لم نبقَ طويلاً في البار، بعدما وصلَنا مسج ميلاني، أحسستُ بأن كلينا أراد الآخر أن ينهي كأسه لنخرج سريعاً عائدين إلى بيت أحدنا. وكان ذلك من خلال القفز السريع بين الأحاديث ومحاولة إنهائها، مختصرينها كي نبدأ بأخرى وتنتهي جميعها وننهض.

بعد أقل من نصف ساعة كنّا خارج البار، واقفَين أمام بابه، اقترحت شارلوت تفادي الطريق الذي يمر بالبار حيث توقّعت أن تكون ميلاني وريما. تمشينا قليلاً، نزلنا إلى محطة المترو، وتوجّهنا إلى بيتها، معاً، كأننا على اتفاق مسبق بذلك، لم يسأل أحدنُا إلى أين نتوجّه، وقد كان كلانا يعرف أننا ذاهبان إلى بيتها، وذلك، ربّما، ما جعلني، لا شعورياً، أحكي عن الملصق الذي رأيته من خلال نافذة بيتها حين أوصلتُها أوّل مرة، أو حين لحقتها وأوصلتها إلى بيتها.

هل مازال ملصق «الحياة المزدوجة لڤيرونيك» مكانه؟

كيف تعرف… آه حين لحقتني.

لكنك لم تقولي اسم الفيلم، اكتفيتِ بالقول إنه فيلم تحبينه.

ممكن، لا أذكر.

بلى، أعرف الفيلم وأحبه كذلك، وإن لم يكن من بين العشرة أو العشرين المفضلة لدي.

حقاً؟ ما المفضل لديك؟

لم أكن أريد أن ينتقل الحديث منّا نحن الاثنين إلى أفلام تعجبني، ليس هذا وقته، بدأتُ حديثنا بالإشارة إلى الملصق، شعوري بأني سأكون في بيتها خلال دقائق جعلني، ربما، أسأل عنه. لم يكن لسؤالي أي رغبة في أحاديث عن السينما، بل عن شقتها، عنها هي، عن المكان الذي نمشي إليه لوحدنا لنمضي الليلة، كما توقعتُ وتمنيت، لوحدنا حتى الصباح.

لا يهم الآن ما المفضل لدي، دعينا نتحدث عنك.

بلى، من تحب؟

امممم يخطر لي الآن إنغمار بيرغمان، مثلاً. «پيرسونا»، شاهدته قبل أيام.

لا يعجبني كثيراً.

لمَ؟ أو لا، لنتحدّث في أمر آخر، أمر يعجبك.

أردت أن نخرج من هذا الحديث الأنسب لمقهى في الرابعة عصراً وليس لما قبل منتصف الليل بقليل في مترو شبه فارغ متوجهَين، هي وأنا، إلى بيتها لأنيكها، أخيراً، ولم أجد ما أسأله فصمتنا للحظات، إلى أن قالت إنّنا سننزل في المحطة التالية ونمشي قليلاً، كانت المحطّة بير لاشيز، فأجبت بأني أعرفها جيداً. صمتنا مجدداً. توقّف المترو ونزلنا.

أتذكّر الطريق تماماً، كأن لحاقي بها كان قبل يومين وليس أسبوعين، لكني الآن أمشي إلى جانبها وليس متتبّعها كالمحقّق في أفلام النْوار البوليسيّة، أمشي وأعرف أنها ستدعوني لكأس إضافي سيكون افتتاحياً لليلة طويلة، وأن صديقتها التي كانت في البيت ذلك المساء، هي الآن في بار مع أخرى، وتعرف أنّي وشارلوت سنعود معاً إلى شقتهما، فتدبّر ليلتها ونومها في مكان آخر، عند ريما ربّما.

دخلنا إلى المبنى، صعدتُ خلفها الدرج المظلم والضيّق، وشارلوت تعتذر لأن اللبمة ماتزال محروقة ولم يبدّلها أحد. فتحتْ باب شقتها وأضاءت الصالة، دخلتُ خلفها، وقع نظري فوراً على الملصق المجانب للنافذة، علّقتُ بأنّ في البيت ما هو مألوف لي، سمعتُ ضحكة خفيفة منها، ضحكة امرأة فرحة تتهيّأ للنّيك. ضحكتْ وهي تلمّ سريعاً بعض الأشياء عن الأرض، ثم خلعت بكعب كلّ قدم حذاء الأخرى، بحِرفيّة، تاركة الحذاء مكانه في منتصف الصالة، لتعود وتلمّه كأنّه كان هناك منذ دخلنا.

أي تعليق يمكن أن يضحكها الآن، كانت مبسوطة ومسترخية، ومزَهزهة، كما نقول بالفلسطينية، ولزهزهة شارلوت لحظتها أسباب غير الكحول. سألتها لمَ تلمّ أشياء عن الأرض وتترك حذاءها هكذا، فضحكت وهي ترفعه. جلستُ على كرسي، مقابل المكتبة فانتبهتُ لها وقمت أتفحّص ما فيها. دخلت شارلوت إلى الصالة مع كأسين وفتّاحة لزجاجة النبيذ، اقتربت مني وانتشلتْ زجاجة من رفٍّ سفلي في المكتبة وطلبت مني فتحها.

أخذتُ الفتّاحة والزجاجة إلى الطاولة، اقتربتْ ووضعتْ عليها الكأسين وعادت إلى المكتبة، صبّيتُ لكلينا وتقدّمتُ إلى المكتبة أقف خلف الشّقراء أمدّ لها يدي بكأس نبيذ وأشمّ شعرها، نفساً قصيراً أخذتُه منه ثم تنشُّقاً عميقاً وقد أدخلتُ أنفي في خصلاته الذّهبية. طلبت منها أن تحكي لي عن مكتبتها، عمّا أمامنا من كتب وأفلام، عمّا تحبّ منها. لم أُرد أن أبدو ذلك الذي ما إن دخل بيتها حتى انتشل أيره بقبضته وجرّها إلى فراشها.

انتبهتُ إلى أنّها قد خلعت معطفها والكنزة الثقيلة التي كانت ترتديها والشال السّميك الذي كان وجهها مختبئاً فيه. كانت تقف إلى جانبي، بقميص خفيف، أزراره العلوية مفلوتة فيكشف عن طرف ستيانتها وعن أنّ لديها ثديان ضامران متباعدان مثبّتان جيّداً على صدرها. تحمل كأسها قريباً من فمها كأنّها تشمّ النبيذ فيه، مسندةً كوعها بيدها الأخرى، ترتشف بخفّة وتتكلّم:

هذه المجموعة الكاملة لأفلام أندري تاركوڤسكي، تعرفه؟

طبعاً، أحبّه.

وهذه روايات لكافكا، شِعرٌ لبريشت… وهنا هذه لدرويش، أحكي لك عمّا أحبه في المكتبة، وهذه من أرففي. تلك الأرفف لميلاني، ستجد كتباً في السينما وأعداداً من مجلّة «كاييه دو سينما» وأفلاماً كذلك، أكثر منّي طبعاً.

لكن روايات كافكا هذه لك؟

نعم. ناقصةً واحدة، «المحاكمة». نسيتُ لمن أعرتُها، ولم أكن قد قرأتها بعد. سأشتريها.

رأيتك مرّة في المقهى تُخرجين اللابتوب من كيس قماشي مطبوع عليه صورة لكافكا.

لا. لدي هذا الكيس المعلّق على الباب، هنا، لكن مطبوع عليه اسم المكتبة التي اشتريته منها، لو كونتوار دي مو، في الحيّ المجاور.

لكني رأيت كافكا.

قد تكون خلطتَ بيني وبين أخرى.

ليست هنالك أخرى في المقهى أخلط بينك وبينها. لكني أكيد من صورة كافكا، رأيتها على الكيس.

لستُ أنا. صحيح، لم تحكِ لي لمَ كنت تذهب إلى المقهى، وتنقر طوال الوقت على اللابتوب، لم نحكِ في ذلك… ليس بعد.

أكتب.

تكتب؟ ماذا؟

لا أعرف، بدأت بيوميّات، بدأت بكتابتها بعدما انتهيت قبل فترة من سيناريو لم أجد من يحوّله لفيلم.

امممم سيناريو؟ متى ستحكيه لي؟

أحكيه! بعد قليل.

لا ليس بعد قليل.

أخبريني شارلوت، أليس لديك كيساً بصورة لكافكا؟

لا، حقاً. إلا إن كنتَ تعرف شارلوت أخرى. واليوميات التي تكتبها في المقهى، هل أنا فيها؟ لوحدك دائماً، تجلس مقابلي، تكتب يوميات، تنظر إلي خلسةً، تسألني عن اسمي… هذا كلّه.

لا أعرف، لكن… نعم، كنتِ أمامي. امرأة جميلة تجلس مقابلي، وأنا أكتب. عمّاذا تتوقعين أن أكتب إن لم يكن عنها؟ عن أبو عمّار؟

من هذا؟

ياسر عرفات، أغافات، رئيس…

أعرفه، أو أعرف شالَه. لذلك كنتَ تنظر إلي خلسةً إذاً. ما الذي كتبته؟ أريد أن أقرأه.

مكتوب بالعربية، لكني سأترجم لك بعضه، لاحقاً.

قد تكون لدى شارلوت التي في النَّص كيساً عليه صورة كافكا.

كيف؟ نعم، ربما، لكن لماذا هو؟ في الحقيقة لم أكن أميّز كثيراً بينكما، لم أكترث كثيراً لذلك.

يعني أنّها أنا.

ليست أنتِ. ثمّ أن اسمها قد لا يكون شارلوت.

لمَ لم تعد تأتي إلى المقهى؟ انقطعتَ بعد حديثنا أول مرة حين أوصلتني إلى هنا.

بلى، أتيت كل يوم بعد حديثنا، لكنك من لم يأت. لم أعرف أنك كنتِ في الجنوب مع صديقتك. ظننت أنك لم ترغبي برؤيتي بعد لحاقي لك وحديثنا.

لكني غبتُ لأيام قليلة ثم عدت لأتواجد يومياً، أشتغل على اللابتوب كالعادة.

لم أعرف. لا بأس.

أريد أن تحكي لي ما كتبته عني.

ليس عنك!

لا يهم.

أوكي، سأحكي لك بعضها.

لا، لا تحكِ، اقرأها كما هي.

لم أكن أرغب فعلاً في قراءة ما كتبته عنها، لها. جيّدٌ أنها لم تصرّ ولم تُطل الموضوع، فقد انتهى هنا، حين قالت جملتها الأخيرة وهي متوجّهة إلى زجاجة النبيذ على الطاولة الواطئة لتصبّ لنفسها كأساً آخر، وتسألني إن أردت كذلك كأساً آخر، وتأتي بالزجاجة وتصبّ لي، فلا بدّ لها أن تفرغ قبل اعتلائنا سريرها.

انقطعنا عن حديثنا الذي بدا منفصلاً زمانياً ومكانياً عمّا نحن فيه الآن وعمّا أتينا لنفعله، الحديث الذي بدا كمقدّمة لا بدّ منها لما سيأتي، كي لا تبدو غاية كلٍّ منّا مفضوحة للآخر، وإن كانت، بانفضاحها، ستبسطه.

عدنا ثلاثتنا، هي وأنا والزجاجة وقد فرغت إلى منتصفها، إلى الكرسيين والطاولة. جلسنا متقابلين، ننظر في عيني بعضنا وقد كانت عيناها دامعتين ناعستين مرتعشتين متأثرتين بما هو أكثر من النبيذ والسنغريا. أنظر فيهما، في شفتيها القلقتين ورقبتها النّقية وامتداد هذا النّقاء إلى صدرها الشّاسع. ننظر ونتحدّث ونشرب.

شارلوت أمامي مستويةً تماماً، متهيّئة تماماً لنتنايك، لهذه اللحظة وقد كانت أوّل ما خطر لكلينا، أقصد لها هي كذلك، حين قرأنا معاً في البار مسج ميلاني، ونظرنا إلى بعضنا مبتسمَين، ونحن نعرف أنّنا بعد ساعة أو اثنتين سنكون هنا، وبهذه الحالة، والرّغبة تسيل من عينيْنا كالدّموع.

 

1

واسيني الأعرج

هل هي مجرّد خديعة أم أكثر؟

ياه! كم كانت المسالك متعبة وكم كانت الأيّام صعبة!

ألم يكن من الأجدى المرور عبر أكثر الطرقات اختصارًا؟

لا شيء يفيد الآن. المهمّ أنّه وصل أخيرًا إلى الدّار، وعانقت عيناه هذا البحر بعد رحلة قاسية لا يتذكّر منها الشّيء الكثير، استنزفَت زمنَين من حياته.

لا شيء تغيّر. الكلّ على حاله مثلما تركتَه عندما انسحبتَ من هذه الدّنيا.

دقّ على الباب الآن، لقد انتهى كلّ شيء. دقّ.

2

حين التقيا للمرة الأولى، ذابت كلّ الفواصل والحدود. وذاب صقيعُ زمن الفراق. لكنّ الوطنَ الحلمَ بات أغنيةً حارقةً محمولة في الصّدر والرأس.

أراحَت عَينيها فوق عينيهِ وتكوّمت تقيم في جسده. كانت أجفانها ترسمه روعةً مُثلى رغم رائحة النزيف المنبعثة من أوصاله المكسوّة بملح البحار.

افتَح عينيك جيدًا. هل تراها؟ زوجتك أنتَ الآن تُسَطّر خارطة ملامحها لتتذكّر جيدًا. تنامُ جرحًا مستقيمًا بين مفاصلكَ الموشومة بندوب الحَبس. كنتَ تحبّها ولم تكن بطلاً رومانسيًا قَهَرَ قلوب غواني الحارة لكن كلّ منكما استوى في نزيف الآخر وطنًا يعيدُ ترتيب وجهه. رأيتَها للمرة الأولى وكنتَ بحارًا يمارس العيش في أقذر المواقف. لا يحمل في زاده إلا جوعًا وأحلامًا يقاوم من أجلها. يمنّي القلب بزوجة تدفئ ليلَه.

وقف يتأمّل، حين قفز البحر أمام عينيه بعظمة غير محدودة. يكتشف للمرّة الأولى هذه العوالم الزرقاء. وضع يده على الباب المُوصد الذي لم يجرؤ بعد على الدقّ عليه. إيه. بين البحر والزنزانة مسافة شبر، ومع ذلك يظلّ بعيدًا.

أتدري! لقد تسلّقتَ عقدَك الثالث، وتخاف الآن أن لا تعرفك من كانت تحب فيك رائحة الجوع والبحر وتقاسمك الحلم. ستّ سنوات تموت وتولد فيها عروشٌ بأكملها. تعود إليها من جوف غُربة أقبية السجون الباردة. ترتسم في عيونك المرتعشة الأبديّة. كيف خرجت بأوصالكَ مزروعة في جسدك. التعذيب كان وحشيًا. كان الصّبية يجرّون وراءك في المدينة بصياحهم تتقاذفك الشّوارع والمقاهي الرديئة والأزقّة الوسخة، محشور في خانة فاقدي العقول لأنّ ملامحك في الزمن هذا تلبس العريّ والخوف.

-كلّ أسئلتك المضنية تظلّ معلّقة.

هذه المرّة كنتَ جون فال جون رُدِم من أجل كسرة سرقها حين كان الجوع يحاصر الأركان الأربعة، والمَوت يضاجع آلاف الأفواه المتمردة.

ذئاب. ذئاب. ذئاب.

3

أنت تذكرهم جيدًا. كانوا ليلاً من الخنافس. ساقوك وكنت ترتدي العرق كالوحوش المسعورة. عندها حملك أصحابك صُدعًا جديدًا في الرأس ولغمًا في القلب. كنت تدرك جيدًا أنك سوف تساق إلى مكانٍ من زاره لن يعود، لأن جسدك ينزف برائحة الليل، وهم يكرهون هذا الصنف من الناس. واجهتَ البحر للمرة العشرين تطلب عملا وكان الحزن يغسل عيونك. قَبِلت على مضض مقابل فرنكات جائعة. وبعد سنوات تساقطت عليك سيول الإنذارات لأنك خرجت من دائرة الصمت تحمّل الوعي عبوّة ناسفة.

أنت مشبوه.

رأسك كان مطلوبًا بتُهمة التّشويش على راحة المدينة، وتوزيع المنشورات السرية.

