أوقف أبو مصطفى عربته بمحاذاة الرصيف وربّت بيد كبيرة متشقّقة على رأس الحصان ثم قصد الدكان القريبة، وابتدأ يحمل على ظهره الاكياس الملآى بالحطب، وينقلها الى العربة. وكان الحصان حانقاً دونما سبب. وقد تبدد غضبه قليلا حين عثر على قطعة من قشور البطيخ، فَمَضى يقضمها بسكينة.

وتنبه فجأة الى أن ثمة ولدًا صغيرًا يقف على مقربة منه، ويرمقه مبتسمًا. فقال الحصان لنفسه: “أنا لا أعرفه وسأرفسه إذا دنا مني. سأرفسه رفسة قوية تكسر رأسه”.

وانتهى الحصان بعد حين من مضغ قشرة البطيخ، فانتابه الاسف لانتهائها، وراح يتطلع بغيظ الى الولد وهو يقول لنفسه: “سأرفسه”.

وكان أبو مصطفى في تلك اللحظات مازال منهمكاً في نقل أكياس الحطب ووضعها على سطح العربة٠ وأحس الحصان بالتعب، فقال لنفسه متذمراً: “العدالة مفقودة”.

وكان الحصان قد ولد في المدينة، وقضى حياته كلها في طرقاتها المفروشة بالأسفلت، ولم يغادرها مطلقا. وكان يعرف أن أجداده القدامى كانوا يمرحون طلقاء عبر البراري الشاسعة حيث لا أبنية فيها ولا جدران من حجر، ولكنهم ماتوا جميعاً.

وانحنى الولد، والتقط قشرة بطّيخ كانت بمنأى عن الحصان ثم اقترب على مهل، فَهمّ الحصان بالتراجع غير أنه تريث متشجعاً. ومد الولد قشرة البطيخ نحو فم الحصان. فتردد الحصان لحظةً خاطفة ثم تلقفها دهشًا، وطفق يمضغها بغبطة، وسمح للولد بأن يربت على عنقه بيد أنيسة صغيرة.

وأتمّ أبو مصطفى نقل أكياس الحطب الى العربة. وعندما لاحظ وجود الولد قرب الحصان صاح به: “ابتعد يا قرد”.

ثم لوّح بالسوط، مطلقًا صيحةً آمرةً بالمسير، فاندفع حينئذ الحصان الى الامام، يجر العربة الثقيلة بتباطؤ.

وسارت العربة عبر طرقات عديدة، و بلغت بعد حين شارعًا عريضًا تنتصب الأبنية الحجرية على جانبيه ولم تكد العربة تتوغل حتى اعترض طريقها واحد من رجال الشّرطة، فَصَرخَ أبو مصطفى بالحصان بصوت ممطوط: “هش”.

قال الشرطي: “ألا تعرف أن مرور العربات ممنوع في هذا الشارع؟”. فقال أبو مصطفى: “أعرف”.

“ولماذا جئت اذن من هنا؟”

“الحصان.. أنظر.. الحصان تعبان جداً، واذا مررت في هذا الشارع فسأوفّر على الحصان مشيًا كثيرًا”.

فغمر الحصان حنان عارم. وقال الشرطي: “سَير العربات ممنوع في هذا الشارع. انه للسيارات وللناس الذين يسرون على أقدامهم فقط”.

قال أبو مصطفى: “أعرف”.

ولعق شفتيه بلسانه، وأردف قائلاً: “الحصان تعبان وسينقطع رزقي اذا هلك، و أموت جوعاً ويموت  أولادي.. لي أربعة أولاد”.

“ارجع. ولن أعاقبك لمخالفتك النّظام والقانون”.

“لي أربعة أولاد يأكلون حتى الحجر”.

وأطلق أبو مصطفى ضحكة قصيرة جافة وكأنّها مدية صغيرة شرسة، ثم أضاف قائلاً: “سأقول الصدق.. أنا لا أخاف على الأولاد إنّما أخاف على أمهم”.

 فقال الشرطي متسائلا بفضول: “ولماذا تخاف عليها؟”

وكانت الاشجار خضراء على جانِبَي الشّارع، وتمتدّ في الأعلى سماء رحبة زرقاء. وأجاب أبو مصطفى: “أخاف أن يأكل الأولاد أمهم إذا جاعوا. أسنانهم فظيعة”.

ومرّت سيارة تسير بسرعة كبيرة، فَنَفخ الشرطيّ في صفّارته، فَلَم تتوقف السيارة، واستطاع الشرطي أن يلمح رقم لوحتها قبل أن تنأى عن بَصَره، فسجّله على غلاف دفتره. والتفت الى أبي مصطفى محتقن الوجه غيظاً، وقال له: “هيا ارجع”.

“دعني أمرّ هذه المرة فقط”.

 فقال الشرطيّ بصرامة: “ألم تسمع ما قلت؟ ارجع”.

“مرّة واحدة فقط”.

“ارجع. القانون قانون ولا فائدة من التوسّل”.

“الحصان تعبان”.

“هيا ارجع”.

“الله يحفظك لأمّك”.

“الله لا يحفظني، أنا لم أخترع القانون. أنا أنفّذ أوامر صادرة إليّ، وأنت يجب أن تطيع هذه الاوامر”.

فلم يفه أبو مصطفى بكلمة إنما تخيل القانون مخلوقاً ضخماً له آلاف الأيدي: القانون يأمر الشّرطيّ فيطيع الشّرطيّ، ويأمر الشّرطيّ أبا مصطفى ويجب أن يطيع أبو مصطفى الأوامر.

ووقف أبو مصطفى مترددًا هنيهات، فصاح به الشّرطيّ: “ارجع. واذا لم ترجع حالا فستندم”. فاتجه أبو مصطفى نحو العربة، وكان غضب الحصان عندئذ قد بلغ الذروة، فجمع قوته كلها، واندفع جامحًا الى الامام، فبوغت الشرطي بالعربة المندفعة نحوه، وحاول أن يقفز الى الرصيف، فلم يتمكن، وصدمه الحصان، فسقط على الارض منطرحاً على ظهره، ووطأت صدره سنابك الحصان ثم مرت فوقه عجلات العربة وتخضبت بالدم الاحمر. ودهش الحصان حين رأى صاحبه لم يبتهج إنما امتلكه الذعر والوجوم ثم انطلق يركض هارباً. وبعد لحظة توافد الناس مهرولين، وتحلّقوا حول العربة، يتألق في عيونهم الخوف الممتزج بالشهوة الخفية، كأن الشرطي المسحوق ليس إلا جسد امرأة جميلة.

ولم يتفرق الناس الا عندما حضر رجال الشرطة، وبادروا الى اعتقال القاتل. وَكان القاضي عادلا، فسيق الحصان في فجر أحد الايام الى ساحة رئيسية خيل الى الحصان أنها ما تبقّى من البراري.

ووقف الحصان مبتهجاً لأنّه قبل وصوله الى الساحة قد اجتاز شوارع عريضة كان يُمنع من السير فيها من قبل، ولكن بهجته لم تدم طويلا اذ تدلى بعد حين مشنوقًا.

(من مجموعته القصصية “الرّعد”، 1970)

 

1

 منذ ثلاثين عامًا وتزيد. تعرّفتُ إليه وهو في الرابعة والعشرين، وكان تخرّج للتوّ من مدرسة السياقة في المدينة. في بطاقة هويته كتبوا إلى جانب المهنة: “سائق باص”، وكانت هذه كفيلة، إلى جانب صورته البراقة، بأن تدخلني إلى قفص الزوجية الذي بناه لي، في قريتنا الجميلة النائية.

كنتُ في أثناء الخطوبة أحلمُ ليلَ نهارَ بالرحلات وبالفُسح الجميلة والطويلة التي سنقضيها سويةً، ولم أفهم حتى اليوم ما قصدته أختي الكبرى في إحدى ليالي السمر الصيفية على سطح البيت، حين قالت لي بدلع وحياءٍ مكظومٍ وصوتٍ مكتومٍ: “كرسي الباص الأخيرة طويلة، ولن تنسي طعمتها”.

قبل الزفاف بيومين، حين تجمعت كل صديقاتي في القرية لليلة الحناء، أخذنَ جميعهنّ بالتندر على شكلي وأنا جالسة في الكرسيّ الأول من وراء زوجي، وهو يصطحبني في رحل ونزهات كُنّ جميعهنّ يحلُمن بها. إحداهنّ حلُمت بالذهاب إلى القدس، والأخرى إلى يافا والثالثة قالت بتأكيد غريب: “بانياس أجمل الأماكن في العالم! دعيه يأخذك إلى البانياس”.

لم نفهم وقتها تأكيدَها القاطعَ هذا وسألناها عمّا إذا كانت ذهبت إلى البانياس، فأجابت بأنّ أخاها كان هناك قبل سنة وقال إنها أجمل الأماكن في العالم. وضحكنا حتى دمعت أعيننا… ثم قالت أختي الصغرى بحسد واضح وافقها الجميع عليه: “أنتِ ونحن نسمع بالأماكن والرحلات، بينما ستكون أختي هي الوحيدة التي سترى هذه الأماكن بحق وحقيقة”.

وتنهّدتُ بفرحٍ وخوفٍ كبيريْن.

2

أستيقظ في كلِّ صباح في الخامسة فجرًا. أطبخ لنفسي غلاية صغيرة من القهوة السوداء الحلوة وأستقبل الشمس القادمة من رحلتها وهي حمراء ناضجة نضوج التين “الحمّاري” في كرم والدي المرحوم. أشربُ قهوتي بصمت ولا أضايق الشمس الآتية من رحلتها اليومية. لا شكّ في أنها مرهقة جدًا الآن، ولا تنقصها ثرثارة مثلي لتروي لها عن حياتها مع زوجها سائق الباص. أشربُ القهوةَ وأحلمُ برحلات الشمس اللانهائية، وأتمنى لنفسي واحدةً منها على الأقل.

في تلك الهنيهة الصباحية لوحدي، أكتشفتُ لوحدي، أنّ الشمس تزور عمليًا كل العالم في 24 ساعة، كلّ يوم! ما أقواها وما أجمل حياتها، هذه الشمس. تطوفُ كلَّ العالم لوحدها، ومن دون كلل أو ملل، تطوفُ ولا تتعبُ، تمامًا مثلما وعدتْني أمّي قبلَ أن يأتي أهل العريس ليأخذوني من بيت أهلي بساعة. ثم مالتْ عليّ قليلاً وقالت بتوسّلٍ لم أعتقد أنه سيبدرُ عنها يومًا: “إبقي اذكريني في رحلاتكم الجميلة”.

عندما يستيقظ زوجي تكون غلاية القهوة الثانية قد نزلت للتوِّ عن قرص النار. لا يُنظف أسنانه أبدًا ومع ذلك فإنها ناصعة وقوية مثل أسنان الحصان. أمي كانت تقول دومًا إنّ زوجي يأتي من عائلة كل رجالها مثل الخيل: أقوياء وأصحّاء وأسنانهم كبيرة وبيضاء. حتى إنّ أبي المرحوم لم يُخفِ حماسَه من أحفاده الذين سأنجبهم له، لأنهم “سيُولدون كالخيل، يرفعون الرأس إلى أعلى”.

