the short story project

search

خرج الغراب “ج” من كهفه البلاستيكيّ الغارق في القاذورات. دلف إلى الشارع المعبّد بخطى تتعثر وأنفاس متكدّرة ومقتضبة. القرص المضيء كان يرتفع من فم الأرض و”ج” كان يمشي وسط النعيب الوحشيّ لأبناء جلدته.

على جانبيّ الطريق المؤدي إلى الحفرة حيث يعمل كان هناك الكثير من الغربان. غربان تتناسل كاشفة عوراتها لأشعّة القرص. غربان تتخاصم وتتقاتل وأخرى تدفن بعضها البعض في أجواء من الفرح وقرع الطبول.

أخذ مكانا بمشقّة في الطابور المكتظّ بالأجساد العفنة والعارية. كان يحاول أن يبتعد عن النهدين المكتنزين اللذين أزعجا ظهره، لكنه ما أن يبتعد قليلا حتّى يجد عضوه محتكّا بمؤخرة غراب آخر.

كان محشورا بين الأعواد السوداء المحترقة والمتسخة التي تنزلق بروتينيّة نحو منحدر الطريق.

على طول المسير الطويل تنبعث الأنّات الملسوعة والذكريات الشاحبة. تنبعث الأغاني المتكسرّة مطموسة الكلمات التي ترتعش برهبة على الشفاه الداكنة ولا تخرج.

وصلت القافلة السوداء إلى منجم الحبوب الغائر في بطن الأرض، صوت السيّد المؤنّب والحازم كان يجعل الخطوات أسرع. ينمي الرهبة والخوف من فقدان الوجبة المعتادة. نظر “ج” إلى عينيّ السيّد الحمراوين. ذُهل بلمعان ريشه والبذلة الأنيقة التي يلبسها. ذهل أيضا بالسمنة الغريبة التي هو عليها. إنّها المرة الأولى التي ينظر فيها إليه. استغرق النظر خلسة ثانيتين فقط ثمّ سرعان ما دفعته الأجساد كموجة عملاقة إلى موضع عمله. 

أخذ المعول وانهمك في العمل. أرضية المنجم زلقة وخاصّة قذرة. مشبّعة برائحة البول والدم والمنيّ. تشبّث بعمود الضوء المرتعش لكيلا يسقط ولكيلا يفقد عمله. 

قرص الضوء تراجع إلى فم الأرض ليأخذ بعض الراحة. اندفع الطابور من جديد بحماس مشتعل منتظرا الوجبة. 

وجد “ج” نفسه أمام مساعد السيّد. لقد نسي لوهلة أنّه ينتظر دوره. أيقظته تلك الابتسامة البلهاء التي تتكرّر كل يوم من فم المساعد حينما يعطي الوجبة المنشودةَ حبّةَ القمح. أمسك الحبّة في كفّه المتصلّبة وأراد قذفها على وجهه لكنّ الأصوات الصارخة الجائعة وراءه أربكته فحاد عن الفعلة الجريئة.

كان يمشي عائدًا إلى كهفه البلاستيكيّ. يقلّب نظره في المراجيح التي غدت مشانقَ في الأشجار وفي السماء الحمراء التي بللته بالكامل. 

دخل إلى الكهف المظلم المغبر. لم تكن السماء تبكي لوحدها. لقد كان يبكي لكنّه لم يحسّ بذلك خارجا. أدرك الأمر عندما دخل.

 أشعل الشمعة الوحيدة التي لديه وكما العادة أخذ الرسالة المخبّأة تحت الغطاء البلاستيكيّ محاولا أن يجد فيها شيئا جديدًا. ربّما.

” كن بخير يا جميل سأعود قريبا، لا ترَ العالم على حقيقته حاول أن تراه بعينينا طليقا ورشيقا كفراشة”

من مايا، حبيبتك اللعوب الآسرة

لقد حاول كثيرا بيد أنّه لم يستطع. انصهر مع الأصوات التي وراءه وأصبح واحدًا منها!

 

7

 فتحتُ عينيّ على العالم في مدينة بطفولة هامدة. فتحتُ عينيّ في ساحة المعركة. لم يخبرني أحد من هم الجنود، أو ما الاحتلال.

نشأت على فكرة أن الشاذ هو الطبيعي، وأن الأشخاص الذين يثيرون الخوف متى وأينما  ذهبوا، ليسوا منا.

عندما فتحت عيني على العالم، ظننت أن الشبان والمراهقين الفارّين من الجنود، كانوا يلعبون لعبة الغميضة أو يمارسون هوايتهم في لعب الغميضة.

كنت مخطئا.

مع مضيّ الأيام والأسابيع والشهور وربما الأعوام، صرتُ أدرك بأن هؤلاء الرجال المسلحين هم العدو، الاحتلال، وأولئك الذين يسعون فقط إلى القتل.

المرة الأولى التي كنت فيها قريبًا جدًا منهم وأنا رفقة والدتي نسير في الشارع الرئيسي في الطريق إلى السوق. كنت أبلغ الثالثة من عمري.

قدمت المركبات من بعيد وأخذ الناس يركضون.

فجأة شدّتني والدتي إليها، حملتني وضمتني بينما كانت تنظر إلى مركبات الجيب العسكرية الثلاث أثناء مرورها.

أحسستُ بنبض قلبها وهي تعانقني. عندما سرحتني، شعرت بِسَيلٍ من الراحة في أطرافي تبعته فورةٌ من الارتباك.

في تلك اللحظة، أدركتُ أن هناك خطأ ما. من بعدها، لم تصطحبني إلى السوق معها أبدًا.

كان اسم أول لعبة مع أترابي في الحارة “يهود وعرب”. في المرات الأولى، لم أمانع فكرة أن أكون يهوديًا، وهو ما يعني في اللعبة “الجيش”.

اجتمعنا يومًا في الحارة لنلعب اللعبة ذاتها وكنت في الرابعة من عمري، ولأني كنتُ الأصغر سنًا في المجموعة، اتخذوا قرار أن أكون “الجيش”.

– “كلا”. قلت، “أريد أن أكون عربيًا”.

– “لا، نحن العرب، أنت اليهودي، وأنت معهم”، أشار أحد الأطفال الأكبر سنًا نحو المجموعة.

لم أكن سعيدًا بذلك، وأجبت:

– “لا أريد أن أكون الشّرير. لن أكون جنديًا”.

شعرت بالغضب وحِدتُ بعيدًا، ثم جلست على إحدى الكتل الأسمنتية جوار جدار جيراننا أرقبهم يلعبون. كان العرب يرشقون “اليهود” بالحجارة ويسبّونهم، فيما الصّبية يلعبون دور الجنود ويحاكون إطلاق النار عليهم مصدرين أصواتًا من شفاههم. بعد أن فرغنا من اللعب، اعتدنا على إنشاء نقطة تفتيش بنيناها من الصخور وأغصان الشّجر، الأمر الذي أجبر المركبات على الإبطاء فيما نحن نمسك الهراوات الخشبية، ونحاكي البنادق.

 عاملنا السائقون على نحو مختلف. بعضهم مدحنا بقوله “أبطال” مضفيًا بهجةً بإظهار بطاقته لنا. أحيانا، كان الأمر ينتهي بنا مع متطرفين يأخذون في شتمنا من بعيد، ثم يعلنون عن نهاية اللعبة.

كلّ حركة، كلمة، وكلّ لعبة تشي بضيقِ طفولتنا وسحرها في غزة. سرقوا طفولتي، أمام عينيّ، فيما ظننتُ أنّ هذا هو الأمر الطبيعيّ.

وقعت عيناي، يومًا، على جريدة ألقاها أحدهم في الشارع. لطالما امتلكت شغف النظر إلى الصور في الجرائد. تحركت نحوها بتؤدة وقدماي العاريتان كساهما الغبار من أثر الرّكض والمشي في الشارع، رفعتها وأخذتها إلى ناصية الشارع، عند مدخل منزلنا. أخذت أقلب صفحات الجريدة، صفحة تلو الأخرى، محاكيًا أبي وهو يقرأ الجريدة، لكني كنت أبحلق في الصور فقط. فجأة، ثبتت عيناي على صفحة تطفح صورًا. كانت صورًا ملونة. صور نساء يبكين وجثث ودماء وأطفال قتلى وجنود مسلحين.

وجدتُني أركع، أدنو من الجريدة أكثر، أحشّفُ عينيّ، محاولا تفحص جثث الأطفال.

“لماذا لم يصرخوا؟” رنّ الصّوت في أذني. بعد سنوات، أدركتُ أنه لا يمكن الإنصات إلى صوت الأطفال في المجازر الكبيرة، وحدها أصوات الرصاص والبنادق تعلو.

قضيت ما يربو عن نصف ساعة في تأمل الصور. صورةً صورةً. انتابني إحساس بالغضب فجأة، وأنا أسيطر على نفسي، حملت الجريدة وذهبت إلى أختي الكبرى..

-“ارمِ تلك القمامة”، صرخت أمي من بعيد، مشيرةً إلى الجريدة. “والدك سيحضر لك غيرها غدًا”.

لم أنصت إليها، فتحت الصفحة التي كانت فيها الصور وسألت أختي الكبرى:

“من قتلهم؟”-

نظرت إليّ، ثم نظرت إلى الجريدة وقرأت قليلا، ثم ردّت قائلة: “الجيش”.

-“لماذا؟”، سألتها

صمتت لبرهة من الوقت ثم ردّت:

-“لأنهم مثلنا، فلسطينيون”.

-“وهل سيقتلوننا أيضًا؟”، سألت.

-“لا. في لبنان، صبرا وشاتيلا، حدث هذا منذ زمن”، قالت رافعةً يدها إلى مستوى وجهها بحركة رجعيّة إلى الخلف: “زماااان، زماااان”، بطريقة تبعث فيّ الطمأنينة وتبدّد مشاعر الخوف.

لعلّها شعرت بالخوف العميق في كلماتي.

منذ تلك اللحظة، لم تغادر صبرا وشاتيلا ذهني ولم أنس المجزرة. كما لا ينسى أي طفل المرة الأولى التي اعتلى فيها متن السفينة، أنا أيضًا لم أنس المرة الأولى التي التقطت فيها الجريدة واستُقبلت بهذه البداية القاسية.

منذ ذلك اليوم، زاد ارتباطي بالجرائد. في يومٍ، وجدني والدي أجمع الصحف في الشارع محاولًا تأمل الصّور فيها.

 “ارمها”، قالَ صارخًا.

-“أريد أن أرى الصّور”، أجبته.

-“حسنًا، سأحضر لك غدًا جرائد جديدة”، ردّ عليّ وأمرني بالدخول إلى المنزل.

في وقت لاحق من الأسبوع ذاته، عثرتُ على كنز. وجدته في غرفة أخي، تحت مرتبة أحد الأسرّة الكبيرة في المنزل.

كان هناك ما يقارب عشر مجلات ملونة. وكان اسم المجلة “عبير”- مجلة قومية تضمّنت صورًا ملونة عديدة لفدائيين ومطاردين، أي مقاتلين مقاومين ومطلوبين. قضيت أيامًا عديدة، أستيقظ من نومي، ألتقط مجلةً وأبحث باستمرار في الصور دون أن أتمكن من قراءة سطر واحد.

في ذلك الأسبوع، بدأ والدي بإحضار جريدة القدس بعد عمله. كان يشتريها يوميا إلى أن تقاعد. انتظرت عودته من العمل يوميًا. بمجرد أن يلوحَ في الشارع، أركض صوبه حافي القدمين ملتقطًا ما كان يحمله؛ فواكه أو خضروات، والجريدة.

كانت إحدى شقيقاتي الأكبر منّي سناً، اللواتي اعتدن القراءة، تأخذها مني، وتناولني الملاحق الثقافية والرياضية ريثما تنتهي هي من قراءة الجريدة. كان فيها صورٌ كثيرة، وخالجني شعورٌ بالرّضى. عندما عادت منظمة التحرير الفلسطينية، انضافت صحيفتان أخريان إلى صحيفة القدس، هما “الحياه” و”الأيام”، وكنّا أنا وأخواتي الثلاث الأكبر سناً نتنافس من سيقرأهما أولاً.