حزّت القيد معصميك في اشتياق غريب. فتمزّقت أحلام طفولتك الصغيرة على أحصنة الخوف وخنافس الليل، شرطة النحس. تسلقت بك سيارة جيب تطوف كل الشوارع والأحياء الضيقة في هذه المدينة الموبوءة. شيّعك رفاقُ البحر بصمتٍ. كان الجرح في صدورهم متوغلاً حتى القلب.

أنزلوكَ قبوًا مظلمًا وزعقوا في وجهك حين أصبحتَ كُلاً مستباحًا يُباع في دور التعذيب.

-امسح من ذاكرتك زرقة البحر.

-لكن.. البحر روح مدينتي الجائعة.

-لم تعد من هنا، فلا مدينة لك.

وبدا التعنّت نابتًا على ملامحك الواسعة، فانهالَت عليكَ الأقدام من كلّ الجهات وحاصرتك السّياط. فَساحَ الدم غزيرًا من أطرافكَ المغتالة في عزّ الظهيرة. ولم تكن بطلاً أسطوريًا فحاولت عبثًا أن تمحو لونَ البحر من عينيك.

قلتَ في خاطرك:

-احذر. الألوان فيك ومنك. عندما تمّحي، تختفي أنت أيضًا معها.

تذكّرت فجأة أنك لم تكن أكثر من لون أزرق.

4

على مسافة غير بعيدة انفجر القطار بصياحٍ حادّ. وكان يُدرك جيدًا أنّ بين قطار يجيء وقطار يذهب أزمنة تناضل الموت. خرج الحلم من ذاكرته مشوّهًا مشلولاً، وتشكّلت على خارطة وجهه وجسده المرتجف فاجعة تستعيد دقائقها بآهاتها وتأوهاتها، واندمج الكلّ في شكل متداخل. صفير القطار وصياح السّجون. ليلفظ موقفًا مشحونًا بالموت والدمار ولحظات من الخوف لم يستطع مقاومتها.

كان البرد رمحًا ينام في جسدك، حن زجّوا بك إلى دائرة البحث والتعذيب. سكنت رغم الصراخ الذي صمّ أذنيك، ومارستَ صمت الثلوج، لكنّهم كانوا أقوى منك.

-شيّع نفسك في هذا القبو.

صار واحدهم في وجهك. يحمل في رأسه عيون قطّ. وجهه مخترق بثقوب الجدري. ارتعش الرعب في عينيك غزالةً تطاردها ذئبة هرمة.

تضاحكوا عندما وضعوا بالقرب من أنفك قنينة نبيذ. قلتَ:

-أنا لا أشرب إلا في المناسبات ومع الأصدقاء.

ضحك أحدهم:

-ونحن أصدقاء أيضًا.

وعندما اكتشفتَ بعَينَيك المفرغتين أن القنينة كانت فارغة، عرفتَ السرّ.

عارِيًا كفأر لم يفتح بعد عينيه، أجلسوكَ على قنينة النبيذ.

قبالتك ذَوَت امرأة.. رفيقة.. مغشى عليها كالخرقة البالية. تعلّقَت بأحدهم لكنه لم يرحمها. دفعها فسقطَت متوسّدةً أرض الصّقيع، فارتسمت بينَ فخذَيها المنفرجتين أشكالاً سرياليّة من الدّم. وأنت كالبطل المهزوم أنزلت عينيك من جسدها الممزق وأطبقتهما بعنف شديد. وحاولت عبثًا محوَ الموقف من ذاكرتك.

شتمتَ وخفتَ من أن يكونوا قد سمعوك:

-أولاد الكلبة، يعرفون جيدًا الأماكن الأكثر ألمًا وقسوةً.

أيقظكَ أحدهم ويده مضرّجةٌ بدَمها.

-كلّكم متشابهون حين يحفركم الصّمت. صديقك مات. رفيقة تسقط. وأنت تتألّم ملء حنجرتك. تعرف أنّك ستذوي بعد قليل مثلهم جميعًا. تكلّم وسنعيدك بسرعة إلى الحياة.

زنجيّ مغرّر به كانَ يأكل أوصالَك، وأشياء أخرى. الدّود ينبت في كفّيكَ وتنمو في الجسد الممزّق سكاكين.

تمتمت بكلمات ارتدّت إلى جوفك. كنتَ بين موت قريب وحياة صارت بعيدة.

-آه لو ألقاه في غابة مقفرة…

-وماذا ستفعل به.

– أنفيه من الحياة وإلى الأبد. أقتله بلا أدنى ندم. جسد المرأة مقدس، فكيف يجد لذّة في تمزيقه وتشويهه؟ لا بد أن يكون مريضًا ومهزومًا.

دوى السوط مرة أخرى على كفّيك، وحفر السكين أخدودًا عميقًا في صدرك.

-ستموت هنا إذا لم نحصل على القائمة. قلها وسنحررك منا.

– عن أي قائمة تتحدثون؟

-تلك التي في رأسك.

-لا شيء في رأسي. وهل بقي لي رأس؟

وقبل أن تنهي الجملة، التوى السوط كالثعبان على جسدك. خبأت رأسك بين يديك وتركته يأكلك قطعةً قطعةً ويتلذذ بتقطيعك.

5

كان اليوم فحمةً قاتمة حين وصلت برقية تقول:

الشوارع هذا الصباح رحلت من جذورها لكنّ المظاهرة دحرت والبحارة تراجعوا. الحاكم يتوقع إعادة الكرّة ولهذا صدرت بيانات وعلّقت إعلانات مختلفة في الأيام التي تلت. خابرا رأسه معلق في المزاد العلنيّ. كاصا، محمد الهم، سقط تحت التعذيب لأنه مارس الصمت. العربي القصير، فوجئ في البحر يوزع منشورات سرية فأطلقت عليه النار. حسين بوسفايا وُجِد ذات صباح منتفخًا عند أقدام البحر تنام في بطنه وثائق خطيرة.

كان الرفاق قد حفظوا الوصية.

تكفّلت المدينة بقذف الأخبار عبر البرقيات ومذياع الرصيف المزروع على أطراف الشارع.

وأنتَ في السجن كان هذا يحدث، وتسقط أسماء قاسَمتك سعادةَ وهولَ البحر من قائمة المغضوب عليهم.

يُروَى أنّ المظاهرة حين تفجرت مرة أخرى كانت أكثر حدة من سابقاتها.

6

تقف الآن مثل جنديّ لا تتجرأ على الدقّ.

-دقّ فقط وسترى.

تذبحك الغربة. البحر على شبر منك. تستطيع أن تشرع في ولوج  حلمك من أبوابه الواسعة. تلقي بنفسك فيه وتستحم وتلمّ ندوب نزيفك بملحه. تستطيع أن تفعل أيّ شيء بدون خوف. اقتنِع بهذا جيدًا.

أوف. لا تخف فلن تختلسك العيون. الكلاب المشرّعة للعودة إلى مدنها البعيدة. لكن أشياء كثيرة راسية في زحام الذاكرة.

كلّ شيء يبدو غريبًا في عينيه. الدار القابعة عند البحر الذي تقيأها، تآكل سقفها وحيطانها. استنزفت أملاح البحر حيطانها الخشبية، فبدأت تذوب شيئًا فشيئًا.

-من هذه الأكواخ خرج ابنُك مسلولاً من الرطوبة، يعانق خضرة الغاب. يحمل في زاده نفس البرقيات والوصايا التي تنام في دماغك الآن.

تحسس الباب بهدوء. كانت ثقيلة كحُزن الذي حفره.

-ألف مرة ومرة حدّثَتكَ نَفسُك بالفرار فتكسّرَ أنفك على البوّابة الحديديّة الخشنة. كم نامت على صدغَيك الصّفعات وشقّ السّوط ظهرك. وهدّدك الحرّاس بالقتل والتنكيل لأنّك مستباح ودمك مهدور.

7

حين أنزلوك القبوَ، وضعوك بين أربعة جدران ضيّقة تنزّ بالرطوبة، وأجبروك على تنظيف المجاري المعطّلة والمراحيض ولمّ أعقاب السجائر وعلى ظهرك تتثاءب وجبات السّوط.

-كلاب وأباء كلاب لا أكثر. من أين جاؤوا وكيف سرقوا البلاد وحوّلوها إلى ساحة سريّة للموت اليوميّ؟ من أين جاؤوا وأين كانوا قبل هذا اليوم؟

كلّ الأماني مرفوضة.

صاَدف أنّ سهوت ذات مرّة وحلمتُ حلمًا آخر بحجم القمر المدفون. فهَوَت على رأسك بندقيّة الحارس الليليّ وجرّك كالجيفة ثمّ أغلق عليك الباب في قبوك. ونِمت مرغمًا تحت وقع الضّربة الشرسة.

الحلم ممنوع.. ممنوع الحلم.

تلك هي الكلمات الوحيدة التي سمعتها. قبل أن تسقط.

كسوَتك يبست على جلدك. ست سنوات من روتين الاستنزاف ليست شيئًا بسيطًا. حلمتَ فيها حتى تعبت. وندمت بضعفٍ على أشياء أخرى.

وشوارع مدينتك المهجورة التي لازمت أوقاتك ومدّدت عليها لياليك الباردة تذكر جيدًا ملامح وجهك البحرية.

تكوّم في جسده كالحلزون المفطوم.

-أنت الآن تذوب في دمك. تعوي في بطنك براميل الماء والصابون التي شرّوها لك بالقوة لكَي تعلن عن القائمة التي في رأسك. يستكين بينَ جروحك المفتوحة حلمُك الساقط في سلّة المهملات. وحين كان الدم ينزف من كلّ أطرافك أدركتَ أنّك ستموت في هذا العفن قبل مطلع الفجر.

-وإذا متّ، ماذا سيكون؟ هل ستغيّر الأرض دورتها؟ الكلب خيرٌ منك. والقانون لن يصاب بهزيمة بعدك لأنه وُجد لحماية من أهم أكبر منك.

8

تحسّسَ الحائط من جديد. الدار أصبحت شيخًا هرما تطارده الأيام. حرثَته التجارب اليومية.

-أوف. تشجع. دق الباب. دق ولن تخسر شيئًا. وجهك الثاني خلف هذه الألواح التي أكلها سوس البحر الأعمى، سكون روعة التتويج بحجم هذه الآلام وهذه الذاكرة. دق، دق، فلن تخسر شيئًا.

طك.طك. طك.

لا تعرف كيف هوت يدك بتثاقل شديد على الباب.

فجأةً بدا لك كأنك تسمع نشيدًا بحريًا يأتي من قريب! تزحلقت عيناك إلى الضوء الذي يسكن البحر. بدا لك كأن أنغاما شعبية تتعالى، كان يردّدها أناس زُرق سكنوا البحر والقوارب.

هيلا هوب. هيلا هوب

بحر. وحياة. وحب

هذي نجوم وقمرا

راني جيتكم في عيني بشارة

با البحارة يا البحارة يا البحارة.

ساد بعدها سكونٌ كبير. شعر بحزن عميق يشوّه كل ما تبقى من ملامحه، فالزمان الأول مات ولفظ وراءه زمنًا موبوء.

-إيه. الحاج المنتفخ ربما كان يلهث في هذا الظلام ليضم إلى أسطوله قوارب الصيادين الأخيرة ويبيع جهدهم في السوق فقد تنبأ العرّاف حين قال قبل سنين:

-عندما يذهب جاك سيبقى الحاج.

لن يتوقف الرحيل.

(استدرت قليلا. تراءى لك الحلم يتسع أكثر ويتخذ شكل خارطة جديدة بشكل البحر).

كانت الشوارع الراحلة بصياحها موصدة بالجثث المشروخة في زحمة الليل. أيدي الصيادين تتشابك في شكل أقل ما يقال عنه أنه رائع. تستعيد القوارب ولون البحر والأغنية الجميلة.

حكمة قديمة كان يردّدها الجد الذي ابتلعه البحر ذات ليلة:

-النهر حلم الفقراء. البحر حلم الغرباء. والليل ذاكرة العشاق.

-أنت تحفظ هذا جيدًا وتردّده موحدًا لأنك تجمع بين الهجر والفقر. وأكثرُ خلقِ الله عشقًا للحياة.

9

طك.طك.طك.

أعدتَ الدق بسرعة أكثر. فتح الباب بهدوء تام.

سيّدي.

-…..

سيّدي. هل تريد شئيًا. نحن مثلك لا نملك شيئًا نعطيه لك، إلا بعض الدفء إذا كنتَ بردانًا وخائفًا من الرعود والأمطار؟

تحدّثت امرأة متعبة، عند عتبة الباب، أيامها منهكة، سوّستها السّنون. بين تجاعيدها القمحيّة سكنَت أزمنة تقاوم الموت. تكفّل شعاع الشمعة وفحمة الليل برسم ملامحها.

سيّدي

هي. لم تتغيّر إلا قليلا.

سقط على واجهة عينيها كوكبا متوهجًا. أشرقت على إثرها كلّ الأحلام والمدن الزرقاء.

10

حاولتَ مسح ذاكرتك عبثًا.

ثمّ فجأة فتحت عينيها. رأتك خلف اللحية الكثّة التي سرقت نور وجهك وخارج تجاعيدك الكثيرة. ضمتك بعنف وتكورت تقيم في صدرك وشمًا أخضر.. وانهارت على جسدك بحرًا وأشرعة في مهب الريح.

حين التقيا للمرة الثانية وكان كلاهما يجر قطارا من السنين المتعبة. زالت كل الفواصل والحدود. وعاد كلاهما يرتب وجه الآخر ويشكل في عينيه بحرا وخارطة الوطن الهارب.

-لن يتوقف الرحيل.

-ذاك الزمن الأول. وهذا الزمن الثاني، وسينبت الزمن الجميل.

واتسعت أجفانهم البحرية تحاول نسيان سنين الفقدان والخديعة.

-هل هي مجرد كابوس يشبه الخديعة أم أكثر؟

وربما كانت شيئا آخر. لقد سرقوا منك كل شيء. الوطن. عمرك. زوجتك. أبناؤك الذين ماتوا في غيابك. سرقوا منك إمكانية أن تحب.

عليك الآن أن تتعلّم كلّ شيء من جديد. أن تعلم قاتلك كيف يصبح إنسانا. ستقول له أن الحرب انتهت وعليك أن تتفرغ لبناء أرض أصبحت رمادًا، ورمّلها الورثاء.

الورثاء؟ احذر أن تقول هذه الكلمة. سيتهمونك بالشيوعية، الكفر، الإلحاد، القومجية، بالإيمان المدسوس، الخونجية… لا يهم. لا تقل شيئًا وعلم قاتلك فقط أن يراك إنسانًا مثله.

سمعتها تتمتم:

-ها قد عدتَ وهذا كلّ ما يهمّني. سنرمم أنفسنا مع الأيام.

أغمضت عينيك وتهاوت في دوامة بكاء مرّ لم تعرف مصدره.


* (كُتبَت القصّة عام 1977 وهي مأخوذة من المجموعة القصصيّة أسماك البر المتوحّش، دار الجمل، 2010).

فصل من رواية رغوة سوداء

(7)

وضع الحقيبة في الصندوق بخفّة، وانطلق يلتقيها في الجهة الأخرى، غير أنّ الجندي قبالته أشار له بالعودة وهو يتفرّس في الشاشة أمامه. تحرّك السّير في الاتجاه المعاكس فخرجت الحقيبة من الجهاز والكلّ ينظر إليها وإلى صاحبها بريبة. تحرّكتْ مجدداً وغابت في صندوق التفتيش الآلي. عبر الرجل ينتظرها في الجانب المقابل، لكنّ الجنديّ أعادها من حيث أتت مجدداً. أراد أن يسأل فوجد الجنديّ قد انشغل بالحديث إلى زميله. تقدّم قليلاً فتلقّى إشارة صارمة بالبقاء مكانه. التفت إلى زوجته فوجدها قد تجاوزت التفتيش وظلّتْ تنتظره بقلق.

كان الصّف من بعده قد استطال، وبدأتْ أصوات التململ تعلو، فما كان من الجندي إلا أن أمره بالتنحيّ جانباً ليُخضع حقيبته لتفتيش يدويّ، وأشار لمن بعده بالمرور. مرة أخرى، نظر الرجل إلى حيث تقف زوجته. كانت شاهدة على ما يجري، ترصد إذلاله في عيون المسافرين من حوله، فيما جنديان وبحذر شديد ينثران محتويات الحقيبة على الملأ، وهما يرمقانه بنظرات متشكّكة.

