كانت الرمال مستلقية بهدوء، سابحة في الأشعة الحارقة، صابرة على دنو الشمس منها، ممتدة مع البصر، موحشة وصامته تنظر إلينا بطرف خفي مستتر، كانوا مستغرقين في نوم عميق كالأموات جميعهم ما عداي والزعيم، لقد سرنا على أقدامنا مسافة يوم كامل، الشمس خلّفت أثارا غائرة على الوجوه ، حفرت خطوطا عميقة، الشفاه صار لها لون الرماد والطريق مازال طويلا.

الحياة تبدو كنفق مظلم، جفت ضروع الأمهات لم يتناولن طعاما منذ الأمس، صرن هزيلات شاحبات، الجوع بدأ واضحا في العيون، لا أمل في الرجوع إلى الديار لأنه لم تعد هناك ديار، كنا تحت وطأة التعب والعطش، الجوع والرحيل، صراخ الأطفال يزداد كانوا مرعوبين وكنا في العراء، صراخهم لم يكن طبيعيا، أحسه أجراس تحذير من خطر قادم، خطر لا نراه نحن البالغين، يبكون بلا دموع، على عظمة الوجه ارتسمت ملامح ابعد ما تكون عن أطفال في أعمارهم، الجوع سلبهم الحياة، ملامحهم مقيدة بأشعة الشمس القوية وشقاء الرحلة، ضلوعهم أكثر وضوحا، مساحات من الرمال بلا شواطئ تلتحم بالأفق البعيد مع السماء، الصحراء فسيحة مكشوفة أمامنا بلا آثار سحب تمتص بعض اللهب، الجفاف اجتاح الأودية وهيمن السراب، الجدب والحرب قهرا أكثر نباتات الصحراء قدرة على تحمل العطش، الزعيم كان يتفقد في تلك الأوقات المجموعة عن قرب، كان رجلا طويلا، مهيبا، صامتا، شجاعا لا يخاف المواجهة، يحترم الكل ويقدم العون للجميع، بعد أن تفقدهم حدثهم عن الصبر، خاطبهم بحنان ورفق:

– سنأكل الآن بعدها نواصل السير.

ذهب بعد ذلك للصلاة، قرأ آيات بصوت مسموع ثم دعاء الله أن يخفف عنهم عناء الرحلة ويلطف بالأطفال وأن يرفع عن الجميع وطأة الحنين إلى الديار، يدخل في مناجاة طويلة وحزينة بصوت مسموع .

بدأنا نبحر من جديد في الرمال بمجموعة بها خمسين امرأة وعشرة أطفال وامرأة حبلى على وشك الولادة، الوقت يمر بطيئا و كأن الدقائق أبدية، سرنا مسافة طويلة حتى بلغنا قرية نائية تقف وسط الخلاء وحدها تعاند الريح وأنفاس الصحراء الجهنمية، لا تكاد تلمح من البعد، ملتحمة بالرمال تسكنها خمس أسر تقريبا، استقبلونا خارج قطا طيهم، كانوا يرتدون ثيابا وسخة مبللة بالعرق المخلوط بالرمال، بنادقهم على أكتافهم، على وجوههم الكثير من البثور كأنهم قادمين من تحت الأرض لم يكن لديهم ما يقدموه لنا، كانوا أكثر بؤسا منا، قطا طيهم من القش مدخلها قريب من الأرض ارتفاع القطيه بقامة رجل، لا يوجد مكان نرتاح فيه واصلنا المسير عبرنا مساحات أخرى من الرمال ، العراء ما زال ممتدا ، الشمس بدأت تزحف نحو مثواها الأخير لكن أشعتها مازالت كاللهب .

قال لي دليلنا:

– بعد هذا اللسان الرملي تقع الحدود لكننا أولا سنمر بقرية تريبه فهي قبل الحدود بقليل.

كنا نسير صامتين حتى صياح الأطفال هدأ، لا ضجيج سوى صوت حوافر الحمير ، قطع ذلك الهدوء صوت المرأة التي كانت تنتظر مولودا يبدو أنه الم المخاط، عسكرنا سريعا في بقعة خلاء ثم شددنا خيمة جلست داخلها ومعها بعض النسوة ، بدأت أمها بإشعال النار قالت أنهم سيحتاجون إلى الماء الساخن، لكنها بعد مسافة زمن قصير خرجت زاحفة صارخة تتبعها بعض النسوة وخيط دماء خلفها، يبدو أنها كانت تنزف، سألتهم عن زوجها قالوا أنه توفى في الهجوم الأخير الذي دفعنا لهجر الديار، العرق يتصبب منها بقوة، أحاطوا بها، كنت أقف بعيدا، أراقب علّهم يحتاجونني، كانت تقبض على ذراع أمها بقوة تستنجد كل المحيطين بنظراتها، أشارت إليّ إحداهن، ذهبتُ مسرعا:

– يجب حفر حفرة عميقة بقامة رجل ونصف تقريبا وإحضار عود غليظ بطول أطول من مقدار مدخل الحفرة.

بدأنا أنا والدليل العمل بسرعة شديدة، كان أنينها في تلك الأثناء يزداد وضوحا لكنه كان أكثر حزنا وعميقا، صاحت أحداهن:

– أسرعوا، ستموت.

بعد أن انتهينا أشارت أكبرهن سننا بربط الحبل بأحكام على منتصف العود بحيث يربط طرف الحبل الأخر بكفيّ الفتاة لنعلقها على أن يتدلى جسدها داخل الحفرة – تلك كانت هي المرة الأولى التي أرى فيها ولادة الحبل –

لم تستطع الفتاة الوقوف كانت تنزف دماء غزيرة، تلطخ ثوبها بالكثير منها، حملتها وأنزلتها داخل الحفرة بعد أن ربطت كفيها بالحبل، نزلت المرأة التي أشارت إليّ بحفر الحفرة وجلست في القاع، جردت الفتاة من ثيابها، بقية النساء تحلقن على الحافة يشددن من أزر الفتاة:

– الولادة متعسرة جدا والنزيف مستمر.

وضحت المرأة التي معها في الحفرة.

أمها كانت تنتحب بصوت عالي، ذهبت إليها تبتبتُ على رأسها:

– ستكون بخير إنشاء الله ، صلى وأطلبي لها الله.

– النزيف قتل نصف نسائنا، ستموت.

لم ادر ماذا افعل جسدي ينتفض كحمامة، الفتاة في توسلاتها، نظراتها كطفلة، طفله أيقظت كل مظاهر الشفقة عندي ، زلزلت الأعماق البعيدة، طفلة جعلني موالها احملها بيدىّ بحنان الأم الصادق بعد أن وضعت مولودها، كانت بنتا، وضعت الجسد المغسول بالدم على قطعة قماش مفروشة على الأرض داخل الخيمة، كانت لها قامة عالية وسمرة صحراوية أصيلة، مرت الدقائق كأنها قرون وددت لو استطع البقاء مع النسوة داخل الخيمة، وجعي على الفتاة كان عظيما وشفقتي سيلا جارفا، النزيف ما زال مستمرا هكذا قلن، اجتهد النسوة لإيقافه دون فائدة، كانت تنظر إلى البعيد إلى نقطة في الأفق تلوح لها بالسراب والأمل الزائف، شفتاها رغم الألم مبتسمتان كانت في الخامسة عشر من عمرها هكذا أخبرتني أمها .

الجميع كان فزعا حتى الزعيم غافله وقاره وصار يدور حول الخيمة كحجر الرحى ما عداها وكأنها في سكونها ذاك تعبر البرزخ إلى الملكوت المقدس والسكون الجسدي الخالد، ماتت بهدوء مستسلمة إلى الخلاص الإلهي، النسوة بكينها بأصوات عالية ونحيب واضعات الرمال على رؤوسهن، أنا أيضا بكيتها لكن بصمت الرجل الدارفورى الذي هدته المصائب والمحن وسلبته أرضه وموطنه جردته من داره وأخرجته من قريته. بعد مسافة طويلة من البكاء المتواصل وانشغال الأخريات بتجهيز الجثمان لاحظوا أن الفتاة المولودة ساكنة بلا حراك تحملها امرأة معمرة مكرمشة الجلد والوجه كانت طيلة سيرنا صامته ، أطلقت المرأة صرخة قوية لا تتناسب و ضآلة حجمها:

– ماتت الطفلة أيضا.

سيل الحزن جرف الجميع، الدموع نزلت بغزارة على الرمال التي امتصتها بسرعة شديدة، غطوا جثمان الأم بثوبها واضعين ابنتها على صدرها، ذهبنا بهما وسط النواح إلى مثواهما الأخير أنزلناهما بعد أن صلينا عليهما، أهلت التراب، لم استطع الوقوف بعد ذلك بركت على طرف القبر أدعو لها. غابت الشمس كليا وبدأت العتمة تتكاثف، تحجب عنا المساحات الممتدة:

– يجب أن نستأنف السير حتى نصل الحدود سريعا.

قال الدليل.

كنا نسير متقاربين محتمين ببعضنا، نتقدم ببطء، الدليل يهتدي إلى الطريق بالنجوم نحن أيضا استنجدنا بضوء القمر لمعرفة مواضع القدم ينجدنا من العتمة الموحشة، الحرب قتلت الحياة في الصحراء، الأشجار المعمرة، النباتات الشوكية التي تحتمل العطش وتقتات عليها المواشي أيام القحط، كل شيء صار إلى الفناء .

كنا نقاوم أنفاس الصحراء الحارقة ببطء السير، نسمع أصوات بعض النساء المتوجعات من هجرة الديار ومكان الميلاد. كنا جائعين كلنا الأطفال والبالغين لم نعد نحتمل، معنا القليل من المؤن، أغلب النساء لم يعدن يحتملن السير أكثر، وزعت على القافلة حفنات من التمر، نظراتهم لىّ عندما أمدهم بالتمر تترجم لغة النفوس المفجوعة، نظرات خاطفة وعابرة لكنها كافية لتترجم ما تحمله، العطش أيضا كان حاضرا .

عسكرنا وأشعلنا النيران لصنع العصيدة، النساء يعملن بصمت لقد هدهن الجوع، صوت لاهث هتك السكون ذاك منبثقا من زيل المجموعة، صوت مرتعد يطلب الزعيم، هرول في مشيته ناحية الصوت، لم يستطع ضبط خطواته المتلاحقة، هرولت خلفه، لحقت به:

– بتول !!

كانت كلمة واحدة قالتها المرأة التي كانت تقف قرب الجسد الممدد:

– هل ماتت؟

سألها الزعيم.

لم تقل لا أو نعم، علقت بصرها بالأرض، عيناها تفيضان دمعا كانت ممدده على قفاها، فاتحة عيناها على اتساعهما ، كانتا مغمورتين في بياض شامل تحدقان في الأفق البعيد أو في سراب الوصول إلى الحدود والالتحاق بمعسكر اللاجئين هناك، نظرتها غريبة حتى أن الخوف والرهبة تسللا إلى نفسي عنوة، نظرة بها الكثير من الكبرياء المفجوع والمخلّف حيث الأراضي والديار والزرع ، نظرة نحو السماء نحو أمل مفقود، كانت تقبض بيدها على حبيبات من الرمل دفناها بها، كانت لحظة مشحونة بالخوف والخشوع. بعد الدفن وضعنا على قبرها حجرا ضخما ليكون شاهدا .

جلس الزعيم على تله منخفضة يحدق في الفراغ:

– أترى يا بنى أغلب هذه المساحات الرملية كانت قرى بها مئات الأسر، كانت تفيض بالحياة.

تنهد عميقا ثم واصل:

– والآن هي جزء من الصحراء والفناء والعدم.

انسحب الزعيم بعيدا، غاب في العتمة، تتبعته جلست حيث جلس، السماء صافية والعتمة غيبت الصحراء وهدوء لا يكدر صفوه شيء ولا يسمع فيه غير صوت الإيمان بالله عز وجل كان صامتا وجلا.

بعد منتصف الليل وقبيل الفجر الأول آذن المؤذن أن قوموا لمواصلة السير عبر البرزخ حتى نبلغ النجاة .

لنهاية عطلتي الصيفية الوشيكة، وقبل أيام قليلة من استئناف عملي بدار المعلمين، بدايةَ الأسبوع الثالث من شهر سبتمبر، طمأنتُ زوجتي زليخة النضْري على أننا لن نتأخر يوما آخر؛ لأنها تشكّت لي من أن لها أشغالا كثيرة تنتظرها بشقتنا في وهران. وطلبت منها أن تستعدّ للسفر غدا. ثم خرجتُ. وعلى بعد أمتار ـ كانت ثلاثين عدّاً بخطواتي الصغيرة قبل سنين ـ وقفت، على الرصيف المقابل، وقفة لم أقفها من قبل، محزون الخاطر، أمام دار حاييم بنميمون تبدو ساكنة مثل كائنٍ تَحجّر، ملتفّة على فراغ بات يسكنها منذ أن أطاح الدهر، قبل ثلاثة أشهر، بآخر أهلها الغابرين.

تقدمتُ. وعند الباب الصامت، ذاك الذي رأيت حاييم يخرج منه بمحفظته قبل ثمانية وعشرين عاما كي نتوجه معا لأول مرة إلى مدرسة جول فيرّي، فكَكت كفي عن قطعة المعدن الباردة المعلَّقة في حلْق صغير بملصق مكتوب عليه بخط اليد «مفتاح الدار»؛ المفتاح الذي أولجتُه عينَ القفل وأدرته دورتين. ثم دخلت فانتابني مرة أخرى شعور، لم ينتبني حتى في يوم عودتي إلى دار جدتي بعد وفاتها، بأنّ السكون قد يكون بهذا الثقل الذي ينوء به الرواقُ، غير الطويل غير الواسع كثيرا، ذو البلاط الأحمر والجدارين المطليين بالبني الفاتح جدا؛ بهذا الصمت الذي ما برح يُخرس أبوابَ الغرف الثلاث والمطبخ متقابلةً اثنين اثنيْن مفتوحةً كلها إلا الباب المفضي إلى الحوش الخلفي كان مغلقا.

