مشروع القصة القصيرة

search

 فتحتُ عينيّ على العالم في مدينة بطفولة هامدة. فتحتُ عينيّ في ساحة المعركة. لم يخبرني أحد من هم الجنود، أو ما الاحتلال.

نشأت على فكرة أن الشاذ هو الطبيعي، وأن الأشخاص الذين يثيرون الخوف متى وأينما  ذهبوا، ليسوا منا.

عندما فتحت عيني على العالم، ظننت أن الشبان والمراهقين الفارّين من الجنود، كانوا يلعبون لعبة الغميضة أو يمارسون هوايتهم في لعب الغميضة.

كنت مخطئا.

مع مضيّ الأيام والأسابيع والشهور وربما الأعوام، صرتُ أدرك بأن هؤلاء الرجال المسلحين هم العدو، الاحتلال، وأولئك الذين يسعون فقط إلى القتل.

المرة الأولى التي كنت فيها قريبًا جدًا منهم وأنا رفقة والدتي نسير في الشارع الرئيسي في الطريق إلى السوق. كنت أبلغ الثالثة من عمري.

قدمت المركبات من بعيد وأخذ الناس يركضون.

فجأة شدّتني والدتي إليها، حملتني وضمتني بينما كانت تنظر إلى مركبات الجيب العسكرية الثلاث أثناء مرورها.

أحسستُ بنبض قلبها وهي تعانقني. عندما سرحتني، شعرت بِسَيلٍ من الراحة في أطرافي تبعته فورةٌ من الارتباك.

في تلك اللحظة، أدركتُ أن هناك خطأ ما. من بعدها، لم تصطحبني إلى السوق معها أبدًا.

كان اسم أول لعبة مع أترابي في الحارة “يهود وعرب”. في المرات الأولى، لم أمانع فكرة أن أكون يهوديًا، وهو ما يعني في اللعبة “الجيش”.

اجتمعنا يومًا في الحارة لنلعب اللعبة ذاتها وكنت في الرابعة من عمري، ولأني كنتُ الأصغر سنًا في المجموعة، اتخذوا قرار أن أكون “الجيش”.

– “كلا”. قلت، “أريد أن أكون عربيًا”.

– “لا، نحن العرب، أنت اليهودي، وأنت معهم”، أشار أحد الأطفال الأكبر سنًا نحو المجموعة.

لم أكن سعيدًا بذلك، وأجبت:

– “لا أريد أن أكون الشّرير. لن أكون جنديًا”.

شعرت بالغضب وحِدتُ بعيدًا، ثم جلست على إحدى الكتل الأسمنتية جوار جدار جيراننا أرقبهم يلعبون. كان العرب يرشقون “اليهود” بالحجارة ويسبّونهم، فيما الصّبية يلعبون دور الجنود ويحاكون إطلاق النار عليهم مصدرين أصواتًا من شفاههم. بعد أن فرغنا من اللعب، اعتدنا على إنشاء نقطة تفتيش بنيناها من الصخور وأغصان الشّجر، الأمر الذي أجبر المركبات على الإبطاء فيما نحن نمسك الهراوات الخشبية، ونحاكي البنادق.

 عاملنا السائقون على نحو مختلف. بعضهم مدحنا بقوله “أبطال” مضفيًا بهجةً بإظهار بطاقته لنا. أحيانا، كان الأمر ينتهي بنا مع متطرفين يأخذون في شتمنا من بعيد، ثم يعلنون عن نهاية اللعبة.

كلّ حركة، كلمة، وكلّ لعبة تشي بضيقِ طفولتنا وسحرها في غزة. سرقوا طفولتي، أمام عينيّ، فيما ظننتُ أنّ هذا هو الأمر الطبيعيّ.

وقعت عيناي، يومًا، على جريدة ألقاها أحدهم في الشارع. لطالما امتلكت شغف النظر إلى الصور في الجرائد. تحركت نحوها بتؤدة وقدماي العاريتان كساهما الغبار من أثر الرّكض والمشي في الشارع، رفعتها وأخذتها إلى ناصية الشارع، عند مدخل منزلنا. أخذت أقلب صفحات الجريدة، صفحة تلو الأخرى، محاكيًا أبي وهو يقرأ الجريدة، لكني كنت أبحلق في الصور فقط. فجأة، ثبتت عيناي على صفحة تطفح صورًا. كانت صورًا ملونة. صور نساء يبكين وجثث ودماء وأطفال قتلى وجنود مسلحين.

وجدتُني أركع، أدنو من الجريدة أكثر، أحشّفُ عينيّ، محاولا تفحص جثث الأطفال.

“لماذا لم يصرخوا؟” رنّ الصّوت في أذني. بعد سنوات، أدركتُ أنه لا يمكن الإنصات إلى صوت الأطفال في المجازر الكبيرة، وحدها أصوات الرصاص والبنادق تعلو.

قضيت ما يربو عن نصف ساعة في تأمل الصور. صورةً صورةً. انتابني إحساس بالغضب فجأة، وأنا أسيطر على نفسي، حملت الجريدة وذهبت إلى أختي الكبرى..

-“ارمِ تلك القمامة”، صرخت أمي من بعيد، مشيرةً إلى الجريدة. “والدك سيحضر لك غيرها غدًا”.

لم أنصت إليها، فتحت الصفحة التي كانت فيها الصور وسألت أختي الكبرى:

“من قتلهم؟”-

نظرت إليّ، ثم نظرت إلى الجريدة وقرأت قليلا، ثم ردّت قائلة: “الجيش”.

-“لماذا؟”، سألتها

صمتت لبرهة من الوقت ثم ردّت:

-“لأنهم مثلنا، فلسطينيون”.

-“وهل سيقتلوننا أيضًا؟”، سألت.

-“لا. في لبنان، صبرا وشاتيلا، حدث هذا منذ زمن”، قالت رافعةً يدها إلى مستوى وجهها بحركة رجعيّة إلى الخلف: “زماااان، زماااان”، بطريقة تبعث فيّ الطمأنينة وتبدّد مشاعر الخوف.

لعلّها شعرت بالخوف العميق في كلماتي.

منذ تلك اللحظة، لم تغادر صبرا وشاتيلا ذهني ولم أنس المجزرة. كما لا ينسى أي طفل المرة الأولى التي اعتلى فيها متن السفينة، أنا أيضًا لم أنس المرة الأولى التي التقطت فيها الجريدة واستُقبلت بهذه البداية القاسية.

منذ ذلك اليوم، زاد ارتباطي بالجرائد. في يومٍ، وجدني والدي أجمع الصحف في الشارع محاولًا تأمل الصّور فيها.

 “ارمها”، قالَ صارخًا.

-“أريد أن أرى الصّور”، أجبته.

-“حسنًا، سأحضر لك غدًا جرائد جديدة”، ردّ عليّ وأمرني بالدخول إلى المنزل.

في وقت لاحق من الأسبوع ذاته، عثرتُ على كنز. وجدته في غرفة أخي، تحت مرتبة أحد الأسرّة الكبيرة في المنزل.

كان هناك ما يقارب عشر مجلات ملونة. وكان اسم المجلة “عبير”- مجلة قومية تضمّنت صورًا ملونة عديدة لفدائيين ومطاردين، أي مقاتلين مقاومين ومطلوبين. قضيت أيامًا عديدة، أستيقظ من نومي، ألتقط مجلةً وأبحث باستمرار في الصور دون أن أتمكن من قراءة سطر واحد.

