رغم سنواتي العشر، إلا أنني كنت قادرًا على استيعاب أنّ أمرًا جللاً وقع. كانت والدتي تغلق باب غرفة نومنا في كلّ مرة يُفتح، كي لا نسمع ما يدور من همسٍ مضطرب في الصالة. لم تكن “جلسات” كهذه تتم في المنزل إلا في الأمور الجسام، ولم يكن باب غرفة الأطفال يُغلق أثناء قعدات القهوة والبابونج، بل على العكس: كان دائمًا مفتوحًا على الصالة، وكانت نساء الحيّ والعائلة يتناوبنَ على تقبيلنا في كلّ مرة ندخل ونخرج، والجملة نفسها لا تنفكّ تتردّد:

“الله يحميهن”.

يبدو أنّ أختي كانت تفهم أكثر مني، بسنواتها الاثنتي عشرة، وربما بحدسها الأنثويّ الذي بدأ يتفتح على واقع الحياة من حولنا، فكانت تنصت باهتمام عبر شقّ الباب وكان الخوف يسيطر على قسمات وجهها في كل مرة يعلو اللغط، فتهرع إلى عمق الغرفة وتجلس إلى المكتبة الصغيرة وتنهرني بحدّة:

“سوّيت وظايفك؟”

كان الهمس من حولنا يحمل من مرة إلى أخرى كلماتٍ مثل “عزارة” و”بهدلة”، إلا أنّ اللغط كان يزداد عندما يُسأل السّؤال نفسه، من مرة إلى أخرى، وبحدّة مُريبة كانت تبعث الخوف في طفولتي القلقة:

“يعني هيي لازم تحكي؟ الله يفضحها!”

كانت “العزارة” في الحارة قد انتشرت، وحتى حين لم أنجح في صدّ تسديدة الكرة صوب “مرماي” في ملعب الحارة، لم يوبّخني أحد من “الكبار” ولم يطلبوا عزلي عن مهمة حراسة المرمى كما كانوا يفعلون دائمًا. كان الانتباه مشدودًا إلى “العزارة”، وكانت الأحاديث تغلب على اللعب، حتى إنّ “رئيس الشلة” تنازل في النهاية عن لعبة “الجُول” اليومية، ليجلس إلى “الكبار” وليتحدّثوا عمّا حدث، ليس قبل أن يشعل سيجارة وينفخ دخانها بسنواته الست عشرة، ونحن “الصغار” نتحلق من حولهم، مُصرّين على سرقة ما أمكن من المعلومات والتفاصيل عن هذه “العزارة”، وكيف تبدو وما معناها.

وعندما انذهل معظم المحيطين بي من جملة “كبيرنا” الحذرة: “كان يحط إيدو…”، لم أتورّع عن الاندهاش مثلهم، مع أنّني لم أفهم ما تعني هذه الجملة. ثم صرخ الجميع مرة واحدة: “لا؟؟”، حين قال كبير الشلة وهو ينفث دخان سيجارته:

“تحت الكلسون!”

تأخر أبي تلك الليلة في العودة إلى البيت، وكانت أمي تنتظره عند “البرَنده” المُطلة على القرية، وتدخن بقلق، بينما كانت أختي تتمتم بهمس هي وابنة عمي التي اختارت أن تبيت عندنا الليلة، حيث شكّل هذا المبيت لديّ علامة أخرى على هول المصاب؛ إذ أنّنا كنا نبيت عندهم ويبيتون عندنا عندما يتوفى شخص في العائلة.

هل مات أحد؟ ولكن أين بقية أبناء وبنات عمي؟ ولماذا التمتمة تحت اللحاف؟ وأين أبي؟

عندما سمعتُ صوت الشاحنة ارتحتُ قليلا. بعد أقلّ من دقيقة كانت دعسات أبي المألوفة وهو يصعد الدرج تتضح أكثر وأكثر، ثم سمعت أمي تعود من المطبخ مصحوبة برائحة القهوة العربية الدافئة. صمتت أختي وابنة عمي وصرنا ثلاثتنا، من دون تنسيق، نحبس أنفاسنا ونحاول التقاط أية كلمة تأتي من “البرندة”- بلا نجاح يُذكر.

لا أعرف كيف انقلبت الآية، ولكن الحركة دبّت في العائلة اليوم التالي، وبدأت أشمّ رائحة “شعط” الدجاج والأرز المطبوخ ورائحة “الفقعية” والكبة، وفجأة كان عدد كبير من أطفال العائلة يتجمّع في بيت كبير العائلة، ومن حولنا رجال كُثر ونساء كثيرات. أنساني الطعام واللمة الهائلة لجميع أنواع مسدسات “الطقيع” و”الفشك” والبواريد، أيّ تفكير بأيّ أمر شغلني بشأن “العزارة”، وطفقتُ أركض مع الراكضين وألعب مع اللاعبين وأموت مع المطخوخين.

حين وقف كبير العائلة بدأت جميع النساء تنهرنا بعنف وخوف غير مسبوقيْن، حتى إنّ خالتي العصبية ضربت ابن خالي على خده كي يصمت، فتنبّهنا إلى جدية الموقف، فأنصتنا رغمًا عنا. تحدث كبير العائلة عن أمور لم أفهمها، ولكنني استطعتُ أن أفهم “عيلة وحدة” و”بسيطة”. كان جميع الرجال يهزّون رؤوسهم موافقين، وعندما انتهى كبير العائلة من خطبته تقدّم نحو أحد الرجال كنتُ أناديه وقتها “عمي”، كما كنت أنادي جميع الرجال البالغين، واحتضنه وقبّله. ومن بعده توالى جميع الرجال على احتضانه وتقبيله، وفجأة انطلقت زغرودة حامية ومن بعدها “إيويها” مجلجة، مضطربة بعض الشيء.

حلّ صمت مهيب حين تقدمتْ إحدى نساء العائلة وهي تجرّ فتاة خلتُها في عمري أو أكبر قليلا، ووقفتْ أمام “العمّ” المُحتفى به وطلبتْ منها بحزم، والاثنتان تبكيان بخوفٍ:

“بوسي عمّك!”

في الليل، وأمي تغطيني، سألتـْها أختي:

“يعني خلص؟”

تطلعتْ إليها أمي وقالت بحزم:

“تروح تتخيّب! شو هيّي أول وحده؟ بدّا تخرب العيلة؟ إوعك بحياتك تجيبي هاي السيرة أو تفتحي هيك موضوع! فاهمة؟”

تمتمتْ أختي بكلمات قدّرتُ أنها خضوع تام لمطلب أمي.

أطفأتْ أمي النور في الغرفة، ثم نظرتْ إلينا بحبّ هائل، وقالتْ بهدوء وهي تدمع:

“الله يحميكُن”.

 

أنينُها..

جذبني إلى المكان، كنت مرهقًا، نظام العمل الجديد كان يمتصّنا إلى آخر قطرة حياة في شراييننا ولكنّ سوء الظن بما يكون عليه الموقف، “سبب الصرخات والأنين والتوجع المكتوم”، هو الذي أعاد لي شيئًا من الحياة وجعلني أندفع نحوها كالسّهم.

كانت وحدها، تحت نخلة، أمام دكان مهجور، حولها قاذوراتها، ولو أن الظلمة حالكة في الزقاق إلا أنها كانت تحت شعاع متسلل من لمبة بالشارع العام، مضاءة بالقدر الذي جعلني أرى وجهها الأغبر وتقلص عضلاته الصغيرة واحمرار عينيها وهما تضيقان وتتسعان في آلية  مؤلمة مثيرة للإشفاق وكأنها في وحدتها وظلمتها تستشفق شياطين الظلمات، انزلقت نظرتي إلى موضع كفّيها، وكانت تضغط بهما بطناً منتفخة تحت أسمال بالية ، وعندما رأتني، صمتت فجأة وهي تحملق في وجهي بعينين ثابتتين ووجه بارد خال من أي تعبير كوجه مومياء فرعونية.. ثم قالت بكلّ براءة:

– هل تستطيع أن تولّدني..؟ الطفل سيشقّني.. سأموت اذا لم تفعل..!

قلت لها دون تفكير..

– لماذا لا تذهبين إلى المستشفى؟!

ابتسمت ابتسامة زيتية داكنة ثقيلة.

– لا أستطيع المشي، ولا املك أجرة التاكسي، أيضا لا يمكنني ان أدفع للمستشفى.. لا يوجد في الكون شيء من غير قروش.

أصدرت مواء باهتاً ثم غابت عن الوعي وهي تهذي كالسكرى. وأحترت فيما أفعل، وأنا لا املك غير خمسة جنيهات (للبص) العام للبيت، والساعة تشير الي العاشرة والنصف، بعد نصف الساعة فقط ميعاد حظر التجوال، ولأنني مرهق من جراء كنس السينما وغسلها لا أستطيع حملها على ظهري، ولو حملتها فلا يمكن ان تقبلها المستشفى ولا توجد مستشفى لله في هذا البلد.

– همس في نفسي صوتٌ لم أستطع أن أتبينه، أصوت ملاك هو أم صوت شيطان رجيم..؟

– ما لك أنت؟ ربّها الذي خلقها قادر على ان يجد لها مخرجًا.. أقدر على نفسك… نصف ساعة وحظر التجوال.. ألحق آخر بص… وغداً الصباح تعال لتجدها قد أنجبت صرصوراً كبيراً قابعاً قربها يستكشف العالم من حوله بقرني استشعاره وعينيه اللامعتين..

خطرت لي فكرة، وهي أن أحاول حملها إلى رصيف الشارع العام ربما وجدتها الدورية وتأخذها إلى الحبس وتحضر لها قابلة او طبيباً على نفقة الحكومة.

أخذنا عسسُ حظر التجوال معاً..

ربما كان الطبيب على شيء من الحق، فلقد كانت متسخة وقذرة رائحة افرازات المرض الجنسي الذي أصيبت به قوية نافذة ولا تحتمل اطلاقاً… لذا طلب الطبيب من عاملة النظافة ان تقوم بإزالة شعر عانتها، بقمله، صنانه وإفرازاته النتنة… وأن تغسل هذا الجزء جيدًا بالمياه الدافئة وصابون “الفنيك” وتضع مادة “الديتول” المطهِّرة عليه.

ثم مضى يستفرغ أمعاءه عند المغسلة لاعناً اليوم الذي درس فيه الطب وعِلم النساء والولادة.

قالت لي العاملة:

– ساعدني.. أرجوك

– قالت هي: أنا أموت

انتهرتها العاملة مغتاظة:

– موتي.. موتي أريحينا واستريحي

عندما باعدت عن ساقيها المتّسختين البنيّتين المنقطّتين بآثار الدمامل، وغابت في شبه اغماءة مستسلمة لآلام المخاض ولذة وجع الطلق.

حينما ظهرت مخالبه الأمامية، صغيرة ، بيضاء، طرية وناعمة، كنا أنا والعاملة مندهشين وغارقين في غيبوبة فنطازية لزجة موقعة في وعينا بموسيقى الرجي المتسربة إلينا من مكتب الصحة المجاور، صرير الجرذان هدير البحر، نعيق الغربان، السوداء، هفهفة شجرة النخيل الباسقة المتشامخة خلف شباك المكان، رعد مفاجئ، ثرثرة هلامية تنبعث من مسام الجدران وفراغات السُرر، قطع الاقمشة الثقيلة البيضاء، القطن الدامي المتناثر هنا وهناك.

فجأة أحسَسنا بالبرد ونحن نرى رأسه المستطيلة تعانق فراغ الحجرة، عليها شواربه السوداء الدقيقة غارقة في مخاط لزج شفيف وهلامي، قالت لي عاملة النظافة فيما بعد:

– كنت أحسّ بالأشياء تتوهج وكأنما حطّت عليها أقمار مضيئة صغيرة.

قلت:

 – امتلأت حينها بكلامٍ غريب ثقيل غير مفهوم، كان يخنقني.

بطلق أخير قفز خارجاً رشيقاً نشطاً، وكأنما نغمات موسيقى الرجي كانت توقع جريان الدم في شرايينه البكر.

أثبّتُ في أقوالي لإدارة المباحث الجنائية ان التراتيل القرآنية، هديل الحمائم، أناشيد المحبة.. ما كانت تأتي من مصدر محدد ولا يمكن أن ندّعي في إمكان أي واحد منا أن يموسق جمود الزمن.

في تلك اللحظة تساقط رطب النخلة، غرد عندليب، هوت نجمة اضاءت مشارق الدنيا، عندها فتح عينين سوداوين متفائلتين، نفض عن نفسه المخاط، بهزات عنيفة متتالية نَبَح وذلك أمر مؤكد قبل أن يقفز عبر النافذة الي الرصيف.

 

أوقف أبو مصطفى عربته بمحاذاة الرصيف وربّت بيد كبيرة متشقّقة على رأس الحصان ثم قصد الدكان القريبة، وابتدأ يحمل على ظهره الاكياس الملآى بالحطب، وينقلها الى العربة. وكان الحصان حانقاً دونما سبب. وقد تبدد غضبه قليلا حين عثر على قطعة من قشور البطيخ، فَمَضى يقضمها بسكينة.

وتنبه فجأة الى أن ثمة ولدًا صغيرًا يقف على مقربة منه، ويرمقه مبتسمًا. فقال الحصان لنفسه: “أنا لا أعرفه وسأرفسه إذا دنا مني. سأرفسه رفسة قوية تكسر رأسه”.

وانتهى الحصان بعد حين من مضغ قشرة البطيخ، فانتابه الاسف لانتهائها، وراح يتطلع بغيظ الى الولد وهو يقول لنفسه: “سأرفسه”.

وكان أبو مصطفى في تلك اللحظات مازال منهمكاً في نقل أكياس الحطب ووضعها على سطح العربة٠ وأحس الحصان بالتعب، فقال لنفسه متذمراً: “العدالة مفقودة”.

وكان الحصان قد ولد في المدينة، وقضى حياته كلها في طرقاتها المفروشة بالأسفلت، ولم يغادرها مطلقا. وكان يعرف أن أجداده القدامى كانوا يمرحون طلقاء عبر البراري الشاسعة حيث لا أبنية فيها ولا جدران من حجر، ولكنهم ماتوا جميعاً.

وانحنى الولد، والتقط قشرة بطّيخ كانت بمنأى عن الحصان ثم اقترب على مهل، فَهمّ الحصان بالتراجع غير أنه تريث متشجعاً. ومد الولد قشرة البطيخ نحو فم الحصان. فتردد الحصان لحظةً خاطفة ثم تلقفها دهشًا، وطفق يمضغها بغبطة، وسمح للولد بأن يربت على عنقه بيد أنيسة صغيرة.