“تفضّل”.

استفاق داويتْ على صوت جنديّ بعد أن كان منشغلاً بما يحدث للعربيّ في المسار المجاور. خشي أن يلاقي مصيره، وهو يضع حقيبته بتردد في جهاز التفتيش الآلي، وينتصب متحفّزاً ينتظر عبورها ببطء وهو يتمعّن في ملامح رجل الأمن التي ظلّت على هدوئها. أمسك حقيبته والتفت إلى الجنديّ يترقّب قراره، فوجده يُشير لمسافر آخر بالعبور.

عاد بنظره للعربيّ. كان لا يزال على حاله، يقرض أصابعه بتوتّر وهو يرقب أغراضه تتناثر، قبل أن تأتيه الإشارة أخيراً بلَملَمتها، فيما المسافرون إلى جواره يعبرون واحداً تلو الآخر دون أن يستوقفهم الجهاز أو الجنديّ.

شعر داويتْ بالتعاطف مع الرجل. ربما لأنه يعرف تماماً طعم الإذلال، وقد جرّبه في بلده أول مرة قبل أن يعتاد عليه في مخيم إنداغابونا الذي وصله وهو يتقافز من السعادة رغم إنهاكه في رحلة هروب طويلة من “الوادي الأزرق” إلى شمال إثيوبيا.

كانت رحلة يائسة لا تحتمل سوى خاتمتين؛ إما الوصول إلى الوجهة الأخيرة، أو القتل على يد رجال الأمن. ومع هذا فقد أقدم عليها “داود” حين تساوى عنده الموت والحياة في معسكر التجنيد الإجباري. لذا حين عبر الحدود، رفقة عشرات، كان على خلافهم تماماً؛ فقد توقّف لينظر وراءه. أراد أن يستشعر حقيقة النجاة، حقيقة مفارقة الإذلال إلى الأبد. هناك خلف تلك الجبال البعيدة التي استنفدتْ طاقته وهو يتسلّق بعضها ويلتف خلف الآخر، تقع إرتريا. ليس ثمة حنين داخله على الإطلاق. كان الحنين يتساقط من روحه مع كل خطوة يخطوها في الاتجاه المقابل. كان يتطهّر بالبعد عن الوادي الأزرق، يُفرغ رصيده من القهر في محاولة العودة إلى روحه قبل أن تلتصق بها النتوءات والندوب.

“هيا.. بسرعة.. من هنا”.

على مدخل انداغابونا كانت ثمة حاجة أخرى للنجاة، هذه المرة من جنديّ إثيوبيّ يرشد القادمين بسوطه للاصطفاف بطريقة صحيحة. أخطأ السوط داود لكنه أصاب امرأة خلفه حرمتها المفاجأة فرصة الهرب بعيداً. اصطفّ الجميع بشكل حلزوني أتاح استيعاب أعداد كبيرة أمام مكتب التسجيل، بينما كان الجنديّ لا يزال يمارس متعته في تقويم الصفوف، أو بعثرتها إذا استقامتْ بمعزل عنه، ويتفنّن بساديّة في رسم انحناءاتها بسوطه الثقيل.

كان مكتب التسجيل بمثابة بوابة للمخيم المترامي الجهات. خلفه تتناثر خيام متفاوتة الأحجام غالبها مهترىء بحيث لم يعد سهلاً رؤية الشعار الأزرق المطبوع على واجهاتها يشير للمفوضية الأممية لشؤون اللاجئين.

يمر الوقت دون أن يأتي دور داود، مع الحشود الكثيفة التي تصطفّ أمامه، وبطء إجراءات مكتب التسجيل، والشمس التي تقف فوق الرؤوس مباشرة. جلس على الأرض، تشاغل برسم دوائر اعتباطية على الرمل، مرّر يده على السوار الصوفي الذي يتعاقد فيه اللونان الأبيض والأسود حول معصمه. أغمض عينيه، رأى سواداً، فتحهما فأوجعته الشمس التي كانت تنتظره عند الحدقات. وضع رأسه بين ركبتيه، رفعه، أعاده ثانية، ولم يتغيّر شيء، لا يزال بعيداً عن مكتب التسجيل.

“لا تخبرهم أنك مسلم”.

قاوم داود فضوله كي لا يلتفت لمصدر الصوت الخفيض. بقدر ما أراد أن يتابع حوار شابّين خلفه، خشي أن يمنعهما انتباهه من المواصلة. 

“منظمات الهجرة لن تلتفت لملفّك. سمعت هذا كثيراً. سيخلقون الأعذار دون إخبارك بالسبب الحقيقيّ”.

كان داود يعرف أنّ إنداغابونا مجرد مخيم استقبال، وأنّ ثمة فرصة ضئيلة لإعادة التوطين في دول أوروبية، بينما يتوزع البقية على مخيمات دائمة داخل إثيوبيا، وهذا ما جعله يتمنّى لو يشارك في الحوار، لو يستفسر أكثر، لكنّ الحديث الهامس كان علامة على سريّته. عمّ صمتٌ، وداود يخشى أن يكون الحوار مستمراً دون أن تلتقط أذناه أحرفه الواطئة.

“وما العمل؟”.

أنقذه سؤال الشاب الآخر، واستنفر حواسّه. استغلّ تعديل جلسته ليكسب بضعة سنتيمترات إلى الوراء، وظلّ متأهباً ليسمع الإجابة التي تأخرتْ قليلاً قبل أن تأتي:

“افعل مثلي. لقد تخلّصتُ من أوراقي الثبوتية، واخترتُ اسماً مسيحياً”.

قبيل الغروب، كان داود يقف أمام مكتب التسجيل، ينفض ما علق بملابسه، وهو يستمع إلى السؤال الموجّه له. أطرق يتأمل الورقة الخالية، والقلم الأزرق المصوّب عليها، رفع نظره قليلاً إلى اليد السمراء نافرة العروق، ومنها إلى الوجه الغاضب الذي ينتظر الإجابة. كرّر الموظف سؤاله بحنق، فيما ديفيد يمرّر يده من جديد على السوار الصوفيّ الذي يتعاقد فيه اللونان الأبيض والأسود، قبل أن يملأ الموظف خانة الاسم وفق ما سمعه:

“ديفيد”.

“بوه نِليخ”.

تبعت المجموعة القادمة من غوندار إشارة فتاة ترتدي بزة زرقاء وتحمل لافتة مكتوب عليها “بيتا إسرائيل” بالعبرية والأمهرية. هذه الكتلة البشرية السوداء المذهولة بدتْ قادمة من حقبة سحيقة، وأثارت اهتمام العابرين الذين توقفوا على الجانبين للفرجة، فيما أخذ بعضهم يلتقط الصور.

داويتْ كان في الوسط، يُحكم غطاء رأسه كي يحجب أكبر قدر من ملامحه. لم يتخلّص بعد من إحساسه بالانكشاف، لا يزال يشعر أنّ ملامحه تجذب الأنظار إليه، تُنادي على العابرين لتخبرهم أنّ اللصّ هنا، وبحوزته كل الأدلة على جرائمه.

سارتْ المجموعة في طريق نصف دائرية انتهتْ بباب زجاجي ما إن فُتح تلقائياً حتى تعالت الصرخاتْ وعمّ الضجيج. لم يتبيّن داويتْ ما كان يجري. ارتبكتْ المجموعة، أراد بعضهم العودة إلى الداخل، غير أنّ المنظمين أمروهم بمواصلة السير.

“لاما بأتِم؟ لاما بأتِم؟”.

اخترق صراخ فتاة بيضاء أذن داويتْ، وهي تسأل بحرقة عن سبب مجيئهم إلى إسرائيل. التفتَ إليها، فوجدها تنظر إليه بحدة، اختارته دون غيره لتصوّب عليه نظراتها الغاضبة. لم يعد يسمع صراخها، كان يتتبع عروق رقبتها الخضراء المنتفخة، وهي محقونة بالحقد. حين وصل أقرب نقطة منها، أشاح ببصره، وأسرع يتخطّاها تاركاً صراخها يحاول اللحاق به. ما إن ابتعد قليلاً التفتَ يُعاين ما يجري خلفه، فاصطدم بحقيبة وأوقعها من يد صاحبها الذي سرعان ما دفعه وهو يشتمه، قبل أن يميل على سيدة بجواره وهو يتذمّر:

“هالعبيد عبّو البلد”.

دون أن ينطق، رفع داويتْ يديه قرب رأسه معتذراً وهو يبتعد مسرعاً، قبل أن تستوقفه ملامح الرجل؛ فقد كان هو نفسه ذاك العربيّ الذي فتشه الجنود بطريقة مهينة.

حين استدار يواصل طريقه ليلحق بالمجموعة، وقع بصره على لوحة زرقاء تُنير بأحرف عبرية بارزة:

بروخيم هبائيم ليسرائيل”1.

[1]  العبارة باللغة العبريّة وتعني مرحبًا بكم في إسرائيل

لم يمرّ على زواجي سوى ستّ سنوات حتى بدأت أتعب وألهث، خصوصًا لدى صعودي الأدراج، اعتقدت أنّه تعب طارئ سينتهي، ولكنّه استمر وتفاقم. بعد الفحوصات الكثيرة قالوا لي “إنّ عضلة القلب واهية، لا مفرّ لك من قلب جديد وإلا…!”.

حدث تراجع خطير بأدائي لمهامي المُهمّة، وأخطرها الواجبات الشرعية.
حتى أن أم العيال الرؤوم قالت لي بلهجة تهديد “ازرع قلباً جديداً وإلا…!”
انتظرت العملية أكثر من عامين، وتدهورت حالتي أكثر، وبطريقة ما بُلّغتُ أنه عليّ تقديم رشوة للمسؤولين في المستشفى، كي يُعجلوا لي بقلب جديد وإلا..!

قرّرتُ رفض تقديم الرشوة مبدئياً، حتى ولو فطست، وتمسّكتُ بحقي بالحصول بشرف على قطعة الغيار التي يحتاجها جسدي، فتعقّد الأمر وبات من شبه المستحيل حصولي على ما أريد.

حينذاك اكتشف الوالد أن له قريبًا تلاعبت به العواصف منذ نكبة الفلسطينية الأولى إلى أن رمته أخيراً في الدنمارك.

باع الوالد قطعة الأرض الأخيرة التي نملكها، بالإضافة لتبرعات من أهل الخير، وسافرت إلى قريبه في الدنمارك، وبأسرع مما توقعت حدث ما تمنيت، فقد ارتطم أحدهم بكاسحة جليد بسيارته وكف مخيخه عن البث والإرسال فانتزعوا قلبه السليم وزرعوه مكان قلبي السقيم.

زارتني في المستشفى صديقة (فيلكس) صاحب القلب، واعتبرت أن لها حصة منذ الآن في جسدي، وهمّت بي تعانقني وتقبلني فبادلتها المشاعر نفسها وبحماس كبير.
منذ غُرس قلب فيلكس في صدري، لم يعد بإمكاني كبح مشاعري التي فاضت بكل الاتجاهات، ولاحظت أنني صرت أسقط في شباك الحب والغواية بسهولة، وصرت أتذكر قلبي القديم السقيم فأقول بمرارة “لعنك الله من قلب جاف سقيم، لقد كنت حائلاً بيني وبين السعادة”.
لن أنسى فضل هذا الدنماركيّ ما حييت، والذي ما زالت صديقته تراسلني عبر الإنترنت، فتسألني عن أحوال قلب صديقها (فيلكس) وتكتب: “آمل أن لا تتعبه يا (عبدل)، وما زالت ترسل له بطاقات معايدة في ميلاده، وفي ذكرى أول تواصل جسدي بينهما إذ تكتب” في مثل هذه الليلة تضاجعنا وكنا سعداء على كومة ثلج يا حبيبي”. الغريب أنني حين كنت أقرأ رسائلها يتسارع نبض (قلبه)، ويكاد يقفز من صدري، وكأنه جزيرة ذات حكم ذاتي داخل جسدي.

صرت أحبّ المعلبات من اللحوم والأسماك والألبان والأجبان الدنماركية، والتي ما كانت تخطر لي على بال في فترة القلب القديم، أدمنتها، أما الانقلاب الحقيقي فقد ظهر في مباريات كرة القدم، فبعد أن كنت منحازًا تلقائيًا لفرق العالم الثالث، مثل الكاميرون وإيران ومصر، فقد وجدت نفسي متورطاً بتشجيع المنتخب الدنماركي بحرارة، وهذا أزعج الأصدقاء والأقرباء الذين اعتبروه تراجعاً مبدئيًا وموقفًا عدائياً لحركات التحرر وممالئاً للاتحاد الأوروبي ذي الموقف الهلامي من قضيتنا، وسال لعابي إذ رأيت على رف إحدى الحوانيت زجاجة فودكا عليها صورة لوعلين وكأني أعرفهما، ولولا لطف الله لصرت مدمناً للفودكا. وتوقع أهل بلدي المتشائمون كعادتهم أنني سأموت بسرعة، وقالوا بسذاجة “هذا القلب الإسكندنافي لن يلائم جسد عبد الله اليعربي، واكتشفت أن أحد الشعراء الأصدقاء بدأ بنظم قصيدة رثاء عمودية لحضرتي كي لا تأخذه وفاتي على حين غرة، وكي لا يبدو ركيكاً عند إلقائها في حفل التأبين الذي سيبادر هو نفسه لإقامته فقط كي يلقي القصيدة، ولكنني خيّبت ظن الشاعر وأبناء بلدي الكرام، بل وصرت أشيّعهم واحداً تلو الآخر فأكسب بهم أجراً، وكثيراً ما سمعت في الجنازات بأذنيّ “توقعنا هذا لعبد الله وليس لفلان”، ونكاية بهؤلاء الذين توقعوا لي الرحيل السريع، ذهبت إلى شركة تأمين جدّية وأمنت على قلبي بل على كل أعضاء جسدي، وتبين لي أن شركات التأمين تحترم القلوب الإسكندنافية ومستعدة لتأمينها لمدة خمس سنوات تجدد بعد الفحص، بينما ترفض تأمين القلوب التايوانية أو الإفريقية، علماً أن أبحاثاً أكّدت جودة القلب الإفريقيّ رغم رخصه، وتسربت أنباء تقول إن مفاوضات سرية جرت بين مؤتمر الوحدة الأفريقية وشركة سيمنز الألمانية التي تنوي احتكار القلوب الأفريقية نظراً لرخصها لزراعتها في صدور الأوروبيين والأمريكان. صرت أطرب لموسيقاهم التي ما كنت أطيقها من قبل، وتحمّست لهم في مسابقة الأغاني الأوروبية، وفي يوم ما ودون تنسيق مسبق وجدت نفسي أدخل السفارة الدنماركية وأهتف بحرارة وبلا وعي مني (بالروح بالدم نفديك يا اندرسون)، وتبين أن اندرسون هذا كان مرشحاً لرئاسة البرلمان الدنماركي في حينه، ولم أصح من هذه النوبة، إلا حين تدخل حارس السفارة الذي ظنني مقبلا على عمل إرهابي، فأهنت وصُفعت وفُتح ملف ضدي ولم يشفع لي ولم يطلق سراحي إلا قلب (فيلكس)، فقد تدخل السفير الدنماركي في تل أبيب، وعانقني بحرارة، وقبلني بالضبط تحت خصلة ثديي الأيسر بعد أن تفهم دوافعي، إلا أنه وأثناء عودتي وقع لي حادث طرق مروع، لم أصح منه إلا بعد اسبوعين، كان الحادث قد حطمني تماماً وأصيبت معظم اعضاء جسدي حتى الخصيتين والعضو العزيز، وتدخلت شركة التأمين فوراً وبلا مماطلة فأرسلتني إلى عدة أقطار للعلاج، بدأت بأمريكا فرجعت منها أطول بتسعة سنتمترات من طولي الأصلي إذ حصلت على ساقيّ لاعب كرة سلة، ثم عرجت إلى بريطانيا فحصلت على ذراعين في حالة جيدة ولم يعبهما سوى شامة لفتاة عارية نُقشت على الذراع اليسرى، وحصلت على كليتين من أصل هندي، أما الخصيتان والعضو العزيز فمن رجل هولندي تنازل عنهما نهائياً، بعد أن قرر الانتقال إلى معسكر الجنس الآخر، أما اللسان فقد سُحب من بلعوم مومس فرنسية، وأُحضرت لي عينان ذهبيتان رائعتان لراقص سامبا من البرازيل. هكذا عدت كما كنت، وربما أفضل حالاً من الأصل.