في ذلك الأسبوع، بدأ والدي بإحضار جريدة القدس بعد عمله. كان يشتريها يوميا إلى أن تقاعد. انتظرت عودته من العمل يوميًا. بمجرد أن يلوحَ في الشارع، أركض صوبه حافي القدمين ملتقطًا ما كان يحمله؛ فواكه أو خضروات، والجريدة.

كانت إحدى شقيقاتي الأكبر منّي سناً، اللواتي اعتدن القراءة، تأخذها مني، وتناولني الملاحق الثقافية والرياضية ريثما تنتهي هي من قراءة الجريدة. كان فيها صورٌ كثيرة، وخالجني شعورٌ بالرّضى. عندما عادت منظمة التحرير الفلسطينية، انضافت صحيفتان أخريان إلى صحيفة القدس، هما “الحياه” و”الأيام”، وكنّا أنا وأخواتي الثلاث الأكبر سناً نتنافس من سيقرأهما أولاً.

عندما كبرت، حاولت أن أتخيل طفولتي بدون الصحف، بدون المجلات، بدون الصور، بدون الكلمات ورائحة الورق. لولاها، لصار عالمي فوضى، ولربّما كان قد انهار. بالنسبة إلي، كانت الصحف والصور هي العالم الذي يأخذني من لعبة “يهود وعرب”. كانت صراعي اليومي لتجديد عالمي وطرح الأسئلة المؤجلة التي ما زلت أجيب عليها، إلى هذه السنّ، وقد تجاوزتُ الثلاثين.

3

نبتُّ فجأةً مثلَ شجرة. في إحدى المرّات، حلمتُ، وأنا في الخامسة من عمري، حلمًا. عادَني الحلم مرّة أخرى. تلك الليلة، نمتُ مدّة عشر دقائق. كانَ صعبًا. لم يكن الدّواء الذي وصفه لي الطبيب ناجعًا.   

المهدئات لم يكن لها مفعول عليّ في الماضي، ولن يكون لها مفعول عليّ هذه المرة. لم أتناولها في الليلة الماضية. كنت قد تعاطيتُها من قبل لأخفّف من حدّة خوفي. في الليلة السابقة، مرّ شيء في خاطري وقد أقنعني أنّ المهدّئات لا تناسبني، كان ذهني يشبه طريقًا ضيّقة مليئة بالحفريات في بلدة قديمة. كان لديّ كابوس. حلمتُ أنّني طفلٌ عادَ إلى غزّة، على رأس أحد أعلى أبراج المدينة. ركبتُ جملا فوق جملٍ أصغر، بينما عاصفةٌ قدمَت من جهة البحر. فجأةً وقعتُ وابتلعني البحر. استيقظتُ من النوم وأنا أرجف. منذ أن كدتُ أغرق في غزة وأنا في التاسعة من عمري، وأنا أخشى البحر. لماذا يلاحقني البحر؟ استيقظتُ وأنا أتساءل لماذا الآن!

بعد هذا الكابوس، لم أعد إلى النوم. عدتُ لأضع خدّي على الوسادة، بلغتُ المنضدة، وحدّقتُ في شاشة هاتفي، أقلّب الصفحات، من تطبيق إلى تطبيق، بلا غاية. المئات يتواجدون على النت. كلهم تقريبا من غزة. الساعة الآن الرابعة في غزة، وأنا هنا، في السويد. بفارق ساعة واحدة بيننا، ولكن هذه الساعة زمنٌ بين عالمين مختلفين. عثرتُ على رسالة واحدة غير مقروءة. كانت من أخي يسأل عن صحتي. سحبتُ ساقي إلى صدري، ثم بلغتُ المنضدة، ووضعت الهاتف على الطاولة برفق، ثم مددت ساقي الأخرى نحو الخزانة. كان منزلي شبيهًا بزنزانة صغيرة جميلة.

استوديو صغير يتوسطه حيّز ضيق ومزدحم. على اليمين كان المطبخ الصغير، وعلى اليسار السرير المصمم كأريكة، وفي الأمام النافذة ومنضدة ومكتبة صغيرة. نمت، درست، كتبت، أكلت وقرأت على نفس الكرسي الأريكة، والذي صادف أن يكون سريري أيضًا. لحسن الحظ، كان باب الحمام يبعد مسافة متر ونصف عن سريري الأريكة. أخبرني صديق زارني أن هذا الاستوديو الصغير أفضل من الفيلا في بلدان عديدة في العالم.

فتحت عينيّ وفجأة أغلقتهما من جديد. كانت قد تورّمتا بعد ليلة من الكوابيس، كانت قد سبقتها أربع ساعات من القراءة والكتابة. يصعب على العينين أن تنفتحا دفعة واحدة بعد كابوس مُرعبٍ أو ليلة متأخرة جميلة.

“هل علي أن أذهب إلى العمل؟” فكّرت بينما عيناي مغلقتان. لم أستطع تحديد إن كنت سأذهب أم لا. كانت السواعد والأوجه لا تزال تدور في رأسي. قلت لنفسي: “سأبقى هنا بين جدران الشقة الأربعة”. فتحت عينيّ مرة أخرى. هذه المرة، لم أنظر إلى السقف الأبيض ولكنني عدت باتجاه النافذة. كانت بي رغبة في أن أرى السماء.

هل من شمس اليوم؟ هل ستزورنا اليوم؟ سألتُ سانحًا لنَفسي سماع صَوتي.

لم نر الشمس طيلةَ أسبوعين. في هذه المدينة الشمالية، نادراً ما تأتي الشمس بعد آب. تشرق وتلقي بنورها قادمة بنسيم بارد وطقس قارس يذكر الناس بوجوده وحسب. فجأة، اتسعت عيناي. “إنها الشمس”، هذه المرة كان صوتي أعلى.

كان من الممكن أن يكون النهار جميلا. سحبت ساقي، أنزلتهما ووقفت على سريري. نظرت إلى المنضدة ووجدت بعض الكتب التي كان علي أن أعيدها إلى المكتبة. كانت لدي عادة سيئة في استعارة العديد من الكتب دفعة واحدة، بعد أن اشتري مجموعة جديدة من الكتب. ينتهي بي الأمر إلى قراءة نصف ما أشتريه ونصف ما أستعيره. علاقتي مع الكتب عزيزة. الكتب هي عائلتي وأصدقائي ورفيقات روحي. عندما يفقد الناس معنى الأسرة يتحولون إلى أشياء جديدة، أحيانًا إلى مخدرات وجريمة، وأحيانًا إلى أشياء نبيلة مثل العمل الخيري والتطوع.

التفتُ جهةَ الكتب. أمكنني التحدث إليها والتعلم منها. لم تشتك هي قط وأنا لم أتذمر. ذات مرة قال لويس بورخيس أن جميع الاختراعات البشرية هي امتداد للحواس. المجهر امتدادٌ لحاسة البصر. الهاتف امتدادٌ لحاسة السمع، المحراث ٌامتدادٌ للأسلحة والحركة. ومع ذلك، فإن الكتاب امتدادٌ لشيء غير مرئي وغير مسموع وغير ملموس. إنه امتداد للذاكرة والخيال.