ومع ذلك وددتُ لو ينظف أسنانه، خاصةً في الصباح، حين يهمّ بي أحيانًا، وأنا أيقظه، فيشدّني من يدي ويستلقي فوقي على السرير ولا يكترث بشيء. لا ينتظرني حتى لأستيقظ كما يجب، أو لأغسل وجهي. وما أن أستيقظ كما يجب حتى يكون قد انتهى من اللهاث السريع ذي الرائحة الكريهة، فينكفئ على الجانب الآخر ويسأل بهدوء: متى ستنهضين؟

ولكنني ربّيتُ أبنائي على تنظيف أسنانهم. لا أريد لأيٍّ منهم أن تتضايق منه زوجته في الصباح أو قبل النوم. على أبنائي أن يكونوا رجالا أصحاء وجميلين وحسّاسين لنسائهنّ. ولو كانت وُلدت لي ابنة -كما أملتُ دائمًا- لكنتُ صنعتُ منها أفضل امرأة في الدنيا. ولكنتُ بعثتُ بها إلى الجامعة وعادت إليّ طبيبة تطبّب لي عظامي المتفكّكة ومفاصلي التي بدأت تلتهب. طبيب القرية قال لي إنّ عليّ أن أريحَ جسدي وأن أتوقف عن القيام بأية مشاغل صعبة. الحمار. لا يكفي أن يذهب المرء إلى الجامعة ويصبح طبيبًا، عليه أن يكون ذكيًا أيضًا وفطينًا. ومن سيقوم بكلِّ مشاغل العائلة والبيت؟ هو؟ لو وُلدتْ لي ابنة وصارت طبيبة أفضلَ منه بألف مرة لكانت علّمته درسًا في الحياة يسوى كل المعدات الباردة التي يضعها على جسدي عندما أذهب إليه. يضعها ويطيلُ وضعَها ولا أتبرّم لسببٍ لا أعرفه.

3

خمسة أبناء وكُلهم رجال متعلمون مثل الورود الحمراء البراقة في لحظة صفاء نادرة. أنظر إليهم ولا أتحسّر إلا على المرات التي لم أقبّلهم فيها أكثرَ مما قبّلتهم، لا أتحسّر إلا على المرات التي كنتُ أعلم أنهم يقظون فيها يدرسون وأنا خالدة للنوم.

البكر مهندس والثاني معلم والثالث ممرض والرابع تاجر في سوق يسمونها البورصة والخامس يعمل في بنك القرية. ما زال أعزبَ “قريد العشّ”. الوحيد الذي لم يستقرّ في بيت له، ولكنني أتمنى بيني وبين نفسي أن يتأخرَ قليلا أكثرَ، كي يُؤنسَ وحدتي في العصريات الطويلة التي يكون فيها زوجي غائبًا، يسوقُ الباصَ آخذًا أربعين أو خمسين شخصًا في رحلة جميلة.

المرة الأولى التي ركبتُ فيها الباص كانت بعد الزواج بيوميْن. كان ما زال فرجي يؤلمني من ليلة الدخلة، وكنتُ كلما تذكرتُ اللحظة الأولى أهرعُ للتقيؤ في المرحاض، متعللة بأمٍر ما قد أكون أكلتُه في ليلةِ الزفاف. ولكنني كنتُ على الرغم من شعوري هذا أنتظر بلهفةٍ ركوبَ باص الشركة الذي يسُوقه زوجي وأن نمضي معًا في رحلات طويلة نلحق بها أثر الشمس الغائبة، فلا تغيبُ. في المرة الأولى ذهبنا في الباص إلى المدينة المجاورة وتعشيْنا سمكًا مشويًا. كان لذيذًا، واستغرقني أسبوع حتى علمتُ فيما بعد أنّ هذه “الرحلة” كانت شهر العسل الذي يتحدثون عنه.

لم آبه كثيرًا بشهر العسل القصير، فقد كنتُ متأكدة من أنّ شهورًا من هذا العسل آتية لا ريب فيها. بعد أربعة أيام عاد زوجي إلى العمل. ولمّا عاد، طلب مني أن أنظف الباص الذي ملأه الطلاب الملاعين بالمُسليّات والمُكسّرات والقيءِ. نظفتُه كما لو كان غرفةَ نومِنا. عادَ يلمع مثل البلّور وعاد فرجي يؤلمني في تلكَ الليلةِ تمامًا كما في الليلةِ الأولى. ولكنني لم أنبس بكلمةٍ؛ فغدًا سيأخذني إلى رحلةٍ جديدةٍ.

4

صارَ ينطلقُ في كلِّ صباح إلى عملِه، إلى رحلاتِه، ولا يعودُ إلا في المساء. وبعد أن يتعشى، آخذُ أدواتِ التنظيفِ وأصعدُ إلى الباصِ الطويلِ وأُعمِلُ فيه تنظيفًا، حتى يعودَ جديدًا كما خرجَ من الشركةِ. مع الوقتِ صرتُ خبيرةً بالنفايات التي أجمعها من الباص، وبواسطتها صرتُ أتكهّنُ بأعمار المسافرين وطباعِهم وأهدافِ رحلاتِهم. في مراتٍ كانَ يعودُ الباصُ نظيفًا إلا من بعضِ الأوراقِ البيضاءِ المكتوبةِ عليها كلماتٌ بلغةٍ لا أعرفُها؛ في مراتٍ أخرى كان يعود مليئًا بأغلفة المسليات والنقارش وعلب المشروبات الخفيفة الفارغة، وبعض القيء هنا وهناك.

ومع الوقت أيضًا لم أعدّ أحسّ بأية آلامٍ عندما يهمّ بي، كأنّ مصدر الألم انطفأ إلى الأبد، ففرحتُ لانطفائه ولم أزل.

عندما ولدتُ الأول، وعدني زوجي سائق الباص برحلةٍ خلابةٍ أستعيد فيها عافيتي وأعوّض على ولادتي العسيرة الأولى. ولكنه نسي، بعد أن توفت حماتي من ولادة البكر بثلاثة أيام، وأنا خجلتُ من أن أسألَه عن الرحلةِ الموعودةِ، لأنه صار يعودُ في أغلبِ الأحيانِ غاضبًا ومُزمجرًا ويبرطمُ بعباراتٍ فيها شتائم ومسبّات على صاحب الشركة وعلى زملائه وعلى ظروف العمل المهينة. عندما وُلد الثاني لم يقترح أية رحلة، وأنا لم أفاتحْه بالموضوع؛ فالولادة الثانية كانت سهلة نسبيًا للأولى، ولم أعتقد بيني وبين نفسي أنني أستحق رحلة في باص زوجي على ولادةٍ سهلةٍ.

بعد أن ولدتُ الثالثَ تيقنتُ نهائيًا من أنَّ الرحلةَ التي أنتظرُها لن تأتي أبدًا. كيف سنخرجُ في رحلةٍ جميلةٍ وطفلي رضيعٌ والطفلان الآخران يبكيان لأتفهِ الأسبابِ؟

كنتُ استقبل صديقاتي الفرحات العائدات من رحلاتهنّ مع أزواجهنّ إلى القدس ويافا وبانياس وأبتسم تأدبًا، وأنا أستمع إلى تفاصيل مثيرة وأخرى مملة لا يتعبنَ من تردادها، وأتجاهل الواحدة منهنّ حين تقول على حين غرة: “ألا تحديثننا عن رحلاتك في الباص الجميل”؟

ومن دون أن أدري تحوّلت علاقتي مع الباص إلى علاقةِ دلوٍ مليءٍ بالماءِ والصابونِ، ومكنسةٍ وبعض أقمشيةٍ باليةٍ. في كلِّ يومين أو ثلاثة أصعدُ إليه وأمسحُ بقايا القيءِ والأكياسِ التي خلّفها الصغارُ خلفَهم. صرتُ خبيرةً في أنواع الأكياس وألوانها وأسماء المسليات التي بها، وهكذا صرتُ أشتريها لأبنائي عندما يهمّون إلى رحلةٍ مدرسيةٍ. كنتُ أملأ حقائبَهم بأشهى المُسلّيات وأودّعُهم دامعةً وهم يركبونَ الباصَ في الرحلةِ المدرسيةِ التي لم يكونوا ينامون في الليلة التي تسبقها. كنتُ أسمع همسَهم في الليل وهم يتجاذبونَ أطرافَ الجّمَلِ حول المكان الذي سيذهبون إليه وحول زملائهم وما اشتروه وكيف أنني دائمًا أشتري لهم أفضلَ المسليات، إلا أنهم كانوا يُجمعون دائمًا على أنّ زوجي أفضلُ رجل في الدنيا لأنه يأخذهم في رحلات المدرسة ويحفظ لهم دائمًا المقعد الأخيرَ الطويلَ.

وكنتُ أتقلّب في سريري وأنظر إلى السقفِ المعتمِ وأتذكرُ أنّ خالتَهم أيضًا كانت من مُحبّي المقعدِ الطويلِ في الخلف، مع أنها هي الأخرى لم تُجرّبه في حياتها.

في كل صباح كانوا يخرجون إلى المدرسة في الباص الكبير، الذي عتق وصار مهترئًا، ويتركونني لوحدي على قارعةِ المدخلِ ألوّحُ بيدي وأستنشقُ رغمًا عني دخانَ “الديزل” الأسودِ الكريهِ.

عندما وُلد الرابعُ حصل زوجي على باص جديد من الشركة. كان منظرُه خلابًا ونظيفًا وجديدًا؛ كان يعبق براحةِ أغطيةِ الكراسي الجديدةِ وكدتُ لفرطِ اندهاشي أن أقعَ إلى الخلف عندما قال لي زوجي بفخرٍ إنّ به فيديو وتلفازًا! ولكنّ فرطَ الدهشة جعلني أيضًا أندفعُ إلى الخلف مُروَّعَةً فاندلق دلوُ الماءِ والصابونِ الذي أحضرتُه لتلميعِ الأرضيةِ اللماعةِ أصلاً، فتوسختِ الأرضُ بالماءِ ووسّخَ قسمٌ منه أرجلَ أبنائي الواقفين خلفي، فاندهشوا وتريّبوا! فلطمَني زوجي بيده على وجهِي، كما يفعلُ عادةً عندما يغضبُ، وصاحَ: يا بقرة! ألا يليقُ بكِ حتى باص جديد؟

لم يفعل أبنائي شيئًا، بل نكّسوا رؤوسهم وخرجوا بصمتٍ من الباص، تاركينني أمسحُ دموعِي وأمسحُ الماءَ عن أرضيةِ الباصِ بسرعةٍ وحرصٍ كبيريْن، كي يتركني بحال سبيلي، فالأولاد يروْن!

منذ تلك اللحظة صرتُ أكره هذا الباص الجديد. أنظفه رغمًا عني، وبكسل واضح. حتى إنني كنتُ “أنسى” في كثير من الأحيان أكياسًا صغيرة أو بقعة قيء أعرفُ أنّ رائحتها ستزكم أنفه في اليوم التالي. لم يكن يهمّني؛ لو كان يهتم بتنظيف أسنانه لاهتممتُ به أكثر!

5

بدأ الأبناءُ بتركِ البيتِ للدراسةِ وصرتُ أحترفُ الجلوسَ عصرًا عند مدخلِ البيتِ أنتظرُ شبحَ الباص الجديدِ. وقد أحسَنَ بِكري صُنعًا -وأيّما إحسانٍ- حين ركّب على سطح المنزل صحنًا كبيرًا مُدوّرًا قال إنه يزيد على القنوات في التلفاز أكثر من 100 محطة، فلم أصدّقه إلا حين أخذَ يقلّب بينها، وقامت قيامةُ الأبناءِ الآخرين وزوجي، كلٌ يريد أن يشاهد محطة بعينها، إلى أن صاحَ زوجي ونهرَ، ثم أخذ يقلّب حتى وصل محطةً كان فيها رجلان يصرخان على بعضهما البعض. بعد برهة قال “قريد العش”: “هذه محطة اسمها “الجزيرة”. “محطة أخبار”.