عندما كبرت، حاولت أن أتخيل طفولتي بدون الصحف، بدون المجلات، بدون الصور، بدون الكلمات ورائحة الورق. لولاها، لصار عالمي فوضى، ولربّما كان قد انهار. بالنسبة إلي، كانت الصحف والصور هي العالم الذي يأخذني من لعبة “يهود وعرب”. كانت صراعي اليومي لتجديد عالمي وطرح الأسئلة المؤجلة التي ما زلت أجيب عليها، إلى هذه السنّ، وقد تجاوزتُ الثلاثين.

3

ها أنت تتمددين الآن عاريةً إلى جانبي في السرير. أعوامًا طويلة وأنا أسمع صوتك في ذهني.. لقد عشت معك عمرًا كاملاً دون أن أرى صورتكِ.

تكلمي ليليان، لماذا أنت صامتة؟

نجحتُ في حلّ معادلات الرنين المغناطيسي وحصلت على بطولة عالمية في الشطرنج، وألّفتُ كتابًا شعريًا عن الكواركات وحركة الالكترونات …

لقد نجحتُ يا حبيبتي.

كانت صفراء شاحبة وجسدها متيبس إلى جانبي، أنا أيضًا كنتُ إلى جانبها في السرير، لكني ظننت أنها هي من تفوهت بتلك الكلمات. أصوات عديدة كانت تطرق مسامعي.

لكنّي كنت متأكدًا من أنها متمددة إلى جانبي فكلما أدرتُ جسدي نحوها رأيتُ وجهها الهزيل وحركة عينيها الرخوتين يمينًا ويسارًا، بينما ظلّ نهداها لفترة طويلة عبارة عن كتلتين متحجرتين فيهما أثرٌ بسيط للشقوق والندوب. وكلما أطفأتُ الأضواء وغرقت الغرفة في ظلام دامس؛ أطلتُ التحديق في وجهها ورأيتُ ابتسامتها اللامعة والمخيفة في العتمة.

أنا أيضًا ً حركتي كانت غريبة جدًا، حركة لم أعهدها من قبل في مشيتي، شعرت أن فقرات ظهري تستند إلى كتلتين عظميتين، وأن قدميّ تساعداني على القفز لمسافات طويلة وبعيدة. حتى شعر جسدي صار كثيفًا فجأة، أليس الأمر مريبا ومخيفا أن تنمو لي حوافر قذرة وينبت الشعر أو الوبر في جسدي؟

لكني لست خائفا الآن .. سابقا كانت تخيفني أشياء عديدة: صوت أبي وتقريعه لي، سخرية أطفال الحي مني وضربهم المتكرر لي، قطعان الكلاب الضالة، مسؤوليات العمل التي لم أنجح في أي منها، وكنت مرتاحًا ومطمئنًاً عندما يأتيني قرار إداري بالفصل. في هذه الحياة لم أجد لي أعداء ولا حاسدين، الكل كان ينظر لي بعين الشفقة والرحمة القاسية، تلك الرحمة التي ينظرون بها البشر لأي كلب غريب ووحيد مثلي.

حتى ليليان لم تكن تحبني، بل كانت تطعمني من يديها الملائكيتين، وعطر أخّاذٌ يجذبني نحوها، لكنها كانت تعيدني إلى قفصي بعد ربطي بالسلاسل دون أن تنظر إلى عينيّ الراجفتين والدموع تسيل منهما.

تكلمي ليليان لماذا أنت صامتة؟

حسنًا، سأجلب لك الدواء من أقرب مكتبة هنا. خدرٌ يسري في أطرافي ولا أستطيع النهوض بهذه الحوافر الجديدة .

هناك قدمتان كبيرتان تحت الطاولة تتحرك أصابعهما  بطريقة دائرية، أستطيعُ التعرف إلى الشخص من ملامح قدميه، أظنه من الأشخاص الذين كانوا يضربونني ويسخرون مني دائمًا، هذا الشخص الذي لم أستطع الإجابة عن أسئلته يوما، لكنني الآن أستطيع وأقولها لكم بكامل ثقتي وقوتي، وصرخت بكامل صوتي أنا أستطيييييييع ….

وفعلاً أجبت عن جميع أسئلته التي كانت تربكني وتخيفني، أجبت عنها جميعًا دفعة واحدة.

بقعة دم كبيرة على أرضية الغرفة. منظر الدماء يشعرني بالراحة والطمأنينة، لكن يبدو أن المشهد قد فسد وكل شيء صار واضحًا أو ربما شبه لي ذلك.

وجهٌ يخرج لي من باب الخزانة الموارب يحييني بإيماءة من وجهه، ويغمز لي بعينه اليسرى، كان وديعًا ولطيفًا وهو صديقي الآن، لم يكن مخيفًا هذه المرة حتى أني استطعت الإجابة عن أسئلته مرة واحدة بطريقة مذهلة فاجأته جدًا. جميل أن تحقق معجزة كبيرة في هذه الدنيا، أن تثبت للآخرين أنك حققت شيئًا ظنوه مستحيلا ًفي قاموسك، حقاً أنها سعادة عميقة وسحرية، سعادة لا توصف يشعر بها الإنسان في تلك اللحظات.

عليّ أن أسرع يجب أن أذهب إلى المدينة حالا، لأجلب لك الدواء لكن الضباب رمادي والأرض مطاطية لا أستطيع الركض، سأحاول .. فأنا لم أعد أخاف شيئًاً بعد اليوم.

كانت قفزة هائلة أنا أطير بخفة وأحلّق عاليا دون أن أغرق في لزوجة الوحل السماوي،  لكن يبدو أن سرعتي جنونية. سأهبط  في الحال. في سرّي كنت أسأل ما حاجة البشر إلى الجاذبية إذا كان الإنسان ينتصر على الضوء والجاذبية في هذه الظروف.

في الحي القديم مرّ بي أشخاص مقربون جدًا إلى قلبي، لم أكترث بهم وسلمت عليهم سلامًا عابرًا. الدكاكين والمنازل يرتادها أشخاص غرباء بمعاطف سود. نجارون يصنعون التوابيت لأهل الحي، لم أكن خائفًا، حاولت الاقتراب من هؤلاء النجارين أصحاب المعاطف السوداء، لكنهم كانوا منهمكين في عملهم ولم يلتفتوا الي أبدًا أو يرفعوا رؤوسهم نحوي.

شخص ضعيف وقامته محنية يرتدي نظارة طبية وقبعة أخبرني بصوت خافت أن ليليان ماتت .. همس لي ومضى مسرعا ًثم اختفى. تيبس الصراخ في حنجرتي، وصوت دوى في السماء مع هدير الرعد، صوت امتزج مع صوتي بين ثقوب السماء الخفية..

ليلياااااااان ….ليليااااااااااان ….ليليااااااان

كنتُ متسمرًا في غرفتي بهيئتي الحيوانية الرثة، وكانت ليليان لا تزال ممددة على السرير، لا أدري إن كنت حقًا قد ذهبت فعلا لأجلب لها الدواء أم أنني كنت هنا أبكي طوال هذه الفترة؟

أطلت النظر في عنقها الأبيض الطويل والمكتنز، كان هناك شريان بارز من هذا البياض.

عندما أجوع أشرب منه الدماء … لقد حفرت هذا الثقب بأنيابي. سامحيني حبيبتي فلم أقصد ايذاءك أبدًا.

تكلمي ليليان لماذا أنت صامتة؟

  مازلت ممدداً إلى جانبك في السرير… ها أنت تتحركين وتقتربين مني، أنا حيوانك الأليف، أشعر بجسدك يطوق جسدي وأنفاسك الحارة تلفح رقبتي ووجهي في العتمة. سيقانك تلتف حول حوافري، ولسانك الطويل يلحس رقبتي وفكي وصَدري.

أنت تنبضين الآن …أنت تتحركين.

ليليان ……………. لقد نجحتِ يا حبيبتي.

 

0

.أجلب العالم إلى غرفتي

لم ينتبه إليّ حين اتجهت فور دخولي من الباب الواسع، صوب مكتب مراقب الدوام، لتسجيل ساعة وصولي إلى العمل.

وبالحركة الخفيفة الناعمة المتأنيّة التي قمت بها وأنا أزيح شالي المرقّط عن عنقي، لأضعه بجواري، فوق حقيبة يدي البنية الكبيرة، حيث يمدّ الكتاب جزءاً من غلافه. مركّزة في سجل التوقيع، أدوّن توقيت وصولي، بالساعة والدقيقة: الثامنة وثلاث وعشرين دقيقة. إذ يدي اليمنى تمسك بقلم التوقيع، واليسرى تسترخي فوق الشال المرقّط والحقيبة، خشية انزلاقها، كما يحدث غالباً، واندلاق محتوياتها.

لأنني مغرمة بالقراءة في كل مكان، فإنني أحشر كتابي حين أدخل مكاناً ما، أو أتوقف عن القراءة لأني أغادر مكانا آخر. أنسى الحقيبة مفتوحة، وغالباً ما آتي بحركة عشوائية، فتندلق محتويات حقيبتي.

“سبع دقائق وأغلق الدفتر”.

قال مراقب الدوام.

نظرت إلى ساعة يدي وأجبته:

” ولكن سبع دقائق هي زمن أيضاً. في دقيقة واحدة ممكن أن يتغير وجه العالم”.

لم أتوقع أن يستطيع أحد قراءة عنوان الكتاب المدوّن على الكعب الفاصل بين دفتي الكتاب، والذي يبدو من داخل الحقيبة المفتوحة، إلا إذا كان دقيق النظر ويعرف الكتاب جيداً.

من هذه اللحظة، من حركة يدي تزيح الشال المرقّط (جلد الحيّة)، ويدي التي تداعب من دون انتباه، غلاف الرواية التي في حقيبتي، من هذه اللحظة، ستبدأ أحداث هذه الرواية.

سحبت شالي المرقّط بلطف، ودسسته داخل الحقيبة، وهبطتُ في المصعد.

كان يراقب أزرار المصعد. بعد نصف ساعة تقريباً، أخذ المصعد، وهبط به إلى المستودع، حيث توقف بي، وحيث أعمل.

  منهمكة في تفريغ صناديق الخراطيم الجديدة التي وصلت المستودع ليلة البارحة في نهاية الدوام، ولم أتمكن من ترتيبها.

متسلقة السلّم الحديدي، أصعد وأهبط، لأرتب الخراطيم في الرف الثالث، سمعت صوت خطواته.

وقف أمامي بسيجارته، نظرت إليه وأنا أعلى السلم، وشعرت بدوار مفاجئ:

ـ التدخين ممنوع هنا، ألا تقرأ.

أشرت بإصبعي نحو لافتة كتب عليها: ممنوع التدخين، مواد قابلة للاشتعال.

كان المستودع محتشداً بالمواد المشتعلة، من بنزين وكيروسين. رمى سيجارته على الأرض ودهسها بحذائه.

قفزت على السلّم بحركة سريعة والتقطتُ عقب السيجارة، كاد السلّم يسقط فوقي:

-ما هذه الفوضى، الأرض نظيفة!

– هل نحن في مشفى؟

-قال ساخراً ثم أضاف:

-لكني لم أر أي منفضة

-قلت لك إن التدخين ممنوع!

وضعتُ عقب السيجارة في كيس القمامة، في الركن الصغير المفصول عن مكتبي بستارة سوداء، وعدت لأفتح صندوقاً جديداً من البضاعة وأرتّب محتوياته في الرفّ الثالث.

-أنت تعملين هنا؟

ـ-ماذا ترى؟

أجبته باقتضاب مستغربة وجوده أمامي. عادة لا يدخل هذا المكان سوى عمال نقل البضاعة من وإلى المستودع.

