أمامهُ، وعروسٌ تنظرُ إلى يمينها الذي يظهر منه طرف خشبيّ ضخم لشيء يشبه الخزانة. هكذا يتمّ تعليب الزّمن دون مراعاة تاريخ انتهاء الصّلاحيّة، ومعه نحفظ في الإطار بعض القناعات الخفيّة وبعض الرضا أيضا لأيّام نسأل فيها: هل حقّا مضتْ عشرون سنة؟ ثلاثون؟

المرآة المعلّقة في غرفة النوم بما تحملهُ من ندوب بشعة على سطحها تُطيح بأكذوبة الصّور والزّمن المعلّب. أمامها تُحصي العروس القديمة التجاعيد الجديدة وتنعى النضارة الزّائلة ثمَّ تُربّت على كتف القناعة والرضا قبل أن تنتهي صلاحيّتهما.

القناعة أنّها تزوّجت مقابل ثروة حضاريّة على شكل خزانة خشب عملاقة. هي القناعة الّتي أورثتها الرضا، وكلاهما كانا كفيليْن أن تعيش. لا تعرف إلى متى يعود تاريخ هذه الخزانة، ولكنّها كانت سببا في حياة زوجيّة هادئة لجيلين أو ثلاثة من النساء تنتهي بحماتها. وتبدأ بها جيلا رابعا.

هذه تزوجت مقابل عشر أساور ذهب، وتلك مقابل غرفة واسعة أنيقة في بيت حماتها، وأخرى ضرّة مدلّلة على زوجة عاقر. 

ووردة تزوّجت مقابل خزانة خشب تلمُّ بين دفّتيها المتينتيْن فرشات صوفٍ سميكة.

كانت عروسا نضرة حين سمعت إحداهن من وراء الحائط تقول للأخرى بينما كانت هي تنشر غسيلها :

ماردٌ من خشب يطغى على حضور عروسيْن في صورة زفافٍ تقليديّة. وقفا بجانبه يُرتّبان نظراتهما ووقفتهما المرتبكة.

كانت تكن له تقديرا عظيما، لذلك العملاق الخشبيّ. أمّا زوجها فكانت مطمئنّة أنّها تقوم بواجبها اتّجاهه زوجة مطيعة ومدبّرة، ولا مجال للمقارنة بينهما. الغلبة للأوّل، ولولا شموخه في غرفة الصالون الواسعة لخالطها شعور بأنّها سيقت إلى بيت الزوجيّة كنعجة عجفاء. حافظت عليه كما تحافظ على كرامتها. مجوهراتها القليلة باعتها كلّها، ملابسها لم تعد تحتفظ إلا ببعض قطع لم تتلف ولم تتلاشى رائحة الذاكرة فيها.

إلا الخزانة! حرصت على الاعتناء بها كواحد من أولادها الأربعة. طقوس تنظيفها وترميم أطرافها التي تخدشها مكنسة عمياء أو عابر مُتكاسل كانت تحاكي طقوس الفرح في أسرتها القريبة. وأحيانا تتفوّق عليها. هذه المقارنة في أعماق تفكيرها لم تكن تسبب لها الحرج.

كل بيوت القرية معظمها استغنت عن فرشات الصوف واللحف الثقيلة، فلم تعد هناك حاجة إلى خزانة كبيرة مبتورة الأبواب يحفظون فيها فراشهم. قلّة من البيوت كانت تجعل من غسيل الفرشات وتنجيدها موسما احتفاليّا لتُرتّبها بعدها زاهية في خزانة خشب متواضعة. وهي كانت مواسمها أكبر من غسل فرشات لم يعد لهنّ استخدام إلا نادرا، كانت مواسم لإعادة البهاء لفكرة أنّها زوجة ممهورة وأنّ مهرها لا يقلُّ عن أيّ من قريناتها المتزوجات.

