لا أعلمُ كَم من الساعات كنتُ قد قضيتها في الزنزانة الانفراديّة. كنت وحيداً مع جدران أربعة باردة صامتة. لم أكن أسمع صوت أحد في تلك الزنزانة المعتمة. وأعتقد أن أحداً لم يكن يسمعني.
“للجدران آذان”. هكذا يقول المثل الشهير. لكن الجدران التي حوصرت بينها كانت خرساء وصماء. كانت تبتلع صرخاتي دون أن يرد عليّ أحد. أحياناً كنت أسمع قرقعة الأبواب الحديدية مثل رعود مجنونة تتبعها زخات من السباب والشتائم تمتزج بصرخات مذعورة. وبقدر ما كانت الشتائم مقذعة وموغلة في الفحش، كانت الصرخات مخنوقة، عميقة ويائسة. ثم كانت جبال الصمت تلقي بظلالها الثقيلة على زنزانتي وروحي وذاكرتي.
كنت أرغب في التبول. لم تكن رغبة بقدر ما كانت ضرورة وحاجة ماسة لا بد أن أقضيها مهما كلف الأمر. البرودة التي كانت تعم أرجاء الزنزانة الصغيرة زادت من حاجتي إلى التبول. امتلأت مثانتي وظننت أنها توشك على أن تنفجر. لففت نفسي على نفسي كالقنفذ، حاولت أن أخفف من حاجتي بالضغط على أصابع قدمي ورجلي والانكماش قدر الإمكان.
حين أمسك حارس السجن الضخم ذو الوجه المتجهم بمعصم يدي ورماني مثل كيس إلى قعر زنزانتي بدأت حاجتي إلى التبول. رجوت الحارس أن يمنحني نصف دقيقة لأقضي حاجتي الملحة.
لمعت استغاثتي بين شفتي وأذنيه المختومتين كسراب الصيف. رجوته مرة أخرى. رفعت صوتي قليلاً وبنبرة مليئة بالتضرع وإظهار المسكنة. قلت لحارس الجحيم ذاك:
“كُرمى لله. إن كليتي تؤلمني. دعني أذهب لقضاء الحاجة. يمكنك أن تعد للعشرة وستجدني عائداً إلى مكاني هنا”.
ابن الذئبة ذاك، ذو الوجه الكالح بدل أن يدعني أذهب، بصق على وجهي، شتمني ثم مضى وهو يصفر بلحن أغنية كنت أحبها.
تذكرت وأنا في تلك الحال جملة كان يقولها والدي: “يا بنيّ إن الله تعالى وضع نوره في الوجه الحسن. فإن كانت لك حاجة فاطلبها من ذوي الوجوه الحسنة. إنهم لن يردوا لك طلباً. الحديث يقول أطلبوا الخير عند حسان الوجوه”.
صدقتَ يا أبي.
قلت لنفسي بصوت مسموع وأنا أسترجع صورة حارس السجن الكريهة التي لم تعد تفارق مخيلتي.
توقف الزمن. صار مثل حمار عنيد توقف وسط وحول كثيفة. مع كل ثانية مرت، ازدادت حالتي سوءاً. صرت أتلوى مثل ثعبان جريح. نسيت كل شيء إلا حاجتي إلى التبول.
تذكرت مشاهد من طفولتي. كنا صغاراً أشقياء، نتوقف في رأس أحد الأزقة أو على قارعة طريق نرفع الدشداشة أو نخلع البنطلون ونتبول. تذكرت حين كنا نستيقظ صباحاً، وقبل أن نغسل وجوهنا كنا نخرج إلى الشارع لنتبول ونستمتع بمشاهدة البخار الذي يعلو بقع البول وسواقيه التي تسيل على الأرض. أما حين كنا نقف تحت المطر لنتبول، فقد كانت تأخذنا رعشة لذيذة لا يمكن وصفها.
لعنت هذه الحياة القذرة وأنا أتذكر تلك المشاهد. ألهذا الحد يمكنها أن تبخل علي بدقائق قليلة أفرغ فيها مثانتي المنتفخة؟ كيف أصبح التبول منتهى أملي في هذه الليلة اللعينة؟
كدت أتبول في ثيابي. رغبت في ذلك حقيقة لكنني تذكرت أنني أرتدي لأول مرة بنطالاً أهدتنيه خطيبتي. “لا. إنها فكرة سخيفة أن أتبول في هذا البنطال حتى لو قامت القيامة”. همست لنفسي. قاومت. منيت نفسي بأن هذا الكابوس البشع سينزاح قريباً.
بعد مضي ساعة من الوقت سمعت صوت باب الزنزانة. كنت قد تكورت على نفسي حتى أمنع مثانتي من أن تفلت ما تراكم فيها. من خلال نور شحيح جادت به كوة صغيرة في أعلى أحد الجدران تبينت وجه القادم صوبي. لم يكن ذلك الحارس الكريه. كان شاباً حسن الوجه، ممشط الشعر ونظيف الثياب لا يحمل في يده شيئاً. قلت: جاء الفرج. هذا هو الذي كان أبي يتحدث عنه. بالتأكيد لن يرد طلبي التافه.
قمت واقفاً وابتسمت في وجهه. ابتسم هو أيضاً. لا أدري بالضبط ربما لم يبتسم بل تهيأ لي ذلك. كانت ثمة ابتسامة طبيعية عذبة مرسومة على شفتيه. تلك كانت جزءاً من ملامح وجهه.
قبل أن ينطق بحرف تضرعت إليه: أرجوك اسمح لي بالذهاب للتبول. رفيقك لم يأذن لي. كليتي تؤلمني وأنا…
لا أتذكر كيف أنهيت جملتي. لم أشعر إلا وذلك الحارس ذو الوجه الحسن يهجم علي كالعفريت ويسدد لكمات متتالية إلى وجهي، يركلني في كل مكان من جسمي. لم يميز بين وجه ورأس وقدم وبطن وصدر. كان يضرب عشوائياً وبأقصى قوته. وليته اكتفى بالضرب، بل فوق ذلك كان يشتمني بأقذع العبارات، يشتم أخواتي وإلهي وديني. لا أتذكر كم دامت حفلة الضرب تلك لكنني أتذكر جيداً أنه حين انتهى من ضربي ودعني بقوله: تفو.. فأر قذر.
بعد خروجه شعرت براحة كبيرة.لم تعد تنتابني تلك الرغبة الملحة في التبول. أحسست كأن جبلاً انزاح عن صدري. استغربت الأمر! بعد كل ذلك التعذيب ينتابني شعور بالراحة؟ حين رفعت يدي عن الأرض الباردة كانت مبللة. قلت لنفسي لا بد أنني غارق في دمائي. لكن ذلك لم يكن دماً. كنت قد تبولت. تبلل البنطال الذي كان هدية خطيبتي. كأن زقاً تمزق وسال ما في جوفه سال بولي على أرض الزنزانة. فوق بقع البول ارتفع بخار بطيئ وبدأ يرسم ذلك الوجه الحسن في فضاء الزنزانة.

(1)

بينما انتظرت القطار خطفت من يد مستوطنٍ ذي لحية شقراء و”كيبا” بيضاء شريطًا برتقاليًا وعادت لتجلس في الظل. تماوج الشريط مع الرياح الخفيفة وأعلن مذيع المحطة عن تأخر القطار القادم من حيفا خمس دقائق فسقط رأسها بين يديها كبرتقالة في الثلج،  رطوبة الحر في تل أبيب مزعجة والمقعد الحديديّ غير مريحٍ أبدًا والشوق لحضنه أصبح عذابًا حقيقيًا.. “هيا.. تعال”.

ربط معارضو الانفصال عن غزة شريطًا برتقاليًا على حقائبهم وعلى المرايا الجانبية لسياراتهم وعلى اللاقطات الإذاعية وزيّنوا مفارق الطرق بهذا اللون الفرح،  وقد أغلقوها في هذا اليوم الحار وأحرقوا الإطارات وأعلنوا “يهوديّ لا يطرد يهوديًا”،  فاضطر أن يركب القطار ليراها.

هي تعارض الانفصال أيضًا.

عندما التقيا أول مرة في الجمعية حيث تعمل مديرة لمشروع” السكن” ليصمم لها النشرة السنوية لنشاطهم ضد هدم البيوت في الأحياء العربية الفقيرة في المدن” المختلطة”، عارض اقتراحها بتصميم خلفية النشرة باللون البرتقالي فاستفزها وغاصا في حديث عن الألوان والناس والعمل.. وكان لعيونهما حديث آخر.

قالت له أنها رأته من قبل وهي متأكدة لكن ذاكرتها ضعيفة خصوصًا في الأسماء، وهو أصرّ أنه أول لقاءٍ لهما لأنه يعرف أسمها ولأن ذاكرته أقوى من “زورو”.

اكتشفا أن أصل أبيها وأمه من قرية “سيدنا علي” المهدّمة التي يتأمل مسجدها، حتى هذا اليوم الحار، بشاطئ المتوسط وصخوره البنية، وأنها مثله لا تحب “روتانا” وميوعة مطرباتها فهي تحب فيروز وهو يحب ابنها زياد، وأن كليهما يقرآن الآن” باب الشمس” بعد أن أنهيا “عمارة يعقوبيان”. تحدّثا عن كلّ شيء إلا النشرة فعاد لزيارتها ثانية ومعه نموذجٌ للنشرة خلفيتها برتقالية.

لم تكن تحب اللون البرتقالي كثيرًا، هو يذكرّها فقط بأحاديث جدها المتوفى عن بيّارة برتقاله وبأيام نشاطها الحزبي في فترة هبة تشرين فقد كان البرتقالي لونًا سياسيًا جديدًا بعد أن انهار الأحمر وأحرج أباها الذي كان يصطحبها في مسيراتٍ تكرر ذاتها.  

المستوطن ذو اللحية الشقراء و”الكيبا” البيضاء يحوم حولها ينظر إلى الشريط البرتقالي نظرة جانبية كسارق غير محترف بعد أن سمعها تتكلم عبر هاتفها الخلوي بالعربية وفهم آخر كلمة” حبيبي”.

الشمس تثير أعصابها رغم جلوسها في الظل، والمستوطن كذلك.

تنتظره والشريط البرتقالي يتماوج مع الرياح الخفيفة، قبل أن تنهي المكالمة سألته” أين سنسكن؟”

(2)

تنتظره روحها منذ آلاف السنين والخمس دقائق هي ألف جديدة.. هيّا.  يسافر بحثًا عنها منذ ثلاثين عامًا وهذه الرحلة تعرف في أي محطة عليها أن تنهي نفسها لكن الأشجار على حافة السكة الحديدية زادت والسائق ينتظر أكثر من اللازم عند كل محطة.. هيّا.

كلاهما انتظر الصدفة.

أيام اللقاء ركضت أسرع من ساعة الوعي. الشوق هدّد عصافير البطن بالسجن طويلاً، رفضت المعدة إعطاء تصريحٍ لأي طعام وساعات النوم تقلّصت.

“حب” قالا وغابا عن الحياة العادية.

لاحظا الرموز وشخّصا ما فوق الطبيعة، جرفهما طوفان العواطف وصرّحا “نحن لبعض”، وحضنته فتغيرت الضمائر.

بعد أن مرّا أمام موقع القبلة الأولى قرّرا شراء خاتمين لتزويج روحيهما رسميًا،  ليعلناه. تشابكت أصابعهما ومشيا معًا ولم تكن المدينة تسع زوجًا آخر.

يركب القطار ليراها ودقيقة الرحلة السريعة طويلة، لم يرها منذ خمسة أيام!

حبّهما مقياس آخر للزمن، وقد فقدت الحدود حدودها وجنت ودخلا بإرادتهما إلى جنات اللاعقلانية.. ولم تعد الأرقام عشوائية. يشعر أنه نصف إنسان بدونها، أو بالأحرى أصبح يعتقد أن الإنسان الحقيقي هو ذكر وأنثى معًا.. 

لم يتوقع، لسوء حظه وبؤس الزمن الآني،  أن يلقاها وحين ارتجف عند رؤيتها خشع للكون وعاد عبر أجنحة السعادة إلى مواطنه الأصلية.  ليكون ما أراد دومًا أن يكون” كيف كنت حيًا بدونها؟” ولم يجتهد بالبحث عن جواب.

لم يمرّا بمرحلة التعارف، لم تكن هي بحاجة لها فكأنها تعرف كلّ شيء عنه وتعرف أسراره وتأجل الحديث عنها. كلماته مألوفة وحضنه حنين لزمن كان وبيت أبدي. لم تسأله عنه ولم تسأل عنه وحكت له عن نفسه ما لم يكن يعرف وما لم يكن متأكدًا منه. انتظرته ورفضت الحلول الوسط وكانت على وشك اليأس التام حين رمى لها الأجنحة لتطير معه إلى المواطن الأصلية،  فابتسمت وبرقت عيناها لتصير امرأة ويصير رجلاً.. وطارا.