لذلك، كان علي إرجاع هذه الكتب. أنهضت نفسي وأنا أنظر إلى علبة السجائر. تذكرت أنني لم أدخن طيلة يومين. اليوم قد يكون اليوم موعد استئناف عادة التدخين مرة أو مرتين. قمت بإعداد ماكينة القهوة السويدية– كانوا يطلقون عليها اسم bryggkaffe، وقمت بتشغيلها وتحولت يمينا نحو الحمام. مشيت على نحو غريب ، مشية جانبية تقريبا دافعا ساقي اليمنى أمامي كما لو كنت أختبر لوحًا خشبيًا مرتخيًا. كنت أرغب في الاستحمام، لأستمد طاقة على الرغم من علمي بأن الاستحمام الساخن سيجعل النعاس صديقي مرة أخرى. نظرت إلى المرآة. أمكنني أن أرى نفسي بشكل ضبابيّ، وجهٌ ملتحٍ بعينين متورمتين. قلت: “مزيد من الشعر الرماديّ”.

حالما غادرت الحمام، حولت سرير الأريكة أريكة فقط، ودفته إلى الحائط وأحدثت مساحة أكبر في الفيلا الصغيرة. فتحت النافذة ببطء، وأحدثت شقًا لتكوين عمود هواء. نكهة القهوة كانت تملأ الغرفة. بدأ ذهني يعمل مرة أخرى. القهوة تذكرني دائمًا باليمن. كانت اليمن أهم منتج ومصدر للبن. حتى “موكا”، ماكينة القهوة الإيطالية تحمل اسم المخا، الميناء اليمنيّ حيث كانت القهوة تُصدَّر منه. منذ أن اكتشفت ذلك، أصبحت قصتي المفضلة التي أرويها لأصدقائي الأوروبيين كلما رأيت موكا. أشعر بالفخر وأنا أحدّثهم عنها، كما لو كنت أصفع الاستعمار صفعة صغيرة على وجهه، أصحح شيئًا من التاريخ.

إنها التاسعة. علي أن أذهب، لكنني تذكرت أنه علي التخلص من القمامة. ثنيت كيس القمامة، وانتعلت حذائي وفتحت باب الزنزانة أو الاستوديو. لفح وجهي نسيم يابس. نشّطني. بعد ما يقرب خمس عشرة درجةً، كنت في الساحة خارج المبنى. في طريقي إلى الخارج ، رأيت ساعي البريد يرتدي زيّه الأخضر. “غود مورغون”، قلت. صباح الخير بالسويدية. أجاب، “غود مورغون”.

شرع في توزيع البريد في صناديق البريد الأربعة والعشرين. لا شيء ينتظرني في الأفق. لم أكن أتوقع أي شيء. فجأةً، أخرج بوسطة مختلفة، بوسطة سرية زجّها في صندوقي. توقفت وعدت بساق واحدة إلى الوراء، وقفت خلفه وابتسامة على وجهي. بمجرد أن غادر، فتحت صندوقي. أخذت الورقة وصعدت وحدّقتُ فيها. غريب. كانت ورقة تبلغني أنني تلقيت رسالة مهمة علي استلامها من مكتب البريد. وأكدوا أنه يجب عليّ الحصول على بطاقة هوية صالحة. كان ذلك غريبا. لم أكن أتوقع شيئًا. كانت نقطة مكتب البريد قريبة من منزلي، تبعد مسافة 10 دقائق فقط سيرا على الأقدام. سهّل البريد السويديّ الحياة من خلال إرسال واستقبال الرسائل البريديّة والبوسطة في الأكشاك ومحالّ التبغ. قررت الذهاب واستلامها في طريقي إلى المكتبة.

وضعت الحقيبة المليئة بالكتب وجهاز الكمبيوتر المحمول على ظهري. قبل أن أوصد الباب، غيرت رأيي. قررت ترك الحقيبة، أستلم ما في البريد والقيام ببعض المشتريات والعودة إلى المنزل ثم الذهاب إلى المكتبة. في طريقي إلى مكتب البريد  ساورني إحساس بالقلق. من يكون المرسل؟ هل كانت هدية؟ مِن مَن؟ صديق؟ حبيبة؟ العديد من الأسئلة جعلتني مشوشًا.

بدأت الشمس تستبد بالطقس، وتغيرت درجة الحرارة. كانت رائحة المطر الليلة الماضية تملأ أنفي. كان ثمة عدد قليل من الغربان وطيور أخرى كثيرة. بدأت الغربان تتبعني ما جعلني أشعر بنبض صدغيّ نبضًا ثابتا. الغربان ليست مؤشرًا جيدًا. نشأت على معرفة أن الغربان فأل شؤم أينما كانت. فجأة، سقطت ورقة رطبة صغيرة على ورقة البوسطة التي كنت  أحملها. كان كل شيء صامتًا حولي، وكانت الورقة ملتصقة بالورقة ، لكنها تتحرك كما لو كانت ترقص في حركة لولبية. ابتسمت. كنت أمام الموظف.

قلت مرحبا بالسويدية. سلمته الورقة ورخصتي القيادة للحصول على بطاقة هوية. كان صوت الماكينات عاليًا.

“تيك تيك، بيب بيب” قام بمسح الباركود الخاص بمغلف كبير. “وقع هنا من فضلك واكتب اسمك”. فعلت.  كل ما أحتاجه هو المغلف. الفضول يقتلني. “ها هو”.

إنه معي الآن. هل أذهب إلى محل البقالة أم أفتحه الآن. أعدت هويتي إلى محفظتي، ثم أعدت محفظتي إلى جيبي الأيمن. أوحى المغلف بأنه من هيئة الهجرة في السويد. كنت قد تقدمت بطلب للجنسية الشهر الماضي. قد يحتاجون إلى المزيد من الوثائق. هم بحاجة الى مزيد من الأوراق، بالتأكيد. ما أتعس حظي. قيل لي أنه يمكن للمرء الانتظار لمدة عام ليحصل على قرار، لكنني كنت بحاجة إلى شيء لا يجعلني “بلا جنسيّة”.

فتحت المغلف ووجدت وثيقة سفري الفلسطينية إلى جانب أوراق أخرى. خامرني هدوء وسكينة إلى حد ما، لكنني كنت واثقًا من أن الموظف بالداخل كان يسمع نبضي ويشعر بأنفاسي المعذّبة. على بعد مترين، أعدت جواز السفر إلى جيبي وسحبت الورقة من المغلف لقراءتها. لعلها رسالة تفسّر ما يحتاجون إليه.

فجأة تغير كل شيء. كانت عيناي مفتوحتين على آخرهما. كان فمي منفرجًا وأصبح ضباب النفس الحار قبالة وجهي أشدّ كثافة. ابتسمت. كانت ابتسامة كبيرة. إذا رآني أحدهم وأنا أحدّق في الورقة، فإنّه سينتظر ليرى ثمرة تلك الابتسامة وسبب تحديقي في تلك الورقة. كنت ما زلت أحدق فيها، فمي مفتوح وأفكاري ثقيلة.

إنها هنا مع العاصفة. مثل رقصة غريبة آتية من بعيد. صفحة عاجية تحمل شعار المملكة السويدية. الأصفر والأزرق والعقيق ألوان تزين الوثيقة. مكتوبة تُنبِئُني بواقعي الجديد. كانت بداية شيء ما. كنت أعرف أنّ بدايات أخرى كثيرة ستكون، لها نهايات أخرى كثيرة. لكن ها هي بدايتي الجديدة. كانت هناك بداية “لهم” و “لنا”. “لي” و “لهم”. لا يتناسب لون بشرتي واسمي مع جواز السفر هذا: كانت تلك أصعب بداية. ثمة لحظات تصطدم فيها السعادة والحزن بعنف، مدفوعةً برياح مجنونة تهبّ من السهوب الروسية. تلك كانت لحظة من هذه اللحظات.