وأتمّ أبو مصطفى نقل أكياس الحطب الى العربة. وعندما لاحظ وجود الولد قرب الحصان صاح به: “ابتعد يا قرد”.

ثم لوّح بالسوط، مطلقًا صيحةً آمرةً بالمسير، فاندفع حينئذ الحصان الى الامام، يجر العربة الثقيلة بتباطؤ.

وسارت العربة عبر طرقات عديدة، و بلغت بعد حين شارعًا عريضًا تنتصب الأبنية الحجرية على جانبيه ولم تكد العربة تتوغل حتى اعترض طريقها واحد من رجال الشّرطة، فَصَرخَ أبو مصطفى بالحصان بصوت ممطوط: “هش”.

قال الشرطي: “ألا تعرف أن مرور العربات ممنوع في هذا الشارع؟”. فقال أبو مصطفى: “أعرف”.

“ولماذا جئت اذن من هنا؟”

“الحصان.. أنظر.. الحصان تعبان جداً، واذا مررت في هذا الشارع فسأوفّر على الحصان مشيًا كثيرًا”.

فغمر الحصان حنان عارم. وقال الشرطي: “سَير العربات ممنوع في هذا الشارع. انه للسيارات وللناس الذين يسرون على أقدامهم فقط”.

قال أبو مصطفى: “أعرف”.

ولعق شفتيه بلسانه، وأردف قائلاً: “الحصان تعبان وسينقطع رزقي اذا هلك، و أموت جوعاً ويموت  أولادي.. لي أربعة أولاد”.

“ارجع. ولن أعاقبك لمخالفتك النّظام والقانون”.

“لي أربعة أولاد يأكلون حتى الحجر”.

وأطلق أبو مصطفى ضحكة قصيرة جافة وكأنّها مدية صغيرة شرسة، ثم أضاف قائلاً: “سأقول الصدق.. أنا لا أخاف على الأولاد إنّما أخاف على أمهم”.

 فقال الشرطي متسائلا بفضول: “ولماذا تخاف عليها؟”

وكانت الاشجار خضراء على جانِبَي الشّارع، وتمتدّ في الأعلى سماء رحبة زرقاء. وأجاب أبو مصطفى: “أخاف أن يأكل الأولاد أمهم إذا جاعوا. أسنانهم فظيعة”.

ومرّت سيارة تسير بسرعة كبيرة، فَنَفخ الشرطيّ في صفّارته، فَلَم تتوقف السيارة، واستطاع الشرطي أن يلمح رقم لوحتها قبل أن تنأى عن بَصَره، فسجّله على غلاف دفتره. والتفت الى أبي مصطفى محتقن الوجه غيظاً، وقال له: “هيا ارجع”.

“دعني أمرّ هذه المرة فقط”.

 فقال الشرطيّ بصرامة: “ألم تسمع ما قلت؟ ارجع”.

“مرّة واحدة فقط”.

“ارجع. القانون قانون ولا فائدة من التوسّل”.

“الحصان تعبان”.

“هيا ارجع”.

“الله يحفظك لأمّك”.

“الله لا يحفظني، أنا لم أخترع القانون. أنا أنفّذ أوامر صادرة إليّ، وأنت يجب أن تطيع هذه الاوامر”.

فلم يفه أبو مصطفى بكلمة إنما تخيل القانون مخلوقاً ضخماً له آلاف الأيدي: القانون يأمر الشّرطيّ فيطيع الشّرطيّ، ويأمر الشّرطيّ أبا مصطفى ويجب أن يطيع أبو مصطفى الأوامر.

ووقف أبو مصطفى مترددًا هنيهات، فصاح به الشّرطيّ: “ارجع. واذا لم ترجع حالا فستندم”. فاتجه أبو مصطفى نحو العربة، وكان غضب الحصان عندئذ قد بلغ الذروة، فجمع قوته كلها، واندفع جامحًا الى الامام، فبوغت الشرطي بالعربة المندفعة نحوه، وحاول أن يقفز الى الرصيف، فلم يتمكن، وصدمه الحصان، فسقط على الارض منطرحاً على ظهره، ووطأت صدره سنابك الحصان ثم مرت فوقه عجلات العربة وتخضبت بالدم الاحمر. ودهش الحصان حين رأى صاحبه لم يبتهج إنما امتلكه الذعر والوجوم ثم انطلق يركض هارباً. وبعد لحظة توافد الناس مهرولين، وتحلّقوا حول العربة، يتألق في عيونهم الخوف الممتزج بالشهوة الخفية، كأن الشرطي المسحوق ليس إلا جسد امرأة جميلة.

ولم يتفرق الناس الا عندما حضر رجال الشرطة، وبادروا الى اعتقال القاتل. وَكان القاضي عادلا، فسيق الحصان في فجر أحد الايام الى ساحة رئيسية خيل الى الحصان أنها ما تبقّى من البراري.

ووقف الحصان مبتهجاً لأنّه قبل وصوله الى الساحة قد اجتاز شوارع عريضة كان يُمنع من السير فيها من قبل، ولكن بهجته لم تدم طويلا اذ تدلى بعد حين مشنوقًا.

(من مجموعته القصصية “الرّعد”، 1970)

 

1

 منذ ثلاثين عامًا وتزيد. تعرّفتُ إليه وهو في الرابعة والعشرين، وكان تخرّج للتوّ من مدرسة السياقة في المدينة. في بطاقة هويته كتبوا إلى جانب المهنة: “سائق باص”، وكانت هذه كفيلة، إلى جانب صورته البراقة، بأن تدخلني إلى قفص الزوجية الذي بناه لي، في قريتنا الجميلة النائية.

كنتُ في أثناء الخطوبة أحلمُ ليلَ نهارَ بالرحلات وبالفُسح الجميلة والطويلة التي سنقضيها سويةً، ولم أفهم حتى اليوم ما قصدته أختي الكبرى في إحدى ليالي السمر الصيفية على سطح البيت، حين قالت لي بدلع وحياءٍ مكظومٍ وصوتٍ مكتومٍ: “كرسي الباص الأخيرة طويلة، ولن تنسي طعمتها”.

قبل الزفاف بيومين، حين تجمعت كل صديقاتي في القرية لليلة الحناء، أخذنَ جميعهنّ بالتندر على شكلي وأنا جالسة في الكرسيّ الأول من وراء زوجي، وهو يصطحبني في رحل ونزهات كُنّ جميعهنّ يحلُمن بها. إحداهنّ حلُمت بالذهاب إلى القدس، والأخرى إلى يافا والثالثة قالت بتأكيد غريب: “بانياس أجمل الأماكن في العالم! دعيه يأخذك إلى البانياس”.

لم نفهم وقتها تأكيدَها القاطعَ هذا وسألناها عمّا إذا كانت ذهبت إلى البانياس، فأجابت بأنّ أخاها كان هناك قبل سنة وقال إنها أجمل الأماكن في العالم. وضحكنا حتى دمعت أعيننا… ثم قالت أختي الصغرى بحسد واضح وافقها الجميع عليه: “أنتِ ونحن نسمع بالأماكن والرحلات، بينما ستكون أختي هي الوحيدة التي سترى هذه الأماكن بحق وحقيقة”.

وتنهّدتُ بفرحٍ وخوفٍ كبيريْن.

2

أستيقظ في كلِّ صباح في الخامسة فجرًا. أطبخ لنفسي غلاية صغيرة من القهوة السوداء الحلوة وأستقبل الشمس القادمة من رحلتها وهي حمراء ناضجة نضوج التين “الحمّاري” في كرم والدي المرحوم. أشربُ قهوتي بصمت ولا أضايق الشمس الآتية من رحلتها اليومية. لا شكّ في أنها مرهقة جدًا الآن، ولا تنقصها ثرثارة مثلي لتروي لها عن حياتها مع زوجها سائق الباص. أشربُ القهوةَ وأحلمُ برحلات الشمس اللانهائية، وأتمنى لنفسي واحدةً منها على الأقل.

في تلك الهنيهة الصباحية لوحدي، أكتشفتُ لوحدي، أنّ الشمس تزور عمليًا كل العالم في 24 ساعة، كلّ يوم! ما أقواها وما أجمل حياتها، هذه الشمس. تطوفُ كلَّ العالم لوحدها، ومن دون كلل أو ملل، تطوفُ ولا تتعبُ، تمامًا مثلما وعدتْني أمّي قبلَ أن يأتي أهل العريس ليأخذوني من بيت أهلي بساعة. ثم مالتْ عليّ قليلاً وقالت بتوسّلٍ لم أعتقد أنه سيبدرُ عنها يومًا: “إبقي اذكريني في رحلاتكم الجميلة”.

عندما يستيقظ زوجي تكون غلاية القهوة الثانية قد نزلت للتوِّ عن قرص النار. لا يُنظف أسنانه أبدًا ومع ذلك فإنها ناصعة وقوية مثل أسنان الحصان. أمي كانت تقول دومًا إنّ زوجي يأتي من عائلة كل رجالها مثل الخيل: أقوياء وأصحّاء وأسنانهم كبيرة وبيضاء. حتى إنّ أبي المرحوم لم يُخفِ حماسَه من أحفاده الذين سأنجبهم له، لأنهم “سيُولدون كالخيل، يرفعون الرأس إلى أعلى”.

ومع ذلك وددتُ لو ينظف أسنانه، خاصةً في الصباح، حين يهمّ بي أحيانًا، وأنا أيقظه، فيشدّني من يدي ويستلقي فوقي على السرير ولا يكترث بشيء. لا ينتظرني حتى لأستيقظ كما يجب، أو لأغسل وجهي. وما أن أستيقظ كما يجب حتى يكون قد انتهى من اللهاث السريع ذي الرائحة الكريهة، فينكفئ على الجانب الآخر ويسأل بهدوء: متى ستنهضين؟

ولكنني ربّيتُ أبنائي على تنظيف أسنانهم. لا أريد لأيٍّ منهم أن تتضايق منه زوجته في الصباح أو قبل النوم. على أبنائي أن يكونوا رجالا أصحاء وجميلين وحسّاسين لنسائهنّ. ولو كانت وُلدت لي ابنة -كما أملتُ دائمًا- لكنتُ صنعتُ منها أفضل امرأة في الدنيا. ولكنتُ بعثتُ بها إلى الجامعة وعادت إليّ طبيبة تطبّب لي عظامي المتفكّكة ومفاصلي التي بدأت تلتهب. طبيب القرية قال لي إنّ عليّ أن أريحَ جسدي وأن أتوقف عن القيام بأية مشاغل صعبة. الحمار. لا يكفي أن يذهب المرء إلى الجامعة ويصبح طبيبًا، عليه أن يكون ذكيًا أيضًا وفطينًا. ومن سيقوم بكلِّ مشاغل العائلة والبيت؟ هو؟ لو وُلدتْ لي ابنة وصارت طبيبة أفضلَ منه بألف مرة لكانت علّمته درسًا في الحياة يسوى كل المعدات الباردة التي يضعها على جسدي عندما أذهب إليه. يضعها ويطيلُ وضعَها ولا أتبرّم لسببٍ لا أعرفه.

3

خمسة أبناء وكُلهم رجال متعلمون مثل الورود الحمراء البراقة في لحظة صفاء نادرة. أنظر إليهم ولا أتحسّر إلا على المرات التي لم أقبّلهم فيها أكثرَ مما قبّلتهم، لا أتحسّر إلا على المرات التي كنتُ أعلم أنهم يقظون فيها يدرسون وأنا خالدة للنوم.

البكر مهندس والثاني معلم والثالث ممرض والرابع تاجر في سوق يسمونها البورصة والخامس يعمل في بنك القرية. ما زال أعزبَ “قريد العشّ”. الوحيد الذي لم يستقرّ في بيت له، ولكنني أتمنى بيني وبين نفسي أن يتأخرَ قليلا أكثرَ، كي يُؤنسَ وحدتي في العصريات الطويلة التي يكون فيها زوجي غائبًا، يسوقُ الباصَ آخذًا أربعين أو خمسين شخصًا في رحلة جميلة.

المرة الأولى التي ركبتُ فيها الباص كانت بعد الزواج بيوميْن. كان ما زال فرجي يؤلمني من ليلة الدخلة، وكنتُ كلما تذكرتُ اللحظة الأولى أهرعُ للتقيؤ في المرحاض، متعللة بأمٍر ما قد أكون أكلتُه في ليلةِ الزفاف. ولكنني كنتُ على الرغم من شعوري هذا أنتظر بلهفةٍ ركوبَ باص الشركة الذي يسُوقه زوجي وأن نمضي معًا في رحلات طويلة نلحق بها أثر الشمس الغائبة، فلا تغيبُ. في المرة الأولى ذهبنا في الباص إلى المدينة المجاورة وتعشيْنا سمكًا مشويًا. كان لذيذًا، واستغرقني أسبوع حتى علمتُ فيما بعد أنّ هذه “الرحلة” كانت شهر العسل الذي يتحدثون عنه.

لم آبه كثيرًا بشهر العسل القصير، فقد كنتُ متأكدة من أنّ شهورًا من هذا العسل آتية لا ريب فيها. بعد أربعة أيام عاد زوجي إلى العمل. ولمّا عاد، طلب مني أن أنظف الباص الذي ملأه الطلاب الملاعين بالمُسليّات والمُكسّرات والقيءِ. نظفتُه كما لو كان غرفةَ نومِنا. عادَ يلمع مثل البلّور وعاد فرجي يؤلمني في تلكَ الليلةِ تمامًا كما في الليلةِ الأولى. ولكنني لم أنبس بكلمةٍ؛ فغدًا سيأخذني إلى رحلةٍ جديدةٍ.

4

صارَ ينطلقُ في كلِّ صباح إلى عملِه، إلى رحلاتِه، ولا يعودُ إلا في المساء. وبعد أن يتعشى، آخذُ أدواتِ التنظيفِ وأصعدُ إلى الباصِ الطويلِ وأُعمِلُ فيه تنظيفًا، حتى يعودَ جديدًا كما خرجَ من الشركةِ. مع الوقتِ صرتُ خبيرةً بالنفايات التي أجمعها من الباص، وبواسطتها صرتُ أتكهّنُ بأعمار المسافرين وطباعِهم وأهدافِ رحلاتِهم. في مراتٍ كانَ يعودُ الباصُ نظيفًا إلا من بعضِ الأوراقِ البيضاءِ المكتوبةِ عليها كلماتٌ بلغةٍ لا أعرفُها؛ في مراتٍ أخرى كان يعود مليئًا بأغلفة المسليات والنقارش وعلب المشروبات الخفيفة الفارغة، وبعض القيء هنا وهناك.