كبر أبناؤها وزوّجتهم جميعا دون قلقٍ كبير. لم تعرف أنّها ستتعوّض بكثير منه، ذاك القلق عندما يتقدّم لابنتها شابٌ لا يملك سوى غرفة صغيرة متواضعة اقتسمها من بيت أهله، وأنّ ابنتها ستحبّه وتتمسّك بالزواج منه رغم شُحّ حاله. لم تسمح قديما لنساء الحيّ أن يسخرن من حالها، أو لم ترضَ أن يتسلّل إلى قلبها إحساس بأنّها أقلّ من أيّ واحدة منهنّ. ولكنّها الآن وهي تزوّج ابنتها مقابل لا شيء كيف ستحميها من أن تصغر أمام صبايا القرية؟ لا يبدو أنّ هذا الأمر يعني ابنتها من قريب أو بعيد، فكيف ستحمي نفسها وهي تسلّم ابنتها عروسا مقابل لا شيء؟

لا شيء.

في ساعات الصّباح والبيت كلّه منشغلٌ في الاستعداد لزفاف البنت الوحيدة توقّفت أمام البوابة الكبيرة شاحنة عملاقة نزل منها خمسةُ رجال أقوياء بعضلات تكاد تخترق أكمام قمصانهم الضيّقة.

خلال دقائق كان الرجال الخمسة يحملون بصعوبة خزانة ثقيلة ويضعونها في الشاحنة متّجهين نحو بيت العروس هديّة من أمّها. العيون التي كانت تتفحّص العروس الخجولة راحت تُتابعُ المشهد المُثير وتراقب الأمّ وهي تنبّه الرجال ألاّ يخدشوا حملهم:

على مهلك، على مهلك! احذر هذه الحافّة، انتبه يا رجل هناك عتبة! أووووف ألا تفهمون كم تساوي مثل هذه الخزانة؟

ربّما أرادت أن تقول: ألا تعرفون أنّني قايضتُ بها حياة كاملة؟

قد لا يكون أحدٌ منهم يعرف ماذا يعني هذه الّتي قايضت بها حياة كاملة؟ هو ليس أكثر من خزانة ثقيلة مبتورة الأبواب.

“طلعة خزانة أم طلعة عروس؟”

 لا بدّ أنّ هذه العبارة كانت على لسان كثيرين أو في أقلّ تقدير حضرت في محاولتهم لنقل تفاصيل العرس الغريب لمن فاتته المُشاركة. في أحاديث النميمة الصباحيّة كانت حاضرة بقوّة، لا شكّ في ذلك.

“طلعة خزانة أم طلعة عروس؟”

لأيّام طويلة وبعد أن احتلّ صالون بيتها فراغ واسع ألحّ عليها سؤال غريب:

أليست الحياة التي عشتها هي وعاء أيضا؟ وأيّ حجج تعلّقتُ بها للإبقاء عليه، أقصد عليها؟

بعد أيّام كانت أريكة الزّوج ذات العشرين عاما تحتلّ المساحة التي تركتها الخزانة وفوقها مباشرة صورة الزّفاف القديمة الباهتة. الزّوج لم يسأل ولم يعترض. جلس على حافتها وصرخ متجهّما كعادته طالبا قهوته.

ضحكت من قلبها وهي تقدّم له فنجانه.

ليس هناك أمرٌ مسلٍّ أكثر من زوجٍ خشبيّ يلحُّ في طلب قهوته الحلوة.

* قصّة من المجموعة (الطلبيّة C345) الحائزة على جائزة ملتقى القصّة القصيرة العربية عام2019

 

8

تعلمتُ خصائص الأدوية وطبائع السموم لدى كيميائي. كيميائي عربي من أطراف بغداد جاء يعمل طبيباً في بلاط أحد ولاة وان. أرشدني هذا الكيميائي إلى معرفة كل الأعشاب التي يمكن استخلاص السم القاتل منها.