كيف بدأت رحلة الطفل التاسع هرباً من الموت والحياة؟

13

كانت المعركة حامية الوطيس..

 وصفٌ كان يقرأه على الدوام في كتب التاريخ وذلك حين كان يتلو الدرس على مسامع زملائه في الصف. لكنّه لم يفكر أنه سيستخدمه يوماً كما يفعل الآن، وهو يتحدث مع صديقه لوصف تلك الليلة، حتى أنه لا يعرف معنى الوطيس، لكنه يشعر بأنّه تعبير مناسب وفقاً للحماسة التي كان يتحدث بها أستاذ التاريخ وقتها.

_”.. بدأ الاجتياح البريّ من الجهة الغربية لحي تل الهوى، فالحيّ كما تعرف مقسّم لقسمين؛ القسم الغربي، وفيه الأبراج السكنية المتلاصقة والمتسلسلة بألوانها وأسمائها، ومعروف ببرجوازيته إلى حد ما، خاصة أن معظم من سكنه هم من العاملين في السلطة الوطنية الفلسطينية التي تشكلت بعد اتفاق أوسلو، وتأسست طبقتهم البرجوازية، لكنها لم تكن صانعةً لأي ثروات من أي نوع.. بل سمعة البرجوازية ظلمت كثيرا حين وصفوا ذلك الجانب من الحي بها، وربما تطبيق المفهوم ذاته كان فيه إشكالية، فقد اعتقد كثيرون أن البرجوازي هو الغني الذي يملك مسكنه ويأكل طعاماً جيداً، وفي هذه الحال من الممكن أن نعتبر أصحاب هذا الحيّ كذلك. ولكن البرجوازية الحقيقية هي الطبقة صانعة الثروات الصغيرة من تجار وأصحاب مصانع، فهم من الكادحين أيضا، وهم من يشعلون الثورات”.

“لا أفهم لماذا عليك أن تقول كل هذه التفاصيل وكأنني من خارج البلد، وتشرح المشروح لتحكي لي عن تلك المعركة.. أو ربما تريد أن تعطي درساً في شيوعيتك المقبورة منذ زمن طويل، احكي لي القصة وخلصني.. أنا من المنطقة مثلي مثلك.. بس أنا برجوازي حقيقي وأنت برجوازي مدعي”.

“هاهاها.. بالضبط.. هذا ما أقصده، المهم أن القسم الآخر من الحي كان القسم الشرقي، والذي لم يبدأ منه الاجتياح على الرغم من أنه أقرب للحدود فالمنطقة زراعية بمعظمها، وجيش الاحتلال بدأ يتسلل من المنطقة الأضعف التي لا يتوقع منها أي مقاومة، ويبدو أنه ترك شرق الحي إلى النهاية، وفي هذا الشرق تعيش البرجوازية الحقيقية، أصحاب الأراضي والمصانع، حتى لو كان معظمها قد أقفل بسبب الحصار، وأيضا هم أصحاب الثورة، فالكثير من منازل قادة المقاومة هناك، وقد دارت ليلتها تلك المعركة في حرب 2008 و2009”.

هل توجد حرب في العالم حين تريد ذكرها يجب أن تلحقها بعامين، أو حين تكتبها تبدو وكأنك تتحدث عن العام الدراسي، فتضع “شرطة” بين الرقمين؟، في الأساس هل توجد حرب بدأت في نهاية عام وانتهت مع بداية العام الذي يليه سوى هذه الحرب؟.. تأخذه متتاليات الأسئلة والأرقام والأعوام، وكأنه يريد أن يصل لخوارزمية تشي بحدوث الحرب، وينسى أنها في حالته تُورث. يحرك النار في “الكانون” ويجمع الجمرات تحت إبريق الشاي ليسخنه للمرة الثالثة.. يشاهد في غبش أفكاره صديقه “أبو أحمد” ينظر إليه، ينتظره أن يفيق من شروده، كما انتظر قبل قليل أن تنتهي مقدماته الثورية، وهذا ما يحبه في جلساته مع “أبو أحمد”، أنه نادر ما يقاطع إسرافه في الكلام والتخيلات.

يصب الشاي ويكمل:

“تسرب الجيش إلى حي تل الهوى، واحتل الأبراج السكنية، والتي توقع الجميع أن لا أحد سيقترب منها، وقتها شعر أبناء السلطة الذين جاؤوا من تونس ولبنان بأنهم في مواجهة مباشرة مع الجيش وهذا لم يحدث منذ الثمانينات، لكن هذه المنطقة لم تكن هدف الاحتلال، بل الجانب الآخر من تل الهوى، الجانب الثوري الذي نعيش فيه. وقفتُ يومها خلف هذا الشباك أشاهد الصواريخ، وأسمع الطلقات النارية، والصراخ. هناك من خرج من الحارة باستخدام السيارات بأقصى سرعة، خاصة من يسكن على الأطراف، وهناك من علق في الوسط مثلي، ولم أستطع حتى فتح النافذة سنتيمتراً آخر، كان الظلام دامساً، فلا توجد كهرباء، كنتُ أسمع أحيانا لهاث المقاومين وهم يركضون، في الحقيقة لم أفرق بين ركض الجيش والمقاومة، لكنه لم يكن ركضاً بمعنى ما كان يحدث بالانتفاضة الأولى مثلاً بل لقد كان شيئاً أشبه بالتربص، إنها مثل لعبة إما تخرج منها حياً أو ميتاً، كما أن فيها متعة التحايل على الموت، خداعه، تقف في مواجهته لكنك تجعله يفوتك، شيء أشبه بلعبة الروليت الروسي، أن تضع رصاصة واحدة في مسدس، ثم تقوم بتدوير الاسطوانة، التي يمكن أن تحمل ست رصاصات، عدة مرات ثم تضغط على الزناد بمجرد أن تتوقف، ودون أن تنظر إذا كانت الرصاصة الوحيدة ستصيبك أم لا، هكذا كانت تلك المطاردة، وهكذا كان الاشتباك يومها”.

“الغريب أنه مرت على الحرب عشرة أعوام، وهذه هي المرة الأولى التي تسرد لي فيها هذه التفاصيل..”

“عشرة أعوام، نعم، بالضبط مثل هذه الأيام، في هذا البرد، وقتها كان من المستحيل إشعال النار للتدفئة، ضوء واحد بحجم ذبابة كان يعني موتك المحتم.. المهم يا صديقي، بقيت في البيت أغمس زيت وزعتر، بعد أن هرّبت أبنائي وزوجتي وأمي لبيت عمي قبلها بأسبوع خلال الهدنة، كنت أعرف أنهم يريدون الانتقام من هذا الشرق، وهذا ما حدث، ولكني بقيت كي أحرس البيت، أنت تعرف كم أحب التاريخ، ربما أردت أن أكون جزءاً من المعركة، وهذا ما حدث أيضاً؛ سمعت في البداية شباباً ينادون على بعضهم البعض، لم أتعرف على أي صوت منهم، وشاهدت أشباحاً سوداء تركض في السواد، كنت أعرف شباب الحارة، لكن لا توجد علاقات وثيقة فيما بيننا تجعلني أتعرف على أحدهم من صوته، فكوّني رجل مدخن، ولا أصلي الجمعة في المسجد يجعلني منبوذا بشكل أو بآخر، كنت أخرج إلى عملي، وأعود لأحضر مباراة أو أقرأ كتاباً، كنت أريد أن أكون مدرس تاريخ ولكن مع الأسف مجموعي الجيد في القسم العلمي جعل أهلي يضغطون علي لألتحق بأي شيء قريب من الطب.. فدخلت كلية الصيدلة”.