ولكنني لم أحبّ “الجزيرة” يومًا، فهم يصرخون على بعضهم البعض طيلة الوقت. كنتُ أحبُّ مشاهدةَ الأغاني وبرامج التطبيب بالأعشاب والمسلسلات العربية. لا أعرف حتى الآن كيف صمدتُ طيلة الوقتِ من دونِ هذه المسلسلات. وأكادُ أقسمُ بأنني أذكرُ حلقاتٍ كاملةً من مسلسل “مفيد الوحش” و”الجوارح” عن ظهر قلب؛ فما أن ينتهي بثّ حلقاتِ المسلسلِ على قناةٍ ما حتى تبدأ قناةٌ أخرى ببثها، لتعيد القناةُ الأولى ببثها من جديدٍ في الليل المتأخرِ، وقناة أخرى وأخرى وهكذا، حتى استغنيتُ عن أية صلة بما حولي وصرتُ أنا والصحن المدوّر الكبير أعزّ صديقيْن: أنا أؤنس وحدته في الصالة، وهو يأخذني في رحلات لم يكن ليحلم بها أيّ سائق باص.

كان كلما يطلّ زوجي من بعيد تعودُني ذكرى الألم القاتل إياه من ليلة الدخلة، فأهرع للتقيؤ خلف البيت. فيما بعد قال لي الطبيبُ إنّ عندي جرحٌ في المعدة وإنّ القيءَ الدائمَ الذي ينتابني سببُه موادّ التنظيف التي أستعملها، فنصحني باستبدالها، فاستبدلتُها. ولمّا لم يتوقف القيء قال يائسًا: المهم ألا تأكلي كثيرًا، فتتقيّئين أقلَّ. وهكذا صرتُ آكل قليلاً، وأتقيّأ قليلاً وأنحف كثيرًا، وصرتُ أسمح للطبيب بأن يطيلَ وضعَ أدواتِه على جسدي كيفما شاء، وأحيانًا كان يستغني عنها ويتحسس مواضع الألم بيديه، مرتعشًا حتى يهدأ.

6

عندما رأيتُ هذه القطعةَ المطاطيةَ الطويلةَ لم أفهم ما هي. كما أنني لم أتيقن من هذا السائل اللزج المحبوس بداخلها. كانت القطعة المطاطية ملقاة في نهاية الباص على الكرسي الأخير الطويل، نفس الكرسي الذي قالت لي أختي قبل دهر من السنين إنني لن أنسى طعمَه. عندما تعرفتُ على رائحة السائل اللزج لم أتمالك نفسي فتقيأتُ على الكرسي ووسخته شرّ توسيخ. ثم صرتُ بعد هذه الحادثة أفتعل النوم في تلك الصباحات التي يأتيني فيها من الخلف، فيبلغ مشتهاه وأنا “نائمة”- فأريحُ وأستريح!

7

أجلسُ في كل صباح لوحدي، في الخامسة صباحًا، وأسأل الشمس بصمت عن رحلتها الطويلة. أنظر إلى الباص الذي يقودُه زوجي في رحلاته الكثيرة وأودّ لو أسأله عن الأماكن التي زارَها وعن الناس الذين رقصُوا وغنّوا على مقاعدِهِ ليومٍ كاملٍ. حتى أبنائي الذين أحبُّهم أقلّوا من زياراتهم وهُم لاهون عني بزوجاتهم وأحفادي الذين أنتظرُهم بفارغ صبرٍ.

ومنذ أن وُلد أحفادي وكل أبنائي وزوجاتهم يغيبون في رحلات طويلة، لا يشبعون منها، وأنا أنتظرهم دائمًا ليعودوا إليّ بخِمار شتوي أو بقطعةِ قماش أخيّطها على ذوقي. أبنائي أشبه ما يكونون بالرحّالة، يحبّون الرحلاتِ أكثرَ من أيّ شيءٍ آخرَ. فهكذا علّمتُهم وهم صغار: لا تفوّتوا رحلةً في حيواتِكم، ولا تفوّتوا فرصةً للسّفر مهما حييتم. اسمعوا مني، فأنا أمّكم وأعرف أكثرَ منكم في الرحلات!

صرتُ أرحلُ كيفما أريدُ وأينما أريدُ، وأنا جالسةٌ في مقابل القنواتِ الكثيرةِ حتى صرتُ أكرهُ الرحلاتِ الحقيقيةَ والباصَ وزوجي، وصرتُ أقلِل من الخروج إلى الشرفةِ أو مبارحةِ مكاني في الصالة. بعد أن أنهكني المرضُ وداءُ المفاصل، موّل لي التأمين الوطني مساعِدةً تأتي لتعينَني على مهمّاتي الحياتيةِ ولترتبَ المنزلَ المُقفرَ. فـ “قريد العشّ” قرّرَ السكنَ في المدينة، حيث يسكن أخُوه الكبير، “ففرصُ العمل هناك أكثرَ”.

صرتُ أجلسُ ساعاتٍ وساعاتٍ، أسافرُ في أيةِ رحلةٍ أريدُ، وفي أيّ باص أختارُ، وعبرَ أيّ مسلسلٍ أرتئيه. ومع أنّ نظري خفّ كثيرًا وسمعي أكثرَ، إلا أنني ظللتُ قادرةً على التمييز بين الصُور والأحاديثِ وأطيافِ الأماكنِ التي أراها على الشاشة.

وهكذا سمعتُ صوتَه من الداخلِ يصيحُ: “إلحقيني، إلحقيني، عَم بموت!!” إلا أنني لم ألحقه ولم أفعلْ شيئًا. ماذا يريدُني أن أفعل؟ ثم إنّ نداءاته خفّتِ الآن، ثم توقفتْ تمامًا. أعتقد أنه نامَ الآن. فلينمْ، ماذا يريدُ مني أن أفعلَ؟ فلينتظرْ. فأنا الآن في رحلة وعليه أن ينتظر ريثما أعود.

كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، واتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

 لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلا ميّتا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له:

قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


*من المجموعة القصصيّة “الطلبيّة C345″، منشورات المتوسّط، ميلانو، 2018.

 

ما إن لمح صديقة القادم من الوطن في صالة الاستقبال في المطار، حتى بادره سائلاً إياه:

* هل أحضرت الأمانة؟

مد صديقه يده إلى حقيبة معلقة على كتفه ثم قال وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:

* لقد دوختني بمكالماتك وقولك: “أحضر لي حفنة تراب.” ألم يغترب أحد غيرك يا رجل؟!

ثم أخرج من حقيبته كيسا مليئا بالتراب.

نظر بوجه يخلو من أي مشاعر إلى صديقه الذي قدم لتوه من الوطن، تناول كيس التراب ثم توجه صامتاً إلى القطار.

بقي صامتاً في القطار أيضا، لم يكن يسمع قرقعة عجلات القطار على السكة ولا ضحكات مجموعة من الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزينة بالزمام أو فتيانا يتصايحون فرحا بنصر فريق كرة يؤيدونه. كان يمعن النظر إلى الكيس المليء بالتراب بين يديه.

كان الذين يمرون بقربه على عجل وينظرون إليه، يتخيلونه سكران أو نائما. حتى عندما طلب منه مفتش القطار تذكرة الركوب، أخرج تذكرته من جيبه ورفعها في وجه المفتش دون أن يرفع بصره عن كيس التراب، زم المفتش شفتيه وتغيرت ملامحه وهو يعيد تذكرته إلى يده التي كانت ما تزال معلقة في الهواء.

ثلاثة أعوام مرت وهو بعيد عن وطنه. وفي البلاد الجديدة التي لم تكن لتصبح وطنه صادف مصاعب شتى. قضى سنة بكاملها في سكن للاجئين، وسكن في السنتين الأخريين في منزل أشبه بالكوخ الحقير. لم تسنح له فرصة تعلم لغة البلاد التي وفد إليها، ولم يتمكن من عقد صداقة مع أحد ولم يستطع تأمين عمل يناسبه.

كانت الأيام تمر ثقيلة عليه في تلك المدينة التي لم تكن لتفتح أبوابها له. كان سيجن لو لم يمتلك الهاتف الجوال. ومع أن هاتفه لم يكن يرن إلا نادرا فقد كان يسليه، إذ كان يطلب أرقاما لا يعرف أصحابها ويسارع بالاعتذار قائلا: عفوا لقد أخطأت الرقم! كان يسمع مرات كثيرة أصواتا عنيفة غاضبة تقول: لا تخطئ مرة أخرى! لكنه لم يقلع عن تلك اللعبة لحاجته إلى سماع صوت آدمي والتحدث ولو لثوان قليلة.

كانت دائرة الخدمات الاجتماعية في البلدة تضغط عليه كثيرا ليعمل، لكنه وضع تعلم اللغة نصب عينيه هدفاً أساسياً، ولكن لم يكن هناك أحد ليساعده في تحقيق هدفه ذاك، إلى أن انخرط ذات يوم في البكاء عند موظف الخدمات الاجتماعية الذي يشبه كرة ذات عينين زرقاوين ولسان ألثغ! قال وهو يجهش بالبكاء:

* أرجوك امنحني فرصة تعلم اللغة قبل العمل!!

دخل دورة اللغة لمدة ثلاثة أشهر لم يتعلم خلالها سوى ” أنا فلان، من البلد الفلاني” وبضع جمل للمداولة اليومية.

انهمرت الرسائل القادمة من دائرة الخدمات الاجتماعية مرة أخرى على صندوق بريده البارد الصامت الذي لم يكن ليجد فيه سوى تلك الرسائل الرسمية الجافة الخالية من أي عاطفة!

اضطر لتوزيع الإعلانات، فكان يمشي لساعات في تلك الشوارع الموحشة مثل القبور ليوزع إعلانات للمطاعم والحلاقين وحتى بنات الهوى وكذلك جرائد الإعلانات التي توزع أيام السبت والأربعاء. اسودت أظافر قدميه حتى سقطت. كانت الكلاب في كثير من الصباحات تخيفه بعوائها إذ يقترب من أبواب المنازل ليدس الإعلانات في شقوقها. كان يحس بطعم المرارة في حلقه ثم يكمل مشواره.

ليست الكلاب وحدها، بل أصحاب الكلاب أيضا كانوا يزجرونه قائلين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إليه أو الرد على تحيته الصباحية:

* لا ترم هذه الأوساخ في صناديق بريدنا!!

ثم يستقلون سياراتهم ويمضون.

كان يطأطئ رأسه مضطراً وهو يبلع ريقه ثم يغادر صامتا إلى صندوق آخر.

* * *

توقف القطار في المحطة التي تسبق محطة بلدته، نزل بعض الركاب و صعد آخرون، كانت مجموعة الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزممة ما زلن يضحكن لكن قطيع مشجعي الفريق الذي ربح مباراته الأخيرة نزل من القطار وأفراده يرفعون علب البيرة في الهواء.

نظر إلى تلك الفتيات نظرة خاطفة، ثم عاد إلى التحديق في كيس التراب وشد عليه قبضته كمن يخاف اختطافه، وهدر القطار من جديد.

كان يشعر بالوحدة أنى ذهب. في القطارات، في المطاعم، في الاحتفالات التي يقيمها الناس في الشوارع، في المتاجر الكبرى. ما كان يجرؤ على النظر في وجوه الناس. كان يخشى أن يتحدث إليه أحدهم بتلك اللغة التي لا يتعلمها، فلا يرد على الناس ويتظاهر بأنه لا يسمع.

