اكتب القصص

نبتُّ فجأةً مثلَ شجرة. في إحدى المرّات، حلمتُ، وأنا في الخامسة من عمري، حلمًا. عادَني الحلم مرّة أخرى. تلك الليلة، نمتُ مدّة عشر دقائق. كانَ صعبًا. لم يكن الدّواء الذي وصفه لي الطبيب ناجعًا.   

المهدئات لم يكن لها مفعول عليّ في الماضي، ولن يكون لها مفعول عليّ هذه المرة. لم أتناولها في الليلة الماضية. كنت قد تعاطيتُها من قبل لأخفّف من حدّة خوفي. في الليلة السابقة، مرّ شيء في خاطري وقد أقنعني أنّ المهدّئات لا تناسبني، كان ذهني يشبه طريقًا ضيّقة مليئة بالحفريات في بلدة قديمة. كان لديّ كابوس. حلمتُ أنّني طفلٌ عادَ إلى غزّة، على رأس أحد أعلى أبراج المدينة. ركبتُ جملا فوق جملٍ أصغر، بينما عاصفةٌ قدمَت من جهة البحر. فجأةً وقعتُ وابتلعني البحر. استيقظتُ من النوم وأنا أرجف. منذ أن كدتُ أغرق في غزة وأنا في التاسعة من عمري، وأنا أخشى البحر. لماذا يلاحقني البحر؟ استيقظتُ وأنا أتساءل لماذا الآن!

بعد هذا الكابوس، لم أعد إلى النوم. عدتُ لأضع خدّي على الوسادة، بلغتُ المنضدة، وحدّقتُ في شاشة هاتفي، أقلّب الصفحات، من تطبيق إلى تطبيق، بلا غاية. المئات يتواجدون على النت. كلهم تقريبا من غزة. الساعة الآن الرابعة في غزة، وأنا هنا، في السويد. بفارق ساعة واحدة بيننا، ولكن هذه الساعة زمنٌ بين عالمين مختلفين. عثرتُ على رسالة واحدة غير مقروءة. كانت من أخي يسأل عن صحتي. سحبتُ ساقي إلى صدري، ثم بلغتُ المنضدة، ووضعت الهاتف على الطاولة برفق، ثم مددت ساقي الأخرى نحو الخزانة. كان منزلي شبيهًا بزنزانة صغيرة جميلة.

استوديو صغير يتوسطه حيّز ضيق ومزدحم. على اليمين كان المطبخ الصغير، وعلى اليسار السرير المصمم كأريكة، وفي الأمام النافذة ومنضدة ومكتبة صغيرة. نمت، درست، كتبت، أكلت وقرأت على نفس الكرسي الأريكة، والذي صادف أن يكون سريري أيضًا. لحسن الحظ، كان باب الحمام يبعد مسافة متر ونصف عن سريري الأريكة. أخبرني صديق زارني أن هذا الاستوديو الصغير أفضل من الفيلا في بلدان عديدة في العالم.

فتحت عينيّ وفجأة أغلقتهما من جديد. كانت قد تورّمتا بعد ليلة من الكوابيس، كانت قد سبقتها أربع ساعات من القراءة والكتابة. يصعب على العينين أن تنفتحا دفعة واحدة بعد كابوس مُرعبٍ أو ليلة متأخرة جميلة.

“هل علي أن أذهب إلى العمل؟” فكّرت بينما عيناي مغلقتان. لم أستطع تحديد إن كنت سأذهب أم لا. كانت السواعد والأوجه لا تزال تدور في رأسي. قلت لنفسي: “سأبقى هنا بين جدران الشقة الأربعة”. فتحت عينيّ مرة أخرى. هذه المرة، لم أنظر إلى السقف الأبيض ولكنني عدت باتجاه النافذة. كانت بي رغبة في أن أرى السماء.

هل من شمس اليوم؟ هل ستزورنا اليوم؟ سألتُ سانحًا لنَفسي سماع صَوتي.

لم نر الشمس طيلةَ أسبوعين. في هذه المدينة الشمالية، نادراً ما تأتي الشمس بعد آب. تشرق وتلقي بنورها قادمة بنسيم بارد وطقس قارس يذكر الناس بوجوده وحسب. فجأة، اتسعت عيناي. “إنها الشمس”، هذه المرة كان صوتي أعلى.

كان من الممكن أن يكون النهار جميلا. سحبت ساقي، أنزلتهما ووقفت على سريري. نظرت إلى المنضدة ووجدت بعض الكتب التي كان علي أن أعيدها إلى المكتبة. كانت لدي عادة سيئة في استعارة العديد من الكتب دفعة واحدة، بعد أن اشتري مجموعة جديدة من الكتب. ينتهي بي الأمر إلى قراءة نصف ما أشتريه ونصف ما أستعيره. علاقتي مع الكتب عزيزة. الكتب هي عائلتي وأصدقائي ورفيقات روحي. عندما يفقد الناس معنى الأسرة يتحولون إلى أشياء جديدة، أحيانًا إلى مخدرات وجريمة، وأحيانًا إلى أشياء نبيلة مثل العمل الخيري والتطوع.

التفتُ جهةَ الكتب. أمكنني التحدث إليها والتعلم منها. لم تشتك هي قط وأنا لم أتذمر. ذات مرة قال لويس بورخيس أن جميع الاختراعات البشرية هي امتداد للحواس. المجهر امتدادٌ لحاسة البصر. الهاتف امتدادٌ لحاسة السمع، المحراث ٌامتدادٌ للأسلحة والحركة. ومع ذلك، فإن الكتاب امتدادٌ لشيء غير مرئي وغير مسموع وغير ملموس. إنه امتداد للذاكرة والخيال.

لذلك، كان علي إرجاع هذه الكتب. أنهضت نفسي وأنا أنظر إلى علبة السجائر. تذكرت أنني لم أدخن طيلة يومين. اليوم قد يكون اليوم موعد استئناف عادة التدخين مرة أو مرتين. قمت بإعداد ماكينة القهوة السويدية– كانوا يطلقون عليها اسم bryggkaffe، وقمت بتشغيلها وتحولت يمينا نحو الحمام. مشيت على نحو غريب ، مشية جانبية تقريبا دافعا ساقي اليمنى أمامي كما لو كنت أختبر لوحًا خشبيًا مرتخيًا. كنت أرغب في الاستحمام، لأستمد طاقة على الرغم من علمي بأن الاستحمام الساخن سيجعل النعاس صديقي مرة أخرى. نظرت إلى المرآة. أمكنني أن أرى نفسي بشكل ضبابيّ، وجهٌ ملتحٍ بعينين متورمتين. قلت: “مزيد من الشعر الرماديّ”.

حالما غادرت الحمام، حولت سرير الأريكة أريكة فقط، ودفته إلى الحائط وأحدثت مساحة أكبر في الفيلا الصغيرة. فتحت النافذة ببطء، وأحدثت شقًا لتكوين عمود هواء. نكهة القهوة كانت تملأ الغرفة. بدأ ذهني يعمل مرة أخرى. القهوة تذكرني دائمًا باليمن. كانت اليمن أهم منتج ومصدر للبن. حتى “موكا”، ماكينة القهوة الإيطالية تحمل اسم المخا، الميناء اليمنيّ حيث كانت القهوة تُصدَّر منه. منذ أن اكتشفت ذلك، أصبحت قصتي المفضلة التي أرويها لأصدقائي الأوروبيين كلما رأيت موكا. أشعر بالفخر وأنا أحدّثهم عنها، كما لو كنت أصفع الاستعمار صفعة صغيرة على وجهه، أصحح شيئًا من التاريخ.

إنها التاسعة. علي أن أذهب، لكنني تذكرت أنه علي التخلص من القمامة. ثنيت كيس القمامة، وانتعلت حذائي وفتحت باب الزنزانة أو الاستوديو. لفح وجهي نسيم يابس. نشّطني. بعد ما يقرب خمس عشرة درجةً، كنت في الساحة خارج المبنى. في طريقي إلى الخارج ، رأيت ساعي البريد يرتدي زيّه الأخضر. “غود مورغون”، قلت. صباح الخير بالسويدية. أجاب، “غود مورغون”.

شرع في توزيع البريد في صناديق البريد الأربعة والعشرين. لا شيء ينتظرني في الأفق. لم أكن أتوقع أي شيء. فجأةً، أخرج بوسطة مختلفة، بوسطة سرية زجّها في صندوقي. توقفت وعدت بساق واحدة إلى الوراء، وقفت خلفه وابتسامة على وجهي. بمجرد أن غادر، فتحت صندوقي. أخذت الورقة وصعدت وحدّقتُ فيها. غريب. كانت ورقة تبلغني أنني تلقيت رسالة مهمة علي استلامها من مكتب البريد. وأكدوا أنه يجب عليّ الحصول على بطاقة هوية صالحة. كان ذلك غريبا. لم أكن أتوقع شيئًا. كانت نقطة مكتب البريد قريبة من منزلي، تبعد مسافة 10 دقائق فقط سيرا على الأقدام. سهّل البريد السويديّ الحياة من خلال إرسال واستقبال الرسائل البريديّة والبوسطة في الأكشاك ومحالّ التبغ. قررت الذهاب واستلامها في طريقي إلى المكتبة.

وضعت الحقيبة المليئة بالكتب وجهاز الكمبيوتر المحمول على ظهري. قبل أن أوصد الباب، غيرت رأيي. قررت ترك الحقيبة، أستلم ما في البريد والقيام ببعض المشتريات والعودة إلى المنزل ثم الذهاب إلى المكتبة. في طريقي إلى مكتب البريد  ساورني إحساس بالقلق. من يكون المرسل؟ هل كانت هدية؟ مِن مَن؟ صديق؟ حبيبة؟ العديد من الأسئلة جعلتني مشوشًا.

بدأت الشمس تستبد بالطقس، وتغيرت درجة الحرارة. كانت رائحة المطر الليلة الماضية تملأ أنفي. كان ثمة عدد قليل من الغربان وطيور أخرى كثيرة. بدأت الغربان تتبعني ما جعلني أشعر بنبض صدغيّ نبضًا ثابتا. الغربان ليست مؤشرًا جيدًا. نشأت على معرفة أن الغربان فأل شؤم أينما كانت. فجأة، سقطت ورقة رطبة صغيرة على ورقة البوسطة التي كنت  أحملها. كان كل شيء صامتًا حولي، وكانت الورقة ملتصقة بالورقة ، لكنها تتحرك كما لو كانت ترقص في حركة لولبية. ابتسمت. كنت أمام الموظف.

قلت مرحبا بالسويدية. سلمته الورقة ورخصتي القيادة للحصول على بطاقة هوية. كان صوت الماكينات عاليًا.

“تيك تيك، بيب بيب” قام بمسح الباركود الخاص بمغلف كبير. “وقع هنا من فضلك واكتب اسمك”. فعلت.  كل ما أحتاجه هو المغلف. الفضول يقتلني. “ها هو”.

إنه معي الآن. هل أذهب إلى محل البقالة أم أفتحه الآن. أعدت هويتي إلى محفظتي، ثم أعدت محفظتي إلى جيبي الأيمن. أوحى المغلف بأنه من هيئة الهجرة في السويد. كنت قد تقدمت بطلب للجنسية الشهر الماضي. قد يحتاجون إلى المزيد من الوثائق. هم بحاجة الى مزيد من الأوراق، بالتأكيد. ما أتعس حظي. قيل لي أنه يمكن للمرء الانتظار لمدة عام ليحصل على قرار، لكنني كنت بحاجة إلى شيء لا يجعلني “بلا جنسيّة”.

فتحت المغلف ووجدت وثيقة سفري الفلسطينية إلى جانب أوراق أخرى. خامرني هدوء وسكينة إلى حد ما، لكنني كنت واثقًا من أن الموظف بالداخل كان يسمع نبضي ويشعر بأنفاسي المعذّبة. على بعد مترين، أعدت جواز السفر إلى جيبي وسحبت الورقة من المغلف لقراءتها. لعلها رسالة تفسّر ما يحتاجون إليه.