– وحدك؟

– أترى أحداً غيري؟

– لماذا تجيبين على السؤال بسؤال؟

– ولماذا تسأل بسذاجة؟

-ضايقتك؟

– لا أفهم ماذا تفعل هنا؟

-رأيتك فوق منذ قليل، أحببت أن أعرف طبيعة عملك.

– في المستودع، كما ترى، من أنت؟ ماذا تريد؟

– أيهمك؟

-أنت عندي، في مكان عملي، أنا مسؤولة عن هذه الأغراض.

-هل تتوقعين أن أسرقك؟

– لا ، لا تستطيع أن تفعل، كاميرات المراقبة مزروعة في كل مكان، تسجّل كل التفاصيل.

-أين يمكنني أن أدخّن؟

– نزلت هنا كي تدخن؟

– كلا، بل نزلت للتحدث إليك ، لكنك لا تكفين عن الحركة صعوداً وهبوطاً مع هذه الأكوام .

-هذه خراطيم. إنها بضاعة، وهذا عملي.

-ـ لا يهمني.

– لماذا تريد التحدث إليّ؟

– لا أعرف.

– هل تعرفني؟

-أريد أن أعرفك.

– أنت غريب.

– وأنتِ أيضاً.

– هل تظن أننا في مسرحية عبثية؟

– هل تحبين بيكيت؟

– كلا.

– تفضّلين أرنستو ساباتو.

هنا فقط، أمام هذه العبارة، توقفت عن الصعود والهبوط، ونظرت إليه. نظرت إليه للمرة الأولى، نظرت في عينيه، ولأول مرة في حياتي، أرتبكُ أمام عينيّ رجل.

– رأيت الكتاب؟

– كان داخل الحقيبة.

-لمحت العنوان؟

– من داخل الحقيبة.

-كان نصف الغلاف إلى الخارج.

-تعرف الكتاب؟

-أحب ساباتو كثيراً.

-ماذا تريد؟

-أن أدخّن.

– تصرّ على التدخين هنا؟

– نعم.

-ـ انظر( فتحت ذراعيّ مستعينة بهما) المكان مليء بالزيوت والشحوم القابلة للاشتعال.

– ألا يوجد ركن نستطيع أن ندخّن فيه بهدوء؟

– أنا لا أدخّن في العمل.

– أنا بحاجة إلى سيجارة.

نفضت يديّ من غبار الصناديق والخراطيم، مسحتهما بتنورتي، وطلبت منه اللحاق بي.

فتحت باباً يطلّ على فسحة مربّعة، تطل بدورها على أرض خالية.

-ـ هنا، تستطيع أن تدخن.

قبل أن أتركه وأدخل، أمسك بذراعي:

-ابقي معي.

-أشعر بالبرد هنا.

– لن أبقى وحدي.

– سأجلب معطفي.

دخلت أجلب المعطف، وأنا أشعر كما لو أنني أقوم بدور مسرحي. تنتابني هذه الحالة أحياناً. أشعر بأنني أفعل أشياء من خارج الواقع، أتصرف وكأنني نائمة، أو غائبة عني، لا أسيطر على سلوكي، وكأنني أستعير جسدي، بينما عقلي في مكان آخر. أتحدث إلى كائنات غير موجودة، أسمع أصواتاً تثرثر معي، تهمس لي. لا وقت أمامي الآن للتفكير، مضطرة للتصرف وفق ما يجب، وسأفكر لاحقاً، بمن يكون هذا الرجل، من أين أتى، وهل هو واقعي حقاً، هل أطفأ سيجارته في أرضية المخزن؟ عليّ أن أسرع إليه الآن، قبل أن تنتهي سيجارته، وأضطر لانتظاره، ليشعل واحدة أخرى، وينهيها من جديد.

-أنت زبون في هذه الشركة؟

-كلا

-تعمل في الشركة؟

-كلا.

-ماذا تفعل هنا إذن؟

– ظروف جاءت بي، أشرحها لك فيما بعد.

-أنت لا تعمل في السيارات إذن؟

-كلا، أنا محامٍ.

-مهنة جيدة.

-ربما.

-ألا تحبها؟

-ليس كثيراً، وأنت، أتحبين مهنتك هنا؟

-هذه ليست مهنتي!

-كيف؟

-إنه عمل لكسب العيش، وليس العمل الذي أحب.

-وما هو العمل الذي تحبين؟

للمرة الثانية، نظرت إليه، نظرت في عينيه، وللمرة الثانية ارتبكتُ أمام نظرته، أنا التي لم أرتبك يوماً أمام عينيّ رجل. مددت يدي نحوه مطالبة بسيجارة، فهذا هو الحديث الأغلى إلى روحي، الآن ، أحتاج سيجارة.

ناولني سيجارة دون استغراب، كأنه يتوقع كل ما أقوم به، كأنه يعرفني ـ أهذا جزء من النص المعدّ مسبقا؟ أشعل لي السيجارة، مقترباً مني، أنفاسه ترتطم بأنفاسي، تحوّل قلبي بغتة إلى عصفور يرتجف بين ضلوعي. قلت بثقة وقوة، وأنا أنفخ الدخان من صدري:

-الكتابة!

-تريدين أن تكتبي؟

-لو أُتيح لي أن أختار المهنة التي أحبها لاخترت الكتابة.

-أي نوع من الكتابة؟

-الرواية!

– لهذا تقرأين ساباتو؟

أخذت نفسا جديدا من السيجارة، اقتربت منه، أسندت رأسي إلى الجدار على مقربة منه، أكاد ألتصق به، كأنني أهمس له ، قلت:

-أشعر أحياناً وكأنني خارجة من كتاب.

لم يبتسم ولم تبدُ عليه أمارات الدهشة:

– يحدث هذا أحياناً.

-أيحدث لك؟

– كلا، ولكنني سمعت عن أشخاص حدث هذا معهم.

-أنا لم أسمع أو أقرأ عن هذا.

أطفأ سيجارته سحقاً في الجدار، متسائلاً برأسه، أين يستطيع أن يرميه؟ التقطت عقب السيجارة من بين إبهامه وسبابته، مست أصابعي أصابعه الأنيقة، وطوحتُ بالعقب في الهواء.

-أنا أشبه عقب السيجارة هذا.

-قلت للتو إنك خارجة من كتاب.العقب الذي رميته لا أهمية له.

-والشخص الخارج من الكتاب أيضاً، له أهمية؟

-بالتأكيد.

برمت شفتي ولم أرد.

-هل أستطيع دعوتك إلى فنجان قهوة في مكان ما؟

– لا أخرج مع الغرباء.

-ـ لكنني لست غريباً!

– كيف؟

-ألم نتحدث للتو؟

-أهذا يكفي؟

-يكفي لاحتساء فنجان قهوة.

-أشعر بالبرد، هل ندخل؟

دخلت. تركت معطفي عليّ. سألتني وأجبت بسرعة “لا، ليس خيالاً”، ثم وجدتني أفكر” لكن الوقت ضيق أمامي، ما دمت داخل الحدث، لن أستطيع أن أحدد ما إذا كان حقيقة أو خيالاً”.

-هه،هيا بنا؟

-لم أوافق.

-حسناً، اسمعي، لنفترض أنك كما تقولين، شخصية روائية، خرجت من كتاب، لماذا لا نناقش المسألة وفق منطق روائي؟

أعجبني كلامه، هززت رأسي متسائلة.

-نخرج معاً، نتناول القهوة في مكان ما، نثرثر، كما الآن، ثم تعودين إلى هنا، تماماً كما لو أنك خرجت من الرواية إلى الحياة، أو عدتِ من الحياة إلى الرواية.

لم أتمكن من مناقشة المسألة طويلاً برأسي، يتحدث كما أفكر، وفق منطقي ذاته، ما الفرق بين الكتاب والواقع ، بين القصة المدونة، والشفهية للتي نحياها، ومن يقرر إذا لم يكن ما نحياه هو رواية أيضاً؟ إنه يداعب أفكاري ذاتها.

-هل لديك نقود؟

-كثير.

– حسناً، أنا لا أملك المال، أخرج معك، شريطة أن تعيدني إلى هنا.

– موافق.

– اسبقني، سأتصل برئيسة المستودع لأستأذن منها، لدينا ساعة واحدة فقط.

-حسناً، ساعة روائية تكفي.

ضحكت وأضفت:

-عيش روائي لساعة من الزمن.

٭٭٭

لا أعتقد بأننا احتسينا فنجانين من القهوة، لأن حالة الارتباك العيشي والشك الوجودي أصبحت أكثر كثافة. بدأت أشعر بخفة وزني، كأنني ريشة أكاد ألامس الأرض، وانتابتني رغبة كبيرة في الضحك.

أصبح وجودي بحد ذاته غائماً أمامي. من أنا؟ ماذا يحصل؟

تنتابني هذه الحالة في لحظات معينة، سأشرحها لاحقاً. ولكن ما الذي شربته للتو حتى صرت ميالة للإحساس أنني كائن غير واقعي، وأن كل ما يحدث الآن لا يحدث بالفعل. وأنني ربما متُّ منذ سنوات، وأتخيلني شخصية روائية -لساباتو غالباً- صدقت عيشي وتمددت في وجودي.

ولأن الأحداث تمر حولي، وساباتو الذي أفترض أنه صنعني غير موجود أمامي، أو أنني لا أراه، بسبب غياب المؤلف، فأنا مضطرة لتحمل ثقل وجودي الحالي، مهما كانت درجة شكي به، إلا أنه، قد يكون حقيقياً، وعليّ أن أتعامل مع ما حولي ببعض المنطق الواقعي، لا الروائي.

إلا أنني، رغم محاولاتي عدم الضحك مثلاً، والتماسك كي لا أسقط، أو أُسقط معي شيئاً مما حولي، الطاولة، أو إبريق الماء، أو المزهرية. فإنني لم أتمكن من التخلص من حالة اللامبالاة التي منحت جسدي خفة غامضة.

لنفرض أنني كائن روائي، فأنا أتصرف إذن وفقاً لإرادة الكاتب أو الكاتبة، ولن تفلح كل جهودي في التحكم في سلوكي. وإن لم أكن كائناً افتراضياً، فإنني وحالتي ما هي عليه، ما من منفذ أمامي للتصرف بعقلانية. كل ما عليّ فعله، هو الحذر، كي لا أسقط على الأرض، وأُعرّض نفسي لسخرية الآخرين.

-ماذا شربنا؟

-كونياك.

-فقط؟

-نعم، أنتِ طلبت قهوة مع الكونياك.

-أحسّ ببعض الدوار.

-تريدين أن نغادر؟

-أين نذهب؟

-تدخلين الكتاب.

قال وهو ينهض مبتسماً، فانفجرت غاضبة:

-أتسخر مني؟

-أعتذر.

قالها على نحو جدّيّ وقاطع لا يقبل الجدل. أجبته ببعض العدوانية:

-لا تكررها ثانية.

نهضت خلفه دون أن يخطر ببالي سؤاله أين نذهب. كنت بحاجة للذهاب إلى مكان آخر، أي مكان، غير هذا المكان.

في المصعد ( لا أذكر أننا أخذنا المصعد ونحن قادمين)، أسندت رأسي إلى كتفه.

– أنت سكرانة؟

لم أجب.

توقف المصعد بنا، لفّ ذراعه خلف ظهري ليسندني، وأدخلني في سيارة ، قهقهت قائلة، وقد تجشأت رائحة الكونياك:

-أهذا باب الرواية؟

ابتسم بطريقة فاتنة، تنبهت إلى أنه وسيم للغاية. كنت قد شعرت بهذا من قبل، لكنني لم أتوقف عند الأمر، لم أنتبه، الآن أحسست كثيراً بوسامته، أهو السُّكر اللعين الذي يشوِّش مخيلتي، ألهذا ارتبكت وأنا أنظر في عينيه في المرة الأولى؟

-أين نذهب؟

-من فضلك، لا تطرح عليّ أسئلة منطقية، لست في حال تسمح لي بالتركيز، أنا الآن في مكان آخر.