ومع الوقت أيضًا لم أعدّ أحسّ بأية آلامٍ عندما يهمّ بي، كأنّ مصدر الألم انطفأ إلى الأبد، ففرحتُ لانطفائه ولم أزل.

عندما ولدتُ الأول، وعدني زوجي سائق الباص برحلةٍ خلابةٍ أستعيد فيها عافيتي وأعوّض على ولادتي العسيرة الأولى. ولكنه نسي، بعد أن توفت حماتي من ولادة البكر بثلاثة أيام، وأنا خجلتُ من أن أسألَه عن الرحلةِ الموعودةِ، لأنه صار يعودُ في أغلبِ الأحيانِ غاضبًا ومُزمجرًا ويبرطمُ بعباراتٍ فيها شتائم ومسبّات على صاحب الشركة وعلى زملائه وعلى ظروف العمل المهينة. عندما وُلد الثاني لم يقترح أية رحلة، وأنا لم أفاتحْه بالموضوع؛ فالولادة الثانية كانت سهلة نسبيًا للأولى، ولم أعتقد بيني وبين نفسي أنني أستحق رحلة في باص زوجي على ولادةٍ سهلةٍ.

بعد أن ولدتُ الثالثَ تيقنتُ نهائيًا من أنَّ الرحلةَ التي أنتظرُها لن تأتي أبدًا. كيف سنخرجُ في رحلةٍ جميلةٍ وطفلي رضيعٌ والطفلان الآخران يبكيان لأتفهِ الأسبابِ؟

كنتُ استقبل صديقاتي الفرحات العائدات من رحلاتهنّ مع أزواجهنّ إلى القدس ويافا وبانياس وأبتسم تأدبًا، وأنا أستمع إلى تفاصيل مثيرة وأخرى مملة لا يتعبنَ من تردادها، وأتجاهل الواحدة منهنّ حين تقول على حين غرة: “ألا تحديثننا عن رحلاتك في الباص الجميل”؟

ومن دون أن أدري تحوّلت علاقتي مع الباص إلى علاقةِ دلوٍ مليءٍ بالماءِ والصابونِ، ومكنسةٍ وبعض أقمشيةٍ باليةٍ. في كلِّ يومين أو ثلاثة أصعدُ إليه وأمسحُ بقايا القيءِ والأكياسِ التي خلّفها الصغارُ خلفَهم. صرتُ خبيرةً في أنواع الأكياس وألوانها وأسماء المسليات التي بها، وهكذا صرتُ أشتريها لأبنائي عندما يهمّون إلى رحلةٍ مدرسيةٍ. كنتُ أملأ حقائبَهم بأشهى المُسلّيات وأودّعُهم دامعةً وهم يركبونَ الباصَ في الرحلةِ المدرسيةِ التي لم يكونوا ينامون في الليلة التي تسبقها. كنتُ أسمع همسَهم في الليل وهم يتجاذبونَ أطرافَ الجّمَلِ حول المكان الذي سيذهبون إليه وحول زملائهم وما اشتروه وكيف أنني دائمًا أشتري لهم أفضلَ المسليات، إلا أنهم كانوا يُجمعون دائمًا على أنّ زوجي أفضلُ رجل في الدنيا لأنه يأخذهم في رحلات المدرسة ويحفظ لهم دائمًا المقعد الأخيرَ الطويلَ.

وكنتُ أتقلّب في سريري وأنظر إلى السقفِ المعتمِ وأتذكرُ أنّ خالتَهم أيضًا كانت من مُحبّي المقعدِ الطويلِ في الخلف، مع أنها هي الأخرى لم تُجرّبه في حياتها.

في كل صباح كانوا يخرجون إلى المدرسة في الباص الكبير، الذي عتق وصار مهترئًا، ويتركونني لوحدي على قارعةِ المدخلِ ألوّحُ بيدي وأستنشقُ رغمًا عني دخانَ “الديزل” الأسودِ الكريهِ.

عندما وُلد الرابعُ حصل زوجي على باص جديد من الشركة. كان منظرُه خلابًا ونظيفًا وجديدًا؛ كان يعبق براحةِ أغطيةِ الكراسي الجديدةِ وكدتُ لفرطِ اندهاشي أن أقعَ إلى الخلف عندما قال لي زوجي بفخرٍ إنّ به فيديو وتلفازًا! ولكنّ فرطَ الدهشة جعلني أيضًا أندفعُ إلى الخلف مُروَّعَةً فاندلق دلوُ الماءِ والصابونِ الذي أحضرتُه لتلميعِ الأرضيةِ اللماعةِ أصلاً، فتوسختِ الأرضُ بالماءِ ووسّخَ قسمٌ منه أرجلَ أبنائي الواقفين خلفي، فاندهشوا وتريّبوا! فلطمَني زوجي بيده على وجهِي، كما يفعلُ عادةً عندما يغضبُ، وصاحَ: يا بقرة! ألا يليقُ بكِ حتى باص جديد؟

لم يفعل أبنائي شيئًا، بل نكّسوا رؤوسهم وخرجوا بصمتٍ من الباص، تاركينني أمسحُ دموعِي وأمسحُ الماءَ عن أرضيةِ الباصِ بسرعةٍ وحرصٍ كبيريْن، كي يتركني بحال سبيلي، فالأولاد يروْن!

منذ تلك اللحظة صرتُ أكره هذا الباص الجديد. أنظفه رغمًا عني، وبكسل واضح. حتى إنني كنتُ “أنسى” في كثير من الأحيان أكياسًا صغيرة أو بقعة قيء أعرفُ أنّ رائحتها ستزكم أنفه في اليوم التالي. لم يكن يهمّني؛ لو كان يهتم بتنظيف أسنانه لاهتممتُ به أكثر!

5

بدأ الأبناءُ بتركِ البيتِ للدراسةِ وصرتُ أحترفُ الجلوسَ عصرًا عند مدخلِ البيتِ أنتظرُ شبحَ الباص الجديدِ. وقد أحسَنَ بِكري صُنعًا -وأيّما إحسانٍ- حين ركّب على سطح المنزل صحنًا كبيرًا مُدوّرًا قال إنه يزيد على القنوات في التلفاز أكثر من 100 محطة، فلم أصدّقه إلا حين أخذَ يقلّب بينها، وقامت قيامةُ الأبناءِ الآخرين وزوجي، كلٌ يريد أن يشاهد محطة بعينها، إلى أن صاحَ زوجي ونهرَ، ثم أخذ يقلّب حتى وصل محطةً كان فيها رجلان يصرخان على بعضهما البعض. بعد برهة قال “قريد العش”: “هذه محطة اسمها “الجزيرة”. “محطة أخبار”.

ولكنني لم أحبّ “الجزيرة” يومًا، فهم يصرخون على بعضهم البعض طيلة الوقت. كنتُ أحبُّ مشاهدةَ الأغاني وبرامج التطبيب بالأعشاب والمسلسلات العربية. لا أعرف حتى الآن كيف صمدتُ طيلة الوقتِ من دونِ هذه المسلسلات. وأكادُ أقسمُ بأنني أذكرُ حلقاتٍ كاملةً من مسلسل “مفيد الوحش” و”الجوارح” عن ظهر قلب؛ فما أن ينتهي بثّ حلقاتِ المسلسلِ على قناةٍ ما حتى تبدأ قناةٌ أخرى ببثها، لتعيد القناةُ الأولى ببثها من جديدٍ في الليل المتأخرِ، وقناة أخرى وأخرى وهكذا، حتى استغنيتُ عن أية صلة بما حولي وصرتُ أنا والصحن المدوّر الكبير أعزّ صديقيْن: أنا أؤنس وحدته في الصالة، وهو يأخذني في رحلات لم يكن ليحلم بها أيّ سائق باص.

كان كلما يطلّ زوجي من بعيد تعودُني ذكرى الألم القاتل إياه من ليلة الدخلة، فأهرع للتقيؤ خلف البيت. فيما بعد قال لي الطبيبُ إنّ عندي جرحٌ في المعدة وإنّ القيءَ الدائمَ الذي ينتابني سببُه موادّ التنظيف التي أستعملها، فنصحني باستبدالها، فاستبدلتُها. ولمّا لم يتوقف القيء قال يائسًا: المهم ألا تأكلي كثيرًا، فتتقيّئين أقلَّ. وهكذا صرتُ آكل قليلاً، وأتقيّأ قليلاً وأنحف كثيرًا، وصرتُ أسمح للطبيب بأن يطيلَ وضعَ أدواتِه على جسدي كيفما شاء، وأحيانًا كان يستغني عنها ويتحسس مواضع الألم بيديه، مرتعشًا حتى يهدأ.

6

عندما رأيتُ هذه القطعةَ المطاطيةَ الطويلةَ لم أفهم ما هي. كما أنني لم أتيقن من هذا السائل اللزج المحبوس بداخلها. كانت القطعة المطاطية ملقاة في نهاية الباص على الكرسي الأخير الطويل، نفس الكرسي الذي قالت لي أختي قبل دهر من السنين إنني لن أنسى طعمَه. عندما تعرفتُ على رائحة السائل اللزج لم أتمالك نفسي فتقيأتُ على الكرسي ووسخته شرّ توسيخ. ثم صرتُ بعد هذه الحادثة أفتعل النوم في تلك الصباحات التي يأتيني فيها من الخلف، فيبلغ مشتهاه وأنا “نائمة”- فأريحُ وأستريح!

7

أجلسُ في كل صباح لوحدي، في الخامسة صباحًا، وأسأل الشمس بصمت عن رحلتها الطويلة. أنظر إلى الباص الذي يقودُه زوجي في رحلاته الكثيرة وأودّ لو أسأله عن الأماكن التي زارَها وعن الناس الذين رقصُوا وغنّوا على مقاعدِهِ ليومٍ كاملٍ. حتى أبنائي الذين أحبُّهم أقلّوا من زياراتهم وهُم لاهون عني بزوجاتهم وأحفادي الذين أنتظرُهم بفارغ صبرٍ.

ومنذ أن وُلد أحفادي وكل أبنائي وزوجاتهم يغيبون في رحلات طويلة، لا يشبعون منها، وأنا أنتظرهم دائمًا ليعودوا إليّ بخِمار شتوي أو بقطعةِ قماش أخيّطها على ذوقي. أبنائي أشبه ما يكونون بالرحّالة، يحبّون الرحلاتِ أكثرَ من أيّ شيءٍ آخرَ. فهكذا علّمتُهم وهم صغار: لا تفوّتوا رحلةً في حيواتِكم، ولا تفوّتوا فرصةً للسّفر مهما حييتم. اسمعوا مني، فأنا أمّكم وأعرف أكثرَ منكم في الرحلات!

صرتُ أرحلُ كيفما أريدُ وأينما أريدُ، وأنا جالسةٌ في مقابل القنواتِ الكثيرةِ حتى صرتُ أكرهُ الرحلاتِ الحقيقيةَ والباصَ وزوجي، وصرتُ أقلِل من الخروج إلى الشرفةِ أو مبارحةِ مكاني في الصالة. بعد أن أنهكني المرضُ وداءُ المفاصل، موّل لي التأمين الوطني مساعِدةً تأتي لتعينَني على مهمّاتي الحياتيةِ ولترتبَ المنزلَ المُقفرَ. فـ “قريد العشّ” قرّرَ السكنَ في المدينة، حيث يسكن أخُوه الكبير، “ففرصُ العمل هناك أكثرَ”.

صرتُ أجلسُ ساعاتٍ وساعاتٍ، أسافرُ في أيةِ رحلةٍ أريدُ، وفي أيّ باص أختارُ، وعبرَ أيّ مسلسلٍ أرتئيه. ومع أنّ نظري خفّ كثيرًا وسمعي أكثرَ، إلا أنني ظللتُ قادرةً على التمييز بين الصُور والأحاديثِ وأطيافِ الأماكنِ التي أراها على الشاشة.

وهكذا سمعتُ صوتَه من الداخلِ يصيحُ: “إلحقيني، إلحقيني، عَم بموت!!” إلا أنني لم ألحقه ولم أفعلْ شيئًا. ماذا يريدُني أن أفعل؟ ثم إنّ نداءاته خفّتِ الآن، ثم توقفتْ تمامًا. أعتقد أنه نامَ الآن. فلينمْ، ماذا يريدُ مني أن أفعلَ؟ فلينتظرْ. فأنا الآن في رحلة وعليه أن ينتظر ريثما أعود.

كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، واتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

 لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلا ميّتا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له:

قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


*من المجموعة القصصيّة “الطلبيّة C345″، منشورات المتوسّط، ميلانو، 2018.

 

ما إن لمح صديقة القادم من الوطن في صالة الاستقبال في المطار، حتى بادره سائلاً إياه:

* هل أحضرت الأمانة؟

مد صديقه يده إلى حقيبة معلقة على كتفه ثم قال وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:

* لقد دوختني بمكالماتك وقولك: “أحضر لي حفنة تراب.” ألم يغترب أحد غيرك يا رجل؟!

ثم أخرج من حقيبته كيسا مليئا بالتراب.

نظر بوجه يخلو من أي مشاعر إلى صديقه الذي قدم لتوه من الوطن، تناول كيس التراب ثم توجه صامتاً إلى القطار.

بقي صامتاً في القطار أيضا، لم يكن يسمع قرقعة عجلات القطار على السكة ولا ضحكات مجموعة من الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزينة بالزمام أو فتيانا يتصايحون فرحا بنصر فريق كرة يؤيدونه. كان يمعن النظر إلى الكيس المليء بالتراب بين يديه.

كان الذين يمرون بقربه على عجل وينظرون إليه، يتخيلونه سكران أو نائما. حتى عندما طلب منه مفتش القطار تذكرة الركوب، أخرج تذكرته من جيبه ورفعها في وجه المفتش دون أن يرفع بصره عن كيس التراب، زم المفتش شفتيه وتغيرت ملامحه وهو يعيد تذكرته إلى يده التي كانت ما تزال معلقة في الهواء.