فجأة تغير كل شيء. كانت عيناي مفتوحتين على آخرهما. كان فمي منفرجًا وأصبح ضباب النفس الحار قبالة وجهي أشدّ كثافة. ابتسمت. كانت ابتسامة كبيرة. إذا رآني أحدهم وأنا أحدّق في الورقة، فإنّه سينتظر ليرى ثمرة تلك الابتسامة وسبب تحديقي في تلك الورقة. كنت ما زلت أحدق فيها، فمي مفتوح وأفكاري ثقيلة.

إنها هنا مع العاصفة. مثل رقصة غريبة آتية من بعيد. صفحة عاجية تحمل شعار المملكة السويدية. الأصفر والأزرق والعقيق ألوان تزين الوثيقة. مكتوبة تُنبِئُني بواقعي الجديد. كانت بداية شيء ما. كنت أعرف أنّ بدايات أخرى كثيرة ستكون، لها نهايات أخرى كثيرة. لكن ها هي بدايتي الجديدة. كانت هناك بداية “لهم” و “لنا”. “لي” و “لهم”. لا يتناسب لون بشرتي واسمي مع جواز السفر هذا: كانت تلك أصعب بداية. ثمة لحظات تصطدم فيها السعادة والحزن بعنف، مدفوعةً برياح مجنونة تهبّ من السهوب الروسية. تلك كانت لحظة من هذه اللحظات.

كيف بدأت رحلة الطفل التاسع هرباً من الموت والحياة؟

كانت المعركة حامية الوطيس..

 وصفٌ كان يقرأه على الدوام في كتب التاريخ وذلك حين كان يتلو الدرس على مسامع زملائه في الصف. لكنّه لم يفكر أنه سيستخدمه يوماً كما يفعل الآن، وهو يتحدث مع صديقه لوصف تلك الليلة، حتى أنه لا يعرف معنى الوطيس، لكنه يشعر بأنّه تعبير مناسب وفقاً للحماسة التي كان يتحدث بها أستاذ التاريخ وقتها.

_”.. بدأ الاجتياح البريّ من الجهة الغربية لحي تل الهوى، فالحيّ كما تعرف مقسّم لقسمين؛ القسم الغربي، وفيه الأبراج السكنية المتلاصقة والمتسلسلة بألوانها وأسمائها، ومعروف ببرجوازيته إلى حد ما، خاصة أن معظم من سكنه هم من العاملين في السلطة الوطنية الفلسطينية التي تشكلت بعد اتفاق أوسلو، وتأسست طبقتهم البرجوازية، لكنها لم تكن صانعةً لأي ثروات من أي نوع.. بل سمعة البرجوازية ظلمت كثيرا حين وصفوا ذلك الجانب من الحي بها، وربما تطبيق المفهوم ذاته كان فيه إشكالية، فقد اعتقد كثيرون أن البرجوازي هو الغني الذي يملك مسكنه ويأكل طعاماً جيداً، وفي هذه الحال من الممكن أن نعتبر أصحاب هذا الحيّ كذلك. ولكن البرجوازية الحقيقية هي الطبقة صانعة الثروات الصغيرة من تجار وأصحاب مصانع، فهم من الكادحين أيضا، وهم من يشعلون الثورات”.

“لا أفهم لماذا عليك أن تقول كل هذه التفاصيل وكأنني من خارج البلد، وتشرح المشروح لتحكي لي عن تلك المعركة.. أو ربما تريد أن تعطي درساً في شيوعيتك المقبورة منذ زمن طويل، احكي لي القصة وخلصني.. أنا من المنطقة مثلي مثلك.. بس أنا برجوازي حقيقي وأنت برجوازي مدعي”.

“هاهاها.. بالضبط.. هذا ما أقصده، المهم أن القسم الآخر من الحي كان القسم الشرقي، والذي لم يبدأ منه الاجتياح على الرغم من أنه أقرب للحدود فالمنطقة زراعية بمعظمها، وجيش الاحتلال بدأ يتسلل من المنطقة الأضعف التي لا يتوقع منها أي مقاومة، ويبدو أنه ترك شرق الحي إلى النهاية، وفي هذا الشرق تعيش البرجوازية الحقيقية، أصحاب الأراضي والمصانع، حتى لو كان معظمها قد أقفل بسبب الحصار، وأيضا هم أصحاب الثورة، فالكثير من منازل قادة المقاومة هناك، وقد دارت ليلتها تلك المعركة في حرب 2008 و2009”.

هل توجد حرب في العالم حين تريد ذكرها يجب أن تلحقها بعامين، أو حين تكتبها تبدو وكأنك تتحدث عن العام الدراسي، فتضع “شرطة” بين الرقمين؟، في الأساس هل توجد حرب بدأت في نهاية عام وانتهت مع بداية العام الذي يليه سوى هذه الحرب؟.. تأخذه متتاليات الأسئلة والأرقام والأعوام، وكأنه يريد أن يصل لخوارزمية تشي بحدوث الحرب، وينسى أنها في حالته تُورث. يحرك النار في “الكانون” ويجمع الجمرات تحت إبريق الشاي ليسخنه للمرة الثالثة.. يشاهد في غبش أفكاره صديقه “أبو أحمد” ينظر إليه، ينتظره أن يفيق من شروده، كما انتظر قبل قليل أن تنتهي مقدماته الثورية، وهذا ما يحبه في جلساته مع “أبو أحمد”، أنه نادر ما يقاطع إسرافه في الكلام والتخيلات.

يصب الشاي ويكمل:

“تسرب الجيش إلى حي تل الهوى، واحتل الأبراج السكنية، والتي توقع الجميع أن لا أحد سيقترب منها، وقتها شعر أبناء السلطة الذين جاؤوا من تونس ولبنان بأنهم في مواجهة مباشرة مع الجيش وهذا لم يحدث منذ الثمانينات، لكن هذه المنطقة لم تكن هدف الاحتلال، بل الجانب الآخر من تل الهوى، الجانب الثوري الذي نعيش فيه. وقفتُ يومها خلف هذا الشباك أشاهد الصواريخ، وأسمع الطلقات النارية، والصراخ. هناك من خرج من الحارة باستخدام السيارات بأقصى سرعة، خاصة من يسكن على الأطراف، وهناك من علق في الوسط مثلي، ولم أستطع حتى فتح النافذة سنتيمتراً آخر، كان الظلام دامساً، فلا توجد كهرباء، كنتُ أسمع أحيانا لهاث المقاومين وهم يركضون، في الحقيقة لم أفرق بين ركض الجيش والمقاومة، لكنه لم يكن ركضاً بمعنى ما كان يحدث بالانتفاضة الأولى مثلاً بل لقد كان شيئاً أشبه بالتربص، إنها مثل لعبة إما تخرج منها حياً أو ميتاً، كما أن فيها متعة التحايل على الموت، خداعه، تقف في مواجهته لكنك تجعله يفوتك، شيء أشبه بلعبة الروليت الروسي، أن تضع رصاصة واحدة في مسدس، ثم تقوم بتدوير الاسطوانة، التي يمكن أن تحمل ست رصاصات، عدة مرات ثم تضغط على الزناد بمجرد أن تتوقف، ودون أن تنظر إذا كانت الرصاصة الوحيدة ستصيبك أم لا، هكذا كانت تلك المطاردة، وهكذا كان الاشتباك يومها”.

“الغريب أنه مرت على الحرب عشرة أعوام، وهذه هي المرة الأولى التي تسرد لي فيها هذه التفاصيل..”

“عشرة أعوام، نعم، بالضبط مثل هذه الأيام، في هذا البرد، وقتها كان من المستحيل إشعال النار للتدفئة، ضوء واحد بحجم ذبابة كان يعني موتك المحتم.. المهم يا صديقي، بقيت في البيت أغمس زيت وزعتر، بعد أن هرّبت أبنائي وزوجتي وأمي لبيت عمي قبلها بأسبوع خلال الهدنة، كنت أعرف أنهم يريدون الانتقام من هذا الشرق، وهذا ما حدث، ولكني بقيت كي أحرس البيت، أنت تعرف كم أحب التاريخ، ربما أردت أن أكون جزءاً من المعركة، وهذا ما حدث أيضاً؛ سمعت في البداية شباباً ينادون على بعضهم البعض، لم أتعرف على أي صوت منهم، وشاهدت أشباحاً سوداء تركض في السواد، كنت أعرف شباب الحارة، لكن لا توجد علاقات وثيقة فيما بيننا تجعلني أتعرف على أحدهم من صوته، فكوّني رجل مدخن، ولا أصلي الجمعة في المسجد يجعلني منبوذا بشكل أو بآخر، كنت أخرج إلى عملي، وأعود لأحضر مباراة أو أقرأ كتاباً، كنت أريد أن أكون مدرس تاريخ ولكن مع الأسف مجموعي الجيد في القسم العلمي جعل أهلي يضغطون علي لألتحق بأي شيء قريب من الطب.. فدخلت كلية الصيدلة”.

” كأنك واقف على خشبة مسرح وبتعرّف الجمهور عليك، كم ألف مرة حكيت لي قصة التاريخ وتوجيهي والصيدلية.. شو شكلنا كبرنا وخرفنا.. روح صلي الجمعة بلكي الله رحمك وتبطل تنسى”.

“اسمع بس، أكملك شو صار يا أبو أحمد، فجأة.. شاهدت أشياء بتلمع مثل مصابيح متواترة ولكنها ليست مصابيح وكأنه لمعان زجاج، عرفت على الفور أنهم وحدة خاصة من جنود الاحتلال، ولا أدري هل أسلحتهم التي كانت تلمع أم خوذاتهم، خفق قلبي كأنه سينفجر، شعرت أن رصاصة دخلت للتو في رأسي لدرجة أن العرَق سال من خلف رقبتي وانحدر إلى ساقيّ، للموت طعم حين يقترب.. ارتعبت أن آتي بأي حركة، كانوا حتماً سيسمعونني، لم تكن هناك الكثير من المنازل حولي، فالأرض لم تعمّر كلها، خالية، وهذا ما جعلها آمنة للمقاومين وصعبة على الاحتلال لذلك تصاحبهم طائرتا هيلوكبتر، لم أشاهد في حياتي سينما، لكن هنا من هذه الفتحة رأيت ما أظنه أشدّ تشويقا لقد كان سينما الواقع.

 يعرفون وجهتهم تماماً، قصفت الطائرة أحد المنازل ثم أعقبه تبادل إطلاق نار، استمر دقائق قبل أن يعود القصف من جديد للمنزل ذاته، ثم توقف كل شيء، لم أعد أسمع المعركة، يبدو أنهم غادروا أو صعدوا بالطائرة، لا أدري.. دقائق مرت قبل أن أسمع صوت أحد شباب المقاومة ينادي لإسعافه.. كان مصاباً، يبدو أن جميع رفاقه استشهدوا لأن صوته كان وحيداً وعادة المقاومين أنهم لا يتحركون أفراداً، لم يقترب أحد من سكان بيوت الحارة المتبقيين، الرعب يكاد يخرج القلوب من أماكنها، وبالطبع لم أقترب بدوري، سمعته ينادي إلحقوني… “

“يومها كنا طالعين من البيت مثل ما إنت عارف، هربنا عند دار عمنا بالشمال”

“.. سمعت حركته على التراب.. يبدو أنه كان يتقلّب على الرمل مثل قطة دهستها سيارة، هل رأيت من قبل كيف تنازع القطة المدهوسة؟ مشهد يهز أوصالك، وهكذا لعب الخيال في رأسي، فأنا أسمع الصوت ولكني لا أراه، وما لبث أن نادى من جديد بصوت أكثر خفوتا وينكم يا عرب. كان ينزف.. استغربت من فكرة أن أحدا في نزاعه الأخير يعتقد أن العرب من الممكن أن يستجيبوا، أو هو يأس الأنفاس الأخيرة الذي يفعل أفاعيله في العقل واللغة ويعيدها إلى شعاراتها الأولى.. فكيف لواحد في نزاعه ينادي مجهولين لا يعرف مقدار استجابتهم، أتدري مثل ماذا؟ سأقرب لك الفكرة، كأن يطلق مجرم عليك النار ليلاً في السويد بالبرد القارص وتصرخ وأنت تموت وحيداً على الثلج.. وينكم يا أوروبيين؟، هل تجد عبثاً أشد من هذه العبارة التي مع كامل كونها كليشيه مبتذل، إلا أنها تجعلني أرغب بالانفجار في بالبكاء، فقد فهمت بثواني شعوره الحتمي بنفسه أنه ميت لا محالة، لم يكن درسا بالتاريخ.. كان درسا في عجز الإنسان وحبه للحياة، أقصد حبي أنا، في صباح اليوم التالي حين تأكدنا أن المنطقة آمنة، خطونا بحذر خارج عتبات منازلنا، ووجدنا الرمال امتصت كل دمائه، كان يرتدي قناعاً على وجهه وجاكيتاً أسود”.