حين جلسا قبل أسبوع في مطعم لحوم جنوب أمريكيّ على كراسي خشبية طويلة بجانب وردة بنفسجية مبتسمة لمعت خواتمهما الفضية وتواعدا..” لمدى الحياة”.. حب، سعادة،  إخلاص، نجاح وتواضع. وكان الصدق ألذّ من الوجبة بكثير.

كانت كراسي القطار الزرقاء من حوله تريح الجنود والبنادق وكان أقوى منهم.. هكذا شعر وهكذا شعروا هم أيضًا،  هكذا قالت عيونهم المتعبة.

الدقيقة طويلة والخاتم يلمع بالشمس والشوق لم يعد يعرف الجلوس هادئًا في مكانه.

الشريط البرتقالي يتماوج مع الريح الخفيفة.

سيراها قريبًا.. هيّا.

(3)

قبل أن يغادر بيت أهله.. قال لها “أنت بيتي”.

الشمس أحرقت الأعشاب على حافة الطريق وأعصابه أيضًا. كانا يخافان من حضور الشتاء. عندما نعرف الطريق تصبح أقصر، وعندما نفكر لا نرى الطريق أصلاً. أرادا شتاءً دافئًا.

هي بيته، وليس الحقيبة السوداء الكبيرة التي يحمل بها ملابسه وفرشاة أسنانه وشفرة الحلاقة كالمسافرين المتجولين بين محطات القطار الأوروبية بحثًا عن مغامرات شبابية غير مكلفة أو بين جبال الشرق الأقصى بحثًا عن تجارب روحانية وملابس واسعة ورخيصة بألوان الليلك والبنيّ. هي بيته وليس تلك الشقق التي اختارها على عجلة ووقع عقد استئجار روتيني ليتركها بعد سنة إلى حي آخر في المدينة فينسيه هم نقل الحاسوب الرمادي الثمين والأثاث القليل والعلب الكرتونية الكبيرة والأكياس أيام الحظ وليالي الرضى. هي بيته وليس بيت أهله، فقد صدم حين جرّب العودة إليه وأدرك أن البيت الذي نشأ فيه هو بيت زوجية أمه وأبيه وعندما أصبحت ملاحظات أمّه عن دخله ونومه مزعجة واكتشف في وجه أبيه  تجاعيد أكثر مما توقع خاف على حبه لهم، وحين شرب من ذات الحنفية التي لم يكن يستطيع الوصول إليها حين كان  بالخامسة من عمره لمّا تركته أمه لتذهب للعمل خاف من ألبوم الأحاسيس المدفون في الحديقة التي تحولت إلى مصف للسيارات الجديدة.. اهتز، وعاد إلى لا مكان فوجدته صدفةً وحضنته فتغيرت الضمائر وأصبحت هي بيته وهو بيتها. 

” أين سنسكن؟” هو يحبّ المدن الكبيرة لكنه مسجون في هذه البلاد الضيقة فالهجرة استفزاز لمثالية الباقي والصامد والمستمر وهروب غير مضمون والبقاء استسلام لضباب الأفق وأسئلة التناقض اللانهائية. 

 فكّر للحظة بالناصرة، أكبر مدينة عربية في البلاد، لكنّها ليست مدينة. فكّر بتل أبيب، أكبر مدينة في البلاد،  لكنها ليست عربية ولا عمل بها للعرب. فكّر برام الله لكنه تذكر الجدار الفاصل. حيفا احتمال جيد فقد بقي الشباب للسكن فيها بعد دراستهم الجامعية ورمّموا البيوت الألمانية في الشارع المستمر من حديقة البهائيين المعلّقة على الكرمل وملئوها بالمقاهي المكتظة وبالأحاديث والنميمة، هل ستقبل أن تسكن هناك؟

قالت له أنها تحب الطبيعة والجبال وسألته عن قرية أهله الهادئة في الجليل.  لكنها هامش حزين وبائس فقد تحولت مثلها كباقي القرى القليلة التي بقيت في الجليل إلى فندق للفلاحين الذين تحولوا إلى عمال بنوا المدن اليهودية على أراضيهم المصادرة. 

وقف القطار بعد صرير حديدي طويل ومزعج ورآها من النافذة السوداء الشفافة تحمل شريطًا برتقاليًا يتماوج مع الرياح الخفيفة وأغلق حاجبيه لتتساءل عيناه وفتح باب القطار واخترق الناس ليحضنها.

(4)

هي تعارض الانفصال أيضًا.

تعارض الانفصال عنه. 

عندما وصل القطار انتظرت أن ترمي نفسها في بيتها الأبدي.. حضنه. ولم تكن حقًا مهتمةً باسم المدينة التي سيسكنانها ولا باسم المدينة الجديدة التي تحلم ببنائها فهي عملية في الفترة الأخيرة وتريد أن تبدأ بتصميم العش لتعيش معه لمدى الحياة. 

فكرت بالتوجه التصميمي لبيتهم فاقتنعت أن أسلوبهم هو دمج وتنوع بين العتيق والحديث.. بين الاثني بألوانه الزاهية والخشب البني الغامق المنحوت وبين العصري بألوانه الحادة والغريبة التي تمزجها برامج الحاسوب الجديدة وانتظرت أن تختار الأشياء بعينها وأن تجسد نظريتها.    

حضنته وهالة النور والطاقة الكونية المركّزة  أبعدتا الناس من حولهما. نظرا في عيونهما ولم يقدرا على الكلام فعادا إلى الأحضان وصارا واحدًا.

ربطت يديهما بالشريط البرتقالي.

قال لها من على الدرج الكهربائي: “سنكتب الكتاب في سيدنا علي.. أنت مدينتي ووطني.. سأسكن فيك!”

“أنا سأسكن فيك”. 

وكان الصمت مشحونًا.


تموز 2005

الناصرة

لنهاية عطلتي الصيفية الوشيكة، وقبل أيام قليلة من استئناف عملي بدار المعلمين، بدايةَ الأسبوع الثالث من شهر سبتمبر، طمأنتُ زوجتي زليخة النضْري على أننا لن نتأخر يوما آخر؛ لأنها تشكّت لي من أن لها أشغالا كثيرة تنتظرها بشقتنا في وهران. وطلبت منها أن تستعدّ للسفر غدا. ثم خرجتُ. وعلى بعد أمتار ـ كانت ثلاثين عدّاً بخطواتي الصغيرة قبل سنين ـ وقفت، على الرصيف المقابل، وقفة لم أقفها من قبل، محزون الخاطر، أمام دار حاييم بنميمون تبدو ساكنة مثل كائنٍ تَحجّر، ملتفّة على فراغ بات يسكنها منذ أن أطاح الدهر، قبل ثلاثة أشهر، بآخر أهلها الغابرين.

تقدمتُ. وعند الباب الصامت، ذاك الذي رأيت حاييم يخرج منه بمحفظته قبل ثمانية وعشرين عاما كي نتوجه معا لأول مرة إلى مدرسة جول فيرّي، فكَكت كفي عن قطعة المعدن الباردة المعلَّقة في حلْق صغير بملصق مكتوب عليه بخط اليد «مفتاح الدار»؛ المفتاح الذي أولجتُه عينَ القفل وأدرته دورتين. ثم دخلت فانتابني مرة أخرى شعور، لم ينتبني حتى في يوم عودتي إلى دار جدتي بعد وفاتها، بأنّ السكون قد يكون بهذا الثقل الذي ينوء به الرواقُ، غير الطويل غير الواسع كثيرا، ذو البلاط الأحمر والجدارين المطليين بالبني الفاتح جدا؛ بهذا الصمت الذي ما برح يُخرس أبوابَ الغرف الثلاث والمطبخ متقابلةً اثنين اثنيْن مفتوحةً كلها إلا الباب المفضي إلى الحوش الخلفي كان مغلقا.

كل شيء، كل الأثاث، ظهر لي في مكانه على الحال التي غادره عليها حاييم آخر مرة، وكما أردت له أن يبقى منذ أن أوصيت الخادمة عَونية بأن لا تزحزح شيئا منه، عند تنظيف البيت مرة كل نصف شهر وسقْي ما يحتاج سقيا من نباتات جنينة الحوش كل أسبوع.

فكم بدا لي، وكأن هذا يحدث لأول مرة، أنّ الرواق أطول، كما ساعته الحائطية أكبر، مما رأيته عليه عندما كنت أعبُره وأنا طفل! وأن غرفة نوم حاييم أوسع، بنافذتها المطلة على الشارع، وكانت ذات ستار أبيض مزين بموتيف لطاووس ـ إنها الآن مكتبة بكرسي من الخيزران وطاولة مستطيلة من خشب السنديان لا يزال عليها قلم ريشة من نوع پارْكر وقارورة حبر أسود من ماركة وترْمان بينهما مذكّرة حين كنت دخلت قبل شهرين فرأيتها انشددت إليها كما لو أني ألبّي نداءَ صوتٍ ملتبس يقول لي عنها إنما حُطت على تلك الوضعية لأنتبه إليها وإلا لكان حاييم قد دسّها في مكان آخر لا تُرى منه أو أدمجها في رف من رفوف المكتبة فترددت بالرغم من ذلك لحظات قبل فتحها!

وها هي غرفة أبويْه، وقد صارت غرفةَ نومه بعد وفاتهما، هي الأخرى بنافذة ذات ستار مرفوف تطلّ على الشارع مغلقةً. لا تزال بخزانتها على جانبيها أفرشتها وأغطيتها منضّدة على طاولتين؛ بسريرها الكبير بصوانيه؛ على أحدهما أباجورة وعلى الآخر شمعدان المينوراه سباعي المواسير وكتاب التوراة بتجليد بني غامق.

مثلُها كانت غرفة الجلوس بنافذتها الكبيرة وستارها الشفاف بموتيفات نبات الشوفان المطلة على الحوش؛ بأريكتيها وكرسييها الخشبيين بمسندين وطاولتها البيْنية فوق سجاد ـ هنا كنت قبل ثلاثة أعوام شربت مع زليخة قهوة كان حاييم قدمها لنا بعد نجاته من السحل صباح يوم الاستقلال ـ على جدارها الأول، إلى اليمين، ثلاث لوحات زيتية. وعلى الثاني المقابل صور نصفية مكبرة في براويز: الأولى لموشي والد حاييم بعمامة من الجوخ. والثانية لوالدته زَهيرة سِماح. كم وجدتها، في نظرتها الطيبة المسالمة وحلي أذنيها ورقبتها وشَدة عصابة رأسها، تشبه جدتي ربيعة! وهذه الثالثة لحاييم نفسه، وهي تعود إلى السنة الأولى من دخوله مدرسة جول فيرّي، أثارت حنيني إلى جلوسي معه على طاولة واحدة؛ إلى رائحة المداد وطقطقة حطب المدفأة ورنة الجرس، إلى زنقة الدرب وساحة البلدية أيام الثلج نترامى بكريّاته، إلى الوادي، أيام القيظ، حيث سبحنا مرة عاريين فتكشّف لنا ختْننا.

«منذ ذلك العمر، لملامحك اللطيفة وسحنتك الهادئة وعينيك الحالمتين، كنت ذا جاذبية خفية»، قلت بهمس.

وإذ توهّمته تبسم، أضفت:

«هل تذكر آخر عفرتاتنا؟» ـ تلك التي ارتعبنا خلالها من صرخة ألفونسو باتيست فينا عالقين بشجرة إجاص في بستان مزرعته قرب ضفة الوادي الغربية بالضاحية الجنوبية فقفزنا إلى الأرض وانسربنا مثل ثعلبين ماكرين بين أسلاك السياج فأطلقنا سيقاننا ركضًا في شورت وتريكو وصندل مطاطيّ لكل منا لا نلوي على شيء إلى أن ظهرت لنا القنطرة الفوقانية التي سمعنا قريبا منها شخير محرك سيارة راحت كما رأيتها حين التفت التفاتة خاطفة تلتهم خلفنا الطريق المتربة مقتربة من حانة سيگورَا مثيرة عجاجا بكثافة حنق ألفونسو باتيست وهو يضغط على دواسة السرعة بدرجة إمساكه على المقود متخيلا وكان ذلك إحساسي كيف سيفعل بابن العربي وابن اليهودية.

«لأنه كان عرفنا!»، كذلك ذكر لي حاييم بعد سنين في مطعم فندق الشرق حيث تناولنا غداءنا إذ تجاذبنا الواقعة وتحدثنا عن معلمنا السابق، في مدرسة جول فيرّي، مسْيو خايمي سانشيز الذي كنا شيعناه، قبل أيام إلى مثواه بمقبرة النصارى في ضاحية المدينة الشرقية، مستعيدين صرامته وعدالته تُجاه التلاميذ بلا تمييز؛ ولم نكن عرفنا، إلا خلال تأبينه، أنه كان من الشيوعيين في صف الجمهوريين ضد فرانكو.