إلا أن المشكلة التي لم أتوقعها هي أنني بدأت أتأخر بالرد عندما ينادونني باسمي (عبد الله)، وصرت أنتبه للكثيرين يقولون لي لماذا لا ترد! ألا تسمع بأننا نناديك! كنت أسمع اسم عبدالله، فألتـفــت حولي معتقداً أنه شخص آخر غيري! بعد التشاور خرج الأصدقــاء والأحباء بقرار، لا حل إلا أن ندعوه عبده فيلكس ، وسيعرف أنه المقصود! وبالفعل صار قلبي ينقز عندما اسمع هذه التسمية وأنتبه فوراً..!
خلال اشهر اعتاد الناس على اسمي وشخصيتي الجديدة، حتى والديّ اللذين أبديا في البداية مقاومة شرسة، رضخا للأمر الواقع واضطرا أن ينادياني بالاسم الجديد.. عبده فيلكس! عندما لفظها والدي أول مرة التقت عيناي البرازيليتان بعينيه المخضلتين، كان في صوته رجفة وحزن، وكان يرتعد كأنه قابض على جمر وهو يسمع طريقتي الفرنسية في لفظ الكلمات حتى  خلته سيتقيأ، أدركت أنه أدرك أنني لم أعد عبد الله نفسه ابنه، وفلذة كبده الذي خرج من صلبه، وبين فينة وأخرى أنتبه إليه يهذي عبد فيلكس فيلكس.. فيلكس عبده فيلكس فيلكس.


ֹ(نشرت في صحيفة القدس العربي، وصحيفة كل العرب).

اليوم هو الجمعة. ربما أكون مخطئة، فقد يكون السبت.‏

يا للحماقة!‏

لِمَ لا يكون الأحد أو الإثنين؟

ليس هذا بشيء يستحق التفكير أو حتى مجرّد النظر إلى التقويم الذي لم أعد أتذكر إلى أي عام يعود أو لماذا ابتعته.‏

كان صوته الشيء النديّ الوحيد الذي أثار اهتمامي وسط جفاف الأشياء ورتابتها. نداؤه هذا الصباح سحق كلّ هاجس أو فكرة. قال لي:‏

-أما زال هناك مكان لي في مخبئنا الصغير أم أنك مللت الانتظار؟

-غبت طويلاً.. طويلاً جداً.‏

-لكن عدت كما وعدت. قال هذا ثم اختفى صوته مخلفاً جواً من الانتظار العذب بعث فيّ دفء أيام الطفولة عندما كنا نقضي ليلة العيد وملابسنا الجديدة تشاركنا السرير، وارتقاب الفجر وقبلات العيد والأراجيح والحلوى والحرية الموعودة.‏

كلّ محاولاتي للتشبث بالوقت ذهبت مع صوته. لم يترك لي سوى الصمت وصوت احتكاك حبال أراجيح العيد.‏

كان الفجر هناك عند النافذة، يلملم نعاسه، تفوح منه رائحة شتاء متعب شعرت به يتسلل إلى داخلي حتى استغرقت في نوم عميق.‏

أحسست باطمئنان واثق، فالنوم هو ما تمنّيته منذ زمن بعيد. حلمت بأشياء جميلة. ليس مهماً ما هي، إلاّ أنها كانت جميلة بالتأكيد.‏

لم أكن أفكر بشيء يمكن أن يخدش تلك الأحلام لولا قرعات الباب القوية التي تجاهلتها أكثر من مرة استسلمت لها بعد أن فشلت في الإمساك بآخر حلم!

حاولت النهوض لمعرفة الطارق لكنّ ساقيّ خذلتاني.‏

تحسستُ جسدي. لم أستطع تحديد مكانه. فكان يرتفع تارة وينخفض أخرى والسرير هو الحد الفاصل بين الأعلى والأسفل..‏

شعرت بفراغ ثلجي يهبط إلى أعماقي وكأن تفاصيل الزمن التي أخذت بخناق الظلام وشكلت معالمي يوماً ما كانت معبأة في علبة انفتحت وتناثر ما فيها في غفلة من الأشياء.‏

انفتح الباب وأقبل نحوي شخصان لم أميز سوى جسديهما. كنت سعيدة بذلك النعاس اللذيذ الذي انقدت إليه بسهولة. لذا لم تكن لدي رغبة في معرفة الوجوه.‏

استفزتني نظرات أحدهما وهي تحدق إلى وجهي بعناد وقح. فتحت عينيّ. كان وجهه بلا وجه! لم يكن غير هيكل عظميّ مدّ كفّه العظمية إلى وجهي بتردد وأغمض عينيّ.‏

فتحت عينيّ برغم الأسئلة التي تزاحمت في رأسي. نسيت وأنا أنظر إلى ما تبقى من وجهه، أن أخاف أو أن أتكلم أو حتى أن أصرخ. لقد تجسدت الأفكار والتنبؤات والأشياء غير المؤكدة في هيئة هيكل عظمي توشح بالسواد.‏

أعاد النظر إلى وجهي بخوفٍ تغلغل إلى شرايين حنجرته فجاءت نبرته مرتعشة وهو يردد كلمات من خلال فكّين عاريين يرتجفان.‏

تجاهلت كل تلك الكلمات وتعلقت بخيط السعادة الذي تبثه في وهي تنظر إلى الوراء بترفع غريب.‏

كان قرص الشمس قد حضر أيضاً. كان جميلاً ومغرياً كرغيف حار تصوّرت أني أستطيع قضمه كما في الرسوم المتحركة. ضحكت من نفسي وأنا أرى الشمس تدغدغ وجهي. في لحظة ماء، لكنها غير معروفة على وجه التحديد، حملني الهيكلان العظميان إلى خارج الغرفة. استدرت، وجدت الشمس تغادر مكانها وتتسلل إلى داخل التقويم لتبقى هناك. فرحت، لأن ما ظننته قد حصل تماماً مثلما توقعت: أن نكون شيئاً غير مرغوب فيه وليس هناك ما يؤسف عليه.‏

كانت الشوارع شعثاء وكأن هناك حدثاً يموّه الأشياء، لنقل يجعلها أكثر سطحية. فتشت عن الآس الذي زرعناه عندما كنا أطفالاً حول مخبأ لعبنا إلاّ أني لم أجده. أتذكر أنه قال لي:‏

-عندما أعود سنجد الآس رفيقاً نداعبه ونحن نسير معاً.‏

أقسمت له حينها بأنّي والآس لن نكبر من دونه.‏

-والزمن؟ قال هذا بدهشة طفل ذكي.‏

سنختبئ منه بانتظارك.‏

خطر لي أنّنا وُلدنا في زمن موغل في القدم وأن الآس والانتظار ماض يداعب شغاف القلب والذاكرة، إنّا لم نكن صغاراً أو كباراً أو قد نكون نسينا الأيام خلف مخابئ اللعب.‏

منذ الوهلة الأولى، بدأ حاجز رهيب ينمو بيني وبين هذه المدينة الموحشة. كان الضجر يلف كل شيء.‏

رأيت صفاً يقف أمام محل قصاب اعتقدت أني أعرفه جيداً.‏

ناديته: يا عم! يا عم!‏

لكنّه تظاهر بعدم السمع وعندما استدار لم يفعل سوى الانحناء.‏

كان هيكلاً عظمياً هو الآخر!‏

كنت أستنجد بالذاكرة والنسيان معاً وأنا أرى الليل قد جثم هناك بلا رحمة حيث تعرت الحياة وبدت فارغة إلاّ من الموتى!‏

‏أخذ الجمع العظمي المكتسي بالسواد يلتف حولي مشكلاً غمامة سوداء.‏

لم يكن يبدو أن أحدهم يعرف الآخر أو يكترث لوجوده. كلّ واحد منهم كان وحيداً بطريقة ما.‏

كنت قادرة على التكلم بصوت واثق وخلق كلمات جديدة.‏

تحدثت بكل ما أعرفه لكني عبثاً حاولت إيقاظهم. كانوا يثيرون حزني. شيء ما في داخلهم قد هرم وتحجر. كنت أقول لنفسي لا بدّ أن هناك شيئاً كبيراً مفقوداً.‏

كانوا لا يسمعونني. شعرت بصوتي مكسوراً حتى بكيت. توقفت عن البكاء. تذكرت أن الكبار لا يبكون! ترى لمَ على الكبار أن لا يبكوا؟‏

كانت أمي تقول لي: عيب عليك، “الكبار لا يبكون”.‏

منذ ذلك الوقت وصوت أمي يطاردني “الكبار لا يبكون”.‏

ربما ما زلت طفلة!!

كان الموكب الذي حملني يمر بأزقة وحدائق مقفرة وكأنهم بذلك يقولون لي “لا يوجد ما نحزن من أجله”.‏

“البرق يلمع أولاً ثم يهطل المطر”، سمعت هذا مرة. لكن البرق كان شديداً ولا مطر.. كنت يائسة وعلى وشك أن أغمض عينيّ عندما رأيت وجهه يطل مع الشهقات الأخيرة للبرق.‏

خجلت من التحديق إلى عينيه إلى ما لانهاية. كان حضوره كثيفاً كالمطر الذي بدأ يهطل. عندها سار بي الهيكلان العظميان بموكب إلى خارج المدينة حيث لاحت في الأفق أغصان آس. صرخت مهللة.‏

الآس أخيراً!!!‏

***‏

-داعبت وجهك بالآس لأوقظك. كنت تحلمين. أليس ذلك؟‏

فتحت عينيّ. وجدته جالساً على حافة السرير يحمل غصن آس.‏

-كنت أحلم بك. كنّا صغاراً.. بل كباراً. لا أعرف بالضبط.‏

كانت هناك مدينة هياكل عظمية. وكنت حزينة ووحيدة، وكـ… توقفت عن الكلام عندما رأيت ابتسامته تسكت الكلمات..‏

قلت له بخجل: أعرف أنك تسخر مني.‏

نظر إليّ بحنو ثم همس في أذني: أبداً. أنا رأيت هذا أيضاً.

 

عندما عادت سوزان من سويسرا كانت قد تركت ثلاثة أرباع جسدها هناك ولكن لم تكن تلك خسارتها الوحيدة أو الأهم وأظنّها لن تمانع لو قلتُ لكم بأنّ خسارتها لزوجها بمجرّد عودتها من هناك ليست خسارتها العظمى .
كنتُ أعملُ نادلاً في مقهى رخيص في الورديّة الصباحية وعندما تنتهي مناوبتي أتحوّل إلى زبونٍ يستمتع بالخدمة قبل أن أعود لغرفتي المتواضعة في ساعة متأخرة مستخدمًا درّاجتي الهوائية، وذات ليلة عبرتُ الشارع بالقرب من فتاةٍ نحيفة، وَبِمجرّد أن رأتني بدأت تَصرخ كأنّها شاهدت شبحًا.

 ارتبكتُ وسقطتُ عنِ الدراجة التي استمرّت بالحركة الى وسط الطريق السريع بينما أخذت الفتاة تضحك بطريقة هستيرية ثم هدَأت فجأة وقالت: “آسفة سوف أعوّضك. هذه مئة دولار ولكن لا تشترِ دراجةً بالمبلغ”.
“لماذا؟”
“لن ترغب بسماع القصة”.
“بل أرغب كثيرًا فأنا قطُّ قصص”.
“سوف تتوقف عن ركوب الدراجات الهوائية بعدها”.
” لا يهمّ. ثم إنّ هذا سوف يزيح دراجة أخرى عن طريقك”.

” طريقي. ههههههه سوف تكتشف أنّها ليست كذلك”.
اشتريت كوبًا من القهوة الساخنة من آخر الباعة المتجولين، وبدأت سوزان تروي قصّتها:
 “كان ذلك قبل شهر في مدينة لوسيرن في سويسرا. ترجّلتُ من الباص وأنا مسرورة بعد رحلة طويلة انحشرت فيها في مقعد الباص الضيق الذي أكل ردفيّ تمامًا”.

قاطعتها: “ولكنّك نحيفة جدًا”.
“دعني أكمل القصة. توجد مجموعة أكواخ على طرف بحيرة لوسيرن كنت راغبة بزيارتها لألتقي رجلاً فرنسيًا سمعتُ أنّه يمتلك قدراتٍ خارقة على تخفيف الوزن .

قاطعتها: “ولكنك نحيفة جدًا”.
” تبًا لك دعني أكمل القصة. يمكن الوصول للقرية عبر أحد القوارب او بالمرور من فوق جسر. ولكنّ الجسر كان يخضع للصيانة منذ سنوات وخيار القارب غير وارد لفتاة بدينة مثلي”.

نظرت اليّ محذّرة إيّاي من مقاطعتها، وتابعت قائلة :
“قررتُ الذهاب باستخدام دراجة هوائية عبر نفق ضيق كانت تستخدمه في الماضي عرباتُ نقل النبيذ وبما أنّ الوقت كان متأخرًا جدًا فقد قررت استئجار دراجة هوائية. لمحت شابًا يرتدي قبعةً فراء خضراء طويلة ويركب دراجة هوائية حمراء جبلية ودخلت فورًا بالموضوع وطلبت منه استئجار الدراجة .
ابتسم الشاب قائلا:
 “موافق، ولكنّني سأبيعها لك بمئتَي دولار! فأنتِ بدينة جدًا وربما تتسببي بكسرها، فالأفضل أن تشتريها مسبقًا”.

قاطعتها قائلاً: “ولكنّك نحيفة كشبح!”.
“اذهب إلى الجحيم ولكن دعني أكمل قصّتي. قدّمتُ للشاب مئتي دولار وتناولها شاكرًا وقبل أن يذهب قال: ‘لا تستعملي طريق النفق. لا تفكري بذلك حتى. انتظري حتى الصباح او دوري حول البحيرة هذا أفضل‘. لم أهتم لكلامه وركبت الدراجة ودخلت النفق الذي لا يتجاوز طوله نصف كيلومتر، وخلال دقائق كنت قد خرجت منه تقريبًا ولكن عند المخرج تمامًا شعرت بشيء غريب. كنتُ أبذل جهدًا كبيرًا وعجلات الدراجة تدور ولكنّني لم أكن أتحرّك. إسفلت الشارع كان يتحرك ولكن بدون أن أنتقل من نقطة الى نقطة وسرعان ما اكتشفت أن الأمر يماثل أن تقود دراجة مثبته على حزامٍ لنقل الحَقائب” .
” لماذا لم تتوقفي؟”
“حاولت، ولكن كلما توقّفت عن تدوير البدالات كانت الدراجة تغوص في الاسفلت ولم يكن أمامي سوى الاستمرار. كان الارهاق يقتلني بينما كان الشارع يتحرك كالحزام الناقل وقبيل الفجر ظننت أنّني اقتربت من الموت فقد كان يظهر من الظلام أشخاص أعرفهم يلوّحون لي بأياديهم ويقولون :
“مرحبا سوزان”. ثم يبتعدون يأخذهم الاسفلت المتحرك بعيدًا ويظهر أشخاص غيرهم وهكذا”.
” وكيف انتهى الأمر؟”
” استمرّ الأمر لساعات، وفجأة بدأت الدراجة بالحركة لم اعرف السبب ربما توقفت الآلة العملاقة التي تحرك الطريق وعندما خرجت من النفق كنت قد خسرت ثلثي وزني وبدوت كطفلة ترتدي ثياب جدتها” .
” ما نوع هذه الالة”.

لا أدري ومن قال إنه توجد آلة، أنا أحاول فقط أن أتخيل الموضوع ثم إن الدراجة اللعينة تلاحقني في احلامي كل ليلة. أنا اركض في نومي هربًا منها”.
اخترقتني قشعريرة وأنا أودّع سوزان . التفتُّ ملقيًا نظرة على دراجتي المحطّمة للحظة واحدة وعندما نظرت إلى سوزان كانت قد تلاشت تمامًا .
لم ألتقِ تلك الفتاة الظلّ مجددًا ولم أعد أركب الدرّاجات الهوائية أما المهرّجون بالقبعات الخضراء فلم أحبّهم في يوم من الأيام حتى قبل سماع هذه القصة .