ولأنه لم يكن يتحدث بلغته أيضاً، فقد خاف من أن يصيبه الخرس وأصبح يتحدث إلى البسط والنوافذ، وإلى الغيوم والصلبان المنتصبة فوق أبراج الكنائس. حتى أنه بدأ يتحدث إلى المانيكانات التي تزين واجهات المحلات أيضاً.

عندما وصل إلى البيت، فتح الباب وهمس بصوت خفيض للتراب الصامت بين يديه في قعر الكيس:

* تفضل ادخل!

وما إن اجتاز العتبة حتى قال:

* اعذرني لأنني أتيت بك إلى هذه الغربة ولكن كان يجب عليك الحضور!!

توجه في بداية الأمر إلى غرفة نومه ووضع كيس التراب عند وسادته التي ينام عليها، لكنه استدرك قائلاً:

* لا. ليس هذا محلك!

دخل إلى الصالون ووضع الكيس هناك. لم يعجبه المكان وأخذته الحيرة فأخذ يتنقل به من زاوية إلى أخرى في شقته الصغيرة إلى أن استقر به المقام في الحمام، فسكب ما بداخل الكيس من تراب على الأرض الباردة الرطبة. ارتفعت كومة من التراب المتعب الجاف الصامت الذي شهد آثار خطواته آلاف المرات، على أرض الحمام. كاد يسمع أنين التراب إذ ينسكب ذرة ذرة على تلك الأرض الغريبة.

تضاعفت دقات قلبه واغرورقت عيناه بالدموع. نظر إلى كومة التراب ملياً ثم قال بصوت مرتجف:

* ها أنذا يا تراب وطني أشم منك رائحة الخراب.

سكب جرعات كبيرة من البيرة في جوفه ثم واصل التحدث قائلاً:

“مضت علي ثلاث سنوات وأنا بعيد عنك، اعذرني إن كنت نسيت اللغة التي كنت أحاورك بها. اعذرني إن خاطبتك في هذه الليلة الموحشة بعدم احترام. هل تذكر عندما حاصر البوليس منزلنا ثم اقتحموا غرفتي؟ أتذكر عندما حطموا قلمي وأحرقوا أوراقي التي سطرت عليها أشعارا تحكي حبي لك، أمام عيني وعينيك؟ أتذكر حينما صادروا كتبي ووضعوها مثل أرانب خائفة في أكياس قذرة؟ لقد قيدوا يدي أمام عينيك – إن كانت لك أعين – وأخرجوني وهم يركلونني ليرموني مثل كيس تبن في سيارة جيب لونها كان يحاكي لونك؟ لقد بقيت وقتها، أيها التراب، صامتا تلعق أحذية قوات الأمن دون أن تشعر بآلام معصمي المقيدين!! وعندما عدت بعد أسبوع في السيارة ذاتها، كنت أنظر من خلال زجاج النافذة إليك، كاد قلبي يتفطر وأنا أرى عجلات سيارة الأمن تزني بك!!

كنت أنت الشاهد الصامت للفجيعة حينما كانت أحذية المخابرات ترسم نقوشا متوحشة عليك وأنت في صمتك ونومك الترابي!!

هل تذكر حين طحن العشق قلبي ذات خريف؟

نعم، بدون شك ما زلت تذكر عندما كانت حبيبتي تحث الخطى كل ظهيرة فوقك لتأتي إلى غرفتي وتضع يديها على عيني المنتظرتين وهي تسأل ضاحكة: من أنا؟ كنت أتغابى فأتحسس بيدي يديها اللتين تشبهان حمامتين أليفتين ثم أرفع أصابعي إلى شفتيها المكتنزتين الدافئتين وأنزل بها إلى نهديها التفاحيين و فخذها اﻟ … وأقول: أنت جنية!!

كنا نتقلب كغمامتين ثائرتين تلهو بهما رياح مجنونة.

كانت حبيبتي تنسج بخطواتها كل ظهيرة بساط الأكاذيب، وكنت أنت على علم بالفخاخ التي تنصبها أمامي، لكنك لم تهمس ولو لمرة واحدة في أذني: حذار من أن تتعثر قدمك بالفخاخ! لم تقل لي ولو مرة واحدة: يا مجنون! لا تثق بالسراب، سيموت قلبك عطشا!! لم تقل لي: لتنته هذه اللعبة، قلبك يتعرض للطحن!!

كنا صديقين أيها التراب. كتبت فيك أروع الأشعار. كنت أشمك بكل ما في رئتي من قوة. كنت أبقي على غبارك الملتصق برموش عيني و ثيابي أسابيع و أياما ولا أنفضه عنها!!

كنت أقول: هذا غبار مقدس، غبار التراب، التراب الذي يغفو أمام باب الدار، التراب الذي يحتضن طفولتي المخنوقة وشبابي الضائع”.

احمرت عيناه رويدا رويدا، وأصبحت علب البيرة المرصوفة على رف المرآة تفرغ علبة إثر علبة، لكنه استمر في التحديق بكومة التراب المنسكبة على أرض الحمام العارية الصامتة وهو يقول:

“أصبحت تائها شريدا. حملت قلبي المحطم وطفت به في كل الأماكن دون أن أجد أحدا يلملم شظاياه. كنت تراني عشرات المرات في حيرتي – إن كانت لك أعين – لكنك كنت تبقى في صمتك الأزلي.

أما كان عليك أن تصبح أمام حزن خطواتي جنونا من غبار فتتطاير في سماء تلك المدينة المجرمة لتخبر الجميع بما يعانيه هذا القلب من آلام؟ أما كان عليك أن تخبرني بكل الفخاخ المنصوبة أمام قلبي؟ أنا الذي كنت أراك أما لي بل أكثر من أم؟

أحرقت منزلي وكتبي قهرا من حياتي البائسة وأوشكت على إحراق نفسي بينما كنت تنظر إلي صامتا، وربما كنت تقول في سرك وأنت تضحك: لقد جن الولد!!

كنت أرى معنى حياتي في حمايتك وحبك، وعندما أسمع كلمة سوء بحقك كنت أجن وأكاد أخفيك في عيني وأذود عنك بنور بصري. كنت مستعدا لبذل دمي فداء لك، ولكن أنت!! آآآآآه. بم أخبرك الليلة؟!

قل لي ما الذي فعلته لأجلي عندما ضاقت بي الأرض وسحقت طواحين الأمل قلبي لتجعله طحينا مشتعلا؟ ما الذي فعلته لأجلي عندما كنت تراني بائسا حزينا جائعا!! كنت أبكي لأجلك ولم أسمح حتى للريح بخطفك من أمام باب الدار، لم أذق للنوم طعما حتى أمنع لصوص التراب من نفيك إلى أرض المجهول!! قل لي – إن كان لك لسان – ما الذي فعلته لأجلي عندما هربت إلى هذه البلاد التي لا تصبح بلادي؟!

كنت تنظر إلي – إن كانت لك أعين – وتراني أروح وأجيء باحثا عن ذاتي التائهة، وعن حياة هادئة وحب صاف، لكنك لم تصبح وطنا لتلك الحياة ولا لذلك الحب!!

كنت تبقى صامتا، كما أنت الآن على هذه الأرض الباردة العارية وفي هذه الليلة الخرساء!! فلا تقل لي بعد: لم أتيت بي إلى هذه الغربة؟!

إنك أنت الذي دفعت بي إلى كل هذا الخراب، أنت من نفيتني. إنه ذنبك أيها التراب، ذنبك أنت. فلا تظنن أنني سأضعك بجانب رأسي على الوسادة لأشمك كل صباح وأقول: ياااه! تفوح من ذراتك رائحة الجنة!!

لا. لا أبداً. لكنني ﺴ…………. “

فجأة عمد إلى أزرار بنطاله وأخذ يحررها عن عراويها بسرعة، ثم بدأ يتبول على حفنة التراب المتكومة كأنين صامت على أرض الحمام الباردة الرطبة.

 

ليس هناك جسم جامد كالمفتاح يحمل المشاعر التي يحملها، فالبصمات التي تبقى عليه ولا يمحوها قانون التقادم هي رسم خفي لاحاسيس الناس الذين حملوا المفتاح واخترقوا عالمهم او خرجوا منه، كالرسم البياني على جهاز تخطيط القلب، يسجل الغضب والحزن والفرح والسكينة، فكيف يكون المفتاح حين يحمله شاعر غادر البيت حاملاً مفتاحه وديوان شعر وشحن على ظهر قارب في البحر أقلع به من حيفا إلى عكا، ثم الى بيروت وإلى.. وإلى..إلى أن التقينا في صوفيا.

في طفولتي لم يقل لي أحد شيئًا عن أبي سلمى.. لا في المدرسة ولا في البيت.. وحين كنّا صغارًا نحفظ الشعر ونتبارى فيه، كنا نبدأ المبارزة الشعرية بما أسميناه “المفتاح”، أي البيت الذي نفتتح به وكان:

أنشر على لهب القصيد        شكوى العبيد إلى العبيد

وكان يصّر على هذا المفتاح معلم اللغة العربية، لكنّه لم يقل لنا من هو قائله، والحقيقة أننا لم نسأل لأننا كنا نبحث عن أبيات ذات قافية صعبة، و”الدال” هو واحد منها، وأمّا معلم التاريخ الذي كان يستجيب إلى إلحاحنا لتمضية درس التاريخ الناشف بمبارزة شعرية فقد كان يصّر على مفتاح آخر، وهو:

ألعرب أشرف أمة               من شك في قولي كفر

ولا أعرف حتى اليوم من هو قائل هذا البيت، لكن معلم التاريخ لم يكمل السنة الدراسية، فقد افتقدناه يومًا وقيل لنا أنه يكتب الشعر وقد طُرد من المدرسة وسمعنا فيما بعد أنه غادر البلاد وصار يتنقل بين مصر وليبيا والاردن ولم يعد إلى وطنه، بل تركنا نسخر من أنفسنا ونحن نسأل:

هل حقًا، العرب أشرف أمة ؟

قد يعود الينا يومًا ويحكي عن العرب، مؤمنًا او كافرًا، ويعلم الله أنه بعد أن تعرف على حالة العرب في الخارج فسيأتينا معتذرًا ليس على كفره بل على يقينه في تلك الأيام.

أبو سلمى

بعد أن أنهيت المدرسة الثانوية في حيفا سمعت لأول مرة عن أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، ويحز في نفسي اليوم أنني كنت أمر يوميًا، ولأربع سنوات متتالية، قرب بيته ولا أعرف أن في ذلك البيت عاش وكتب “شاعرنا القوميّ”.

لم أعرف في ذلك الوقت ما معنى “الشاعر القوميّ” لأن معلمة اللغة العبرية، غرزت في رؤوسنا أن حايم نحمان بياليك هو شاعر قوميّ، ولا يجوز أن يكون هناك شاعر قوميّ لأمة إلا بياليك للأمة العبرية.

عندما كبرت صرت أسأل كطفل صغير:

لماذا لا يكون لنا شاعرنا القومي، مثلما أن لهم شاعرهم؟

وكم أردت أن يكون أبي ومعلم التاريخ شاعرًا كهذا.

إلتقيت أبا سلمى في صيف 1980، في صوفيا مدينة البلقان.

جاء ليلقي الشعر وذهبت لأدرس الشيوعية.

هناك تحدث عن حيفا، وإذا بها مدينة غير التي تعلمت فيها وأعرفها وأقضي معظم ساعات نهاري في غرفة صغيرة من غرف جريدة “الإتحاد” التي احتوت بين جدرانها على طاولة خشبية عريضة، هي طاولة أبي سلمى.

إحتفظنا نحن بطاولة مكتبه واحتفظ هو بمفتاح البيت.