” كأنك واقف على خشبة مسرح وبتعرّف الجمهور عليك، كم ألف مرة حكيت لي قصة التاريخ وتوجيهي والصيدلية.. شو شكلنا كبرنا وخرفنا.. روح صلي الجمعة بلكي الله رحمك وتبطل تنسى”.

“اسمع بس، أكملك شو صار يا أبو أحمد، فجأة.. شاهدت أشياء بتلمع مثل مصابيح متواترة ولكنها ليست مصابيح وكأنه لمعان زجاج، عرفت على الفور أنهم وحدة خاصة من جنود الاحتلال، ولا أدري هل أسلحتهم التي كانت تلمع أم خوذاتهم، خفق قلبي كأنه سينفجر، شعرت أن رصاصة دخلت للتو في رأسي لدرجة أن العرَق سال من خلف رقبتي وانحدر إلى ساقيّ، للموت طعم حين يقترب.. ارتعبت أن آتي بأي حركة، كانوا حتماً سيسمعونني، لم تكن هناك الكثير من المنازل حولي، فالأرض لم تعمّر كلها، خالية، وهذا ما جعلها آمنة للمقاومين وصعبة على الاحتلال لذلك تصاحبهم طائرتا هيلوكبتر، لم أشاهد في حياتي سينما، لكن هنا من هذه الفتحة رأيت ما أظنه أشدّ تشويقا لقد كان سينما الواقع.

 يعرفون وجهتهم تماماً، قصفت الطائرة أحد المنازل ثم أعقبه تبادل إطلاق نار، استمر دقائق قبل أن يعود القصف من جديد للمنزل ذاته، ثم توقف كل شيء، لم أعد أسمع المعركة، يبدو أنهم غادروا أو صعدوا بالطائرة، لا أدري.. دقائق مرت قبل أن أسمع صوت أحد شباب المقاومة ينادي لإسعافه.. كان مصاباً، يبدو أن جميع رفاقه استشهدوا لأن صوته كان وحيداً وعادة المقاومين أنهم لا يتحركون أفراداً، لم يقترب أحد من سكان بيوت الحارة المتبقيين، الرعب يكاد يخرج القلوب من أماكنها، وبالطبع لم أقترب بدوري، سمعته ينادي إلحقوني… “

“يومها كنا طالعين من البيت مثل ما إنت عارف، هربنا عند دار عمنا بالشمال”

“.. سمعت حركته على التراب.. يبدو أنه كان يتقلّب على الرمل مثل قطة دهستها سيارة، هل رأيت من قبل كيف تنازع القطة المدهوسة؟ مشهد يهز أوصالك، وهكذا لعب الخيال في رأسي، فأنا أسمع الصوت ولكني لا أراه، وما لبث أن نادى من جديد بصوت أكثر خفوتا وينكم يا عرب. كان ينزف.. استغربت من فكرة أن أحدا في نزاعه الأخير يعتقد أن العرب من الممكن أن يستجيبوا، أو هو يأس الأنفاس الأخيرة الذي يفعل أفاعيله في العقل واللغة ويعيدها إلى شعاراتها الأولى.. فكيف لواحد في نزاعه ينادي مجهولين لا يعرف مقدار استجابتهم، أتدري مثل ماذا؟ سأقرب لك الفكرة، كأن يطلق مجرم عليك النار ليلاً في السويد بالبرد القارص وتصرخ وأنت تموت وحيداً على الثلج.. وينكم يا أوروبيين؟، هل تجد عبثاً أشد من هذه العبارة التي مع كامل كونها كليشيه مبتذل، إلا أنها تجعلني أرغب بالانفجار في بالبكاء، فقد فهمت بثواني شعوره الحتمي بنفسه أنه ميت لا محالة، لم يكن درسا بالتاريخ.. كان درسا في عجز الإنسان وحبه للحياة، أقصد حبي أنا، في صباح اليوم التالي حين تأكدنا أن المنطقة آمنة، خطونا بحذر خارج عتبات منازلنا، ووجدنا الرمال امتصت كل دمائه، كان يرتدي قناعاً على وجهه وجاكيتاً أسود”.

“أوف… شو هالقصة.. قشعرت بدني.. ما إلك ذنب يا سلام.. هذا قدره… ساعته اجت”.

“قدر ماذا.. هذا الشاب كان سيكون الآن في الثلاثينات لو أنه عاش وتزوج ولأصبح ربما أباً لأولاد، إن التسليم بالموت غير المبرر يخنقني، أشعر أنه عجزٌ وليس إيماناً، وين الجيران وأهل الحارة، وشيخ المسجد.. يا أخي وين العرب؟. كل يوم حين أخطو على عتبة باب منزلي منذ عشر سنين أراه مستلقياً هناك… تخيل كم مرة كنتُ على عتبة بابي.. وكم مرة رأيته ممدداً، أعيش مع الأموات منذ تلك الليلة.. هذه المدينة كلها تعيش مع الأموات..”

“هدول ثلاثة حروب مش قلال..”

” متى الحرب بتكون قليلة؟، كل حروب العالم التي قرأت عنها وخاصة التي راح ضحيتها الملايين كلها كذب، لأنه لا يستطيع أن يكتب عن الحرب سوى من عاشها”.

” استهدى بالله.. قوم صلي الفجر بكفي حكي اليوم.. لولا الإيمان كان ما صبر شعبنا على كل هذه المعاناة والإجرام”

” ليس الإيمان بل العيش مع الأموات سر قوتنا… وتصبح على خير.. أنا بصلي الصبح في البيت”.

” آه .. نسيت أنك برجوازي مخملي..المسجد يأتيك إلى السرير.. استغفر الله العظيم .. ما بده الواحد يحكي كلام يكفره.. أعوذ بالله وأتوب إليه.. ما بيجي من وراك غير جدل حامي الوطيس”.

“الكفر الحقيقي هو إلي بصير فينا”.

تحرك “أبو أحمد” نحو مسجد الحارة… رتب سلام الفناجين، وأهال الرمال على النار ليخمدها، كان يشعر طوال جلسته أن أحداً خلفه، نظر إلى تلك البقعة، لم يتغير شيء، سوى إزاحة برميل الإسمنت المتيبس الذي كان يتمدد الشهيد إلى جانبه.. وهمس “عشر سنين يا صاحبي وإحنا جيران ولا مرة قلت لك صباح الخير”.

0

سادتي الضباط اسمي جمال أحمد، أعمل كجندي مخابرة في وحدة الاستطلاع العميق رقم 312، المقابلة للعدو الأميركي في الجنوب.

أعترف أمامكم وأنا بكامل قواي العقلية، بأني قتلت سالم حسين، عريف المخابرة في وحدتنا، سحبت مسدسي وأصبته برصاصة في رأسه، لأنه ببساطة خائن، وعقوبة الخائن هي الموت.