باح لي بكل أسرار الكيمياء. لم يترك باباً مسدوداً إلا وفتحه على مصراعيه أمامي. ما عدا سر مزج الطلق والزئبق الفرار! هذا دأب الكيميائيين منذ القديم، فلا يبوحون لأحد بهذا السر كما أنهم لا يفشون سر تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب.

لكن في نهاية الأمر، وقبل أن أملأ كأس معرفتي، أقسم لي ذلك الكيميائي العربي بضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني أن مسألة إمكانية مزج الزئبق والطلق محض كذب. وقال إنهما لا يمتزجان بأي وجه من الوجوه. ومن يقدر على ذلك فإنه سيملك الشرق والغرب.

قصة ذبح أمي وما تبعه

 

أبي الذي كان يعرف باسم بِرْزِين الألشكردي، ذبح أمي أمام عيني وأنا طفل في العاشرة من العمر.

كان الخنجر في يده ويخور مثل ثور: “أيتها العاهر لقد دنست شرفي!”

لم أكن أعرف ما الذي يجري وما هو داعي غضب أبي وثورته إلى تلك الدرجة؟ كنت في زاوية بيتنا الصغير مختبئاً وراء ستارة أرقب شجارهما. كنت أظن أن أبي لن يقتل أمي الجميلة الشابة. لكن ظني ذُبِح حين ذبحت أمي. كان أبي ما يزال في ثورته يحمل رأس أمي المقطوع، حين هربت. ركضت وركضت لا ألوي على شيء حتى حل علي المساء وبدت لي الشمس الآيلة للغروب خلف الجبال مثل رأس مقطوع. ومذاك لم نلتق أنا و أبي ثانية. كنت أعتقد أنه سيقتلني أيضاً لو رآني.

في مدينة تبعد عن قريتنا من ثلاثين إلى أربعين فرسخاً، وقعت في يد عصابة من الشطار والحشاشين. أصبحت صبيهم، يغمسون أقلامهم في دواتي ويسطرون شهواتهم على ظهري. كنت أتألم في البداية كثيراً، لكنني اعتدت بعد عديد من المرات وصرت أجد في ذلك لذة.

كنت جميلاً وسيماً مكتنزا وصقيل اللحم. كنت أخاف الرجال وأريد أن يحموني. أما ثمن حمايتي تحطيم جرة الخوف التي كنت قابعاً فيها، فقد كان أن يطفئوا نار شهواتهم لدي. صرت أنا من يريد ذلك، وإن لم يكن ثمة أحد يفعلها معي، كنت أهيم في الدروب وأتعرض للدراويش الذين كانوا يعرفون الصبيان مثلي فينتهزون أول فرصة ويلقون كشاكيلهم خلف صخرة ويدعونني لأتبعهم إلى الوادي. كان الدرويش إذ يرى جسدي العاري الصقيل، يهلل ثم يضع لحيته الطويلة في فمه ويدفع بمحراثه في أرضي يحرثها.

كبرت على هذا المنوال وشببت عن طوق أولئك الشطار والحشاشين في البلدة وصرت أذهب إلى الخانات. والخانات التي كانت منعزلة وبعيدة عن المدن، كانت مرتع اللوطيين والزناة والتجار والملالي وطلبة الفقه وكلّ من هبّ ودبّ. من النظرة الأولى كنت أتعرف على الذين يشتهون الغلمان. نظراتهم، أسلوب تحديقهم في أرداف الصبيان، بريق أعينهم واللعاب السائل على أطراف أفواههم، كل ذلك كان يشي بكونهم لوطيين.