 

 

رغم سنواتي العشر، إلا أنني كنت قادرًا على استيعاب أنّ أمرًا جللاً وقع. كانت والدتي تغلق باب غرفة نومنا في كلّ مرة يُفتح، كي لا نسمع ما يدور من همسٍ مضطرب في الصالة. لم تكن “جلسات” كهذه تتم في المنزل إلا في الأمور الجسام، ولم يكن باب غرفة الأطفال يُغلق أثناء قعدات القهوة والبابونج، بل على العكس: كان دائمًا مفتوحًا على الصالة، وكانت نساء الحيّ والعائلة يتناوبنَ على تقبيلنا في كلّ مرة ندخل ونخرج، والجملة نفسها لا تنفكّ تتردّد:

“الله يحميهن”.

يبدو أنّ أختي كانت تفهم أكثر مني، بسنواتها الاثنتي عشرة، وربما بحدسها الأنثويّ الذي بدأ يتفتح على واقع الحياة من حولنا، فكانت تنصت باهتمام عبر شقّ الباب وكان الخوف يسيطر على قسمات وجهها في كل مرة يعلو اللغط، فتهرع إلى عمق الغرفة وتجلس إلى المكتبة الصغيرة وتنهرني بحدّة:

“سوّيت وظايفك؟”

كان الهمس من حولنا يحمل من مرة إلى أخرى كلماتٍ مثل “عزارة” و”بهدلة”، إلا أنّ اللغط كان يزداد عندما يُسأل السّؤال نفسه، من مرة إلى أخرى، وبحدّة مُريبة كانت تبعث الخوف في طفولتي القلقة:

“يعني هيي لازم تحكي؟ الله يفضحها!”

كانت “العزارة” في الحارة قد انتشرت، وحتى حين لم أنجح في صدّ تسديدة الكرة صوب “مرماي” في ملعب الحارة، لم يوبّخني أحد من “الكبار” ولم يطلبوا عزلي عن مهمة حراسة المرمى كما كانوا يفعلون دائمًا. كان الانتباه مشدودًا إلى “العزارة”، وكانت الأحاديث تغلب على اللعب، حتى إنّ “رئيس الشلة” تنازل في النهاية عن لعبة “الجُول” اليومية، ليجلس إلى “الكبار” وليتحدّثوا عمّا حدث، ليس قبل أن يشعل سيجارة وينفخ دخانها بسنواته الست عشرة، ونحن “الصغار” نتحلق من حولهم، مُصرّين على سرقة ما أمكن من المعلومات والتفاصيل عن هذه “العزارة”، وكيف تبدو وما معناها.

وعندما انذهل معظم المحيطين بي من جملة “كبيرنا” الحذرة: “كان يحط إيدو…”، لم أتورّع عن الاندهاش مثلهم، مع أنّني لم أفهم ما تعني هذه الجملة. ثم صرخ الجميع مرة واحدة: “لا؟؟”، حين قال كبير الشلة وهو ينفث دخان سيجارته:

“تحت الكلسون!”

تأخر أبي تلك الليلة في العودة إلى البيت، وكانت أمي تنتظره عند “البرَنده” المُطلة على القرية، وتدخن بقلق، بينما كانت أختي تتمتم بهمس هي وابنة عمي التي اختارت أن تبيت عندنا الليلة، حيث شكّل هذا المبيت لديّ علامة أخرى على هول المصاب؛ إذ أنّنا كنا نبيت عندهم ويبيتون عندنا عندما يتوفى شخص في العائلة.

هل مات أحد؟ ولكن أين بقية أبناء وبنات عمي؟ ولماذا التمتمة تحت اللحاف؟ وأين أبي؟

عندما سمعتُ صوت الشاحنة ارتحتُ قليلا. بعد أقلّ من دقيقة كانت دعسات أبي المألوفة وهو يصعد الدرج تتضح أكثر وأكثر، ثم سمعت أمي تعود من المطبخ مصحوبة برائحة القهوة العربية الدافئة. صمتت أختي وابنة عمي وصرنا ثلاثتنا، من دون تنسيق، نحبس أنفاسنا ونحاول التقاط أية كلمة تأتي من “البرندة”- بلا نجاح يُذكر.

لا أعرف كيف انقلبت الآية، ولكن الحركة دبّت في العائلة اليوم التالي، وبدأت أشمّ رائحة “شعط” الدجاج والأرز المطبوخ ورائحة “الفقعية” والكبة، وفجأة كان عدد كبير من أطفال العائلة يتجمّع في بيت كبير العائلة، ومن حولنا رجال كُثر ونساء كثيرات. أنساني الطعام واللمة الهائلة لجميع أنواع مسدسات “الطقيع” و”الفشك” والبواريد، أيّ تفكير بأيّ أمر شغلني بشأن “العزارة”، وطفقتُ أركض مع الراكضين وألعب مع اللاعبين وأموت مع المطخوخين.

حين وقف كبير العائلة بدأت جميع النساء تنهرنا بعنف وخوف غير مسبوقيْن، حتى إنّ خالتي العصبية ضربت ابن خالي على خده كي يصمت، فتنبّهنا إلى جدية الموقف، فأنصتنا رغمًا عنا. تحدث كبير العائلة عن أمور لم أفهمها، ولكنني استطعتُ أن أفهم “عيلة وحدة” و”بسيطة”. كان جميع الرجال يهزّون رؤوسهم موافقين، وعندما انتهى كبير العائلة من خطبته تقدّم نحو أحد الرجال كنتُ أناديه وقتها “عمي”، كما كنت أنادي جميع الرجال البالغين، واحتضنه وقبّله. ومن بعده توالى جميع الرجال على احتضانه وتقبيله، وفجأة انطلقت زغرودة حامية ومن بعدها “إيويها” مجلجة، مضطربة بعض الشيء.

حلّ صمت مهيب حين تقدمتْ إحدى نساء العائلة وهي تجرّ فتاة خلتُها في عمري أو أكبر قليلا، ووقفتْ أمام “العمّ” المُحتفى به وطلبتْ منها بحزم، والاثنتان تبكيان بخوفٍ:

“بوسي عمّك!”

في الليل، وأمي تغطيني، سألتـْها أختي:

“يعني خلص؟”

تطلعتْ إليها أمي وقالت بحزم:

“تروح تتخيّب! شو هيّي أول وحده؟ بدّا تخرب العيلة؟ إوعك بحياتك تجيبي هاي السيرة أو تفتحي هيك موضوع! فاهمة؟”

تمتمتْ أختي بكلمات قدّرتُ أنها خضوع تام لمطلب أمي.

أطفأتْ أمي النور في الغرفة، ثم نظرتْ إلينا بحبّ هائل، وقالتْ بهدوء وهي تدمع:

“الله يحميكُن”.

 

أنينُها..

جذبني إلى المكان، كنت مرهقًا، نظام العمل الجديد كان يمتصّنا إلى آخر قطرة حياة في شراييننا ولكنّ سوء الظن بما يكون عليه الموقف، “سبب الصرخات والأنين والتوجع المكتوم”، هو الذي أعاد لي شيئًا من الحياة وجعلني أندفع نحوها كالسّهم.

كانت وحدها، تحت نخلة، أمام دكان مهجور، حولها قاذوراتها، ولو أن الظلمة حالكة في الزقاق إلا أنها كانت تحت شعاع متسلل من لمبة بالشارع العام، مضاءة بالقدر الذي جعلني أرى وجهها الأغبر وتقلص عضلاته الصغيرة واحمرار عينيها وهما تضيقان وتتسعان في آلية  مؤلمة مثيرة للإشفاق وكأنها في وحدتها وظلمتها تستشفق شياطين الظلمات، انزلقت نظرتي إلى موضع كفّيها، وكانت تضغط بهما بطناً منتفخة تحت أسمال بالية ، وعندما رأتني، صمتت فجأة وهي تحملق في وجهي بعينين ثابتتين ووجه بارد خال من أي تعبير كوجه مومياء فرعونية.. ثم قالت بكلّ براءة:

– هل تستطيع أن تولّدني..؟ الطفل سيشقّني.. سأموت اذا لم تفعل..!

قلت لها دون تفكير..

– لماذا لا تذهبين إلى المستشفى؟!

ابتسمت ابتسامة زيتية داكنة ثقيلة.

– لا أستطيع المشي، ولا املك أجرة التاكسي، أيضا لا يمكنني ان أدفع للمستشفى.. لا يوجد في الكون شيء من غير قروش.

أصدرت مواء باهتاً ثم غابت عن الوعي وهي تهذي كالسكرى. وأحترت فيما أفعل، وأنا لا املك غير خمسة جنيهات (للبص) العام للبيت، والساعة تشير الي العاشرة والنصف، بعد نصف الساعة فقط ميعاد حظر التجوال، ولأنني مرهق من جراء كنس السينما وغسلها لا أستطيع حملها على ظهري، ولو حملتها فلا يمكن ان تقبلها المستشفى ولا توجد مستشفى لله في هذا البلد.

– همس في نفسي صوتٌ لم أستطع أن أتبينه، أصوت ملاك هو أم صوت شيطان رجيم..؟

– ما لك أنت؟ ربّها الذي خلقها قادر على ان يجد لها مخرجًا.. أقدر على نفسك… نصف ساعة وحظر التجوال.. ألحق آخر بص… وغداً الصباح تعال لتجدها قد أنجبت صرصوراً كبيراً قابعاً قربها يستكشف العالم من حوله بقرني استشعاره وعينيه اللامعتين..

خطرت لي فكرة، وهي أن أحاول حملها إلى رصيف الشارع العام ربما وجدتها الدورية وتأخذها إلى الحبس وتحضر لها قابلة او طبيباً على نفقة الحكومة.

أخذنا عسسُ حظر التجوال معاً..

ربما كان الطبيب على شيء من الحق، فلقد كانت متسخة وقذرة رائحة افرازات المرض الجنسي الذي أصيبت به قوية نافذة ولا تحتمل اطلاقاً… لذا طلب الطبيب من عاملة النظافة ان تقوم بإزالة شعر عانتها، بقمله، صنانه وإفرازاته النتنة… وأن تغسل هذا الجزء جيدًا بالمياه الدافئة وصابون “الفنيك” وتضع مادة “الديتول” المطهِّرة عليه.

ثم مضى يستفرغ أمعاءه عند المغسلة لاعناً اليوم الذي درس فيه الطب وعِلم النساء والولادة.

قالت لي العاملة:

– ساعدني.. أرجوك

– قالت هي: أنا أموت

انتهرتها العاملة مغتاظة:

– موتي.. موتي أريحينا واستريحي

عندما باعدت عن ساقيها المتّسختين البنيّتين المنقطّتين بآثار الدمامل، وغابت في شبه اغماءة مستسلمة لآلام المخاض ولذة وجع الطلق.

حينما ظهرت مخالبه الأمامية، صغيرة ، بيضاء، طرية وناعمة، كنا أنا والعاملة مندهشين وغارقين في غيبوبة فنطازية لزجة موقعة في وعينا بموسيقى الرجي المتسربة إلينا من مكتب الصحة المجاور، صرير الجرذان هدير البحر، نعيق الغربان، السوداء، هفهفة شجرة النخيل الباسقة المتشامخة خلف شباك المكان، رعد مفاجئ، ثرثرة هلامية تنبعث من مسام الجدران وفراغات السُرر، قطع الاقمشة الثقيلة البيضاء، القطن الدامي المتناثر هنا وهناك.

فجأة أحسَسنا بالبرد ونحن نرى رأسه المستطيلة تعانق فراغ الحجرة، عليها شواربه السوداء الدقيقة غارقة في مخاط لزج شفيف وهلامي، قالت لي عاملة النظافة فيما بعد:

– كنت أحسّ بالأشياء تتوهج وكأنما حطّت عليها أقمار مضيئة صغيرة.

قلت:

 – امتلأت حينها بكلامٍ غريب ثقيل غير مفهوم، كان يخنقني.

بطلق أخير قفز خارجاً رشيقاً نشطاً، وكأنما نغمات موسيقى الرجي كانت توقع جريان الدم في شرايينه البكر.

أثبّتُ في أقوالي لإدارة المباحث الجنائية ان التراتيل القرآنية، هديل الحمائم، أناشيد المحبة.. ما كانت تأتي من مصدر محدد ولا يمكن أن ندّعي في إمكان أي واحد منا أن يموسق جمود الزمن.

في تلك اللحظة تساقط رطب النخلة، غرد عندليب، هوت نجمة اضاءت مشارق الدنيا، عندها فتح عينين سوداوين متفائلتين، نفض عن نفسه المخاط، بهزات عنيفة متتالية نَبَح وذلك أمر مؤكد قبل أن يقفز عبر النافذة الي الرصيف.

 

لا يذكرُ ختيارية البلد حادثًا شبيهًا مثل ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة. الحياة الرتيبة توقفت. التساؤلات كثرت. امتلأت الحارة بالغرباء. سيارات من كلّ الألوان والأنواع مع صحون كبيرة على سقفها. الكل يتساءل ما الذي حدث؟ هل هي حرب جديدة؟ الأولاد يقولون إنّ هذه الصحون هي لاقطات تلفزيونية تنقل الصورة فورًا من هنا إلى كل التلفزيونات حتى التي في أمريكا. هذا الكلام غير مقنع. أيام العجائب انتهت. الأولاد ليسوا مثل أيامنا. “أكل ومرعى وقلة عقل”، قال ختيار بألم وأضاف: “كنا في جيلهم نزن نصف وزنهم اليوم، ولكن عقلنا كان أكبر”.

توجس الجميع: “ما هذا الهجوم على الحيّ؟ هل وجدوا جاسوسًا؟ كلّها قضية ضد رائحة قاتلة من حظيرة خنازير..؟”

 وصل عشرات الرجال مع كاميرات طويلة وقصيرة، وصبايا يركضن حولهم مع أجهزة مختلفة.

 بقالة الحارة، استفادت وباعت في اليوم ما تبيعه عادة في أسبوع وأكثر، ورغم أن البيرة من المحرمات، إلا أن الطلب المتزايد عليها من الغرباء، والتذمر من عدم وجودها في بقالة الحارة، اضطرّ صاحب البقالة إلى إحضار عدة صناديق من المشروب المكروه، بعد أن استغفر ربه مرات كثيرة، وبيعها بالمفرق لقليلي الدين، بسعر مربح جدًا، وكان يذمهم في سره وهو يستلم أثمان المشروب الذي حرمه الله. ورغم مقاطعة بعض الأهالي لدكانه، بسبب وجود محرمات إلى جانب البضاعة الأخرى، إلا أن البيع ازداد أضعافًا والربح في الأسبوع الواحد أفضل من سنة كاملة، والمسألة تحل بفتوى من شيخ الحارة بعد انتهاء مشكلة رائحة الخنازير وما جَرّته القضية من ضجة واهتمام وكثرة الوافدين للبلدة. ولولا أن الرائحة حقا صعبة، خاصة في ساعات الليل، لتمنى بقال الحارة أن لا يتغير الوضع. ولكنّه يفضّل الصّمت. ولكنّ السّر الذي يخفيه بقال الحارة أن بعض شباب البلد صاروا يشترون البيرة من بقالته، بدل الذهاب للمدينة القريبة، ويخفونها داخل الأكياس، ليشربوها على أطراف البلد حيث لا رقيب ولا حسيب. ولم يكن من مصلحته أن يكشف الأسرار، وفلسفته تقول أن لكل إنسان حسابا عند ربه، وليس عند البقال.

 وصلّى صاحب المخبز إلى ربه أن تطول الحكاية لسنة كاملة حتى يسد دينه المتراكم من تجهيزات المخبز الجديدة، وبدأ يحضر كميات أكبر من مناقيش الزعتر ومناقيش الجبنة، بل وساعدته أم الأولاد على خبز بيتسا بالجبنة الصفراء والبندورة، وحمد ربه ألف مرة على الخير الدافق، ولولا الحياء لحمد السلطة التي رخصت مزرعة الخنازير على الأرض المصادرة على أطراف البلد.

 وانفردت أسارير صاحب كيوسك الفلافل الذي رفع السعر كما لو كان على الشارع العام، وتمنى في سره أن تظل حظيرة الخنازير حتى يتحسن حسابه البنكي ويزوج ابنه البكر.

 حتى صاحب المقهى صار يبيع القهوة للمراسلين والزوار من المؤسسات وجمعيات الرفق بالحيوان بكؤوس بلاستيك صغيرة ب: ” 2 شيكل يا بلاش”.. ثم رفع السعر إلى 3 شيكل، لأنها فرصة لن تعود. ولكنه تساءل ما علاقة الرفق بالحيوان بأهل الحي ورائحة الخنازير، ولم يستطيع أن يجد أي علاقة فاستغفر ربه من طارئ مجهول.