“أوف… شو هالقصة.. قشعرت بدني.. ما إلك ذنب يا سلام.. هذا قدره… ساعته اجت”.

“قدر ماذا.. هذا الشاب كان سيكون الآن في الثلاثينات لو أنه عاش وتزوج ولأصبح ربما أباً لأولاد، إن التسليم بالموت غير المبرر يخنقني، أشعر أنه عجزٌ وليس إيماناً، وين الجيران وأهل الحارة، وشيخ المسجد.. يا أخي وين العرب؟. كل يوم حين أخطو على عتبة باب منزلي منذ عشر سنين أراه مستلقياً هناك… تخيل كم مرة كنتُ على عتبة بابي.. وكم مرة رأيته ممدداً، أعيش مع الأموات منذ تلك الليلة.. هذه المدينة كلها تعيش مع الأموات..”

“هدول ثلاثة حروب مش قلال..”

” متى الحرب بتكون قليلة؟، كل حروب العالم التي قرأت عنها وخاصة التي راح ضحيتها الملايين كلها كذب، لأنه لا يستطيع أن يكتب عن الحرب سوى من عاشها”.

” استهدى بالله.. قوم صلي الفجر بكفي حكي اليوم.. لولا الإيمان كان ما صبر شعبنا على كل هذه المعاناة والإجرام”

” ليس الإيمان بل العيش مع الأموات سر قوتنا… وتصبح على خير.. أنا بصلي الصبح في البيت”.

” آه .. نسيت أنك برجوازي مخملي..المسجد يأتيك إلى السرير.. استغفر الله العظيم .. ما بده الواحد يحكي كلام يكفره.. أعوذ بالله وأتوب إليه.. ما بيجي من وراك غير جدل حامي الوطيس”.

“الكفر الحقيقي هو إلي بصير فينا”.

تحرك “أبو أحمد” نحو مسجد الحارة… رتب سلام الفناجين، وأهال الرمال على النار ليخمدها، كان يشعر طوال جلسته أن أحداً خلفه، نظر إلى تلك البقعة، لم يتغير شيء، سوى إزاحة برميل الإسمنت المتيبس الذي كان يتمدد الشهيد إلى جانبه.. وهمس “عشر سنين يا صاحبي وإحنا جيران ولا مرة قلت لك صباح الخير”.

لا يُنظَرُ الى الناس هنا إلاّ بأعْيُن العسس. لم يكن سورُ عكّا قد اكتمل بناؤه بعد. ولا فنارتُه التي تطلُّ على البحر الى الغرب. حجارةٌ يغسلها عَرَقُ البنّائين الحارِّ نهارًا لتبترد ليلاً بموج البحر.

تنام العائلة فتخرجُ ليلى تحت جنح الظلام، تحتمي بين رُكام الحجارة الكبيرة المصقولة المصفوفة شرق البحر وبين موجه الآتي من الغرب. لا يخطر على بال المرء أن للعسس عيونًا هنا بين الموجة والموجة وفي متاهات الفراغ بين الحجارة.

كان حُبُّهما ممنوعًا. فعازم جنديٌّ في حرس أحمد البوشناقيّ الجزّار لا يُسمحُ له بالزواج، وليلى ابنة عائلةِ تاجرٍ غنيّ. كانا يلتقيان سرًّا هناك، تحت ظلال القمر حيث تُلاقي عكّا موجَها.

“انظر يا عازم الى رمال الشاطئ تتلذّذُ بالموج يترامى عليها.”

“سأحبّك يا ليلى طوال العمر، ونجلسُ هنا وحدنا نراقب رمالنا.”

“لكن رمال عكّا لا تكتفي بموجةٍ واحدة تترامى فوقها.”

***

عند انبلاج الفجر يتعالى ضجيج البنّائين وتتحرّك الحجارةُ المكعّبة الكبيرة تحت سواعدهم لتصطفّ داخل السّور العظيم المتعالي يومًا بعد يوم. لا يخطر على بال أحدٍ أنّ بقعةً رطبةً لم تجفَّ بعد فوق ذاك الحجر هي مَنيُّ عازم. فهي ليست وحيدة فوق الحجارة.

“عُيونُ العسس لا تنام”، همسَ شريك عازم في الثّكنة في أذن صديقه.

في هذا الصباح، الثالث والعشرون من تشرين الأول عام 1784، لم يكن ضجيجُ البنّائين عاديًّا، توارت فيه طرقاتُ الأزاميل لدقائقَ، ولم تُسمع غير الصّيحات.

لم يكن في المكان المُعدّ لتشييد فنار عكا غير الرجال وامرأة واحدة سيقَتْ لتُحاكم على خيانةِ زوجها مع عاشقٍ من القرية المُجاورة، يُقالُ إنه صانع خزفٍ ماهرٍ وفنان مُبدع، تملأ تُحفُه بيوت عكا الغنيّة والميسورة. أما هي فلم يُذكر لها اسمٌ ولا صفة، وكلّ ما قيل إن زوجها كان قصّابًا أصابه المرض منذ زمن وامتلأ جلده بالبُثور، وإنه تزوج قبلها من أربع نساءٍ ولم يُنجب.

في هذا الصباح، دُفن الاثنان أحياءً تحت حجارة الفنار التحتيّة، وغطّى طين البنّائين جسديْهما حتى الاختناق.

لم يخفت الضّجيج في المكان، لكنّه تبدّل كما تتبدّل ألوان الموسيقى في سمفونيّةٍ هائجة، فبعد الصُّراخ والاستجْداء وزمجرة الجنود وشتائم الزوج الغاضب، يأتي دور الأزاميلِ وأوامر الجنود في سَعْيِها الى تسيير العمل بانتظام من جديد.

عادت الحياة الى طبيعتها الرّتيبة حتى مغيب الشمس.

***

يسير عازم بين التخوم خارجًا من ثكنته نحو الغرب. ستكون ليلى هناك في انتظاره الليليّ. لو رآه أحدٌ في هذا العتم لما خفي عنه ارتيابه، بل تكاد أفكارُه المُضجّة في رأسه تُسمع خلف النوافذ المعتمة النائمة. “عيون العسس لا تنام”، تتردّد هذه العبارة في ذهنه دون توقّف. يبتسم فجأة في سرّه: “لكنني أعرفهم جميعًا، هل سيشون بي وبليلى إن رآني أحدٌ منهم؟” يعود ليبتسم ويهزّ رأسه. “لا مُستحيل… وفي كل الأحوال، سأعرف كيف أحمي نفسي وأحميها من الوشايات… سأذهب الى ليلى وأقطف ثمرتها بعد تعب هذا النهار”. هكذا كان عازم يفكر فيما هو ذاهبٌ إلى ليلى.

كانت في انتظاره. تجلس فوق الحجارة التي صُفّت هذا النهار وأغلقت كل حواشيها بالطين الرّخوِ. وصل عازم. كان مثل بركانٍ على وشك الانفجار من الشوق إليها، وكانت حِممُها قد بدأت بالتطاير حين رأته. تعانقا. تبادلا قُبلاً شهوانيّةً على طريقة الغزاة، مُستخدمين كل ما في أفواههم من أسلحة. رفعا أثوابَ بعضهما بانفعال لا يصبر. عصر نهديْها بيديه الخشنتين. وبيديها المرتبكتين أخذت تحلّ حبل سرواله بحثًا عن قضيبه. قبضت عليه من الأسفل. من خصيتيه. رفعته الى مستوى فمها الجائع. كانت تعشق التلذّذ بسخونته داخل فمها، وتستمتع بتضخمه التدريجيّ متباهيةً في سرّها بقُدرتها على إيقافه. نظرت إليه وقد انتصب الى أقصاه. قالت ضاحكة: “لا حاجة أن يستيقظ البنّاؤون غدًا، فها هو الفنارُ جاهزٌ يُضيء”.

كان القمر هلالاً. يُراقبُ الأرض متلصّصًا. عيُون العَسَسِ لا تنام.

***

يجب أن أعود الى الثكنة الآن، قبل أن يشعروا بغيابي. مسح رأس قضيبه بصدرها، وكان فمها لا يزال ممتلئًا. هزت رأسها موافقةً. بلعت ريقها وما معه. قالت: “اذهب أنت أولاً، ثم أتبعك بعد قليل”. هكذا كانت العادة، كي لا يُشاهدا معًا.

عاد عازم الى ثكنته. نام عميقًا وطويلاً.

***

عند الشاطئ الغربيّ. الموج يترامى تباعًا بعنفٍ فوق الرمال.

ركعت ليلى على رُكبتيها فوق الحجارة الباردة الخشنة، وأخذت تمصُّ أزباب العسس تباعًا.

زبدُ الموج يغمر الرمال.

*

كنتُ بصددِ إكمال بحثٍ حول مسار الانتقال الديمقراطي بتونس في ظل الإرهاب، وإذ بخانة “المُحادثات” تعلن وصول رسالة، فحواها:” أريد التواصل معك بشكل حضاريّ، نعم حضاريّ كأن نحتسي القهوة معا. لو تعلمين، فنجان قهوة معك يساوي عندي حجم السماء والأرض وما بينهما، هي قطع سكر تلامسينها لتصنعي من فنجاني بحر مرمرة الذي ازداد بريقا حين كتبت اسمك على رماله، لو تعلمين أن فيك أسحار الشرق، يا ساكنات البحر في قرطاجة جف السبيل وتفرق الأصحاب”.

نزعت عن أذني سماعات الموسيقى، وأعدت قراءة الرسالة المدجّجة عشقا، استعنت بما أملكه من خبرات في اللغة العربية وعدت إلى روايات شهرزاد عن رجال الشرق، واستحضرت وصايا جدتي وجميع الخطط الاستراتيجية النسوية لتكون إجابتي في مستوى كلماته.

كبستُ على أزرار لوحة مفاتيح الكمبيوتر لأبدأ في صياغة الرد، لكنّي تراجعت، فأنا لا أطمح لشرب فنجان قهوة معه، ولا تغريني قصص بحار مرمرة ولا آبه بتلك النزاريات. أستهدف صدره الأسمر الشبيه بحدائق العنب، لأجعل منه سريرا دافئا في ليالي الخريف القادمة التي ستتزامن مع عودته من تركيا. أريد الكثير من تلك الشفاه المغطاة بشارب خفيف، أجل اشتهي نفث أنفاس الحب عليه، أمسكت بفأرة الحاسوب وتوجهت نحو صوره لأرسم بخيالي طعم القُبلات من شفاهه. 

نهضت من المكتب، أعددتُ كوبا من القهوة، تنفستُ الصعداء وأشعلتُ سيجارة لآخذ قسطا من الراحة ولأُبديَ لذلك الوسيم الجالس على الضفة الأخرى من المتوسط بعض اللامبالاة. أعلم أنها استراتيجية كلاسيكية في التعامل مع الرجال، ولكنني أجدها نافعة في مثل هذه الحالات.

أنهيت تقرير الارهاب والديمقراطية. غادرت المكتب نحو شقتي الصغيرة، فتحت الباب، طاردت قطة الجارة الغبيّة التي تأتي لإزعاجي كلما غادرت البيت، جلست لأجري اتصالاً روتينياً مع والدتي المُقيمة منذ فترة في  الخليج برفقة أختي الكبرى، لأعطيها نشرة أخباري اليومية المليئة بالكذب، والتي أبدأها بأنني أعددت الطعام في البيت وأختمها بأنني أصبحت جدِّية لا تليق بيّ العلاقات العابرة، خاصة وأنا الآن في الحادية  والثلاثين من العمر، هكذا أجعلها تطمئنّ، أقول آمين لدعائها، ثم أُشغِّل كمبيوتري وأقضم من السندويتش الذي اشتريته من محلٍ في أول الشارع.