ضحيتي الأولى

 

ذات صيف كنت متجهاً إلى دياربكر. كنت قد عبرت نهر مُرادْ واستقبلني سهل مُوشْ. كان الظلام قد حل وكنت منهكاً نعسان، كانت رغبة نوم سكان مدينة بأكملها تغزو عيني. لم يكن ذلك النعاس ليطير بالرغم من كل محاولاتي. صحيح أنني كنت متقلداً خنجري تحت الحزام، لكن قطاع الطرق كثيرون. وكان علي أن أستريح وأنام قليلاً. فآنست من أحد الأطراف ناراً، ولا أدري أي قوة جذبتي إلى تلك النار في ذلك الليل البهيم؟ كل الخوف من العصاة وقطاع الطرق ذاب في قلبي كفص من الملح، وجذبتني تلك النار إليها مثل مغناطيس.

حاصل الكلام أنني دنوت من النار فلمحت أطلال خانٍ خربٍ، لكن لا أحد قرب النار! تلوت بضع آيات لأنني ظننت أن ذلك من فعل الجن والعفاريت. ثم استولى علي الخوف وأردت اجتياز ذلك المكان لكنني سمعت خشخشة من الخان الخرب تبعها صوت آدمي صرخ قائلاً: “من هناك؟ أإنسي أم جني؟”

كان يظهر من نبرة صوته أن خوفه لا يقل عن خوفي، فتلاشى خوفي وصحت به: “أنا آدمي مثلك. أنا عابر سبيل”.

وتوجهت إلى الخان الطلل تاركاً ورائي النار التي بدأت تخبو.

كان الخان مظلماً. كنا أنا وذلك الرجل بالكاد نشاهد بعضنا في ضوء بعض النجوم وتلك النار المشرفة على الموت. رغبة النوم التي كانت قد طارت من عيني بسبب الخوف عادت لتداهمني من جديد. ودون أن أدع الرجل يسأل عن أصلي ونسبي، أو يستعلم عن قريتي وعشيرتي، قلت له:

ثم انتحى زاوية وخلع نعليه فوضعهما تحت رأسه. كان مقبض خنجره يلمع في الضوء الخافت. اشتهيته. فذهبت وتمددت بجانبه، خلعت نعلي وأسندت رأسي إليهما مثله.

انتبهت، بعد أن مضت ساعة، إلى أن الرجل يتحسس بدني رقعة فرقعة، فسكنت، فمضى الرجل أبعد وصار يمسح على ردفي المكورين. ولما رآني ساكناً لا أمانع تحسس تكة سروالي وفك العقدة على عجل. وقعت يدي من الخلف على قضيبه الساخن الصلب مثل وتد خيمة! ثارت في داخلي نيران الشهوة فنزعت عني السروال بنفسي. حصل كل شيء في العتمة والسكون. إن اللذة تتضاعف عندما يكون المرء نصف نائم، لذلك أبقيت عيني مغمضتين بينما جذبني الرجل الذي لم أكن قد رأيت وجهه بعد إلى حضنه ودق وتده ببراعة لوطي.

لقد مرت علي مئات الليالي في أحضان الفحول، لكنني لم ألتق برجل شبق مثل ذاك. وبعد أن قضى وطره وأطفأ نيرانه في بحر ناري، انقلب على ظهره وغلبه النوم فبدأ يشخر.

من النافذة الشرقية لمحت البدر المكتمل. البدر الذي أرهبه منذ طفولتي وما كنت أتجرأ على النظر إليه طويلاً. كانت أمي تقول: ″إن من يطيل النظر إلى البدر أو المرآة، يصيبه الجنون!″

لبست سروالي، وأحكمت التكة على خصري ثم نهضت لألقي نظرة إلى الخارج. حانت مني التفاتة إلى الرجل، وحينما أمعنت فيه النظر صرخت بكل ما حباني الله به من قوة صوت.

 

***

كان ذلك الرجل أبي. كانت لحيته قد شابت قليلاً، لكن وجهه كان كما عهدته مدوراً يعلوه أنف أفطس وحاجبان غليظان.