ولكنّ الحق يقال إنّ أحدًا منهم لم يتخلف عن المشاركة في الاحتجاج على إقامة حظيرة خنازير على ارض البلد المصادرة. وأفتاها صاحب ألبقالة بقوله:” البزنس بزنس” ولم يفهم عليه معظم أبناء البلد القصد من كلمة “البزنس”، فانتشرت التفسيرات المتناقضة، وأعجبها أن البزنس هي دمج بين كلمتين: “بز ونس، أي النهد والنساء”.. حيث أن الصبايا الراكضات بين مصوري التلفزيونات، شبه مكشوفات الصدر، ونهودهن المهتزة عبر الفانلات الخفيفة تشد الأنظار ويشربن البيرة مثل الرجال. وهذا من مميزات الحدث الكبير الذي أثار هذا الضجيج حول الشكوى من رائحة الخنازير.

كبار السن قالوا أن ما يجري من أحداث، وتدفق العديد من الشخصيات وذوي المناصب والصحفيين ورجال الجمعيات، والالتصاق بأجهزة الراديو، لعدم تفويت نشرات الأخبار، يذكرهم بالانقلابات العسكرية العربية التي كانت تتوقف الإذاعات ليقرأ أحد الضباط البيان العسكري الأول باسم مجلس الثورة، ولا يمضي شهر آخر وإذا الإذاعة تصدح ببيانٍ عسكريّ أوّل جديد عن انقلاب عسكري جديد ومجلس ثورة جديد. وصار العربي كلما حدث خلل، أو صمت لبضع ثوان في الراديو، يتوهم أن البث توقف للإعلان عن انقلاب عسكري جديد، فيقرب أذنه لسماعة الراديو حتى لا يفوته خبر الانقلاب العسكري الجديد وتفاصيله وأسماء الجنرالات الجدد، ولكنّ المميز الوحيد الباقي في الذاكرة من الانقلابات العسكرية العربية، أن ما كان يتغير من لغة البيان، فقط أسماء الجنرالات الذي شكلوا مجلس الثورة الجديد، بدل الجنرالات الخونة السابقين. وكان والدي، رحمه الله، يقول بسخرية:” ما أكثر الجنرالات عند العرب.. كلما ازداد عددهم ازداد ضياعنا. كثرة بياناتهم العسكرية توهم السامع أنهم مشغولين بالحروب ضد أعداء الوطن، ويبدو أن المواطن صار يفهم تكتيكات الحرب، أفضل من أكبر جنرال.” واليوم عندما استعيد أقواله، وأستعرض هزائم العرب في الميادين العسكرية والاجتماعية والسياسية والعلمية والأخلاقية، أعرف تماما ما كان يقصد، أو الأصح ما كان يحس به!!

الانقلابات لم تجلب للعرب إلا رؤساء مؤبدين في الرئاسة، زادوا فقر الشعب وطوروا بجدارة أجهزة الأمن والقمع إلى جانب الأغاني الوطنية التي تشدو بإنجازاتهم غير المعروفة إلا للمغني وكاتب الكلمات والملحن، لدرجة أن البعض يظن أن المغنيات ساحرات الجمال، وظهورهن شبه العاري المثير لحماسة الشباب، هو الانجاز العبقري للانقلابات العسكرية في مجال تطوير الفن وعروض الصبايا الجميلات!!

أما ذلك الحدث في البلدة فكان انقلابًا من نوع آخر، لا عساكر فيه ولا جنرالات إلا إذا اعتبرنا قادة الأحزاب المتدفقين على البلدة التي كانت شبه منسية، جنرالات سياسيين.

أجل كان انقلابًا أشغل البلد والدنيا كلها.. وامتلأت الصحافة بالأخبار والتقارير، وتسابق المراسلون الصحفيون من التلفزيونات، وشبكات الراديو ومراسلي الصحف العربية والعبرية والأجنبية لتغطية الحدث، رغم أن الحديث عن بضعة من عرب البلاد، في بلدة شبه منسية، في بلاد كان اسمها فلسطين وصارت إسرائيل، لم يعد باستطاعتهم تحمل رائحة الخنازير المنبعثة بقوة من حظيرة الخنازير المحاذية للبلدة والمقامة على أراضي السكان المصادرة…

هل لأنّنا عرب حقّنا مغموط دائمًا؟

هذا السؤال ملأ فضاء القرية، وكالعادة أنكرت السلطة أي علاقة قومية بموضوع إنشاء حظيرة خنازير على أراضي القرية التي صودرت من أجل الصالح العام. وقال ناطق حكومي انه “لا علاقة بين اقتراح قانون منع العرب من القيام بفعاليات بذكرى النكبة، وحقهم بالاحتجاج على رائحة تعمل الحكومة بكلّ طواقمها المختصة 24 ساعة يوميا لإيجاد حل للمشكلةّ. وانه حتى لو أقرت الكنيست إسقاط مكانة اللغة العربية كلغة ثانية، حسب مشروع القانون المقدم للكنيست، فمن حق السكان أن يرفعوا شعارات بالعربية، وهذا لن يعاقب عليه القانون لأن إسرائيل دولة ديمقراطية”.

هذا التصريح الخطير تناقلته كل وسائل الإعلام، وأثار غضب المستوطنين اليمينيين، إذ انه أثبت أن الحكومة تهتم بمطالب العرب أكثر من اهتمامها بمطالبهم، بتوسيع البناء في المستوطنات.

الراديو المحلي أرسل مراسلا مقيما ليرصد الحدث غير العادي. ونشر تقارير وتعقيبات كلّ ساعة تقريبا، عن مخاطر الروائح، وضرورة نقل السكان إلى مكان آمن، حتى لا يتأذوا من الرائحة. وان تفرض قيود تحدد عدد الخنازير المسموح تربيتها في الحظيرة، بحيث تجري السيطرة على نسبة الروائح المنبعثة من الحظيرة حتى لا تتجاوز المقاييس البيئية التي تتحملها صحة البشر، حسب معايير وزارة البيئة، وتساءل أحد قادة الاحتجاج في البلدة إذا كانت معايير الوزارة متشابهة بين مختلف البشر المواطنين في الدولة؟ وهل اصطلاح البشر يخص العرب في هذه الحالة؟ مما يعتبر تقدما عن وصف قاله زعيم سابق بأنهم: “حيوانات تدب على اثنين “. أو يكون الحل بنقل المواطنين العرب إلى بلدة أخرى، وتوسيع الحظيرة التي يزداد الطلب على لحوم خنازيرها، خاصة بعد الهجرة الروسية التي جلبت مليون إنسان جديد، وصارت مزارع الخنازير تشكل مصدرًا هاما لميزانية الدولة، لا يمكن الاستهتار به.

احد المستمعين تساءل عبر الهاتف لماذا لا تنقل الحظيرة إلى مكان غير مأهول بدل هذا التشاطر في إيجاد حلول لا تنهي المشكلة؟ وهل نقل السكان العرب جائز ونقل الخنازير غير جائز؟ أم لأننا عرب حقنا مغموط دائما في هذه الدولة، حتى الخنازير لهم أهمية أكثر منا… رحلوا الخنازير…

و..انقطع البث ووضعت بدلا منه أغنية وطنية للفنانة الوطنية الكبيرة هيفاء وهبي:

” ليك الواوا بوس الواوا خلى الواوا يصح

 لما بوستو الواوا شيلتو صار الواوا بح “

 وذلك تعبيرًا عن الواقع الأليم في الحي من رائحة الخنازير القاتلة التي تصلهم مع نسمات الهواء. ولم يسمح لذلك المواطن بالتعبير عن رأيه كاملا، إذ صدر أمر من مدير الراديو بقطع البث منعا لهذا التطاول الترانسفيري على الخنازير، ولم يسمح لذلك المواطن بالتعبير عن رأيه كاملا، وأضاف مدير الراديو توجيها يقول أن الأحاديث حول هذا الموضوع السياسي الخطير، يجب أن تخضع للرقابة قبل بثها حتى لا تقع أزمة في العلاقات مع السلطة، لأن أصحاب المزارع يهود، وقد يفهم الكلام بأنه طلب لتهجير أصحاب المزارع اليهود من المنطقة وليس الخنازير. ونقل الحظيرة لمكان آخر خال من الناس سيفهم رفضا للنظام الديمقراطي الذي يضمن حرية كل شخص في اختيار مهنته، بغض النظر عن قوميته أو دينه. والويل لنا من هذا الموقف العنصري إذ سيقال أن العرب يرفضون مجاورة اليهود…وسيكون ذلك تبريرا لرفض الحاخامات تأجير بيوت للعرب في صفد والقدس وحيفا وطبريا والناصرة العليا وكرمئيل ومختلف المدن في إسرائيل.

مواقع الانترنت نصبت كاميراتها ترصدا لما سيحدث. كان التوتر شديدا.

وأصل الحكاية….

بدأت الحكاية من شكوى للمحكمة باسم أكثر من مائة صاحب منزل، ضد صاحب مزرعة خنازير أقيمت على أطراف البلد، على أراضي صودرت بحجة إقامة مشاريع حيوية للمواطنين. ولكن السلطة أجّرت الأرض لمستثمرين يهود لإقامة حظائر خنازير بعيدا عن المدن والبلدات اليهودية، بدل أن تقام مدرسة حسب المشروع الأصلي الذي أعدته السلطة المحلية قبل مصادرة الأرض. وصار الهواء يحمل إليهم رائحة قاتلة تجبرهم على إغلاق شبابيك منازلهم ليلا ونهارا، والتشظي في حم الصيف القاتل. والمشكلة أن الحظيرة رخصت من وزارة الداخلية التي يديرها يهودي متدين يرى بتربية الخنازير وأكل لحومها تجاوزا لتعاليم التوراة، وتلويث الأرض المقدسة بما يغضب الرب ويوقف المطر، ويسبب الحرائق في البلاد، ويزيد من انتشار الأمراض القاتلة، ويزيد من الكوارث الطبيعية غير العادية، بل ويجعل النساء يلدن إناثا بدل الذكور، كما يقول بمعرفة وثقة طويلي اللحى والسوالف من الحاخامات الذين لا يرفض الرب طلباتهم، وهم مصدر موثوق للكثير من المواطنين.. ولكن القانون ليس ملك أيمانهم، وبما أن الحظائر أقيمت على أراضي الدولة التي استعيدت من الأغيار الدخلاء، أو “الصراصير المسممين” كما وصفهم رئيس أركان سابق للجيش. إذن لا مضرة من إقامة حظائر للخنازير، في المناطق التي يسكنها الصراصير، بدل أن تبقى في أيديهم، مما يشكل كارثة أعظم بعدم استعادة ارض الميعاد كاملة كما كانت مشيئة الرب. الأهم أن لحوم الخنازير صارت الأكثر طلبا في الأسواق اليهودية أيضا، خاصة بعد الهجرة الروسية الكبيرة، والمعروف أن ذلك يضمن لهم توفر الهبات والميزانيات الضخمة والخاصة، حتى لا تثير أحزابهم أزمة وزارية، مع حكومة العلمانيين ويواصلوا بالتالي دعم بقائها.

أحد أبناء البلدة المنكوبة برائحة الحظيرة، ادعى في المحكمة انه فقد من وزنة 10 كيلوغرامات كاملة خلال شهر واحد بسبب الرائحة القذرة وان الكشف الصحي يظهر فقرا بالدم. وهو متأكد أن السبب تلك الرائحة الرهيبة من مزرعة الخنازير. وان سائر سكان البلدة يعانون من مشاكل صحية مختلفة بسبب الروائح القذرة التي يتنفسها مع الهواء ليلا ونهارا سكان البلدة.

احدهم ادعى أن خطيبته أرجعت له خاتم الخطوبة وأساور الذهب وكل هداياه لأنها ترفض السكن في المنزل الذي بناه في البلدة المنكوبة برائحة الحظيرة، وان على صاحب الحظيرة تعويضه عن مصروفه من أيام الخطوبة، حيث تكلف مصاريف مطاعم وجولات في الطبيعة مع خطيبته، وأجرة مرات عديدة فنادق لنصف يوم، لنومة قيلولة الظهر، التي كان يضطر لها بعد الطعام الدسم في المطاعم..

امرأة من الحي المنكوب ادعت أن زوجها صار يبيت في حيفا عند عشيقة يهودية تعرف عليها، وهو صايع في شوارع حيفا هربا من الرائحة التي ابتلوا فيها، وأنها تطالب صاحب الحظيرة بتعويضها عن زوجها نقدا ومصاريف إيجاد زوج وزواج آخر.

وشهدت جلسات المحكمة صراعا كاد يتطور إلى الضرب بالأيدي لولا تدخل الشرطة لفرض النظام، واتُهم بعض العرب بالتحريض العنصري وجرى اعتقالهم تمهيدا لمحاكمتهم. وسببت أعمال الاحتجاج لسكان البلدة، مقاطعة يهودية، فكسد العمل في مطاعم الحمص والفول وكيوسكات الفلافل والشوارما. وبسبب منع التصوير داخل قاعة المحاكم، حسب القانون، فات المشاهدين عرض مصور قد يصلح للحصول على جائزة الأوسكار للفلم الوثائقي.. أو يكتفي بسعفة “مهرجان كان” الذهبية.

الضجة التي رافقت هذا النزاع هي أمر لا يصدق. وكان الكثيرون يرددون أن الخوف الأكبر أن تتجدد أنفلونزا الخنازير في العالم، من هذه المنطقة بالذات، بعد أن خبا جنون الخوف من هذا المرض الخنزيري في العالم. وسيكون أهل الحي أول ضحايا تجدد هذا المرض الفتاك.

وأصبحت أغنية شعبولا عن إعدام الخنازير نشيدا قوميا لأهل الحي يذاع من مسجلات البيوت ليلا ونهارا:

” كوارثنا زادت كارثة

 والوضع شكله خطير

قال يعنى كانت ناقصة

 أنفلونزا الخنازير”.

الصحافة المطبوعة تخلفت كالعادة في نشر تفاصيل الأحداث المثيرة عن سير القضية أمام القضاء، ومن تفاصيل شخصية أرفقها المشتكون ضد صاحب الحظيرة المستهتر بصحتهم. وما نشرته كان معروفا، وزهق الناس من تبادل الأحاديث حوله في السهرات.

موقع “العلقة” المشهور سبق الجميع بنشر مئات الصور لأهل الحي ولصاحب الحظيرة، بل ونقلوا صورًا للخنازير وكيف يجري شطفها يوميا منعا للرائحة المؤذية، وسجل لقاء مصورًا مع صاحب الحظيرة اعترف فيه أن المشكلة في خنزير واحد تضخم كثيرا، وازداد شراسة ووحشية، وصار الاقتراب منه يشكل خطرًا على العمال، مما سبب هذا الإزعاج المؤقت لبعض السكان، وأن رافعي الدعوى ضده وضد حظيرته جانبهم الصواب، لأن القضية تتعلق بوزارة البيئة، التي ترفض تخصيص ميزانية لإخلاء الخنزير الشرس إلى المسلخ. وأن عليهم استبدال الدعوى ضده بالدعوى ضد الخنزير الذي سبب هذا الإشكال.. وضد الوزارة التي لا تقلق كثيرا على البيئة في الوسط العربي، مما يشكل تمييزا عنصريا واضحا للعيان، وانه هو كيهودي صاحب مزرعة في منطقة عربية، ورجل مناضل من أجل السلام، يؤكد على وجود التمييز في هذا المجال فقط.

في تعليقات القراء التي تملأ عادة موقع “العلقة” اهتم المعلقون من جمهور المراهقين والمراهقات، كما يظهر من تعليقاتهم، بالحديث عن الصبايا والمغنيات ساحرات الجمال، وتبادل كلمات الغزل والتلميحات عن أماكن التواجد في أوقات معينة، بلغة تشبه لغة التشفير العسكرية. وهذا الأمر أقلق أجهزة الأمن من مخاطر تسرب أسرار الدولة إلى الأعداء في الخارج بلغة الشفرة التي طورها المراهقين. وبعض التعقيبات كانت مثلا السؤال: هل سترتدي ميرا التنورة التفتا القصيرة التي تسلب العقل؟ أو السؤال عن نوع البكيني الذي ستتجلى به الصبية منيرة على شاطئ البحر، وهل ستكون لوحدها، أم مع رقابة عسكرية من أمها وخالاتها وعماتها؟؟. وهل جدتك يا أم الشعر الأسود، حادة النظر أم نستطيع الاختلاء وراء التينة في حاكورة الجارة؟

وشاب سأل البنت التي اسمها يبدأ بحرف أل “ف ” إذا تلقت صورته الجميلة على الفيسبوك، ولماذا قطعت الاتصال به فجأة؟

وواحد ولهان قال ل “قمر الزمان” أن حمالة الصدر تشوه صورتها الجميلة، ورجاء حار أن ترسل له صورة جديدة بدون هذه الخرقة السخيفة على الصدر.