كل شيء، كل الأثاث، ظهر لي في مكانه على الحال التي غادره عليها حاييم آخر مرة، وكما أردت له أن يبقى منذ أن أوصيت الخادمة عَونية بأن لا تزحزح شيئا منه، عند تنظيف البيت مرة كل نصف شهر وسقْي ما يحتاج سقيا من نباتات جنينة الحوش كل أسبوع.

فكم بدا لي، وكأن هذا يحدث لأول مرة، أنّ الرواق أطول، كما ساعته الحائطية أكبر، مما رأيته عليه عندما كنت أعبُره وأنا طفل! وأن غرفة نوم حاييم أوسع، بنافذتها المطلة على الشارع، وكانت ذات ستار أبيض مزين بموتيف لطاووس ـ إنها الآن مكتبة بكرسي من الخيزران وطاولة مستطيلة من خشب السنديان لا يزال عليها قلم ريشة من نوع پارْكر وقارورة حبر أسود من ماركة وترْمان بينهما مذكّرة حين كنت دخلت قبل شهرين فرأيتها انشددت إليها كما لو أني ألبّي نداءَ صوتٍ ملتبس يقول لي عنها إنما حُطت على تلك الوضعية لأنتبه إليها وإلا لكان حاييم قد دسّها في مكان آخر لا تُرى منه أو أدمجها في رف من رفوف المكتبة فترددت بالرغم من ذلك لحظات قبل فتحها!

وها هي غرفة أبويْه، وقد صارت غرفةَ نومه بعد وفاتهما، هي الأخرى بنافذة ذات ستار مرفوف تطلّ على الشارع مغلقةً. لا تزال بخزانتها على جانبيها أفرشتها وأغطيتها منضّدة على طاولتين؛ بسريرها الكبير بصوانيه؛ على أحدهما أباجورة وعلى الآخر شمعدان المينوراه سباعي المواسير وكتاب التوراة بتجليد بني غامق.

مثلُها كانت غرفة الجلوس بنافذتها الكبيرة وستارها الشفاف بموتيفات نبات الشوفان المطلة على الحوش؛ بأريكتيها وكرسييها الخشبيين بمسندين وطاولتها البيْنية فوق سجاد ـ هنا كنت قبل ثلاثة أعوام شربت مع زليخة قهوة كان حاييم قدمها لنا بعد نجاته من السحل صباح يوم الاستقلال ـ على جدارها الأول، إلى اليمين، ثلاث لوحات زيتية. وعلى الثاني المقابل صور نصفية مكبرة في براويز: الأولى لموشي والد حاييم بعمامة من الجوخ. والثانية لوالدته زَهيرة سِماح. كم وجدتها، في نظرتها الطيبة المسالمة وحلي أذنيها ورقبتها وشَدة عصابة رأسها، تشبه جدتي ربيعة! وهذه الثالثة لحاييم نفسه، وهي تعود إلى السنة الأولى من دخوله مدرسة جول فيرّي، أثارت حنيني إلى جلوسي معه على طاولة واحدة؛ إلى رائحة المداد وطقطقة حطب المدفأة ورنة الجرس، إلى زنقة الدرب وساحة البلدية أيام الثلج نترامى بكريّاته، إلى الوادي، أيام القيظ، حيث سبحنا مرة عاريين فتكشّف لنا ختْننا.

«منذ ذلك العمر، لملامحك اللطيفة وسحنتك الهادئة وعينيك الحالمتين، كنت ذا جاذبية خفية»، قلت بهمس.

وإذ توهّمته تبسم، أضفت:

«هل تذكر آخر عفرتاتنا؟» ـ تلك التي ارتعبنا خلالها من صرخة ألفونسو باتيست فينا عالقين بشجرة إجاص في بستان مزرعته قرب ضفة الوادي الغربية بالضاحية الجنوبية فقفزنا إلى الأرض وانسربنا مثل ثعلبين ماكرين بين أسلاك السياج فأطلقنا سيقاننا ركضًا في شورت وتريكو وصندل مطاطيّ لكل منا لا نلوي على شيء إلى أن ظهرت لنا القنطرة الفوقانية التي سمعنا قريبا منها شخير محرك سيارة راحت كما رأيتها حين التفت التفاتة خاطفة تلتهم خلفنا الطريق المتربة مقتربة من حانة سيگورَا مثيرة عجاجا بكثافة حنق ألفونسو باتيست وهو يضغط على دواسة السرعة بدرجة إمساكه على المقود متخيلا وكان ذلك إحساسي كيف سيفعل بابن العربي وابن اليهودية.

«لأنه كان عرفنا!»، كذلك ذكر لي حاييم بعد سنين في مطعم فندق الشرق حيث تناولنا غداءنا إذ تجاذبنا الواقعة وتحدثنا عن معلمنا السابق، في مدرسة جول فيرّي، مسْيو خايمي سانشيز الذي كنا شيعناه، قبل أيام إلى مثواه بمقبرة النصارى في ضاحية المدينة الشرقية، مستعيدين صرامته وعدالته تُجاه التلاميذ بلا تمييز؛ ولم نكن عرفنا، إلا خلال تأبينه، أنه كان من الشيوعيين في صف الجمهوريين ضد فرانكو.

كنا، لا أشك اليوم في ذلك، نبدو لألفونسو باتيست، وهو خلْفنا مستشيطًا يحوّل السرعة أو يدير المقود يمينا أو شِمالا، ألْعَنَ من عفريتين صغيرين في أوج تلك القيلولة. وكان ألفونسو باتيست ـ وذلك ما صوّره لي حاييم خلال غدائنا ذاك ـ رأى نفسه وقد أدركَنا، بعد أن أنهكنا فخارت قوانا واستسلمنا، رمانا كطريدتين في صندوق سيارته وعاد بنا فقيدنا، ظهرا لظهر، إلى شجرة الإجاص نفسها. ثم كسر مجموعة من أغصان أشجار البرقوق والتفاح الأخرى، رافعا منَزّلا مبلغ التعويض الذي سيطالب به عائلتي السارقيْن الصغيرين، كما سمّاهما، وإلا قدم شكوى ضدهما.

ولا تزال رعشة الرعب تلك تهزني كلما تذكرت أن سيارة ألفونسو باتيست كانت ستدركنا بين حانة سيگورَا والقنطرة التي يمر تحتها الوادي، لأن الخور كان قد بدأ يدب في ركبتي، ولهاث حاييم خلفي يزيدني خوفا عليه أن يسقط. فلمعت في ذهني فكرة رمي نفسينا في الماء. فأشرت إليه بيدي أن يتبعني وانحرفنا، في لحظة خاطفة، يمينا مائلين بذراعينا، كطائرين، جهة الوادي حيث تزحلقنا في المنحدر وارتمينا في الماء فرحنا مثل قندسين نسبح بالعرض في اتجاه الضفة الأخرى التي إذ بلغناها التفتنا مرتعبين فرأينا ألفونسو باتيست، وكان قد خرج من سيارته وركض في إثرنا، واقفا على الحافة يبربر محركا يده نحونا بتهديد، فولّيناه ظهرينا ضاحكين لنتوارى وسط بستان الزيتون الكثيف.

في طريق عودتنا إلى الدرب، وقد عبَرنا السكة الحديدية، دخلنا في شارع جيريڤيلْ الذي كان، كبقية الشوارع الأخرى، يكاد يخلو من الحركة في تلك الظهيرة القائظة؛ إلا سيارة تمر بأزيز محركها وسحسحة عجلاتها على الإسفلت، أو تلك المرأة بقبعتها الاستوائية البيضاء تعبُر، أو ذاك الرجل الواقف على الرصيف الآخر في ظل شجرة دلب يدخن سيجارة.

«كنت سأسقط فيلتقطني مثل أرنب»، قال حاييم.

فضحكت.

«وكنت أعرف أن لسانك خرج مثل جرو.

ـ صح. ولكن من أين نزلت عليك الفكرة؟»

ردَدت بأني لا أدري؛ فلم أكن خمنتُ سوى في اختصار الطريق.

«من حظنا أن الصيف يجعل الوادي سلسا وإلا كنا غرقنا!»، أضاف حاييم وهو يفصل بقرصات متتالية ثيابه اللاصقة من بطنه حينا ومن فخذيه حينا آخر.

«ما كان لذلك أن يحدث لأن الخوف كان يمنحنا قوة نقطع بها بحرا!»، قلت وأنا أنفض عن شعري بقايا الماء.

فرفع حاييم قبضتيه، تعبيرا عن انتصار، ضاحكا ضحكة فرحٍ رافقتُه فيها.

حتى إذا تجاوزنا دارة الساعة، مارّيْن قرب المزْولة ذات الشكل المكعب، من غير أن تربك خطواتِنا نظرةُ الشرطي المتريِّبة فينا، ظهرت لنا، عن شِمالنا، مدرسة جول فيرّي. فتوقفنا، موليين وجهينا إليها صامتين؛ كما لأصوات كانت، لستة أعوام، تملأها ابتهاجا وأسفا ومكرا.

ثم، يدًا في يد، انعطفنا نحو الدرب، شرق دار البلدية ذات السطح الأردوازي الأسود؛ عن يميننا فندق الشرق في نهاية شارع إيزْلي. وغير بعيد عن داريْ عائلتينا، التجأنا إلى كوخ مهجور بلا سقف في منتهى الدرب حيث جلسنا على حجرتين، تحت حرارة الشمس. وفي انتظار أن تجفّ ملابسنا، استعدنا ما كنا نتآمر به على ماكس باتيست، زميلنا في المدرسة؛ الأمر الذي بسببه شكانا إلى أبيه ألفونسو، مدعيا أننا استهزأنا به مرة في ساحة المدرسة، لأنه بلّل سرواله لما أخرجه المعلم إلى السبورة لحل عملية قسمة عشرية، وأننا ضحكنا منه مرة أخرى، لما استظهر محفوظة الغراب والثعلب ففشل. وقال لأبيه إن المعلم مسْيو سانشيز غالبا مّا تظاهر بأنه لا يرى شيئا ولا يسمع.

«أعرف يا بني. لأنّ السيد سانشيز متعاطف مع الأنديجان* من اليهود والمسلمين»، قال أبو ماكس يومها.

فما لبث أن تردد ذلك كصدى، وحين بلغ مسْيو سانشيز خصص درس التربية المدنية لأخلاق النزاهة. وكتب على السبورة ما أمرنا بنقله على الكراريس: «المعلم في المدرسة لا يفرق بين تلاميذه. ولا يحابي بعضهم على بعض على أساس الدين أو العرق.»

لكن ما أخفاه ماكس عن أبيه هو أننا ردَدنا إغراءاته إيّانا بما كان يحمله في جيوبه من حلوى وشوكولا لمساعدته على حل واجباته حينا وفي إنجاز تمارينه أحيانا، عند باب المدرسة قبل الدخول وعند الخروج.

يوم زار السيد ألفونسو باتيست مدير المدرسة وطلب منه توضيحا، استُدعي المعلم مسْيو سانشيز، وسئل عن الأمر فنفى بحزم. غير أن السيد ألفونسو باتيست لم يقتنع. وهدد بأنه سيقطع عن المدرسة مساهماته الخيرية إن لم يُتخذ إجراءٌ ردعي في حق التلميذين المذنبين، أرسلان ابن القايد وحاييم ابن اليهودي ـ لم أعلم إلا لاحقا أن السيد ألفونسو باتيست كان من مناصري الماريشال پيتان ـ فعرض عليه المدير أن يقابل بيننا وبين ابنه بمكتبه، في الحين، لمعرفة ما حدث. فتراجع، متوعدا بأنه سيسكت هذه المرة على أن يقدم شكوى إلى رئيس البلدية نفسه إن تكرر خدْش شخصِ ابنه.

كنا، نحن العفريتين الصغيرين، نظرا إلى النتائج الضعيفة التي يحصل عليها زميلنا ماكس مقارنة بالنتائج الممتازة التي نحققها، ندرك أنه لا أحد سيتجرأ على معاقبتنا بالفصل أو التحويل أو الإيقاف لمدة محدودة؛ أو حتى على حرماننا من وجبة الغداء في المطعم المدرسي أو من حصة السينما الشهرية في قاعة المدرسة الكبرى. ولكننا تلقينا، في مقابل ذلك، توبيخا شفويا من المدير أمام معلمنا.

وأنا أقف، لتلك اللحظة، أمام صورة حاييم، استغربت كيف سكنت رأسينا فكرةُ الانتقام بذلك الشكل من أبي زميلنا ماكس. فما كنت أعرفه، شأني شأن حاييم، وكنّا مطمئنين إليه، أن ألفونسو باتيست لن يشكونا مرة أخرى إلى مدير مدرسة جول فيرّي، لأننا ما كنّا سنعود إليها نهائيا، مثل ابنه ماكس لإعادة سنته، بعد أن فزنا في مسابقة الدخول إلى السنة السادسة.

عامذاك، كنا سنبلغ الثانية عشرة. وعامها، كانت الحرب العالمية الثانية ستضع أوزارها بعد سنة.

وإذ توليت عن صورة حاييم لأغادر، وقفت مرة أخرى، أمام المذكرة بين القلم وقارورة الحبر، لحظات لا أستقر على حال، قبل أن أرمي خطوتي في الرواق نحو باب الخروج.

* وصف وضيع أطلقه المحتلون الفرنسيون على سكان الجزائر الأصليين.

1

واسيني الأعرج

هل هي مجرّد خديعة أم أكثر؟

ياه! كم كانت المسالك متعبة وكم كانت الأيّام صعبة!

ألم يكن من الأجدى المرور عبر أكثر الطرقات اختصارًا؟

لا شيء يفيد الآن. المهمّ أنّه وصل أخيرًا إلى الدّار، وعانقت عيناه هذا البحر بعد رحلة قاسية لا يتذكّر منها الشّيء الكثير، استنزفَت زمنَين من حياته.

لا شيء تغيّر. الكلّ على حاله مثلما تركتَه عندما انسحبتَ من هذه الدّنيا.