أشعل صديقي سيجارة، انتبهت إلى أنني لا أعرف اسمه. رغبت في سؤاله عن اسمه، إلا أن هاتفه المحمول قطع  رغبتي في السؤال.لا أعرف ماذا قال، فقد أجرى محادثة باللغة الإنجليزية التي لا أحبها، ولا أجيدها كثيراً، وحين أقفل الهاتف، كنت قد نسيت سؤالي.

جلست على أريكة مذهّبة. ثمة أشخاص كثيرون حولي، لا أعرف أين أنا، من جاء بي إلى هذا المكان، تركني، أو نسيني.

الأمر الذي خشيته دوماً، الخوف الذي رافقني مراراً، هو أن أضيّعني.

كيف أشرح هذا؟

لا أقصد الضياع الرمزي أو الفكري، بل المادي، أن لا أستطيع أن أذهب بي، أحملني، آخذني. أف، لا أستطيع وصف هذا، حين أجرب الكلام عنه، يتحول إلى شيء آخر.

ثمة حالات تنتاب أحدنا، لا تستطيع اللغة تقديمها، بل إن اللغة، تشوِّهها. أف. سأحاول أن أشرح كيف أضيّعني.

حين يحصل ازدحام في الطريق، أو يفقد الناس بعضهم الآخر، أُطمئِن نفسي:” أنا معي، لا شيء مخيف”، كوني معي، يطمئنني إلى أنني سأتصرف بطريقة سليمة وصحيحة. ولكني سرعان ما أتساءل: “ولكن من هذا الأنا الذي يرافقني وأثق به؟”. أعرف أن هذا كلام صعب الفهم، لأنه صعب الشرح، ربما يشعر به البعض، وبأوجه مختلفة، لكن التعبير عنه بالكلمات صعب.

المهم هو أنني معي، لا مع أحد آخر. ماذا يحدث مثلاً، لو كنت في طائرة، أو باص، أو باخرة، ووقع حادث كَوني معي، سأنقذني، ولكنني لو كنت في مكان آخر غيري، فاحتمال نجاتي أقل بكثير.

لا أعرف كيف أشرح هذا،لا يهم، لا يهم.

أين أنا الآن؟ وكيف عليّ أن أكون معي لأساعدني؟ يجب أن أنهض، أتحرك، أسمح لهذه الأنا التي تسكنني بفعل ما، بدلاً من التسمّر جالسة وكأنني دونها!

لمحته من بعيد، الوسيم الذي كلما رغبت في سؤاله عن اسمه، حدث أمر ما، ونسيت السؤال.

كان يراقص صبية جميلة للغاية. يحتضنها بشغف، يتبادل معها الحديث والضحك، يهمس في أذنها، تضحك بدلع. صبية حسناء إلى حد استفزّني.

نهضت متّجهة نحوه، إنه الشخص الوحيد الذي تعرفت إليه في هذا المكان الذي وجدتني فيه فجأة.

– كيف تجدين نفسك الآن؟

سألني، فهززت رأسي دون جواب، لأن الكلام في هذا الضجيج ، يعني أن عليّ الصراخ.أحسّ بالأمر وقال:

-هل نذهب؟

كما لو أنه أنقذني من مأزق، ابتسمت له، يبدو أنني لست في المكان الصحيح، ولكن ترى أين سيذهب بي؟

– سأجلب معطفي.

ما إن شممت هواء الشارع النقي، حتى تخففت من الضجيج الذي كان يحفر في رأسي.

– أين نذهب، سألته؟

نظر إلى الساعة :

-تأخر الوقت، أوصلك إلى المنزل؟

-كم الساعة؟

-التاسعة.

– مساءً؟

ضحك مقهقهاً.

– نعم، مساء.

-اعتدت على العودة في الثامنة مساء.

لا أعرف كيف تذكرت هذا بغتة؟

– هل من مشكلة؟

– لا أظن.

كما لو أنني كنت غارقة في الماء، أو أنني أرى الأشياء من خلف حاجز، بدأت تنقشع الرؤية في رأسي، وبدأت أفكاري تتوضح أمامي، وتذكرت أين أسكن، وأنني ربما لست شخصية روائية، لأن العمارة التي أوقف الشاب الوسيم سيارته أمام مدخلها، كانت تحمل الرقم 6 ، كما قلت له من قبل وأنا أدله على عنوان سكني.

– أنزل معك؟

– نعم، من فضلك.

ترجّلنا من السيارة، دخل معي باب العمارة. مدّ يده مصافحاً معتذراً إن كان قد سبب لي أيّ إزعاج.

تركت يده الممدودة نحوي وتشبثت بعنقه واشتبكت معه بقبلة طويلة.

كنت أشم رائحة النبيذ من شفتيه، ولكنه بدا كأنه لم يعانقني، ولم يقبلني، كما لو أنني كنت أمسك بشخص من فراغ.

 

1

” لم أكتب كلمة منذ عام (…) لقد حاولتُ الكتابة. كل يوم أجلس أمام الآلة الكاتبة، ولكن لا يمكنني البدء”. جي. دي. سالينجر.

“ما المخرج إذا لم يستطع أن يمارس الإخراج؟ إنه عامل عرض أفلام بدون فلم، أو كطاحونة بلا ذرة. إنه لا شيء. نكرة”. مجهول.

“حتى في أحسن الأيام، لم أتمكّن من كتابة ما يزيد على صفحة أو اثنتين. يبدو أنني مبتلى أو ملعون بإخفاق ذهني، ما يمنعني من التركيز على ما أقوم به”. بول أوستر.

سالنجر. مجهولٌ. أوستر. لا تدعوا الأسماء تخيفكم. قرأتُ هذه الاعترافات أكثر من مرة. إنها مجرد وخز شوكة. أسألكم: ما وخزُ الشوكة أمام حديد مُحمّى تُكوى به جباهكم وجُنوبكم؟

عامان ونصف. فلأقل ثلاثة أعوام، لم أجد خلالها الكلمات. تبخّرت فجأة. كتابة جملة من فعل وفاعل ومفعول به باتت جهدا خارقا وغير محمود العواقب. للأسف لم يكن لي حظّ أرتورو بانديني لأجد محرّرا عظيما إسمه هاكموث أراسله شاكيًا: “يا إلهي! سيد هاكموث، لديّ مشكلة، فقدتُ الحيوية وقدرتي على الكتابة. هل تظن يا سيد هاكموث أنّ للطقس هنا علاقة بالأمر؟ أرجوك انصحني. انصحني أرجوك”. فيجيبني هذا الأخير مطَمْئنا: “هوّن عليك. أخرج وتعرّف إلى الحياة. لا يمكن للكلمات أن تهجرك إلى الأبد. نصيحة أخيرة: لا تجهد بصرك. تذكر ما حصل لكل من تاريكنجتون وجيمس جويس”.

أطول حصار من العزم. أطول حصار في التاريخ. أطولُ حتى من حصار لينينغراد. أحبّ شكل هذه الجملة بالروسية . Блокада Ленинграда.  والنتيجة؟ لا شيء. لن أخوض في أسباب هذا العجز الذي سأحمل آثاره داخلي إلى الأبد. أمّا عن جسدي، فالبصمة لم يعد من سبيل لإخفائها. عينان غائرتان، ونظرة بعيدة، أقرب إلى نظرة شيطان يتعذب وسط قهقهات حشد من الملائكة.

خلال كل هذه المدة، شاهدت أفلاما كثيرة، وقرأت كتبا أكثر. نمت كدبّ القطب، دون أمل في أيّ شيء. الشِعر الذي ألبسني تاج الذهب ألقيت به في التراب.

أقرأ فتزداد نباهتي. حساسيّتي تجاه الكلمات، وفطنتي التي لا مراء فيها تزداد اتساعا، فيما الكلمات تزداد ابتعادا. بمجرّد أن أضع يدي على لوحة الحروف، ترفع آذانها الطويلة كآذان الأرانب، قبل أن تفرّ مذعورة لتختبئ في حقل الكتابة. ثم لا يكون شيء، ما عدا حركة الأعشاب اليابسة.

أترك الطاولة. أقف عند النافذة التي تفتح على الجبل. لكنّ حركة الأعشاب تظل مسموعة. أندسّ في الفراش، فتندسّ الحركة معي. أعشاب كئيبة وطويلة، مثل أقواس كمنجات المآتم، تتحرّك بلطف أسود، كما لو أنها تهنّئ نفسها على وفرة الماء والغذاء في تربتي الغنية بالكوابيس.

عيناي تغوران، ونظرتي تزداد بعدا. يوما بعد آخر تصبح أكثر شبهًا بنظرة فان غوغ. أجل. فانسنت فان غوغ الذي تعرفونه. أقول هذا حقيقة لا مجازا. أرعبتني نظرتي. الغضب الذي يجيش في صدري أرعبني. لكنني لم أخف. صدّقوني، لم يحدث طوال هذه المدة أن خفت ولو مرة. تعرفون ما الذي فعلَته حركة الأعشاب هذه بفان غوغ. ذهبت بعقله. تعرفون ما الذي فعلته بهيمنغواي. تحمّل إلى حين، قبل أن يفجّر رأسه ببندقية الصيد. صدّقوني، حتى مع صورة دماغه الذي تجلّط على حائط المطبخ كمعجون السفرجل، لم أشعر بذرة واحدة من الخوف. لا أقصد أن أبدو متبجحا، ولكنها الحقيقة. ليس مقارنة بهما فقط، وإنما بالجميع، قدرتي على التحمل لا تقارن. جرّبتها في أكثر من مناسبة. في الثكنة العسكرية، أيام الجندية، أطحت بالجميع، جنودا ومدرِّبين. حين تنكمش الرئات جميعها وتزرقّ الوجوه من الإعياء، كانت هناك رئة واحدة تظلّ تعمل. رئة واحدة تظل تتنفس مرتاحة. وحين يتوقف الجميع، شخص واحد كان يتابع الركض على طول مضمار الثكنة. قلتُ لا أقصد أن أكون متبجحا، ولكن أظنّكم تعرفون من هو صاحب الرئة.

لم أعرف أبدا مصدر هذه القوة العضليّة. ولكنني عرفت أنها لا بد وأن تكون مصدر كل قوة أخرى، روحيّةٍ أو عاطفيةٍ. أمّا كيف أحوّل ما هو عضليّ فائقٌ إلى مناعة روحيّة وسيكولوجيّة، وخلاصٍ شِعريٍّ وجماليّ، فهذا هو اللغز الذي كان عليّ أن أحُلّه.

ثلاث سنوات في مدينة غريبة، في بيت من غرفتين ضيّقتين وحمّام مساحة مترين مربّعين، وما يشبه ممرّا لقطع التذاكر يُفترض أنه مطبخ. كرسيّ واحد وطاولة للأكل والقراءة. تلفاز. آلة كاتبة من طراز (Olivetti) . أريكتان بنّيّتان. سرير مزدوج. نافذة طوليّة تفتح على شرفة تفتح على الجبل. نافذة عرْضيّة تفتح على الغابة. مزهريّتان. لوحتان زيتيّتان. إطاران من البرونز الفاخر مشغولان بصورة أبي وأمّي. مكتبتان طوليّتان مثبّتتان في غرفة الجلوس. تحتهما كتبٌ فوق مسند من الخشب. كتبٌ على الأرض. مكتبة في غرفة النوم. ثم لا شيء. لااااا شيء، عدا صوت يتجوّل بين الغرف، صوتٍ يشبه حركة الأعشاب اليابسة في حقل مات أهله جميعا.

في كلّ هذا، كان ثمة ما يشعرني بالفخر. حتى وأنا أركب الميترو مجهولا وسط ناس مجهولين. حتى وأنا أشرب القهوة في بيفاتات عمّال السكك وفي مطاعم الموظفين الصغار بتاج الشوك الذي حلّ مكان تاج الذهب فوق رأسي، كان ثمة ما يشعرني بالفخر.