وقد بلغت التعليقات على الموضوع المقلق أكثر من ثمانين تعليقا، ولكن لم يذكر احد من المعلقين مشكلة الحي مع رائحة الخنازير. إلا معلقان اثنان، الأول استغفر الله العلي القدير، وطالب بتصفية عرقية للخنازير مثلما جرى في مصر، وقال المعلق الثاني بلغة عربية ركيكة أن الذي يقول هذا الكلام، عن تصفية عرقية للخنازير جبان، ولو ذكر اسمه الصريح في التعليق لتورط في محاكمة دولية لحقوق الإنسان في لاهاي.لأنه في الحقيقة يتحجج بالخنازير ليغلف كراهيته لليهود ورغبته بتصفيتهم!!

 وكتب صحفي غاضب في مقاله الأسبوعي يقول انه أرسل أكثر من تعليق جاد على الخبر والصور لموقع “العلقة”، إلا أن الموقع لا ينشر إلا التعليقات غير الجادة والتي لا علاقة لها بالموضوع المثير والمقلق لكل أهل البلد.

نترك العشاق يعلقون على مشكلة الخنازير، ونذكر أن ما قاله صاحب المزرعة بأن المشكلة هي من خنزير واحد، قد لفتت انتباه وسائل الإعلام المحلية والعالمية وتساءلوا لماذا لا يتم التخلص من الخنزير بمساعدة حكومية؟ وهل من ضرورة لكل هذه الضجة بسبب خنزير واحد شرس ذو رائحة مؤذية، يسبب مكارة بيئية للسكان، كما يدعي صاحب المزرعة؟ والأهم يثير ضجة عربية بحيث تبدو ديمقراطية الدولة مشكوك فيها، أو ديمقراطية تمييزية حصة اليهود فيها كبيرة وللعرب برارتها؟

 واقترح أحد المواطنين العرب بحماس، أن تحل المشكلة برصاصة في رأس الخنزير!

مقترح إطلاق رصاصة على رأس الخنزير كاد يتورط بقضية قضائية، إذ هددوا بتقديمه للمحاكمة بتهمة التحريض على القتل واللسان السيئ ضد الخنازير، وربما يتحايل بذلك على قتل صاحب الحظيرة أيضًا، مما يعتبر إخلالًا أمنيًا، وعملًا إرهابيًا قوميًا يعرض أمن الدولة للخطر، فسارع بنشر اعتذار رسمي في ثلاث صحف وعلى مساحة صفحة كاملة، دفع مقابلها من جيبه أجرة عمل شهر ونصف كاملين، معلنا انه لا يملك السلاح أصلا، وان اقتراحه كان غباء مطلقا منه، ويعتذر من الخنزير الضخم ومن سائر أبناء جنسه و”خاصة أعضاء جمعيات الرفق بالحيوان”، كما جاء في الاعتذار المصاغ بشكل خاطئ ومضحك، ومن حسن حظه أنهم لم يفهموا الجملة كما صيغت خطأ باللغة العربية. ويطمئن أصحاب المزارع اليهود، وجمعيات الرفق بالحيوان، انه لا ينتمي لأي منظمة إرهابية، أو معادية للسامية، وانه إنسان مسالم بل ومستعد أن يتبرع أيضا بيوم عمل تطوعي كامل في تنظيف الحظيرة تعبيرا عن ندمه وتراجعه عما تفوه به في لحظة فقدان للتفكير السليم. ولكن بعض نشطاء الأحزاب اعتبروا استعداده للتطوع نوعا من الخدمة العسكرية لدولة الاحتلال. فاعتذر أيضا لهم، وأعلن انه ضد كل أشكال التطوع، وقاتل الله التطوع والمتطوعين.

وهناك معلومات لم تتأكد بعد تقول أن المخابرات تفحص إذا كانت للمحرضين على قتل الخنزير برصاصة، أو بطرق أخرى، علاقات مع حزب الله وحماس أو مع حركات متطرفة أخرى..

صاحب المزرعة، تمشيًا مع أوامر وتوجيهات جمعيات الرفق بالحيوان، التي ترفض استعمال العنف مع هذه المخلوقات الوديعة وغير العاقلة، والتي تعتبر موردا اقتصاديا للمجتمع ولإطعام أكثرية أبناء المجتمع، قرر اقتراح جائزة كبيرة للشخص الذي ينجح بإقناع الخنزير الضخم والشرس، بطرق إنسانية لا غبار عليها ولا عنف فيها، بمغادرة الحظيرة بإرادته الحرة، ليجري تنظيف رائحته القاتلة.

وهمس مواطن عربي في أذن صديق له وهو يتلفت قلقا حوله خوفا من الآذان التي ترصد كل ما يتفوه به العرب: “لا يعنيهم الأمر، خاصة عندما تكون المشكلة بإطلاق الرصاص على العرب، أو هدم بيت عربي، إما التخلص من خنزير واحد أو حظيرة كاملة قتلتنا برائحتها فقد صارت مسألة أمنية ودولية، لأن صاحب الحظيرة يهودي والمتضررين عرب”.

الجائزة التي اقترحها صاحب المزرعة لا تتعدى ثمن ذبيحة واحدة من حظيرته الضخمة بعشرات آلاف الرؤوس، وقد صارت حديث المجتمع، ووصلت للبحث في البرلمان، وقام النواب العرب بالصراخ والمقاطعة، ووصفوا ترخيص الحظيرة بجوار البلدة العربية بالعنصرية والتمييز الفاضح، وهاجموا المتحدث باسم الحكومة بسبب تبريراته المضحكة بان الحظيرة توفر أماكن عمل للعمال العرب. وقالوا له تعال حضرتك وقف لساعة واحدة في شوارع البلدة المنكوبة، هل ستتحمل الرائحة القذرة؟ وجد لنا عاملا يهوديا واحدا يقبل هذا العمل الشاق والمؤذي صحيا. وسأله أحد النواب:” كيف تفسر تفضيل حكومتك العنصرية إقامة مزرعة خنازير بدل مدرسة، البلدة بحاجة ماسة لها؟ والأرض أصلا كانت مخصصة لهذا المشروع التربوي؟” مما اعتبره المتحدث تحريضا ضد اليهود أصحاب مزارع الخنازير. فاخرج النواب العرب من الجلسة، واسقط البحث بأكثرية أصوات الائتلاف ودعم المعارضة للموقف الوطني أيضا.

واحتلت مشكلة الرائحة الخنزيرية رأس نشرات الأخبار سابقة حتى الأخبار عن فضائح زعماء الدولة المالية والجنسية. مما خفف من كشف ما هو أكثر فساد. وسبقت حكاية الخنزير الأخبار عن مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية وتعثرها، وإمكانية إعلان دولة فلسطينية من طرف واحد. وتقدمت على أخبار الخطر النووي الإيراني، والجهود العالمية لمنع إيران من أنتاج السلاح النووي. بل وكادت البلدة تنسى ما يجري في سوريا من مذابح يرتكبها النظام ضد المواطنين، وأُغرق قائد أحد الأحزاب بالبصاق لأنه تجاوز الحدود حين قال أن ما يجري في سوريا مؤامرة صهيونية امبريالية لا تختلف عن مؤامرة إقامة الحظيرة قرب البلدة، وطرد شر طردة. وقال معلق القناة التلفزيونية الرابعة والنصف في إسرائيل أن مشكلة الخنزير وأهل الحي المشتكين من رائحته، تشبه حال العرب مقابل إيران فيما لو امتلكت الأخيرة السلاح الذري. وأن الضغط الإسرائيلي السري للقيام بعملية عسكرية تبيد المنشئات النووية الإيرانية هو لمصلحة العرب أولا، وعليهم أن يأخذوا نموذجا حيا من المشكلة البيئية القاتلة التي سببها خنزير واحد تضخم وعفن، وصار مشكلة لأهل بلدة عربية كاملة. وقال تصوروا أن النووي الإيراني هو خنزير ضخم جدا تقتل رائحته مواطني العالم العربي بسبب قربهم من الحدود الإيرانية.

 وتناقلت وكالات الأنباء الخبر عن المشكلة التي سببها الخنزير الضخم والشرس، ووزعته مع تعقيبات القناة الرابعة والنصف، وأثار الأمر موجة من التساؤلات، وحضرت طواقم تلفزيونية دولية لتسجيل التفاصيل والاستفادة من الخبرة الإسرائيلية المهنية في التعامل مع الخنازير وتربيتها وعلاقتها بالخطط ضد النووي الإيراني، وضد حزب الله وحماس. وطلب السكرتير العام للأمم المتحدة تزويده بالتطورات الجديدة التي ترد تباعا من الشرق الأوسط، وسأل مستشاريه إذا كانت من ضرورة لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي. وعقد مشاورات مع السفراء الممثلين للدول الخمسة الكبرى. وبرز بينهم السفير الروسي الذي ضحك بشدة من خلق مشكلة دولية بسبب خنزير واحد، معلنا استعداد روسيا لرفع الخنزير ونقله إلى المسلخ في موسكو، وإعداد وجبة ممتازة من لحمه يدعى لها قادة العالم، مع أفضل أنواع الفودكا الروسية. وقُدم الاقتراح لحكومة إسرائيل التي رفضت العرض الروسي، وردت بالشكر والاعتذار رافضة الاقتراح الروسي، لأن الروس في إسرائيل أولى بالمعروف وأحق بلحم الخنزير، ولا تنقص السوق المحلية أجود أنواع الفودكا، ومنها فودكا تصنع في أمريكا.

مقابل الحصول على الجائزة، توافد الكثيرون من خبراء تربية الخنازير في العالم وإسرائيل معلنين استعدادهم لإخراج هذا الحيوان من حظيرته وقيادته إلى المسلخ، وإعادة التفاهم اليهودي العربي بين المواطنين، والذي تضرر وسبب مقاطعة يهودية لمطاعم الحمص والفول بعد مطالبة سكان البلدة بإنقاذهم من رائحة الخنازير بإبعاد الحظيرة من حدود بلدتهم إلى مكان نائي لا يسكنه أحد.

وقف الخبراء بالدور لتجربة حظهم في تحريك الخنزير للخروج… ولكن سبعة منهم فشلوا وهربوا بعد لحظات من الاقتراب من الخنزير، بسبب رائحته التي تسطل وكأن الإنسان حقن بمخدر شديد المفعول.

هذا الأمر جعل الكثيرين يتراجعون. رفعت قيمة الجائزة إلى ثمن خمس ذبائح. تقدم عدد من الأشخاص، لم يفلحوا بالصمود أمام الخنزير، بل وواحد حاول سحبه فكاد يموت بأسنان هذا الحيوان الضخم والشرس، ونقل بطائرة عمودية على وجه السرعة إلى مستشفى “رمبام” في حيفا بسبب إصاباته الصعبة.

قال وزير القضاء أن وزارته فتحت ملفا للتحقيق في الوسائل غير المشروعة التي تقترح وتمارس لإخراج الخنزير من حظيرته.

وزير البيئة عبر عن خوفه من أن يتوسع الحي العربي في اتجاه المزرعة ببناء غير قانوني بعد نقل الخنزير للمسلخ، وهل سيلحق ذلك الضرر بالوضع الديموغرافي في المنطقة؟

أهل البلدة العرب عقدوا مهرجانا خطابيا، تحدث فيه زعماء الأحزاب مطالبين، بترحيل الخنازير، ورفعوا شعار “ترانسفير للخنازير فورا”، مقابل شعار ” ترانسفير للعرب” لأحد الأحزاب اليهودية. زعيم أحد الأحزاب العربية القومية طالب بإعدام الخنازير، ثم اضطر لمغادرة وطنه قسرا حتى لا يحاكم على ملايين الدولارات التي تلقاها من الخارج وأخفاها.. وألقيت في النهاية الأشعار وعقدت دبكة شارك فيها الأهالي والزعماء، ونحرت الخراف والعجول على شرف الزعماء. والمعركة تتواصل كما تصرخ عناوين الصحف، رغم أن أهل البلدة نحروا معظم قطيعهم لتكريم الزعماء الأفاضل، وتكريم بعض زعماء الدولة والأحزاب اليهودية على أمل إنصافهم وإيجاد حل لمشكلة الحظيرة وروائحها القاتلة، وذلك طبقا للسياسة العربية التي تقول: “اطعم الفم تختشي العين”. وقال زعيم حزب يميني متطرف إن الرائحة رائعة، فلماذا يحتج العرب؟ متجاهلا أنها رائحة الشواء الشهية التي أسالت لعابه.

والسؤال بعد نحر كل القطيع بمهرجانات الترحيب والخطابة، هل سيزور الزعماء البلدة لسماع شكاوي سكانها من مصادرة ما تبقى من أرضهم وتوسيع مزرعة الخنازير، في كل الاتجاهات رغم أنها تشكل آفة بيئية، وتسبب في وقف نمو البلدة الطبيعي، بل وحرمانها من أرض لبناء مدرسة جديدة باتت ملحة جدا؟

وحدثت مفاجئة غير متوقعة.. حتى الأجهزة الأمنية المختلفة فشلت في توقع الحدث الخطير..

في الواقع لا احد يعرف كيف انفجر الموقف.. يقال أن صداما حدث في فجر أحد الأيام بين أولاد توجهوا وهم يهتفون بشعار “الخنازير بره بره الأرض العربية حرة”” نحو الحظيرة. جاءت الشرطة لتفرقهم بالغاز المسيل للدموع، فإذا البلدة كلها تدخل المعركة دفاعا عن أبنائها وعن حقهم في التعبير عن ألمهم ومصيبتهم من الحظيرة وخنازيرها وروائحها القاتلة. واتسعت المواجهات العنيفة لتشمل البلدات المجاورة التي تدعي أن الروائح تزحف إليها وان أراضيها أيضا صودرت وربما لإقامة حظائر جديدة تشدد الحصار على بلداتهم وتذيقهم الأمرين من الروائح القاتلة…. والأهم حرمانها من تنفيذ مشاريع تطوير لبلداتها.. مما يشعرها بالاختناق غير المحمول.

المعارك بين المواطنين وقوات الشرطة لم تهدأ، واستؤنفت في اليوم التالي رغم اعتقال العشرات،

وصدرت الصحف على أثر المصادمات تغطي صورة ضخمة كل صفحتها الأولى عن المواجهات العنيفة بين الأهالي مع الشرطة، وعنوانا صارخا على امتداد الصفحة: انتفاضـــــة!!

 

  “رغم أني قد لا أفقدُ بصري بَيد أني سأزداد عُميًا لأنه ليس هناك من ينظر لي ويراني” ساراماغو.

يفتح سعيد الباب وهو مخمور، يقفز الأرنب الى الداخل، تبدأ الركلات، يعلو الصياح، من الطرفين:
 – ماذا تفعل هنا؟ إنّه مكاني..
ثم يُلفظ بركلة قدم عنيفة الى خارج جهاز التجميد الكهربائي العاطل…                          

تمتاز هذه البلاد بشدة التيار الكهربائي وقوته الفولتية العالية، لدرجة ان الأزرار الكهربائية لا تستجيب لك إذا ما حاولت اطفاء النور، فالكهرباء حصة إجبارية كالهواء، هنا شمس كهربائية دائما مشرقة ليل نهار، وتنعدم الانوار الخافتة تمامًا، مما تسبب بعطل أجهزة كثيرة، لعدم توفر الوسائل لصيانتها، لأن الصيانة تحتاج لإطفاء الجهاز وإلا تعرّض العامل لصدمة كهربائية.. 