كنا نتحدث إليه عبر طاولته وكان يتحدث إلينا عبر المفتاح.

مناجاة عشّاق لقمر لا يغيب، ولكنه بعيد، بعيد.

سأل عن شارع الملوك وساحة الحناطير وقال أن بيته في شارع البساتين، في حي الألمانية.

سأل:

هل تعرفون البيت؟

هل هناك أحد يحرسه؟

كان أبو سلمى يعاتبنا لأننا اكتفينا بطاولته ولم نحرس البيت، حتى أننا لم نعرفه، ولم نجرؤ على السؤال:

“لماذا ذهبت؟”

غجر

بين حيفا الأمس وحيفا اليوم درج من حجر.

ألماضي من تحت والحاضر من فوق.

بحرها يتراجع وقممها تفقد خضرتها يومًا بعد يوم.

أصبحت مدينة شاحبة مشحونة بدخان المصانع وزعيق البواخر في الميناء.

بكى وهو يحكي وبكينا نحن على بكائه.

“خرجت مع مفتاح وقصائدي.

وقعت قصائدي في البحر وظل المفتاح لأنني ربطته بخاصرتي..”

في طريقي اليه في فندق البلقان جلست على الارض امرأة غجرية وضعت في حضنها رضيعا والى جانبها وقف طفل في السابعة مادا يده للتسول. أردت أن أعطيه لكن مرافقتي البلغارية قالت:

“لا. انهم ليسوا بحاجة، فالدولة توفر لهم كل شيء وهم يرفضون هذه النعمة! الغجر يرفضون النعمة ويفضلون التسول! هذه هي حياتهم! لقد بنينا لهم المساكن وسلمناهم مفاتيح الشقق، فباعوا المفاتيح وتركوا البيوت فارغة وانتشروا في الشوارع.. يغنون ويرقصون ويتسولون..”

(شو هالحكي؟)

“لماذا تضحك يا رفيق؟”

– خذيني الى فندق البلقان واتركيني هناك مع الشيخ الغجري الفلسطيني!

إنه شاعرنا القومي؟ هل للغجر شاعر قومي؟

“لبلغاريا شاعرها!”

قالت الرفيقة نانا، وودعتني عند مدخل الفندق، ولما عانقت أبا سلمى لم يتسلل إلى أذني إلا شهقاته وطقطقة صرة المفاتيح التي حملتها موظفة جميلة وغابت في الردهات الطويلة.

تلة رضوان

رحلة البلقان كانت كالخرافات الموروثة، لا يحيكها سوى القضاء والقدر والمصادفات الجميلة، وفي صميمها إنسان تتقاذفه الأقدار، كهذا الشاعر العجوز الذي يحلم بالعودة إلى بيته ويصفه حجرًا حجرًا، ويسأل عن الدرج وعن غرفة “سعيد “وعن الحديقة ويعاتبنا لأننا لم نحرسها. وحين يبدأ رحلته يختار الأسطورة: “يُحكى عن راعٍ في تلة رضوان كان يغني لجواميسه ويعزف على الناي، أحب ابنة شيخ القبيلة وأحبته فبعث يطلب يدها.

غضب والدها على هذا الراعي “الوقح “الذي يجرؤ على مجرد التقدم اليه بطلب كهذا، فأمر بقطع أصابع يديه عقابًا له.. وكان هذا أقسى حكم ينزل على شاب ترقص أنامله الجواميس في المراعي.. في اليوم التالي رفضت الجواميس الخروج لأن الراعي لم يأتِ ولم يعزف.. وما كان من أهل القبيلة إلا أن قصوا أعواد القصب وركبوها في مكان الأصابع وعاد الراعي ليعزف على الناي فخرجت الجواميس إلى المراعي وتزوج ابنة الشيخ..

قال أبو سلمى أنه تأثر كثيرًا بهذه الحكاية وظلت ترافقه ومنها بدأ يكتب الشعر، كانت هي المفتاح للإلهام، مثلما كانت أصابع الراعي المقطعة المفتاح للموسيقى التي أطربت الجواميس، وهل هناك اقتحام لعالم روحانيّ أو ماديّ دون مفتاح؟

في عام النكبة فقدت عشرات ألوف المفاتيح، منها ما ظل في الأبواب المشرعة ومنها ما وقع على الطريق الوعرية أو في البحر، إذا لم يربط في الخاصرة، وها هم أصحابها ينتظرون أكثر من خمسين عامًا صابرين على فراقها مؤمنين “أن الصبر مفتاح الفرج” مستبدلين مفتاح البيت الحديدي بمفتاح الأمل الذي تبدد بعد أن قامت الجرافات وأخذت البيت والمفتاح.

ألبيت

مات أبو سلمى بعيدًا بعيدًا عن وطنه، بعد شهرين من لقائنا في البلقان.

مات في أمريكا ودفن في دمشق وترك المفتاح لابنه سعيد..

عدت إلى البيت في شارع البساتين، لأبحث عنه ولأسأله إن كان هو أيضًا يشتاق الى أهله مثلما يشتاق أهله له، وقد كنت أمّر يوميًا بجانبه ولا أراه، وربّما لأن معلمة المدنيات اليهودية قالت لنا: “العرب في حيفا هربوا خوفًا من البراميل التي دحرجناها في نزلة ستيلا مارس وعلى الدرج الذي يفصل بين حيفا من فوق وحيفا من تحت ففكروها طائرات ودبابات.. وتركوا بيوتهم وهربوا، ويقال ان امرأة حملت وسادة بدلا من ان تحمل رضيعها الذي نام في السرير.. وعندما دخلنا كان الطبيخ على النار.. “

عدت إلى حيفا بعد رحلة البلقان وذهبت إلى حنا نقارة، صديق أبي سلمى، وطلبت منه أن يأخذني إلى البيت.

وقع خطانا على السلم الخشبي لم يوقظ أهل البيت.

إنتظرنا أن يفتح أحد بابًا ويقول:تفضلوا!

كنا كمن يتحرك في كهف مهجور.

“هذه غرفة النوم”..

وضرب حنّا بكفه على جدار اهتز هزات خفيفة واختفى رجع الصدى، وفي عينيه علقت دمعتان.. أما السقوط على أرضية “الكوريدور” الخشبية وأما البقاء في عناق طويل مع الرموش الذابلة.

طرقنا على الباب.. لم يسمع صوت.

“ربما أنه مهجور”

طرقنا مرة اخرى.

“من هناك”؟

ردّت علينا امرأة كأننا أيقظناها من سبات عميق.

لم نعرف كيف نعرّف عن أنفسنا، ولو عرفنا لأثرنا خوفها في مدينة عندما يطرق غريب وصل بلا موعد على أبواب منازلها، فإما أن يكون حراميًا وإما أن يكون شرطيًا وكلاهما يثيران أشد أحاسيس الخوف.

“سلام عليك أيتها السيدة”

وجوم..

“هل تسكنين هنا منذ زمن بعيد؟ منذ عام1948؟”

عجوز في الستينات وقفت خلف بابها المشقوق وحدقت بنا حيرى ومرتبكة ونحن ألقينا بنظراتنا إلى باطن الغرفة.

“أسكن هنا منذ عام 1949”

أشار حنا إلى الغرفة الواسعة وقال، هذا هو الصالون.. كان يستقبلنا هنا.. وسألنا السيدة:

“هل تعرفين من كان يسكن الدار قبل مجيئك”؟

فأجابت السيدة:

“لا أعرف! عائلة بولونية.. قبلها سكنت عائلة ألمانية..”

قال حنا نقارة:

“هذا البيت لقريب لي توفّي قبل شهر.. نزح عنه قبل 32 عامًا..”

سألت السيدة:

“هل هو عربيّ؟”

إمرأة عجوز قدمت من رومانيا عندما كان صاحب هذا البيت يحمل المفتاح وقصائده ويركب قاربًا أبحر به بمحاذاة الشاطئ من حيفا، إلى عكا، إلى طرابلس..

“هل تعلمين أن صاحب هذا البيت هو شاعر فلسطيني كبير توفي قبل شهر؟ هل تعلمين أنه ظل يحتفظ بمفتاح البيت على أمل العودة؟”

حركت رأسها كأنها تقول: “مسكين هذا الشاعر!” ثم واصلت: “البيت قديم وقد طلبت من البلدية أن تعطيني بيتًا آخر، ولكن لا يوجد فلوس.. أسكن في غرفة واحدة، هنا مطبح وهنا حمام وهنا غرفة مسدودة بالباطون.. سدتها البلدية، إنها تدلف، جدرانها مشققة وشبابيكها محطمة..”

مد حنا يده وصافح السيدة العجوز. الدمعة التي تراخت على الرموش الذابلة انقسمت وتساقطت على خده. عدنا إلى السلم الخشبي، والكوريدور، وخرجنا من المدخل. هناك بيت فوزي بندر، كان وكيل شركة تأمين، وهذا بيت زكي التميمي، وهذا لحسين عبد الصمد، وهذا للدجاني وهذا للعنبتاوي، وهناك نصار الفرمشاني، وهذا بيت المحامي عيسى هزو.. هل حملوا مفاتيح بيوتهم التي بنيت من حجر وما زالت قائمة حتى اليوم؟

زنزانة

رهيبة صكصكة المفاتيح حين تجتمع وتتراقص على خاصرة راهب يمشي في دهليز إلى غرفة معتمة في الأديرة القديمة، أو حين تصطك في يد سجان تسمع وقع بسطاره عندما تكون منقبضا في زنزانة، وتعلو شيئا فشيئا إلى أن يتوقف، فتقف على رجليك لتصغي بترقب وتوتر إلى معركة حشر المفاتيح في الثقب الوحيد الذي يربطك بالعالم الخارجي، وعندما تسمع “طقة” وتتلوها أخرى اقوى منها تتنفس الصعداء لأن السجان يفتح الباب ويأمرك أن تخرج إلى أن يعيدك ثانية.

ليس بيني وبين المفاتيح علاقة عشق, وقد جاء مفتاح أبي سلمى ليحررني من حقد على المفاتيح كان اشتد في نفسي في ليلة من ليالي أيلول 1977.

في منتصف تلك الليلة حرقت كل سجائري، ولم يكن من عادتي أن لا أبقى سيجارة لقهوة الصباح، لكنني فعلتها في تلك الليلة، فتبين لي فيما بعد أن السيجارة في البيت كالحجاب يطرد “الوسواس الخناس” ويبعد الشياطين وأولاد الحرام وإلا كيف حدث أن في تلك الليلة وبعد أن أقفلت الباب واسترخيت على سريري وما كدت أغمض عيني حتى سمعت طرقا شديدا على الباب وهرجا ووقع خطى أيقظ طفليّ وزوجتي فقاموا مذعورين وأنا معهم، ولما فتحت الباب واذا بثلاثة رجال وأربعة وخمسة وعشرة تجمعوا في المدخل بلباس مدني وبوليسي وقال أولهم: “جئنا لنفتش البيت!”

وناولني ورقة لم أقرأها، ودخلوا بقوة وانتشروا في أركان البيت وفتشوا في المكتبة وفي الخزائن وفي الثلاجة وتحت الفراش، ووصل عددهم إلى أكثر من ثلاثين رجلاً ضاع بينهم طفلاي وهما يبكيان ولا يفهمان ما يدور في البيت. كان على طاولتي مفتاح كبير لبوابة قديمة ورثته عن جدي. حين كنت أتأمل فيه وأقرأه كان يعيدني إلى تلك الأيام وذلك الجيل وإلى الحالة الفلسطينية التي تجمعني بهذا الجيل المعذب، ويبدو أن ضابط العملية بذكائه المخابراتي الخارق أدرك عمق العلاقة بيني وبين هذا المفتاح فبدأ يحقق: “من أين لك هذا؟” وأمرني أن آخذه إلى البوابة الكبيرة، ولما أقنعته أن مثل هذه البوابات كان في زمن البيوت الحجرية الكبيرة التي هدمتها جرافاتهم، عندها سحبه بعصبية وقال: “سيكون شهادة ضدك”، وأمرني بأن أصعد الى السيارة واختفى المفتاح.