ثلاثة أعوام مرت وهو بعيد عن وطنه. وفي البلاد الجديدة التي لم تكن لتصبح وطنه صادف مصاعب شتى. قضى سنة بكاملها في سكن للاجئين، وسكن في السنتين الأخريين في منزل أشبه بالكوخ الحقير. لم تسنح له فرصة تعلم لغة البلاد التي وفد إليها، ولم يتمكن من عقد صداقة مع أحد ولم يستطع تأمين عمل يناسبه.

كانت الأيام تمر ثقيلة عليه في تلك المدينة التي لم تكن لتفتح أبوابها له. كان سيجن لو لم يمتلك الهاتف الجوال. ومع أن هاتفه لم يكن يرن إلا نادرا فقد كان يسليه، إذ كان يطلب أرقاما لا يعرف أصحابها ويسارع بالاعتذار قائلا: عفوا لقد أخطأت الرقم! كان يسمع مرات كثيرة أصواتا عنيفة غاضبة تقول: لا تخطئ مرة أخرى! لكنه لم يقلع عن تلك اللعبة لحاجته إلى سماع صوت آدمي والتحدث ولو لثوان قليلة.

كانت دائرة الخدمات الاجتماعية في البلدة تضغط عليه كثيرا ليعمل، لكنه وضع تعلم اللغة نصب عينيه هدفاً أساسياً، ولكن لم يكن هناك أحد ليساعده في تحقيق هدفه ذاك، إلى أن انخرط ذات يوم في البكاء عند موظف الخدمات الاجتماعية الذي يشبه كرة ذات عينين زرقاوين ولسان ألثغ! قال وهو يجهش بالبكاء:

* أرجوك امنحني فرصة تعلم اللغة قبل العمل!!

دخل دورة اللغة لمدة ثلاثة أشهر لم يتعلم خلالها سوى ” أنا فلان، من البلد الفلاني” وبضع جمل للمداولة اليومية.

انهمرت الرسائل القادمة من دائرة الخدمات الاجتماعية مرة أخرى على صندوق بريده البارد الصامت الذي لم يكن ليجد فيه سوى تلك الرسائل الرسمية الجافة الخالية من أي عاطفة!

اضطر لتوزيع الإعلانات، فكان يمشي لساعات في تلك الشوارع الموحشة مثل القبور ليوزع إعلانات للمطاعم والحلاقين وحتى بنات الهوى وكذلك جرائد الإعلانات التي توزع أيام السبت والأربعاء. اسودت أظافر قدميه حتى سقطت. كانت الكلاب في كثير من الصباحات تخيفه بعوائها إذ يقترب من أبواب المنازل ليدس الإعلانات في شقوقها. كان يحس بطعم المرارة في حلقه ثم يكمل مشواره.

ليست الكلاب وحدها، بل أصحاب الكلاب أيضا كانوا يزجرونه قائلين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إليه أو الرد على تحيته الصباحية:

* لا ترم هذه الأوساخ في صناديق بريدنا!!

ثم يستقلون سياراتهم ويمضون.

كان يطأطئ رأسه مضطراً وهو يبلع ريقه ثم يغادر صامتا إلى صندوق آخر.

* * *

توقف القطار في المحطة التي تسبق محطة بلدته، نزل بعض الركاب و صعد آخرون، كانت مجموعة الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزممة ما زلن يضحكن لكن قطيع مشجعي الفريق الذي ربح مباراته الأخيرة نزل من القطار وأفراده يرفعون علب البيرة في الهواء.

نظر إلى تلك الفتيات نظرة خاطفة، ثم عاد إلى التحديق في كيس التراب وشد عليه قبضته كمن يخاف اختطافه، وهدر القطار من جديد.

كان يشعر بالوحدة أنى ذهب. في القطارات، في المطاعم، في الاحتفالات التي يقيمها الناس في الشوارع، في المتاجر الكبرى. ما كان يجرؤ على النظر في وجوه الناس. كان يخشى أن يتحدث إليه أحدهم بتلك اللغة التي لا يتعلمها، فلا يرد على الناس ويتظاهر بأنه لا يسمع.

ولأنه لم يكن يتحدث بلغته أيضاً، فقد خاف من أن يصيبه الخرس وأصبح يتحدث إلى البسط والنوافذ، وإلى الغيوم والصلبان المنتصبة فوق أبراج الكنائس. حتى أنه بدأ يتحدث إلى المانيكانات التي تزين واجهات المحلات أيضاً.

عندما وصل إلى البيت، فتح الباب وهمس بصوت خفيض للتراب الصامت بين يديه في قعر الكيس:

* تفضل ادخل!

وما إن اجتاز العتبة حتى قال:

* اعذرني لأنني أتيت بك إلى هذه الغربة ولكن كان يجب عليك الحضور!!

توجه في بداية الأمر إلى غرفة نومه ووضع كيس التراب عند وسادته التي ينام عليها، لكنه استدرك قائلاً:

* لا. ليس هذا محلك!

دخل إلى الصالون ووضع الكيس هناك. لم يعجبه المكان وأخذته الحيرة فأخذ يتنقل به من زاوية إلى أخرى في شقته الصغيرة إلى أن استقر به المقام في الحمام، فسكب ما بداخل الكيس من تراب على الأرض الباردة الرطبة. ارتفعت كومة من التراب المتعب الجاف الصامت الذي شهد آثار خطواته آلاف المرات، على أرض الحمام. كاد يسمع أنين التراب إذ ينسكب ذرة ذرة على تلك الأرض الغريبة.

تضاعفت دقات قلبه واغرورقت عيناه بالدموع. نظر إلى كومة التراب ملياً ثم قال بصوت مرتجف:

* ها أنذا يا تراب وطني أشم منك رائحة الخراب.

سكب جرعات كبيرة من البيرة في جوفه ثم واصل التحدث قائلاً:

“مضت علي ثلاث سنوات وأنا بعيد عنك، اعذرني إن كنت نسيت اللغة التي كنت أحاورك بها. اعذرني إن خاطبتك في هذه الليلة الموحشة بعدم احترام. هل تذكر عندما حاصر البوليس منزلنا ثم اقتحموا غرفتي؟ أتذكر عندما حطموا قلمي وأحرقوا أوراقي التي سطرت عليها أشعارا تحكي حبي لك، أمام عيني وعينيك؟ أتذكر حينما صادروا كتبي ووضعوها مثل أرانب خائفة في أكياس قذرة؟ لقد قيدوا يدي أمام عينيك – إن كانت لك أعين – وأخرجوني وهم يركلونني ليرموني مثل كيس تبن في سيارة جيب لونها كان يحاكي لونك؟ لقد بقيت وقتها، أيها التراب، صامتا تلعق أحذية قوات الأمن دون أن تشعر بآلام معصمي المقيدين!! وعندما عدت بعد أسبوع في السيارة ذاتها، كنت أنظر من خلال زجاج النافذة إليك، كاد قلبي يتفطر وأنا أرى عجلات سيارة الأمن تزني بك!!

كنت أنت الشاهد الصامت للفجيعة حينما كانت أحذية المخابرات ترسم نقوشا متوحشة عليك وأنت في صمتك ونومك الترابي!!

هل تذكر حين طحن العشق قلبي ذات خريف؟

نعم، بدون شك ما زلت تذكر عندما كانت حبيبتي تحث الخطى كل ظهيرة فوقك لتأتي إلى غرفتي وتضع يديها على عيني المنتظرتين وهي تسأل ضاحكة: من أنا؟ كنت أتغابى فأتحسس بيدي يديها اللتين تشبهان حمامتين أليفتين ثم أرفع أصابعي إلى شفتيها المكتنزتين الدافئتين وأنزل بها إلى نهديها التفاحيين و فخذها اﻟ … وأقول: أنت جنية!!

كنا نتقلب كغمامتين ثائرتين تلهو بهما رياح مجنونة.

كانت حبيبتي تنسج بخطواتها كل ظهيرة بساط الأكاذيب، وكنت أنت على علم بالفخاخ التي تنصبها أمامي، لكنك لم تهمس ولو لمرة واحدة في أذني: حذار من أن تتعثر قدمك بالفخاخ! لم تقل لي ولو مرة واحدة: يا مجنون! لا تثق بالسراب، سيموت قلبك عطشا!! لم تقل لي: لتنته هذه اللعبة، قلبك يتعرض للطحن!!

كنا صديقين أيها التراب. كتبت فيك أروع الأشعار. كنت أشمك بكل ما في رئتي من قوة. كنت أبقي على غبارك الملتصق برموش عيني و ثيابي أسابيع و أياما ولا أنفضه عنها!!

كنت أقول: هذا غبار مقدس، غبار التراب، التراب الذي يغفو أمام باب الدار، التراب الذي يحتضن طفولتي المخنوقة وشبابي الضائع”.

احمرت عيناه رويدا رويدا، وأصبحت علب البيرة المرصوفة على رف المرآة تفرغ علبة إثر علبة، لكنه استمر في التحديق بكومة التراب المنسكبة على أرض الحمام العارية الصامتة وهو يقول:

“أصبحت تائها شريدا. حملت قلبي المحطم وطفت به في كل الأماكن دون أن أجد أحدا يلملم شظاياه. كنت تراني عشرات المرات في حيرتي – إن كانت لك أعين – لكنك كنت تبقى في صمتك الأزلي.

أما كان عليك أن تصبح أمام حزن خطواتي جنونا من غبار فتتطاير في سماء تلك المدينة المجرمة لتخبر الجميع بما يعانيه هذا القلب من آلام؟ أما كان عليك أن تخبرني بكل الفخاخ المنصوبة أمام قلبي؟ أنا الذي كنت أراك أما لي بل أكثر من أم؟

أحرقت منزلي وكتبي قهرا من حياتي البائسة وأوشكت على إحراق نفسي بينما كنت تنظر إلي صامتا، وربما كنت تقول في سرك وأنت تضحك: لقد جن الولد!!

كنت أرى معنى حياتي في حمايتك وحبك، وعندما أسمع كلمة سوء بحقك كنت أجن وأكاد أخفيك في عيني وأذود عنك بنور بصري. كنت مستعدا لبذل دمي فداء لك، ولكن أنت!! آآآآآه. بم أخبرك الليلة؟!

قل لي ما الذي فعلته لأجلي عندما ضاقت بي الأرض وسحقت طواحين الأمل قلبي لتجعله طحينا مشتعلا؟ ما الذي فعلته لأجلي عندما كنت تراني بائسا حزينا جائعا!! كنت أبكي لأجلك ولم أسمح حتى للريح بخطفك من أمام باب الدار، لم أذق للنوم طعما حتى أمنع لصوص التراب من نفيك إلى أرض المجهول!! قل لي – إن كان لك لسان – ما الذي فعلته لأجلي عندما هربت إلى هذه البلاد التي لا تصبح بلادي؟!

كنت تنظر إلي – إن كانت لك أعين – وتراني أروح وأجيء باحثا عن ذاتي التائهة، وعن حياة هادئة وحب صاف، لكنك لم تصبح وطنا لتلك الحياة ولا لذلك الحب!!

كنت تبقى صامتا، كما أنت الآن على هذه الأرض الباردة العارية وفي هذه الليلة الخرساء!! فلا تقل لي بعد: لم أتيت بي إلى هذه الغربة؟!

إنك أنت الذي دفعت بي إلى كل هذا الخراب، أنت من نفيتني. إنه ذنبك أيها التراب، ذنبك أنت. فلا تظنن أنني سأضعك بجانب رأسي على الوسادة لأشمك كل صباح وأقول: ياااه! تفوح من ذراتك رائحة الجنة!!

لا. لا أبداً. لكنني ﺴ…………. “

فجأة عمد إلى أزرار بنطاله وأخذ يحررها عن عراويها بسرعة، ثم بدأ يتبول على حفنة التراب المتكومة كأنين صامت على أرض الحمام الباردة الرطبة.

 

ليس هناك جسم جامد كالمفتاح يحمل المشاعر التي يحملها، فالبصمات التي تبقى عليه ولا يمحوها قانون التقادم هي رسم خفي لاحاسيس الناس الذين حملوا المفتاح واخترقوا عالمهم او خرجوا منه، كالرسم البياني على جهاز تخطيط القلب، يسجل الغضب والحزن والفرح والسكينة، فكيف يكون المفتاح حين يحمله شاعر غادر البيت حاملاً مفتاحه وديوان شعر وشحن على ظهر قارب في البحر أقلع به من حيفا إلى عكا، ثم الى بيروت وإلى.. وإلى..إلى أن التقينا في صوفيا.

في طفولتي لم يقل لي أحد شيئًا عن أبي سلمى.. لا في المدرسة ولا في البيت.. وحين كنّا صغارًا نحفظ الشعر ونتبارى فيه، كنا نبدأ المبارزة الشعرية بما أسميناه “المفتاح”، أي البيت الذي نفتتح به وكان:

أنشر على لهب القصيد        شكوى العبيد إلى العبيد

وكان يصّر على هذا المفتاح معلم اللغة العربية، لكنّه لم يقل لنا من هو قائله، والحقيقة أننا لم نسأل لأننا كنا نبحث عن أبيات ذات قافية صعبة، و”الدال” هو واحد منها، وأمّا معلم التاريخ الذي كان يستجيب إلى إلحاحنا لتمضية درس التاريخ الناشف بمبارزة شعرية فقد كان يصّر على مفتاح آخر، وهو:

ألعرب أشرف أمة               من شك في قولي كفر

ولا أعرف حتى اليوم من هو قائل هذا البيت، لكن معلم التاريخ لم يكمل السنة الدراسية، فقد افتقدناه يومًا وقيل لنا أنه يكتب الشعر وقد طُرد من المدرسة وسمعنا فيما بعد أنه غادر البلاد وصار يتنقل بين مصر وليبيا والاردن ولم يعد إلى وطنه، بل تركنا نسخر من أنفسنا ونحن نسأل:

هل حقًا، العرب أشرف أمة ؟

قد يعود الينا يومًا ويحكي عن العرب، مؤمنًا او كافرًا، ويعلم الله أنه بعد أن تعرف على حالة العرب في الخارج فسيأتينا معتذرًا ليس على كفره بل على يقينه في تلك الأيام.

أبو سلمى

بعد أن أنهيت المدرسة الثانوية في حيفا سمعت لأول مرة عن أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، ويحز في نفسي اليوم أنني كنت أمر يوميًا، ولأربع سنوات متتالية، قرب بيته ولا أعرف أن في ذلك البيت عاش وكتب “شاعرنا القوميّ”.