رنّ جرس المسنجر، هي رسالة أخرى منه:

– أرجو أن لا تكون كلماتي قد أزعجتك، إني أحلم بفنجان قهوة معك.

 صرخت :

– “الله الله يا وعد الله”، أجبتُ بكل سلاسة: لا أبداً، لي الشرف بأن أضحى باهتمام كاتب مثلك شكرا لذوقك.

أجاب:

– لا يا عزيزتي، تستحقين أكثر من ذلك، الشرف لي بمحاورة امرأة مثلك.

واصلت الحوار معه، وكانت كل حوريات العالم تتراقص أمامي، دهشت من رقته وكلامه الذي لم يغادر حدود فنجان القهوة ومقالاته التي ينشرها في الصحف الثقافية وإعجابه بالبحوث التي نشرتها حول الانتقال الديمقراطي في تونس. كان يتنقل في خطابه بين الشخصي والعام وأنا أجاريه في كل ما يقوله ممسكة نفسي عن التعليق، كنت أفكر في جرِّهِ لفتح الكاميرا ليراني بـتباني الأبيض الخفيف، ولأتظاهر أمامه بالخجل و لكنه لم يسقط في ذلك الفخ.

إنه رجل يعيش بالكلمات ويحيا بها، رغم وسامته المشوبة بفحولة نابعة من عينيه، إلاّ أنه لا يُبدي اهتماماً كثيراً بالنساء. أذكر أنني تعمدت الجلوس في مقهى المونديال وأنا أحمل مجلة عليها مقاله لأذهب وأحاوره في ما كتب حول الأدب والثورة، تعمدت التظاهر بأننا في معهد الديمقراطية حيث أشتغل، نسعى لدعم الأقلام المُهتمة بالأدب ونشر الفكر الحر.

إنطلت أكذوبتي عليه، وبدأ في شرح مشروعه الإبداعي، وشرع في ذكر أسباب نشره لكتبه الأخيرة التي لا أتذكر عنها شيئاً، كوني كنت حينها  أهفو  للاستمتاع بعطره الباريسي المثير، إذ نجحت  بالكاد في منع يدي اليسرى عن مداعبة شعر رأسه الأبيض الناعم. أنهيت اللقاء معه بعد أن أخذت جميع بياناته، حتى حالته الاجتماعية وأصله وهواياته، ولولا ضيق الوقت، حيث غادر إلى موعد مع مدير دار للنشر، لكنت عرفت نوع طعامه المفضل ومقاييس لباسه. 

مُذ ذلك اللقاء، بدأت في رسم الخطط للإيقاع به، لم يكن الأمر سهلا وخاصة مع رجل محترم مثله، يهوى قراءة الكتب والاستماع للموسيقى ولا يحب شرب الخمر كما أنه لا يجلس في حانات العاصمة مع زملاءه من الكتاب والصحفيين، الأمر الذي أرهقني حين أردت تقصي أخباره .

لا أحد يعلم الكثير عن حياته الشخصية لكنهم أكدوا لي أنه رجل محترم، لكن محترم هذه، لم تسعدني كثيراً بحكم معرفتي بمقاييس الاحترام لدي مجتمعي، فهي تقال لشاب لا يجيد تقبيل فتاة ولرجل لم يتذوق لسانه طعم نبيذ هذا البلد.

إنه الكاتب محمد عزيز، صاحب الأصول الأرستقراطية والقيافة والأناقة، شهير في الوسط الثقافي بطباعه الهادئة وبأدبه الجم وولعه بقراءة الكتب ورفضه للجلسات الخمرية وبتوقيعه: المُتعب من عروبته. كان عزيز، ورغم إنه في الاربعين، لا يقلل من احترامه لمن هم أصغر منه سناً. كان على علاقة بشاعرة فلسطينية، ثم انقطعت علاقتهما منذ انتفاضة غزة الأخيرة، وبعدها لم يخفق قلبه لامرأة.

 أما أنا فصاحبة قلب يشبه المساكن الشعبية، قلب يتسع لجميع رجال الأرض شريطة أن يتسموا بالوسامة والفحولة بغض النظر عن جنسياتهم وانتماءاتهم. أنا أممية الهوى، أدافع عن التعددية في الحب كما أدافع عليها في المشهد السياسي التونسي.

كان غياب حبيبته الفلسطينية  يجعله كثير الحزن وكثير الدعم لقضيتها، ورغم أننا نسينا الشأن الفلسطيني منذ اندلاع ثورات الربيع العربي ربما لأننا وجدنا النصر في أبنائنا ورأينا في البوعزيزي محمد درة وسمير قنطار وكل من عشقناهم من أبطال الشرق، لكن محمد عزيز ظل بكوفيته تلك وفيًا لحنظلة.

كتبت إليه:

– لأنني أحب بعنف، وأطلب في الحب عنفا بمثل، فإني سأقتلك اليوم حبا، أهديك قصيدة جعفر الماجد الساحرة1.

 ردّ بسرعة من ينتظر لهفة المرأة إليه:

– إنّي أخاف سحر حوريات قرطاج، رفقا بقلبي أيتها الشقية.

 ضحكتُ، لكني كتبت متلهّفة فعلا:

أعز الله هذا القلب الحاضر أمامي كوقعِ تراتيلِ الصلاة، دمت بخير-.

أكملتُ عبارتي الأدبية المستوحاة من تدوينة لأحدهم، وأغلقت حاسوبي ونِمت، أجل نمت لأحلم بفارس لا يخجل، متهكّم حدّ ارتجافتي وسقوطي في عينيه.

نهضت مرهقة قليلاً من سهرة المحادثات والمراوغات الكلامية التي قضيتها مع محمد عزيز، جلست في مقهى لونيفير لشرب قهوة ولتدخين سيجارة، دعوت أحد شعراء وطني البائسين لمشاركتي القهوة ولمشاطرتي  بعض السجائر لأستقي منه ما تسنى لي من المعلومات عن محمد عزيز الذي بدأ يسكن عقلي. شرعت في الحديث عنه وعن التزامه المفرط بقضايا العرب رغم ما يقع على أرضنا من مصائب، فانتفض الشاعر قائلاً:

– أنتِ لا تعلمين أن محمد عزيز درس في دمشق وكان من مناضلي الجبهة الشعبيِّة لتحرير فلسطين، ويقال إنه كان في الجبهة المسلحة وكان على علاقة بشاعرة من الجبهة الشعبية.

نفثت دخان سيجارتي في الهواء، فحديث المقاومة والرفيقات المناضلات أعرفه جيداً، وكل من درس في دمشق أو بيروت أو العراق من يساري تونس يعود إلينا بطلا ومرجعا في الفكر اليساري والإسلامي والعروبي والقومي وحتى الانفصالي، تكفي بعض الكلمات المشرقية و حديث عن مذاق العرق لتجعل منه محل استماع الحاضرين، ومحمد عزيز من بين هؤلاء، من يعيشون تحت سماء الشرق وهم في أرض تونس، و هم ممن ينسبون إلى عدنان وتغلب وجده من أصول تركية وأمه من الساقية الحمراء.

التأكيد على مشرقية محمد عزيز أثار فيّ بعض الحس الوطني مع غيرة  طفيفة على رجال هذا البلد، من أقول فيهم على مدونتي أرذل القول وأتهمهم في أغلب الأحيان بالتخنث وبغياب الرجولة. ولكنني شعرت حينها بنارٍ تحرقني وتذلني حين رأيت محمد عزيز ينشر قصائد غزل لنساء الشام ونساء العراق مُتناسياً ساكنات قرطاج و نوميديا وزقاق المدينة أمثالي.

أمضيت كامل اليوم أفكر في استراتيجيات وتكنيكات للإيقاع به.  لقد صار الأمر بالنسبة لي مسألة وطنية، تكاد تكون شوفينية، رهان آخذه الآن على نفسي ، إما الإيقاع به وإما لا أكون أنا كاهنة الماجري.

فكرت في أن أنتظر عودته الأسبوع القادم لأراوغه باستضافته على “كفتاجي” الأكلة التونسية الشهيرة بنكهة زقاق المدينة العتيقة، لكن تلك النيران التي تشتعل بداخلي منذ أيام، لم تتركني أرتبُ خطة العشاء، جعلتني أتسرع  في الدخول إلى صفحته على الفايس البوك، لأجده كتب ما يهمّني:

– أفكر كيف سأتعامل مع كنوز حبيبتي؟

كبست على زر المحادثات، وكتبت دون إيحاءات عربية:

– قبّلها واقضِ نحبَك بين ذراعيها وستشكر السماء سعيك.

 ردّ بسرعة البرق:

– لم أكن أدري أنك تتمتعين بنَفَسٍ شِعريّ خطير.

أجبته:

– حضورك هو الأخطر سيد محمد عزيز.

– أخطر على من؟

– أخطر على نساء هذا البلد، أخطر على نساء تونس من يذرفن الدموع حين تغادر الفرسان نحو الشرق. ألا تدري أن التونسيات يحملن أرحام هذه الأرض وطينها؟

توقف عن الحديث ولم يجب. ربما كانت جملتي الأخيرة كالقصف العشوائي على روحه، تجاوزت جميع الحواجز لتبدأ في نفض غبار ذكريات تلك الفلسطينية التي ظلت عالقة بعينيه اللوزيتين، وبصدره المغري. اللهم إني أسألك النوم بين ذراعيه تحت شتاء تونس وصقيعها. نمت تاركةً حاسوبي مُضاءً، على أن أنهض على رسالة حب منه، ولكن يا خيبة المسعى لم يقل شيئا بل نشر ما كتبه على صفحته ما يذبحني:

– حين كتبت لي إحدى صديقاتي، ألا تدري أن التونسيات يحملن أرحام هذه الأرض وطينها؟ فهمت لماذا قال الشاعر كمال بوعجيلة التونسيات هنّ الجميلات فعلا وقولا وهنّ ملاذ لتونس حين تحن، كرم الله بنات الكاهنة .

تكاثرت التعليقات على مدحه نساء تونس من أصدقائه، بلهجات سورية ولبنانية ومغربية وجزائرية ومصرية. قرأت ما كتب بنَهمٍ وابتسمت، شغلت أغنية “برشا برشا يا مدلل” ورقصت إلى أن غمر العرق كافة أركان جسدي. توجهت نحو الحمام لأنهي الرقصات مع المياه الدافئة. إنه  ليوم منعش، بدأته بابتسامة حب لمدير المؤسسة الذي لا أطيق ذكر اسمه ولا رؤية وجهه المجعد الكريه حين يطلب مني إنجاز تقرير أو ورشة عمل حول الدستور وحقوق الانسان. ورشات وندوات وتقارير أكتبها  على أهواء المتابعين وحسب ميولات الجهات المانحة فتراني أكتب بحس نادلي المقاهي أقدم ما يطلب مني.

خبراتي في التزلف التي اكتسبتها من عملي مع منظمات المجتمع المدني جعلوا مني لبقة وماهرة في التعامل مع الرجال، و لا سيما أصحاب الحالات الخاصة مثل محمد عزيز، يكفي أن تمنحه أذنيك والكثير من الاهتمام فتكسب وده وثقته، أظن أن العالم بات يعرف أننا في أوطاننا لا نريد الاستماع إننا نشتهي الحديث فقط.

مر أسبوع، أخبرني فيه محمد عزيز عن موعد عودته إلى تونس طالبا مني أن ألتقيه في مقهى مطار قرطاج بعد لحظات من وصوله. وافقت، فمعدل سخائي مرتبط بمعدل وسامة الرجل المقابل، وكاتبنا كان يقطر رجولة من يديه حتى أخمص قدميه التي تغطيها أحذية سوداء كلاسيكية وإيطالية الصنع.

جلست في مقهى المطار، طلبت قهوة سوداء دون سكر، أشعلت سيجارتي الثانية وإذ بيد حطت على كتفي لتديرني نحوها. احتضتني اليد الثانية غرقت في عطر إعتراني. قبّل خدي، تظاهرت بالمفاجأة وقفزت في مكاني لأخفي حالة الذوبان التي انتباتني حين حضنته، بدأت في الثرثرة والأسئلة عن الرحلة لألهي لساني الجريء عن دعوته لغرفتي الخاصة.