بصرختي تلك، هب من النوم فزعاً ونهض وهو يمد يده إلى مقبض خنجره. وحينما رآني في مواجهته قال بصوت مرتعش: “من أنت؟”

سللت خنجري وأسندت ظهري إلى النافذة، رأيت في نور القمر شرارات الموت التي تتطاير من عينيه. كان هو، كان هو بعينه، بقامته وصوته وهيئته وكل شيء فيه، كان أبي.

لا أدري ماذا اعتراني وقتها! بقيت لا أحير جواباً لبرهة وكأنني أخرس، ثم قلت: “الأفضل ألا تعرفني”.

لكنه رد علي بصوت يفلق الصخر: “من أنت أيها الصبي؟ هيا قل لي اسمك واسم عشيرتك!”

تقدمت خطوة إلى الأمام وقلت: “أنا ابنك، أنا ياوز. أنا ياوز الذي ذبحت أمه أمام عينيه، أنا ابنك الذي جعلته يهيم على وجهه في البراري، ابنك الذي …….”

لكنه لم يسمح لي أن أتمّ كلامي. هجم عليّ كخنزير بري وهو يقول: “يا ابن العاهر أما زلت تعيش وأنا أبحث عنك منذ عشر سنوات؟”

وطعن وجهي بالخنجر، فرددت عليه بطعنة مماثلة لكنه تنحى وانسحب إلى الخلف وذهبت ضربتي في الهواء. تقدم مرة أخرى وطعنني عدة مرات في وجهي، فرددت عليه بأن ضربته في رقبته وصرنا نتبادل الطعنات سجالاً حتى قضيت عليه. لكن التعب والإرهاق كانا قد نالا مني كثيراً فقد امتلأ وجهي بالطعنات وانشق فمي وبلغت الطعنة الأخيرة صدري دون أن تذهب عميقاً. وبالرغم من أن جراحي كانت خفيفة فقد غبت عن الوعي وبقيت مرمياً في ذلك الخان القفر.



*فصل من رواية ميرنامة

3

نبتُّ فجأةً مثلَ شجرة. في إحدى المرّات، حلمتُ، وأنا في الخامسة من عمري، حلمًا. عادَني الحلم مرّة أخرى. تلك الليلة، نمتُ مدّة عشر دقائق. كانَ صعبًا. لم يكن الدّواء الذي وصفه لي الطبيب ناجعًا.   

المهدئات لم يكن لها مفعول عليّ في الماضي، ولن يكون لها مفعول عليّ هذه المرة. لم أتناولها في الليلة الماضية. كنت قد تعاطيتُها من قبل لأخفّف من حدّة خوفي. في الليلة السابقة، مرّ شيء في خاطري وقد أقنعني أنّ المهدّئات لا تناسبني، كان ذهني يشبه طريقًا ضيّقة مليئة بالحفريات في بلدة قديمة. كان لديّ كابوس. حلمتُ أنّني طفلٌ عادَ إلى غزّة، على رأس أحد أعلى أبراج المدينة. ركبتُ جملا فوق جملٍ أصغر، بينما عاصفةٌ قدمَت من جهة البحر. فجأةً وقعتُ وابتلعني البحر. استيقظتُ من النوم وأنا أرجف. منذ أن كدتُ أغرق في غزة وأنا في التاسعة من عمري، وأنا أخشى البحر. لماذا يلاحقني البحر؟ استيقظتُ وأنا أتساءل لماذا الآن!

بعد هذا الكابوس، لم أعد إلى النوم. عدتُ لأضع خدّي على الوسادة، بلغتُ المنضدة، وحدّقتُ في شاشة هاتفي، أقلّب الصفحات، من تطبيق إلى تطبيق، بلا غاية. المئات يتواجدون على النت. كلهم تقريبا من غزة. الساعة الآن الرابعة في غزة، وأنا هنا، في السويد. بفارق ساعة واحدة بيننا، ولكن هذه الساعة زمنٌ بين عالمين مختلفين. عثرتُ على رسالة واحدة غير مقروءة. كانت من أخي يسأل عن صحتي. سحبتُ ساقي إلى صدري، ثم بلغتُ المنضدة، ووضعت الهاتف على الطاولة برفق، ثم مددت ساقي الأخرى نحو الخزانة. كان منزلي شبيهًا بزنزانة صغيرة جميلة.