لم أعرف في ذلك الوقت ما معنى “الشاعر القوميّ” لأن معلمة اللغة العبرية، غرزت في رؤوسنا أن حايم نحمان بياليك هو شاعر قوميّ، ولا يجوز أن يكون هناك شاعر قوميّ لأمة إلا بياليك للأمة العبرية.

عندما كبرت صرت أسأل كطفل صغير:

لماذا لا يكون لنا شاعرنا القومي، مثلما أن لهم شاعرهم؟

وكم أردت أن يكون أبي ومعلم التاريخ شاعرًا كهذا.

إلتقيت أبا سلمى في صيف 1980، في صوفيا مدينة البلقان.

جاء ليلقي الشعر وذهبت لأدرس الشيوعية.

هناك تحدث عن حيفا، وإذا بها مدينة غير التي تعلمت فيها وأعرفها وأقضي معظم ساعات نهاري في غرفة صغيرة من غرف جريدة “الإتحاد” التي احتوت بين جدرانها على طاولة خشبية عريضة، هي طاولة أبي سلمى.

إحتفظنا نحن بطاولة مكتبه واحتفظ هو بمفتاح البيت.

كنا نتحدث إليه عبر طاولته وكان يتحدث إلينا عبر المفتاح.

مناجاة عشّاق لقمر لا يغيب، ولكنه بعيد، بعيد.

سأل عن شارع الملوك وساحة الحناطير وقال أن بيته في شارع البساتين، في حي الألمانية.

سأل:

هل تعرفون البيت؟

هل هناك أحد يحرسه؟

كان أبو سلمى يعاتبنا لأننا اكتفينا بطاولته ولم نحرس البيت، حتى أننا لم نعرفه، ولم نجرؤ على السؤال:

“لماذا ذهبت؟”

غجر

بين حيفا الأمس وحيفا اليوم درج من حجر.

ألماضي من تحت والحاضر من فوق.

بحرها يتراجع وقممها تفقد خضرتها يومًا بعد يوم.

أصبحت مدينة شاحبة مشحونة بدخان المصانع وزعيق البواخر في الميناء.

بكى وهو يحكي وبكينا نحن على بكائه.

“خرجت مع مفتاح وقصائدي.

وقعت قصائدي في البحر وظل المفتاح لأنني ربطته بخاصرتي..”

في طريقي اليه في فندق البلقان جلست على الارض امرأة غجرية وضعت في حضنها رضيعا والى جانبها وقف طفل في السابعة مادا يده للتسول. أردت أن أعطيه لكن مرافقتي البلغارية قالت:

“لا. انهم ليسوا بحاجة، فالدولة توفر لهم كل شيء وهم يرفضون هذه النعمة! الغجر يرفضون النعمة ويفضلون التسول! هذه هي حياتهم! لقد بنينا لهم المساكن وسلمناهم مفاتيح الشقق، فباعوا المفاتيح وتركوا البيوت فارغة وانتشروا في الشوارع.. يغنون ويرقصون ويتسولون..”

(شو هالحكي؟)

“لماذا تضحك يا رفيق؟”

– خذيني الى فندق البلقان واتركيني هناك مع الشيخ الغجري الفلسطيني!

إنه شاعرنا القومي؟ هل للغجر شاعر قومي؟

“لبلغاريا شاعرها!”

قالت الرفيقة نانا، وودعتني عند مدخل الفندق، ولما عانقت أبا سلمى لم يتسلل إلى أذني إلا شهقاته وطقطقة صرة المفاتيح التي حملتها موظفة جميلة وغابت في الردهات الطويلة.

تلة رضوان

رحلة البلقان كانت كالخرافات الموروثة، لا يحيكها سوى القضاء والقدر والمصادفات الجميلة، وفي صميمها إنسان تتقاذفه الأقدار، كهذا الشاعر العجوز الذي يحلم بالعودة إلى بيته ويصفه حجرًا حجرًا، ويسأل عن الدرج وعن غرفة “سعيد “وعن الحديقة ويعاتبنا لأننا لم نحرسها. وحين يبدأ رحلته يختار الأسطورة: “يُحكى عن راعٍ في تلة رضوان كان يغني لجواميسه ويعزف على الناي، أحب ابنة شيخ القبيلة وأحبته فبعث يطلب يدها.

غضب والدها على هذا الراعي “الوقح “الذي يجرؤ على مجرد التقدم اليه بطلب كهذا، فأمر بقطع أصابع يديه عقابًا له.. وكان هذا أقسى حكم ينزل على شاب ترقص أنامله الجواميس في المراعي.. في اليوم التالي رفضت الجواميس الخروج لأن الراعي لم يأتِ ولم يعزف.. وما كان من أهل القبيلة إلا أن قصوا أعواد القصب وركبوها في مكان الأصابع وعاد الراعي ليعزف على الناي فخرجت الجواميس إلى المراعي وتزوج ابنة الشيخ..

قال أبو سلمى أنه تأثر كثيرًا بهذه الحكاية وظلت ترافقه ومنها بدأ يكتب الشعر، كانت هي المفتاح للإلهام، مثلما كانت أصابع الراعي المقطعة المفتاح للموسيقى التي أطربت الجواميس، وهل هناك اقتحام لعالم روحانيّ أو ماديّ دون مفتاح؟

في عام النكبة فقدت عشرات ألوف المفاتيح، منها ما ظل في الأبواب المشرعة ومنها ما وقع على الطريق الوعرية أو في البحر، إذا لم يربط في الخاصرة، وها هم أصحابها ينتظرون أكثر من خمسين عامًا صابرين على فراقها مؤمنين “أن الصبر مفتاح الفرج” مستبدلين مفتاح البيت الحديدي بمفتاح الأمل الذي تبدد بعد أن قامت الجرافات وأخذت البيت والمفتاح.

ألبيت

مات أبو سلمى بعيدًا بعيدًا عن وطنه، بعد شهرين من لقائنا في البلقان.

مات في أمريكا ودفن في دمشق وترك المفتاح لابنه سعيد..

عدت إلى البيت في شارع البساتين، لأبحث عنه ولأسأله إن كان هو أيضًا يشتاق الى أهله مثلما يشتاق أهله له، وقد كنت أمّر يوميًا بجانبه ولا أراه، وربّما لأن معلمة المدنيات اليهودية قالت لنا: “العرب في حيفا هربوا خوفًا من البراميل التي دحرجناها في نزلة ستيلا مارس وعلى الدرج الذي يفصل بين حيفا من فوق وحيفا من تحت ففكروها طائرات ودبابات.. وتركوا بيوتهم وهربوا، ويقال ان امرأة حملت وسادة بدلا من ان تحمل رضيعها الذي نام في السرير.. وعندما دخلنا كان الطبيخ على النار.. “

عدت إلى حيفا بعد رحلة البلقان وذهبت إلى حنا نقارة، صديق أبي سلمى، وطلبت منه أن يأخذني إلى البيت.

وقع خطانا على السلم الخشبي لم يوقظ أهل البيت.

إنتظرنا أن يفتح أحد بابًا ويقول:تفضلوا!

كنا كمن يتحرك في كهف مهجور.

“هذه غرفة النوم”..

وضرب حنّا بكفه على جدار اهتز هزات خفيفة واختفى رجع الصدى، وفي عينيه علقت دمعتان.. أما السقوط على أرضية “الكوريدور” الخشبية وأما البقاء في عناق طويل مع الرموش الذابلة.

طرقنا على الباب.. لم يسمع صوت.

“ربما أنه مهجور”

طرقنا مرة اخرى.

“من هناك”؟

ردّت علينا امرأة كأننا أيقظناها من سبات عميق.

لم نعرف كيف نعرّف عن أنفسنا، ولو عرفنا لأثرنا خوفها في مدينة عندما يطرق غريب وصل بلا موعد على أبواب منازلها، فإما أن يكون حراميًا وإما أن يكون شرطيًا وكلاهما يثيران أشد أحاسيس الخوف.

“سلام عليك أيتها السيدة”

وجوم..

“هل تسكنين هنا منذ زمن بعيد؟ منذ عام1948؟”

عجوز في الستينات وقفت خلف بابها المشقوق وحدقت بنا حيرى ومرتبكة ونحن ألقينا بنظراتنا إلى باطن الغرفة.

“أسكن هنا منذ عام 1949”

أشار حنا إلى الغرفة الواسعة وقال، هذا هو الصالون.. كان يستقبلنا هنا.. وسألنا السيدة:

“هل تعرفين من كان يسكن الدار قبل مجيئك”؟

فأجابت السيدة:

“لا أعرف! عائلة بولونية.. قبلها سكنت عائلة ألمانية..”

قال حنا نقارة:

“هذا البيت لقريب لي توفّي قبل شهر.. نزح عنه قبل 32 عامًا..”

سألت السيدة:

“هل هو عربيّ؟”

إمرأة عجوز قدمت من رومانيا عندما كان صاحب هذا البيت يحمل المفتاح وقصائده ويركب قاربًا أبحر به بمحاذاة الشاطئ من حيفا، إلى عكا، إلى طرابلس..

“هل تعلمين أن صاحب هذا البيت هو شاعر فلسطيني كبير توفي قبل شهر؟ هل تعلمين أنه ظل يحتفظ بمفتاح البيت على أمل العودة؟”

حركت رأسها كأنها تقول: “مسكين هذا الشاعر!” ثم واصلت: “البيت قديم وقد طلبت من البلدية أن تعطيني بيتًا آخر، ولكن لا يوجد فلوس.. أسكن في غرفة واحدة، هنا مطبح وهنا حمام وهنا غرفة مسدودة بالباطون.. سدتها البلدية، إنها تدلف، جدرانها مشققة وشبابيكها محطمة..”

مد حنا يده وصافح السيدة العجوز. الدمعة التي تراخت على الرموش الذابلة انقسمت وتساقطت على خده. عدنا إلى السلم الخشبي، والكوريدور، وخرجنا من المدخل. هناك بيت فوزي بندر، كان وكيل شركة تأمين، وهذا بيت زكي التميمي، وهذا لحسين عبد الصمد، وهذا للدجاني وهذا للعنبتاوي، وهناك نصار الفرمشاني، وهذا بيت المحامي عيسى هزو.. هل حملوا مفاتيح بيوتهم التي بنيت من حجر وما زالت قائمة حتى اليوم؟

زنزانة

رهيبة صكصكة المفاتيح حين تجتمع وتتراقص على خاصرة راهب يمشي في دهليز إلى غرفة معتمة في الأديرة القديمة، أو حين تصطك في يد سجان تسمع وقع بسطاره عندما تكون منقبضا في زنزانة، وتعلو شيئا فشيئا إلى أن يتوقف، فتقف على رجليك لتصغي بترقب وتوتر إلى معركة حشر المفاتيح في الثقب الوحيد الذي يربطك بالعالم الخارجي، وعندما تسمع “طقة” وتتلوها أخرى اقوى منها تتنفس الصعداء لأن السجان يفتح الباب ويأمرك أن تخرج إلى أن يعيدك ثانية.

ليس بيني وبين المفاتيح علاقة عشق, وقد جاء مفتاح أبي سلمى ليحررني من حقد على المفاتيح كان اشتد في نفسي في ليلة من ليالي أيلول 1977.

في منتصف تلك الليلة حرقت كل سجائري، ولم يكن من عادتي أن لا أبقى سيجارة لقهوة الصباح، لكنني فعلتها في تلك الليلة، فتبين لي فيما بعد أن السيجارة في البيت كالحجاب يطرد “الوسواس الخناس” ويبعد الشياطين وأولاد الحرام وإلا كيف حدث أن في تلك الليلة وبعد أن أقفلت الباب واسترخيت على سريري وما كدت أغمض عيني حتى سمعت طرقا شديدا على الباب وهرجا ووقع خطى أيقظ طفليّ وزوجتي فقاموا مذعورين وأنا معهم، ولما فتحت الباب واذا بثلاثة رجال وأربعة وخمسة وعشرة تجمعوا في المدخل بلباس مدني وبوليسي وقال أولهم: “جئنا لنفتش البيت!”

وناولني ورقة لم أقرأها، ودخلوا بقوة وانتشروا في أركان البيت وفتشوا في المكتبة وفي الخزائن وفي الثلاجة وتحت الفراش، ووصل عددهم إلى أكثر من ثلاثين رجلاً ضاع بينهم طفلاي وهما يبكيان ولا يفهمان ما يدور في البيت. كان على طاولتي مفتاح كبير لبوابة قديمة ورثته عن جدي. حين كنت أتأمل فيه وأقرأه كان يعيدني إلى تلك الأيام وذلك الجيل وإلى الحالة الفلسطينية التي تجمعني بهذا الجيل المعذب، ويبدو أن ضابط العملية بذكائه المخابراتي الخارق أدرك عمق العلاقة بيني وبين هذا المفتاح فبدأ يحقق: “من أين لك هذا؟” وأمرني أن آخذه إلى البوابة الكبيرة، ولما أقنعته أن مثل هذه البوابات كان في زمن البيوت الحجرية الكبيرة التي هدمتها جرافاتهم، عندها سحبه بعصبية وقال: “سيكون شهادة ضدك”، وأمرني بأن أصعد الى السيارة واختفى المفتاح.

أمضيت ليلتين في زنزانة “الجلمة “ولم تكن المرة الأولى التيأعرف فيها السجن والزنزانة، ولكنها المرة الأولى التي شعرت فيها أن السيجارة تصبح في السجن وسيلة تعذيب. قلت للسجان: “أعطني سيجارة!” نظر إلي وابتسم ابتسامة خبيثة عبر الفتحة المربعة في وسط الباب وقال: “بعد قليل”، واصطكت مفاتيحه وغاب.. وكانت هذه “البعد قليل” ساعتين وأكثر عاد بعدها وفتح الطاقة وناولني سيجارة وقال: “نسيت علبة الكبريت, سأذهب لأحضرها بعد قليل”. وكانت “البعد قليل “الثانية أطول من سابقتها, وأدركت أن طقوس التعذيب قد بدأت… ولم أشعر بالانفراج إلا عندما كان السجان يفتح الباب ويقودني إلى غرفة التحقيق.

ثلاثة محققين كانوا هناك: طيب وشرير وبشع. ألطيب عرض علي سجائره والقهوة وكان مؤدبا وحاول اقناعي بأن أرتدع عن خطي السياسي المناهض للسلطة وعرض علي المال والوظيفة وحتى عضوية الكنيست. وفتح ملفا كبيرا وقال: “كل ما كتبته ونشرته وقلته محفوظ عندنا.. وهو مترجم حرفيا”.