تحدث عن رحلته، وعن الكتب التي اشتراها من تركيا وعن رفيقه السوري الذين اجتمع به خلسة، بعيداً عن أنظار مخابرات أردوغان، كان يتحدث عن مقاومة السوريات ضد الدواعش وكنت أقول لنفسي:

– أراحنا الله من الفلسطينيات فتحول نظره نحو السوريات، هل أنتظر وقوع حرب في تونس لأنال رضاه؟ ما هذا يا إلهي؟!

أنهينا احتساء القهوة، دعاني للعشاء في مطعم دمشقي أفتتح حديثاً في منطقة المنار. إشترطت أن أقبل الدعوة  حال ما غيّر المكان نحو مطعم في المدينة العتيقة بتونس وكان لي ما أردت. 

التقينا عند أسوار المدينة لنتوجه نحو المطعم المتواجد في غياهب الزقاق الذي تنيره المنارات ذات الضوء الخفيف،  أمسكت بذراعه اليسرى وبدأت أغني ألحاناً تونسية، فيها الكثير من الغنج والدلال. علّق على صوتي الذي أعجبه فأكملت الغناء مع تقديم شروح لمعاني الأغنيات التي كان يجهل جلها.

وصلنا إلى المطعم. أبدى أعجابه بالمكان، وأسهب في الإشادة بثقافتي الواسعة فيما يخص الغناء النسائي التونسي إذ أكتشفه كما يكتشف السائح بلادا أخرى غيرت دفة الحديث نحو تاريخ المقاومة التونسية وحكايات الفلاقة 1 وجبل برقو 2 وخيل سالم  3

والصبايحية 4، وأخبار حاملات السلاح، وكان يعلق بإشارات لثورة الضباط الأحرار وثورة عرابي، كان عارفاً بتفاصيل تاريخ جمال عبد الناصر وتغيب عنه. تفاصيل الدغباجي 5. إنه لا يفهم حتى اللهجة الريفية التونسية. كنت أشرح له معاني الأشعار والأسماء حتى إسم قبيلتي ذات الأصول الامازيغية القديمة قِدم أشجار الدفلى وانبثاق واد مجردة.

– أنت غارقة في تونسيتك.

– بل أنت المستشرق الذي فقد بوصلته وأصبح يلتصق بشرقٍ لا يفهم حتى لهجتنا التونسية فما بالك بلهجتي الجبلية؟

إجابتي لم ترق له. تغيرت نبرة حديثه. أما أنا فغيرت دفة الحوار حين رأيت حمودة النقنوق 6،عازف الغيتار التونسي جالسا وراء محمد عزيز. ورغم كرهي له لأنه يشبه العاهرات في سلوكه إلا أنني كنت مضطرة لذكر اسمه حتى لا أزيد في توتر الجو:

– عزيز هل رأيت من يجلس خلفك، إنه حمودة  الذي أعاد توزيع “تعلق قلبي طفلة عربية”؟

تراقصت ألوان الفرح في عينيه، وأدار بظهره إلى الخلف ليلقي التحية لحمودة المخنث ويتركني وحيدة في طاولتي.  قفز حمودة من مقعده ليرتمي في حضن محمد عزيز وينهال عليه بالقبلات. وضع رأسه على كتف فارسي ليشتم من عطره. ثم رأيته يدعوه ليجلس معه ومع أصدقائه. حينها أشار لي محمد عزيز لألتحق بهم. أمسكت بحقيبتي وتوجهت نحوهم بعد أن اعتراني الغضب.

– آسفة أحس بالتعب وأريد العودة لبيتي.

رد محمد عزيز:

–  لا عليك سأوصلك رفقة حمودة لبيتك.

أجبت:

– هل تنوي إكمال سهرتك معه؟

لم يجبني أحد منهم ولا أظن أن فارسي الشرقي قد استمع لسؤالي أصلا. غادرت المقهى، ومشيت مهزومة وراء حمودة النقنوق، هذا الذي تأبط ذراع محمد عزيز.

 إشارة لاغنية تونسية من التراث الريفي يا خيل سالم باش روحتولي**بانا وجوه تقابل وقولولي باش لي جيتو واش قولكم ** في اللي الذي خليتو. سالم ع العقاب شايع صيته يوم البراز

مصفن ع الحولي … كلمات تتغنى بفروسية سالم الذي ذهب للقتال واستشهد.

كنت بباب المسجد، وكان حديث السيد الإمام إليّ هذه الليلة غريبًا ومثيرًا. لقد ذكر أنّ حشودًا من القطط السوداء المتوحشة هاجمت الناحية، وأنها تقضي على كلّ ما تصادفه في طريقها. ولذلك فإن الناس لم يقدموا على صلاة العشاء هذه الليلة، لأنهم يعلمون أنها أصبحت في هذا الحي سيّدة الظلام لقد نشرت الرعب واستبدت بقلوب السكان. كان كلامه عجيبا، لكنه لم يطل فقد بادرني الرجل بدعاء للصلاة.

كنا ثلاثة أشخاص نصلّي في خشوع وسكون. الإمام في محرابه، ثم أنا وصديقي سعيد من ورائه. وكنت ثابتًا أشعر بسكينة واطمئنان، وكأنّي نسيت الحديث المفزع الذي سمعته منه. ثم بعد أن فرغنا من الصلاة، سألني الإمام أن أحمله في سيارتي إلى بيته، وافقت ورحبت بالطلب، ثم زدت فدعوت صديقي سعيد إلى المبيت معي الليلة في بيتي. كان الإمام يحمل عصا كبيرة، لم أسأله عن السر في ذلك، فقد بدأت أشك في سلامة عقله. لكن الأمر تغير حين ركبنا السيارة، فقد عاد الإمام إلى حديثه، فالتفت إلى صديقي ثم قلت: «ما رأيك في هذا يا سعيد؟» فأجابني وإمارات الجدّ بادية على محياه: «أجل أنا كذلك سمعت بهذا. فقد أخبرني أحد الجيران أن مجموعة من القطط، قد تعرضت للسيدة نفيسة. المرأة الحامل وهي عائدة من بيت أبويها بالحومة المجاورة. ثم حامت بها وجعلت تداعب ثوبها الطويل. فجمدت المسكينة في مكانها لا تدري ما الحيلة، ولم تجد غير الصراخ.. فصرخت بكل قواها، فأثار ذلك جنون القطط فانقضت عليها. ومن حسن حظّ المرأة أن السيد دانيال.. القناص الفرنسي، خرج لنجدتها وقد حمل بندقيته وصحبته كلابه الثلاثة التي ارتمت على القطط في صراع مروع. استطاع الرجل بعد معاناة انتشال السيدة نفيسة من بين مخالب الوحوش. وحملها إلى بيته، حملها وهي بين الموت والحياة. ثم عاد لنجدة كلابه، غير أنه ذعر حين رآها أسلمت للهررة تنال منها كيف تشاء».

لم يُكمل الصديق كلامه، فقد قاطعه الإمام قائلا: «نعم يا بني. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. لقد سمعت أنا أيضا بهذا وبغيره..» ثم قطع رده هذا وقال «هنا.. كفى.. شكرًا» ونزل بعد أن ألقى التحية والسلام. استأنفنا نحن مسيرتنا نحو المنزل نتبادل ذلك الحديث المهول والمثير. وفجأة سمعنا أصواتا عالية.. نعم، إنها هي، وهذا مواؤها يدوي تكاد الآذان تنفجر له، ثم هاهي تعدو حولنا. أشعلت الأضواء الكاشفة، وضغطت على المنبه، وحاولت أن أتجنبها لكنها كانت تتقاذف كالأمواج نحونا. لقد أصبنا بعضها، واختلط المواء بالصراخ. وامتلأت قلوبنا رعبا وخوفا، فشعرنا أن عتمة الليل تشتد، وكأنما انطفأ القمر أو انكسف. إلهي.. يا إلهي كيف الخروج كيف؟

أوقفتُ السيارة أمام باب العمارة. استجمعت شجاعتي ثم قرّرتُ أن أنزل مهما كان الثمن. فتحتُ الباب. وضعْت قدمي على الرّصيف. حاولت أن أضع القدم الثاني، فوجدتها ترتمي عليّ مرّة واحدة وبكل قوة تدفعها رغبة عارمة إلى الثأر. كانت وحوشًا مسْعورة. سقطتُ على الأرض وأنا أضربُ بيديّ ورجلي في كل مكان. وكان سعيد يضغط دون انقطاع على الجرس المنبّه.. وكان الجيران يضربون بعصيهم وحبالهم في كل اتجاه.. وكنت أصيح: الماء!! الماء!! رشوا القطط المصابة بالسعار بالماء فانه يقضي على اهتياجها. الماء!! الماء!! ثم وجدتني مغمورًا به بعد ثوان. كان ينهمر من الأعلى والجوانب.. وكانت الهررة تتساقط. استطعت الإفلات وحملت بالأذرع إلى البيت صاحبي سعيد وأحد الجيران. أصررتُ أن أتوجه إلى الشرفة. كان الجو رطبًا وباردًا، وكانت القطط تتقافز من الغيظ والألم. شعرتُ بقطرات المطر تنزل من السماء. شيئًا فشيئًا بدأتْ تشتدّ وبدأ الصراخ يرتفع. ثم انتشر الماء والموتُ بالأسفل.. وتراكمتِ الجُثثُ. قررت أن أنزل لأثأر. قفزت إلى السلّم. نزلت ثمّ وجدْتني أمام مقبرة مكشوفة مهولة من الجثث الهامدة. صمّمتُ أن أمشي فوقها. الخطوة الأولى.. الخطوة الثانية، صرخة، انتفاضة.. القطط السوداءُ تتحرّك تنتفضُ تحتَ قدمي…

صرخْتُ. فتحت عينيّ. وجدتني في غرفتي وحدي..

 

 أنـا جورب رخيص، ثمني نصف دينار، أنتجتني تشاركية صناعية، وزع هامش ربحي على عناصر الإنتاج، اشتراني إنسان بسيط، منتج مستور الحال، تزوج هذا المنتج من فتاة بسيطة، سكن بها في شقة صغيرة كانا فرحين.

كانـت العروس لطيفة جداً معي، تغسلني كل يوم بماء دافئ، لا تحرق بشرتي بالصابون، ولا تكويني بالبوتاس، ولتنعشني تنشرني في الشرفة فيجففني نسيم بنغازي العليل .

كنـت أناجي هبات النسيم وأتذكر دعكات أناملها المخضّبة بالحناء، كانت تدعكني ببطء كعلكة في فمها المسوّك كنت أنظر إلي الجورب اللحمي المركون قرب الباب تحت مرآة  دولاب  المدخل.

وذات يوم مرضت العروس، ربما حملت، فغسلني العريس بماء بارد في عز الشتاء، أوجع أنسجتي بدعكاته الخشنة، كاد أن ينسل أسلاكي، كاد أن يفض مطاط عنقي المصفح، اختبأت منه – الله غالب – في رغوة الصابون، عندما نشرني على الحبل نسي أن يشد أذني بمساكة  فقذفتني الرياح بعيداً لأسقط في فناء دارة أنيقة، أخذت الرياح تقلبني داخل الدارة من مكان إلي مكان، وكأنها توضح لي الفرق بين الشقة والقصر. وفي أحد الأركان كانت حجرة الغسيل، اقتربت منها حذراً، كان ينبعث من داخلها صوت طنين، نظرت وظهري ملتصق بمقبض الباب، رأيت الخادمة ترمي قطع الملابس في جوف وعاء معدني متصل بخيط يتأرجح من علبة في الجدار، هذا الوعاء الطنان ليس (كلياننا الصغير) الذي لا يتصل بجسده أي خيط يربطه، خفت أن ترمقني الخادمة فتظنني من العائلة وترميني لأدور بسرعة معهم في هذا القب، ابتعدت عن الحجرة واقتربت من حبل الغسيل، لمحت جورباً ملوناً من حرير يتمايل كطاووس مقروص بمساكة جميلة. سألته بلغة الجوارب عن الوعاء الملتهـم للملابس. لم يفهمني أول مرة لأنني لم أنطـق جيداً بسبب ثقب صغير عند موضع إبهـام القدم. كررت عليه السؤال فأجابني بجوربية مكسرة: هذه غسالة “إلكتريك مستورد”.