دقّ على الباب الآن، لقد انتهى كلّ شيء. دقّ.

2

حين التقيا للمرة الأولى، ذابت كلّ الفواصل والحدود. وذاب صقيعُ زمن الفراق. لكنّ الوطنَ الحلمَ بات أغنيةً حارقةً محمولة في الصّدر والرأس.

أراحَت عَينيها فوق عينيهِ وتكوّمت تقيم في جسده. كانت أجفانها ترسمه روعةً مُثلى رغم رائحة النزيف المنبعثة من أوصاله المكسوّة بملح البحار.

افتَح عينيك جيدًا. هل تراها؟ زوجتك أنتَ الآن تُسَطّر خارطة ملامحها لتتذكّر جيدًا. تنامُ جرحًا مستقيمًا بين مفاصلكَ الموشومة بندوب الحَبس. كنتَ تحبّها ولم تكن بطلاً رومانسيًا قَهَرَ قلوب غواني الحارة لكن كلّ منكما استوى في نزيف الآخر وطنًا يعيدُ ترتيب وجهه. رأيتَها للمرة الأولى وكنتَ بحارًا يمارس العيش في أقذر المواقف. لا يحمل في زاده إلا جوعًا وأحلامًا يقاوم من أجلها. يمنّي القلب بزوجة تدفئ ليلَه.

وقف يتأمّل، حين قفز البحر أمام عينيه بعظمة غير محدودة. يكتشف للمرّة الأولى هذه العوالم الزرقاء. وضع يده على الباب المُوصد الذي لم يجرؤ بعد على الدقّ عليه. إيه. بين البحر والزنزانة مسافة شبر، ومع ذلك يظلّ بعيدًا.

أتدري! لقد تسلّقتَ عقدَك الثالث، وتخاف الآن أن لا تعرفك من كانت تحب فيك رائحة الجوع والبحر وتقاسمك الحلم. ستّ سنوات تموت وتولد فيها عروشٌ بأكملها. تعود إليها من جوف غُربة أقبية السجون الباردة. ترتسم في عيونك المرتعشة الأبديّة. كيف خرجت بأوصالكَ مزروعة في جسدك. التعذيب كان وحشيًا. كان الصّبية يجرّون وراءك في المدينة بصياحهم تتقاذفك الشّوارع والمقاهي الرديئة والأزقّة الوسخة، محشور في خانة فاقدي العقول لأنّ ملامحك في الزمن هذا تلبس العريّ والخوف.

-كلّ أسئلتك المضنية تظلّ معلّقة.

هذه المرّة كنتَ جون فال جون رُدِم من أجل كسرة سرقها حين كان الجوع يحاصر الأركان الأربعة، والمَوت يضاجع آلاف الأفواه المتمردة.

ذئاب. ذئاب. ذئاب.

3

أنت تذكرهم جيدًا. كانوا ليلاً من الخنافس. ساقوك وكنت ترتدي العرق كالوحوش المسعورة. عندها حملك أصحابك صُدعًا جديدًا في الرأس ولغمًا في القلب. كنت تدرك جيدًا أنك سوف تساق إلى مكانٍ من زاره لن يعود، لأن جسدك ينزف برائحة الليل، وهم يكرهون هذا الصنف من الناس. واجهتَ البحر للمرة العشرين تطلب عملا وكان الحزن يغسل عيونك. قَبِلت على مضض مقابل فرنكات جائعة. وبعد سنوات تساقطت عليك سيول الإنذارات لأنك خرجت من دائرة الصمت تحمّل الوعي عبوّة ناسفة.

أنت مشبوه.

رأسك كان مطلوبًا بتُهمة التّشويش على راحة المدينة، وتوزيع المنشورات السرية.

حزّت القيد معصميك في اشتياق غريب. فتمزّقت أحلام طفولتك الصغيرة على أحصنة الخوف وخنافس الليل، شرطة النحس. تسلقت بك سيارة جيب تطوف كل الشوارع والأحياء الضيقة في هذه المدينة الموبوءة. شيّعك رفاقُ البحر بصمتٍ. كان الجرح في صدورهم متوغلاً حتى القلب.

أنزلوكَ قبوًا مظلمًا وزعقوا في وجهك حين أصبحتَ كُلاً مستباحًا يُباع في دور التعذيب.

-امسح من ذاكرتك زرقة البحر.

-لكن.. البحر روح مدينتي الجائعة.

-لم تعد من هنا، فلا مدينة لك.

وبدا التعنّت نابتًا على ملامحك الواسعة، فانهالَت عليكَ الأقدام من كلّ الجهات وحاصرتك السّياط. فَساحَ الدم غزيرًا من أطرافكَ المغتالة في عزّ الظهيرة. ولم تكن بطلاً أسطوريًا فحاولت عبثًا أن تمحو لونَ البحر من عينيك.

قلتَ في خاطرك:

-احذر. الألوان فيك ومنك. عندما تمّحي، تختفي أنت أيضًا معها.

تذكّرت فجأة أنك لم تكن أكثر من لون أزرق.

4

على مسافة غير بعيدة انفجر القطار بصياحٍ حادّ. وكان يُدرك جيدًا أنّ بين قطار يجيء وقطار يذهب أزمنة تناضل الموت. خرج الحلم من ذاكرته مشوّهًا مشلولاً، وتشكّلت على خارطة وجهه وجسده المرتجف فاجعة تستعيد دقائقها بآهاتها وتأوهاتها، واندمج الكلّ في شكل متداخل. صفير القطار وصياح السّجون. ليلفظ موقفًا مشحونًا بالموت والدمار ولحظات من الخوف لم يستطع مقاومتها.

كان البرد رمحًا ينام في جسدك، حن زجّوا بك إلى دائرة البحث والتعذيب. سكنت رغم الصراخ الذي صمّ أذنيك، ومارستَ صمت الثلوج، لكنّهم كانوا أقوى منك.

-شيّع نفسك في هذا القبو.

صار واحدهم في وجهك. يحمل في رأسه عيون قطّ. وجهه مخترق بثقوب الجدري. ارتعش الرعب في عينيك غزالةً تطاردها ذئبة هرمة.

تضاحكوا عندما وضعوا بالقرب من أنفك قنينة نبيذ. قلتَ:

-أنا لا أشرب إلا في المناسبات ومع الأصدقاء.

ضحك أحدهم:

-ونحن أصدقاء أيضًا.

وعندما اكتشفتَ بعَينَيك المفرغتين أن القنينة كانت فارغة، عرفتَ السرّ.

عارِيًا كفأر لم يفتح بعد عينيه، أجلسوكَ على قنينة النبيذ.

قبالتك ذَوَت امرأة.. رفيقة.. مغشى عليها كالخرقة البالية. تعلّقَت بأحدهم لكنه لم يرحمها. دفعها فسقطَت متوسّدةً أرض الصّقيع، فارتسمت بينَ فخذَيها المنفرجتين أشكالاً سرياليّة من الدّم. وأنت كالبطل المهزوم أنزلت عينيك من جسدها الممزق وأطبقتهما بعنف شديد. وحاولت عبثًا محوَ الموقف من ذاكرتك.

شتمتَ وخفتَ من أن يكونوا قد سمعوك:

-أولاد الكلبة، يعرفون جيدًا الأماكن الأكثر ألمًا وقسوةً.

أيقظكَ أحدهم ويده مضرّجةٌ بدَمها.

-كلّكم متشابهون حين يحفركم الصّمت. صديقك مات. رفيقة تسقط. وأنت تتألّم ملء حنجرتك. تعرف أنّك ستذوي بعد قليل مثلهم جميعًا. تكلّم وسنعيدك بسرعة إلى الحياة.

زنجيّ مغرّر به كانَ يأكل أوصالَك، وأشياء أخرى. الدّود ينبت في كفّيكَ وتنمو في الجسد الممزّق سكاكين.

تمتمت بكلمات ارتدّت إلى جوفك. كنتَ بين موت قريب وحياة صارت بعيدة.

-آه لو ألقاه في غابة مقفرة…

-وماذا ستفعل به.

– أنفيه من الحياة وإلى الأبد. أقتله بلا أدنى ندم. جسد المرأة مقدس، فكيف يجد لذّة في تمزيقه وتشويهه؟ لا بد أن يكون مريضًا ومهزومًا.

دوى السوط مرة أخرى على كفّيك، وحفر السكين أخدودًا عميقًا في صدرك.

-ستموت هنا إذا لم نحصل على القائمة. قلها وسنحررك منا.

– عن أي قائمة تتحدثون؟

-تلك التي في رأسك.

-لا شيء في رأسي. وهل بقي لي رأس؟

وقبل أن تنهي الجملة، التوى السوط كالثعبان على جسدك. خبأت رأسك بين يديك وتركته يأكلك قطعةً قطعةً ويتلذذ بتقطيعك.

5

كان اليوم فحمةً قاتمة حين وصلت برقية تقول:

الشوارع هذا الصباح رحلت من جذورها لكنّ المظاهرة دحرت والبحارة تراجعوا. الحاكم يتوقع إعادة الكرّة ولهذا صدرت بيانات وعلّقت إعلانات مختلفة في الأيام التي تلت. خابرا رأسه معلق في المزاد العلنيّ. كاصا، محمد الهم، سقط تحت التعذيب لأنه مارس الصمت. العربي القصير، فوجئ في البحر يوزع منشورات سرية فأطلقت عليه النار. حسين بوسفايا وُجِد ذات صباح منتفخًا عند أقدام البحر تنام في بطنه وثائق خطيرة.

كان الرفاق قد حفظوا الوصية.

تكفّلت المدينة بقذف الأخبار عبر البرقيات ومذياع الرصيف المزروع على أطراف الشارع.

وأنتَ في السجن كان هذا يحدث، وتسقط أسماء قاسَمتك سعادةَ وهولَ البحر من قائمة المغضوب عليهم.

يُروَى أنّ المظاهرة حين تفجرت مرة أخرى كانت أكثر حدة من سابقاتها.

6

تقف الآن مثل جنديّ لا تتجرأ على الدقّ.

-دقّ فقط وسترى.

تذبحك الغربة. البحر على شبر منك. تستطيع أن تشرع في ولوج  حلمك من أبوابه الواسعة. تلقي بنفسك فيه وتستحم وتلمّ ندوب نزيفك بملحه. تستطيع أن تفعل أيّ شيء بدون خوف. اقتنِع بهذا جيدًا.

أوف. لا تخف فلن تختلسك العيون. الكلاب المشرّعة للعودة إلى مدنها البعيدة. لكن أشياء كثيرة راسية في زحام الذاكرة.

كلّ شيء يبدو غريبًا في عينيه. الدار القابعة عند البحر الذي تقيأها، تآكل سقفها وحيطانها. استنزفت أملاح البحر حيطانها الخشبية، فبدأت تذوب شيئًا فشيئًا.

-من هذه الأكواخ خرج ابنُك مسلولاً من الرطوبة، يعانق خضرة الغاب. يحمل في زاده نفس البرقيات والوصايا التي تنام في دماغك الآن.

تحسس الباب بهدوء. كانت ثقيلة كحُزن الذي حفره.

-ألف مرة ومرة حدّثَتكَ نَفسُك بالفرار فتكسّرَ أنفك على البوّابة الحديديّة الخشنة. كم نامت على صدغَيك الصّفعات وشقّ السّوط ظهرك. وهدّدك الحرّاس بالقتل والتنكيل لأنّك مستباح ودمك مهدور.

7

حين أنزلوك القبوَ، وضعوك بين أربعة جدران ضيّقة تنزّ بالرطوبة، وأجبروك على تنظيف المجاري المعطّلة والمراحيض ولمّ أعقاب السجائر وعلى ظهرك تتثاءب وجبات السّوط.

-كلاب وأباء كلاب لا أكثر. من أين جاؤوا وكيف سرقوا البلاد وحوّلوها إلى ساحة سريّة للموت اليوميّ؟ من أين جاؤوا وأين كانوا قبل هذا اليوم؟

كلّ الأماني مرفوضة.

صاَدف أنّ سهوت ذات مرّة وحلمتُ حلمًا آخر بحجم القمر المدفون. فهَوَت على رأسك بندقيّة الحارس الليليّ وجرّك كالجيفة ثمّ أغلق عليك الباب في قبوك. ونِمت مرغمًا تحت وقع الضّربة الشرسة.

الحلم ممنوع.. ممنوع الحلم.

تلك هي الكلمات الوحيدة التي سمعتها. قبل أن تسقط.

كسوَتك يبست على جلدك. ست سنوات من روتين الاستنزاف ليست شيئًا بسيطًا. حلمتَ فيها حتى تعبت. وندمت بضعفٍ على أشياء أخرى.

وشوارع مدينتك المهجورة التي لازمت أوقاتك ومدّدت عليها لياليك الباردة تذكر جيدًا ملامح وجهك البحرية.

تكوّم في جسده كالحلزون المفطوم.

-أنت الآن تذوب في دمك. تعوي في بطنك براميل الماء والصابون التي شرّوها لك بالقوة لكَي تعلن عن القائمة التي في رأسك. يستكين بينَ جروحك المفتوحة حلمُك الساقط في سلّة المهملات. وحين كان الدم ينزف من كلّ أطرافك أدركتَ أنّك ستموت في هذا العفن قبل مطلع الفجر.

-وإذا متّ، ماذا سيكون؟ هل ستغيّر الأرض دورتها؟ الكلب خيرٌ منك. والقانون لن يصاب بهزيمة بعدك لأنه وُجد لحماية من أهم أكبر منك.

8

تحسّسَ الحائط من جديد. الدار أصبحت شيخًا هرما تطارده الأيام. حرثَته التجارب اليومية.

-أوف. تشجع. دق الباب. دق ولن تخسر شيئًا. وجهك الثاني خلف هذه الألواح التي أكلها سوس البحر الأعمى، سكون روعة التتويج بحجم هذه الآلام وهذه الذاكرة. دق، دق، فلن تخسر شيئًا.

طك.طك. طك.