أمضيت ليلتين في زنزانة “الجلمة “ولم تكن المرة الأولى التيأعرف فيها السجن والزنزانة، ولكنها المرة الأولى التي شعرت فيها أن السيجارة تصبح في السجن وسيلة تعذيب. قلت للسجان: “أعطني سيجارة!” نظر إلي وابتسم ابتسامة خبيثة عبر الفتحة المربعة في وسط الباب وقال: “بعد قليل”، واصطكت مفاتيحه وغاب.. وكانت هذه “البعد قليل” ساعتين وأكثر عاد بعدها وفتح الطاقة وناولني سيجارة وقال: “نسيت علبة الكبريت, سأذهب لأحضرها بعد قليل”. وكانت “البعد قليل “الثانية أطول من سابقتها, وأدركت أن طقوس التعذيب قد بدأت… ولم أشعر بالانفراج إلا عندما كان السجان يفتح الباب ويقودني إلى غرفة التحقيق.

ثلاثة محققين كانوا هناك: طيب وشرير وبشع. ألطيب عرض علي سجائره والقهوة وكان مؤدبا وحاول اقناعي بأن أرتدع عن خطي السياسي المناهض للسلطة وعرض علي المال والوظيفة وحتى عضوية الكنيست. وفتح ملفا كبيرا وقال: “كل ما كتبته ونشرته وقلته محفوظ عندنا.. وهو مترجم حرفيا”.

قلت له: “أنا سعيد أن هناك من يهتم بما أكتب. وسعيد أكثر أن كتاباتي تترجم. حبذا لو تقومون بنشرها بلغتكم”.

أغاظه هذا الكلام “الصقع”, فهب من مكانه وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل عليّ الشرير وقال أنه يستطيع ان “يخرب بيتي” وأن “يجعل حياتي جحيما وأن الدولة التي انتصرت على مائتي مليون عربيّ لا تحسب حسابًا لواحد مثلي”.

قلت له: “أعرف أنكم اقوياء وأنا لا أتحدى دباباتكم”.

قال: “اذن ستظل مشاكسًا؟”

وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل البشع. شاب طويل وضخم ومفتول العضلات صار يبرم حولي ويلف ويدور وينظر إلي نظرات مرعبة, وقال: “من أنت؟ ماذا تساوي؟ أنت لا تساوي الرصاصة التي ستخترق دماغك. لا.. لن نخسر عليك رصاصة. نحن سنطلق سراحك. سنقول لك أنت حر, إذهب أينما شئت, وستركب سيارتك، وتسافر وفجأة تأتيك سيارة شحن كبيرة، سيمترلر،  وتدوس عليك كما يدوس الفيل على النملة، وبعدها ستركض زوجتك خلف شركة التأمين لتدفع التعويضات”

وتكررت هذه الجولة الثلاثية لمدة 48 ساعة. تعلمت منها درسا واحدا: أن لا أنام ليلة دون أن أترك سيجارة لقهوة الصباح.

أطل عليه..

وصرت أكره المفاتيح وصكصكتها. إلى أن كان ذلك اللقاء مع أبي سلمى في فندق البلقان في صوفيا. صار للمفتاح معنى آخر في حياتي. علمني مفتاحه أن ليلتي ويومي في سجن الجلمة كانت المفتاح إلى عالم من المواجهة ليس فيه تنازل ولا مساومة ولا التفاف على الحق.

“سنلتقي في حيفا”، قلت لأبي سلمى.

بعد شهرين رحل تاركا المفتاح وقد أُشبِعت قصائده الضائعة بملح البحر. بعد سنوات قليلة أَخلت العجوز الرومانية البيت، ربما انتقلت الى بيت آخر أو الى العالم الآخر. ظل البيت مهجورا لعدة سنوات أخرى. لم يقم أحد بزيارة البيت. مررت يوما من هناك، كانت الجرافات قد أنهت عملها، والبيت تحول الى ركام صارت الجرافات تحمله على شاحنة كبيرة وتطاير غبار كثير. لم يبقَ لبيتِ شاعرنا القومي أثر. هناك في حيفا، حي الألمانية ساحة كبيرة هي موقف سيارات أطل عليها من مكتبي في “معهد إميل توما”، فتأخذني بعيدا إلى فندق البلقان وإلى مفتاح على خاصرة شاعر لم يقدر على حماية قصائده فسقطت في البحر ولم نقدر على حماية بيته فمسحتها الجرافات.

يدخلُ الصّالة، يرمي حزمة المفاتيح؛ وتستقرّ الحزمة- التي تطلقُ رنينًا خفيفًا في الجو – في قَلب وعاء نُحاسيّ.

يجلب أيضًا هاتفه المحمول إلى الطاولة؛ ويتنهد أثناء ذلك، يهبط بثقل ويغوص في الأريكة. مرفقاه مغروزان في ركبتيه، تنحني رقبته للأسفل، يُسقط رأسه ويفرغ وجهه في راحتيه. يضغطها بشدة ويفرك مُقلتيه. إنّه متعب ومتوتر لدرجة أنه يشعر بأنه خاوٍ، مُخدّر، مفتّت من الداخل. يستمر على هذا النحو لمدة دقيقة أخرى، في شيء من الدقة، يسحق ويلوي اللحم، يهمس في الزّغب. كأنه يغسل وجهه في الهواء، يفركه. كما لو كان هناك قناعٌ عنيدٌ، لزجٌ جدًا، يحاول إزالته.

لم يحلق وجهه منذ يومين وكان زغبه حادًا وصلبًا وطويلاً على غير العادة. يشمّ في كفتي يديه بقايا روائح الصابون من القسم؛ السائل الورديّ الفوسفوريّ من المراحيض هناك. ومن أطراف أصابعه؛ السجائر، الحموضة المعدنية لملمس المفاتيح. يجب أن يستحم. عليه أن يأخذ القِدر ويذهب إلى المنزل لمدة تقارب ساعة. يستحمّ، يحلق؛ يجمع الأغراض التي طلبت منه إستر أن يحضرها من المنزل. وعند الثانية، حيث يُفترض وصول قطار أختها في الثانية والربع، سيتوجه إلى محطة القطار.

يأخذ الهاتف ويتصل بوالدته. لكنه يسمع النغمات تأتي من المطبخ بعد نصف ثانية من سماع الصفارة. لماذا اشترى لها هاتفًا خليويًا إذا كانت تتركه في المنزل؟ يفصل المكالمة. يُلقي بالجهاز في حضنه. ويعود بأطراف أصابعه إلى الشعيرات، لتلك التي في زوايا فمه. يُصدر صوت بحّة فيها مرة أخرى، بجدية، عكس اتجاه النمو.

الحكة الأولى، تبدأ من هنا، من أقصى أطراف الشفاه؛ بعد ثمان أو تسع ساعات من الحلاقة. خلال ساعتين يزحف الإحساس تحت عظام الوجنة، ويتفتح أيضًا في فتحات المنخرين. بعد أربع ساعات، يبدأ في حك رقبته. إلى أن يغادر المكتب، يكسو الزّغب وجهه آخر النهار؛ الظل الرمادي للمساء. تقول إستر أن ذلك يثير الغريزة، لكنّه لا يطيقه. يكره الشعور الشائك، الذي تشوبه شائبة. يقصد الحالة التي يصبح فيها وجهه قاتمًا وكَدرًا عندما لا يحلق. إذا كانا، بعد عودتهما إلى المنزل، يقصدان الخروج أو مقابلة أصدقاء، فسوف يحلق في المساء أيضًا. يشعر براحة أكبر عندما يحلق، وأكثر ثقة بنفسه، كما لو كان شخصًا جديدًا خرج للتو من الحمام، جديدًا تمامًا.

الأمر ذاته حدث في الجيش أيضًا، فقط عندما توفي والده، في منتصف عامه الثاني في الجامعة، ترك زغب وجهه يطول كثيرا. لا يزال يتذكر أثر الذعر الذي انتابه في نهاية أيّام الحداد السبعة، عندما خرج من الحمام يقطر ماءً واقترب من المرآة فوق الحوض، وكيف ذعر هناك للحظة، كما لو أن رجلاً غريبًا ظهر أمامه، شخصًا تسلّل من خلفه. في بداية الحداد، غطّت أمّه التلفزيون وجميع المرايا بالشراشف. وقد خلعت من المسمار. الآن نشف بمؤخرة ذراعه ألسنة البخار، ورأى نفسه للمرّة الأولى منذ أسبوع من خلال الضباب المنتشر على المرآة، هذا الأكثر دقةً.

كان ذقنه قصيرًا وسميكًا. كثًا وأسود مثل شعر الرأس، ولكنه مجعّدٌ أكثر، مجعدٌ مثل شعر العانة الذي سالَ بين ساقيه. والجذور قوية، سوداء كالفحم. نظر إلى المرآة وحدق فيها بدهشة. تجمد قضيبه من برودة الحوض. عن قرب، مع الذقن المربّى والعينين الحمراوين الممزّقتين وهما تنظران إلى المرآة، بدا لنفسه مجنونًا – قلّب وجهه من جانب إلى آخر بشكل مثير للريبة- مثل مريض نفسيّ خطير في فيلم سينمائيّ. شخصيّة سيتبين لاحقًا ضمن الحبكة أنها عنيفة جدًا.

سقطت قطرات الماء من ثقوب أذنيه. رآها وشعر بها، باردة، تنزلق بسرعة على شعر صدره. وتتكوم في السرة. وأدخل شفرة جديدة في شريحة السكين، ودهن الرغوة من الأسفل إلى الأعلى؛ غاسلاً إيّاه من وقت لآخر في صنبور الماء الساكن. تتجمع جذوع حادة مثل رقائق الحديد حول فتحة الحوض. تئز الشفرة، تهمس، تقشر وتصقل، كما لو كانت تنحت بروز عظامه من جديد. شاملة ودقيقة وطويلة البال وكأنها تقمع طبيعة ثانية عدوانية، وهو أمر مخفي دائمًا فيه. أخذ وجهه يتعرى، قطعة قطعة – خطير، متوتّر، يشعّ جديّةً. أتى برأسه إلى فوهة الصنبور. وعاد إلى مستوى المرآة، يقطر ماءً.

تحت الذقن كان يلبسُ وجه والده الشاب. كان يملك جسد أمه الضخم، وملامح والده القاتمة كما لو أنهم أخذوا وجه عريس مذهول، ضامر إلى حدّ مدهش، من صورة زفافهما في الصّالة، ولحموه في جسد العروس الثقيل، الأطول منه بشبر. شكل العينين، الأنف المعوج، الذقن المدبب، الفكان الكبيران-وجه والده ينظر إليه من المرآة، من خلال ضباب البخار، كما لو كان يقف هناك ويراقبه.

عُثر عليه ميتًا في متجره الصغير في جنوب تل أبيب. كان مجمدًا في نفس الوضعية التي كان عليها لأكثر من ستة وعشرين عامًا؛ منذ أن قدم إلى البلاد واشترى الحانوت بخلو. وجدته إحدى الزبونات التي جاءت في منتصف النهار، قرب الطاولة، وسط أكوام من السجاد، ورأسه يتدلى على صدره، وما زال كوب الشاي أمامه فاتراً. بعد دقائق قليلة من استدعاء الشرطة، وصل طاقم الإنقاذ إلى الموقع وأقر موته. أبلغوهم بعد ذلك أنها كانت سكتة قلبية.