شكرتـه دون ابتسامة، استغربت لعدم وجود مثل هذه الغسالة في بيت صاحبي العريس ثم عزوت السبب لارتفاع ثمنها، ولكنني سعيد لعدم وجودها، فالملابس داخلها تدور بسرعة كاتفاقات سلام ممرر! أنا سعيد بغسالة العشرة أصابع الطبيعية ذات الرائحة الجميلة والملمس الناعم، والدعك ببطء والنظر إلي دولاب المدخل حيث الجورب اللحمي الخجول، آه كم هي جميلة الشقة، وأنا في متعة استرجاع ذكرياتي الجميلـة فاجأني هجوم خرطوم حلزوني يتلوى كثعبان يلقف كل شيء، تراب، غبـار، أوراق شجـر، قصاصات ورق، جذبني بعنف إلي جوفـه، وجـدت نفسي داخل ظلامـه. احتميت بورقة شجرة وابتعدت عن أسلاك مكهربة داخله، فرحت لأنني لست مبللاً وإلا صعقت.

فـي المساء أفرغوا جوف (المكنسة الكهربائية) في برميل كبير للقمامة مرابط أمام الباب الفولاذي الحصين

 أمضيت ليلتي في جوف هذا البرميل المقزز تذرعت للأوساخ ورائحتها النتنة بكل ما أسعفتني به ذاكرتي من روائح العروس ومطبخها ومن عرق المنتجين وروائح المنتجات حتى الزيوت المنبعثة من آلات تصنيعي تذكرتها فدافعت عني ..

فـي الصباح كانت إجازة العريس قد اكتملت ، وتبصل شهر العسل سعادة وعاد المنتج البسيط إلي عمله في شركة التنظيفات العامة ، ما إن سكب البرميل في صندوق سيارة القمامة، حتى لحت له من بين الأكوام، رآني، تبسم لي، التقطني بحنو ووضعني في جيبه رغم تلوثي .. فأنا قريب من قلبه .. أنا من شهود ليلة دخلته. بعد الدوام عاد بي إلي الشقة، ناولني إلي العروس: عرفتني، طارت فرحاً، زغردت ، اطمأنت على عريسها من السحر، نفضتني من الغبار، قبلتني، ثم لبستني في يدها قفـازاً ..

أصل الحكاية. بدأت الحكاية صدفة. كان مساء يوم أحد ولم يكن العمل يومها شاقّا. فعدد يوم الإثنين أغلبه تحقيقات ولقاءات صحفيّة ومراسلات جهويّة مُعدّة سلفا وكثيرا ما أكتفي بمراقبة عامّة للإصلاحات التي قام بها زملاء لي آخرون قبل يوم أو يومين.

كانت البطولة على ما أذكر متوقّفة في ذاك الأحد لأسباب لا أستحضرها الآن، وحتّى الموادّ التي جعلت لتأثيث الملحق الرياضيّ ليوم الإثنين اقتصرت على تقييم للمباريات السابقة وبعض التحاليل الفنّيّة للجولات المنقضية مع إطلالات على البطولات الأوروبيّة وحوار مطوّل مع رئيس الجامعة التونسيّة لكرة القدم حول الجدل الذي كان دائرا على مشروع الانتقال إلى نظام الاحتراف أو نصف الهواية الذي كان يسمّى بنظام اللاّهواية ومشاكل كرة القدم التونسيّة وكيفيّة استعادة مجد الفريق الوطنيّ بعد انحدار البطولة التونسيّة والخيبات المتتالية في الوصول إلى كأس العالم إثر المشاركة الأسطوريّة في ملحمة الأرجنتين. أذكر ذلك جيّدا لأنني أحتفظ إلى اليوم بنسخة كاملة من الصحيفة. وكيف لا أحتفظ بها بعد الضجّة التي أثارها ذلك العدد؟

حضرت إلى مقرّ الجريدة وأنا أحمل خبرا حصريّا عن باغندا. كنت متأكّدا ألاّ صحيفة ستنشره قبلنا لأنّ الصحيفة تصدر يوم الاثنين بترخيص خاص من وزارة الإعلام. أما بقيّة صحف يوم الاثنين فهي صحف أسبوعيّة تكون جاهزة تقريبا منذ يوم السبت أو الأحد صباحا بحكم قلّة المطابع بل إنّ بعضها يطبع في مطبعة جريدتنا. وهب أنّ الخبر بلغ إلى علم الصحف المنافسة فقد كانت بحوزتي معلومات عن القضيّة أنفرد بها يستحيل على غيري الوصول إليها.

 لمّا قدّمت إلى رئيس قسم الرياضة بالصحيفة نصّ الخبر الحصريّ ذهل وطلب من عمّ حسن، المشرف على الراقنين والمنسّق مع المصمّم والمطبعة، أن يصدر تعليماته إلى مصمّم الجريدة حتّى يضعه في أعلى الصفحة الأولى. فقد وجده مثلي خبرا مهمّا سننفرد به وسيجلب القرّاء من المغرمين بالرياضة ومن غير المغرمين بها أيضا. إلاّ أنّه طلب منّي التريّث بعض الوقت في انتظار ورود “تيلكس” من وكالة تونس إفريقيا للأنباء. لقد تصوّر أنّ خبرا مثل هذا ستعلم به الوكالة، ولا شكّ، حتى إن لم تعلم ببعض التفاصيل التي تحصّلت عليها حصريّا.

 وهنا تحديدا تكمن الصدفة. فقد ذهبتُ صبيحة ذلك اليوم إلى مقهى “الحاج الشمنططّو” بباب الجديد كعادتي للقاء الأصدقاء والأحباب وأبناء الحيّ. فأنا، رغم ابتعادي عن باب الجديد منذ سنوات واستقراري بضاحية باردو، لم أقطع الصلة بالحيّ والأتراب. كانت زيارة أسبوعيّة أسلّم فيها على الحاج محمود والدي وأرى يسر أختي الصغرى وأُبقي حبل العلاقة قائما مع والدتي زينب وبقيّة أخواتي البنات. فقد اعتقدت أنّ بعض الاجتماعيّات، رغم أنني الحبّة السوداء في بيدر بيت الحاج محمود كما تقول والدتي، لا تمسّ من استقلاليّتي التي أعضّ عليها بالنواجذ ولا تؤثّر في حرّيّتي التي اخترتها طريقا لي بعيدا عن نفاق العائلة وضغوطها. 

كان الجميع في المقهى يتحدّث عمّا وقع لباغندا نجمهم المحبوب واللاّعب الموهوب وابن الحيّ المجاور الذي يفتخرون به وإن كان ينتمي إلى “الاتحاد التونسيّ” في حين أنّ أغلب أبناء حيّ باب الجديد من عشّاق “النادي الإفريقيّ”. وباغندا نفسه من أحبّاء النادي الإفريقي مثل جلّ أبناء حيّ “معقل الزعيم”. وعلى كلّ حال لم يكن الاتحاد التونسيّ فريقا يستدعي منّا ما يستدعيه فريق حيّ باب سويقة “الترجّي الرياضيّ التونسيّ” من تنافس وصراع يبلغ حدّ الكراهية المتبادلة.

 تأسّف الجميع لما وقع ووعد البعض بالثأر من باب الحميّة بين أبناء الأحياء المتجاورة. وبدأت التخمينات حول الفاعلين والدوافع والأسباب والمسبّبات. كنت أسمع معلومات متناقضة كلّ يدّعي أنّ روايته هي الصواب الذي لا يرقى إليه الشكّ. كلّ يتحدّث كما لو كان قد حضر الواقعة، يتّهم ويصف الاعتداء بدقّة متناهية ويفسّره تفسير العارف.

 كنت أنصت إلى الجميع مذهولا أحاول أن أفهم فأقارن بين الروايات والحكايات أحاول أن أميّز نواة الحقيقة في ما يقال من المبالغات والمزايدات والادّعاءات. أستخرج الثابت والمتواتر وأسجّل في كنّشي الصغير الذي أصبحت أحمله معي في كلّ مكان الاختلافات وحتّى المبالغات. ولولا مخافة الإطالة لأثبتّها هنا بعد أن وجدتها ضمن ملفّ باغندا الذي حافظت عليه.

 ولكنّ أهمّ معلومة تلقّيتها في مقهى “الحاج الشمنططّو” قدّمها لي بصفة عفويّة صديق دراسة وابن الحيّ الذي يشتغل في وزارة الشباب والرياضة بديوان السيّد الوزير مستشارا مكلّفا بالتكوين والبرامج في التعليم العالي الرياضي. لقد أخبرني أنّه دُعي يومها، وهو يوم راحة أسبوعيّة، لاجتماع طارئ مع الوزير لتدارس حادثة باغندا.

 اعتبر الجميع في الوزارة، بناء على معلومات أمنيّة في ما يبدو، أنّ الأمر ليس مجرّد حادث عاديّ بل هو محاولة اغتيال بأتمّ معنى الكلمة. وأكثر ما يخشى هو أن تكون لهذه المحاولة أبعاد وتداعيات تتجاوز الحقل الرياضيّ. كان حديث المنصف الخزامي مليئا بالحيرة والتساؤلات نَقَله إليّ بعد الفراغ من الاجتماع الذي دام حوالي ثلاث ساعات خرج فيها الوزير عن طوره واتّهم الجميع بما في ذلك الرجل الأوّل في الاتحاد التونسيّ رئيسه الشابّ الناجح عماد بلخوجة. كان اجتماعا عاصفا لم يتورّع خلاله رئيس الجمعيّة النافذ من الردّ على الوزير بحدّة متهما إيّاه أمام الملإ بالخرف والهذيان مهدّدا بأن يرفع القضيّة إلى المجاهد الأكبر شخصيّا لأنّه لا يقبل التشكيك في ذمّته محتفظا بحقّه في محاسبته قضائيّا. ثمّ غادر الاجتماع غاضبا دون أن يستأذن من الوزير. ولم يكتف بذلك بل صفق باب قاعة الاجتماع بقوّة متمتما بكلام غير بيّن تماما، ولكن قد يُفهم منه سباب موجّه إلى الوزير وكلمات بذيئة نابية وقحة لا تليق بالمقام. وهذا ما أدخل الوزير في حالة هستيريّة فصرخ وعربد وخرج عن طوره ووقاره ليتلفّظ بألفاظ سوقيّة أمام الحضور وكان منهم رئيس الجامعة التونسيّة لكرة القدم ورئيس اللّجنة الوطنيّة الأولمبيّة التونسيّة وضابط أمنيّ كبير علاوة على عدد من المديرين العامين بالوزارة والمستشارين بديوان الوزير.     

كنت قد علمت بهذا كلّه قبل التحاقي بمقرّ الجريدة. وحالما وصلت حرّرت الخبر وقدّمت الصيغة الأولى منه إلى رئيس قسم الرياضة سي عزّ الدين الجعايبي. أعجبه الخبر، سبقا صحفيّا وصياغةً، وخاطبني بفرنسيّته الصافية قائلا: “سيكون لك شأن عظيم في دنيا الصحافة يا ولدي. برافو. مدهش”. لكنّه فتح كنّشا متقادما وطلب منّي الاتصال بالكاتب العام لنادي الاتحاد التونسيّ وبرئيسيْ فريق باغندا والجامعة التونسيّة لكرة القدم وبمدرّبيْ باغندا في الفريق وفي المنتخب الوطنيّ لمزيد استجلاء الحقيقة من الكاتب العام وأخذ ردود فعل البقيّة على ما حدث.

 لم يشأ أحد من هؤلاء أن يتكلّم. فالكاتب العام نفى الخبر جملة وتفصيلا. ورئيس الفريق علّق السمّاعة ما إن علم أنّني صحفيّ. ورئيس الجامعة ادّعى أنّه خالي الذهن من المسألة وأنكر علمه بما جرى رغم إصراري ومقارعتي له بحضوره اجتماعا مع وزير الرياضة. أمّا المدرّبان فامتنعا عن الحديث زاعمين أنّهما لا يملكان أيّ معلومات.