أنا لا أنكر هذا الأمر أبداً، ومستعد للدفاع عن فعلتي هذه مهما كانت عقوبتكم لي.

فقد حكمت عليه بالموت ونفذت قرار الحكم بنفسي وبسلاحي. ذلك أني أثناء دخولي حجرة المخابرة قبضت عليه وهو يخاطب أحد ضباط الاستخبارات في القوات الأميركية، ظهر يوم الاثنين، فلم أحتمل لسانه المملوء بالقذارة والوحول، فسحبت مسدسي العسكري، براوونغ عيار 9 ملم، وأطلقت عليه ثلاث رصاصات، صوبتهن جيداً على بدنه، حيث استقرت واحدة في جبينه، وواحدة في قلبه، وواحدة أطلقتها على خصيتيه.

 أردت أن أخصيه لأن الخائن ليس رجلاً، بل عليه ألا يموت رجلاً هكذا هي أخلاقنا نحن العرب، الشرف والأرض أولاً، من خان الشرف عليه أن يموت بلا خصيتين ومن خان الأرض عليه أن يموت بلا قبر.

سادتي الضباط أنا لم أظلمه بهذا الأمر أبداً، فقد تعذبت وفكرت كثيراً قبل أن أقدم على قتله. حتى فقدت القدرة على النوم، منذ شهرين وأنا لم أذق طعم النوم مطلقاً، حتى عقدت له محكمة بيني وبين نفسي، بل وضعت له محامياً بخيالي، ولكن في النهاية استنتجت أنه خائن، وعقوبة الخائن لا محالة هي الموت.

 أرجوكم سادتي الضباط لا تظنوا خيانة عريف المخابرة في وحدتنا غامضة، فقد دخلت عليه مساء الثلاثاء، ووجدته يتصل بالأميركان ويعطيهم إحداثيات ومواقع عسكرية كثيرة، لقد سمعته بأذني هاتين اللتين سيأكلهما الدود بعد موتي، ونظرته بعيني هاتين وهو يخون أمامي دون أن يرف له جفن على ما فعل.

إنه جاسوس ببساطة، وحين واجهته بالأمر اعترف بأنه جاسوس يعمل لصالح الأميركان، ولكنه ندم على فعلته أو خاف من الوشاية به، فطلب مني أن أطلق عليه رصاصة واحدة في رأسه، وهي رصاصة الرحمة، فسحبت مسدسي براوننغ 9 ملم وأطلقت عليه رصاصة واحدة. فسقط صريعاً.

نعم لقد كانت رصاصة واحدة في الرأس كافية لمقتله، ولا أعرف عن أمر الرصاصتين الأخريين، فلم يكن بحاجة لرصاصات أكثر كي يموت الخائن فلا عقوبة للخائن غير الموت كما تعرفون ولا أظن أن أحداً في هذا في العالم أجمع يتنكر لذلك.

سادتي الضباط الشرف أغلى ما عندنا…وأنا كما عرفتموني جندي شريف وشجاع لذا لم يحتمل شرفي العسكري أن أجد خائناً في وحدتنا وجاسوساً للأميركان ولا أنفذ فيه حكم الموت. فالأمر لم يكن غامضاً أبداً، كما شرحته لكم، لقد دخلت عليه في غرفة المخابرة ورأيته يضحك ويتكلم باللغة الإنكليزية مع ضابط أميركي، فواجهته بالأمر. إلا أنه أنكر قال أنه يتحدث مع عريف في وحدة الأشغال أسمه عادل يتمرن على الكلام بالإنكليزية مثله، فعرفت أنه يريد خداعي، وفي تلك اللحظة لم يكن سادتي الضباط مسدسي معي، ولكني نظرت إلى الجهة اليمنى من جهاز التومسن فلحظت مسدسه، ماركة براوننغ عيار 9، موضوعاً على الكرسي، وقد شعر بالخطر، وقبل أن يبادر ويتناوله، هجمت على المسدس وانتزعته عنوة منه، تراجعت خطوتين وهو باهت أمامي فأطلقت رصاصتين صوبه، واحدة أصابت قلبه والأخرى على خصيتيه، لأن الخائن ليس رجلاً!

 لا أعرف عن أمر الرصاصة التي أصابته في رأسه.

 في تلك اللحظة دخل علينا جندي المخابرة وحيد. دخل مباشرة بعد أن سمع الرصاصة التي انطلقت وشاهد الخائن صريعاً وأنا بيدي المسدس، وهو شاهد على أية حال، وأظنه قال لكم أنه دخل المكان بعد أن سمع الرصاصة ووجد العريف مقتولاً.  

لكن ما ذكره فيما بعد ليس دقيقاً، فأنا لم أكن داخل الحجرة وقتها، كنت أسير في الممر المؤدي إلى حجرة الضابط، ومررت بحجرة المخابرة بالصدفة وسمعت العريف وحيد يطلب مني الدخول، وحين دخلت رأيته يبكي ويرتجف، سألته ما به قال أنه خان وحدته العسكرية ولوث شرفه العسكري، فقد أعطى الأميركان إحداثيات مهمة كي تقوم الطائرات الأميركية بقصف القوات العراقية لقاء مبلغ من المال، وقد ندم على ذلك وقرر أن ينتحر. فسلمته مسدسي العسكري، أخذه مني بكل ثقة، وقف أمامي واضعاً المسدس في صدغه وأطلق رصاصة واحدة، وسقط صريعاً والمسدس بيده، فدخل جندي المخابرة وحيد الذي كان يدخن خارج غرفة المخابرة فوجدني هناك واقفاً من دون سلاح، وعريف المخابرة سقط صريعاً وبيده المسدس.

أنتم تعرفون سادتي الضباط أن الجندي وحيد شخص جاهل، لا يقرأ ولا يكتب، فلاح من الجنوب لا يفهم الانكليزية ولا يعرف إذا كان عريف المخابرة يتكلم مع الأميركان أم مع جندي في وحدة الأشغال مع أصدقائه، لكن هذا الأمر لا يخدعني أبداً، كنت أقف قريباً من غرفة المخابرة فسمعت أصوات غريبة ومشاجرة في الداخل بين عريف المخابرة سالم والجندي وحيد حيث كان عريف المخابرة يتسلم برقيات مجهولة المصدر على الأرجح من الأميركان، وأثناء المشاجرة انطلقت رصاصة المسدس من الجندي وحيد، وأصابت عريف المخابرة بخصيتيه، ذلك أن الجندي وحيد يتهم عريف المخابرة بقيامه بعلاقة مع زوجته عندما أرسل لها بيده مبلغاً من المال قبل شهرين، فاستغل الخائن هذا الأمر وعقد علاقة مع زوجة الجندي وحيد، وهذا ما أكده الجندي وحيد نفسه. 

أنتم تعرفون سادتي الضباط أن الجندي وحيد يكذب حينما قال أن عريف المخابرة لم يكن يتكلم مع الأميركان، وقال أنه هو الذي كان في الواجب، وكان يتكلم مع جندي يعرفه في فصيل الأشغال، وأن العريف وحيد كان نائماً، ودخلت أنا وأيقظته واتهمته بأنه أقام علاقة مع زوجتي حينما أرسلت بيده راتبي أثناء إجازته الدورية لها.