لا تعرف كيف هوت يدك بتثاقل شديد على الباب.

فجأةً بدا لك كأنك تسمع نشيدًا بحريًا يأتي من قريب! تزحلقت عيناك إلى الضوء الذي يسكن البحر. بدا لك كأن أنغاما شعبية تتعالى، كان يردّدها أناس زُرق سكنوا البحر والقوارب.

هيلا هوب. هيلا هوب

بحر. وحياة. وحب

هذي نجوم وقمرا

راني جيتكم في عيني بشارة

با البحارة يا البحارة يا البحارة.

ساد بعدها سكونٌ كبير. شعر بحزن عميق يشوّه كل ما تبقى من ملامحه، فالزمان الأول مات ولفظ وراءه زمنًا موبوء.

-إيه. الحاج المنتفخ ربما كان يلهث في هذا الظلام ليضم إلى أسطوله قوارب الصيادين الأخيرة ويبيع جهدهم في السوق فقد تنبأ العرّاف حين قال قبل سنين:

-عندما يذهب جاك سيبقى الحاج.

لن يتوقف الرحيل.

(استدرت قليلا. تراءى لك الحلم يتسع أكثر ويتخذ شكل خارطة جديدة بشكل البحر).

كانت الشوارع الراحلة بصياحها موصدة بالجثث المشروخة في زحمة الليل. أيدي الصيادين تتشابك في شكل أقل ما يقال عنه أنه رائع. تستعيد القوارب ولون البحر والأغنية الجميلة.

حكمة قديمة كان يردّدها الجد الذي ابتلعه البحر ذات ليلة:

-النهر حلم الفقراء. البحر حلم الغرباء. والليل ذاكرة العشاق.

-أنت تحفظ هذا جيدًا وتردّده موحدًا لأنك تجمع بين الهجر والفقر. وأكثرُ خلقِ الله عشقًا للحياة.

9

طك.طك.طك.

أعدتَ الدق بسرعة أكثر. فتح الباب بهدوء تام.

سيّدي.

-…..

سيّدي. هل تريد شئيًا. نحن مثلك لا نملك شيئًا نعطيه لك، إلا بعض الدفء إذا كنتَ بردانًا وخائفًا من الرعود والأمطار؟

تحدّثت امرأة متعبة، عند عتبة الباب، أيامها منهكة، سوّستها السّنون. بين تجاعيدها القمحيّة سكنَت أزمنة تقاوم الموت. تكفّل شعاع الشمعة وفحمة الليل برسم ملامحها.

سيّدي

هي. لم تتغيّر إلا قليلا.

سقط على واجهة عينيها كوكبا متوهجًا. أشرقت على إثرها كلّ الأحلام والمدن الزرقاء.

10

حاولتَ مسح ذاكرتك عبثًا.

ثمّ فجأة فتحت عينيها. رأتك خلف اللحية الكثّة التي سرقت نور وجهك وخارج تجاعيدك الكثيرة. ضمتك بعنف وتكورت تقيم في صدرك وشمًا أخضر.. وانهارت على جسدك بحرًا وأشرعة في مهب الريح.

حين التقيا للمرة الثانية وكان كلاهما يجر قطارا من السنين المتعبة. زالت كل الفواصل والحدود. وعاد كلاهما يرتب وجه الآخر ويشكل في عينيه بحرا وخارطة الوطن الهارب.

-لن يتوقف الرحيل.

-ذاك الزمن الأول. وهذا الزمن الثاني، وسينبت الزمن الجميل.

واتسعت أجفانهم البحرية تحاول نسيان سنين الفقدان والخديعة.

-هل هي مجرد كابوس يشبه الخديعة أم أكثر؟

وربما كانت شيئا آخر. لقد سرقوا منك كل شيء. الوطن. عمرك. زوجتك. أبناؤك الذين ماتوا في غيابك. سرقوا منك إمكانية أن تحب.

عليك الآن أن تتعلّم كلّ شيء من جديد. أن تعلم قاتلك كيف يصبح إنسانا. ستقول له أن الحرب انتهت وعليك أن تتفرغ لبناء أرض أصبحت رمادًا، ورمّلها الورثاء.

الورثاء؟ احذر أن تقول هذه الكلمة. سيتهمونك بالشيوعية، الكفر، الإلحاد، القومجية، بالإيمان المدسوس، الخونجية… لا يهم. لا تقل شيئًا وعلم قاتلك فقط أن يراك إنسانًا مثله.

سمعتها تتمتم:

-ها قد عدتَ وهذا كلّ ما يهمّني. سنرمم أنفسنا مع الأيام.

أغمضت عينيك وتهاوت في دوامة بكاء مرّ لم تعرف مصدره.


* (كُتبَت القصّة عام 1977 وهي مأخوذة من المجموعة القصصيّة أسماك البر المتوحّش، دار الجمل، 2010).

فصل من رواية رغوة سوداء

(7)

وضع الحقيبة في الصندوق بخفّة، وانطلق يلتقيها في الجهة الأخرى، غير أنّ الجندي قبالته أشار له بالعودة وهو يتفرّس في الشاشة أمامه. تحرّك السّير في الاتجاه المعاكس فخرجت الحقيبة من الجهاز والكلّ ينظر إليها وإلى صاحبها بريبة. تحرّكتْ مجدداً وغابت في صندوق التفتيش الآلي. عبر الرجل ينتظرها في الجانب المقابل، لكنّ الجنديّ أعادها من حيث أتت مجدداً. أراد أن يسأل فوجد الجنديّ قد انشغل بالحديث إلى زميله. تقدّم قليلاً فتلقّى إشارة صارمة بالبقاء مكانه. التفت إلى زوجته فوجدها قد تجاوزت التفتيش وظلّتْ تنتظره بقلق.

كان الصّف من بعده قد استطال، وبدأتْ أصوات التململ تعلو، فما كان من الجندي إلا أن أمره بالتنحيّ جانباً ليُخضع حقيبته لتفتيش يدويّ، وأشار لمن بعده بالمرور. مرة أخرى، نظر الرجل إلى حيث تقف زوجته. كانت شاهدة على ما يجري، ترصد إذلاله في عيون المسافرين من حوله، فيما جنديان وبحذر شديد ينثران محتويات الحقيبة على الملأ، وهما يرمقانه بنظرات متشكّكة.

“تفضّل”.

استفاق داويتْ على صوت جنديّ بعد أن كان منشغلاً بما يحدث للعربيّ في المسار المجاور. خشي أن يلاقي مصيره، وهو يضع حقيبته بتردد في جهاز التفتيش الآلي، وينتصب متحفّزاً ينتظر عبورها ببطء وهو يتمعّن في ملامح رجل الأمن التي ظلّت على هدوئها. أمسك حقيبته والتفت إلى الجنديّ يترقّب قراره، فوجده يُشير لمسافر آخر بالعبور.

عاد بنظره للعربيّ. كان لا يزال على حاله، يقرض أصابعه بتوتّر وهو يرقب أغراضه تتناثر، قبل أن تأتيه الإشارة أخيراً بلَملَمتها، فيما المسافرون إلى جواره يعبرون واحداً تلو الآخر دون أن يستوقفهم الجهاز أو الجنديّ.

شعر داويتْ بالتعاطف مع الرجل. ربما لأنه يعرف تماماً طعم الإذلال، وقد جرّبه في بلده أول مرة قبل أن يعتاد عليه في مخيم إنداغابونا الذي وصله وهو يتقافز من السعادة رغم إنهاكه في رحلة هروب طويلة من “الوادي الأزرق” إلى شمال إثيوبيا.

كانت رحلة يائسة لا تحتمل سوى خاتمتين؛ إما الوصول إلى الوجهة الأخيرة، أو القتل على يد رجال الأمن. ومع هذا فقد أقدم عليها “داود” حين تساوى عنده الموت والحياة في معسكر التجنيد الإجباري. لذا حين عبر الحدود، رفقة عشرات، كان على خلافهم تماماً؛ فقد توقّف لينظر وراءه. أراد أن يستشعر حقيقة النجاة، حقيقة مفارقة الإذلال إلى الأبد. هناك خلف تلك الجبال البعيدة التي استنفدتْ طاقته وهو يتسلّق بعضها ويلتف خلف الآخر، تقع إرتريا. ليس ثمة حنين داخله على الإطلاق. كان الحنين يتساقط من روحه مع كل خطوة يخطوها في الاتجاه المقابل. كان يتطهّر بالبعد عن الوادي الأزرق، يُفرغ رصيده من القهر في محاولة العودة إلى روحه قبل أن تلتصق بها النتوءات والندوب.

“هيا.. بسرعة.. من هنا”.

على مدخل انداغابونا كانت ثمة حاجة أخرى للنجاة، هذه المرة من جنديّ إثيوبيّ يرشد القادمين بسوطه للاصطفاف بطريقة صحيحة. أخطأ السوط داود لكنه أصاب امرأة خلفه حرمتها المفاجأة فرصة الهرب بعيداً. اصطفّ الجميع بشكل حلزوني أتاح استيعاب أعداد كبيرة أمام مكتب التسجيل، بينما كان الجنديّ لا يزال يمارس متعته في تقويم الصفوف، أو بعثرتها إذا استقامتْ بمعزل عنه، ويتفنّن بساديّة في رسم انحناءاتها بسوطه الثقيل.

كان مكتب التسجيل بمثابة بوابة للمخيم المترامي الجهات. خلفه تتناثر خيام متفاوتة الأحجام غالبها مهترىء بحيث لم يعد سهلاً رؤية الشعار الأزرق المطبوع على واجهاتها يشير للمفوضية الأممية لشؤون اللاجئين.

يمر الوقت دون أن يأتي دور داود، مع الحشود الكثيفة التي تصطفّ أمامه، وبطء إجراءات مكتب التسجيل، والشمس التي تقف فوق الرؤوس مباشرة. جلس على الأرض، تشاغل برسم دوائر اعتباطية على الرمل، مرّر يده على السوار الصوفي الذي يتعاقد فيه اللونان الأبيض والأسود حول معصمه. أغمض عينيه، رأى سواداً، فتحهما فأوجعته الشمس التي كانت تنتظره عند الحدقات. وضع رأسه بين ركبتيه، رفعه، أعاده ثانية، ولم يتغيّر شيء، لا يزال بعيداً عن مكتب التسجيل.

“لا تخبرهم أنك مسلم”.

قاوم داود فضوله كي لا يلتفت لمصدر الصوت الخفيض. بقدر ما أراد أن يتابع حوار شابّين خلفه، خشي أن يمنعهما انتباهه من المواصلة. 

“منظمات الهجرة لن تلتفت لملفّك. سمعت هذا كثيراً. سيخلقون الأعذار دون إخبارك بالسبب الحقيقيّ”.

كان داود يعرف أنّ إنداغابونا مجرد مخيم استقبال، وأنّ ثمة فرصة ضئيلة لإعادة التوطين في دول أوروبية، بينما يتوزع البقية على مخيمات دائمة داخل إثيوبيا، وهذا ما جعله يتمنّى لو يشارك في الحوار، لو يستفسر أكثر، لكنّ الحديث الهامس كان علامة على سريّته. عمّ صمتٌ، وداود يخشى أن يكون الحوار مستمراً دون أن تلتقط أذناه أحرفه الواطئة.

“وما العمل؟”.

أنقذه سؤال الشاب الآخر، واستنفر حواسّه. استغلّ تعديل جلسته ليكسب بضعة سنتيمترات إلى الوراء، وظلّ متأهباً ليسمع الإجابة التي تأخرتْ قليلاً قبل أن تأتي:

“افعل مثلي. لقد تخلّصتُ من أوراقي الثبوتية، واخترتُ اسماً مسيحياً”.

قبيل الغروب، كان داود يقف أمام مكتب التسجيل، ينفض ما علق بملابسه، وهو يستمع إلى السؤال الموجّه له. أطرق يتأمل الورقة الخالية، والقلم الأزرق المصوّب عليها، رفع نظره قليلاً إلى اليد السمراء نافرة العروق، ومنها إلى الوجه الغاضب الذي ينتظر الإجابة. كرّر الموظف سؤاله بحنق، فيما ديفيد يمرّر يده من جديد على السوار الصوفيّ الذي يتعاقد فيه اللونان الأبيض والأسود، قبل أن يملأ الموظف خانة الاسم وفق ما سمعه:

“ديفيد”.

“بوه نِليخ”.

تبعت المجموعة القادمة من غوندار إشارة فتاة ترتدي بزة زرقاء وتحمل لافتة مكتوب عليها “بيتا إسرائيل” بالعبرية والأمهرية. هذه الكتلة البشرية السوداء المذهولة بدتْ قادمة من حقبة سحيقة، وأثارت اهتمام العابرين الذين توقفوا على الجانبين للفرجة، فيما أخذ بعضهم يلتقط الصور.

داويتْ كان في الوسط، يُحكم غطاء رأسه كي يحجب أكبر قدر من ملامحه. لم يتخلّص بعد من إحساسه بالانكشاف، لا يزال يشعر أنّ ملامحه تجذب الأنظار إليه، تُنادي على العابرين لتخبرهم أنّ اللصّ هنا، وبحوزته كل الأدلة على جرائمه.

سارتْ المجموعة في طريق نصف دائرية انتهتْ بباب زجاجي ما إن فُتح تلقائياً حتى تعالت الصرخاتْ وعمّ الضجيج. لم يتبيّن داويتْ ما كان يجري. ارتبكتْ المجموعة، أراد بعضهم العودة إلى الداخل، غير أنّ المنظمين أمروهم بمواصلة السير.

“لاما بأتِم؟ لاما بأتِم؟”.

اخترق صراخ فتاة بيضاء أذن داويتْ، وهي تسأل بحرقة عن سبب مجيئهم إلى إسرائيل. التفتَ إليها، فوجدها تنظر إليه بحدة، اختارته دون غيره لتصوّب عليه نظراتها الغاضبة. لم يعد يسمع صراخها، كان يتتبع عروق رقبتها الخضراء المنتفخة، وهي محقونة بالحقد. حين وصل أقرب نقطة منها، أشاح ببصره، وأسرع يتخطّاها تاركاً صراخها يحاول اللحاق به. ما إن ابتعد قليلاً التفتَ يُعاين ما يجري خلفه، فاصطدم بحقيبة وأوقعها من يد صاحبها الذي سرعان ما دفعه وهو يشتمه، قبل أن يميل على سيدة بجواره وهو يتذمّر:

“هالعبيد عبّو البلد”.