إنه ما لا يفسَّر. فلأقل إنّ لديّ تقديرا لنفسي هو ما أنقذني طوال هذه المدة. حتى عندما بلغ الماء ربلتيْ ساقيّ كنت واثقا أنني سأخرج بالمركب من العاصفة. تقديري لنفسي منعني أن أفلت الدفة حتى والمياه تبلغ خصري الرجّولي مقاس 40. حتى وهي تغمرني إلى فمي، وعيناي فقط تبحلقان في سقف القمرة بقيتُ أمسك بها ساحبًا بأنفي هواء المحيطات.

في اليابسة، في صخب الحانات، الجميع تناقلوا خبر غرق المركب وهلاك القبطان، حتى أنّ أقداحا كثيرة قُرعت بهذه المناسبة وأنخابا فوّارة شُربت وسط عناقات وتربيتات على الأكتاف.

القبطان الذي انقطعت أخباره حتى نساه الجميع صار “هو”، حرًّا وسط المياه ومستقلاّ. وفيما “هو” يصارع الأمواج وحده، كنت “أنا” أتابع دورة الحياة الرتيبة نفسها:  أشرب، أقرأ، أنام، أستيقظ، أتبوّل، أستحمّ، أركب الميترو، أعمل، أغادر. كلّ شيء كان ساكنا، إلى أن سمعتُ صوت المحرّك وهو يهدر من جديد، وجملةَ السيد المسيح التي أحبّها تدوّي في سكون البيت: “لقد كان مجهولا عندما كان حيّا”.

“أبكي بدموع ساخنة”.

نمت عيناي مبلولتان، وبينما جفناي يرتخيان كان “أنا” و “هو” يغوصان في بعضهما بلطف ساق الوردة  وهي تغوص في التربة. وشيئا فشيئا، ذلك الزمن الذي فرّقنا تلاشى مخلّفا خطّا رغويًّا كالذي يخلّفه مرور السُفن.

الشمس تشرق.

استيقظت وأنا تحت ثقل الشعور بأنّ حقلا مغناطيسيا يستمرّ في سحبي نحو اليابسة. في لحظةٍ ما لم أعد واثقا ممّا إذا كنتُ في الغرفة أم في عرض المحيط، إن كنتُ “أنا” أم “هو”.

يُتعبني المركب وهو يُسحبُ.

أستمرّ في التقلب تحت أغطية خفيفة وأنا أفكّر في أنّ ساعات نومي الطويلة لم تكن تخلو من العزم. أفكّر في الورقة البيضاء التي أذلّتني خلال هذه السنوات الثلاث، كيف يمكن أن أُخرج المشقّة التي فيها إلى العلن، وإن كان على نحو من يُفرغ بالسطل مركبًا تسرّبت إليه المياه.

نقلُ هذا الجهد إلى الكلمات، ومن ثمّ تحويله إلى صورة من صور الفكر، هو ما دفعني إلى التذرع بالصمت.

وهو  نفسه ما يدفعني الآن للاعتراف بأنّ الأسلوب الذي لا يُمليه عليك وضعك سينتهي عاجلا أم آجلا.

 

19

عند الساعة الواحدة بعد الظهر تقريبا. كانت الريح تدحرج علبة جعة منهوبة الروح في الشارع المقفر. سكون كبير يصل قوس بَابْ بْحَرْ ببرج الساعة 1 العملاقة عند تقاطع شارع محمد الخامس وشارع الحبيب بورڤيبة. العاصمة الخالية يشوش سكونَها معتوهُها الشهير؛ رجل من ظنون يطوف بالساعة طوافه الأخير، قبل أن يأخذ في إبعاد النّاس وتحذيرهم من سمّ العقارب العالية، ثم يبدأ في رجم أعدائه بالحجارة والحديد والبيوت والأشجار والغربان والتيوس. أشياء لا يراها إلا هو، يتوهّم أنه يلتقطها من القاعدة الرخامية لساعة الفولاذ المتبرّجة كعاهر في آخر سنوات النضال. نسي الناس أيام الخطف والرعب. لم يختف رجل واحد منذ سنة أو أكثر. كان الناس ينعمون بقيلولة شهر أغسطس المقدّسة. الحرارة تعدّت الخمسين درجة وشيطان منتصف النّهار يفلي عانته من بقايا لذّة هاربة.

فجأة ذبحت أصوات سيارات الإسعاف والشرطة القيلولة النائمة فهرع الجميع ببقايا نعاسهم أو ما تيبّس عليهم من منيّهم إلى شارع الشوارع. كان الحدث هناك، عند الساعة الشاهقة. أحزمة من الشرطة تسيّج المكان. رجال « التدخّل السّريع » يختفون وراء خوذاتهم الباردة، يدفعون بعصيّهم المتفرّجين الذين هطلت بهم أبواق السيارات من كل مكان. بشرٌ بلا عدد يرفعون رؤوسهم إلى قمة السّاعة القاسية. كائن صغير بحجم الإصبع، يتراءى للجميع من بعيد، يتسلّق بسرعة الصرصور الساعة أمام دهشتهم ليعلن القيامة.

    اشرأبت الأعناق نحو المتسلّق الجسور الذي انتهى إلى رأس السّاعة مُمسكا بأحد عقاربها. سحب من جيبه الخلفي قارورة. شرب ثم أفرغ ما تبقّى منها على فروة رأسه. استل حزامه الجلدي وثبّت به نفسه إلى حلقات الحديد والتفت نحو الحشود التي تكاثرت تحته مثل النّمل. حاصرتها الشّرطة المتوتّرة، ركض أعوانها في كل اتّجاه يكلّمون أجهزة اللاسلكي ويطلبون بإشارات عصبية من الرّجل العالي أن ينزل من الممنوع. بينما كان هو يغمغم بكلام تتمزّق أحشاؤه في الأجواء فلا يصل منه إلاّ فتات كبعر الأكباش. تشي حركة يده اليسرى، التي يلوّح بها يمينا وشمالا، أنه يرفض النزول. أخذت الشرطة تدفع الناس المتحلّقين مثل الخنافس حول الساعة، تحاول منع التصوير وإخراس الأصوات والهواتف المحمولة المرفوعة نحو عقارب الساعة. حركة المرور شُلّت ومحركات السيارات تنبض مثل عروق عدّاء المائة متر على خط الانطلاق.

أمرٌ خطير ما كان يحدث، فلم يجرؤ أحد على الاقتراب من الساعة منذ سنتين بعدما سقط منها أحد مشجّعي كرة القدم فرحا بفوز فريقه بكأس الجمهورية. يومها، تحوّلت مياه تلك النافورة التي تضخّ مياه الزينة تحت الساعة إلى بركة حمراء. منذ ذلك المساء أصبحت الساعة تخضع لحراسة مشدّدة، وهي التي تحتلّ موقعا خطيرا في قلب العاصمة، زيادة على ما يرويه عنها المعتوه أحيانا.

ازداد الزّحام وانتعشت الصفوف الأمامية بالسيّاح الذين تدفّقوا من الشواطئ ومن الفنادق القريبة. خفتت عصيّ أعوان الشرطة قليلا لكن توتّرهم ازداد. كانوا يركضون في كل مكان يسيّجون الأرصفة ويوسّعون من المنطقة المحظورة بينما الرّجل متمسّك بلسان العقرب في أعلى الساعة مثل وزغة.

قبل سنوات كان ينتصب في مكان هذه الساعة تمثال أخضر لبورڤيبة على حصان يرفع إحدى قدميه الأماميتين في وجوه الناظرين إلى السماء. قيل إنّه يرفعها في وجه ابن خلدون الذي زُرع تمثاله مثل الكابوس قبالته، وبطلب منه. بعد الإطاحة بحكم الراكب اقتلع التّمثال ونبتت مكانه ساعة عملاقة بجذع إسمنتي بارد، سرعان ما توالد لها صغار في كل مدينة وفي كل قرية. بينما طُوردت تماثيل الزعيم في كل أرض.

استبدلت السّاعة بأخرى سويسرية أو إنجليزية أو أمريكية، أخبار متضاربة حول جنسية الساعة الجديدة وجذعها البرونزي المزيّن على طريقة الرقش العربي. كلام بلا دليل ولا برهان عن ساعة مجهولة النسب غُرست في قلب المدينة اللاهية بأبنائها. لا أثر للزعيم الذي تمّ ترحيل تمثاله إلى “حلق الوادي” ليظل ينظر إلى البحر المرّ.

ظل الرّجل العنكبوت يتجوّل فوق المحظور مستعينا بحزامه الذي ينقله من جانب إلى آخر مثل متسلّق جبال محترف. وتحته العالم مُرْتبكا. اشتد الزحام بعد أن خرج الموظفون من مكاتبهم. مضت ساعة كاملة والشرطة تأكل عصيّها، عاجزة عن إقناع رجل السّاعة بالنّزول. في الزّحام كانت تجري أمور غربية. نشطت السّرقة ونشل الهواتف المحمولة والعقود من جيود النساء وامتدت الأيادي إلى النهود المشدوهة والعجيزات المنسيّة.

الصّعود إلى أعلى الساعة جرم كبير ومعصية لا تُغتفر وما حدث يومها مسألة تمسّ الأمن، والشرطة في مأزق. كيف يمكن أن تسيطر على الأمر والفضيحة تحدثُ أمام الجميع: أهال وأجانب والبلاد في عزّ الموسم السياحي؟

يكاد الضابط يأكل وجه شرطي مهزوم وهو يسأله للمرة الألف: “كيف وصل ولد القحبة إلى هناك؟ أين كنتم يا بهايم؟ كيف تركتموه يقترب من السّاعة ويتسلّقها أيضا؟ “

في الجانب الآخر انقضّ شرطي على سائح وانتزع منه آلة التّصوير التي صوّبها نحو السّاعة. اجتثّ الشرطي البطارية منها وأعادها له في عصبيّة محذّرا إياه من استعمالها مجدّدا. هكذا صارت المنطقة المسيّجة منطقة أمنية محظورة.

بدأت الحشود تتململ من تصرّفات أعوان الشّرطة الذين جعلوا بينهم وبين موقع الحدث مسافة كبيرة. ازداد تذمّرهم عندما شاهدوا رجل السّاعة يلوّح بيده موجّها خطابه نحو رئيس فرقة التدخّل السّريع. فهموا أنّه يطلب ماءا فقد أخذ يلوّح بالقارورة الفارغة في الهواء. جاءت قارورة الماء. صعد بها شرطي إلى أعلى السلّم الداخلي للسّاعة. رمى إليه بالحبل الذي عُلّقت به القارورة. اختطف الحبل آمرا الشرطي بالرجوع من حيث أتى بعد أن همّ بمفاوضته.

لم يُسمع شيء من حواره مع الشرطي. فقد كان الناس مشغولين بما يهذي به أحد الشبّان، صاح فيهم: « إنّهم ينقلون الأحداث في التلفزيون وصوت الرّجل مسموع. انظروا لقد وصلتني رسالة هاتفيّة قصيرة تعلن الخبر مع رقم تردّد القناة».

سحبوا هواتفهم. كانت الرّسالة قد وصلتهم جميعا في نفس الوقت. ازداد أعوان الشرطة اضطرابا وبدؤوا يبحثون بينهم كالمجانين عن شيء ما. وصلت فرقة أخرى انشغلت بالبحث في البنايات المقابلة والمجاورة عن مكان البثّ وعن الكاميرا التي تصوّر الحدث.

هرول البعض إلى بيوتهم بينما ظل الجمهور يتكاثر حتى ضاقت به أرصفة الشوارع وفاضت به الطّرق.