قلت له: “أنا سعيد أن هناك من يهتم بما أكتب. وسعيد أكثر أن كتاباتي تترجم. حبذا لو تقومون بنشرها بلغتكم”.

أغاظه هذا الكلام “الصقع”, فهب من مكانه وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل عليّ الشرير وقال أنه يستطيع ان “يخرب بيتي” وأن “يجعل حياتي جحيما وأن الدولة التي انتصرت على مائتي مليون عربيّ لا تحسب حسابًا لواحد مثلي”.

قلت له: “أعرف أنكم اقوياء وأنا لا أتحدى دباباتكم”.

قال: “اذن ستظل مشاكسًا؟”

وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل البشع. شاب طويل وضخم ومفتول العضلات صار يبرم حولي ويلف ويدور وينظر إلي نظرات مرعبة, وقال: “من أنت؟ ماذا تساوي؟ أنت لا تساوي الرصاصة التي ستخترق دماغك. لا.. لن نخسر عليك رصاصة. نحن سنطلق سراحك. سنقول لك أنت حر, إذهب أينما شئت, وستركب سيارتك، وتسافر وفجأة تأتيك سيارة شحن كبيرة، سيمترلر،  وتدوس عليك كما يدوس الفيل على النملة، وبعدها ستركض زوجتك خلف شركة التأمين لتدفع التعويضات”

وتكررت هذه الجولة الثلاثية لمدة 48 ساعة. تعلمت منها درسا واحدا: أن لا أنام ليلة دون أن أترك سيجارة لقهوة الصباح.

أطل عليه..

وصرت أكره المفاتيح وصكصكتها. إلى أن كان ذلك اللقاء مع أبي سلمى في فندق البلقان في صوفيا. صار للمفتاح معنى آخر في حياتي. علمني مفتاحه أن ليلتي ويومي في سجن الجلمة كانت المفتاح إلى عالم من المواجهة ليس فيه تنازل ولا مساومة ولا التفاف على الحق.

“سنلتقي في حيفا”، قلت لأبي سلمى.

بعد شهرين رحل تاركا المفتاح وقد أُشبِعت قصائده الضائعة بملح البحر. بعد سنوات قليلة أَخلت العجوز الرومانية البيت، ربما انتقلت الى بيت آخر أو الى العالم الآخر. ظل البيت مهجورا لعدة سنوات أخرى. لم يقم أحد بزيارة البيت. مررت يوما من هناك، كانت الجرافات قد أنهت عملها، والبيت تحول الى ركام صارت الجرافات تحمله على شاحنة كبيرة وتطاير غبار كثير. لم يبقَ لبيتِ شاعرنا القومي أثر. هناك في حيفا، حي الألمانية ساحة كبيرة هي موقف سيارات أطل عليها من مكتبي في “معهد إميل توما”، فتأخذني بعيدا إلى فندق البلقان وإلى مفتاح على خاصرة شاعر لم يقدر على حماية قصائده فسقطت في البحر ولم نقدر على حماية بيته فمسحتها الجرافات.

يمد يده إلى الخلف ليتناول الأجرة من الركاب. يلقي بها الى جانبه بلا مبالاة، بل بقرف أثار حفيظتي.

– الوضع صعب لكنه مؤقت!.

أتمم في محاولة لدفعه الى الحديث.

– السيارات أكثر من الركاب. نحن نبيع <الكاز> فقط!

يصمت ويتأملني من خلال المرآه الأمامية ثم يكمل حديثة بسخريه:

 – السائق كالشحاذ تماما، الفرق بينه وبين الشحاذ أن الاخير يمد يده الى الامام بينما السائق يمدها الى الخلف!

يتوقف عند الاشارة الحمراء قرب سوق فراس الشعبي. ينفخ بغيظ ويبدأ بالدق على مقود السيارة بعصبية. يتقدم الوجه الجميل. لم يتجاوز صاحبه التاسعة من عمره بعد. يتمتم من خلف زجاج النافذة بكلمات نسمعها. يضغط السائق أحد الازار بجانبه لينزل الزجاج. يملأ صوت الطفل فضاء السيارة كما يدخل يده إليها بقطعتين من الشوكولاتة >بشيكل فقط

– ليس هذا أوانك!.

يحدث نفسه ثم يخرج الشريط ويفتح الراديو. صوت المذيع المتهدج ينقل أجواء الحرب المستعرة الى السيارة. حصار، اغتيال، اصابه، اعتقال.

يزيد سرعة السيارة في محاولة للحاق بالإشارة الخضراء للمرور. وقبل أن يصلها يظهر له الضوء الأصفر ثم الأحمر فيضطر للتوقف. يغلق الراديو بعصبية ويعود للدق على مقود السيارة بيده. وجه جميل آخر يقترب. الطفل يتجاوز الثانية عشرة من عمره. يزفر السائق بحنق ثم يفتح زجاج النافذة.

ومرة أخرى يملأ صوت الطفل فضاء السيارة: >>بنصف ثمنها في المحل!>> ويمد يده بالعلكة الى داخل السيارة. ينظر السائق الى وجوة الركاب من خلال المرآة. لم يحرك أحد منا ساكنا. يتناول قطعه نقدية. يناولها للطفل ويتناول منه العلكة ثم يلقيها أمامه قرب قطعة الشوكولاتة. بانت الإشارة الخضراء. تذكرت أنني لم امنحه أجرته بعد لكني لم أشأ أن أناولها له مباشرة إذ لم أرغب في رؤيته مادا يده الى الخلف! ناولتها للراكب الذي يجلس بجانبه وناولها بدوره له. تأملني عبر المرآه وابتسم. صرنا بمحاذاة منتزه الجندي المجهول. وجوه مطمئنة تفترش العشب الأخضر واخرى تجلس على المقاعد وتنفخ دخان النرجيلات في سماء المكان. شبان في مقتبل العمر يلاحقون فتيات عابثات يدرن في المكان والكل يفتش عن مهرب.

تنحرف السيارة يسارا نحو مفرق <<رشاد الشوا>>. الإشارة حمراء كالعادة. يتوقف ويتناول علبة سجائره. يفتحها للخلف داعيا إيانا للتدخين، نشكره، فيخرج واحدة ويشعلها.

يقترب الشاب الصغير يحمل خرقة بالية. لعله يتجاوز الخامسة عشرة من عمرة. يمسح غطاء السيارة الأمامي بسرعة ثم يقترب ليمسح المرآه الجانبية من جهة السائق. يسحب نفسا عميقا. يتأمل وجه الشاب قليلا ثم يأمره بالتوقف عن مسح السيارة. يبتعد الشاب الصغير خطوة الى الخلف. عيناه تتفجر يأسا وتوسلا. يشير السائق له بالاقتراب. يمنحه قطعه نقدية. يختطفها فرحا لهذا الكسب المفاجئ والذي طال انتظاره. يبتعد قليلا متجها نحو سيارة أخرى. يدعوه السائق ثانية فيقترب مترددا. يناوله قطعتي الشوكولاتة والعلكة.

– بعها وخذ ثمنها لك!

تظهر الإشارة الخضراء. تتحرك السيارة. تنحرف يسارا وتنطلق بسرعه نحو جامعة الأزهر التي كانت الإشارة عند مفرقها تبدو حمراء أيضا.

لكل نزيل في محطة استقبال اللاجئين حكايتان. واحدة واقعية وأخرى إرشيفية. الحكايات الإرشيفية هي الحكايات التي يرويها اللاجئون الجدد من أجل حق الحصول على اللجوء الانساني. وتدون هذه الحكايات في دائرة الهجرة وتحفظ في ملفات خاصة. اما الحكايات الواقعية فتبقى حبيسة في صدور اللاجئين ليعتاشوا على ذكراها بسرية تامة. لكن هذا لايعني انه يمكن التمييز بسهولة بين حدود الحكايتين. فقد تختلطا ويصبح التمييز بين الحكايتين مجرد محاولة عبثية. قبل يومين وصل لاجئ عراقي جديد الى مدينة مالمو جنوب السويد. رجل نحيل في نهاية الثلاثين من العمر. ادخل الى محطة الاستقبال واجريت له بعض الفحوصات الطبية. ثم اعطوه غرفة وسرير ومنشفة وشرشف وصابون وملعقة وشوكة وسكين وقدر لطبخ الطعام. يجلس الرجل اليوم امام موظف دائرة الهجرة يروي حكايته بسرعة غريبة ، بينما موظف الهجرة يطلب منه ان يبطأ السرد قدر المستطاع:

أخبروني أنهم باعوني الى جماعة اخرى. كانوا فرحين جدا. ظلوا طوال الليل يشربون الويسكي ويضحكون. حتى أنهم دعوني لمشاركتهم الشرب.اعتذرت انا واخبرتهم بأنني رجل ملتزم بدينه. اشتروا لي ملابس جديدة وطبخوا لي في تلك الليلة دجاجة وقدموا لي الفواكه والحلويات. يبدو ان ثمني  كان جيدا. حتى ان قائد المجموعة سكب دموعا حقيقية اثناء توديعي. عانقني مثل أخ: أنت رجل طيب للغاية… اتمنى لك كل الخير والموفقية في حياتك ، قال الرجل الاعور.

 اظن انني بقيت مع الجماعة الاولى ثلاثة أشهر فقط. وكانوا قد إختطفوني في تلك الليلة الباردة والمشوؤمة. حدث ذلك في بداية شتاء 2006. تلقينا التعليمات بالتوجه الى نهر دجلة. كانت هي المرة الاولى التي نتلقى فيها الأوامر مباشرة من مدير قسم الطوارئ في المستشفى. عند ضفة النهر كان رجال الشرطة يحيطون بست جثث من دون روؤس ، وكانت الروؤس قد وضعت في شوال طحين فارغ أمام الجثث. خمن رجال الشرطة بأنها الجثث لرجال دين. كنا قد تأخرنا في الوصول بسبب الامطار الشديدة . كدس رجال الشرطة الجثث في سيارة الاسعاف التي يقودها زميلي أبو سالم وحملت انا الى سيارتي شوال الروؤس. كانت الشوارع خالية ولم يكن يخرق سكون ليل بغداد الموحش سوى اصوات رصاص في البعيد وصوت طائرة مروحية امريكية تدور فوق المنطقة الخضراء. انطلقنا عبر شارع أبي نؤاس بأتجاه شارع الرشيد، وكنا نسير بسرعة متوسطة بسبب الامطار ، ف) حين تحمل جريحا أو مريضا يحتضر، تكون سرعة سيارة الاسعاف هي الدليل على المسوؤلية الانسانية. اما حمل الروؤس المقطوعة في سيارة اسعاف فهو لايحتاج إلا الى سرعة عربة موتى تجرها البغال في غابة مظلمة من القرون الوسطى ( هذا ماكان يردده علينا مدير شعبة الطوارئ في المستشفى. وهو رجل كان يعتبر نفسه فيلسوفا وفنانا ، لكنه  ( ولد في البلد الخطأ ) على حد قوله. مع ذلك كان يحترم عمله ويعتبره من الواجبات المقدسة. فأدارة قسم سيارات الاسعاف في شعبة الطوارئ كان يعني لديه إدارة الخط الفاصل بين الحياة والموت. كنا نسميه ـ الاستاذ ـ وكان زملائي الاخرين يمقتونه وينعتونه بالمجنون.  وأنا عرفت سبب المقت. فكلامه الغامض والعدائي جعله رجلا معقدا في نظر الاخرين. لكني كنت اكن له الكثير من الاحترام والمحبة بسبب حديثه الجميل والشيق. قال لي  مرة : إن  الدم  المسفوك والخرافة هما أصل العالم. والانسان ليس  هو الكائن الوحيد الذي يقتل من أجل الخبز أو الحب او السلطة ، فالحيونات في الغابة تفعل ذلك بشتى السبل ، لكنه الوحيد الذي يقتل بسبب الإيمان. وغالبا ما كان يختم حديثه بجملة مسرحية وهو يشير بيده الى السماء : لايمكن حل قضية الانسان الا بالرعب المتواصل. كان زملي أبو سالم يأخذه الظن بأن الاستاذ على علاقة بالجماعات الارهابية بسبب عنف كلامه. لكني كنت أدافع بكل إخلاص عن الرجل الذي لا يفهمون بأنه فيلسوف يابى أن  يطلق المزح السخيفة كما يفعل طوال النهار سائقو سيارات الاسعاف الحمقى. كنت احفظ كل جملة وكلمة يقولها. فأنا كنت أسير محبته والإعجاب به.

 اعود الى تلك الليلة الملعونة عندما انعطفنا بأتجاه جسر الشهداء. أنتبهت الى أختفاء سيارة الاسعاف التي يقودها أبو سالم ، ثم لمحت في المرآة الجانبية سيارة شرطة مسرعة تلحق بي. ركنت السيارة بدوري على جانب الطريق وسط الجسر. ترجل من سيارة الشرطة أربعة شبان ملثمين يرتدون زي قوات الشرطة الخاصة. أمرني قائد المجموعة بالترجل من السيارة وهو يوجه مسدسه في وجهي. بينما اخذ رفاقه الاخرون بأنزال شوال الروؤس من سيارة الاسعاف

(لقد اختطفتُ وهم سيقطعون رأسي …). كان هذا أول مافكرت به حين يكبلوني وحشروني في صندوق سيارة الشرطة. أحتجت الى عشر دقائق فقط لأدراك حقيقة ماينتظرني…  قرأت آية الكرسي ثلاث مرات في ظلام الصندوق. شعرت بأن جلدي أخذ يتشقق. لاادري لم فكرت في تلك اللحظات المظلمة في وزن جسمي. ربما 70 كيلو. كان رعبي يزداد كلما أبطأت سيارتهم أو إنعطفت. وحين تعاود الانطلاق بسرعة ، كان ينبض فيّ إحساس غامضه هو مزيج من الطمأنينة والقلق. ربما فكرت حينها بحديث الاستاذ عن علاقة السرعة بالاحتضار. لم أفهم  ماالذي كان يعنينه بالتحديد. كان يقول ان من يحتضر في غابة يشعر برعب أشد من الذي يحتضر داخل سيارة أسعاف مسرعة. لأن الاول يشعر بأن الزمن قد انفرد به ،  بينما يخيل للثاني بأن هناك من يتضامن معه. أكيد أنه وهم الهروب بعكس الاتجاه. اذكر ايضا أنه أعلن مبتسما : اتمنى إحتضارا داخل مركبة فضائية تسير بسرعة الضوء. 