كنا، لا أشك اليوم في ذلك، نبدو لألفونسو باتيست، وهو خلْفنا مستشيطًا يحوّل السرعة أو يدير المقود يمينا أو شِمالا، ألْعَنَ من عفريتين صغيرين في أوج تلك القيلولة. وكان ألفونسو باتيست ـ وذلك ما صوّره لي حاييم خلال غدائنا ذاك ـ رأى نفسه وقد أدركَنا، بعد أن أنهكنا فخارت قوانا واستسلمنا، رمانا كطريدتين في صندوق سيارته وعاد بنا فقيدنا، ظهرا لظهر، إلى شجرة الإجاص نفسها. ثم كسر مجموعة من أغصان أشجار البرقوق والتفاح الأخرى، رافعا منَزّلا مبلغ التعويض الذي سيطالب به عائلتي السارقيْن الصغيرين، كما سمّاهما، وإلا قدم شكوى ضدهما.

ولا تزال رعشة الرعب تلك تهزني كلما تذكرت أن سيارة ألفونسو باتيست كانت ستدركنا بين حانة سيگورَا والقنطرة التي يمر تحتها الوادي، لأن الخور كان قد بدأ يدب في ركبتي، ولهاث حاييم خلفي يزيدني خوفا عليه أن يسقط. فلمعت في ذهني فكرة رمي نفسينا في الماء. فأشرت إليه بيدي أن يتبعني وانحرفنا، في لحظة خاطفة، يمينا مائلين بذراعينا، كطائرين، جهة الوادي حيث تزحلقنا في المنحدر وارتمينا في الماء فرحنا مثل قندسين نسبح بالعرض في اتجاه الضفة الأخرى التي إذ بلغناها التفتنا مرتعبين فرأينا ألفونسو باتيست، وكان قد خرج من سيارته وركض في إثرنا، واقفا على الحافة يبربر محركا يده نحونا بتهديد، فولّيناه ظهرينا ضاحكين لنتوارى وسط بستان الزيتون الكثيف.

في طريق عودتنا إلى الدرب، وقد عبَرنا السكة الحديدية، دخلنا في شارع جيريڤيلْ الذي كان، كبقية الشوارع الأخرى، يكاد يخلو من الحركة في تلك الظهيرة القائظة؛ إلا سيارة تمر بأزيز محركها وسحسحة عجلاتها على الإسفلت، أو تلك المرأة بقبعتها الاستوائية البيضاء تعبُر، أو ذاك الرجل الواقف على الرصيف الآخر في ظل شجرة دلب يدخن سيجارة.

«كنت سأسقط فيلتقطني مثل أرنب»، قال حاييم.

فضحكت.

«وكنت أعرف أن لسانك خرج مثل جرو.

ـ صح. ولكن من أين نزلت عليك الفكرة؟»

ردَدت بأني لا أدري؛ فلم أكن خمنتُ سوى في اختصار الطريق.

«من حظنا أن الصيف يجعل الوادي سلسا وإلا كنا غرقنا!»، أضاف حاييم وهو يفصل بقرصات متتالية ثيابه اللاصقة من بطنه حينا ومن فخذيه حينا آخر.

«ما كان لذلك أن يحدث لأن الخوف كان يمنحنا قوة نقطع بها بحرا!»، قلت وأنا أنفض عن شعري بقايا الماء.

فرفع حاييم قبضتيه، تعبيرا عن انتصار، ضاحكا ضحكة فرحٍ رافقتُه فيها.

حتى إذا تجاوزنا دارة الساعة، مارّيْن قرب المزْولة ذات الشكل المكعب، من غير أن تربك خطواتِنا نظرةُ الشرطي المتريِّبة فينا، ظهرت لنا، عن شِمالنا، مدرسة جول فيرّي. فتوقفنا، موليين وجهينا إليها صامتين؛ كما لأصوات كانت، لستة أعوام، تملأها ابتهاجا وأسفا ومكرا.

ثم، يدًا في يد، انعطفنا نحو الدرب، شرق دار البلدية ذات السطح الأردوازي الأسود؛ عن يميننا فندق الشرق في نهاية شارع إيزْلي. وغير بعيد عن داريْ عائلتينا، التجأنا إلى كوخ مهجور بلا سقف في منتهى الدرب حيث جلسنا على حجرتين، تحت حرارة الشمس. وفي انتظار أن تجفّ ملابسنا، استعدنا ما كنا نتآمر به على ماكس باتيست، زميلنا في المدرسة؛ الأمر الذي بسببه شكانا إلى أبيه ألفونسو، مدعيا أننا استهزأنا به مرة في ساحة المدرسة، لأنه بلّل سرواله لما أخرجه المعلم إلى السبورة لحل عملية قسمة عشرية، وأننا ضحكنا منه مرة أخرى، لما استظهر محفوظة الغراب والثعلب ففشل. وقال لأبيه إن المعلم مسْيو سانشيز غالبا مّا تظاهر بأنه لا يرى شيئا ولا يسمع.

«أعرف يا بني. لأنّ السيد سانشيز متعاطف مع الأنديجان* من اليهود والمسلمين»، قال أبو ماكس يومها.

فما لبث أن تردد ذلك كصدى، وحين بلغ مسْيو سانشيز خصص درس التربية المدنية لأخلاق النزاهة. وكتب على السبورة ما أمرنا بنقله على الكراريس: «المعلم في المدرسة لا يفرق بين تلاميذه. ولا يحابي بعضهم على بعض على أساس الدين أو العرق.»

لكن ما أخفاه ماكس عن أبيه هو أننا ردَدنا إغراءاته إيّانا بما كان يحمله في جيوبه من حلوى وشوكولا لمساعدته على حل واجباته حينا وفي إنجاز تمارينه أحيانا، عند باب المدرسة قبل الدخول وعند الخروج.

يوم زار السيد ألفونسو باتيست مدير المدرسة وطلب منه توضيحا، استُدعي المعلم مسْيو سانشيز، وسئل عن الأمر فنفى بحزم. غير أن السيد ألفونسو باتيست لم يقتنع. وهدد بأنه سيقطع عن المدرسة مساهماته الخيرية إن لم يُتخذ إجراءٌ ردعي في حق التلميذين المذنبين، أرسلان ابن القايد وحاييم ابن اليهودي ـ لم أعلم إلا لاحقا أن السيد ألفونسو باتيست كان من مناصري الماريشال پيتان ـ فعرض عليه المدير أن يقابل بيننا وبين ابنه بمكتبه، في الحين، لمعرفة ما حدث. فتراجع، متوعدا بأنه سيسكت هذه المرة على أن يقدم شكوى إلى رئيس البلدية نفسه إن تكرر خدْش شخصِ ابنه.

كنا، نحن العفريتين الصغيرين، نظرا إلى النتائج الضعيفة التي يحصل عليها زميلنا ماكس مقارنة بالنتائج الممتازة التي نحققها، ندرك أنه لا أحد سيتجرأ على معاقبتنا بالفصل أو التحويل أو الإيقاف لمدة محدودة؛ أو حتى على حرماننا من وجبة الغداء في المطعم المدرسي أو من حصة السينما الشهرية في قاعة المدرسة الكبرى. ولكننا تلقينا، في مقابل ذلك، توبيخا شفويا من المدير أمام معلمنا.

وأنا أقف، لتلك اللحظة، أمام صورة حاييم، استغربت كيف سكنت رأسينا فكرةُ الانتقام بذلك الشكل من أبي زميلنا ماكس. فما كنت أعرفه، شأني شأن حاييم، وكنّا مطمئنين إليه، أن ألفونسو باتيست لن يشكونا مرة أخرى إلى مدير مدرسة جول فيرّي، لأننا ما كنّا سنعود إليها نهائيا، مثل ابنه ماكس لإعادة سنته، بعد أن فزنا في مسابقة الدخول إلى السنة السادسة.

عامذاك، كنا سنبلغ الثانية عشرة. وعامها، كانت الحرب العالمية الثانية ستضع أوزارها بعد سنة.

وإذ توليت عن صورة حاييم لأغادر، وقفت مرة أخرى، أمام المذكرة بين القلم وقارورة الحبر، لحظات لا أستقر على حال، قبل أن أرمي خطوتي في الرواق نحو باب الخروج.

* وصف وضيع أطلقه المحتلون الفرنسيون على سكان الجزائر الأصليين.

                       

1

استيقظ المواطن جابر سبيل على رنّات صوت منبه الموبايل “نوكيا” المتصلة عند الساعة السادسة وخمس دقائق بالضبط، حاول أن يغطي وجهه بالوسادة مثلما يفعل كل صباح لكنّه أحسّ بعجز رهيب.

تجمّد في مكانه ورنين صوت المنبه يتصاعد في رأسه كأنّه مسمارٌ يدقّ ويدقّ في ذهنه. أخيراً قرر أن يمد يده نحو المنضدة ليسكت صوت المنبه ويدع قلبه لدقائق تنظم ضرباته قبل النزول من السرير؛ لكنّه أحسّ بالعجز أيضاً وبفقدان الإحساس بيده، بيديه الاثنتين، برأسه وقدميه وكامل جسده.

انتبه المواطن جابر كالمصعوق أنه بالفعل قد تحوّل إلى شيء آخر بخلاف ذلك الشخص الذي كان آخر عهده به ليلة أمس حين نام متأخرا وهو منهك الجسد إثر سهر طويل في العمل. تأكد وهو يقيس ذهنياً تصلبه الكامل أنه قد تحول إلى شيء معدني؛ صلب وقوي يستلقي في مكانه بالفراش.

2

استغرق المواطن جابر سبيل وقتاً ليس بالقصير في محاولة للتأقلم مع هذا الجسد الخشن المتصلب الذي حلّ بديلا لجسده البشريّ، إلى أن انتبه إلى أصوات أطفال المدارس وهم يهرولون في الشوارع متجهين إلى مدارسهم، وإلى أصوات باعة الخضروات والخردوات والحليب ينادون على بضائعهم زهيدة الأسعار؛ وإلى إحساس غريب بأن ضوء الشمس بدأ بالتسرب إلى داخل الغرفة من شق ما في السقف؛ فتذكر مفزوعاً أنه تأخر كثيراً عن مواعيد عمله بالمصلحة الحكومية، وأن عقاب الخصم من الراتب وتقربع المدير المتجهم ينتظره؛ فحاول النهوض سريعا، بيد أن جسده المعدني الثقيل خذله وشده من جديد إلى الفراش.. فكر مفزوعاً: (أنا حديد، لقد تحولت إلى حديد)!

3

بعد محاولات مضنية تمكن جابر سبيل من الهبوط من على الفراش. في الحقيقة قذف بكامل جسده الجديد الحديد إلى أرض الغرفة الإسمنتية ليكتشف مع سقوط داوي الصوت أن له ما يشبه القدمين الناحلتين الطويلتين، فعمد بشكل ما على التساند عليهما وتحرك متعثراً صوب مرآة طولية تتوسط دولاب ملابسه؛ ليكتشف مرة أخرى أنه يمتلك ما يشبه العين الواحدة حادة البصر، يرى بها بقوة وتقوده بدقة عالية نحو الدولاب.

 توقف هنيهاتٍ قبل أن يرتقي بقدمي الحديد الناحلتين إلى أعلى ليكون موازيا للمرآة. وهو يبصر شكله الجديد الحديد لم يتمالك المواطن جابر سبيل نفسه من أن يصرخ بصوت غريب مفزع ومرعب جعله يدور حول نفسه كالمجنون والرصاص ينطلق من ماسورة تنتصب عند مقدمة جسده مخترقاً الحوائط والأثاث ويسافر في كل مكان!

4

فجع جابر سبيل بمرأى جسده الجديد وقد تحول إلى آلة أشبه بسلاح حربيّ مزدوج مكون من مدفعي (الدوشكا والرباعي)؛ له منظار حادّ كأنه عين الهلاك، وفوهة نارية كأنها الجحيم، وساندين أرضيين صلبين كأنهما خلقا لحمل الموت، ثم ازدادت فجيعته وهو يحس بالرصاصات القاتلة تواصل الخروج من جوفه الناري منطلقة بعشوائية بينما جسده يتقافز ويتحرك بعشوائية إلى أن قاده إلى الشارع العام ماضياً في كل اتجاه حاصداً للأرواح ومدمراً للحياة.

  “أنا رومانسيّ يا حيوانات وبعشق نزار قباني”. هذه هي جملة كريم الوحيدة التي يواجه بها اتهامات الناس له وسخريتهم منه. ومن هذه الجملة ألحق أهلُ المخيّم  باسمه كلمة الرومانسيّ، كلّما رأيت كريمًا الرومانسيّ في الطريق التي يمشي فيها الناس عائدًا الى المخيم أصيح فيه من بعيد: يا كريم، أبعد عن الطريق، سيغضب الناس وسيؤذونك.

 لكريم طرقٌ خاصة تأخذه إلى  بيته في المخيم، ويبدو أنه استسلم لهذا الحلّ، فلا أحد يشاركه طرقَه، وحين يصدف وأن يتوه شخص من المخيم، فيمشي في طرقه، يطلق كريم صيحاتِه من بعيد تفاديًا لتقزّزهم وخوفهم: “هييه يا ولد أنا كريم محمم الموتى الرومانسيّ، ابعد ابعد”.