فالأمر ليس كذلك، أولاً هي ليست زوجتي إنها زوجة الجندي وحيد وهو الذي اتهمه بالخيانة، لكن فيما بعد اكتشفت أنه كان يتكلم مع الأميركان بالانجليزية وهكذا سادتي الضباط، فأنا لم أخرق القانون إنما طبقته، جزاء الخائن هو الموت، وحينما قبضت عليه وهو يخون الجندي وحيد ويتجسس لصالح الأميركان أخذ يتلعثم في بداية الأمر، ثم أنكر بصورة قاطعة، فتصور أني سأسامحه، قلت له أنا ليس لدي أي ثار معك، ولكن هنالك من سيطبق القانون عليك، فناولت الجندي وحيد مسدسي، وقلت له خذ بثأر شرفك، فهذا هو الذي لوث شرفك.

ما أن التفت العريف سالم حتى باغته الجندي وحيد برصاصة في قلبه، فتناولت المسدس من وحيد وأطلقت عليه رصاصتين واحدة وجهتها إلى خصيتيه كي يموت بلا رجولة وواحدة على صدغه ليفارق الحياة.

هذا الخائن سادتي الضباط يستاهل الموت بلا رحمة، هكذا هي قوانيننا، لم يكن بشراً، كانت قملة توجب دعسها!

 سادتي الضباط أنا جندي شريف، لا توجد ذرة غبار على شرفي، لم أفعل أي شيء في حياتي في غير موضعه. الوقت خريف، وهذا العام هو الثاني في خدمتي العسكرية، وقد أرسلتم بطلبي لسببٍ لا أعرفه.

 أنا لا أملك أي نقود، وليست لدي أية آمال، ولم أتصل أبداً بالأميركان، كل ما قالوه عني هو تشهير، افتراء، تشويه سمعة. لم أقتل عريف المخابرة سالم بسبب امرأة، والمرأة هي امرأتي وليست امرأة الجندي وحيد. فهو لم يكن هناك ولا أعرف من جلبه شاهداً. فهو لم ير أي شيء. لقد عشت سادتي الضباط إهانة مُطوَّلة، لقد خانتني زوجتي ولوثت شرفي بينما أنا هنا أدافع عن شرف الوطن. فاستحقت القتل.

 أما عريف المخابرة فأنا لا أعرف من قتله، ربما الجندي وحيد، بسبب خيانة أحدهما وعمله كجاسوس لدى الأميركان.

 أشياء كثيرة مرت علي لا أعرف معناها ولا أدري ما سببها. لقد عذبني عريف المخابرة طويلاً، قال لي من أجل أن تكون جندي مخابرة يجب أن يكون لك صوت خال من النشاز، يجب أن تفتح فمك وتنفخ من رئتيك كما لو كنت تغني، ليس من الضروري أن تحكي لكن عليك أن تعرف ماذا تحكي.

لقد هددني سادتي الضباط لأني لم أتقن عملي، قال لي أنه سيقتلني وسوف يرقص على جثتي القذرة، لقد كان يصرخ حينما أخطأ بنقل الرسائل مع الضباط، يبصق علي، يرفسني في بطني.

أنا جندي مسكين سادتي الضباط لم أنم منذ شهرين، من بدء الهجوم الأميركي علينا وحتى اليوم، لقد تحالف الجميع ضدي:

الزمن، القدر، الأميركان، عريف المخابرة وزوجتي.

19

“بل قل يا سيدي، إنها تنوي الخروج من هنا”.. صاح الشرطي الإسرائيلي الواقف، مكتوف اليدين، على بوابة مندلباوم، عندما أخبرته بأننا أتينا مع الوالدة التي “تنوي الدخول إلى هناك بعد أن إذِن لها بذلك”، وأشرت إلى الجهة الأردنية من البوابة.

كنّا في آخر الشتاء والشمس تطّل على الربيع.. وحيث أبقى الحطام ترابا تغطّى التراب بالخضرة، وعلى اليمين حطام وعلى اليسار حطام. وأطفال استرسلت شعورهم على سوالفهم كانوا يمرحون بين الحطام وبين الخضرة، يثيرون الدهشة في نفس الأطفال الذين جاءوا معنا يودّعون جدتهم: “صبيان وذوو ضفائر؟ كيف يكون هذا”؟. وفي الوسط ساحة رحبة من الأسفلت المعفّر، في قلب الناحية التي عرفناها باسم المصرارة. ولهذه الساحة بابان، باب “هنا” وباب “هناك” من الصفيح المحشوّ بالحجارة والمطليّ بالكلس الأبيض. كل باب يتسّع لمرور سيارة “خارجة” أو “داخلة”.

وأطلق الشرطي كلمة “الخروج” من بين أسنانه في غنّة أراد بها أن يلقّنني درسًا. فالخروج، ويريد أن يقول: من الجنّة، هو الأمر الجلل، لا الدخول “إلى هناك”! وعسكري الجمارك لم يشأ أن تفوتنا العبرة. فقال ونحن نتبادل قبلات الوداع مع الوالدة: “من يخرج من هنا لا يعود أبدا”! 

وأحسب أن مثل هذه الأفكار كان يلاحق الوالدة في أيامها الأخيرة بيننا، فحين اجتمع الأهل والأصحاب في بيتها عشيّة السفر إلى القدس، قالت: “لقد عشت حتى رأيت المعزّين بي بأم عينيّ”. وفي الصباح عندما نزلنا منحدر الزقاق إلى السيارة، التفتت وراءها ولوّحت بيدها لأشجار الزيتون ولشجرة المشمش الجافة ولعتبة الدار، وتساءلت: “عشرين سنة عشت هنا، فكم من مرة طلعت هذا الزقاق ونزلته”؟!

ولما مرت بنا السيارة على المقابر، في ضاحية المدينة، هتفت تنادي الموتى من أقربائها وأقرانها وتودع قبورهم: “كيف لم يكن من حظي أن أدفن هنا؟ ومن سيضع الزهور على قبر ابنة إبني؟” عندما “حجّت” إلى القدس في سنة 1940، قال لها عراف أنها ستموت في المدينة المقدس، فهل ستتحقق نبوءته في اخر الأمر؟

لقد بلغت الخامسة والسبعين من عمرها ولمّا تجرب ذلك الشعور الذي يقبض على حبة الكبد فيفتتها. ذلك الشعور الذي يخلّف فراغًا روحيًا وانقباضًا في الصدر، كتأنيب الضمير، شعور الحنين إلى الوطن. ولو سئلت عن معنى هذه الكلمة، “الوطن”، لاختلط الأمر عليها كما اختلطت أحرف هذه الكلمة عليها حينما التقتها في كتاب الصلاة: أهو البيت، إناء الغسيل وجرن الكبّة الذي ورثته عن أمها (لقد ضحكوا عليها حينما أرادت أن تحمل معها في سفرها إناء الغسيل العتيق هذه، وأما جرن الكبّة فلم تتجرأ على التفكير بحمله معها!)، أو هو نداء بائعة اللبن، في الصباح، على لبنها، أو رنين جرس بائع الكاز، أو سعال الزوج المصدور، وليالي زفاف أولادها، الذين خرجوا من هذه العتبة إلى بيت الزوجية واحدا وراء الآخر وتركوها وحدها!