واتخذت الدّور والمنازل والمستشفيات إجراءات مختلفة لتخفيف قوة الإضاءة عند اللزوم.. حيث اعتادت المستشفيات وضع علب كارتونية مطلية باللون الأسود فوق مصابيح الإنارة، ويتمّ دقّها بمسامير في الحائط لخلق جو من الظلام، وفي البيوت كان السكان يغطون تلك المصابيح المشعة بقطع من الخيش السميك، أو القماش الخشن الأسود مما ادى لارتفاع أسعار الأقمشة الخشنة السوداء…
 ويشعر سعيد بالظلم عندما طرد خارج بيته، يتربّع أرضًا ويضرب على فخذه اليُمنى…

 أنا الذي نظفت هذا البيت عندما كانت تنام فيه تلك القطة الملعونة، طردتها، وساعدني صديقي سمير، ومنحني بعض المنظفات، وقال لي عليك أن تنظف المكان، لا أفهم كيف يقوم قاسم اللئيم باغتصاب بيتي بكل صلافة دون ضمير؟ سوف أشتكيه الى الشرطة، إنّه حقي يا ناس، حقي.

قاسم نفسه كان صديقي قبل أيام، ما باله يكذب في صداقته؟ وأين أجد بهذا الليل القارص البرودة جهازًا آخر، ماذا فعلت أنا ليحدث معي كل هذا؟؟
يبدأ أرنب الرصيف بالنحيب والبكاء، يحاول ان يلم دشداشته البالية الممزقه حوله ليسد تلك الشقوق، يمسح دموعه، وفجأة كمن يتذكر أمرًا، يتلمس الوشم المخطوط على ذراعه اليُمنى، تبتسم دموعه بشحنة دفء غائب!

يتحرك الى الرصيف المقابل، إلى المقهى حيث نسي صاحبه أن يغلق المذياع قبل أن يخرج، يعلن المذيع: “سيتم التصويت في البرلمان على قرار توزيع الأراضي السكنية للمسؤولين يوم غد”.. يسحب بضعة أكياس مرمية قربه، يلفّها بين يديه لتصبح أشبه بكره، يتوسدها ويمدّد جسده على الأرض، يتنهد ويتنفّس الصعداء.. يغفو ويختلط صوت اصطكاك عظامه بالشخير، يضحك في نومه وتعلو قهقهاته، هل تراه يحلم؟  

 

الجسر

تستعد الوفود لزرع أحلامها في الرحلة المقبلة، و تركض براءة سمر خلف الأرانب الجميلة، يختفي أحدها في جحره، تبكي الطفلة، تنتظر خروجه… تخفض رأسها نحو تلك الحفرة الواقعة بين الأشجار محاولة البحث عنه، فأرانبها الأربعة نقصت واحدًا..
كانت النوارس ترفرف فوق دجلة، يفتح الجسر أبوابه للآلاف، رؤوس طرية لم يحن قطافها بعد، ورؤوس ثقيلة بالهمّ والحسرات، يا الله، يا معين، يا ناصر المظلومين، أعطنا المراد، نحن الفقراء المحرومين، إيمان تلف عباءتها العتيقة المتربة، وتدفع بالصغار أحلام وعمر ومحمد وزيد وعلي أمامها: تمسكوا بي يا أولاد.. نداء الرب ويتوجب علينا الطاعة، فباب الحوائج لا يرد أحدا.. يتحرك الصغار مع الوفود باتجاه الطريق.          

صداقة

يستيقظ سعيد صباحًا، يتجول في شارع المتنبي، كلهم رفاقه ولا رفيق لديه، يعطف عليه سمير الموظف في احدى المكتبات بكأس شاي وقطعة خبز:                                                           
– قسمًا بنهر دجلة والفرات، أنا لا أميز بينهما، سرقني قاسم وأنا نائم، كنت أملك بعض المال استيقظت ولم أجد بجيبي شيئًا.. قاسم اللئيم الذي اغتصب مني بيتي..
 – يا سعيد هوّن عليك، اليوم هو الجمعة، يوم رزقك سيعوضك الله، سنبحث لك عن مكان آخر… اسمع لقد ترك لك بالأمس أحد الأصدقاء دشداشة جديدة وبعض الطعام، عليك أن تذهب معي لتستحم وترتدي دشداشتك. 

– اليوم يوم عمل، واذا ارتديت دشداشة جديدة سيقطع هذا رزقي.. يا صديقي أنا أحبك لانك طيب ولا تسرق .. يصمت قليلا ثم يواصل: اسمع، بالأمس ذهبت مع صديق لي لنصطاد السمك، وإذا به كلما رفع سنارته فاز بسمكة سمينة كبيرة لكنّه يعيدها الى النهر، وكلما رفعت سنارتي حصلت على العاقول.. أو فردة ممزقة لحذاء قاسم الطنبوري… وعندما سألته: لماذا تفعل هذا؟ قال لي انه يملك إناء صغيرًا لطهو السمك، وهو يريد سمكة بحجم إناءه.

يضحك سمير…
– اسمعني… أُبشرك لقد سلموني 9 ملايين دينار، وقمت بترميم بيتي بعد انهياره….. لكن المسؤولين في الدولة يتركونني ويسافرون إلى مصر أو سوريا لا أعرف أين يذهبون؟ انهم يسافرون دائما، ويتركون قضيتي، رغم أن ملفي كامل، كلّ ما زلت أدين لهم ب 3 ملايين دينار !!
– ما هذا التخريف يا سعيد، أحاديثك اليوم غريبة؟  
– ضع لها المربى، تصبح شديدة الحلاوة هل اذهب واشترى لك منها؟ اعطني اذن المال فأنا لا أملك شيئًا…

 

صورة تذكاريّة                                                                                             
يتحرّك سعيد ليمارس طقوسه اليومية، يبدأ بالتوجه نحو نهر دجله، يرفع يديه، يقرأ الفاتحة، يمدّ قبضة يده اليمنى ليملأها بالماء، يقربه من أنفه يقبّله ثم يحاول إعادته إلى مكانه، يتلمس الوشم أعلى ذراعه، يلتفت فيستفزه مرورهم فلا يملك الا الصياح:
Why you inside?، تعالوا هنا لآخذ معكم صورة تذكارية.                                               
ثم يقفز وسط أصحاب البشرة البيضاء والعيون الملونة، وهم بصحبة بعض غامقي البشرة، يبتسمون له بحذر فينادي على سمير: تعال، بالله عليك، خذ لي معهم صورة تذكارية بكاميرتك.

يلبّي طلبه سمير وهو يبتسم.. لكن سعيد يضمر في نفسه أن يعلق تلك الصورة في المرافق الصحية بعد أن يبصق عليها مرات…
وأخيرا يخرج أرنب سمر من جحره يلعب مع رفاقه يختفي أرنب شارع المتنبي.. لا يعرف أحد أين يجده بالضبط، ربما يجلس في زاوية ما يشرب خمرًا.. يبكى حبه القديم.


وصيّة

إيمان لا تنسَي الدعاء لي، لعل الله يهديني فاترك الخمر، لعل قدوري صاحب المحل يرفع من أجرتي اليومية، بدل أن يهدّدني بالطرد، ولعل الله يُيسّر لي عملا بمكان آخر، أفضل من قدوري اللئيم، أنتِ تعلمين أنني حداد ممتاز، لولا الخمر.. أحب الخمر يا إيمان كما أحبك جدا، أوصيك بالاولاد ادعوا لى هناك، أطلبي المراد، أدخلي من باب الحوائج، واربطي لي تلك العليقة الخضراء بالشباك لا تنسي هذا، وانثري كل حوائجنا هناك، صدقيني الإمام موسى بن جعفر(ع) يحبني كثيرا، أنا أشعر انه سيشفع لي هذه المرة صدقيني، هو يعرف أنّني لم أسرق أحدًا، وأنني أحبه جدا،  اذهبوا برعاية الله …          

                                                           
عِش أنت

يمرّ موكب رجل أمن معروف بالبلاد، فيظهر سعيد، وما إن ينزل المسؤول من سيارته حتى يسير خلفه ضباط كثر، يذرعون شارع المتنبي باتجاه النهر، وعندما يقتربون أكثر، يركض الأرنب مسرعًا خلفهم وهو يردد بصوتٍ عالٍ: 

 “تن تن ترا تن تن ترا                             
عش أنت اني متُ بعدك                           
وأطل إلى ما شئت صدّك                                                                                                                                    
كانت بقايا للغرام بمهجتي فختمت بعدك”

يُغمض عينيه ويؤشر بيديه، ويندمج كليّة في غنائه، حاول بعض الضباط صدّه، ومنعه من السير خلفهم لكن أحدهم قال لرفيقه: دعه إنه مجرد مسكين، يسمعهم سعيد: اخرس ..اخرس أنت ولا كلمة. . يتجاهله الضابط، فيواصل غناءه..  


الحبّ الاول

أحببتُ فتاةً قبل ثلاثين عامًا تقريبًا، بصراوية جميلة كأنها هندية، اسمها سهير محمد، كنت أراقبها وهي تعمل في صالون للحلاقة النسائية، وأقضي يوميا ساعتين ونصف الساعة بانتظار خروجها من مكان عملها فقط لأتأملها من بعيد، حتى اعترفت لها بحبي وبقيت في علاقة معها عامًا ونصف العام دون أن  ألمسها، والله العظيم لم ألمسها، ذهبت معي الى حديقة الزوراء مرة واحدة وأحضرت لها الكبة، لكن أهلها أرغموها على الزواج من ابن عمها، الزمن جعل قصص الحب اليوم بشعة لأن الرجال أصبحوا شياطين الحب، إنهم (حمائر)….
هكذا حدّثني سعيد و رائحة الخمر تفوح منه، يترنح وبالكاد يسير، سكت قليلا ثم واصل من بعيد:

لكن ايمان…..

واغرورقت عيناه بالدموع ..واختنق صوته في جوفه، دار وجهه واختفى.       

  

حجيج

الجمعة يوم اقبال الحجيج الى شارع المتنبي، قوم يرمون الجمرات بأساليبهم المتنوعة، قُطِعتْ كل الطرق، فالوقت أيضا وقت الحجيج نحو الجسر باتجاه باب الحوائج، لكن طريق مكّة نحو الله بدأ من بغداد سلكه قميص عثمان …. قميص عثمان كان يرمي الجمرات أيضا…  
أيّ جمعة وأي طريق وأي جسر هذا خروج عن النص!؟ عثمان استشهد منذ آلاف السنين.. كلاّ عثمان استشهد قبل سنوات ..!  لا عثمان طفل بالصف الأول ابتدائي في مدرسة دجلة! 

 ويبكي سمير على ضفاف دجلة: “لستَ نعثلا يا عثمان”.. ما زال عثمان نجمة عراقية تطفو على النهر.

ماء ساخن

تنفش الأرانب فروتها، بعد أن نظفتها الصغيرة بأفضل المنظفات، وألبستها شرائط ملونة، تتدلّى منها أحجار ملوّنة في وسط كلّ منها خرزة زرقاء، وعندما يقرض احدها جزرةً كبيرة، تصفق الصغيرة مرحًا…

– أمي أرجوك ماذا يعني الدستور والمظاهرات؟ لماذا الناس بكل مكان يخرجون للشوارع يحملون لافتات، رأيت هذا بالتلفاز أمس؟..  

– يا حبيبتي الناس تطالب بحقوقها، بالحياة الكريمة حيث يتوفر لهم الطعام والدواء والأمان…
تسرح الصغيرة سمر وتدخل في نوبة تفكير عميق جدي…
يصحب سمير سعيد ليغتسل ويرتدي دشداشته الجديدة، يصرّ سعيد على عدم قص شعره الطويل.

 كباب.. كباب، اليوم لن أنبش بالنفايات سآكل الكباب.. مثل الناس المهمة جدًا..

وفيما هو يتناول طعامه حتى تفاجأ بماء ساخن جدا يُسكب عليه، صرخ وشعر بحرارة مرعبة تسري في جسده كلّه وتغلي من أطرافه السّفلى، الأرنب يرفس أرضًا يصرخ يصيح: أولاد الكلب، آخ آخ.
تمزقت دشداشته الجديدة، تناثر الاكل، والجلد خُلع من جسده،  خروف لحظة السّلخ، فروة الأرنب محروقة بالكامل، تطافر الدم، وسطل كبير فارغ مرمي…
تصفق الصغيرة سمر، عبرت أخيرًا أرانبها ما رسمته لها من طريق، أسمته هي الجسر عبرته بسهولة ويُسر.       

                                                      

قميص عثمان

يتدافع المحبون للقفز في قلب دجلة، تنتشر إشاعة: إرهابي بين الجمع المتراصّ، يسود هلع، ويتم الإعلان عن ثغرات جديدة للحوائج بباطن دجلة، تغرق الأدعية عنوة، قبل ان تبلغ الطريق المقصود، تطفو الأثواب، يرتدي دجلة عباءات سود، تتناثر الأحذية، تستنجد جموع غفيرة من جوف النهر: عثمان يا عثمان أقبل إلينا يا عثمان.               
يقفز عثمان يتبعه رفاقه، يتعلق النداء بالنداء والعباءة بالعباءة، حتى يثقل حمل عثمان، تسحبه الصخور، أكان يطارد السواد؟ هل أراد صفحة دجلة بيضاء؟…
إيمان وصغارها وآلاف آخرون ناموا برعاية قرش الحوائج.. حتى يبيض أخيرا وجه دجلة بقميص عثمان…..يضرب سمير على صدره ويصرخ:  ويحنا.. منذ ألف مضت وقميص عثمان ما زال يطفو فوق دجلة!   

لو أعرف من ذا الذي أحرقني لأحرقت بيته؟ ماذا يريدون مني هل أملك قصر شعشوع؟ لو سألوني لمنحتهم الدشداشة هدية عوضًا عن كل هذا.

 يبكي سعيد ويتوجّع، يقدم له سمير المراهم والأدوية، الجواهري يتقلب في مضجعه الأخير، ليخرج وهو يؤشر بأصبع السبابة نحو دجلة:    

“يا سكتة الموت يا اعصار زوبعة يا جنجر الغدر يا أغصان زيتون”…                       
يستجيب الطب العدلي في بغداد لنداء الجواهري، يعلن حداده تضامنًا، ويفتح جحورًا مبردة للأرانب الغارقة في دجلة، وللأرانب التي لم تولد بعد، لتدخل بيوتها دون ركلات. ويواصل سعيد قهقهاته في النوم رغم حروقه.  

                                  
مظاهرة

تسحب الصغيرة سمر ثوب أمها من طرفه: تعالي تعالي يا أمي انظري للأرانب بالله عليك..
تتحرك الأم نحو الحديقة وهي تقول لابنتها: يا ابنتي طلباتك زادت كثيرا هذه الايام ..

تتفاجأ بالأرانب تركض في الحديقة وتحمل على ظهورها أوراقًا ملفوفة بشرائط ملونة، تفتح فمها من الصدمة غير مصدقة، تقترب من الأرانب أكثر، تقرأ بخط متعرج العبارات التالية على تلك الاوراق: 

 -أريد جزرة كبيرة                                       
 -أريد أرنوبة ألعب معها                                        
– أريد سريرا انام فيه                                   
– أحبّ سمر جدا                                    
تغرق الأم بالضحك: يا سمر ما هذا؟ مظاهرة للأرانب؟ … ثم تضرب راحة يدها بالأخرى قائلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا بد أن نتخلص من هذه الأرانب قبل أن تصابي بالجنون. فأنت كل تفكيرك بات محصورًا فيه، فيما الصغيرة تصرخ..

                                                
سيأتي الربيع

أنا كرهت الدنيا ولا أريد لأحد أن يكره الدنيا، الحياة جميلة، هنالك الربيع الذي سيأتي للعراق رغم الخريف، يؤشر بكف يده نحو النهر وينادي: أبو أحمد أبو احمد احذر قاربك يحمل الكثير من الناس احذر معك أطفال.

يتلمس ذراعه وهو يبتسم بحزن لبعيد، يرفع كُمّ قميصه الرث لانظر الوشم: قلب كبير مخطوط  فيه اسم ايمان زيد عمر أحلام محمد علي.                        

تركني سعيد وتوجه لقلب شارع المتنبي وهو يصرخ: أريد وسادة، قررت اليوم أن أنام على وسادة لن أنام على الرصيف.. أريد وسادة.. أريد وسادة..

ضحك بصوت عال وهو يستلم الوسادة من أحدهم، رمى بها على الرصيف، تمدد ثم وضع رأسه فوقها، صار يضحك ويبكي بنفس اللحظة، وقال: إن الحياة لا تستحق الاحترام.. فقط الحب.. وأغمض عينيه.. أغمض عينيه الى الأب ..

 …
ما زالت أرانب سمر تتظاهر في الحديقة، لكنها تحمل هذه المرة لافتات كَلّا للرحيل…