دون أن ينطق، رفع داويتْ يديه قرب رأسه معتذراً وهو يبتعد مسرعاً، قبل أن تستوقفه ملامح الرجل؛ فقد كان هو نفسه ذاك العربيّ الذي فتشه الجنود بطريقة مهينة.

حين استدار يواصل طريقه ليلحق بالمجموعة، وقع بصره على لوحة زرقاء تُنير بأحرف عبرية بارزة:

بروخيم هبائيم ليسرائيل”1.

[1]  العبارة باللغة العبريّة وتعني مرحبًا بكم في إسرائيل

رغم سنواتي العشر، إلا أنني كنت قادرًا على استيعاب أنّ أمرًا جللاً وقع. كانت والدتي تغلق باب غرفة نومنا في كلّ مرة يُفتح، كي لا نسمع ما يدور من همسٍ مضطرب في الصالة. لم تكن “جلسات” كهذه تتم في المنزل إلا في الأمور الجسام، ولم يكن باب غرفة الأطفال يُغلق أثناء قعدات القهوة والبابونج، بل على العكس: كان دائمًا مفتوحًا على الصالة، وكانت نساء الحيّ والعائلة يتناوبنَ على تقبيلنا في كلّ مرة ندخل ونخرج، والجملة نفسها لا تنفكّ تتردّد:

“الله يحميهن”.

يبدو أنّ أختي كانت تفهم أكثر مني، بسنواتها الاثنتي عشرة، وربما بحدسها الأنثويّ الذي بدأ يتفتح على واقع الحياة من حولنا، فكانت تنصت باهتمام عبر شقّ الباب وكان الخوف يسيطر على قسمات وجهها في كل مرة يعلو اللغط، فتهرع إلى عمق الغرفة وتجلس إلى المكتبة الصغيرة وتنهرني بحدّة:

“سوّيت وظايفك؟”

كان الهمس من حولنا يحمل من مرة إلى أخرى كلماتٍ مثل “عزارة” و”بهدلة”، إلا أنّ اللغط كان يزداد عندما يُسأل السّؤال نفسه، من مرة إلى أخرى، وبحدّة مُريبة كانت تبعث الخوف في طفولتي القلقة:

“يعني هيي لازم تحكي؟ الله يفضحها!”

كانت “العزارة” في الحارة قد انتشرت، وحتى حين لم أنجح في صدّ تسديدة الكرة صوب “مرماي” في ملعب الحارة، لم يوبّخني أحد من “الكبار” ولم يطلبوا عزلي عن مهمة حراسة المرمى كما كانوا يفعلون دائمًا. كان الانتباه مشدودًا إلى “العزارة”، وكانت الأحاديث تغلب على اللعب، حتى إنّ “رئيس الشلة” تنازل في النهاية عن لعبة “الجُول” اليومية، ليجلس إلى “الكبار” وليتحدّثوا عمّا حدث، ليس قبل أن يشعل سيجارة وينفخ دخانها بسنواته الست عشرة، ونحن “الصغار” نتحلق من حولهم، مُصرّين على سرقة ما أمكن من المعلومات والتفاصيل عن هذه “العزارة”، وكيف تبدو وما معناها.

وعندما انذهل معظم المحيطين بي من جملة “كبيرنا” الحذرة: “كان يحط إيدو…”، لم أتورّع عن الاندهاش مثلهم، مع أنّني لم أفهم ما تعني هذه الجملة. ثم صرخ الجميع مرة واحدة: “لا؟؟”، حين قال كبير الشلة وهو ينفث دخان سيجارته:

“تحت الكلسون!”

تأخر أبي تلك الليلة في العودة إلى البيت، وكانت أمي تنتظره عند “البرَنده” المُطلة على القرية، وتدخن بقلق، بينما كانت أختي تتمتم بهمس هي وابنة عمي التي اختارت أن تبيت عندنا الليلة، حيث شكّل هذا المبيت لديّ علامة أخرى على هول المصاب؛ إذ أنّنا كنا نبيت عندهم ويبيتون عندنا عندما يتوفى شخص في العائلة.

هل مات أحد؟ ولكن أين بقية أبناء وبنات عمي؟ ولماذا التمتمة تحت اللحاف؟ وأين أبي؟

عندما سمعتُ صوت الشاحنة ارتحتُ قليلا. بعد أقلّ من دقيقة كانت دعسات أبي المألوفة وهو يصعد الدرج تتضح أكثر وأكثر، ثم سمعت أمي تعود من المطبخ مصحوبة برائحة القهوة العربية الدافئة. صمتت أختي وابنة عمي وصرنا ثلاثتنا، من دون تنسيق، نحبس أنفاسنا ونحاول التقاط أية كلمة تأتي من “البرندة”- بلا نجاح يُذكر.

لا أعرف كيف انقلبت الآية، ولكن الحركة دبّت في العائلة اليوم التالي، وبدأت أشمّ رائحة “شعط” الدجاج والأرز المطبوخ ورائحة “الفقعية” والكبة، وفجأة كان عدد كبير من أطفال العائلة يتجمّع في بيت كبير العائلة، ومن حولنا رجال كُثر ونساء كثيرات. أنساني الطعام واللمة الهائلة لجميع أنواع مسدسات “الطقيع” و”الفشك” والبواريد، أيّ تفكير بأيّ أمر شغلني بشأن “العزارة”، وطفقتُ أركض مع الراكضين وألعب مع اللاعبين وأموت مع المطخوخين.

حين وقف كبير العائلة بدأت جميع النساء تنهرنا بعنف وخوف غير مسبوقيْن، حتى إنّ خالتي العصبية ضربت ابن خالي على خده كي يصمت، فتنبّهنا إلى جدية الموقف، فأنصتنا رغمًا عنا. تحدث كبير العائلة عن أمور لم أفهمها، ولكنني استطعتُ أن أفهم “عيلة وحدة” و”بسيطة”. كان جميع الرجال يهزّون رؤوسهم موافقين، وعندما انتهى كبير العائلة من خطبته تقدّم نحو أحد الرجال كنتُ أناديه وقتها “عمي”، كما كنت أنادي جميع الرجال البالغين، واحتضنه وقبّله. ومن بعده توالى جميع الرجال على احتضانه وتقبيله، وفجأة انطلقت زغرودة حامية ومن بعدها “إيويها” مجلجة، مضطربة بعض الشيء.

حلّ صمت مهيب حين تقدمتْ إحدى نساء العائلة وهي تجرّ فتاة خلتُها في عمري أو أكبر قليلا، ووقفتْ أمام “العمّ” المُحتفى به وطلبتْ منها بحزم، والاثنتان تبكيان بخوفٍ:

“بوسي عمّك!”

في الليل، وأمي تغطيني، سألتـْها أختي:

“يعني خلص؟”

تطلعتْ إليها أمي وقالت بحزم:

“تروح تتخيّب! شو هيّي أول وحده؟ بدّا تخرب العيلة؟ إوعك بحياتك تجيبي هاي السيرة أو تفتحي هيك موضوع! فاهمة؟”

تمتمتْ أختي بكلمات قدّرتُ أنها خضوع تام لمطلب أمي.

أطفأتْ أمي النور في الغرفة، ثم نظرتْ إلينا بحبّ هائل، وقالتْ بهدوء وهي تدمع:

“الله يحميكُن”.

 

أنينُها..

جذبني إلى المكان، كنت مرهقًا، نظام العمل الجديد كان يمتصّنا إلى آخر قطرة حياة في شراييننا ولكنّ سوء الظن بما يكون عليه الموقف، “سبب الصرخات والأنين والتوجع المكتوم”، هو الذي أعاد لي شيئًا من الحياة وجعلني أندفع نحوها كالسّهم.

كانت وحدها، تحت نخلة، أمام دكان مهجور، حولها قاذوراتها، ولو أن الظلمة حالكة في الزقاق إلا أنها كانت تحت شعاع متسلل من لمبة بالشارع العام، مضاءة بالقدر الذي جعلني أرى وجهها الأغبر وتقلص عضلاته الصغيرة واحمرار عينيها وهما تضيقان وتتسعان في آلية  مؤلمة مثيرة للإشفاق وكأنها في وحدتها وظلمتها تستشفق شياطين الظلمات، انزلقت نظرتي إلى موضع كفّيها، وكانت تضغط بهما بطناً منتفخة تحت أسمال بالية ، وعندما رأتني، صمتت فجأة وهي تحملق في وجهي بعينين ثابتتين ووجه بارد خال من أي تعبير كوجه مومياء فرعونية.. ثم قالت بكلّ براءة:

– هل تستطيع أن تولّدني..؟ الطفل سيشقّني.. سأموت اذا لم تفعل..!

قلت لها دون تفكير..

– لماذا لا تذهبين إلى المستشفى؟!

ابتسمت ابتسامة زيتية داكنة ثقيلة.

– لا أستطيع المشي، ولا املك أجرة التاكسي، أيضا لا يمكنني ان أدفع للمستشفى.. لا يوجد في الكون شيء من غير قروش.

أصدرت مواء باهتاً ثم غابت عن الوعي وهي تهذي كالسكرى. وأحترت فيما أفعل، وأنا لا املك غير خمسة جنيهات (للبص) العام للبيت، والساعة تشير الي العاشرة والنصف، بعد نصف الساعة فقط ميعاد حظر التجوال، ولأنني مرهق من جراء كنس السينما وغسلها لا أستطيع حملها على ظهري، ولو حملتها فلا يمكن ان تقبلها المستشفى ولا توجد مستشفى لله في هذا البلد.

– همس في نفسي صوتٌ لم أستطع أن أتبينه، أصوت ملاك هو أم صوت شيطان رجيم..؟

– ما لك أنت؟ ربّها الذي خلقها قادر على ان يجد لها مخرجًا.. أقدر على نفسك… نصف ساعة وحظر التجوال.. ألحق آخر بص… وغداً الصباح تعال لتجدها قد أنجبت صرصوراً كبيراً قابعاً قربها يستكشف العالم من حوله بقرني استشعاره وعينيه اللامعتين..

خطرت لي فكرة، وهي أن أحاول حملها إلى رصيف الشارع العام ربما وجدتها الدورية وتأخذها إلى الحبس وتحضر لها قابلة او طبيباً على نفقة الحكومة.

أخذنا عسسُ حظر التجوال معاً..

ربما كان الطبيب على شيء من الحق، فلقد كانت متسخة وقذرة رائحة افرازات المرض الجنسي الذي أصيبت به قوية نافذة ولا تحتمل اطلاقاً… لذا طلب الطبيب من عاملة النظافة ان تقوم بإزالة شعر عانتها، بقمله، صنانه وإفرازاته النتنة… وأن تغسل هذا الجزء جيدًا بالمياه الدافئة وصابون “الفنيك” وتضع مادة “الديتول” المطهِّرة عليه.

ثم مضى يستفرغ أمعاءه عند المغسلة لاعناً اليوم الذي درس فيه الطب وعِلم النساء والولادة.

قالت لي العاملة:

– ساعدني.. أرجوك

– قالت هي: أنا أموت

انتهرتها العاملة مغتاظة:

– موتي.. موتي أريحينا واستريحي

عندما باعدت عن ساقيها المتّسختين البنيّتين المنقطّتين بآثار الدمامل، وغابت في شبه اغماءة مستسلمة لآلام المخاض ولذة وجع الطلق.

حينما ظهرت مخالبه الأمامية، صغيرة ، بيضاء، طرية وناعمة، كنا أنا والعاملة مندهشين وغارقين في غيبوبة فنطازية لزجة موقعة في وعينا بموسيقى الرجي المتسربة إلينا من مكتب الصحة المجاور، صرير الجرذان هدير البحر، نعيق الغربان، السوداء، هفهفة شجرة النخيل الباسقة المتشامخة خلف شباك المكان، رعد مفاجئ، ثرثرة هلامية تنبعث من مسام الجدران وفراغات السُرر، قطع الاقمشة الثقيلة البيضاء، القطن الدامي المتناثر هنا وهناك.

فجأة أحسَسنا بالبرد ونحن نرى رأسه المستطيلة تعانق فراغ الحجرة، عليها شواربه السوداء الدقيقة غارقة في مخاط لزج شفيف وهلامي، قالت لي عاملة النظافة فيما بعد:

– كنت أحسّ بالأشياء تتوهج وكأنما حطّت عليها أقمار مضيئة صغيرة.

قلت:

 – امتلأت حينها بكلامٍ غريب ثقيل غير مفهوم، كان يخنقني.

بطلق أخير قفز خارجاً رشيقاً نشطاً، وكأنما نغمات موسيقى الرجي كانت توقع جريان الدم في شرايينه البكر.

أثبّتُ في أقوالي لإدارة المباحث الجنائية ان التراتيل القرآنية، هديل الحمائم، أناشيد المحبة.. ما كانت تأتي من مصدر محدد ولا يمكن أن ندّعي في إمكان أي واحد منا أن يموسق جمود الزمن.

في تلك اللحظة تساقط رطب النخلة، غرد عندليب، هوت نجمة اضاءت مشارق الدنيا، عندها فتح عينين سوداوين متفائلتين، نفض عن نفسه المخاط، بهزات عنيفة متتالية نَبَح وذلك أمر مؤكد قبل أن يقفز عبر النافذة الي الرصيف.

 

أوقف أبو مصطفى عربته بمحاذاة الرصيف وربّت بيد كبيرة متشقّقة على رأس الحصان ثم قصد الدكان القريبة، وابتدأ يحمل على ظهره الاكياس الملآى بالحطب، وينقلها الى العربة. وكان الحصان حانقاً دونما سبب. وقد تبدد غضبه قليلا حين عثر على قطعة من قشور البطيخ، فَمَضى يقضمها بسكينة.