ويحدث أن ينسى كريم أو يسأم، فيمشي في طرقنا احيانًا، فيصاب الناس بالجنون، ويلاحقونه من بعيد بالخوف والصرخات. فيهرول بعيدًا شاتمًا المخيّم والأقارب والجثث وفلسطين، ومتوعدًا إيّاهم بمصير مروع. 

” في النهاية راح تصلوا عندي يا جبناء ووقتها راح أخوزق جثثكم واحد واحد، وراح ألعب فيها الكورة”.

هنا يموت  الناس من الخوف ويتشارون محتارين، أيصالحون كريمًا إنقاذًا لجثثهم وجثث أقاربهم من التشويه، أم يشكونه الى الشرطة؟ يعرف  الناس أنّ كريمًا هو مُحمّم الموتي الوحيد في مشفى المدينة وأنّه ممنوع على أحد من أقارب الميّت الدخول أثناء تحميمه، وهذا يعطي  كريمًا ورقةً رابحة جدًا في حرب سكّان المخيم ضده، فلا أحد يعرف بالضبط ماذا يفعل كريم مع الجثة التي يحمّمها، هل يسرق منها قطعًا، كما يُشاع عنه؟ هل يحشو في فتحاتها أشياء غريبة تفنّنًا في إهانتها؟ أم يبصق عليها و يصفعها ويركلها ويطعنها؟.

 وهكذا ترك كريم الناس ضحية تصوراتهم ووسوساتهم التي سبّبتها تهديداته لهم. 

 بدأت  قصّة الرّعب من  كريم من إشاعة أطلقها شابّ من المخيم كان يتعالج في المشفى:

“شفتُه حامل راس بني آدم وماشي فيه في ممرات المشفى والناس بتهرب من قدامه”.

“شفته  بعينك؟”

“والله شفته بعيني”.

  بعد الاشاعة بأيّام  كان كريم الرومانسيّ يصعد الى (فورد) المخيم حاملا على  كتفه كيسًا بلاستيكيًا أسود مملوءً بأشياء غريبة، الربّ وحده و كريم يعلمان ما فيه، بالصدفة كان بين الركاب، الشاب الذي رأى كريمًا مع الرأس البشريّ. أطلق الشاب صيحة هزّت  السيارة، (والله شفته بحمل راس بني آدم)، هرب الركاب من مقاعدهم في الفور بما فيهم السائق، ركضوا تجاه  شرطيّ مرور، وعادوا الى السيارة به، وهم يشيرون الى كريم الذي ظلّ وحده جالسًا مستغربًا ما حدث، كان الشرطي حائرًا وخائفًا.

لا أحد يحبّ كريم، في المخيّم، لا أحد يرغب في الحديث معه، لأنّ كريم ببساطة شخصٌ مخيف، يعيش في المخيّم مع زوجته وأطفاله الثلاثة، نوافذ بيته مغلقة أغلب الاوقات، أولاده يلعبون في ساحة خلفيّة محاطة بسور اسمنتيّ. تطورت الإشاعات عن كريم، ووصلت الى حدّ أنّه يقصّ قطعًا معينة من الجثث التي يحمّمها ويبيعها لليهود. صارت الحرب ضدّه غير عادية، فدخول كلمة اليهود فيها، أعطى  الاشاعة طابعًا حساسًا ومتوترًا.

لفتتني قصة كريم مع الجثث والناس والمخيم، قررتُ أن أمشي في طرقاته وأن أطرق بابه، قرّرت أن أعرف حقيقته وأكتب عنها.

“يا كريم أنا متعاطف مع محنتك، وأحب نزار قباني مثلك. أريد أن امشي في طريقك وأتحدث معك، أريد أن أكتب عنك”.

” أنت مجنون إذن لتخالف الناس، رائحتي نتنة، وفي جيوبي قطع بشرية، ومن المحتمل أن تتعرض للمرض، أليس هذا ما يشاع عني؟ اذهب في طريق الناس”.

رفضتني طريق كريم، رأيته يبتعد أمامي ويقف على طرف طريقه منتظرًا سيارة الاسعاف التي تأتي كل صباح لتقلّه الى المخيم، بعد أن رفض سائقو سيارات الاجرة نقله. لكنّي طرقتُ بابه مساء ما، وسط ذهول الجيران، حاملاً كرتونة كتب لنزار قباني، وسمعت امرأةً تقول لجارتها:

“شكله هذا بتاجر معاه بالجثث؟ شوفي الكرتونة اللي في إيده”.

فتح كريم الباب، رحّب بي بارتباك: “أهلا استاذ بس شو فيه؟” فتحت الكرتونة أمامه اندلقت كتب نزار، طار كريم من الفرح، أدخلني الى الداخل، نادى على أولاده وزوجته، فرحوا بالكتب وأصرّوا على أن أتعشى معهم، أمضيت الليل بطوله في ضيافة كريم، غمرني  بالفواكه وحلوى الحلبة والمخلوطة  والشاي، وغمرته بأحاديث وقصص عن نزار وحياته، وقرأت له شعرًا لم يقرأه كريم من قبل. رأيت في عيني كريم دموعًا، عانقني فجأة: 

“أستاذ معقول واحد بحب نزار يقصّ قطع بشرية ويبيعها ويحمل راس بشري ويمشي فيه؟”.

“طبعًا يا كريم، مستحيل، أنا اصلا ما اقتنعت بهاي الاشاعات  والدليل إنّي بسهر عندك”.

 في الصباح خرجت من بيت كريم، شيّعني على الباب، كان سعيدًا جدًا ومرتاحًا، عانقني، همس في أذني: 

 “أريدك أن تطمئن تمامًا يا أستاذ، سأحترمها  وسأحمّمها جيدًا وسأقرأ فوقها شعرًا لقصائد نزار التي أحبها”.

” تحترم من وتحمّم من، لم أفهم عزيزي كريم؟”

“جثتك الرائعة يا استاذ”.

 

كانت في يدي قصبة طويلة ممتدة، وأنا أغطسها في عمق النهر، سقطت واختفت من أمامي، سحبت قدمي ثم عدت إلى الوراء قليلا وأنا أشعر بخوف شديد، تبدى لي من يدي المرتعشتين… فالخوف من أن يبتلعني النهر لم يعد يفارقني منذ أن سمعت حكاية العمة فنيدة. كانت في كل مرة تعيد حكاية الفتاة الجميلة التي أرادت أن تنام في النهر قليلا فغرقت، وكنت كلما رأيت النهر في هدوئه التام أتذكر قول العمة، بأن النهر يكون أكثر هولا حين يغري بالنوم في أحضانه.

لم أكن أستطيع أن ألعب مع أطفال القرية، فقد كانوا ينقضون على صديقتي الجميلة كلما رأوها. كان يوما صعبا حين رأيتهم يتصارعون فيما بينهم للظفر بالدعسوقة، كانت قد طوت جسدها وتكومت قليلا حتى لم يعد يظهر لها رأس أو أقدام…سارعت إليهم أرجوهم كي يتركوها تذهب بسلام، لكنهم أبوا…منذ ذلك اليوم العنيد، ذهبت إلى الغابة التي تجاور بيتنا، كانت الأشجار قد غطت مساحات كبيرة وتفرعت عنها غصون نحيفة لم أعهدها من قبل، وكنت أشعر بأنني أبحث عن الدعسوقة كي أمنعهم من دحرجتها كل يوم، فقد كنت أعشق هذه الحشرة الصغيرة. جمعت أعدادا منها في إناء زجاجي واسع ووضعتها في شرفة غرفتي وأحضرت لها بعض الحشرات… وصار لي أصدقاء جدد من كل الألوان: الأحمر والأصفر والبرتقالي، كنت أعشق اللون البرتقالي كثيرا، وكنت أنزوي وأركن إليهم في تلك الساعات الرتيبة التي تمر بطيئة في المساء، فقد كان من عادة والدي في كل مساء أن يضع نظاراته الطبية التي يحرص على تثبيتها فوق أرنبة أنفه، قبل أن يتفحص ببطء الجرائد التي تصل متأخرة إلى القرية وهو يلعن ويسب ويقذف بأقسى اتهاماته في الهواء مخلّفًا زمجرة تستقبلها أمي بهدوئها المعتاد، وهي تطرز مناديل منذ زمن بعيد، حتى أنها راكمت منها في الغرفة المجاورة طوابق من نفس الألوان ولكن في أشكال مختلفة، كانت ترغب أن تغير الألوان، لكنها كانت تعجز عن الذهاب إلى وسط البلدة للقيام بذلك. ما زلت أشعر بدقات الساعة الثامنة، كنت أعرف أنه بعد ثمان دقات ستنادي أمي العمةَ فنيدة لكي ألتحق بسريري بعد أن أكون قد نظفت في الثامنة إلا أربع دقائق أسناني بالفرشاة، وأنا أتمضمض بحفنة من الجمل التي تكررها العمة كل يوم في نفس الدقائق التي تسبق دقات الثامنة، والتي صارت تدق في صدري كل يوم. كنت أخبئ دفاتر فارغة تحت اللحاف في ذلك اليوم، لأنني صرت أكره الثامنة والنوم في تلك الساعة الرسمية التي تؤذن بانتهاء عالمي الطفولي في البيت. أشعلت الضوء وبقيت أنتظر قليلا إلى حين انقطاع أية خشخشة، ثم حملت أقلامي الملونة وبدأت أرسم صديقتي فوق الدفتر الجميل، لكن العمة فنيدة حضرت على التو لتبلغني أنني إذا لم أنم فسيتم طردها من العمل، وأعادتني إلى مضجعي على  الساعة الثامنة وخمس دقائق، وكانت تلك المرة الوحيدة التي تنار فيها غرفتي بعد الثامنة بخمس دقائق أو أكثر قليلا…

بعد أيام ارتديت بذلة برتقالية اللون ذات نقط سوداء، كنت قد ذهبت مع العمة واشتريتها من وسط البلدة، كنت قد عشقت هذه الألوان وعشقت ارتداء أصدقائي لها، كان أصدقائي الجدد قد ألفوا شرفتي، لذا صاروا يذهبون ويعودون إليها وكأنهم اتخذوها مسكنا لهم، وكنت قد اعتدت أن أناولهم أصبعي ليتسلقوه وهم يطيرون بأجنحتهم التي تساعدهم على الصعود والطيران إلى الأعلى البعيد وصاروا يقتربون أكثر حين بدأت أشبههم في اللباس والطقوس معا، وكنت أردد لهم بلطف شديد:  

   Petite coccinelle
Laisse-moi compter tes vies sur tes ailes
Toi qui n’as jamais vu ta colère dis-moi
Dis-moi comment faire comme toi

 لكنني لم أستطع أن أنام في تلك الليلة رغم الظلمة ودقات الساعة المتتالية، كنت ما أزال أسمع الأطفال وهم يرددون بصوت مرتفع ويقهقهون حين رأوني أرتدي البذلة:

لم تنتبه أمي إلي، ما زالت تسترق النظر إلى أبي، وهي تطرز مناديلها… مناديل لم أعد أستطيع عدها، ولا أظن أمي نفسها تستطيع ذلك.

كانت الساعة الثامنة حين كان زوجي ينادي بأعلى صوته، لم أكن أحب أن أجيبه في تلك اللحظة، سحبت قدمي من اللحاف كي أقاوم تلك النوبات التي أغفو فيها كلما دقت الطرقات الثمانية، وتمنيت حينها ألا أراه حتى تزول النبضات وما يليها من طقوس، كنت قد اعتدت على الطقوس السرية، حتى أنني أكررها دون أن أدري، أحيانا تبدو لي العمة فنيدة وهي واقفة بمنشفتها الوردية لتجفف جسمي وتدعكني وهي تقول لي بصوتها الخافت: لقد بدأ عودك يشتد، وأصبحت فتاة جميلة… لكن والدي كان قد رأى الحشرات تتطاير من الشرفة، وكانت تلك هي اللحظة التي غيرت جلساته الاعتيادية كل مساء، فقد صعد إلى غرفتي ليكتشف الإناء الذي ترتع فيه الحشرات الجميلة، وصرخ في وجه العمة:

-ابنة أكبر أعيان القرية تربي حشرات سخيفة…

كانت العمة قد بلعت صوتها الخافت حتى أنني تخيلت أنها لن تنطق فيما بعد، نادى على البستاني وأمره بأن يحرق هذه الحشرات حتى لا تعود أبدا إلى المنزل…وأعاد نظاراته الطبية إلى مكانها المعتاد وغرق في جرائده، لكن البستاني لم يحرق أصدقائي، بل أعادهم إلى الحقول وقال لي:

– إنهم أصدقاؤنا جميعا، فهم يأكلون الحشرات التي تلتهم الزرع… لقد أعدتهم إلى الحقول…

بعد أيام أصيبت العمة فنيدة بذهول حتى كادت أن تسقط، فقد ناديتها لأفاجئها بالدعسوقة، وقد رسمت منها أشكالا عديدة، حتى أن ألوانها البرتقالية صارت تلمع في الليل لتؤنس اللحظات التي أخاف فيها من الظلمة الشديدة، وشيئا فشيئا بدأت العمة فنيدة تلمع الألوان كي لا تذبل وتحاول أن تختلق أسبابا تجعل أمي تعدل عن  الصعود إلى غرفتي.