صيفًا، وخلال العطلة الصيفية، كان إيتان يرافقه من وقت لآخر. كان يسافر صحبته بالحافلة إلى تل أبيب ويقضي يومه معه في المتجر الهادئ، المعتم، المغمور بالرائحة الثقيلة للسجاد. يخلع صندله ويقفز حافي القدمين من كومة إلى كومة. يمرّ عبر المساحات الضيقة المظلمة في الجزء الخلفي من الحانوت؛ بين البكرات العالية المسنودة على الجدران عند المدخل. ويعود ويصعد إلى أعلى الأكوام الشاهقة هناك ويتسلق إلى القمة، أعلى قمة، والتي تطل على كل الفضاء؛ يمد يده ويكاد يلمس السقف.

جلس والده وراء مكتب قديم ونظر إلى الخارج. كان يجلس هناك على الدوام ويتأمل الشارع المزدحم، بصمت، بدا أنّ صوت حركته المكتومة التي امتصها السجاد تأتي من مسافة بعيدة. كرسيان منخفضان، لا يتشابهان، انتظرا معه الزبائن بترقب ناعس. ومروحة السقف التي كانت تحلق هناك فوق رأسه، كانت تدور ببطء وتدوّخ بشفراتها المتفحمة قطعًا من الخيوط وبيوت العنكبوت القديمة، تخلطُ الهواء الثقيل، المنهار من الحرارة؛ الرطوبة الباردة التي كانت دائمًا هناك، حتى عندما كان كلّ شيء يغلي في الخارج، كما لو أن الطقس في متجره  كان مختلفًا أيضًا، في منفى ما.

كان من النّوع السّكوت، الكئيب، المنغلق على ذاته. يقضي معظم ساعات لنهار، من التاسعة صباحاً حتى إنزاله الستار الحديدي واقفاله في الساعة السابعة مساءً، كان يفعل ذلك بنفسه، بشرود أجوف. بِغَلْي وسكب وخلط أكواب لا حصر لها من الشاي. بقراءة صامتة للمزامير. بالاستماع إلى جهازه الراديو المحطم، الملفوف بشريط لاصق، الذي كان يئزّ طوال الوقت بمحطة “ريشت ب”. عندما كان يمرّ أحد أصحاب المتاجر القريبة من المدخل ، كان يومئ برأسه قليلاً؛ لم يبتسم قط. كان تاجرًا سيئًا. رجلاً وحيدًا، منغلقًا، غير محبوب. في بعض الأحيان كان يجلس لوحده لعدة أيام، وخاصة في أشهر الصيف الملتهبة، دون أن يتخطى زبون واحد العتبة. يحدق في السيارات المارة في الشارع.

وعندما يدخل شخص ما في نهاية الأمر، كان يتصرف كما لو أنهم يزعجونه. يقوم على مضضٍ ويخدم الأشخاص بتردد، كما لو كان مشوشًا، يجيب على الأسئلة جزئيًا. يفرش السجاد أمامهم ويعرض النماذج، ويعاودُ لفّها بشكل طقسي. في الوقت نفسه كان يبدو أن لديه اهتمامًا آخر، أمرًا أكثر أهمية، يصرف انتباهه دائمًا.

لغته العبرية. عبريته المسحوقة، الصعبة. العبرية المرتبكة، التي تتصارع مع فارسيّة الأفكار. لهجته ثقيلة. نظرته ترتطم بشكل غير مريح وتتجول على الأرضية. الانتظار القصير، الصارم يليه الإعلان عن السعر بعينين مغمضتين. لغة الجسد المؤدبة، المؤدبة بما يفيض عن الحاجة، لغة جسده البعيدة. الأدب العالي الذي كان يؤدي به إلى التقهقر، إلى الوقوف جانبًا بصبر، وعدم التدخل حتى يُطرح سؤال آخر. وأخيرًا، بشيء من التسليم، يحني رأسه بتواضع، المستسلم هو الآخر، وهو يرافق زبائنه إلى الخارج.

بعد فترة طويلة من خلو المحل، ظل يقف في المدخل. رأسه بمستوى الميزوزاه، كتفاه معقوفان، راحتاه ترسوان في العصعص؛ تحرّكان الواحدة الأخرى ببطء. ثم، وبخطوات محسوبة ، يعود إلى الداخل ويختفى في الجزء الخلفي من المتجر.

 عندما عاد من هناك، نشر أوراق صحيفة على المائدة، ووضع طبقين مبللين، شوكتين كان قد غسلهما، وعلبًا بلاستيكية ساعة الغداء الذي جلبوه معهم من المنزل.

إيتان؟

صوته الطريّ، المشبع، المرتعش: كوجا إيتان، أين أنت يا إيتان؟

عيناه القاتمتان الحزينتان اللتان تتنقلان بحرج من كومة لكومة. الترقب المتوتر، المتزايد، بأن ينظر نحو الأعلى. التوق الشقيّ، الذي يضرب صدره، ترقبا للحظة التي سيراه هنا، سيراه أخيراً، مستلقياً هنا على بطنه أعلى الكومة العالية، مخبئًا وجهه  بذراعه.

قم يا إيتان، قم وبيا بوخور-

 من بعدها كانا يجلسان إلى المائدة مقابل بعضهما البعض، ويتناولان الطعام. يأكلان كفت الدجاج بصلصة البندورة، مكعبات البطاطا. صمته، نظراته الصامتة، يحدق في الطبق، في مدخل المتجر. ليس صمتًا صاخبًا، محمّلا بالتوتر، يحمل بعض التوقعات. صمت متواصل، متصالح مع نفسه. صمت خارق للطبيعة. صمت ليس بحاجة لأن يَسمع أو يُسمع. صمت مرهق ومزعج، صمت يجعلك ترغب في الصراخ.

إستر– يصاب برجفة – والطفل. كان تذكّره لوالده قد أقصاهما عن أفكاره. لبضع دقائق، خفف من ضغطه للحظات- النزيف وآلام الظهر الذي عانت منهما إستر. آلام المخاض المخيفة، المبكرة للغاية، التي أصابتها فجأة في بداية الأسبوع السابع والعشرين؛ الحقن والتحاليل. والسديم الذي يحوم هناك في الفقاعة المظلمة على شاشة الأولترا ساوند، النبض السريع لدقات القلب الصغير، المرعوب، الملحاح، وها هو الخوف يعود ويخترق قلبه. يستعيده ويحتضنه مرة أخرى، مثل ضرس عاد إليه الألم.

يسرح في أفكاره ويقف هناك في غرفتها، جوار السرير المرتفع، ينزلق بروحه على جسدها تحت الغطاء، على وجهها المتورم، المرهق من الحمل، على شعرها المتعرق على الوسادة، ليتنفس مرة أخرى وهو يتنهد، يلهث بكل قوة. يسترق النظر إلى شاشة الهاتف.

يشاهد الساعة. كانت نائمة عندما غادر، الثانية عشر وعشرون دقيقة- بالتأكيد لا تزال نائمة. وعندما يتذكر أمه التي لا تأتي، يتذكر القدر الذي حضر في نهاية الأمر ليأخذه، وعيناه تتوسل بصمت نحو الباب، أووف أين هي؟ يرتخي كتفاه في هذه الأثناء ويركن مرفقه إلى ذراع الأريكة، يلوي كفه وجنته؛ سوف ينتظرها لمدة عشر دقائق أخرى. إذا لم تصل حتى الثانية عشرة والنصف، فسوف يغادر.

 أمامه على الحائط ورق تابيت ضخم لشلال. منذ أن كان طفلا وهذا التابيت هنا، يغطي الجدار بأكمله، من الأرض إلى السقف. يمكن رؤية مصب نهر ما، ربما في مكان ما في أوروبا. شلال مجهول تستعر مياهه غضبًا ورغوة، مواصلةً  الاندفاع. كصورة لمنظر طبيعي، فرضًا، في الجزء الخلفي من بطاقة بريدية، فإنها  قد تكون صورة جميلة. اعتذر لإستر قبل أن يحضرها إلى هنا لأول مرة، ليعرّفها على والديه. “لكن هكذا؟” واصل عندما عادا إلى السيارة وضحكت. بهذا المعدّل الضّخم، الذي يكاد يماثل حجم المنظر نفسه- “في وسط هذه الصالة الحقيرة؟ الصغيرة، الفقيرة والتعيسة ؟” تابع وتعالى ضحكها ليطمئنه. وأكد له أنها تصفح، أنها تصفح له عن ذلك أيضًا، فقد كان ذلك قبيحًا في نظره بشكل لا يمكن وصفه، هذا التابيت، “قمة الفظاظة- “.

عندما كان صغيرًا كان يتخيل مياه الشلال تخرج من الحائط؛ تدب الحياة في الصورة البرية وترعب البيت كله. كان يجلس هنا مثل الآن، على هذه الأريكة، يحدق في نقطة معينة في عمق الصورة؛ يجمع نفسه فيها، يحبس أنفاسه، يحدق فيها ويركز فيها مطولا. بعد دقيقتين، تدمع عيناه، الصورة تشوشت وبدأت تخفق. نصف دقيقة أخرى والصخب الرهيب  للانفجار من شأنه أن يكون قد هدم الجدار عليه، ليملأ أذنيه.

اندفعت المياه عندها بصخب شديد، بغضب عارم، مثل  لكمة. ارتفع التلفزيون في الهواء وتحطم أثناء طيرانه مع أجزاء الستيريو والفيديو التي كانت فوقه. كما تطايرت شظايا الكريستال من جميع المزهريات وشظايا المزهريات والزهور البلاستيكية في كل الاتجاهات. السلة مع كل الكاسيتات، ساعة الحائط البندوليّة، ارتفعت جميعها على ظهر الموجة الضخمة التي  تصاعدت باتجاه الأرائك.

كان يستقي متعةً خاصة من سحق الأرائك إلى أشلاء؛ سماع صرير القاطع الخشبي، خلع الكسوة الوردية المقزّزة،  نتفها. وبنفس الزخم السريع، وَضْع المدفأتين الكبيرتين مقابل بعضهما البعض. مراقبتهما وهما يتدحرجان داخل الأورغان الكهربائي. إسقاط الثريا الزجاجية من السقف، قلعها من السقف، إسقاط الأورغان. والعدو مع الماء الكثيف، السميك، الذي يتضخم وينفجر بصوت عال داخل الخزانة. الاستماع إلى رنين المطر على أواني الخارصين المزهرة وزجاجات الكونياك وأباريق الشاي وأكواب النبيذ الرقيقة. لفصل الأجزاء السميكة من مفاصلها.

موجة من الفرح المرير غمرت قلبه حينها، صرخة رعب حماسية. كان الماء حيًا، حارًا، محمومًا، رغدًا، أبيض فضّيًا، مهتاجًا من الغضب، من طول سنوات الاختناق؛ يحدّ من غضبه في صورة التابيت المجمدة. كانت هذه المياه غاشمة منتقمة، تزرع الدمار؛ وها هي تقتحم الخزانة الآن. كانت الخزانة تهتز بشدة دائمًا، ويتردد في السقوط؛ كان يرتعد ويرفض الاستلام بنوع من العناد المحترم. لكن الموجة اندفعت واصطدمت به وألقت بكل – كتب الصّلاة وكل الكتب المقدسة، أكياس التفيلين ، قبعات الكيبا، البطاقات، الشمعدانات، الألبومات. وتواصل هزّ الجسم البنيّ الغامق للخشب الثقيل، الذي يرمي نفسه داخل أواني الفصح التي تنكسر داخله؛ حتى انه هو أيضًا، كان ينهار بلا حراك ، ينهار داخل الأنقاض، بصياح عظيم.