خيل إلي أن جميع الجثث المجهولة والمشوهة التي حملتها في سيارة الاسعاف منذ سقوط بغداد، كانت أمامي. ثم شاهدت الاستاذ في الظلام الذي يلفني حاملا رأسي المقطوع من كومة نفايات، بينما يطلق زملائي مزحة داعرة عن حبي للاستاذ . اظن ان سيارة الشرطة لم تقطع مسافة طويلة قبل أن تتوقف عن السير.  في كل الأحوال هم لم يخرجوا من المدينة. حاولت أن أتذكر سورة الرحمن ، لكنهم أنزلوني وقادوني الى داخل بيت كانت تفوح منه رائحة السمك المشوي ووصلني بكاء طفل.  فكوا الرباط عن عينيّ  ووجدت نفسي في غرفة باردة وخالية من الاثاث. ثم إنهال علي بالضرب المبرح ثلاثة أشخاص مجانين . وبعدها ساد الظلام من جديد.

خيل لي أنني سمعت صياح ديك أول الامر. أغمضت عيني لكنني لم أتمكن من النوم. كنت اشعر بألم حاد في اذني اليسرى. أنقلبت بصعوبة على ظهري وزحفت بأتجاه الشباك الذي كان قد سد بالطابوق حديثا. كنت أشعر بعطش شديد. كان من السهل التكهن من أنني داخل أحد بيوت الأحياء البغدادية القديمة. كان ذلك واضحا من طراز بناء الغرفة ، خاصة من باب الخشب القديم. في الحقيقة لااعرف مالذي يهمكم بالتحديد من تفاصيل قصتي كي أحصل على حق اللجوء في بلدكم.  أنا أشعر بصعوبة بالغة في وصف ايام الرعب تلك. لكنني أريد ان أذكر بعض الامور التي تهمني ايضا. كنت اتصور أن الله ومن بعده الاستاذ لم يتخليا ابدا عني طوال محنتي. كان الله حاضرا بقوة في قلبي، يروي طمأنينتي ويدعوني الى الصبر. وكان الاستاذ يشغل ذهني ويخفف عني وحشة الإسر. كان عزائي وسلوتي.  كنت أفكر طوال تلك الأشهر العصيبة بما قاله الاستاذ عن صديقه المهندس داود. ماالذي كان يعنيه بأن العالم موصول ببعضه بعض. واين قدرة الله ومشيئته في مثل هذه الامور؟ شربنا الشاي في باب المستشفى عندما قال الإستاذ: حين كان صديقي داود يقود سيارة العائلة في شوارع بغداد كان هناك شاعر عراقي يكتب في لندن مقالا ناريا في مديح المقاومة و على طاولته امامه زجاجة ويسكي تعينه على قسوة القلب. ولأن العالم موصول ببعضه بعض بالاحاسيس والكلمات والكوابيس وبواسطة شرايين سرية أخرى فقد خرح من مقال الشاعر ثلاثة رجال ملثمين واوقفوا سيارة العائلة. قتلوا داود وزوجته وطفله وأباه. أما الأم فكانت  بإنتظارهم في البيت. أم داود لاتعرف الشاعر العراقي ولا الرجال الملثمين. ام داود تعرف طبخ السمك الذي كان ينتظرهم. نام الشاعر من شدة السكر فوق الكنبة في لندن. بينما برد سمك ام داود وغابت الشمس في بغداد.

فتح باب الغرفة الخشبي، ودخل شاب طويل شاحب الوجه ، يحمل وجبة الفطور. أبتسم لي وهو يضع الطعام أمامي. ترددت اول الامر بما يمكنني قوله او فعله. ارتميت عند قدميه وتوسلت باكيا  (  أنا أب لثلاثة اطفال… أنا رجل متدين واخشى الله …لاعلاقة لي بالسياسة ولا بالمذاهب … الله يستر عليكم … أنا مجرد سائق سيارة اسعاف … قبل السقوط … وبعد السقوط … أقسم بالله ونبيه الكريم) وضع الشاب اصبعه على شفتيه ، وخرج منصرفا. لقد شعرت أن نهايتي قد حلت. شربت قدح الشاي وقمت للصلاة عسى ان يغفر الله لي ذنوبي . في السجدة الثانية شعرت بطبقة من الجليد تكتسح جسدي، وكدت أطلق صرخة جزع، غير أن الشاب فتح الباب. كان يحمل جهاز اضاءة صغير محمول على مسند، وبرفقته صبي يحمل الكاواشنكوف. وقف المراهق الى جانبي وهو يصوب السلاح الى رأسي،  ولم يتحرك بعد ذلك من مكانه. دخل رجل بدين  في الاربعين من العمر. لم يلتفت لي. علق على الحائط لافتة قماش سوادء كتبت فيها آية قرانية تحث المسلمين على الجهاد. ثم دخل شخص اخر ملثم يحمل  كاميرا فيديو وجهاز كمبيوتر صغير. دخل بعد ذلك صبي وهو يحمل طاولة خشبية صغيرة. داعبه الرجل الملثم عاركا أنفه وشكره ، ثم وضع جهاز الكمبيوتر على الطاولة وانشغل بتثبيت كاميراته بمواجهة اللافتة السوداء . جرب الشاب النحيل تشغيل جهاز الاضاءة ثلاث مرات ثم أنصرف.

 صاح الرجل البدين : ابو جهاد .. ابو جهاد.  

اتى صوت الشاب من خارح الغرفة : فد دقيقة .. عيني أبو أركان…

 عاد الشاب هذه المرة وهو يحمل شوال الروؤس الذي اخذوه من سيارة الاسعاف. سد الجميع أنوفهم بسبب عفونة الكيس. طلب الرجل البدين مني أن اجلس أمام اللافتة السوداء، أحسست ان ساقي قد شلتا. لكن الرجل البدين سحبني من ياقة قميصي بعنف. عندها دخل رجل أعور آخر، ضخم الجثة، وأمر البدين بأن يتركني لحالي، وكان هذا يحمل في يده بدلة عسكرية. جلس الأعور قربي وهو يضع ذراعه حول كتفي مثل صديق، وطلب مني ان اهدأ. أخبرني بأنهم لن يذبحوني اذ كنت متعاونا وطيب القلب. لم افهم جيدا معنى ( طيب القلب ) هذه.  أكد لي بأن الامر لن يستغرق سوى  بضع دقائق. أخرج الأعور من جيبه ورقة صغيرة وطلب مني ان أقرأها. بينما قام الرجل البدين باخراج الروؤس المتعفنة وقام بصفها أمامي. كان مكتوبا في الورقة بأنني ضابط في الجيش العراقي وأن هذه الروؤس هي لضباط آخرين، وكنت قد  قمت برفقة زملائي الضباط بمداهمة البيوت واغتصاب النساء وتعذيب المواطنين الابرياء ، وكنا نتلقى الأوامر بالقتل من ضابط كبير في الجيش الامريكي، مقابل مكافآت مالية كبيرة.  طلب مني الأعور أن  أرتدي البدلة العسكرية. أمر المصور الجميع ان ينسحبوا الى خلف الكاميرا. ثم تقدم مني وأخذ يعدل رأسي مثلما يفعل الحلاق.  بعدها عدّل صف الروؤس. ثم عاد خلف كاميراته وصاح : تفضل !! 

كان صوت المصور من اكثر الاصوات إلفة على أذني. ربما كان  يشبه صوت ممثل شهير. او كأنه كان صوت الاستاذ حين يجهد في ان يتحدث بهدوء مصطنع. بعد تصوير شريط الفيديو، لم التق من بافراد الجماعة عدا الشاب الذي كان يجلب لي الطعام. وكان هذا يمنعني من طرح اي سؤال. وكان في كل مرة يأتي لي بالطعام يلقي علي مزحة جديدة عن الساسة ورجال الدين.  كانت امنيتي الوحيدة  ان يسمحوا لي بالاتصال بزوجتي. كنت اخبأ بعض النقود لليوم الاسود في مكان لايخطر على بال الجن نفسه. لكنهم رفضوا ذلك بشدة. أخبرني قائد المجموعة الأعور  ان كل شئ يتوقف على نجاح شريط الفيديو. وقد تحقق ذلك فعلا بسرعة كبيرة أدهشت الجميع. لقد عرضت قناة الجزيرة شريط الفيديو. سمحوا لي بمشاهدة التلفزيون، وكانوا ينطون يومها من الفرح. حتى ان الرجل البدين قبلني من رأسي وقال انني ممثل عظيم. مااثار غضبي هو مقدم الاخبار في قناة الجزيرة الذي أكد للمشاهدين بان القناة تأكدت عبر مصادرها الموثوقة من صحة الشريط وبأن وزارة الدفاع اعترفت بأختفاء الضباط. بعد نجاح عرض الشريط اخذوا يعاملونني  بطريقة كانت أكثر من جيدة. اعتنوا بطعامي وفراش نومي وسمحوا لي بالاستحمام، حتى توج تكريمي في الليلة التي باعوني فيها للجماعة الثانية. دخل الغرفة ثلاثة رجال ملثمين من  تلك الجماعة ، وبعد ان ودعني الأعور بحرارة ، أنهال علي الرجال الجدد بالضرب ثم كبلوني وكمموا فمي وحشروني داخل صندوق سيارة انطلقت بسرعة مرعبة.

قطعت سيارة الجماعة الثانية مسافة طويلة هذه المرة. ربما وصلنا اطراف بغداد. فقد أنزلوني في قرية موحشة تسرح فيها الكلاب وتعوي في كل مكان. حبسوني في زريبة أبقار. وكان هناك رجلان يتبادلان حراسة الزريبة ليل نهار. لا اعرف لم عمدوا الى  تجويعي واذلالي. كانوا يختلفون تماما عن الجماعة الاولى. وكانوا ملثمين طوال الوقت، ولم يتكلموا معي البتة. وكانوا يتفاهمون فيما بينهم بالاشارات. بل لم يكن هناك اي صوت بشري يسمع من القرية سوى نباح الكلاب طوال الشهر الذي قضيته في الزريبة. كانت الساعات تمر ثقيلة ومضجرة. كنت أتمنى ان يحدث اي شئ ، بدل هذا السجن  المؤبد مع ثلاث بقرات. كففت عن التفكير بهؤلاء الناس والى أي طائفة أو حزب ينتمون، ولم أعد أندب حظي. كنت أشعر بأنني قد عشت مايحدث لي في زمن ما ، وان هذا الزمن مجرد برهة لن تدوم طويلا. لكن الاحساس بهذا الزمن هو الذي يصطنع البطء والدوار. لم يعد يخطر ببالي ان أحاول الهرب او سؤالهم عما يريدون مني. لقد شعرت أنني أقوم بمهمة ما. واجب قسري علي ان اؤديه حتى النفس الأخير. ربما هناك قوة خفية تكاتفت مع قوة بشرية للقيام بلعبة سرية اهدافها أكبر من أن يتخيلها رجل بسيط مثلي) لكل انسان واجب شعري وأخر انساني(  كان الاستاذ يقول. لكن إن كان ذلك صحيحا  كيف لي أن أميز ، وهكذا بسهولة ، بين حدود الواحب الانساني والآخرالشعري ؟  فانا أفهم مثلا ان العناية بزوجتي واطفالي هي من الواجبات الانسانية. وان رفض الكراهية هي من الواجبات الشعرية. لكن لم  كان الاستاذ يقول اننا نخلط بين الواجبين و لانعترف بالشق الشيطاني الذي يوجه كلا الواجبين. فالواجبات الشيطانية هي القدرة على الوقوف في وجه الانسان حين يوّجه انسانيته ، او حتى الشعر المتطرف ، صوب الهاوية. وكان هذا كثيرا جدا على عقل رجل بسيط مثلي أكمل دراسته المتوسطة بمشقة كبيرة. على كل حال ، أظن

 ان ما أقوله لاعلاقة له بطلب اللجوء. فما يهمكم هو الفزع. ولو كان الاستاذ حاضرا لقال بأن الفزع  يكمن في ابسط الألغاز التي تلتمع في نجمة باردة من سماء هذه المدينة.  في الأخير دخلوا الزريبة  بعد منتصف الليل. قام احد الملثمين بفرش زاوية من الزريبة بالسجاد الفاخر. ثم قام زميله بتعليق لافتة سوداء مكتوب عليها :  جماعة الجهاد الاسلامي فرع العراق. بعد ذلك دخل المصور مع كاميرته، وقد بدا لي انه نفس مصور الجماعة الاولى. كانت حركاته يديه  شبيهة بحركات المصور الاول. الفارق الوحيد انه يتفاهم الآن مثل الآخرين بالاشارات. طلبوا مني ان أرتدي دشاشة بيضاء وأجلس امام اللافتة السوداء . أعطوني ورقة و أمروني أن  أقول ما فيها أي أنني انتمي الى جيش المهدي وأنني ذباح شهير و قمت بفصل مئات الروؤس من رجال السنة وباننا نتلقى المساعدات من ايران. وقبل ان انهي القراءة صدر عن احدى البقرات خوار عال طلب المصور إثره أن أعيد القراءة. اخرج احد الرجال البقرات الثلاثة كي نكمل تصوير مشهد الزريبة.