وتنبه فجأة الى أن ثمة ولدًا صغيرًا يقف على مقربة منه، ويرمقه مبتسمًا. فقال الحصان لنفسه: “أنا لا أعرفه وسأرفسه إذا دنا مني. سأرفسه رفسة قوية تكسر رأسه”.

وانتهى الحصان بعد حين من مضغ قشرة البطيخ، فانتابه الاسف لانتهائها، وراح يتطلع بغيظ الى الولد وهو يقول لنفسه: “سأرفسه”.

وكان أبو مصطفى في تلك اللحظات مازال منهمكاً في نقل أكياس الحطب ووضعها على سطح العربة٠ وأحس الحصان بالتعب، فقال لنفسه متذمراً: “العدالة مفقودة”.

وكان الحصان قد ولد في المدينة، وقضى حياته كلها في طرقاتها المفروشة بالأسفلت، ولم يغادرها مطلقا. وكان يعرف أن أجداده القدامى كانوا يمرحون طلقاء عبر البراري الشاسعة حيث لا أبنية فيها ولا جدران من حجر، ولكنهم ماتوا جميعاً.

وانحنى الولد، والتقط قشرة بطّيخ كانت بمنأى عن الحصان ثم اقترب على مهل، فَهمّ الحصان بالتراجع غير أنه تريث متشجعاً. ومد الولد قشرة البطيخ نحو فم الحصان. فتردد الحصان لحظةً خاطفة ثم تلقفها دهشًا، وطفق يمضغها بغبطة، وسمح للولد بأن يربت على عنقه بيد أنيسة صغيرة.

وأتمّ أبو مصطفى نقل أكياس الحطب الى العربة. وعندما لاحظ وجود الولد قرب الحصان صاح به: “ابتعد يا قرد”.

ثم لوّح بالسوط، مطلقًا صيحةً آمرةً بالمسير، فاندفع حينئذ الحصان الى الامام، يجر العربة الثقيلة بتباطؤ.

وسارت العربة عبر طرقات عديدة، و بلغت بعد حين شارعًا عريضًا تنتصب الأبنية الحجرية على جانبيه ولم تكد العربة تتوغل حتى اعترض طريقها واحد من رجال الشّرطة، فَصَرخَ أبو مصطفى بالحصان بصوت ممطوط: “هش”.

قال الشرطي: “ألا تعرف أن مرور العربات ممنوع في هذا الشارع؟”. فقال أبو مصطفى: “أعرف”.

“ولماذا جئت اذن من هنا؟”

“الحصان.. أنظر.. الحصان تعبان جداً، واذا مررت في هذا الشارع فسأوفّر على الحصان مشيًا كثيرًا”.

فغمر الحصان حنان عارم. وقال الشرطي: “سَير العربات ممنوع في هذا الشارع. انه للسيارات وللناس الذين يسرون على أقدامهم فقط”.

قال أبو مصطفى: “أعرف”.

ولعق شفتيه بلسانه، وأردف قائلاً: “الحصان تعبان وسينقطع رزقي اذا هلك، و أموت جوعاً ويموت  أولادي.. لي أربعة أولاد”.

“ارجع. ولن أعاقبك لمخالفتك النّظام والقانون”.

“لي أربعة أولاد يأكلون حتى الحجر”.

وأطلق أبو مصطفى ضحكة قصيرة جافة وكأنّها مدية صغيرة شرسة، ثم أضاف قائلاً: “سأقول الصدق.. أنا لا أخاف على الأولاد إنّما أخاف على أمهم”.

 فقال الشرطي متسائلا بفضول: “ولماذا تخاف عليها؟”

وكانت الاشجار خضراء على جانِبَي الشّارع، وتمتدّ في الأعلى سماء رحبة زرقاء. وأجاب أبو مصطفى: “أخاف أن يأكل الأولاد أمهم إذا جاعوا. أسنانهم فظيعة”.

ومرّت سيارة تسير بسرعة كبيرة، فَنَفخ الشرطيّ في صفّارته، فَلَم تتوقف السيارة، واستطاع الشرطي أن يلمح رقم لوحتها قبل أن تنأى عن بَصَره، فسجّله على غلاف دفتره. والتفت الى أبي مصطفى محتقن الوجه غيظاً، وقال له: “هيا ارجع”.

“دعني أمرّ هذه المرة فقط”.

 فقال الشرطيّ بصرامة: “ألم تسمع ما قلت؟ ارجع”.

“مرّة واحدة فقط”.

“ارجع. القانون قانون ولا فائدة من التوسّل”.

“الحصان تعبان”.

“هيا ارجع”.

“الله يحفظك لأمّك”.

“الله لا يحفظني، أنا لم أخترع القانون. أنا أنفّذ أوامر صادرة إليّ، وأنت يجب أن تطيع هذه الاوامر”.

فلم يفه أبو مصطفى بكلمة إنما تخيل القانون مخلوقاً ضخماً له آلاف الأيدي: القانون يأمر الشّرطيّ فيطيع الشّرطيّ، ويأمر الشّرطيّ أبا مصطفى ويجب أن يطيع أبو مصطفى الأوامر.

ووقف أبو مصطفى مترددًا هنيهات، فصاح به الشّرطيّ: “ارجع. واذا لم ترجع حالا فستندم”. فاتجه أبو مصطفى نحو العربة، وكان غضب الحصان عندئذ قد بلغ الذروة، فجمع قوته كلها، واندفع جامحًا الى الامام، فبوغت الشرطي بالعربة المندفعة نحوه، وحاول أن يقفز الى الرصيف، فلم يتمكن، وصدمه الحصان، فسقط على الارض منطرحاً على ظهره، ووطأت صدره سنابك الحصان ثم مرت فوقه عجلات العربة وتخضبت بالدم الاحمر. ودهش الحصان حين رأى صاحبه لم يبتهج إنما امتلكه الذعر والوجوم ثم انطلق يركض هارباً. وبعد لحظة توافد الناس مهرولين، وتحلّقوا حول العربة، يتألق في عيونهم الخوف الممتزج بالشهوة الخفية، كأن الشرطي المسحوق ليس إلا جسد امرأة جميلة.

ولم يتفرق الناس الا عندما حضر رجال الشرطة، وبادروا الى اعتقال القاتل. وَكان القاضي عادلا، فسيق الحصان في فجر أحد الايام الى ساحة رئيسية خيل الى الحصان أنها ما تبقّى من البراري.

ووقف الحصان مبتهجاً لأنّه قبل وصوله الى الساحة قد اجتاز شوارع عريضة كان يُمنع من السير فيها من قبل، ولكن بهجته لم تدم طويلا اذ تدلى بعد حين مشنوقًا.

(من مجموعته القصصية “الرّعد”، 1970)

 

1

 منذ ثلاثين عامًا وتزيد. تعرّفتُ إليه وهو في الرابعة والعشرين، وكان تخرّج للتوّ من مدرسة السياقة في المدينة. في بطاقة هويته كتبوا إلى جانب المهنة: “سائق باص”، وكانت هذه كفيلة، إلى جانب صورته البراقة، بأن تدخلني إلى قفص الزوجية الذي بناه لي، في قريتنا الجميلة النائية.

كنتُ في أثناء الخطوبة أحلمُ ليلَ نهارَ بالرحلات وبالفُسح الجميلة والطويلة التي سنقضيها سويةً، ولم أفهم حتى اليوم ما قصدته أختي الكبرى في إحدى ليالي السمر الصيفية على سطح البيت، حين قالت لي بدلع وحياءٍ مكظومٍ وصوتٍ مكتومٍ: “كرسي الباص الأخيرة طويلة، ولن تنسي طعمتها”.

قبل الزفاف بيومين، حين تجمعت كل صديقاتي في القرية لليلة الحناء، أخذنَ جميعهنّ بالتندر على شكلي وأنا جالسة في الكرسيّ الأول من وراء زوجي، وهو يصطحبني في رحل ونزهات كُنّ جميعهنّ يحلُمن بها. إحداهنّ حلُمت بالذهاب إلى القدس، والأخرى إلى يافا والثالثة قالت بتأكيد غريب: “بانياس أجمل الأماكن في العالم! دعيه يأخذك إلى البانياس”.

لم نفهم وقتها تأكيدَها القاطعَ هذا وسألناها عمّا إذا كانت ذهبت إلى البانياس، فأجابت بأنّ أخاها كان هناك قبل سنة وقال إنها أجمل الأماكن في العالم. وضحكنا حتى دمعت أعيننا… ثم قالت أختي الصغرى بحسد واضح وافقها الجميع عليه: “أنتِ ونحن نسمع بالأماكن والرحلات، بينما ستكون أختي هي الوحيدة التي سترى هذه الأماكن بحق وحقيقة”.

وتنهّدتُ بفرحٍ وخوفٍ كبيريْن.

2

أستيقظ في كلِّ صباح في الخامسة فجرًا. أطبخ لنفسي غلاية صغيرة من القهوة السوداء الحلوة وأستقبل الشمس القادمة من رحلتها وهي حمراء ناضجة نضوج التين “الحمّاري” في كرم والدي المرحوم. أشربُ قهوتي بصمت ولا أضايق الشمس الآتية من رحلتها اليومية. لا شكّ في أنها مرهقة جدًا الآن، ولا تنقصها ثرثارة مثلي لتروي لها عن حياتها مع زوجها سائق الباص. أشربُ القهوةَ وأحلمُ برحلات الشمس اللانهائية، وأتمنى لنفسي واحدةً منها على الأقل.

في تلك الهنيهة الصباحية لوحدي، أكتشفتُ لوحدي، أنّ الشمس تزور عمليًا كل العالم في 24 ساعة، كلّ يوم! ما أقواها وما أجمل حياتها، هذه الشمس. تطوفُ كلَّ العالم لوحدها، ومن دون كلل أو ملل، تطوفُ ولا تتعبُ، تمامًا مثلما وعدتْني أمّي قبلَ أن يأتي أهل العريس ليأخذوني من بيت أهلي بساعة. ثم مالتْ عليّ قليلاً وقالت بتوسّلٍ لم أعتقد أنه سيبدرُ عنها يومًا: “إبقي اذكريني في رحلاتكم الجميلة”.

عندما يستيقظ زوجي تكون غلاية القهوة الثانية قد نزلت للتوِّ عن قرص النار. لا يُنظف أسنانه أبدًا ومع ذلك فإنها ناصعة وقوية مثل أسنان الحصان. أمي كانت تقول دومًا إنّ زوجي يأتي من عائلة كل رجالها مثل الخيل: أقوياء وأصحّاء وأسنانهم كبيرة وبيضاء. حتى إنّ أبي المرحوم لم يُخفِ حماسَه من أحفاده الذين سأنجبهم له، لأنهم “سيُولدون كالخيل، يرفعون الرأس إلى أعلى”.

ومع ذلك وددتُ لو ينظف أسنانه، خاصةً في الصباح، حين يهمّ بي أحيانًا، وأنا أيقظه، فيشدّني من يدي ويستلقي فوقي على السرير ولا يكترث بشيء. لا ينتظرني حتى لأستيقظ كما يجب، أو لأغسل وجهي. وما أن أستيقظ كما يجب حتى يكون قد انتهى من اللهاث السريع ذي الرائحة الكريهة، فينكفئ على الجانب الآخر ويسأل بهدوء: متى ستنهضين؟

ولكنني ربّيتُ أبنائي على تنظيف أسنانهم. لا أريد لأيٍّ منهم أن تتضايق منه زوجته في الصباح أو قبل النوم. على أبنائي أن يكونوا رجالا أصحاء وجميلين وحسّاسين لنسائهنّ. ولو كانت وُلدت لي ابنة -كما أملتُ دائمًا- لكنتُ صنعتُ منها أفضل امرأة في الدنيا. ولكنتُ بعثتُ بها إلى الجامعة وعادت إليّ طبيبة تطبّب لي عظامي المتفكّكة ومفاصلي التي بدأت تلتهب. طبيب القرية قال لي إنّ عليّ أن أريحَ جسدي وأن أتوقف عن القيام بأية مشاغل صعبة. الحمار. لا يكفي أن يذهب المرء إلى الجامعة ويصبح طبيبًا، عليه أن يكون ذكيًا أيضًا وفطينًا. ومن سيقوم بكلِّ مشاغل العائلة والبيت؟ هو؟ لو وُلدتْ لي ابنة وصارت طبيبة أفضلَ منه بألف مرة لكانت علّمته درسًا في الحياة يسوى كل المعدات الباردة التي يضعها على جسدي عندما أذهب إليه. يضعها ويطيلُ وضعَها ولا أتبرّم لسببٍ لا أعرفه.

3

خمسة أبناء وكُلهم رجال متعلمون مثل الورود الحمراء البراقة في لحظة صفاء نادرة. أنظر إليهم ولا أتحسّر إلا على المرات التي لم أقبّلهم فيها أكثرَ مما قبّلتهم، لا أتحسّر إلا على المرات التي كنتُ أعلم أنهم يقظون فيها يدرسون وأنا خالدة للنوم.

البكر مهندس والثاني معلم والثالث ممرض والرابع تاجر في سوق يسمونها البورصة والخامس يعمل في بنك القرية. ما زال أعزبَ “قريد العشّ”. الوحيد الذي لم يستقرّ في بيت له، ولكنني أتمنى بيني وبين نفسي أن يتأخرَ قليلا أكثرَ، كي يُؤنسَ وحدتي في العصريات الطويلة التي يكون فيها زوجي غائبًا، يسوقُ الباصَ آخذًا أربعين أو خمسين شخصًا في رحلة جميلة.