كان زوجي ينظر إلي وهو يتفقد غيابي، وقد وضع قفازيه السوداوين على الكومودينو، كان قد عاد من الصيد، فقد كانت له هواية دأب عليها منذ زمن بعيد، في نفس الساعة من العصر وبنفس الملابس ومع نفس الأصدقاء الذين كانوا يحدثونني عن الثروات التي استطاع آباؤهم جمعها بمجهوداتهم الرصينة وبمثابرتهم الدائمة في الكد والجد. كانوا يدخنون السيجار الأسود ويضعون قبعات سوداء، وفوق أعينهم استقرت نظارات سوداء تقيهم من الشمس وهم يصطادون الحيوانات الجميلة… لم يكونوا في حاجة لأكلها، بل إنهم في كثير من الأحيان يصطادونها ليرموا بها في الخلاء ولكنهم يتباهون على بعضهم البعض، بأصوات منظمة جدا وضحكات مرسومة بعناية تامة…

كان زوجي يربت على بطني بهدوء تام، وهو ينظر إليّ وقد ارتعش شاربه المشذب، وكان ذلك الناقوس الذي يجعلني أشعر بأنه يريد شيئا، كانت طقوسه هادئة لا انفعال فيها، وكنت أرغب لو أستطيع أن أصرخ أو أقهقه عاليا حتى تسمعني البيوت المجاورة، لكن زوجي كان دقيقا كساعته الأمريكية التي يتحدث عنها منذ أن زار أمريكا، وليتحفني كل مساء بنفس الحكايات المتكررة التي جعلته يكتشف ذلك العالم البعيد عن أعيننا، وليكون فاتحته للدخول في طقوس حميمية كل مساء بارد.

وكنت أتكور… بداخل بطني كان يحدث اشتباك معوي، كنت أتمنى أن أحضر معي حشراتي الجميلة من غرفتي الصغيرة، فهي ما تزال هناك، كان أبي قد تركها فوق الحائط بعد أن رجوته كثيرا على ألا يجعلها تغادر الغرفة. كان قد ضحك ضحكة رتيبة، وقال:

-نعم، سأتركها، فأنت الفتاة الوحيدة التي رزقنا بها، وسنتذكر حماقاتك وسنقهقه ذات مساء…

ثم ضحك ضحكة مدورة، كررتها والدتي بصنعة مدربة وقوست فمها قليلا، فأثنى عليها أبي وعلى تربيتها لي…

لم أكن أستطيع أن أغض الطرف عن ساعديه القويّين. كان يخفي عينيه الجميلتين لأنه لا يملك أن ينظر في وجه السيدة، ويومًا ما بقيت أصر على أن ينظر في وجهي مباشرة وهو يكلمني، كانت عيناه ساحرتين للغاية. كنت أتمنى ألا تطرقا أبدا. كنت في تلك اللحظة قد شعرت بارتباك في كل شيء، وكانت الأرض تدور… ولجت غرفتي وانهلت على الورق لأرسم العينين. كان قريبا جدًا من أصدقائي، كان يشبهني رغم أنني بعيدة عنه. لم أستطع النوم في تلك الليلة، كان زوجي ينظر إلى توتري ويحاول بهدوئه المعتاد أن يمتص كل الانفعال الذي أختزنه بداخلي. وكنت أراه معي، وأستعيد خارطة ذراعيه القاسيتين، حتى أنني ظننت أنني أمسكه هو. في ذلك اليوم تبعته، كان يعدو بداخل الأشجار. حين رآني شعر بالارتباك، وقال لي: بماذا تأمر السيدة؟ نظرت إليه، كنت أنظر إليه برغبة، أطرق خجلا مني، أمسكت بذراعيه ووضعت يدي على شفتيه، شعرت بعنفه الكامن، وبشيء ما سينفجر بداخله. بدأت أمرر شفتي على شفتيه، لم يقاوم. أمسكني بكل القسوة التي أشتهي وضمني بساعديه القويتين حتى ذبت بين أحضانه. كانت تلك اللحظة الوحيدة التي شعرت فيها بأنني أوجد على وجه هذه الأرض الصغيرة. وكان ذلك العناق غريبا، لم يسبق أن أحسسته أو عشته من قبل، كنت أحلم به فقط، وقلت: المهم أنني عشت هذا الانفعال ولو لدقيقة واحدة…كان ينظر إلي بعدها بوجل، وكأنه قبلني دون أن يدري، لكنني وضعت يديّ على شفتيه وأومأت إليه بألاّ يتكلم…لقد ذبت معه لدقائق فقط، لكنها لن تغيب إلى الأبد.

أسحب قدميّ الباردتين من أعماق النهر وأقهقه ثم أصرخ… وأعود كل يوم إلى بيتي لأتكور قليلا بعد أن يداعب النوم جفون زوجي. 

لا ينتشي جلال إلا بإرباك كلّ شيء من حوله. كان شيطان القرية المرعب. يهاجم أقنان الدجاج ومراقد أرانب الجيران في أي وقت لنراه بعد ذلك يشويها في الخلاء هنا قريبا من الغاب أو عند الوادي. لم يكن هناك من يراقبه كان أبوه يشتغل بالعاصمة لا يأتي إلا مرّة كلّ شهرين. لذلك كان يفعل كل ما نخشاه نحن. ولذلك كنّا نحقد عليه. مجرد ذكر اسمه، اعلانُ خطر.

منذ اكتشف نافذة غرفة نوم زوجة العمدة أصبح كابوسها. يتسلّل جلال من فوق سور البيت ليلقي عليها كيسًا بعشرات الضفادع، يكون قد قضى أيامًا يجمعها عند الوادي، فتسمع صراخَها القريةُ كلّها حتى اتّهمها العمدة بالجنون وطلّقها.

أما أنا، غير المرئيّ، فقد كنتُ منشغلا وقتها بصيد العصافير. تعودت أن أكون غير مرئيّ لأصطاد المزيد من العصافير. كلما اختفيت اصطدت المزيد. عندما عدتُ  أول مرة من الصيد كان العصفور يتقافز داخل جيب الجاكيت، ارتاب أبي في أمري. كنت أتحرك بشيء من الغرابة  فأوقفني: 

“تعالَ هنا. ماذا تخفي يا …؟”، قالها وهو  يهم بسحب حزام بنطاله. فاعترفت. سحبت العصفور من جيبي وقلت له:

“إنه عصفور. مجرّد عصفور صغير يا أبي. وجدته عند الغدير”.

“ما اسمه؟”

“لا أعرف. عصفور” .

“العصفور ليس اسمًا”.

حدّثني يومها أبي عن قصة الأسماء وكيف وزع الله الأسماء على الموجودات. ليلتها كان الله يا …. منزعجًا من الضجيج ولأن الموجودات بلا أسماء لم يتمكن من أن يحدد مصدر الضجيج. فجمع الموجودات وأخرج من جرابه الكبير حفنات من الأسماء وراح يوزعها عليهم مثلما كنت اوزع عليك أنت وإخوتك منابات الفول المشوي الساخن. كان الواحد منهم يضع اسمه  الساخن في جيبه ويركض به حذرا، قال أبي. ليلتها، يا بنيّ، كانت الأسماء ضعيفة وهي تغادر جراب الله نحو جيوب الموجودات لذلك كان على تلك الموجودات ألا تعرضها للشمس حتى لا تفسد، وكان على كل منها أن يعتني باسمه في مكان دافئ حتى إذا اشتدّ عوده ناداه فإذا شعر برعدة فإن ذلك الاسم قد نضج فيجربه على المقربين منه.

قبل أن ينهي أبي حكايته حذّرني من تعريض اسمي للشمس قبل أن ينضج. عندما تلمّست اسمي في جيبي وجدته ساكنًا. كعصفورٍ ميت. فقررت أن أسرق اسم جلال. وظللت أتحين الفرصة لذلك حتى وجدتها. كنا نلعب الكرة قريبًا من المقبرة. ترك جلال الملعب وملابسه ودخل المقبرة من جهة الشرق ليتبول فركضت نحو أدباشه قرب حجرة حراسة المرمى. رأيت الاسم يتحرك في جيب البنطال. تثبّت في الجيب الأيمن. كان قلبي يومها يخفق. عليّ أن أنهي الأمر بسرعة قبل أن يعود جلال؟ أدخلت يدي وسحبت الاسم الذي كان في كيس صغير. وضعته في جيبي. وركضت نحو المقبرة من جهة الغرب. في الطريق لاحظت أن اسم جلال كان كبيرًا يملأ جيبي. انتبهتُ أيضًا إلى أنّي لم أترك اسمي في جيب جلال كما فكرت بدلاً عن اسمه وأن جلال صار بلا اسم وصار بجيبي اسمان.

 عدتُ الى البيت أغلقت عليّ باب غرفتي وجلست أراقب الاسمَين وهما يتحركان من تحت القماش. حتى دخل أبي. قلت له “لقد اصطدت اسمًا جديدًا”. انظر إنه يتحرك بقوة في جيبي الأيسر. كان أبي قد مات منذ أشهر بعد أن حدثني عن قصة الأسماء. وكنت في الحقيقة أحدّث اسمه الذي تركه بجيب معطفه المعلق في مقبض النافذة. ظل الاسم يقفز في الجهة اليسرى من البنطال مثل قط. أدخلت يدي وسحبته. كان الاسم قد خرج من الكيس. كان رخوًا. رخوًا جدًا. عندما نظرت إليه كان ضفدعًا بشعًا يرمش بعينيه قبل أن يطلق نقيقًا فظيعًا فرميتُه من يدي. تلمست اسمي بالجيب الأيمن فوجدته جثةً هامدة. رميتُه الآخر وركضتُ بلا اسم. وأنا الآن بلا اسم و كلّما نادوني باسمي القديم محاه الهواء، فلا تصلني إلا أداة النداء فأعلم أنني المعنيّ بالنداء. حتى أمي، كلما تحدثت عني تقول ذلك الذي لا يسمى.

نَسي أبي أن يخبرني أنه منذ أصبحت للموجودات أسماء ظهرت الوشاية وانتشر الوشاة في الأرض وصار الله يعرف مصدر الضجيج.  صار يعرف كل شيء.

 

لم نبقَ طويلاً في البار، بعدما وصلَنا مسج ميلاني، أحسستُ بأن كلينا أراد الآخر أن ينهي كأسه لنخرج سريعاً عائدين إلى بيت أحدنا. وكان ذلك من خلال القفز السريع بين الأحاديث ومحاولة إنهائها، مختصرينها كي نبدأ بأخرى وتنتهي جميعها وننهض.

بعد أقل من نصف ساعة كنّا خارج البار، واقفَين أمام بابه، اقترحت شارلوت تفادي الطريق الذي يمر بالبار حيث توقّعت أن تكون ميلاني وريما. تمشينا قليلاً، نزلنا إلى محطة المترو، وتوجّهنا إلى بيتها، معاً، كأننا على اتفاق مسبق بذلك، لم يسأل أحدنُا إلى أين نتوجّه، وقد كان كلانا يعرف أننا ذاهبان إلى بيتها، وذلك، ربّما، ما جعلني، لا شعورياً، أحكي عن الملصق الذي رأيته من خلال نافذة بيتها حين أوصلتُها أوّل مرة، أو حين لحقتها وأوصلتها إلى بيتها.

هل مازال ملصق «الحياة المزدوجة لڤيرونيك» مكانه؟

كيف تعرف… آه حين لحقتني.

لكنك لم تقولي اسم الفيلم، اكتفيتِ بالقول إنه فيلم تحبينه.

ممكن، لا أذكر.

بلى، أعرف الفيلم وأحبه كذلك، وإن لم يكن من بين العشرة أو العشرين المفضلة لدي.

حقاً؟ ما المفضل لديك؟

لم أكن أريد أن ينتقل الحديث منّا نحن الاثنين إلى أفلام تعجبني، ليس هذا وقته، بدأتُ حديثنا بالإشارة إلى الملصق، شعوري بأني سأكون في بيتها خلال دقائق جعلني، ربما، أسأل عنه. لم يكن لسؤالي أي رغبة في أحاديث عن السينما، بل عن شقتها، عنها هي، عن المكان الذي نمشي إليه لوحدنا لنمضي الليلة، كما توقعتُ وتمنيت، لوحدنا حتى الصباح.

لا يهم الآن ما المفضل لدي، دعينا نتحدث عنك.

بلى، من تحب؟

امممم يخطر لي الآن إنغمار بيرغمان، مثلاً. «پيرسونا»، شاهدته قبل أيام.

لا يعجبني كثيراً.

لمَ؟ أو لا، لنتحدّث في أمر آخر، أمر يعجبك.