 

على مدخل العمارة كان حذاء أسود. نزلت لشراء علبة سجائر وبضع حبات بندورة. حذاء أسود، فردة واحدة، على البلاطة الثانية بعد عتبة العمارة قرب الأدراج المرصوفة ببلاط لا هو أبيض ولا ملوّن، بل مجرّد حالة تتراوح بين فاتحٍ وغامقٍ لشدّة ما مرّ فوقها الزمن، وأحذية الصاعدين والنازلين من والى عملهم، ومدارسهم، وزيارة أهلهم، وأصدقائهم، وخروجهم لا لشيء إلا للترويح عن النفس في مساء طيّب النسمات أو في صباحات أيام العطلة الأسبوعية. وربما الى مقهى قريب، أو دار سينما، أو اجتماع لأيّ هدف. وقد يخرجون الى دكان، أو عيادة، أو سوق أو لتسديد فواتير الكهرباء والماء  في البنك، أو إرسال رسالة في البريد. أو يضطرّون للنزول من طوابقهم العلوية حتى المدخل لإرشاد موزّع بالونات غاز الطبخ الذي بدأ العمل حديثًا مع شركة التوزيع على موقع بالوناتهم التي خوت والتي يجب استبدالها، فهناك أفواه وبطون تجوع، وأيادٍ ونفوس تريد لها ساعة من الانشغال البطيء اللذيذ بإعداد طبخة بعيدًا عن كل الهموم التي قد تتألّف من متاعب العمل، أو المشاكل العائلية، أو الخصومات العابرة مع أهل أو أصدقاء، أو الخشية من الغلاء، أو القلق على ما سيحدث غدًا للوالدة التي لا تزال تشعر بألم غريب في الخاصرة، أو عدم تلقي إجابة من محلّ العمل الذي تم إرسال السيرة الذاتية اليه منذ أسبوعين دون ردّ.

غريبٌ أن تكون فردة واحدة لحذاء حاضرة بهذا الشكل هنا. كعبها للخارج ورأسها الحادة نحو الداخل. لا تزال صالحة للانتعال بل يمكن اعتبارها جديدة، فشيء من اللمعان لا يزال يلوح عليها. يكفي قليل من الورنيش الأسود لمسحها بثلاث أو أربع حركات رشيقة بل حتى ثقيلة وستعود كالجديدة تمامًا. بالضبط مثلما يعود الشخص يانعًا بفضل حمام ساخن بطيء بعد غفوة لساعتين عصرًا، قـُبيل الخروج مساءً الى مطعم مع أصدقاء أو حتى وحيدًا الى مقهى متواضع قريب أملا في لقاء معارف وأصحاب، أو لمجرّد البقاء في البيت والاستماع لموسيقى أو قراءة رواية أو صفحات المقالات أو المنوعات في صحيفة اليوم، بل حتى بضع صفحات من ملحق الأسبوع الفائت أو  الجلوس بكسل وشرب كأس في هواء الشرفة.

فردة حذاء غير بالية على مدخل عمارة كبيرة ليست بالحدث اليومي الذي يتكرّر. قد يحدث هذا للبعض مرّة في السنة. أو كل خمس سنوات لآخرين. وقد لا يحدث لهم بالمرة حتى لو عاشوا عمرًا مديدًا. أنا مثلا، هذه أول مرّة يحدث لي ذلك، كما لو أن الأمر شيء من النوادر بل من العجائب التي لا يحظى بها سوى المحظوظين، سواء خيرًا أم  شرًا. مثل الحب المثير للارتجاف الذي يأتيك من غير مواعيد ويُسمَع صداه في نبض متواتر للقلب خلف قضبان القفص الصدري، والذي لا تعود تعرف كيفية التصرّف ازاءه، فأنت فرِحٌ به كطفل لكنك خائف منه كطفل أيضًا على انتهاك عزلتك التي ستظلّ هي الأخرى تثير فيك الخوف دومًا. أو أنه مثل السماع فجأة عن حادث طرق يقتل صديقًا قديمًا لم تره منذ سنة ونصف السنة، ولم يخطر ببالك كثيرًا، ولم تهاتفه، بل إنه حين هاتفك مرّة فلم تنتبه للردّ عليه، لم تحاول الاتصال به بنفسك، فيختلط عليك الحزن بمشاعر الذنب والخجل لأنك الآن شخص يقف عاجزًا أمام موتٍ قريب جدًا منه لم يحسب له حساب، فجاء كطرقة عنيفة على بابك في ساعات ما قبل الفجر الحالكة السواد وانتشلك من دفء فراشك وسذاجة أحلامك فقمت متوجّسًا لتفتح وعقلك يضجّ بالقول: الله يكفينا الشر. فلما فتحتَ ووجدتَ أن لا أحد على الباب، لم يزدكَ الأمر سوى توجّس وغرابة. وقد يكون حدث فردة الحذاء الوحيدة الجديدة على باب العمارة، أقرب الى رؤية بقايا ثياب مدعوكة بالرّمل البني الأصفر على شاطئ، تعود لشخص دخل البحر فمات غرقًا ثم أعادها الموج كإشارة لأهل الأرض ودليل لهم على ابتلاع واحد من أبنائهم أو بناتهم في مقبرة البحر.

من المخيف الاقتراب من فردة الحذاء، هل يمكن أن تكون غرضًا مفخّخًا بالبارود يستهدف أحد الساكنين مما يستدعي استدعاء خبراء المتفجرات، أم أن في الأمر مسألة غريبة جعلت هذا الحذاء يحُطّ هنا كعلامة على الخواء، خواء الحذاء من قدمٍ قرب مطلع درج، أو مهبط درج، وخوائه من حالته الطبيعية التي يجتمع فيها عادة زوج من فردتي حذاء. هل يحمل هذا الحذاء المفرد الوحيد تحت خمسة طوابق مأهولة بعشرات البشر صرخة لهم جميعًا بأن انتبهوا من الحياة؟ هل يريد القول لنا: أنا كالحياة ويومًا ما ستغادرونها بكل تلك البساطة والعاديّة والهدوء التي تغادرني بها أقدامكم يوميًا قبل أن تأووا الى نومكم؟ هل يعرض نفسه كنصب لمعنى الموت والخواء الذي ينطوي عليه، على سبيل التذكير بأن ذكّر إن نفعت الذكرى؟ أم أن وجوده هنا بكل سواده الحاد هو محض صدفة عاديّة من تلك الصدف اليومية التي يموت فيها بشر مغمورو الأسماء والوجوه والسّيَر الذاتية من دون أن يكونوا قد فعلوا شيئًا يستحقون العقاب عليه بكل هذا الموت.

تابعتُ طريقي الى الدكان. لم أجد سجائري فيه. ذهبتُ الى دكان في الشارع الثاني. عُدتُ بسجائري، بل أشعلت إحداها في الطريق ونسيتُ البندورة. حين وصلتُ مدخل العمارة كان الحذاء قد اختفى، وسرت فيّ قشعريرة باردة. فقد بدا لي المكان شديد الخواء مثلما لم يبدُ لي في أيّة مرّة من ذي قبل.

 

سادتي الضباط اسمي جمال أحمد، أعمل كجندي مخابرة في وحدة الاستطلاع العميق رقم 312، المقابلة للعدو الأميركي في الجنوب.

أعترف أمامكم وأنا بكامل قواي العقلية، بأني قتلت سالم حسين، عريف المخابرة في وحدتنا، سحبت مسدسي وأصبته برصاصة في رأسه، لأنه ببساطة خائن، وعقوبة الخائن هي الموت.

أنا لا أنكر هذا الأمر أبداً، ومستعد للدفاع عن فعلتي هذه مهما كانت عقوبتكم لي.

فقد حكمت عليه بالموت ونفذت قرار الحكم بنفسي وبسلاحي. ذلك أني أثناء دخولي حجرة المخابرة قبضت عليه وهو يخاطب أحد ضباط الاستخبارات في القوات الأميركية، ظهر يوم الاثنين، فلم أحتمل لسانه المملوء بالقذارة والوحول، فسحبت مسدسي العسكري، براوونغ عيار 9 ملم، وأطلقت عليه ثلاث رصاصات، صوبتهن جيداً على بدنه، حيث استقرت واحدة في جبينه، وواحدة في قلبه، وواحدة أطلقتها على خصيتيه.

 أردت أن أخصيه لأن الخائن ليس رجلاً، بل عليه ألا يموت رجلاً هكذا هي أخلاقنا نحن العرب، الشرف والأرض أولاً، من خان الشرف عليه أن يموت بلا خصيتين ومن خان الأرض عليه أن يموت بلا قبر.

سادتي الضباط أنا لم أظلمه بهذا الأمر أبداً، فقد تعذبت وفكرت كثيراً قبل أن أقدم على قتله. حتى فقدت القدرة على النوم، منذ شهرين وأنا لم أذق طعم النوم مطلقاً، حتى عقدت له محكمة بيني وبين نفسي، بل وضعت له محامياً بخيالي، ولكن في النهاية استنتجت أنه خائن، وعقوبة الخائن لا محالة هي الموت.

 أرجوكم سادتي الضباط لا تظنوا خيانة عريف المخابرة في وحدتنا غامضة، فقد دخلت عليه مساء الثلاثاء، ووجدته يتصل بالأميركان ويعطيهم إحداثيات ومواقع عسكرية كثيرة، لقد سمعته بأذني هاتين اللتين سيأكلهما الدود بعد موتي، ونظرته بعيني هاتين وهو يخون أمامي دون أن يرف له جفن على ما فعل.

إنه جاسوس ببساطة، وحين واجهته بالأمر اعترف بأنه جاسوس يعمل لصالح الأميركان، ولكنه ندم على فعلته أو خاف من الوشاية به، فطلب مني أن أطلق عليه رصاصة واحدة في رأسه، وهي رصاصة الرحمة، فسحبت مسدسي براوننغ 9 ملم وأطلقت عليه رصاصة واحدة. فسقط صريعاً.

نعم لقد كانت رصاصة واحدة في الرأس كافية لمقتله، ولا أعرف عن أمر الرصاصتين الأخريين، فلم يكن بحاجة لرصاصات أكثر كي يموت الخائن فلا عقوبة للخائن غير الموت كما تعرفون ولا أظن أن أحداً في هذا في العالم أجمع يتنكر لذلك.

سادتي الضباط الشرف أغلى ما عندنا…وأنا كما عرفتموني جندي شريف وشجاع لذا لم يحتمل شرفي العسكري أن أجد خائناً في وحدتنا وجاسوساً للأميركان ولا أنفذ فيه حكم الموت. فالأمر لم يكن غامضاً أبداً، كما شرحته لكم، لقد دخلت عليه في غرفة المخابرة ورأيته يضحك ويتكلم باللغة الإنكليزية مع ضابط أميركي، فواجهته بالأمر. إلا أنه أنكر قال أنه يتحدث مع عريف في وحدة الأشغال أسمه عادل يتمرن على الكلام بالإنكليزية مثله، فعرفت أنه يريد خداعي، وفي تلك اللحظة لم يكن سادتي الضباط مسدسي معي، ولكني نظرت إلى الجهة اليمنى من جهاز التومسن فلحظت مسدسه، ماركة براوننغ عيار 9، موضوعاً على الكرسي، وقد شعر بالخطر، وقبل أن يبادر ويتناوله، هجمت على المسدس وانتزعته عنوة منه، تراجعت خطوتين وهو باهت أمامي فأطلقت رصاصتين صوبه، واحدة أصابت قلبه والأخرى على خصيتيه، لأن الخائن ليس رجلاً!

 لا أعرف عن أمر الرصاصة التي أصابته في رأسه.

 في تلك اللحظة دخل علينا جندي المخابرة وحيد. دخل مباشرة بعد أن سمع الرصاصة التي انطلقت وشاهد الخائن صريعاً وأنا بيدي المسدس، وهو شاهد على أية حال، وأظنه قال لكم أنه دخل المكان بعد أن سمع الرصاصة ووجد العريف مقتولاً.  