2

’’ وأردتني عبدًا يباع ويشترى

وأردتني يأسًا يعيش بلا ددِ‘‘ 1

***

كانت المسافة بين الطابق والطابق شهورًا وأعوامًا، أحيانًا يزدحم المصعد، وأحيانا يسكنه الخواء، ربما مرّ أمامي أناس هابطون، في مصعد آخر، الجميع يحاول الصعود، أو إقناع نفسه بأنه قد صعد فعلا. أصابتني نوبات ضحك حين رأيت بالأسفل من مكاني المرتفع، الصكوك الزائفة في أيدي المهاويس. الكارثة أنهم لا يدركون وجود المصاعد من الأساس، وجوه كثيرة جدا، كلٌ يبحث عما يرتضيه فقط، دائما تتغير الموجودات، والبشر، وتبقى الصكوك واحدة. رأيتهم يتقاتلون، كل منهم يقاتل الآخر من أجل أن يرضى بما ارتضاه هو! الكل بدا عليه أنه ارتضى بمصادفة وهمه الخاص، بل ويقاتل من أجله. كيف لهؤلاء أن يصنعوه؛ فيكدحون إليه! تملأني القهقهات عندما ألمح مريدين لمُمسكي الصكوك الزائفة، يحسبون أنهم سيصعدون عبرهم وعلى طريقتهم. عبثًا.. ما هذا الجنون؟!

– بعضٌ منك لا يزال هناك. قالها رفيقي الذي ظهر للتو وهو يشير إلى أسفل، يبدو أنني تجاوزت المنطقة المحظورة!

– ربما كنت أنت الذي لست هنا.

ارتكن إلى الجدار المعدني خلفه، نظرة بعمق السنين انحفرت في عينيه.

– أنا هنا قبل أن يكون الزمن.. والمكان.

– جعلوه فانجعل يا صديقي. لماذا الأسود؟

وكأنه انتبه الآن فقط لملابسه السوداء، نظر إليّ، عيناه تفكران! لم يرد، ولكن نظرته فعلت، إنه التحدي… الغِل.

– ألم أقل لك مجعولا. قلتها هازئا.

زادت سرعة المصعد.. بل إنه تلاشى متعديا سرعة الضوء، انسحقتْ خلاياي، لفّني الجنون، والعدم. وسكن كل شيء.. لم يعد هناك صمتٌ للصمت فأصفه وأحكيه.

أضاء الرقم (6) جليًّا أمامنا، تأملته قليلًا، فانفجرتُ بالضحكات، كاد أن يتميز من الغيظِ، زدتُ من ضحكاتي متعمّدًا:

– بقي واحدٌ.

تقدَّم نحوي ببطءٍ، ثبّت كينونته في نظرة تجاهي:

– هذا لن يكون وأنا معك.

سألتُ غير مكترثٍ.. وساخرًا:

– تراك إن تقدمتَ، احترقت؟

– كيف فاته أن يتركك ومن مثلك؟

– فاتته أشياء كثيرة يا عزيزي.. هلمّ اذهب عن حواسي. فذهبَ.

لم يتحرك المصعد، إنما ارتسم أمامي الرقم (7) فجأة، وانفتح الباب، فتقدمتُ.

هنا سِدرة منتهاي.

***

في اللا مكان يكون البراح باتساع اللا أفق، الأبيض في كل شيء، لا نهاية للرخام الأبيض.. والأعمدة، مع أنها بلا عمد! الأبيض هنا له صيرورة؛ كان فسار فصار. يحملني.. يسري بي إلى ما كنت أعرف أني حتما ملاقيه.

مكتب بيضاوي بحجم خرافي، مكتبة عملاقة باتساع ما ورائه، هائلة الحجم والمظهر، تضم فقط أربعة كتب! هنا رأيت الجالس خلف المكتب.. مستوٍ على كرسيه، وكان يبتسم.

هو أيضا كل ما فيه أبيض، ملامحه تخلق انفعالات متجسدة، سكناته تعطي الصفات.. ولا تحيط به صفات. اقتربتُ، فكنت قاب قوسين أو أدنى.

– إذن.. أنت هنا.

قلت: أولم تكن تعرف!

– معرفتي للفعل لا تجبر أحدًا على أن يفعله.

لم أصغ، أعدت تأمل المكان، فلم أستطع الفرار منه بنظراتي، عدت إلى ملامحه صاغرا. تمالكت نفسي:

– ألا توجد هنا كتب غير هذه، ألديك كتاب عن لينكولن؟

ارتسم الغضب على وجهه، فكسا التحدي كلماتي:

– قد أتى بما لم تأت به أنت، ألغى عبودية البشر.

– لا تختبر غضبي.

– أه طبعا.. سأصمت عن التساؤل كي لا أُساء. قلتها ساخرًا. تأملت عقارب ساعتي، وجدتها تعمل بكفاءة. تشاغلت بها:

– هذه الساعة تعمل بكفاءة تامة مذ عشر سنوات، صنعها صانعها بمهارة، ولم يعد مشغول بمسيرها، هي تعمل وحدها وكفى، كنت أحسبها لن تعمل هنا. لكن الحقيقة أن الوقت يمر ولا يبالي.

– جئتني طالبا، فاطلب أستجيب لك.

– قد فعلت من قبل.. كثيرا، نسبة ما يتحقق مما أريد ضئيلة وثابتة لا تتغير، سواء كنت أطلب منك أو لا أطلب. والعجيب حقا أن النتيجة واحدة حتى لو تضرعت إلى وسادتي. قد وجدت أني لا بُد أن أفعل، لا أطلب.

تجمدت ملامحه على نظرة غاضبة مفزعة وثبت أمامي بلا حراك.

تراءى إلى عيني حاجز زجاجي، يلف المكان، تبدو من خلفه السحب.. البراح، ظهر لعيني خلفه، أناس يحلقون، يتوحدون مع السحب، مبتهجون. نظرت إلى عينيه بعمق، ورجوت داخل نفسي أن يعرف أمنيتي بأن أحلق بالخارج بعيدا عنه.. مع المحلقين.

2

طاولة بدعامة حديدية تجاور السرير، رزمة من الكتب النقدية و الفلسفية، روايتان ومضخم صوت يحتلان أحد أركانها، يتوسط الحاسوب الطاولة أين فُتح على إحدى القنوات الوثائقية.

كتَبَ في خانة البحث كلمتَين، “خارج النص”، فتبادرَ إلى ذهني مباشرة سؤال كيف يمكن أن نكون خارج النص؟ أو كيف للكاتب أن يكون خارج نصّه؟

تناسيت الأسئلة وأنا أتابع سهم الفأرة على الشاشة. أختار عنوانا من أرشيف البرنامج وأنقر عليه مرّتين، ففُتحت نافذة فيديو لا تتجاوز مدّته خمسًا وعشرين دقيقة. كان موضوع الحلقة حول كتاب الهويات القاتلة لأمين معلوف.

متكئةً على ذراعه بينما يده الأخرى تداعب شعري، صببت جلّ انتباهي على حلقة البرنامج. كان الموضوع شيقًا جدًا حدّ أنني لم أحرك ساكنًا إلى أن انتهت الحلقة.

 “من أين لك بهذه التحفة؟”سألته مثل طفلٍ عثر لتوّه على منبع لا نهائي من الحكايات. “البرنامج موجود من فترة طويلة على اليوتيوب”، أجاب بنبرة العارف الذكيّ.

أخذني البرنامج، الموسيقى، طريقة التقديم، موضوع الحلقة وخاصة العنوان. لم أتفطن إلا ليده وهي تسحبني من بطني. أحب هذه الحركة، تشعرني بالأمان والاحتواء وأنا التي أعيش غربتي من زمن.

 “من فترة طويلة لم أشعر بهذا الإشباع المعرفيّ، لقد تركت فيّ  الحلقة أثرًا والكثير من الأسئلة”، قلت وأنا أقرأ عناوين بقيّة الحلقات.

 “تعالَي حتى أترك عليك أثري وألج نصّك”، قالها وهو يحاول تحريري من قميصي القطنيّ.

***

أغلق الحاسوب ثم وضعه في حقيبته السوداء. كثيرا ما كان يحملها على كتفه الأيسر وهو في طريقه إلى الجامعة. وضع الكرسي أمام الخزانة وسحب من فوقها حقيبة سفر صغيرة الحجم  يستعملها عادةً عند تنقله من مدينة إلى أخرى لإلقاء محاضرة أو المشاركة في ندوة.

وضع حقيبة الحاسوب السوداء داخل الأخرى وأقفلها مستعملا قفلا حديديًا. صحيح أنه صغير الحجم لكنّه يفي بالغرض. هذه المرة لا يمكنها الفرار، فقد حجزها داخل حقيبتين. كان هذا آخر الحلول التي لجأ اليها بعد أن فشلت سابقاتها.

اعتقدتُ في بادئ الأمر أنه نسي ذكر اسمه لكن الأمر أصبح أكثر من غياب اسم، فقد اختفت الأوصاف ثم الأفعال. فَبَعد كل ليلة يترك فيها الحاسوب يستيقظ في الغد ليجد جُملا ناقصة من نصّه. استغرب ما حدث لكن الأمر أصبح محيرًا أكثرـ خاصة عندما يجد فراغاتٍ بيضاءَ مكانَ الكلمات التي اختفت.

قرّر في البداية إغلاقَ حاسوبه فكثيرا ما كان ينساه مفتوحا إلى أن ينطفئ لوحده. لكن الأمر لم ينجح، فما زالت الكلماتُ والجمل تطير من نصّه مخلّفةً البياض مكانها. حاول بطرق مختلفة إلا أنه كان يفشل في كلّ مرة، والليلة قرّر أن يقفل على حاسوبه داخل حقيبتين علّه ينجح في إبقاء الكلمات في مكانها. 

لم يغمض له جفن وهو يراقب الحقيبة الموضوعة قبالته بجانب الحائط. قرر أن لا ينام حتى الصباح. ظلّ يدخن ويشرب القهوة تلو الأخرى إلى أن لاحت له من خلال النافذة خيوط الفجر الاولى. اتكأ على السرير محاولا أن لا يشيح بنظره عن الحقيبة، لكنّ النعاس قد أخذ منه مأخذًا، فلم يفق إلا على صوت المنبه وهو يزعق معلنًا الثامنة صباحًا.

قفز إلى الحقيبة الأولى، فتحها بقوة جاعلا القفل يطير في الهواء ثم الثانية، وضع الحاسوب أرضًا، تطلب الأمر دقيقتين ونصف الدقيقة أو اكثر بقليل، لفتحه، ثم بنقرتين ظهر النص أمامه. أمسك برأسه بحركة عصبيّة وهو يصرخ “كيف يمكن لهذا أن يحدث، كيف كيف؟”

كان النص شبه فارغ فاغلب الفقرات يكسوها البياض مثل رأس كردي غزاه الشيب، فجأة لكن المفاجأة التي جعلته يصرخ هو ما كتب بالخط العريض في أسفل الورقة:

“لقد مللت احتجازك لي، أغادر نصك هذه المرة بإرادتي، أنا الآن حرّ، أنا خارج النص”.

***

وضعَت الظرف فوق الطاولة بجانب سريرها بشكل يمكنُ رؤيته بسهولة، ثم أفرغت كلّ ما في القنينة من حبوب في حفنتها وبحركة واحدة رمتها كلّها في فمها و ألحقت بها جرعة من الماء.

تدحرجت الحبيبات البيضاء داخل بلعومها بشكل منتظم وكأنها قد نظمت في خيط رفيع إلى أن وصلت إلى فتحة المعدة فتوقّفت الحبة الأولى بشكل مفاجئ جعل من الأخريات يتصادمن وراءها ويتكدسن فوق بعضهن. تساءلن عن سَبب هذا التوقف المفاجئ فصاحت الأولى برعب قائلة بأنها تخاف الأماكن السحيقة والمعدة تبدو من فوق كثقب أسود مستعد لالتهام وطحن كل شيء.

أحست بشيء يسد آخر البلعوم فأخذت الكأس من جديد وعبأت منه جرعة ثانية أكبر من الأولى، تعالت صيحات الحبيبات وهن يشاهدن الموجة العملاقة تقترب منهن لتحملهن بقوة إلي جوف المعدة. تناثرت الحبات وارتطمت على جدار المعدة مفتتة العقد الذي نظمن فيه كحبات لؤلؤ يمنيّ.