ادركت فيما بعد ان جميع الذين اشتروني كانوا ينقلونني عبر الجسر نفسه. ولا أعرف السبب. جماعة تعبر بي من جسر الشهداء صوب الكرخ ثم الجماعة التالية تعود بي عبر الجسر نفسه الى الرصافة. اظن ان قصتي لن تنتهي بهذه الطريقة. واخشى ان تقولوا كما قال الاخرون عن حكايتي. يبدو لي من الافضل ان اختزل لكم الحكاية بدل ان تتهموني بأختلاقها: باعوني الى جماعة ثالثة. عبرت السيارة بسرعة جسر الشهداء مرة أخرى.  نقلت الى بيت فاحش الثراء. فقد كان سجني هذه المرة في غرفة نوم مزودة بسرير مريح وجميل من تلك التي نشاهد ابطال الافلام يمارسون الجنس فيها… وتبخر الخوف من نفسي وصرت أفقه  فكرة الواجب الخفي الذي إختاروني له ، و أنا قمت به لئلا اخسر رأسي. لكني فكرت ايضا بأن اختبر رد فعلهم في بعض الامور. فبعد تصوير فيديو جديد أتحدث فيه عن انتمائي الى الجماعات الاسلامية السنية وعن عملي في تفجير مساجد الشيعة واسواقهم الشعبية، طالبتهم ببعض النقود لقاء تصوير الشريط هذا. كان جوابهم الحاسم، ضربا لن أنساه. طوال عام ونصف من رحلة اختطافي، تنقلت من  وكر الى  اخر. صوروا لي أشرطة فيديو أتحدث فيها عن انتمائي الى الاكراد الخونة والمسيحين الكفار و ارهابي السعودية و المخابرات السورية البعثية والى حرس ثورة ايران المجوسية. في هذه الاشرطة قتلت واغتصبت واحرقت وفجرت وقمت بجرائم لايتصورها عاقل. جميع اشرطة الفيديو هذه عرضتها فضائيات العالم ، وجلس خبراء وصحفيون وساسة ينقاشون ما قلته وفعلته. اما الحظ السئ الوحيد الذي صادفنا ، كان عند تصوير الفيديو الذي اظهر فيه كجندي أسباني يسلط أحد رجال المقاومة سكينا على رأسه ويطلب من القوات الاسبانية الانسحاب من العراق. لقد رفضت جميع المحطات الفضائية بث الشريط. فالقوات الاسبانية  كانت  قد غادرت البلاد قبلها بعام . وكدت أدفع ثمنا باهظا على هذه الغلطة ، فتلك الجماعة  أرادت ذبحي إنتقاما على ما حدث. لكن من أنقذني كان المصور الذي إقترح عليهم فكرة رائعة اخرى ، كانت النهاية لأدواري الفيديوية:  ألبسوني زيا للمقاتلين الافغان وشذبوا لحيتي ثم وضعوا على رأسي عمامة سوداء. وقف خلفي خمسة. وجاءوا بستة رجال يصرخون ويستغيثون بالله ونبيه وآل بيته ذبحوهم أمامي مثل الخراف وأنا أعلن بأني الزعيم الجديد لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، كما هددت الجميع من دون استثناء.

في ساعة متأخرة من الليل. جلب لي المصور ثيابي القديمة ثم قادني الى سيارة الاسعاف الواقفة امام الباب. وضعوا تلك الروؤس الستة في شوال ألقوه في السيارة. في تلك اللحظات راقبت حركات مصور الفيديو و أيقنت من أنه مصور الجماعات كلها ، وقد يكون  الراس المدبر لهذه اللعبة الرهيبة . جلست خلف مقود سيارة الأسعاف بيدين مرتجفتين. ثم أصدر المصور الأمر من خلف لثامه : انت تعرف الطريق … عبر جسر الشهداء … الى المستشفى…

 أنا أطلب اللجوء في بلدكم بسبب الجميع. كلهم قتلة ومتآمرون، زوجتي واولادي وجيراني وزملائي والله ونبيه والحكومة والصحف وحتى الاستاذ الذي كنت اعتبره ملاكا ، وعندي شكوك بان مصور الجماعات الارهابية كان الاستاذ بعينه. لم يكن كلامه الغامض سوى دليل على تواطئه وقذارته. لقد قالوا جميعا  ان غيابي عن العمل لم يستغرق عاما ونصف ، فقد عدت في الصباح من عملي في تلك الليلة الماطرة.  والاستاذ الشرير قال في ذاك الصباح : العالم مجرد حكاية دموية افتراضية ونحن  جميعا قتلة وأبطال. وهذه الروؤس الستة لايمكنها ان تكون الدليل على ماتقول كما ليست بالدليل على أن الليل لن يخيم في المساء.

بعد ثلاثة ايام من تدوين هذه الحكاية في أرشيف دائرة الهجرة ، أدخلوا صاحبها الى مستشفى الامراض النفسية. وقبل ان يهم الطبيب بسؤاله عن بعض ذكريات طفولته ، لخص سائق سيارة الأسعاف حكايتة الواقعية هذه المرة بكلمتين :

 – أريد  النوم .

وقالها بتوسل ومذلة…

لم يأبه كاظم علي لكل المتاعب التي تعرّض لها، بسبب حماسته للاعب كرة القدم البرازيلي، رونالدو. كاظم علي يعشق كرة القدم، وأهل حارته لا يعشقونها، ولا يعيرونها أي اهتمام. يقولون: لدينا هموم كثيرة، ولا نملك وقتاً لنضيعه على الكرة. من فرط حماسته، أكدّ كاظم علي أن ثمة مراسلات على الإنترنت بينه وبين رونالدو. أثمرت هذه المراسلات، كما قال كاظم علي لأهل الحارة، وعداً قاطعاً من رونالدو، بالقدوم هو وزوجته وطفله، لزيارته، ولقضاء شهر أو شهرين في ضيافته، كاظم علي أكد بأن رونالدو قادم لا محالة.

حتى هذه اللحظة لم تقع أية مشكلة جراء ذلك، فقد اعتاد أهل الحارة على سماع قصص غريبة يرويها كاظم علي، بين الحين والآخر، تتمحور في الغالبية العظمى منها، حول كرة القدم. يقول الواحد منهم للآخر بعد الاستماع إلى كاظم علي: حُطْ في الخُرْج، ولا تصدق ما يقوله هذا السائق الثرثار. لم يكن هذا الكلام يقال لكاظم علي مباشرة، غير أن الكلام كان يصله بهذا الشكل أو ذاك. يشعر بالاستياء، ويواصل تأكيداته بأن رونالدو قادم.

ذات صباح، حاول أكثر من واحد من أبناء الحارة، الجلوس في المقعد الأمامي لسيارة الأجرة التي يقودها كاظم علي. لم يسمح كاظم علي لأحد بالجلوس في المقعد الأمامي، اكتفى بتكرار جملة واحدة على أسماع الجميع: هذا المقعد محجوز لرونالدو. تنطلق السيارة إلى المدينة دون أن يصعد إليها رونالدو، ودون أن يفكر أحد بالدخول في نقاش عقيم مع كاظم علي. لم يكن من الصعب طرح عدة تساؤلات سريعة: أين هو صديقك البرازيلي يا كاظم علي؟ أين هي زوجته وطفله؟ أين هو هذا المدعو فونالدو؟ (يضحك كاظم علي ويحاول تصحيح الاسم دون جدوى) ولا يجيبهم عن تساؤلاتهم بشكل واضح، ما يزيد الأمر غموضاً وغرابة. ولا يتوقف في الوقت نفسه عن تكرار السلوك نفسه، والتلفظ بالكلمات نفسها في الصباح وفي المساء: هذا المقعد محجوز لرونالدو. يسكت الجميع ولا يفكرون بمجرد الاعتراض، ولا يعودون إلى طرح الأسئلة.

غير أن شائعة لم تخطر على البال، ثارت كالزوبعة في الحارة: كاظم علي يحجز المقعد الأمامي في سيارته، لغايات التهتك والولدنة مع بنات الناس! رآه أحد أبناء الحارة، (هكذا تقول الشائعة) وهو يميل برأسه نحو فتاة تجلس إلى جواره في المقعد الأمامي بعد الغروب، ولم يكن في السيارة أحد سواهما! كاظم علي ولد ملعون، قليل الأدب، يسخر سيارته لخدمة نـزواته الطائشة، ولا بد من تلقينه درساً في الأخلاق.

وصلت الشائعة إلى كاظم علي، سخر منها، اعتبرها مجرد كلام أطلقه شخص مأزوم، فالحارة كلها تعرف أن كاظم علي يحب زوجته التي تزوجها بعد شهرين من اقتران رونالدو بفتاة أحلامه. كاظم علي لم يعد إلى التحرش بالبنات بعد زواجه مباشرة، على العكس من بعض أصدقائه سائقي سيارات الأجرة، الذين لم يعصمهم الزواج من الاستمرار في إقامة علاقات خفية مع بنات جميلات. كاظم علي له رأي ثابت بخصوص الزواج: لا تتزوج الفتاة التي تستجيب لك من أول نظرة. وقد اقترن بزوجته استئناساً بهذا الرأي: ذات صباح، صعدت فتاة إلى سيارة الأجرة، لم يكن فيها أحد سوى سائقها كاظم علي. صعقته الفتاة بجمالها، تأمل خديها وعنقها وأصابع يديها، قال دون مقدمات: أنا طالب القرب. خلعت الفتاة فردة حذائها، هزتها في وجه كاظم علي، كادت تضربه لولا أنه اعتذر لها في الحال.

ظل كاظم علي يبحث ثلاثة أيام متواصلة عن بيت الفتاة، ولما عرفه أرسل أمه وخالته وأخته للتعارف مع أهل الفتاة تمهيداً لطلب يدها. بعد عدد من الإجراءات الروتينية تمت الخطوبة، ثم الزواج. ظل كاظم علي منجذباً مثل المجنون إلى جمال زوجته، لم يفكر أبداً بالنظر، مجرد النظر، إلى أية فتاة أخرى، والآن من هو هذا المأزوم الذي أطلق شائعة فاقعة من هذا النوع! ليذهب إلى الجحيم هذا الشخص اللعين.

غير أن كاظم علي دفع ثمن الشائعة. اعترضه ثلاثة رجال ملثمين، أوسعوه ضرباً، ومع ذلك، لم يكف عن حجز المقعد الأمامي في سيارته لرونالدو.

وزاد على ذلك، بأن ثبت صوراً عديدة لنجم الكرة المحبوب على زجاج السيارة. ولم تلبث شائعة أخرى أن انتشرت في الحارة: كاظم علي يتستر على شخص له صلات مشبوهة مع سلطات الاحتلال. راجت هذه الشائعة، ووجدت من يصدقها، بعد أن أقدمت هذه السلطات على هدم ثلاثة منازل جديدة في الحارة، بحجة أنها شيدت دون ترخيص من الجهات المسؤولة! المسألة واضحة ولا تحتاج إلى فصاحة زائدة: أهل الحارة متضامنون مع بعضهم بعضاً، ولا يمكن لأحدهم أن يقوم بالوشاية على جاره أو قريبه. إذاً، كيف عرفت السلطات المحتلة بأمر هذه المنازل الثلاثة؟ المسألة واضحة مثل عين الشمس. وقد توطدت الشكوك، حينما داهم جنود الاحتلال، الحارة في إحدى الليالي، واعتقلوا أربعة عشر شخصاً من أبنائها!

حركة “الأفعال لا الأقوال” التي تأسست قبل أشهر قليلة، ولم يزد أعضاؤها حتى الآن عن سبعة وعشرين عضواً، التقطت المبادرة على الفور، دعا زعيمها أهل الحارة إلى اجتماع حاشد، فلم يحتشد في الساحة سوى ثمانية رجال، نصفهم على الأقل من أعضاء الحركة، ونصفهم الآخر من أعضائها كذلك. قال زعيم الحركة متوعداً: ألا فليعلم المدعو بونالدو، أننا لن نغض الطرف عن كل مارق زنديق، ولن ندع العابثين يزرعون في صفوفنا الفرقة والخراب. (التهديد الأخير موجه تلميحاً لا تصريحاً إلى كاظم علي).

كاظم علي دفع الثمن. اعترضه سبعة رجال ملثمين، ليس لهم علاقة بالثلاثة السابقين، أوسعوه ضرباً، وبالرغم من ذلك، لم يكف عن حجز المقعد الأمامي لرونالدو، فانتشرت شائعات كثيرة جراء ذلك، كادت تهدد مستقبل الحارة بويلات لها أول وليس لها آخر. صاح رجل في الساحة ذات مساء: يا ناس، ألا يكفينا ما نعانيه من ويلات على أيدي سلطات الاحتلال، حتى يجر علينا هذا الكاظم علي ويلات جديدة! تحلق من حوله حشد من الناس. بعد جدال صاخب، تم اتخاذ القرار: نرسل وفداً إلى عائلة كاظم علي، وعلى العائلة أن تتدبر أمر ابنها العاق.

انطلق ثلاثة عشر رجلاً من أبناء العائلة، يتقدمهم كبيرهم الجزار، إلى بيت كاظم علي. بيت صغير في طرف الحارة، لكنه مملوء حباً. كانت نوال قد انتهت للتو من هدهدة طفلها في سريره قبل أن ينام، طبعت على خده قبلة وهي تقول: والله إنه شبه ابن رونالدو مِخْلَق مِنْطَق. ابتهج كاظم علي لهذه الملاحظة التي سمعها من زوجته للمرة العشرين، تقدم نحوها واحتضنها بشغف، حملها بين ذراعيه، ثم أنـزلها حينما سمع دقات عنيفة على الباب.

أطبق ابن عمه الجزار بضراوة على ذراعه النحيلة، ضغط على رقبته بحد السكين الذي يستعين به لتقطيع لحم الخراف، ولمهاجمة الخصوم حينما تندلع المشاجرات العائلية التي لا تنقطع. صاح فيه: مين هو هذا كونالدو يا ولد؟ إحك، انطق. مين هو كونالدو هذا؟ حاولت نوال التدخل لحماية زوجها من هجمة أبناء العائلة، فلم تتمكن. تدبر أمرها ثلاثة منهم، جروها نحو المطبخ وهم يغلقون فمها بأيديهم الخشنة.

واصل ابن عمه الجزار طرح الأسئلة باستنكار: مين هو كونالدو هذا؟ قل لي، فهمني. اعتصم كاظم علي بالصمت، ولم يفه بأية كلمة. احتمل تعنيف أبناء العائلة، احتمل لكماتهم التي انهالت على وجهه، احتمل حد السكين الذي كاد يجز رقبته. قال ابن عمه الجزار: اسمع يا ولد! ما بدي أسمعك تحكي عن كونالدو السافل هذا، ولا تجيب سيرته على لسانك، سامع! ومن بكرة لازم يطلع من الحارة هذا الكونالدو، فاهم! لم يفه كاظم علي بأية كلمة، ظل يكظم غيظه حتى اللحظة الأخيرة. انصرف أبناء العائلة، أعطوا أهل الحارة وعداً بأن ابنهم لن يثير من الآن فصاعداً أية مشكلة، وبأن المشبوه كونالدو سيغادر الحارة نهائياً مع بزوغ شمس الصباح.

شعر كاظم علي أنه تعرض للإذلال، بكى على صدر زوجته، على صدرها الحنون بكى. بشفتيها مسحت دموعه المالحة، أمضت الليل كله وهي تسري عنه، حتى خف ألمه واعتدل مزاجه.

جلس كاظم علي في الصباح خلف مقود سيارته. اقترب منه أحد أبناء الحارة، همّ بالصعود إلى المقعد الأمامي للسيارة. صده كاظم علي بكلمات حاسمة: هذا المقعد محجوز لرونالدو!