أردت أن نخرج من هذا الحديث الأنسب لمقهى في الرابعة عصراً وليس لما قبل منتصف الليل بقليل في مترو شبه فارغ متوجهَين، هي وأنا، إلى بيتها لأنيكها، أخيراً، ولم أجد ما أسأله فصمتنا للحظات، إلى أن قالت إنّنا سننزل في المحطة التالية ونمشي قليلاً، كانت المحطّة بير لاشيز، فأجبت بأني أعرفها جيداً. صمتنا مجدداً. توقّف المترو ونزلنا.

أتذكّر الطريق تماماً، كأن لحاقي بها كان قبل يومين وليس أسبوعين، لكني الآن أمشي إلى جانبها وليس متتبّعها كالمحقّق في أفلام النْوار البوليسيّة، أمشي وأعرف أنها ستدعوني لكأس إضافي سيكون افتتاحياً لليلة طويلة، وأن صديقتها التي كانت في البيت ذلك المساء، هي الآن في بار مع أخرى، وتعرف أنّي وشارلوت سنعود معاً إلى شقتهما، فتدبّر ليلتها ونومها في مكان آخر، عند ريما ربّما.

دخلنا إلى المبنى، صعدتُ خلفها الدرج المظلم والضيّق، وشارلوت تعتذر لأن اللبمة ماتزال محروقة ولم يبدّلها أحد. فتحتْ باب شقتها وأضاءت الصالة، دخلتُ خلفها، وقع نظري فوراً على الملصق المجانب للنافذة، علّقتُ بأنّ في البيت ما هو مألوف لي، سمعتُ ضحكة خفيفة منها، ضحكة امرأة فرحة تتهيّأ للنّيك. ضحكتْ وهي تلمّ سريعاً بعض الأشياء عن الأرض، ثم خلعت بكعب كلّ قدم حذاء الأخرى، بحِرفيّة، تاركة الحذاء مكانه في منتصف الصالة، لتعود وتلمّه كأنّه كان هناك منذ دخلنا.

أي تعليق يمكن أن يضحكها الآن، كانت مبسوطة ومسترخية، ومزَهزهة، كما نقول بالفلسطينية، ولزهزهة شارلوت لحظتها أسباب غير الكحول. سألتها لمَ تلمّ أشياء عن الأرض وتترك حذاءها هكذا، فضحكت وهي ترفعه. جلستُ على كرسي، مقابل المكتبة فانتبهتُ لها وقمت أتفحّص ما فيها. دخلت شارلوت إلى الصالة مع كأسين وفتّاحة لزجاجة النبيذ، اقتربت مني وانتشلتْ زجاجة من رفٍّ سفلي في المكتبة وطلبت مني فتحها.

أخذتُ الفتّاحة والزجاجة إلى الطاولة، اقتربتْ ووضعتْ عليها الكأسين وعادت إلى المكتبة، صبّيتُ لكلينا وتقدّمتُ إلى المكتبة أقف خلف الشّقراء أمدّ لها يدي بكأس نبيذ وأشمّ شعرها، نفساً قصيراً أخذتُه منه ثم تنشُّقاً عميقاً وقد أدخلتُ أنفي في خصلاته الذّهبية. طلبت منها أن تحكي لي عن مكتبتها، عمّا أمامنا من كتب وأفلام، عمّا تحبّ منها. لم أُرد أن أبدو ذلك الذي ما إن دخل بيتها حتى انتشل أيره بقبضته وجرّها إلى فراشها.

انتبهتُ إلى أنّها قد خلعت معطفها والكنزة الثقيلة التي كانت ترتديها والشال السّميك الذي كان وجهها مختبئاً فيه. كانت تقف إلى جانبي، بقميص خفيف، أزراره العلوية مفلوتة فيكشف عن طرف ستيانتها وعن أنّ لديها ثديان ضامران متباعدان مثبّتان جيّداً على صدرها. تحمل كأسها قريباً من فمها كأنّها تشمّ النبيذ فيه، مسندةً كوعها بيدها الأخرى، ترتشف بخفّة وتتكلّم:

هذه المجموعة الكاملة لأفلام أندري تاركوڤسكي، تعرفه؟

طبعاً، أحبّه.

وهذه روايات لكافكا، شِعرٌ لبريشت… وهنا هذه لدرويش، أحكي لك عمّا أحبه في المكتبة، وهذه من أرففي. تلك الأرفف لميلاني، ستجد كتباً في السينما وأعداداً من مجلّة «كاييه دو سينما» وأفلاماً كذلك، أكثر منّي طبعاً.

لكن روايات كافكا هذه لك؟

نعم. ناقصةً واحدة، «المحاكمة». نسيتُ لمن أعرتُها، ولم أكن قد قرأتها بعد. سأشتريها.

رأيتك مرّة في المقهى تُخرجين اللابتوب من كيس قماشي مطبوع عليه صورة لكافكا.

لا. لدي هذا الكيس المعلّق على الباب، هنا، لكن مطبوع عليه اسم المكتبة التي اشتريته منها، لو كونتوار دي مو، في الحيّ المجاور.

لكني رأيت كافكا.

قد تكون خلطتَ بيني وبين أخرى.

ليست هنالك أخرى في المقهى أخلط بينك وبينها. لكني أكيد من صورة كافكا، رأيتها على الكيس.

لستُ أنا. صحيح، لم تحكِ لي لمَ كنت تذهب إلى المقهى، وتنقر طوال الوقت على اللابتوب، لم نحكِ في ذلك… ليس بعد.

أكتب.

تكتب؟ ماذا؟

لا أعرف، بدأت بيوميّات، بدأت بكتابتها بعدما انتهيت قبل فترة من سيناريو لم أجد من يحوّله لفيلم.

امممم سيناريو؟ متى ستحكيه لي؟

أحكيه! بعد قليل.

لا ليس بعد قليل.

أخبريني شارلوت، أليس لديك كيساً بصورة لكافكا؟

لا، حقاً. إلا إن كنتَ تعرف شارلوت أخرى. واليوميات التي تكتبها في المقهى، هل أنا فيها؟ لوحدك دائماً، تجلس مقابلي، تكتب يوميات، تنظر إلي خلسةً، تسألني عن اسمي… هذا كلّه.

لا أعرف، لكن… نعم، كنتِ أمامي. امرأة جميلة تجلس مقابلي، وأنا أكتب. عمّاذا تتوقعين أن أكتب إن لم يكن عنها؟ عن أبو عمّار؟

من هذا؟

ياسر عرفات، أغافات، رئيس…

أعرفه، أو أعرف شالَه. لذلك كنتَ تنظر إلي خلسةً إذاً. ما الذي كتبته؟ أريد أن أقرأه.

مكتوب بالعربية، لكني سأترجم لك بعضه، لاحقاً.

قد تكون لدى شارلوت التي في النَّص كيساً عليه صورة كافكا.

كيف؟ نعم، ربما، لكن لماذا هو؟ في الحقيقة لم أكن أميّز كثيراً بينكما، لم أكترث كثيراً لذلك.

يعني أنّها أنا.

ليست أنتِ. ثمّ أن اسمها قد لا يكون شارلوت.

لمَ لم تعد تأتي إلى المقهى؟ انقطعتَ بعد حديثنا أول مرة حين أوصلتني إلى هنا.

بلى، أتيت كل يوم بعد حديثنا، لكنك من لم يأت. لم أعرف أنك كنتِ في الجنوب مع صديقتك. ظننت أنك لم ترغبي برؤيتي بعد لحاقي لك وحديثنا.

لكني غبتُ لأيام قليلة ثم عدت لأتواجد يومياً، أشتغل على اللابتوب كالعادة.

لم أعرف. لا بأس.

أريد أن تحكي لي ما كتبته عني.

ليس عنك!

لا يهم.

أوكي، سأحكي لك بعضها.

لا، لا تحكِ، اقرأها كما هي.

لم أكن أرغب فعلاً في قراءة ما كتبته عنها، لها. جيّدٌ أنها لم تصرّ ولم تُطل الموضوع، فقد انتهى هنا، حين قالت جملتها الأخيرة وهي متوجّهة إلى زجاجة النبيذ على الطاولة الواطئة لتصبّ لنفسها كأساً آخر، وتسألني إن أردت كذلك كأساً آخر، وتأتي بالزجاجة وتصبّ لي، فلا بدّ لها أن تفرغ قبل اعتلائنا سريرها.

انقطعنا عن حديثنا الذي بدا منفصلاً زمانياً ومكانياً عمّا نحن فيه الآن وعمّا أتينا لنفعله، الحديث الذي بدا كمقدّمة لا بدّ منها لما سيأتي، كي لا تبدو غاية كلٍّ منّا مفضوحة للآخر، وإن كانت، بانفضاحها، ستبسطه.

عدنا ثلاثتنا، هي وأنا والزجاجة وقد فرغت إلى منتصفها، إلى الكرسيين والطاولة. جلسنا متقابلين، ننظر في عيني بعضنا وقد كانت عيناها دامعتين ناعستين مرتعشتين متأثرتين بما هو أكثر من النبيذ والسنغريا. أنظر فيهما، في شفتيها القلقتين ورقبتها النّقية وامتداد هذا النّقاء إلى صدرها الشّاسع. ننظر ونتحدّث ونشرب.

شارلوت أمامي مستويةً تماماً، متهيّئة تماماً لنتنايك، لهذه اللحظة وقد كانت أوّل ما خطر لكلينا، أقصد لها هي كذلك، حين قرأنا معاً في البار مسج ميلاني، ونظرنا إلى بعضنا مبتسمَين، ونحن نعرف أنّنا بعد ساعة أو اثنتين سنكون هنا، وبهذه الحالة، والرّغبة تسيل من عينيْنا كالدّموع.

 

1

واسيني الأعرج

هل هي مجرّد خديعة أم أكثر؟

ياه! كم كانت المسالك متعبة وكم كانت الأيّام صعبة!

ألم يكن من الأجدى المرور عبر أكثر الطرقات اختصارًا؟

لا شيء يفيد الآن. المهمّ أنّه وصل أخيرًا إلى الدّار، وعانقت عيناه هذا البحر بعد رحلة قاسية لا يتذكّر منها الشّيء الكثير، استنزفَت زمنَين من حياته.

لا شيء تغيّر. الكلّ على حاله مثلما تركتَه عندما انسحبتَ من هذه الدّنيا.

دقّ على الباب الآن، لقد انتهى كلّ شيء. دقّ.

2

حين التقيا للمرة الأولى، ذابت كلّ الفواصل والحدود. وذاب صقيعُ زمن الفراق. لكنّ الوطنَ الحلمَ بات أغنيةً حارقةً محمولة في الصّدر والرأس.

أراحَت عَينيها فوق عينيهِ وتكوّمت تقيم في جسده. كانت أجفانها ترسمه روعةً مُثلى رغم رائحة النزيف المنبعثة من أوصاله المكسوّة بملح البحار.

افتَح عينيك جيدًا. هل تراها؟ زوجتك أنتَ الآن تُسَطّر خارطة ملامحها لتتذكّر جيدًا. تنامُ جرحًا مستقيمًا بين مفاصلكَ الموشومة بندوب الحَبس. كنتَ تحبّها ولم تكن بطلاً رومانسيًا قَهَرَ قلوب غواني الحارة لكن كلّ منكما استوى في نزيف الآخر وطنًا يعيدُ ترتيب وجهه. رأيتَها للمرة الأولى وكنتَ بحارًا يمارس العيش في أقذر المواقف. لا يحمل في زاده إلا جوعًا وأحلامًا يقاوم من أجلها. يمنّي القلب بزوجة تدفئ ليلَه.

وقف يتأمّل، حين قفز البحر أمام عينيه بعظمة غير محدودة. يكتشف للمرّة الأولى هذه العوالم الزرقاء. وضع يده على الباب المُوصد الذي لم يجرؤ بعد على الدقّ عليه. إيه. بين البحر والزنزانة مسافة شبر، ومع ذلك يظلّ بعيدًا.

أتدري! لقد تسلّقتَ عقدَك الثالث، وتخاف الآن أن لا تعرفك من كانت تحب فيك رائحة الجوع والبحر وتقاسمك الحلم. ستّ سنوات تموت وتولد فيها عروشٌ بأكملها. تعود إليها من جوف غُربة أقبية السجون الباردة. ترتسم في عيونك المرتعشة الأبديّة. كيف خرجت بأوصالكَ مزروعة في جسدك. التعذيب كان وحشيًا. كان الصّبية يجرّون وراءك في المدينة بصياحهم تتقاذفك الشّوارع والمقاهي الرديئة والأزقّة الوسخة، محشور في خانة فاقدي العقول لأنّ ملامحك في الزمن هذا تلبس العريّ والخوف.

-كلّ أسئلتك المضنية تظلّ معلّقة.

هذه المرّة كنتَ جون فال جون رُدِم من أجل كسرة سرقها حين كان الجوع يحاصر الأركان الأربعة، والمَوت يضاجع آلاف الأفواه المتمردة.

ذئاب. ذئاب. ذئاب.