يهتز لصوت المفتاح في القفل “هالن حوناي”؟

لصوت والدته التي اكتشفت أن الباب مفتوح، “إيتان”؟

انفغر فمه واتّسعت مناخيره – ململمةً نفسًا عميقًا، جائعًا- وعيناه  مغسولتان بذكرى الهذيان، حماقة أخرى في الصالة. كم هو مدهش أن يبقى كل شيء هنا على حاله؛  خلفية التابيت المزعجة تلك، الأرائك الصبيانية، مناديل الكروشيه، ساعة الحائط البندوليّة على التلفزيون، الأورغان القديم، كيف نجا كل شيء كل الأعوام التي مرت من وقتها؛ بقي كل شيء تماما على حاله.

على الحائط إلى يمينه، ما زال الشاه الإيراني يعرض بروفيله المتغطرس. فوق قماش نجود السفينة في البحر. وبابا سالي كان لا يزال واقفا عابسًا بينهما، متحدّبًا، ويغطي جبهته بكفه. في الخزانة، تكدّست كتب والده الذهبية والكتب المقدسة فوق بعضها البعض. هذا الدليل المَضروب لتعليم القيادة؛ دلائل الهواتف. زجاجة الكونياك الأبديّة التي تغبّر الكؤوس الكريستاليّة. كما لو أن الماء الذي غمر خيالاته عندما كان طفلاً حنّط هذه الصالة بمحلول حافظ. كبسوه مثل الفورمالين، في ولائه الشديد لذاته. عنيد ، لا يقهر، يكاد يكون مثل المتحف.

“لقد فكّرتُ”، تنفّسَت بثِقَل، متفاجئةً عند المدخل.

أكياس البقالة في يديها تهمس، “ظننت أنت للذهاب الآن، جونام[1]“.

ويبدو أنها هي أيضًا لم تتغير من وقتها. كانت دائمًا تبدو على هذا النحو، أكبر من سنها، ضخمة الجسم، رجولية قليلا. بكتفيها العريضين المتدليين وثدييها الصغيرين المفرغين. بكنزتها الزرقاء والخضراء، والتي تم استخدامها كثيرا. بعينيها الفضوليتين ، المتلهفتين  ، وحاجبيها الجشعين.

“حالاً”، يصرخ بجفاء ، بتشتّت.

ينظر إلى الهاتف المحمول، على الساعة، “ما زال ثمّة وقت-“

“لا قَول لي إنّ قطارها سوف حضرَ الساعة اثني عشر وربعًا؟”

 بلهجتها العبرية الفظيعة، هذه اللهجة الأبدية، “اثنان وربع-“

“مان تشي ميدونام؟ ماذا أعرف؟”  والريبة، عنادها، وثقتها بنفسها المثيرة للغضب، “بأذني أنا سمعت أنك قائل اثني عشر ونصف”

 دائمًا ما تمسكت بنفس الرواية، بنفس الصياغة مرارا وتكرارا، تناقش بحماس، بشراسة، لا تهزم أبدًا، “أنت قائل في ساعات الصّب-“

يقاطعها، يتجاهلها بنفاذ صبر، “ألم يتصل مرة أخرى؟”

يفلتر هذا الصوت المرير، المشدود الذي يحتفظ به فقط من أجلها، “ذاك الذي من العمل؟”

“ناه – “

تسقط الحقائب على الأرض: “فقط صديقك الصغير اليمني، تتصل في الصباح ليقول لك لماذا هاتفك الخلوي مقفل-“

ينهض متنهدًا من الأريكة- مع آرائها المسبقة المحرجة. هذه الآراء الظلامية، العنصرية- يأخذ الهاتف والمفاتيح من على الطاولة.

 “حتى عمّاته”، قبضة يدها مشدودة، مزيّنة بالحلي، وتنتفض على الصدر، ” قلت عمّاته لا تدعه أن يأتوا إلى هناك”، تعض كعادتها الشفة السفلى، المنافقة، تواصل تلك الكلمات بالضبط، “لماذا ليست جميل، سوف يظنّ أنّك أنت فقط لا تريده أن يأتي “.

“م-ا-ش-ي”، يقاطعها مرة أخرى، هذه المرة بفظاظة ، “لقد سبق وقلت ذلك”.

“حُب جونام”، تتجاهل تغيير اللهجة، تخشخش في الأكياس، “دور ميشا هالا تو بورو هاموم كون غي مان حوراك –”

وكيف تصر دائمًا على التحدث إليه باللغة الفارسية، تجبره على الفهم، لمعرفة هذه اللغة. على الرغم من أنه لا يتحدث بها أبدًا، وعلى الرغم من أنه دائمًا ما يجيبها بالعبرية ، بعبوس.

“ليس الآن، سأستحم في المنزل -“

هو يستمد سرورًا مخجلا  لرؤية وجهها يسقط، يهان، ” لماذا تُدعى جونام؟” تتعجب، تقترب منه، “مان براش أوتاحا دوروس ميكونام”

“أنت”، ينفجر في لحظة، صوته يردد قبل أن تنهي الجملة ، يعبس، “إياكِ أن ترتبي غرفتها، هل تسمعينني؟ إنها تنام عندنا على الأريكة، في منزلنا، أو أنّي، أو سأضعها في الغرفة وسوف أنام على الأريكة، سنرى لاحقاً”

تعبه، نبرة التفكير في صوته، كما لو كانا يدعوانها للاندفاع مرة أخرى عبر الشق، الترديد ببكائية، “لماذا، جونام؟ أختها تنام أفضل هنا”.

“أنت، أفضل”، صار متوتراً مرة أخرى، كما لو كان يتذكر غضبه، يرفع إصبعه أمامها. “لا تتدخلي حيث لا حاجة”، يشاهد أنفاسها تتوقف، “سمعت؟”

“حسناً، حسناً” ترتد مأخوذة. نظرتها مذهولة، فيها إعجاب، “سبق وقلت إنك تفعل هذا؟”

يُدحرج عينيه بسأم، ويغلقها بإحكام؛ جسده يسقط مرة أخرى في الأريكة. لا يوجد أحد في العالم يدفعه إلى الجنون بهذا الشكل، يهيج أعصابه على هذا النحو. فقط هي.

يحاول التنفس، تنظيم أفكاره، ولكنّ خشخشة الأكياس تعود من جديد.

 “لأجل منزلنا هو أقرب إلى المستشفى”، تتعذّر الآن؛ بهمس، بضيق ، كما لو كان ذلك من تلقاء نفسها، “لهذا السبب قلت ذلك ، ليكون أكثر راحةً لها -“

دائمًا تَتَمَسْكَن، بشيء من السّذاجة، دائمًا عاجزة، “للذهاب إلى استر، لتكون بصحة-“

“لماذا، قلتِ سآتي إلى هنا، كي تزعجيني؟” وهو الآن يهدر بصوته، وجهه يغلي متشنجًا، “نعم؟ لأفقد عقلي؟ هل هذا ما تعتقدين أنني بحاجة إليه بالإضافة إلى كل -؟

“ناه، جونام” تصرخ في أعقابه، “لا، أبدًا-“

هو غاضب كما لو أن فرحة عظيمة دخلت في عظامه، “نعم؟ لتقفي فوق رأسي؟ لتتسببي في جنوني؟”

للخلافات الدّائرة بينهما هيكل داخلي، وهو نظام ثابت يتكرر منذ سنوات. مثل أدوار في مسرحية. ها هو الآن، على سبيل المثال، يعرف أنها على وشك أن تثور، وستقوم بتوبيخه مثل صبي صغير.

 “حسنًا، اهدأ، هيا اهدأ”

وها هو يتطاير الشرر منه، يسخر بازدراء،  بحماسة، على نفس اللحن الممجوج، يرتفع ويهبط”، فلترقد هنا، لا، فلترقد هناك، لا فلترقد هنا”

“حُب باس كون!” تتوسل، صوتها متألم، بأنين حاد، “إيتان ، باس كون ، يكفي!”

يهبط الصمت بينهما.

“من المؤسف أنت تقتل نفسك هكذا”، ينكسر صوتها، يتلهف عليه.

عيناها تذوبان، تحنّان، تمدّ يدها وتتقدم للتربيت عليه، “لا تقلق”

يرتد ممتعضًا، كما هو الحال في حالة الاشمئزاز، “دعيني الآن”

“الله كبير جونام”، تتمتم بأسف، بنيّة كبيرة “كل شيء سيكون على ما يرام، إن شاء الله”

“حسنًا، اتركيني”، ينهرها، يقاومها، يختنق حلقه فجأة.

لكنها تقبّله، تمسّده، تلقي بنفسها على عنقه. تعانقه وتجلب رائحتها إلى أنفه. تلك الرائحة العميقة، الحادة والمسكرة. تداعب وجهه وملمس يديها قريب، حميمي، مألوف حدّ الحرج، “سأموت عليك”، تتأوه بتماهٍ، تهز قلبه. “كل شيء سيكون على ما يرام، جونام، لا تقلق-“

“سئمتك، ألا تفهمين؟” يوبّخها بصوت متصدّع. يزفر بيأس في لحمها، يغلق عينيه مهزومًا، ” سئمتك  بحق-“

“حُب جونام”، تقول وتفك العناق، تمرر يدها بصفح في شعره، “سيكون الأمر على ما يرام إن شاء الله ، الله كبير-“

وعندما تتحرك شفتاها، تتمتمان بصمت، تنتحبان نحو السقف، يصحبها وهي تبتعد مع الأكياس إلى المطبخ. تأخذ معها الصلاة لأجله إلى هناك، الصلاة التي تطول، حيث تتضرّع وهي تضع منتجات الحليب في الثلاجة.

ينهض الآن ويقف على رجليه. وعلى الحائط خلف الأريكة يرى، يتذكر. أن شيئًا ما مع ذلك تغير هنا. إلى يمين الصورة بالأبيض والأسود، وثيقة زواج والديه. إلى يمين الشّابين المذهولين اللذين يحدقان به منذ أن كان صبيًا ، مؤطران بإطار ذهبيّ؛ أضيفت قبل بضع سنوات، صورة ملونة لامعة لأخته باتيا وزوجها يارون تحت مظلة الزفاف. ثم أضيفت صور عيلاي مع باقة عيد ميلاد ونعماه عندما ولدت للتو. عن اليسار، قبل أكثر من عام، في الصيف الماضي، تم تعليق صورة له ولإستر أيضًا. تتوهج عيناها نحوه من هناك، تضحكان ، مُجمّلتان بالمكياج، ماذا كان سيفعل بدونها، كم كان ضائعاً قبل أن يقابلها، كم كانت وحيدًا، إنها سعيدة، بابتسامة منفرجة، بالإمكان رؤية أنها كانت ثملة قليلاً هنا؛ هو أيضًا جوارها يبتسم كالأحمق. وهي تنظر إليه ونظرتها تعده بأنّ كل شيء سيكون على ما يرام. سيكون خيرًا، تخبره عيناها. وبأنه هنا، بجانبهم، على قطعة الجدار الفارغة، البيضاء، ستُعلق صورة طفلهما. إن شاء الله، سينجبان طفلاً إن شاء الله.


[1] اللغة العبريّة التي تستخدمها هذه الشخصيّة على طول الحوار في القصّة هي لغة غير سليمة النّطق والنّحو، وقد تُرِجمَت كما ظهرت في النصّ الأصليّ.