استوديو صغير يتوسطه حيّز ضيق ومزدحم. على اليمين كان المطبخ الصغير، وعلى اليسار السرير المصمم كأريكة، وفي الأمام النافذة ومنضدة ومكتبة صغيرة. نمت، درست، كتبت، أكلت وقرأت على نفس الكرسي الأريكة، والذي صادف أن يكون سريري أيضًا. لحسن الحظ، كان باب الحمام يبعد مسافة متر ونصف عن سريري الأريكة. أخبرني صديق زارني أن هذا الاستوديو الصغير أفضل من الفيلا في بلدان عديدة في العالم.

فتحت عينيّ وفجأة أغلقتهما من جديد. كانت قد تورّمتا بعد ليلة من الكوابيس، كانت قد سبقتها أربع ساعات من القراءة والكتابة. يصعب على العينين أن تنفتحا دفعة واحدة بعد كابوس مُرعبٍ أو ليلة متأخرة جميلة.

“هل علي أن أذهب إلى العمل؟” فكّرت بينما عيناي مغلقتان. لم أستطع تحديد إن كنت سأذهب أم لا. كانت السواعد والأوجه لا تزال تدور في رأسي. قلت لنفسي: “سأبقى هنا بين جدران الشقة الأربعة”. فتحت عينيّ مرة أخرى. هذه المرة، لم أنظر إلى السقف الأبيض ولكنني عدت باتجاه النافذة. كانت بي رغبة في أن أرى السماء.

هل من شمس اليوم؟ هل ستزورنا اليوم؟ سألتُ سانحًا لنَفسي سماع صَوتي.

لم نر الشمس طيلةَ أسبوعين. في هذه المدينة الشمالية، نادراً ما تأتي الشمس بعد آب. تشرق وتلقي بنورها قادمة بنسيم بارد وطقس قارس يذكر الناس بوجوده وحسب. فجأة، اتسعت عيناي. “إنها الشمس”، هذه المرة كان صوتي أعلى.

كان من الممكن أن يكون النهار جميلا. سحبت ساقي، أنزلتهما ووقفت على سريري. نظرت إلى المنضدة ووجدت بعض الكتب التي كان علي أن أعيدها إلى المكتبة. كانت لدي عادة سيئة في استعارة العديد من الكتب دفعة واحدة، بعد أن اشتري مجموعة جديدة من الكتب. ينتهي بي الأمر إلى قراءة نصف ما أشتريه ونصف ما أستعيره. علاقتي مع الكتب عزيزة. الكتب هي عائلتي وأصدقائي ورفيقات روحي. عندما يفقد الناس معنى الأسرة يتحولون إلى أشياء جديدة، أحيانًا إلى مخدرات وجريمة، وأحيانًا إلى أشياء نبيلة مثل العمل الخيري والتطوع.

التفتُ جهةَ الكتب. أمكنني التحدث إليها والتعلم منها. لم تشتك هي قط وأنا لم أتذمر. ذات مرة قال لويس بورخيس أن جميع الاختراعات البشرية هي امتداد للحواس. المجهر امتدادٌ لحاسة البصر. الهاتف امتدادٌ لحاسة السمع، المحراث ٌامتدادٌ للأسلحة والحركة. ومع ذلك، فإن الكتاب امتدادٌ لشيء غير مرئي وغير مسموع وغير ملموس. إنه امتداد للذاكرة والخيال.