بحركة جميلة، أسدلت شعرها على الوسادة ثم أراحت خدها أولا وبالتدريج بقية رأسها. أرادت التأكد أن وضعية رقبتها مريحة. لن يمرّ وقتٌ طويل حتى يأخذها النعاس، نعاسٌ أبديٌّ تغادر فيه الحياة  بهدوء دون ضوضاء، موت رومانسي يداعب أجفانها ثم يسري إلى بقية جسدها فتتخدر أعضاؤها تدريجيا إلى أن يصل الخدر إلى القلب فيتوقف عن النبض بهدوء.

 ” ذاهبة أنا إلى الاعلى إلى المؤلف الأول لأخبره انني لم أجدني يومًا في نصّه وأنّ عليه في المرة المقبلة أن يرسله على شكل إيميلات، فالكلّ يمتلك الانترنت ولن يحتاج الى وسيط يعبث بنصّه في كلّ مرة”.

 

8

 

1

حين رأى “الحاج صالح” الطائر في واجهة إحدى محلات بيع الطيور في المدينة العتيقة، خفق قلبه بشدّة، واستعاد بسرعة شريط ذاكرته الممزّقة: لا شكّ أنه هو، ببّغاء يمينة. اقترب الشيخ من محلّ بيع الطيور، كان هناك شابّ قصير القامة، يلقّن عصفورا صغيراً الغناء، ألقى عليه الحاج صالح التحيّة، فرحّب به الشابّ، وهو لا يزال يصفّر للعصفور الصغير: تفضل حاج. دقّق الشيخ نظره في الببّغاء الرماديّ الضخم: نعم إنّه هو، بذيله الأحمر الطويل، وطوق النّحاس في ساقه، نعم إنه ببغاء يمينة.
عرف الحاج صالح يمينة في ماخور باب الغربي منذ منتصف التسعينات، كانت أيامها هي شابة في الثلاثينات تشتغل هناك، وكان هو في آخر كهولته لكنه لا يزال يشتعل فحولة، وكان يزور الماخور مرة في الأسبوع، فتتجاذبه القحاب وهنّ يضحكن، فكان يقضي وطره مع واحدة منهنّ، ويخرج مسرعاً، وفي إحدى زياراته جذبته يمينة بغمزتها التي تشبه ومضة البرق وبرائحة عطرها القوية، لم تتعامل معه كمجرّد زبون عادي، أشعلته بأنفاسها الحارة وأيقظت داخله العاشق الذي نام منذ نصف قرن، حين عشق ابنة عمه لمياء، وخطفها منه أخوه الأكبر “سيدي” كما كان يناديه، وحين أصبح جاهزا ليكوّن عائلة كما قال له والده أيامها، وجد نفسه مع امرأة لا يحبّها، أنجبت له قبيلة من المتخلفين ذهنياّ، وامتلأت بالدّهون مثل أنثى الكركدن، لذلك هجرها وأصبح حريفا كريما في ماخور باب الغربي. منذ عرف الحاج صالح يمينة أصبحت عشيقته التي يختزل فيها النساء جميعهن، حتى بعد عودته من الحجّ لم يصبر على زيارتها، بعد ذلك صار يلتقي بها في شقتها التي تكتريها في إحدى العمارات في ترو كديرو، وكان يقاوم صعود الدرجات إلى الطابق الثالث، مفضلا ذلك على ضحك القحاب منه داخل الماخور، ونظرات الناس إليه وهو يخرج متسللا من الماخور.

2

أعاد الشابّ ترحيبه بالشيخ: تفضل حاج
يزيد فضلك عيش ولدي.
الحاج صالح لا يفقه شيئا من تربية الطيور، لكنه تاجر خبير، ويجيد المقايضة، فحوّل نظره عن ببّغاء يمينة، وأشار نحو ببغاء أخضر صغير: كم ثمن هذا؟
الزوج بمائة دينار يا حاج. هو ببغاء كويكر، وهو باهظ الثمن، لكن الكساد بعد الثورة اضطرّنا للبيع بالخسارة.
أشار الحاج لأنواع كثيرة من الطيور، وحين تأكّد من ضجر الشاب بائع الطيور منه، أدرك أنّ الفرصة حانت لاقتناص غايته، فنظر نحو ببغاء يمينة وسأل الشابّ ببرود:

ـ وهذا العجوز الرماديّ كم ثمنه؟
ـ هذا لا يناسبك يا حاج؟
ـ لأنه عجوز مثلي هههه
ـ لا لا إنه بذيء 
ـ ما معنى ذلك؟ 
ـ لقد باعه لي شابّ سلفيّ، قال إنه فشل في تلقينه كلام اللّٰه والدعاء الصالح، وقد ضاق صدره من الكلام البذيء الذي كان يردّده الببغاء، ولولا تدخّل زوجته التي استعطفته أن يطلق الطائر في سبيل حاله، لدقّ عنقه. في الأخير فكّر في بيعه، وعرضه عليّ، وأنا اشتريته وندمت، فهو يسبّب لي الكثير من الحرج مع الزبائن، خاصة مع السيدات.
ـ طيب، سأشتريه أنا منك
ـ لكن يا حاج..  
ـ لا أريد كلمة “لكن”. سنتفق في ثمنه، وسألقّنه في بيتي كلام الله ووصايا السلف الصالح. قل كم تطلب ثمنا له؟.
ـ هو لك إذا، هو ببغاء رمادي إفريقي ذو ذيل أحمر، هذا النوع نادر وباهظ الثمن، صدّقني لو يلحظه أحد السائحين الإنجليز أو الألمان سيدفع مقابله ثمن سيارة، لكن أنت تعرف حال البلاد بعد الثورة الكلبة.
ـ ما رأيك في خمسين دينارا ثمنا له؟، هذا كلّ ما أملكه. 
اتفقنا. قالها الشابّ بلهفة، وهو يمدّ يده نحو الببغاء، ليخرجه من القفص.

3

أول مرة رأى فيها الحاج صالح الببغاء الرمادي كانت في شقة يمينة في زيارته الثانية لها، هو يتذكّر جيدا ذلك اليوم، حين نزع برنسه وألقاه على فوتاي في ركن صالة الجلوس الصغيرة التي كانت تستقبله فيها يمينة، وقبل أن يجلس سمع صوتا قويا يأتي من جهة المطبخ يقول: يا ولد القحبة. فقام مذعورا، بينما كانت يمينة تتقلّب على الفوتاي من الضحك. من هذا يا ابنة الق…..؟ قال الحاج وهو يلتفت جهة الصوت الذي عاد قويا هذه المرة: يا ولد الق….. ظنّ الحاج صالح أنّ يمينة أوقعته في فخ للضحك منه، وهمّ بالتقاط برنسه ومغادرة شقتها، غير أنها قفزت إلى المطبخ وعادت وهي تضع الببغاء على كتفها. نظر الحاج إلى الطائر الغريب وهو يمسك بطرف سوتيانها من جهة نهدها الأيسر، بينما ذيله الأحمر الطويل يهبط على زندها، نظرت يمينة إلى ببغائها، وقالت: رحّب بضيفنا، فصرخ: يا ولد الق……قال الحاج: ترحيب جميل يليق بالضيف. فضحكت يمينة، قال الحاج: ابعدي هذا الشيطان عن كتفك. قالت: أحسست بالغيرة. ضحك الحاج صالح وهو ينحني ليجلس على الفوتاي، كان هذا ما أحسّ به تلك اللحظة: الغيرة على حبيبته الشابة من ببّغاء رماديّ عجوز. ولتغيظه أكثر، كانت تزمّ شفتيها وتقرّبهما من الببّغاء فيفتح منقاره المعقّف مخرجا لسانه الرقيق ويقبّلها، فيصرخ الحاج: يا ولد الق……، وتضحك يمينة حتى تدمع عيناها.

4

سار “الحاج صالح” نازلا من المدينة العتيقة، متوجها نحو كورنيش بوجعفر، بينما الببغاء كان ملتصقا بمعصم يده اليمنى، مختبئا تحت البرنس. قال الشيخ مخاطبا الطائر: يا ولد الق….. أصبحنا غريبين معا، تركتنا يمينة وغابت، ليتك كنت حماما زاجلا فتأخذنا الآن إليها، لكنك لم تتعلم سوى الكلمات البذيئة، ماذا يفيدنا الآن لسانك السليط؟. أحسّ الحاج صالح أنّ الببغاء يعاتبه، ويقول له: وأنت ماذا فعلت حين رجتك يمينة أن تتزوجها وتريحها من العذاب الذي كانت تلاقيه في ماخور باب الغربي بعد الثورة، ألم تلتصق بك وهي ترتعش من الذعر، وتتوسل إليك باكية أن تنقذها، ألم تحدثك عن السلفيين الذين حاصروهم مرة بالخناجر والسيوف، وهدّدوهم بالحرق، وحدّثتك عن الشابّ الملتحي الذي اقترب منها يوما، ودعاها أن تعلن توبتها ويتزوّجها، ثمّ يذهبان للجهاد معاً في سوريا؟. ألم يحدث كلّ هذا، وأنت واقف أمامها ببرنسك مثل تمثال ابن خلدون؟ تكلم يا ولد الق….. ألا تستحقّ أن تُسيّج بالأسلاك وتقف قبالتك دبابة عسكرية ويلقي عليك الحمام المذعور من صوت لاكريموجان فضلاته مثلما يحدث الآن مع تمثال ابن خلدون.
أحسّ الحاج صالح بدموعه تفيض على خديه، وتبلل لحيته البيضاء القصيرة، كان لحظتها قد بلغ شاطئ البحر، الوقت منتصف النهار في يوم جمعة من ديسمبر الحزين، شعر برغبة في البكاء، وأراد أن يكون بكاءه إلى اللّٰه، مسح بيده اليسرى على رأس الببغاء، وقال: لنذهب الآن ونصلّي الجمعة معا.

5

وصل الحاج صالح الجامع، وقد تخفّف قليلا من حزنه، جلس آخر المصلين الذين تقرفصوا قبالة محراب إمامهم، سكنته أحاسيس متناقضة لم يسيطر عليها، رغبته في البكاء في بيت اللّٰه، حقده على البغال الملتحين حوله بعطورهم الثقيلة وقمصانهم التي تُظهر مؤخراتهم التي تذكّره بزوجته التي هجرها منذ سنوات. لا شكّ أنّ أحدهم هو الذي سرق منه حبيبته. صعد الإمام إلى محرابه، وبدأ يخطب في المتقرفصين أمامه، قال: نحن أمّة كرّمها اللّٰه بالإسلام….لحظتها أخرج الببّغاء رأسه من تحت برنس الحاج، وأطلق صوتاً حادّا: يا ولد القحبة. تململ المتقرفصون وهم يهمهمون وامتقع وجه الإمام، وشعر الحاج صالح بالحرج وهو يحاول السيطرة على الببغاء. قال الإمام وهو يضرب بعصاه على خشب المحراب: من لغى فلا جمعة لهْ. قالها بنبرة حادة، فردّد البوق المثبّت في صومعة الجامع صدى جملته: لهْ لهْ لهْ لهْ… قال الإمام: نحن الأمّة الوحيدة التي سيشفع لها نبيها يوم القيامة، وستدخل الجنة بفضله…. وما كاد يكمل جملته، حتى أخرج الببغاء رأسه من تحت البرنس الذي يلفّه، وصرخ: يا ولد القحبة. تململ المتقرفصون بمؤخراتهم الكبيرة وهم يحاولون التلفّت ولا يقدرون، وكان الإمام يضرب بعصاه على خشب المحراب: من لغى فلا جمعة لهْ. والبوق المثبّت في صومعة الجامع يردّد خلفه: لهْ لهْ لهْ لهْ… أثار المشهد ضحكة في أعماق الحاج صالح، خلّصته من حرجه، وبرّدت حقده على الذين عذبوا حبيبته وسرقوها منه، أحسّ أنّ الببغاء ينتقم لصاحبته، فمدّ إليه يده تحت البرنس ماسحاً على منقاره، كأنّه يشجّعه على التكلّم. أصبح الأمر سجالا بين الإمام والببغاء. تستطيع القول إنها صلاة كوميدية اختصرها الإمام بأدعية قصيرة بعد خطبة الجمعة، وبسورتين قصيرتين من القرآن الإخلاص والكوثر، قبل أن يسلّم على الملائكة، ويلتفت جهة الصوت قائلا: الرجاء عدم السماح بدخول الصبيان مستقبلا. أحسّ الحاج صالح بنشوة المنتصر، وهو يخرج من الجامع، متأبّطا ببغاءه البطل، الشيء الوحيد الذي لطّخ انتصاره هذا، أنّه لم يتجرّأ هو ويقول للمتقرفصين أمامه: يا أولاد الق ….