لكن ما ذكره فيما بعد ليس دقيقاً، فأنا لم أكن داخل الحجرة وقتها، كنت أسير في الممر المؤدي إلى حجرة الضابط، ومررت بحجرة المخابرة بالصدفة وسمعت العريف وحيد يطلب مني الدخول، وحين دخلت رأيته يبكي ويرتجف، سألته ما به قال أنه خان وحدته العسكرية ولوث شرفه العسكري، فقد أعطى الأميركان إحداثيات مهمة كي تقوم الطائرات الأميركية بقصف القوات العراقية لقاء مبلغ من المال، وقد ندم على ذلك وقرر أن ينتحر. فسلمته مسدسي العسكري، أخذه مني بكل ثقة، وقف أمامي واضعاً المسدس في صدغه وأطلق رصاصة واحدة، وسقط صريعاً والمسدس بيده، فدخل جندي المخابرة وحيد الذي كان يدخن خارج غرفة المخابرة فوجدني هناك واقفاً من دون سلاح، وعريف المخابرة سقط صريعاً وبيده المسدس.

أنتم تعرفون سادتي الضباط أن الجندي وحيد شخص جاهل، لا يقرأ ولا يكتب، فلاح من الجنوب لا يفهم الانكليزية ولا يعرف إذا كان عريف المخابرة يتكلم مع الأميركان أم مع جندي في وحدة الأشغال مع أصدقائه، لكن هذا الأمر لا يخدعني أبداً، كنت أقف قريباً من غرفة المخابرة فسمعت أصوات غريبة ومشاجرة في الداخل بين عريف المخابرة سالم والجندي وحيد حيث كان عريف المخابرة يتسلم برقيات مجهولة المصدر على الأرجح من الأميركان، وأثناء المشاجرة انطلقت رصاصة المسدس من الجندي وحيد، وأصابت عريف المخابرة بخصيتيه، ذلك أن الجندي وحيد يتهم عريف المخابرة بقيامه بعلاقة مع زوجته عندما أرسل لها بيده مبلغاً من المال قبل شهرين، فاستغل الخائن هذا الأمر وعقد علاقة مع زوجة الجندي وحيد، وهذا ما أكده الجندي وحيد نفسه. 

أنتم تعرفون سادتي الضباط أن الجندي وحيد يكذب حينما قال أن عريف المخابرة لم يكن يتكلم مع الأميركان، وقال أنه هو الذي كان في الواجب، وكان يتكلم مع جندي يعرفه في فصيل الأشغال، وأن العريف وحيد كان نائماً، ودخلت أنا وأيقظته واتهمته بأنه أقام علاقة مع زوجتي حينما أرسلت بيده راتبي أثناء إجازته الدورية لها.

فالأمر ليس كذلك، أولاً هي ليست زوجتي إنها زوجة الجندي وحيد وهو الذي اتهمه بالخيانة، لكن فيما بعد اكتشفت أنه كان يتكلم مع الأميركان بالانجليزية وهكذا سادتي الضباط، فأنا لم أخرق القانون إنما طبقته، جزاء الخائن هو الموت، وحينما قبضت عليه وهو يخون الجندي وحيد ويتجسس لصالح الأميركان أخذ يتلعثم في بداية الأمر، ثم أنكر بصورة قاطعة، فتصور أني سأسامحه، قلت له أنا ليس لدي أي ثار معك، ولكن هنالك من سيطبق القانون عليك، فناولت الجندي وحيد مسدسي، وقلت له خذ بثأر شرفك، فهذا هو الذي لوث شرفك.

ما أن التفت العريف سالم حتى باغته الجندي وحيد برصاصة في قلبه، فتناولت المسدس من وحيد وأطلقت عليه رصاصتين واحدة وجهتها إلى خصيتيه كي يموت بلا رجولة وواحدة على صدغه ليفارق الحياة.

هذا الخائن سادتي الضباط يستاهل الموت بلا رحمة، هكذا هي قوانيننا، لم يكن بشراً، كانت قملة توجب دعسها!

 سادتي الضباط أنا جندي شريف، لا توجد ذرة غبار على شرفي، لم أفعل أي شيء في حياتي في غير موضعه. الوقت خريف، وهذا العام هو الثاني في خدمتي العسكرية، وقد أرسلتم بطلبي لسببٍ لا أعرفه.

 أنا لا أملك أي نقود، وليست لدي أية آمال، ولم أتصل أبداً بالأميركان، كل ما قالوه عني هو تشهير، افتراء، تشويه سمعة. لم أقتل عريف المخابرة سالم بسبب امرأة، والمرأة هي امرأتي وليست امرأة الجندي وحيد. فهو لم يكن هناك ولا أعرف من جلبه شاهداً. فهو لم ير أي شيء. لقد عشت سادتي الضباط إهانة مُطوَّلة، لقد خانتني زوجتي ولوثت شرفي بينما أنا هنا أدافع عن شرف الوطن. فاستحقت القتل.

 أما عريف المخابرة فأنا لا أعرف من قتله، ربما الجندي وحيد، بسبب خيانة أحدهما وعمله كجاسوس لدى الأميركان.

 أشياء كثيرة مرت علي لا أعرف معناها ولا أدري ما سببها. لقد عذبني عريف المخابرة طويلاً، قال لي من أجل أن تكون جندي مخابرة يجب أن يكون لك صوت خال من النشاز، يجب أن تفتح فمك وتنفخ من رئتيك كما لو كنت تغني، ليس من الضروري أن تحكي لكن عليك أن تعرف ماذا تحكي.

لقد هددني سادتي الضباط لأني لم أتقن عملي، قال لي أنه سيقتلني وسوف يرقص على جثتي القذرة، لقد كان يصرخ حينما أخطأ بنقل الرسائل مع الضباط، يبصق علي، يرفسني في بطني.

أنا جندي مسكين سادتي الضباط لم أنم منذ شهرين، من بدء الهجوم الأميركي علينا وحتى اليوم، لقد تحالف الجميع ضدي:

الزمن، القدر، الأميركان، عريف المخابرة وزوجتي.

أجلس الآن في سيارة أجرة، متوقفة في طابور سيارات أمام حاجز عطارة العسكري الإسرائيلي، ذاهباً إلى نابلس للقاء أرملة جميلة، تعرفت عليها على الفيس بوك. أدركُ أن توقيت زيارة نابلس اليوم غير ملائم على الإطلاق، فثمة عملية فدائية على حاجز زعترة، قُتل فيها مستوطنون.

الحواجز منتشرة على الطرقات والمستوطنون غاضبون، وأنا بطبيعتي المتهورة والمستعجلة أرغب بلقاء الأرملة التي كتبت تقول إنّها تريد أن تحكي لي قصة حياتها، لأكتبها رواية، وإنّها تريد أن تريحني من عناء اختراع المشاهد السريالية لأن حياتها عبارة عن مشاهد سريالية جاهزة.

– أنت بس انقلها نقل يا استاذ، الأحداث الغريبة جاهزة بس بدها منك اشوية صياغة وترتيب وتشذيب هون وهون.

تحمست للقاء الأرملة، ليس للاستماع لحكايتها كما بدا ظاهرياً من كلامي، “فأنا أتلقى عشرات الرسائل شهرياً من نساء لا أعرفهن، يكتبن لي عن حياتهن التي تصلح لتكون رواية”، بل للاستعداد لالتهامها، فغالباً ما كانت هذه السياقات المخادعة طريقاً ممهدة للقاء جسدي متوحش.

سيارة الأجرة تتحرك ببطء، أستطيع أن أرى من وراء أكتاف الركاب أمامي جنوداً إسرائيليين يصفعون شباناً. أخرجت محفظتي، وتأكدت من عدم نسياني لبطاقة هويتي.

أمام الجنود كنت أرتجف من الخجل والخوف وهم يطلبون مني رفع قميصي، ليتأكدوا أن خصري لا يحمل متفجرات، رفضت طلبهم بأدب، طلبوا أن أخلع البنطال إلى ما تحت الخصر بقليل. هنا كدت أسقط على الأرض هلعاً، وكان عليّ أن أتصرف.

-يا جندي، أنا رجل فلسطيني يكتب القصص القصيرة.

نظر الجندي في وجهي طويلاً:

-لكنّني لا أحبّ القصص القصيرة، أحب الطويلة. حظك سيئ هذا اليوم.

الموقف كان محرجاً جداً، خلفي ألف سيارة بسائقيها وركابها يحدّقون في ما يحدث أمامهم، أكاد أسمع صوت كلمتهم الوحيدة: يا حرام، أمامي جندي لا يحب القصص القصيرة بيده هراوة، وفي عينيه ملل مسبق وآمن من كل شيء. طلب مني الجندي مرة أخرى أن أخلع بنطالي لمزيد من التأكد من كوني بريئاً، هنا كدت أسقط على الارض رعباً، وكان عليّ أن أتصرف.

– يا جندي هل قرأت كتاب “سائق الحافلة الذي أراد أن يصبح رباً” لإدغار كيرت؟

-ماذا قلت؟ إدغار كيرت؟ أقرأت حقا لإدغار كيرت؟ أوه أنت تحب ادغار مثلي إذن، هذا يكفي، هيا اذهب اذهب.

-وهكذا نجوت بفضل إدغار كيرت القاصّ الإسرائيليّ المشهور، الذي قرأت له قصصاً مترجمة للغة العربية. قررت أن أستخدم هذه الحيلة أمام كل حاجز عسكري إسرائيلي، للنجاة من إهانات الجنود. واصلت سيارة الأجرة طريقها ببطء خلف مئات السيارات، وأمام حاجز عيون الحرامية كنت أخرج بطاقتي للاستعداد لإهانة جديدة.

 كان الجندي طويلاً جداً وأشقر جداً، ويبدو من ملامحه أنّه ثلاثينيّ العمر. رأيت في عينيه الزرقاوين عشرات من القصص القصيرة المقروءة لإدغار كيرت، وسمعت أصوات تأثره ودهشته من عالم كيرت.

–      شو اسمك؟

–      زياد.

–      شو شغلك؟

–      معلّم.

–      وين بروح؟

–      على نابلس.

–      راح اتشوف مين بالضبط؟

–      راح أشوف أرملة جميلة.

–      عن شو راح تحكوا مع بعض؟

–      عن حياتنا وعن الأدب وربما عن الجنس.

–      شو كمان؟

–      راح نتناقش حول قصص الكاتب الإسرائيلي ادغار كيرت.

–      بعد هذا الكلام كنت أنتظر انفراجاً أو توقفاً في وجه الجندي، لكنه واصل تحقيقه المتعجرف معي حول زيارتي لنابلس، وبدأت أدرك أن إدغار كيرت عاجز هذه المرة غن إنقاذي. طلب مني الجندي أن أعود إلى السيارات وأطلب من السائقين أن يطفئوا تشغيل سياراتهم.

-غلى الدم في عروقي، فهذا منتهى الاستهتار بكاتب قصة قصيرة يفضّل الموت على أن ينفذ هذا الأمر.

– لا أستطيع تنفيد أمرك يا جندي فأنا كاتب قصة قصيرة، وكتاب القصة القصيرة لا ينفّذون أوامر الجنود.

وكأن السماء كانت تمطر أكفاً وأقداماً. من الأرض ومن السماء انهمرت على وجهي وظهري وبطني عشرات من أقدام وأيادي الجنود، ركلاً وصفعاً.. رأيت نفسي بين أيادي ركاب فلسطينيين، يحملونني ذاهبين بي إلى سيارة شخص تطوع لأن يقلني إلى أقرب مشفى.

أمام بوابة مشفى رام الله كان جنود الاحتلال ينصبون حاجزاً لتفتيش الداخلين والخارجين، صوبوا البنادق لرأسي الذي ينزف.

–      وين بروح؟

–      للعلاج يا جندي.

–      مين ضربك؟

–      كارهو القصة القصيرة. والذين لم يقرأوا إدغار كيرت!

–      إدغار كيرت؟ أوه، نحن نحبّ هذا الكاتب، لكن كيف تعرفه أنت؟

– هذه قصة طويلة يا جندي! دعني أدخل لوقف نزيف رأسي.

قرب سريري في المشفى كانت تتمدد على سرير آخر امرأة جميلة كانت تعاني من جروح في رأسها هي الأخرى.

–      من أين أنتِ يا سيدة وما قصة جروح رأسك؟

–      جنود حاجز عطارة هشموا رأسي لأنني رفضت تفتيشهم المهين، الذي لا يليق بامرأة أرملة ذاهبة للقاء كاتب مشهور تطوّع لتحويل حكايات حياتها الغنية إلى رواية سريالية.