3

أنت تذكرهم جيدًا. كانوا ليلاً من الخنافس. ساقوك وكنت ترتدي العرق كالوحوش المسعورة. عندها حملك أصحابك صُدعًا جديدًا في الرأس ولغمًا في القلب. كنت تدرك جيدًا أنك سوف تساق إلى مكانٍ من زاره لن يعود، لأن جسدك ينزف برائحة الليل، وهم يكرهون هذا الصنف من الناس. واجهتَ البحر للمرة العشرين تطلب عملا وكان الحزن يغسل عيونك. قَبِلت على مضض مقابل فرنكات جائعة. وبعد سنوات تساقطت عليك سيول الإنذارات لأنك خرجت من دائرة الصمت تحمّل الوعي عبوّة ناسفة.

أنت مشبوه.

رأسك كان مطلوبًا بتُهمة التّشويش على راحة المدينة، وتوزيع المنشورات السرية.

حزّت القيد معصميك في اشتياق غريب. فتمزّقت أحلام طفولتك الصغيرة على أحصنة الخوف وخنافس الليل، شرطة النحس. تسلقت بك سيارة جيب تطوف كل الشوارع والأحياء الضيقة في هذه المدينة الموبوءة. شيّعك رفاقُ البحر بصمتٍ. كان الجرح في صدورهم متوغلاً حتى القلب.

أنزلوكَ قبوًا مظلمًا وزعقوا في وجهك حين أصبحتَ كُلاً مستباحًا يُباع في دور التعذيب.

-امسح من ذاكرتك زرقة البحر.

-لكن.. البحر روح مدينتي الجائعة.

-لم تعد من هنا، فلا مدينة لك.

وبدا التعنّت نابتًا على ملامحك الواسعة، فانهالَت عليكَ الأقدام من كلّ الجهات وحاصرتك السّياط. فَساحَ الدم غزيرًا من أطرافكَ المغتالة في عزّ الظهيرة. ولم تكن بطلاً أسطوريًا فحاولت عبثًا أن تمحو لونَ البحر من عينيك.

قلتَ في خاطرك:

-احذر. الألوان فيك ومنك. عندما تمّحي، تختفي أنت أيضًا معها.

تذكّرت فجأة أنك لم تكن أكثر من لون أزرق.

4

على مسافة غير بعيدة انفجر القطار بصياحٍ حادّ. وكان يُدرك جيدًا أنّ بين قطار يجيء وقطار يذهب أزمنة تناضل الموت. خرج الحلم من ذاكرته مشوّهًا مشلولاً، وتشكّلت على خارطة وجهه وجسده المرتجف فاجعة تستعيد دقائقها بآهاتها وتأوهاتها، واندمج الكلّ في شكل متداخل. صفير القطار وصياح السّجون. ليلفظ موقفًا مشحونًا بالموت والدمار ولحظات من الخوف لم يستطع مقاومتها.

كان البرد رمحًا ينام في جسدك، حن زجّوا بك إلى دائرة البحث والتعذيب. سكنت رغم الصراخ الذي صمّ أذنيك، ومارستَ صمت الثلوج، لكنّهم كانوا أقوى منك.

-شيّع نفسك في هذا القبو.

صار واحدهم في وجهك. يحمل في رأسه عيون قطّ. وجهه مخترق بثقوب الجدري. ارتعش الرعب في عينيك غزالةً تطاردها ذئبة هرمة.

تضاحكوا عندما وضعوا بالقرب من أنفك قنينة نبيذ. قلتَ:

-أنا لا أشرب إلا في المناسبات ومع الأصدقاء.

ضحك أحدهم:

-ونحن أصدقاء أيضًا.

وعندما اكتشفتَ بعَينَيك المفرغتين أن القنينة كانت فارغة، عرفتَ السرّ.

عارِيًا كفأر لم يفتح بعد عينيه، أجلسوكَ على قنينة النبيذ.

قبالتك ذَوَت امرأة.. رفيقة.. مغشى عليها كالخرقة البالية. تعلّقَت بأحدهم لكنه لم يرحمها. دفعها فسقطَت متوسّدةً أرض الصّقيع، فارتسمت بينَ فخذَيها المنفرجتين أشكالاً سرياليّة من الدّم. وأنت كالبطل المهزوم أنزلت عينيك من جسدها الممزق وأطبقتهما بعنف شديد. وحاولت عبثًا محوَ الموقف من ذاكرتك.

شتمتَ وخفتَ من أن يكونوا قد سمعوك:

-أولاد الكلبة، يعرفون جيدًا الأماكن الأكثر ألمًا وقسوةً.

أيقظكَ أحدهم ويده مضرّجةٌ بدَمها.

-كلّكم متشابهون حين يحفركم الصّمت. صديقك مات. رفيقة تسقط. وأنت تتألّم ملء حنجرتك. تعرف أنّك ستذوي بعد قليل مثلهم جميعًا. تكلّم وسنعيدك بسرعة إلى الحياة.

زنجيّ مغرّر به كانَ يأكل أوصالَك، وأشياء أخرى. الدّود ينبت في كفّيكَ وتنمو في الجسد الممزّق سكاكين.

تمتمت بكلمات ارتدّت إلى جوفك. كنتَ بين موت قريب وحياة صارت بعيدة.

-آه لو ألقاه في غابة مقفرة…

-وماذا ستفعل به.

– أنفيه من الحياة وإلى الأبد. أقتله بلا أدنى ندم. جسد المرأة مقدس، فكيف يجد لذّة في تمزيقه وتشويهه؟ لا بد أن يكون مريضًا ومهزومًا.

دوى السوط مرة أخرى على كفّيك، وحفر السكين أخدودًا عميقًا في صدرك.

-ستموت هنا إذا لم نحصل على القائمة. قلها وسنحررك منا.

– عن أي قائمة تتحدثون؟

-تلك التي في رأسك.

-لا شيء في رأسي. وهل بقي لي رأس؟

وقبل أن تنهي الجملة، التوى السوط كالثعبان على جسدك. خبأت رأسك بين يديك وتركته يأكلك قطعةً قطعةً ويتلذذ بتقطيعك.

5

كان اليوم فحمةً قاتمة حين وصلت برقية تقول:

الشوارع هذا الصباح رحلت من جذورها لكنّ المظاهرة دحرت والبحارة تراجعوا. الحاكم يتوقع إعادة الكرّة ولهذا صدرت بيانات وعلّقت إعلانات مختلفة في الأيام التي تلت. خابرا رأسه معلق في المزاد العلنيّ. كاصا، محمد الهم، سقط تحت التعذيب لأنه مارس الصمت. العربي القصير، فوجئ في البحر يوزع منشورات سرية فأطلقت عليه النار. حسين بوسفايا وُجِد ذات صباح منتفخًا عند أقدام البحر تنام في بطنه وثائق خطيرة.

كان الرفاق قد حفظوا الوصية.

تكفّلت المدينة بقذف الأخبار عبر البرقيات ومذياع الرصيف المزروع على أطراف الشارع.

وأنتَ في السجن كان هذا يحدث، وتسقط أسماء قاسَمتك سعادةَ وهولَ البحر من قائمة المغضوب عليهم.

يُروَى أنّ المظاهرة حين تفجرت مرة أخرى كانت أكثر حدة من سابقاتها.

6

تقف الآن مثل جنديّ لا تتجرأ على الدقّ.

-دقّ فقط وسترى.

تذبحك الغربة. البحر على شبر منك. تستطيع أن تشرع في ولوج  حلمك من أبوابه الواسعة. تلقي بنفسك فيه وتستحم وتلمّ ندوب نزيفك بملحه. تستطيع أن تفعل أيّ شيء بدون خوف. اقتنِع بهذا جيدًا.

أوف. لا تخف فلن تختلسك العيون. الكلاب المشرّعة للعودة إلى مدنها البعيدة. لكن أشياء كثيرة راسية في زحام الذاكرة.

كلّ شيء يبدو غريبًا في عينيه. الدار القابعة عند البحر الذي تقيأها، تآكل سقفها وحيطانها. استنزفت أملاح البحر حيطانها الخشبية، فبدأت تذوب شيئًا فشيئًا.

-من هذه الأكواخ خرج ابنُك مسلولاً من الرطوبة، يعانق خضرة الغاب. يحمل في زاده نفس البرقيات والوصايا التي تنام في دماغك الآن.

تحسس الباب بهدوء. كانت ثقيلة كحُزن الذي حفره.

-ألف مرة ومرة حدّثَتكَ نَفسُك بالفرار فتكسّرَ أنفك على البوّابة الحديديّة الخشنة. كم نامت على صدغَيك الصّفعات وشقّ السّوط ظهرك. وهدّدك الحرّاس بالقتل والتنكيل لأنّك مستباح ودمك مهدور.

7

حين أنزلوك القبوَ، وضعوك بين أربعة جدران ضيّقة تنزّ بالرطوبة، وأجبروك على تنظيف المجاري المعطّلة والمراحيض ولمّ أعقاب السجائر وعلى ظهرك تتثاءب وجبات السّوط.

-كلاب وأباء كلاب لا أكثر. من أين جاؤوا وكيف سرقوا البلاد وحوّلوها إلى ساحة سريّة للموت اليوميّ؟ من أين جاؤوا وأين كانوا قبل هذا اليوم؟

كلّ الأماني مرفوضة.

صاَدف أنّ سهوت ذات مرّة وحلمتُ حلمًا آخر بحجم القمر المدفون. فهَوَت على رأسك بندقيّة الحارس الليليّ وجرّك كالجيفة ثمّ أغلق عليك الباب في قبوك. ونِمت مرغمًا تحت وقع الضّربة الشرسة.

الحلم ممنوع.. ممنوع الحلم.

تلك هي الكلمات الوحيدة التي سمعتها. قبل أن تسقط.

كسوَتك يبست على جلدك. ست سنوات من روتين الاستنزاف ليست شيئًا بسيطًا. حلمتَ فيها حتى تعبت. وندمت بضعفٍ على أشياء أخرى.

وشوارع مدينتك المهجورة التي لازمت أوقاتك ومدّدت عليها لياليك الباردة تذكر جيدًا ملامح وجهك البحرية.

تكوّم في جسده كالحلزون المفطوم.

-أنت الآن تذوب في دمك. تعوي في بطنك براميل الماء والصابون التي شرّوها لك بالقوة لكَي تعلن عن القائمة التي في رأسك. يستكين بينَ جروحك المفتوحة حلمُك الساقط في سلّة المهملات. وحين كان الدم ينزف من كلّ أطرافك أدركتَ أنّك ستموت في هذا العفن قبل مطلع الفجر.

-وإذا متّ، ماذا سيكون؟ هل ستغيّر الأرض دورتها؟ الكلب خيرٌ منك. والقانون لن يصاب بهزيمة بعدك لأنه وُجد لحماية من أهم أكبر منك.

8

تحسّسَ الحائط من جديد. الدار أصبحت شيخًا هرما تطارده الأيام. حرثَته التجارب اليومية.

-أوف. تشجع. دق الباب. دق ولن تخسر شيئًا. وجهك الثاني خلف هذه الألواح التي أكلها سوس البحر الأعمى، سكون روعة التتويج بحجم هذه الآلام وهذه الذاكرة. دق، دق، فلن تخسر شيئًا.

طك.طك. طك.

لا تعرف كيف هوت يدك بتثاقل شديد على الباب.

فجأةً بدا لك كأنك تسمع نشيدًا بحريًا يأتي من قريب! تزحلقت عيناك إلى الضوء الذي يسكن البحر. بدا لك كأن أنغاما شعبية تتعالى، كان يردّدها أناس زُرق سكنوا البحر والقوارب.

هيلا هوب. هيلا هوب

بحر. وحياة. وحب

هذي نجوم وقمرا

راني جيتكم في عيني بشارة

با البحارة يا البحارة يا البحارة.

ساد بعدها سكونٌ كبير. شعر بحزن عميق يشوّه كل ما تبقى من ملامحه، فالزمان الأول مات ولفظ وراءه زمنًا موبوء.

-إيه. الحاج المنتفخ ربما كان يلهث في هذا الظلام ليضم إلى أسطوله قوارب الصيادين الأخيرة ويبيع جهدهم في السوق فقد تنبأ العرّاف حين قال قبل سنين:

-عندما يذهب جاك سيبقى الحاج.

لن يتوقف الرحيل.

(استدرت قليلا. تراءى لك الحلم يتسع أكثر ويتخذ شكل خارطة جديدة بشكل البحر).

كانت الشوارع الراحلة بصياحها موصدة بالجثث المشروخة في زحمة الليل. أيدي الصيادين تتشابك في شكل أقل ما يقال عنه أنه رائع. تستعيد القوارب ولون البحر والأغنية الجميلة.

حكمة قديمة كان يردّدها الجد الذي ابتلعه البحر ذات ليلة:

-النهر حلم الفقراء. البحر حلم الغرباء. والليل ذاكرة العشاق.

-أنت تحفظ هذا جيدًا وتردّده موحدًا لأنك تجمع بين الهجر والفقر. وأكثرُ خلقِ الله عشقًا للحياة.

9

طك.طك.طك.

أعدتَ الدق بسرعة أكثر. فتح الباب بهدوء تام.

سيّدي.

-…..