لذلك، كان علي إرجاع هذه الكتب. أنهضت نفسي وأنا أنظر إلى علبة السجائر. تذكرت أنني لم أدخن طيلة يومين. اليوم قد يكون اليوم موعد استئناف عادة التدخين مرة أو مرتين. قمت بإعداد ماكينة القهوة السويدية– كانوا يطلقون عليها اسم bryggkaffe، وقمت بتشغيلها وتحولت يمينا نحو الحمام. مشيت على نحو غريب ، مشية جانبية تقريبا دافعا ساقي اليمنى أمامي كما لو كنت أختبر لوحًا خشبيًا مرتخيًا. كنت أرغب في الاستحمام، لأستمد طاقة على الرغم من علمي بأن الاستحمام الساخن سيجعل النعاس صديقي مرة أخرى. نظرت إلى المرآة. أمكنني أن أرى نفسي بشكل ضبابيّ، وجهٌ ملتحٍ بعينين متورمتين. قلت: “مزيد من الشعر الرماديّ”.

حالما غادرت الحمام، حولت سرير الأريكة أريكة فقط، ودفته إلى الحائط وأحدثت مساحة أكبر في الفيلا الصغيرة. فتحت النافذة ببطء، وأحدثت شقًا لتكوين عمود هواء. نكهة القهوة كانت تملأ الغرفة. بدأ ذهني يعمل مرة أخرى. القهوة تذكرني دائمًا باليمن. كانت اليمن أهم منتج ومصدر للبن. حتى “موكا”، ماكينة القهوة الإيطالية تحمل اسم المخا، الميناء اليمنيّ حيث كانت القهوة تُصدَّر منه. منذ أن اكتشفت ذلك، أصبحت قصتي المفضلة التي أرويها لأصدقائي الأوروبيين كلما رأيت موكا. أشعر بالفخر وأنا أحدّثهم عنها، كما لو كنت أصفع الاستعمار صفعة صغيرة على وجهه، أصحح شيئًا من التاريخ.

إنها التاسعة. علي أن أذهب، لكنني تذكرت أنه علي التخلص من القمامة. ثنيت كيس القمامة، وانتعلت حذائي وفتحت باب الزنزانة أو الاستوديو. لفح وجهي نسيم يابس. نشّطني. بعد ما يقرب خمس عشرة درجةً، كنت في الساحة خارج المبنى. في طريقي إلى الخارج ، رأيت ساعي البريد يرتدي زيّه الأخضر. “غود مورغون”، قلت. صباح الخير بالسويدية. أجاب، “غود مورغون”.

شرع في توزيع البريد في صناديق البريد الأربعة والعشرين. لا شيء ينتظرني في الأفق. لم أكن أتوقع أي شيء. فجأةً، أخرج بوسطة مختلفة، بوسطة سرية زجّها في صندوقي. توقفت وعدت بساق واحدة إلى الوراء، وقفت خلفه وابتسامة على وجهي. بمجرد أن غادر، فتحت صندوقي. أخذت الورقة وصعدت وحدّقتُ فيها. غريب. كانت ورقة تبلغني أنني تلقيت رسالة مهمة علي استلامها من مكتب البريد. وأكدوا أنه يجب عليّ الحصول على بطاقة هوية صالحة. كان ذلك غريبا. لم أكن أتوقع شيئًا. كانت نقطة مكتب البريد قريبة من منزلي، تبعد مسافة 10 دقائق فقط سيرا على الأقدام. سهّل البريد السويديّ الحياة من خلال إرسال واستقبال الرسائل البريديّة والبوسطة في الأكشاك ومحالّ التبغ. قررت الذهاب واستلامها في طريقي إلى المكتبة.

وضعت الحقيبة المليئة بالكتب وجهاز الكمبيوتر المحمول على ظهري. قبل أن أوصد الباب، غيرت رأيي. قررت ترك الحقيبة، أستلم ما في البريد والقيام ببعض المشتريات والعودة إلى المنزل ثم الذهاب إلى المكتبة. في طريقي إلى مكتب البريد  ساورني إحساس بالقلق. من يكون المرسل؟ هل كانت هدية؟ مِن مَن؟ صديق؟ حبيبة؟ العديد من الأسئلة جعلتني مشوشًا.