المرة الأولى التي ركبتُ فيها الباص كانت بعد الزواج بيوميْن. كان ما زال فرجي يؤلمني من ليلة الدخلة، وكنتُ كلما تذكرتُ اللحظة الأولى أهرعُ للتقيؤ في المرحاض، متعللة بأمٍر ما قد أكون أكلتُه في ليلةِ الزفاف. ولكنني كنتُ على الرغم من شعوري هذا أنتظر بلهفةٍ ركوبَ باص الشركة الذي يسُوقه زوجي وأن نمضي معًا في رحلات طويلة نلحق بها أثر الشمس الغائبة، فلا تغيبُ. في المرة الأولى ذهبنا في الباص إلى المدينة المجاورة وتعشيْنا سمكًا مشويًا. كان لذيذًا، واستغرقني أسبوع حتى علمتُ فيما بعد أنّ هذه “الرحلة” كانت شهر العسل الذي يتحدثون عنه.

لم آبه كثيرًا بشهر العسل القصير، فقد كنتُ متأكدة من أنّ شهورًا من هذا العسل آتية لا ريب فيها. بعد أربعة أيام عاد زوجي إلى العمل. ولمّا عاد، طلب مني أن أنظف الباص الذي ملأه الطلاب الملاعين بالمُسليّات والمُكسّرات والقيءِ. نظفتُه كما لو كان غرفةَ نومِنا. عادَ يلمع مثل البلّور وعاد فرجي يؤلمني في تلكَ الليلةِ تمامًا كما في الليلةِ الأولى. ولكنني لم أنبس بكلمةٍ؛ فغدًا سيأخذني إلى رحلةٍ جديدةٍ.

4

صارَ ينطلقُ في كلِّ صباح إلى عملِه، إلى رحلاتِه، ولا يعودُ إلا في المساء. وبعد أن يتعشى، آخذُ أدواتِ التنظيفِ وأصعدُ إلى الباصِ الطويلِ وأُعمِلُ فيه تنظيفًا، حتى يعودَ جديدًا كما خرجَ من الشركةِ. مع الوقتِ صرتُ خبيرةً بالنفايات التي أجمعها من الباص، وبواسطتها صرتُ أتكهّنُ بأعمار المسافرين وطباعِهم وأهدافِ رحلاتِهم. في مراتٍ كانَ يعودُ الباصُ نظيفًا إلا من بعضِ الأوراقِ البيضاءِ المكتوبةِ عليها كلماتٌ بلغةٍ لا أعرفُها؛ في مراتٍ أخرى كان يعود مليئًا بأغلفة المسليات والنقارش وعلب المشروبات الخفيفة الفارغة، وبعض القيء هنا وهناك.

ومع الوقت أيضًا لم أعدّ أحسّ بأية آلامٍ عندما يهمّ بي، كأنّ مصدر الألم انطفأ إلى الأبد، ففرحتُ لانطفائه ولم أزل.

عندما ولدتُ الأول، وعدني زوجي سائق الباص برحلةٍ خلابةٍ أستعيد فيها عافيتي وأعوّض على ولادتي العسيرة الأولى. ولكنه نسي، بعد أن توفت حماتي من ولادة البكر بثلاثة أيام، وأنا خجلتُ من أن أسألَه عن الرحلةِ الموعودةِ، لأنه صار يعودُ في أغلبِ الأحيانِ غاضبًا ومُزمجرًا ويبرطمُ بعباراتٍ فيها شتائم ومسبّات على صاحب الشركة وعلى زملائه وعلى ظروف العمل المهينة. عندما وُلد الثاني لم يقترح أية رحلة، وأنا لم أفاتحْه بالموضوع؛ فالولادة الثانية كانت سهلة نسبيًا للأولى، ولم أعتقد بيني وبين نفسي أنني أستحق رحلة في باص زوجي على ولادةٍ سهلةٍ.

بعد أن ولدتُ الثالثَ تيقنتُ نهائيًا من أنَّ الرحلةَ التي أنتظرُها لن تأتي أبدًا. كيف سنخرجُ في رحلةٍ جميلةٍ وطفلي رضيعٌ والطفلان الآخران يبكيان لأتفهِ الأسبابِ؟

كنتُ استقبل صديقاتي الفرحات العائدات من رحلاتهنّ مع أزواجهنّ إلى القدس ويافا وبانياس وأبتسم تأدبًا، وأنا أستمع إلى تفاصيل مثيرة وأخرى مملة لا يتعبنَ من تردادها، وأتجاهل الواحدة منهنّ حين تقول على حين غرة: “ألا تحديثننا عن رحلاتك في الباص الجميل”؟

ومن دون أن أدري تحوّلت علاقتي مع الباص إلى علاقةِ دلوٍ مليءٍ بالماءِ والصابونِ، ومكنسةٍ وبعض أقمشيةٍ باليةٍ. في كلِّ يومين أو ثلاثة أصعدُ إليه وأمسحُ بقايا القيءِ والأكياسِ التي خلّفها الصغارُ خلفَهم. صرتُ خبيرةً في أنواع الأكياس وألوانها وأسماء المسليات التي بها، وهكذا صرتُ أشتريها لأبنائي عندما يهمّون إلى رحلةٍ مدرسيةٍ. كنتُ أملأ حقائبَهم بأشهى المُسلّيات وأودّعُهم دامعةً وهم يركبونَ الباصَ في الرحلةِ المدرسيةِ التي لم يكونوا ينامون في الليلة التي تسبقها. كنتُ أسمع همسَهم في الليل وهم يتجاذبونَ أطرافَ الجّمَلِ حول المكان الذي سيذهبون إليه وحول زملائهم وما اشتروه وكيف أنني دائمًا أشتري لهم أفضلَ المسليات، إلا أنهم كانوا يُجمعون دائمًا على أنّ زوجي أفضلُ رجل في الدنيا لأنه يأخذهم في رحلات المدرسة ويحفظ لهم دائمًا المقعد الأخيرَ الطويلَ.

وكنتُ أتقلّب في سريري وأنظر إلى السقفِ المعتمِ وأتذكرُ أنّ خالتَهم أيضًا كانت من مُحبّي المقعدِ الطويلِ في الخلف، مع أنها هي الأخرى لم تُجرّبه في حياتها.

في كل صباح كانوا يخرجون إلى المدرسة في الباص الكبير، الذي عتق وصار مهترئًا، ويتركونني لوحدي على قارعةِ المدخلِ ألوّحُ بيدي وأستنشقُ رغمًا عني دخانَ “الديزل” الأسودِ الكريهِ.

عندما وُلد الرابعُ حصل زوجي على باص جديد من الشركة. كان منظرُه خلابًا ونظيفًا وجديدًا؛ كان يعبق براحةِ أغطيةِ الكراسي الجديدةِ وكدتُ لفرطِ اندهاشي أن أقعَ إلى الخلف عندما قال لي زوجي بفخرٍ إنّ به فيديو وتلفازًا! ولكنّ فرطَ الدهشة جعلني أيضًا أندفعُ إلى الخلف مُروَّعَةً فاندلق دلوُ الماءِ والصابونِ الذي أحضرتُه لتلميعِ الأرضيةِ اللماعةِ أصلاً، فتوسختِ الأرضُ بالماءِ ووسّخَ قسمٌ منه أرجلَ أبنائي الواقفين خلفي، فاندهشوا وتريّبوا! فلطمَني زوجي بيده على وجهِي، كما يفعلُ عادةً عندما يغضبُ، وصاحَ: يا بقرة! ألا يليقُ بكِ حتى باص جديد؟

لم يفعل أبنائي شيئًا، بل نكّسوا رؤوسهم وخرجوا بصمتٍ من الباص، تاركينني أمسحُ دموعِي وأمسحُ الماءَ عن أرضيةِ الباصِ بسرعةٍ وحرصٍ كبيريْن، كي يتركني بحال سبيلي، فالأولاد يروْن!

منذ تلك اللحظة صرتُ أكره هذا الباص الجديد. أنظفه رغمًا عني، وبكسل واضح. حتى إنني كنتُ “أنسى” في كثير من الأحيان أكياسًا صغيرة أو بقعة قيء أعرفُ أنّ رائحتها ستزكم أنفه في اليوم التالي. لم يكن يهمّني؛ لو كان يهتم بتنظيف أسنانه لاهتممتُ به أكثر!

5

بدأ الأبناءُ بتركِ البيتِ للدراسةِ وصرتُ أحترفُ الجلوسَ عصرًا عند مدخلِ البيتِ أنتظرُ شبحَ الباص الجديدِ. وقد أحسَنَ بِكري صُنعًا -وأيّما إحسانٍ- حين ركّب على سطح المنزل صحنًا كبيرًا مُدوّرًا قال إنه يزيد على القنوات في التلفاز أكثر من 100 محطة، فلم أصدّقه إلا حين أخذَ يقلّب بينها، وقامت قيامةُ الأبناءِ الآخرين وزوجي، كلٌ يريد أن يشاهد محطة بعينها، إلى أن صاحَ زوجي ونهرَ، ثم أخذ يقلّب حتى وصل محطةً كان فيها رجلان يصرخان على بعضهما البعض. بعد برهة قال “قريد العش”: “هذه محطة اسمها “الجزيرة”. “محطة أخبار”.

ولكنني لم أحبّ “الجزيرة” يومًا، فهم يصرخون على بعضهم البعض طيلة الوقت. كنتُ أحبُّ مشاهدةَ الأغاني وبرامج التطبيب بالأعشاب والمسلسلات العربية. لا أعرف حتى الآن كيف صمدتُ طيلة الوقتِ من دونِ هذه المسلسلات. وأكادُ أقسمُ بأنني أذكرُ حلقاتٍ كاملةً من مسلسل “مفيد الوحش” و”الجوارح” عن ظهر قلب؛ فما أن ينتهي بثّ حلقاتِ المسلسلِ على قناةٍ ما حتى تبدأ قناةٌ أخرى ببثها، لتعيد القناةُ الأولى ببثها من جديدٍ في الليل المتأخرِ، وقناة أخرى وأخرى وهكذا، حتى استغنيتُ عن أية صلة بما حولي وصرتُ أنا والصحن المدوّر الكبير أعزّ صديقيْن: أنا أؤنس وحدته في الصالة، وهو يأخذني في رحلات لم يكن ليحلم بها أيّ سائق باص.

كان كلما يطلّ زوجي من بعيد تعودُني ذكرى الألم القاتل إياه من ليلة الدخلة، فأهرع للتقيؤ خلف البيت. فيما بعد قال لي الطبيبُ إنّ عندي جرحٌ في المعدة وإنّ القيءَ الدائمَ الذي ينتابني سببُه موادّ التنظيف التي أستعملها، فنصحني باستبدالها، فاستبدلتُها. ولمّا لم يتوقف القيء قال يائسًا: المهم ألا تأكلي كثيرًا، فتتقيّئين أقلَّ. وهكذا صرتُ آكل قليلاً، وأتقيّأ قليلاً وأنحف كثيرًا، وصرتُ أسمح للطبيب بأن يطيلَ وضعَ أدواتِه على جسدي كيفما شاء، وأحيانًا كان يستغني عنها ويتحسس مواضع الألم بيديه، مرتعشًا حتى يهدأ.

6

عندما رأيتُ هذه القطعةَ المطاطيةَ الطويلةَ لم أفهم ما هي. كما أنني لم أتيقن من هذا السائل اللزج المحبوس بداخلها. كانت القطعة المطاطية ملقاة في نهاية الباص على الكرسي الأخير الطويل، نفس الكرسي الذي قالت لي أختي قبل دهر من السنين إنني لن أنسى طعمَه. عندما تعرفتُ على رائحة السائل اللزج لم أتمالك نفسي فتقيأتُ على الكرسي ووسخته شرّ توسيخ. ثم صرتُ بعد هذه الحادثة أفتعل النوم في تلك الصباحات التي يأتيني فيها من الخلف، فيبلغ مشتهاه وأنا “نائمة”- فأريحُ وأستريح!

7

أجلسُ في كل صباح لوحدي، في الخامسة صباحًا، وأسأل الشمس بصمت عن رحلتها الطويلة. أنظر إلى الباص الذي يقودُه زوجي في رحلاته الكثيرة وأودّ لو أسأله عن الأماكن التي زارَها وعن الناس الذين رقصُوا وغنّوا على مقاعدِهِ ليومٍ كاملٍ. حتى أبنائي الذين أحبُّهم أقلّوا من زياراتهم وهُم لاهون عني بزوجاتهم وأحفادي الذين أنتظرُهم بفارغ صبرٍ.

ومنذ أن وُلد أحفادي وكل أبنائي وزوجاتهم يغيبون في رحلات طويلة، لا يشبعون منها، وأنا أنتظرهم دائمًا ليعودوا إليّ بخِمار شتوي أو بقطعةِ قماش أخيّطها على ذوقي. أبنائي أشبه ما يكونون بالرحّالة، يحبّون الرحلاتِ أكثرَ من أيّ شيءٍ آخرَ. فهكذا علّمتُهم وهم صغار: لا تفوّتوا رحلةً في حيواتِكم، ولا تفوّتوا فرصةً للسّفر مهما حييتم. اسمعوا مني، فأنا أمّكم وأعرف أكثرَ منكم في الرحلات!

صرتُ أرحلُ كيفما أريدُ وأينما أريدُ، وأنا جالسةٌ في مقابل القنواتِ الكثيرةِ حتى صرتُ أكرهُ الرحلاتِ الحقيقيةَ والباصَ وزوجي، وصرتُ أقلِل من الخروج إلى الشرفةِ أو مبارحةِ مكاني في الصالة. بعد أن أنهكني المرضُ وداءُ المفاصل، موّل لي التأمين الوطني مساعِدةً تأتي لتعينَني على مهمّاتي الحياتيةِ ولترتبَ المنزلَ المُقفرَ. فـ “قريد العشّ” قرّرَ السكنَ في المدينة، حيث يسكن أخُوه الكبير، “ففرصُ العمل هناك أكثرَ”.

صرتُ أجلسُ ساعاتٍ وساعاتٍ، أسافرُ في أيةِ رحلةٍ أريدُ، وفي أيّ باص أختارُ، وعبرَ أيّ مسلسلٍ أرتئيه. ومع أنّ نظري خفّ كثيرًا وسمعي أكثرَ، إلا أنني ظللتُ قادرةً على التمييز بين الصُور والأحاديثِ وأطيافِ الأماكنِ التي أراها على الشاشة.