سيّدي. هل تريد شئيًا. نحن مثلك لا نملك شيئًا نعطيه لك، إلا بعض الدفء إذا كنتَ بردانًا وخائفًا من الرعود والأمطار؟

تحدّثت امرأة متعبة، عند عتبة الباب، أيامها منهكة، سوّستها السّنون. بين تجاعيدها القمحيّة سكنَت أزمنة تقاوم الموت. تكفّل شعاع الشمعة وفحمة الليل برسم ملامحها.

سيّدي

هي. لم تتغيّر إلا قليلا.

سقط على واجهة عينيها كوكبا متوهجًا. أشرقت على إثرها كلّ الأحلام والمدن الزرقاء.

10

حاولتَ مسح ذاكرتك عبثًا.

ثمّ فجأة فتحت عينيها. رأتك خلف اللحية الكثّة التي سرقت نور وجهك وخارج تجاعيدك الكثيرة. ضمتك بعنف وتكورت تقيم في صدرك وشمًا أخضر.. وانهارت على جسدك بحرًا وأشرعة في مهب الريح.

حين التقيا للمرة الثانية وكان كلاهما يجر قطارا من السنين المتعبة. زالت كل الفواصل والحدود. وعاد كلاهما يرتب وجه الآخر ويشكل في عينيه بحرا وخارطة الوطن الهارب.

-لن يتوقف الرحيل.

-ذاك الزمن الأول. وهذا الزمن الثاني، وسينبت الزمن الجميل.

واتسعت أجفانهم البحرية تحاول نسيان سنين الفقدان والخديعة.

-هل هي مجرد كابوس يشبه الخديعة أم أكثر؟

وربما كانت شيئا آخر. لقد سرقوا منك كل شيء. الوطن. عمرك. زوجتك. أبناؤك الذين ماتوا في غيابك. سرقوا منك إمكانية أن تحب.

عليك الآن أن تتعلّم كلّ شيء من جديد. أن تعلم قاتلك كيف يصبح إنسانا. ستقول له أن الحرب انتهت وعليك أن تتفرغ لبناء أرض أصبحت رمادًا، ورمّلها الورثاء.

الورثاء؟ احذر أن تقول هذه الكلمة. سيتهمونك بالشيوعية، الكفر، الإلحاد، القومجية، بالإيمان المدسوس، الخونجية… لا يهم. لا تقل شيئًا وعلم قاتلك فقط أن يراك إنسانًا مثله.

سمعتها تتمتم:

-ها قد عدتَ وهذا كلّ ما يهمّني. سنرمم أنفسنا مع الأيام.

أغمضت عينيك وتهاوت في دوامة بكاء مرّ لم تعرف مصدره.


* (كُتبَت القصّة عام 1977 وهي مأخوذة من المجموعة القصصيّة أسماك البر المتوحّش، دار الجمل، 2010).

فصل من رواية رغوة سوداء

(7)

وضع الحقيبة في الصندوق بخفّة، وانطلق يلتقيها في الجهة الأخرى، غير أنّ الجندي قبالته أشار له بالعودة وهو يتفرّس في الشاشة أمامه. تحرّك السّير في الاتجاه المعاكس فخرجت الحقيبة من الجهاز والكلّ ينظر إليها وإلى صاحبها بريبة. تحرّكتْ مجدداً وغابت في صندوق التفتيش الآلي. عبر الرجل ينتظرها في الجانب المقابل، لكنّ الجنديّ أعادها من حيث أتت مجدداً. أراد أن يسأل فوجد الجنديّ قد انشغل بالحديث إلى زميله. تقدّم قليلاً فتلقّى إشارة صارمة بالبقاء مكانه. التفت إلى زوجته فوجدها قد تجاوزت التفتيش وظلّتْ تنتظره بقلق.

كان الصّف من بعده قد استطال، وبدأتْ أصوات التململ تعلو، فما كان من الجندي إلا أن أمره بالتنحيّ جانباً ليُخضع حقيبته لتفتيش يدويّ، وأشار لمن بعده بالمرور. مرة أخرى، نظر الرجل إلى حيث تقف زوجته. كانت شاهدة على ما يجري، ترصد إذلاله في عيون المسافرين من حوله، فيما جنديان وبحذر شديد ينثران محتويات الحقيبة على الملأ، وهما يرمقانه بنظرات متشكّكة.

“تفضّل”.

استفاق داويتْ على صوت جنديّ بعد أن كان منشغلاً بما يحدث للعربيّ في المسار المجاور. خشي أن يلاقي مصيره، وهو يضع حقيبته بتردد في جهاز التفتيش الآلي، وينتصب متحفّزاً ينتظر عبورها ببطء وهو يتمعّن في ملامح رجل الأمن التي ظلّت على هدوئها. أمسك حقيبته والتفت إلى الجنديّ يترقّب قراره، فوجده يُشير لمسافر آخر بالعبور.

عاد بنظره للعربيّ. كان لا يزال على حاله، يقرض أصابعه بتوتّر وهو يرقب أغراضه تتناثر، قبل أن تأتيه الإشارة أخيراً بلَملَمتها، فيما المسافرون إلى جواره يعبرون واحداً تلو الآخر دون أن يستوقفهم الجهاز أو الجنديّ.

شعر داويتْ بالتعاطف مع الرجل. ربما لأنه يعرف تماماً طعم الإذلال، وقد جرّبه في بلده أول مرة قبل أن يعتاد عليه في مخيم إنداغابونا الذي وصله وهو يتقافز من السعادة رغم إنهاكه في رحلة هروب طويلة من “الوادي الأزرق” إلى شمال إثيوبيا.

كانت رحلة يائسة لا تحتمل سوى خاتمتين؛ إما الوصول إلى الوجهة الأخيرة، أو القتل على يد رجال الأمن. ومع هذا فقد أقدم عليها “داود” حين تساوى عنده الموت والحياة في معسكر التجنيد الإجباري. لذا حين عبر الحدود، رفقة عشرات، كان على خلافهم تماماً؛ فقد توقّف لينظر وراءه. أراد أن يستشعر حقيقة النجاة، حقيقة مفارقة الإذلال إلى الأبد. هناك خلف تلك الجبال البعيدة التي استنفدتْ طاقته وهو يتسلّق بعضها ويلتف خلف الآخر، تقع إرتريا. ليس ثمة حنين داخله على الإطلاق. كان الحنين يتساقط من روحه مع كل خطوة يخطوها في الاتجاه المقابل. كان يتطهّر بالبعد عن الوادي الأزرق، يُفرغ رصيده من القهر في محاولة العودة إلى روحه قبل أن تلتصق بها النتوءات والندوب.

“هيا.. بسرعة.. من هنا”.

على مدخل انداغابونا كانت ثمة حاجة أخرى للنجاة، هذه المرة من جنديّ إثيوبيّ يرشد القادمين بسوطه للاصطفاف بطريقة صحيحة. أخطأ السوط داود لكنه أصاب امرأة خلفه حرمتها المفاجأة فرصة الهرب بعيداً. اصطفّ الجميع بشكل حلزوني أتاح استيعاب أعداد كبيرة أمام مكتب التسجيل، بينما كان الجنديّ لا يزال يمارس متعته في تقويم الصفوف، أو بعثرتها إذا استقامتْ بمعزل عنه، ويتفنّن بساديّة في رسم انحناءاتها بسوطه الثقيل.

كان مكتب التسجيل بمثابة بوابة للمخيم المترامي الجهات. خلفه تتناثر خيام متفاوتة الأحجام غالبها مهترىء بحيث لم يعد سهلاً رؤية الشعار الأزرق المطبوع على واجهاتها يشير للمفوضية الأممية لشؤون اللاجئين.

يمر الوقت دون أن يأتي دور داود، مع الحشود الكثيفة التي تصطفّ أمامه، وبطء إجراءات مكتب التسجيل، والشمس التي تقف فوق الرؤوس مباشرة. جلس على الأرض، تشاغل برسم دوائر اعتباطية على الرمل، مرّر يده على السوار الصوفي الذي يتعاقد فيه اللونان الأبيض والأسود حول معصمه. أغمض عينيه، رأى سواداً، فتحهما فأوجعته الشمس التي كانت تنتظره عند الحدقات. وضع رأسه بين ركبتيه، رفعه، أعاده ثانية، ولم يتغيّر شيء، لا يزال بعيداً عن مكتب التسجيل.

“لا تخبرهم أنك مسلم”.

قاوم داود فضوله كي لا يلتفت لمصدر الصوت الخفيض. بقدر ما أراد أن يتابع حوار شابّين خلفه، خشي أن يمنعهما انتباهه من المواصلة. 

“منظمات الهجرة لن تلتفت لملفّك. سمعت هذا كثيراً. سيخلقون الأعذار دون إخبارك بالسبب الحقيقيّ”.

كان داود يعرف أنّ إنداغابونا مجرد مخيم استقبال، وأنّ ثمة فرصة ضئيلة لإعادة التوطين في دول أوروبية، بينما يتوزع البقية على مخيمات دائمة داخل إثيوبيا، وهذا ما جعله يتمنّى لو يشارك في الحوار، لو يستفسر أكثر، لكنّ الحديث الهامس كان علامة على سريّته. عمّ صمتٌ، وداود يخشى أن يكون الحوار مستمراً دون أن تلتقط أذناه أحرفه الواطئة.

“وما العمل؟”.

أنقذه سؤال الشاب الآخر، واستنفر حواسّه. استغلّ تعديل جلسته ليكسب بضعة سنتيمترات إلى الوراء، وظلّ متأهباً ليسمع الإجابة التي تأخرتْ قليلاً قبل أن تأتي:

“افعل مثلي. لقد تخلّصتُ من أوراقي الثبوتية، واخترتُ اسماً مسيحياً”.

قبيل الغروب، كان داود يقف أمام مكتب التسجيل، ينفض ما علق بملابسه، وهو يستمع إلى السؤال الموجّه له. أطرق يتأمل الورقة الخالية، والقلم الأزرق المصوّب عليها، رفع نظره قليلاً إلى اليد السمراء نافرة العروق، ومنها إلى الوجه الغاضب الذي ينتظر الإجابة. كرّر الموظف سؤاله بحنق، فيما ديفيد يمرّر يده من جديد على السوار الصوفيّ الذي يتعاقد فيه اللونان الأبيض والأسود، قبل أن يملأ الموظف خانة الاسم وفق ما سمعه:

“ديفيد”.

“بوه نِليخ”.

تبعت المجموعة القادمة من غوندار إشارة فتاة ترتدي بزة زرقاء وتحمل لافتة مكتوب عليها “بيتا إسرائيل” بالعبرية والأمهرية. هذه الكتلة البشرية السوداء المذهولة بدتْ قادمة من حقبة سحيقة، وأثارت اهتمام العابرين الذين توقفوا على الجانبين للفرجة، فيما أخذ بعضهم يلتقط الصور.

داويتْ كان في الوسط، يُحكم غطاء رأسه كي يحجب أكبر قدر من ملامحه. لم يتخلّص بعد من إحساسه بالانكشاف، لا يزال يشعر أنّ ملامحه تجذب الأنظار إليه، تُنادي على العابرين لتخبرهم أنّ اللصّ هنا، وبحوزته كل الأدلة على جرائمه.

سارتْ المجموعة في طريق نصف دائرية انتهتْ بباب زجاجي ما إن فُتح تلقائياً حتى تعالت الصرخاتْ وعمّ الضجيج. لم يتبيّن داويتْ ما كان يجري. ارتبكتْ المجموعة، أراد بعضهم العودة إلى الداخل، غير أنّ المنظمين أمروهم بمواصلة السير.

“لاما بأتِم؟ لاما بأتِم؟”.

اخترق صراخ فتاة بيضاء أذن داويتْ، وهي تسأل بحرقة عن سبب مجيئهم إلى إسرائيل. التفتَ إليها، فوجدها تنظر إليه بحدة، اختارته دون غيره لتصوّب عليه نظراتها الغاضبة. لم يعد يسمع صراخها، كان يتتبع عروق رقبتها الخضراء المنتفخة، وهي محقونة بالحقد. حين وصل أقرب نقطة منها، أشاح ببصره، وأسرع يتخطّاها تاركاً صراخها يحاول اللحاق به. ما إن ابتعد قليلاً التفتَ يُعاين ما يجري خلفه، فاصطدم بحقيبة وأوقعها من يد صاحبها الذي سرعان ما دفعه وهو يشتمه، قبل أن يميل على سيدة بجواره وهو يتذمّر:

“هالعبيد عبّو البلد”.

دون أن ينطق، رفع داويتْ يديه قرب رأسه معتذراً وهو يبتعد مسرعاً، قبل أن تستوقفه ملامح الرجل؛ فقد كان هو نفسه ذاك العربيّ الذي فتشه الجنود بطريقة مهينة.

حين استدار يواصل طريقه ليلحق بالمجموعة، وقع بصره على لوحة زرقاء تُنير بأحرف عبرية بارزة:

بروخيم هبائيم ليسرائيل”1.

[1]  العبارة باللغة العبريّة وتعني مرحبًا بكم في إسرائيل