بدأت الشمس تستبد بالطقس، وتغيرت درجة الحرارة. كانت رائحة المطر الليلة الماضية تملأ أنفي. كان ثمة عدد قليل من الغربان وطيور أخرى كثيرة. بدأت الغربان تتبعني ما جعلني أشعر بنبض صدغيّ نبضًا ثابتا. الغربان ليست مؤشرًا جيدًا. نشأت على معرفة أن الغربان فأل شؤم أينما كانت. فجأة، سقطت ورقة رطبة صغيرة على ورقة البوسطة التي كنت  أحملها. كان كل شيء صامتًا حولي، وكانت الورقة ملتصقة بالورقة ، لكنها تتحرك كما لو كانت ترقص في حركة لولبية. ابتسمت. كنت أمام الموظف.

قلت مرحبا بالسويدية. سلمته الورقة ورخصتي القيادة للحصول على بطاقة هوية. كان صوت الماكينات عاليًا.

“تيك تيك، بيب بيب” قام بمسح الباركود الخاص بمغلف كبير. “وقع هنا من فضلك واكتب اسمك”. فعلت.  كل ما أحتاجه هو المغلف. الفضول يقتلني. “ها هو”.

إنه معي الآن. هل أذهب إلى محل البقالة أم أفتحه الآن. أعدت هويتي إلى محفظتي، ثم أعدت محفظتي إلى جيبي الأيمن. أوحى المغلف بأنه من هيئة الهجرة في السويد. كنت قد تقدمت بطلب للجنسية الشهر الماضي. قد يحتاجون إلى المزيد من الوثائق. هم بحاجة الى مزيد من الأوراق، بالتأكيد. ما أتعس حظي. قيل لي أنه يمكن للمرء الانتظار لمدة عام ليحصل على قرار، لكنني كنت بحاجة إلى شيء لا يجعلني “بلا جنسيّة”.

فتحت المغلف ووجدت وثيقة سفري الفلسطينية إلى جانب أوراق أخرى. خامرني هدوء وسكينة إلى حد ما، لكنني كنت واثقًا من أن الموظف بالداخل كان يسمع نبضي ويشعر بأنفاسي المعذّبة. على بعد مترين، أعدت جواز السفر إلى جيبي وسحبت الورقة من المغلف لقراءتها. لعلها رسالة تفسّر ما يحتاجون إليه.

فجأة تغير كل شيء. كانت عيناي مفتوحتين على آخرهما. كان فمي منفرجًا وأصبح ضباب النفس الحار قبالة وجهي أشدّ كثافة. ابتسمت. كانت ابتسامة كبيرة. إذا رآني أحدهم وأنا أحدّق في الورقة، فإنّه سينتظر ليرى ثمرة تلك الابتسامة وسبب تحديقي في تلك الورقة. كنت ما زلت أحدق فيها، فمي مفتوح وأفكاري ثقيلة.

إنها هنا مع العاصفة. مثل رقصة غريبة آتية من بعيد. صفحة عاجية تحمل شعار المملكة السويدية. الأصفر والأزرق والعقيق ألوان تزين الوثيقة. مكتوبة تُنبِئُني بواقعي الجديد. كانت بداية شيء ما. كنت أعرف أنّ بدايات أخرى كثيرة ستكون، لها نهايات أخرى كثيرة. لكن ها هي بدايتي الجديدة. كانت هناك بداية “لهم” و “لنا”. “لي” و “لهم”. لا يتناسب لون بشرتي واسمي مع جواز السفر هذا: كانت تلك أصعب بداية. ثمة لحظات تصطدم فيها السعادة والحزن بعنف، مدفوعةً برياح مجنونة تهبّ من السهوب الروسية. تلك كانت لحظة من هذه اللحظات.

كيف بدأت رحلة الطفل التاسع هرباً من الموت والحياة؟

13