وهكذا سمعتُ صوتَه من الداخلِ يصيحُ: “إلحقيني، إلحقيني، عَم بموت!!” إلا أنني لم ألحقه ولم أفعلْ شيئًا. ماذا يريدُني أن أفعل؟ ثم إنّ نداءاته خفّتِ الآن، ثم توقفتْ تمامًا. أعتقد أنه نامَ الآن. فلينمْ، ماذا يريدُ مني أن أفعلَ؟ فلينتظرْ. فأنا الآن في رحلة وعليه أن ينتظر ريثما أعود.

كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، واتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

 لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلا ميّتا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له:

قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


*من المجموعة القصصيّة “الطلبيّة C345″، منشورات المتوسّط، ميلانو، 2018.

 

ما إن لمح صديقة القادم من الوطن في صالة الاستقبال في المطار، حتى بادره سائلاً إياه:

* هل أحضرت الأمانة؟

مد صديقه يده إلى حقيبة معلقة على كتفه ثم قال وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:

* لقد دوختني بمكالماتك وقولك: “أحضر لي حفنة تراب.” ألم يغترب أحد غيرك يا رجل؟!

ثم أخرج من حقيبته كيسا مليئا بالتراب.

نظر بوجه يخلو من أي مشاعر إلى صديقه الذي قدم لتوه من الوطن، تناول كيس التراب ثم توجه صامتاً إلى القطار.

بقي صامتاً في القطار أيضا، لم يكن يسمع قرقعة عجلات القطار على السكة ولا ضحكات مجموعة من الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزينة بالزمام أو فتيانا يتصايحون فرحا بنصر فريق كرة يؤيدونه. كان يمعن النظر إلى الكيس المليء بالتراب بين يديه.

كان الذين يمرون بقربه على عجل وينظرون إليه، يتخيلونه سكران أو نائما. حتى عندما طلب منه مفتش القطار تذكرة الركوب، أخرج تذكرته من جيبه ورفعها في وجه المفتش دون أن يرفع بصره عن كيس التراب، زم المفتش شفتيه وتغيرت ملامحه وهو يعيد تذكرته إلى يده التي كانت ما تزال معلقة في الهواء.

ثلاثة أعوام مرت وهو بعيد عن وطنه. وفي البلاد الجديدة التي لم تكن لتصبح وطنه صادف مصاعب شتى. قضى سنة بكاملها في سكن للاجئين، وسكن في السنتين الأخريين في منزل أشبه بالكوخ الحقير. لم تسنح له فرصة تعلم لغة البلاد التي وفد إليها، ولم يتمكن من عقد صداقة مع أحد ولم يستطع تأمين عمل يناسبه.

كانت الأيام تمر ثقيلة عليه في تلك المدينة التي لم تكن لتفتح أبوابها له. كان سيجن لو لم يمتلك الهاتف الجوال. ومع أن هاتفه لم يكن يرن إلا نادرا فقد كان يسليه، إذ كان يطلب أرقاما لا يعرف أصحابها ويسارع بالاعتذار قائلا: عفوا لقد أخطأت الرقم! كان يسمع مرات كثيرة أصواتا عنيفة غاضبة تقول: لا تخطئ مرة أخرى! لكنه لم يقلع عن تلك اللعبة لحاجته إلى سماع صوت آدمي والتحدث ولو لثوان قليلة.

كانت دائرة الخدمات الاجتماعية في البلدة تضغط عليه كثيرا ليعمل، لكنه وضع تعلم اللغة نصب عينيه هدفاً أساسياً، ولكن لم يكن هناك أحد ليساعده في تحقيق هدفه ذاك، إلى أن انخرط ذات يوم في البكاء عند موظف الخدمات الاجتماعية الذي يشبه كرة ذات عينين زرقاوين ولسان ألثغ! قال وهو يجهش بالبكاء:

* أرجوك امنحني فرصة تعلم اللغة قبل العمل!!

دخل دورة اللغة لمدة ثلاثة أشهر لم يتعلم خلالها سوى ” أنا فلان، من البلد الفلاني” وبضع جمل للمداولة اليومية.

انهمرت الرسائل القادمة من دائرة الخدمات الاجتماعية مرة أخرى على صندوق بريده البارد الصامت الذي لم يكن ليجد فيه سوى تلك الرسائل الرسمية الجافة الخالية من أي عاطفة!

اضطر لتوزيع الإعلانات، فكان يمشي لساعات في تلك الشوارع الموحشة مثل القبور ليوزع إعلانات للمطاعم والحلاقين وحتى بنات الهوى وكذلك جرائد الإعلانات التي توزع أيام السبت والأربعاء. اسودت أظافر قدميه حتى سقطت. كانت الكلاب في كثير من الصباحات تخيفه بعوائها إذ يقترب من أبواب المنازل ليدس الإعلانات في شقوقها. كان يحس بطعم المرارة في حلقه ثم يكمل مشواره.

ليست الكلاب وحدها، بل أصحاب الكلاب أيضا كانوا يزجرونه قائلين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إليه أو الرد على تحيته الصباحية:

* لا ترم هذه الأوساخ في صناديق بريدنا!!

ثم يستقلون سياراتهم ويمضون.

كان يطأطئ رأسه مضطراً وهو يبلع ريقه ثم يغادر صامتا إلى صندوق آخر.

* * *

توقف القطار في المحطة التي تسبق محطة بلدته، نزل بعض الركاب و صعد آخرون، كانت مجموعة الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزممة ما زلن يضحكن لكن قطيع مشجعي الفريق الذي ربح مباراته الأخيرة نزل من القطار وأفراده يرفعون علب البيرة في الهواء.

نظر إلى تلك الفتيات نظرة خاطفة، ثم عاد إلى التحديق في كيس التراب وشد عليه قبضته كمن يخاف اختطافه، وهدر القطار من جديد.

كان يشعر بالوحدة أنى ذهب. في القطارات، في المطاعم، في الاحتفالات التي يقيمها الناس في الشوارع، في المتاجر الكبرى. ما كان يجرؤ على النظر في وجوه الناس. كان يخشى أن يتحدث إليه أحدهم بتلك اللغة التي لا يتعلمها، فلا يرد على الناس ويتظاهر بأنه لا يسمع.

ولأنه لم يكن يتحدث بلغته أيضاً، فقد خاف من أن يصيبه الخرس وأصبح يتحدث إلى البسط والنوافذ، وإلى الغيوم والصلبان المنتصبة فوق أبراج الكنائس. حتى أنه بدأ يتحدث إلى المانيكانات التي تزين واجهات المحلات أيضاً.

عندما وصل إلى البيت، فتح الباب وهمس بصوت خفيض للتراب الصامت بين يديه في قعر الكيس:

* تفضل ادخل!

وما إن اجتاز العتبة حتى قال:

* اعذرني لأنني أتيت بك إلى هذه الغربة ولكن كان يجب عليك الحضور!!

توجه في بداية الأمر إلى غرفة نومه ووضع كيس التراب عند وسادته التي ينام عليها، لكنه استدرك قائلاً:

* لا. ليس هذا محلك!

دخل إلى الصالون ووضع الكيس هناك. لم يعجبه المكان وأخذته الحيرة فأخذ يتنقل به من زاوية إلى أخرى في شقته الصغيرة إلى أن استقر به المقام في الحمام، فسكب ما بداخل الكيس من تراب على الأرض الباردة الرطبة. ارتفعت كومة من التراب المتعب الجاف الصامت الذي شهد آثار خطواته آلاف المرات، على أرض الحمام. كاد يسمع أنين التراب إذ ينسكب ذرة ذرة على تلك الأرض الغريبة.

تضاعفت دقات قلبه واغرورقت عيناه بالدموع. نظر إلى كومة التراب ملياً ثم قال بصوت مرتجف:

* ها أنذا يا تراب وطني أشم منك رائحة الخراب.

سكب جرعات كبيرة من البيرة في جوفه ثم واصل التحدث قائلاً:

“مضت علي ثلاث سنوات وأنا بعيد عنك، اعذرني إن كنت نسيت اللغة التي كنت أحاورك بها. اعذرني إن خاطبتك في هذه الليلة الموحشة بعدم احترام. هل تذكر عندما حاصر البوليس منزلنا ثم اقتحموا غرفتي؟ أتذكر عندما حطموا قلمي وأحرقوا أوراقي التي سطرت عليها أشعارا تحكي حبي لك، أمام عيني وعينيك؟ أتذكر حينما صادروا كتبي ووضعوها مثل أرانب خائفة في أكياس قذرة؟ لقد قيدوا يدي أمام عينيك – إن كانت لك أعين – وأخرجوني وهم يركلونني ليرموني مثل كيس تبن في سيارة جيب لونها كان يحاكي لونك؟ لقد بقيت وقتها، أيها التراب، صامتا تلعق أحذية قوات الأمن دون أن تشعر بآلام معصمي المقيدين!! وعندما عدت بعد أسبوع في السيارة ذاتها، كنت أنظر من خلال زجاج النافذة إليك، كاد قلبي يتفطر وأنا أرى عجلات سيارة الأمن تزني بك!!

كنت أنت الشاهد الصامت للفجيعة حينما كانت أحذية المخابرات ترسم نقوشا متوحشة عليك وأنت في صمتك ونومك الترابي!!

هل تذكر حين طحن العشق قلبي ذات خريف؟

نعم، بدون شك ما زلت تذكر عندما كانت حبيبتي تحث الخطى كل ظهيرة فوقك لتأتي إلى غرفتي وتضع يديها على عيني المنتظرتين وهي تسأل ضاحكة: من أنا؟ كنت أتغابى فأتحسس بيدي يديها اللتين تشبهان حمامتين أليفتين ثم أرفع أصابعي إلى شفتيها المكتنزتين الدافئتين وأنزل بها إلى نهديها التفاحيين و فخذها اﻟ … وأقول: أنت جنية!!

كنا نتقلب كغمامتين ثائرتين تلهو بهما رياح مجنونة.

كانت حبيبتي تنسج بخطواتها كل ظهيرة بساط الأكاذيب، وكنت أنت على علم بالفخاخ التي تنصبها أمامي، لكنك لم تهمس ولو لمرة واحدة في أذني: حذار من أن تتعثر قدمك بالفخاخ! لم تقل لي ولو مرة واحدة: يا مجنون! لا تثق بالسراب، سيموت قلبك عطشا!! لم تقل لي: لتنته هذه اللعبة، قلبك يتعرض للطحن!!

كنا صديقين أيها التراب. كتبت فيك أروع الأشعار. كنت أشمك بكل ما في رئتي من قوة. كنت أبقي على غبارك الملتصق برموش عيني و ثيابي أسابيع و أياما ولا أنفضه عنها!!

كنت أقول: هذا غبار مقدس، غبار التراب، التراب الذي يغفو أمام باب الدار، التراب الذي يحتضن طفولتي المخنوقة وشبابي الضائع”.

احمرت عيناه رويدا رويدا، وأصبحت علب البيرة المرصوفة على رف المرآة تفرغ علبة إثر علبة، لكنه استمر في التحديق بكومة التراب المنسكبة على أرض الحمام العارية الصامتة وهو يقول:

“أصبحت تائها شريدا. حملت قلبي المحطم وطفت به في كل الأماكن دون أن أجد أحدا يلملم شظاياه. كنت تراني عشرات المرات في حيرتي – إن كانت لك أعين – لكنك كنت تبقى في صمتك الأزلي.

أما كان عليك أن تصبح أمام حزن خطواتي جنونا من غبار فتتطاير في سماء تلك المدينة المجرمة لتخبر الجميع بما يعانيه هذا القلب من آلام؟ أما كان عليك أن تخبرني بكل الفخاخ المنصوبة أمام قلبي؟ أنا الذي كنت أراك أما لي بل أكثر من أم؟

أحرقت منزلي وكتبي قهرا من حياتي البائسة وأوشكت على إحراق نفسي بينما كنت تنظر إلي صامتا، وربما كنت تقول في سرك وأنت تضحك: لقد جن الولد!!

كنت أرى معنى حياتي في حمايتك وحبك، وعندما أسمع كلمة سوء بحقك كنت أجن وأكاد أخفيك في عيني وأذود عنك بنور بصري. كنت مستعدا لبذل دمي فداء لك، ولكن أنت!! آآآآآه. بم أخبرك الليلة؟!

قل لي ما الذي فعلته لأجلي عندما ضاقت بي الأرض وسحقت طواحين الأمل قلبي لتجعله طحينا مشتعلا؟ ما الذي فعلته لأجلي عندما كنت تراني بائسا حزينا جائعا!! كنت أبكي لأجلك ولم أسمح حتى للريح بخطفك من أمام باب الدار، لم أذق للنوم طعما حتى أمنع لصوص التراب من نفيك إلى أرض المجهول!! قل لي – إن كان لك لسان – ما الذي فعلته لأجلي عندما هربت إلى هذه البلاد التي لا تصبح بلادي؟!

كنت تنظر إلي – إن كانت لك أعين – وتراني أروح وأجيء باحثا عن ذاتي التائهة، وعن حياة هادئة وحب صاف، لكنك لم تصبح وطنا لتلك الحياة ولا لذلك الحب!!

كنت تبقى صامتا، كما أنت الآن على هذه الأرض الباردة العارية وفي هذه الليلة الخرساء!! فلا تقل لي بعد: لم أتيت بي إلى هذه الغربة؟!

إنك أنت الذي دفعت بي إلى كل هذا الخراب، أنت من نفيتني. إنه ذنبك أيها التراب، ذنبك أنت. فلا تظنن أنني سأضعك بجانب رأسي على الوسادة لأشمك كل صباح وأقول: ياااه! تفوح من ذراتك رائحة الجنة!!

لا. لا أبداً. لكنني ﺴ…………. “

فجأة عمد إلى أزرار بنطاله وأخذ يحررها عن عراويها بسرعة، ثم بدأ يتبول على حفنة التراب المتكومة كأنين صامت على أرض الحمام الباردة الرطبة.