6

منذ سنوات، كان الحاج صالح يعيش وحيدا، في بيته الريفيّ قرب مدينة سوسة، بعد أن هجر زوجته، وألّبت عليه أولاده التيوس كما يسمّيهم، فترك لهم كلّ الحوانيت التي يملكها في المدينة، وسكن بيته في حقل الزيتون، مكتفيا بما يصله من كراء دكّان له في المدينة العتيقة، وما تجود به شجرات الزيتون، عموما كانت حياته جميلة وهادئة لا تعكّرها كوابيس الشيخوخة، كان يأكل جيدا، ويتعامل بكرم مع سواق التاكسيات الذين يوصلوه إلى بيته، ومع المرأة التي تطبخ له وتنظف بيته وهي زوجة جاره الفقير، فهو لم يكن يبخل عليها أبدا بشراء الكتب المدرسية لأطفالها والتكفّل بملبسهم ومأكلهم حين تتعسّر سبل والدهم في إيجاد عمل، كان الحاج نهرا يغذّي جداول كثيرة وكانت يمينة هي النبع الذي يكوّنه، ويملؤه بالحنان وحبّ الناس، وحين غابت، جفّت أحاسيس الشيخ الرقيقة، وغلظت طباعه، وأصبح منعزلا ولامباليا بمن حوله، أصبح قبرا يتحرّك ببطء، وينمو فوقه شوك كثيف، لا أحد يفكّر أن يربّت عليه، حتى زوجة جاره يئست من الإلحاح عليه بترك مفاتيح البيت لها، لتنظف غرفه وتطبخ له شيئا يدفئ أمعاءه. حين وصل الحاج صالح ببغاء إلى بيته ومعه ببّغاء يمينة، أحسّ أنه مقصّر في حقّ طائر حبيبته، فالبيت الذي نسجت العنكبوت شباكها في زواياه واختنق برائحة الرطوبة الثقيلة، لم يكن لائقا بساكن البيت الجديد، رأى الحاج صالح في الببغاء رسالة تركتها له يمينة قبل اختفائها، بل إنه كان جزءا منها، لذلك اجتهد في الاهتمام به، وفتح بيته لزوجة جاره حتى تهتمّ به كما تفعل، عاد النهر العجوز إلى جريانه، وفي ليالي الشتاء الطويلة كان الحاج صالح يسامر الببغاء، ويحدثه عن يمينة، ويستمع معه لأغاني فريد الأطرش الحزينة، فيتخفف من إحساس شوقه الحارق إلى حبيبته، وكان يطعم الببغاء الفواكه التي تحبها يمينة، وحين يتذكر جلاّديها، كان يأخذ معه الببغاء إلى الجامع، المكان الوحيد الذي يشتمهم فيه، ولا يقدرون على الرّدّ عليه.

3

يخالُ الناظر إلى الصّورة الكبيرة المُعلقة على حائط الصالون الواسع أنّ فيها خللا ما. هو خلل لا يستطيعُ تحديده من النظرة الأولى، وربّما ليس من الثانية، ثمّ لا حرجَ عليه إن أدام النظرَ إليها، فهذه الصور الكبيرة وإطارها المختار بعناية علّقت هناك كي ينظر الجميع إليها ويُدقّق في تفاصيلها الثابتة. لكنّ هذه الصّورة ليست كصور الزّفاف الصخريّة الصّامدة التي تطلّ منها وجوه مبتسمة ونظرات متعلّقة ببعضها أو بالمدى المُمتد أمامها. هي صورة قديمة وربّما باهتة قليلا، النظرات ليست عاديّة، أو ربّما لعبة النظرات ليست مألوفة.

وتوقّفت الصورة عند تلك اللحظة، جمعتها كلّها بوضوح وبساطة. عريس جامد الملامح ينظرُ إلى الفراغ أمامهُ، وعروسٌ تنظرُ إلى يمينها الذي يظهر منه طرف خشبيّ ضخم لشيء يشبه الخزانة. هكذا يتمّ تعليب الزّمن دون مراعاة تاريخ انتهاء الصّلاحيّة، ومعه نحفظ في الإطار بعض القناعات الخفيّة وبعض الرضا أيضا لأيّام نسأل فيها: هل حقّا مضتْ عشرون سنة؟ ثلاثون؟

المرآة المعلّقة في غرفة النوم بما تحملهُ من ندوب بشعة على سطحها تُطيح بأكذوبة الصّور والزّمن المعلّب. أمامها تُحصي العروس القديمة التجاعيد الجديدة وتنعى النضارة الزّائلة ثمَّ تُربّت على كتف القناعة والرضا قبل أن تنتهي صلاحيّتهما.

القناعة أنّها تزوّجت مقابل ثروة حضاريّة على شكل خزانة خشب عملاقة. هي القناعة الّتي أورثتها الرضا، وكلاهما كانا كفيليْن أن تعيش. لا تعرف إلى متى يعود تاريخ هذه الخزانة، ولكنّها كانت سببا في حياة زوجيّة هادئة لجيلين أو ثلاثة من النساء تنتهي بحماتها. وتبدأ بها جيلا رابعا.

هذه تزوجت مقابل عشر أساور ذهب، وتلك مقابل غرفة واسعة أنيقة في بيت حماتها، وأخرى ضرّة مدلّلة على زوجة عاقر. 

ووردة تزوّجت مقابل خزانة خشب تلمُّ بين دفّتيها المتينتيْن فرشات صوفٍ سميكة.

كانت عروسا نضرة حين سمعت إحداهن من وراء الحائط تقول للأخرى بينما كانت هي تنشر غسيلها :

ماردٌ من خشب يطغى على حضور عروسيْن في صورة زفافٍ تقليديّة. وقفا بجانبه يُرتّبان نظراتهما ووقفتهما المرتبكة.

كانت تكن له تقديرا عظيما، لذلك العملاق الخشبيّ. أمّا زوجها فكانت مطمئنّة أنّها تقوم بواجبها اتّجاهه زوجة مطيعة ومدبّرة، ولا مجال للمقارنة بينهما. الغلبة للأوّل، ولولا شموخه في غرفة الصالون الواسعة لخالطها شعور بأنّها سيقت إلى بيت الزوجيّة كنعجة عجفاء. حافظت عليه كما تحافظ على كرامتها. مجوهراتها القليلة باعتها كلّها، ملابسها لم تعد تحتفظ إلا ببعض قطع لم تتلف ولم تتلاشى رائحة الذاكرة فيها.

إلا الخزانة! حرصت على الاعتناء بها كواحد من أولادها الأربعة. طقوس تنظيفها وترميم أطرافها التي تخدشها مكنسة عمياء أو عابر مُتكاسل كانت تحاكي طقوس الفرح في أسرتها القريبة. وأحيانا تتفوّق عليها. هذه المقارنة في أعماق تفكيرها لم تكن تسبب لها الحرج.

كل بيوت القرية معظمها استغنت عن فرشات الصوف واللحف الثقيلة، فلم تعد هناك حاجة إلى خزانة كبيرة مبتورة الأبواب يحفظون فيها فراشهم. قلّة من البيوت كانت تجعل من غسيل الفرشات وتنجيدها موسما احتفاليّا لتُرتّبها بعدها زاهية في خزانة خشب متواضعة. وهي كانت مواسمها أكبر من غسل فرشات لم يعد لهنّ استخدام إلا نادرا، كانت مواسم لإعادة البهاء لفكرة أنّها زوجة ممهورة وأنّ مهرها لا يقلُّ عن أيّ من قريناتها المتزوجات.

كبر أبناؤها وزوّجتهم جميعا دون قلقٍ كبير. لم تعرف أنّها ستتعوّض بكثير منه، ذاك القلق عندما يتقدّم لابنتها شابٌ لا يملك سوى غرفة صغيرة متواضعة اقتسمها من بيت أهله، وأنّ ابنتها ستحبّه وتتمسّك بالزواج منه رغم شُحّ حاله. لم تسمح قديما لنساء الحيّ أن يسخرن من حالها، أو لم ترضَ أن يتسلّل إلى قلبها إحساس بأنّها أقلّ من أيّ واحدة منهنّ. ولكنّها الآن وهي تزوّج ابنتها مقابل لا شيء كيف ستحميها من أن تصغر أمام صبايا القرية؟ لا يبدو أنّ هذا الأمر يعني ابنتها من قريب أو بعيد، فكيف ستحمي نفسها وهي تسلّم ابنتها عروسا مقابل لا شيء؟

لا شيء.

في ساعات الصّباح والبيت كلّه منشغلٌ في الاستعداد لزفاف البنت الوحيدة توقّفت أمام البوابة الكبيرة شاحنة عملاقة نزل منها خمسةُ رجال أقوياء بعضلات تكاد تخترق أكمام قمصانهم الضيّقة.

خلال دقائق كان الرجال الخمسة يحملون بصعوبة خزانة ثقيلة ويضعونها في الشاحنة متّجهين نحو بيت العروس هديّة من أمّها. العيون التي كانت تتفحّص العروس الخجولة راحت تُتابعُ المشهد المُثير وتراقب الأمّ وهي تنبّه الرجال ألاّ يخدشوا حملهم:

على مهلك، على مهلك! احذر هذه الحافّة، انتبه يا رجل هناك عتبة! أووووف ألا تفهمون كم تساوي مثل هذه الخزانة؟

ربّما أرادت أن تقول: ألا تعرفون أنّني قايضتُ بها حياة كاملة؟

قد لا يكون أحدٌ منهم يعرف ماذا يعني هذه الّتي قايضت بها حياة كاملة؟ هو ليس أكثر من خزانة ثقيلة مبتورة الأبواب.

“طلعة خزانة أم طلعة عروس؟”

 لا بدّ أنّ هذه العبارة كانت على لسان كثيرين أو في أقلّ تقدير حضرت في محاولتهم لنقل تفاصيل العرس الغريب لمن فاتته المُشاركة. في أحاديث النميمة الصباحيّة كانت حاضرة بقوّة، لا شكّ في ذلك.

“طلعة خزانة أم طلعة عروس؟”

لأيّام طويلة وبعد أن احتلّ صالون بيتها فراغ واسع ألحّ عليها سؤال غريب:

أليست الحياة التي عشتها هي وعاء أيضا؟ وأيّ حجج تعلّقتُ بها للإبقاء عليه، أقصد عليها؟

بعد أيّام كانت أريكة الزّوج ذات العشرين عاما تحتلّ المساحة التي تركتها الخزانة وفوقها مباشرة صورة الزّفاف القديمة الباهتة. الزّوج لم يسأل ولم يعترض. جلس على حافتها وصرخ متجهّما كعادته طالبا قهوته.

ضحكت من قلبها وهي تقدّم له فنجانه.

ليس هناك أمرٌ مسلٍّ أكثر من زوجٍ خشبيّ يلحُّ في طلب قهوته الحلوة.

* قصّة من المجموعة (الطلبيّة C345) الحائزة على جائزة ملتقى القصّة القصيرة العربية عام2019

 

7