هذه العتبة، عتبة الدار التي تلقي عليها الآن آخر نظرة، لتنطق وتشهد! كم من مرة وقفت عليها تودع عرسانها وتغني لهم وهي تشرق بدموعها “جبتك من الهيش جلبوط ما عليك الريش. وعلمتك الزقزقة والطير والتعشيش. ومن بعد ما كبرت وصار ع جناحك ريش. طرت وراح تعبي عليك بخشيش”.

ولو قيل لها أن هذا كله هو “الوطن” لما زيدت فهما. ولكنها الان، وهي تشرف على الأرض الحرام، وتنتظر الإشارة لها بالتقدم خطوة إلى أمام، تلتفت إلى ابنتها وتقول: “نفسي في جلسة أخرى على هذه العتبة”!

وأخوها الكهل، الذي جاء من القرية ليودعها، كان يهز رأسه باستمرار وعلى وجهه الألم والتعجب. هذا “الشيء” الغامض، الذي تنتحب أخته لأنها تخلفه وراءها ولا تستطيع أن تحمله معها. هو عزيز عليه وحبيب.

وقال له جارنا:

“ولكنك في نهاية الأمر ستوقع لهم على ورقة البيع، فالقانون معهم”. والتفت الشيخ القروي نحوي وقال:

“اسمع يا خالي كنا مرة نحرس المقثاة أنا وأبي وأخي الأصغر. وإذا برف من الحجل يهبط في الحقل. فاستعجل أخي يحمل بندقية الصيد كأنه الرجل، فغشي أبي من الضحك. هل تذكر كيف كان يضحك جدك، يا خالي؟ يا ولد صيد الحجل للرجال! ولكن صغيرنا كان عنيدا. فعاد إلينا بعد ساعة وفي يده، يا للعجب، طير من الحجل لا يزال على قيد الحياة. فذُهلنا. وأمّا العفريت الصغير فكان يرقص وهو يتباهى بصيده. وصاح أبي: ولكننا لم نسمع صوت الطلقة!

 فأجاب الصياد الصغير: لقد سحرت البندقية بابا.. وحلّفني بجدودي وبجدود جدودي ألا أفشي السر أمام والدنا، حتى أخبرني أنه رأى هذا الطير المسكين بين فكّي قط كبير، فظل يركض وراء القط من علّيقة إلى علّيقة وبين أعواد الذرة حتى خلّصه منه.. هيه، يا خالي، هل ينتظرون مني أن أوقّع على قسيمة بيع هذه الذكريات؟!.. ما أقصر باع قوانينهم!

**

إني أنصحك ألا تأتي بوابة مندلباوم وفي صحبتك أطفال، لا لأن البيوت المتهدمة والمقفرة هنا تستدرجهم للبحث في داخلها عن “المصباح المسحور” وعن “مغارة علاء الدين”. ولا لأن الشعور المسترسلة السوالف تضع في أفواههم أسئلة استفزازية قد توقعك في ورطة. بل لأن الشارع الذي يفضي إلى بوابة مندلباوم لا يخلو، ولو للحظة واحدة، من السيارات التي تقطعه، بسرعة أوروبية، إما قادمة “من هناك” وإما خارجة “من هنا”، وهي سيارات أمريكية أنيقة، وراكبوها من الناس الأنيقين، ذوي الياقات المنشأّة، أو القمصان الملّونة، أو البزّات العسكرية التي خيطت لتصطبغ بقطرات الويسكي لا بقطرات الدم.

هذه هي سيارات “رجال الهدنة” و”لجان المراقبة” و”هيئة الأمم” وسفراء الدول الغربية وقناصلها وحريمهم وطبّاخي حريمهم، و”باراتهم” وحسانهم، وحسان حسانهم، تقف برهة على “بابنا” ليتبادل سائقها التحية مع “شرطيّنا” – من باب الذوق والتمدّن – ثم نقطع “الأرض الحرام”، حتى تقف برهة على “بابهم” ليتبادل سائقها التحية مع شرطيّهم – ومن باب الذوق والتمدن وتبادل علب السجائر والنكات وغيرها، تقوم هنا منافسة إسرائيلية أردنية – والعكس صحيح أيضا..

وهؤلاء لا يسري عليهم قانون الموت: من خرج منها لا يعود إليها. ولا قانون الجنة: من دخلها لا يخرج منها. فحضرة المراقب يستطيع أن يتناول الطعام ظهرا في فندق فيلاديلفيا ومساءً في فندق عدن، والابتسامة المهذبة لا تفارقه في الغدو والرواح!

ولما أخذت أختي تتوسل إلى الجندي الواقف على “بابنا” أن يأذن لها بتشييع والدتها حتى الباب الأردني، قال لها الجندي: “ممنوع يا سيدتي”.

“ولكنني أرى هؤلاء الأجانب يدخلون ويخرجون كما لو كانوا في بيتهم وأعزّ”.

“كل من عليها يا سيدتي يستطيع الدخول والخروج عبر هذين البابين، إلا أهل البلاد يا سيدتي المحترمة”..

وقال الشرطي: “أرجوكم أن تبتعدوا عن الطريق، هذا طريق عام شديد الازدحام”. وقطع كلامه ليتبادل مع راكبي سيارة قادمة (هل هي “خارجة” أم “داخلة”) حديثا ضحكوا له وضحك لهم. وأما نحن فلم نفهم النكتة..

وقال عسكري الجمارك: “لكل شيء نهاية حتى لساعة الوداع”.

وخرجت من “بابنا” نحو “بابهم” امرأة عجوز تدب على عصاها، وأخذت تقطع “الأرض الحرام”، وهي تلتفت وراءها بين اللحظة والأخرى، وتلوح بيدها وتسير إلى أمام. لماذا الآن، والآن بالضبط، تتذكر ابنها الذي مات قبل ثلاثين عاما، حين سقط بين يديها من فوق “المتختة”؟ ولماذا تشعر الآن، والآن بالضبط، بتأنيب الضمير؟!

وبرز من بين الحطام، من الناحية المقابلة، عسكري فارع الطول على رأسه كوفية وعقال، استقبل المرأة، العجوز، “الداخلة”. ووقف يتحدث معها، وكانا ينظران إلى ناحيتنا.

وكنا هنا، مع أطفالنا، نلوح بأيدينا. وقد وقف أمامنا جندي فارع الطول حاسر الرأس، وهو يتحدث معنا. وكنا ننظر إلى ناحيتهم. وكان يقول لنا إنه من المستحيل التقدم خطوة أخرى إلى أمام.

ولماذا قلنا له: “كأنما هي قد قطعت الآن وادي الموت الذي لا رجعة منه. هذا هو واقع الحرب والحدود وبوابة مندلباوم. أرجوكم، أفسحوا مكانا لمرور سيارة الأمم المتحدة”!

وفجأة انفلت من بيننا جسم صغير ينبض بالحياة، ككرة قذفتها قدم لاعب ماهر صوب هدف الفريق الآخر، وراح هذا الشيء الصغير يركض إلى أمام، مخترقا ساحة “الأراضي الحرام”. ورأينا، والدهشة تعقد ألسنتنا، طفلتي الصغيرة تركض نحو جدتها وهي تنادي “تيتا، تيتا”. ها هي تخترق “الأرض الحرام”، ها هي تصل إلى جدتها، وتأخذها بين أحضانها!

ومن بعيد رأينا صاحب الكوفية والعقال يخفض رأسه نحو الأرض. وأنا نظري حاد، فرأيته يفحص الأرض بقدمه. والجندي الحاسر الرأس، الذي كان معنا، ها هو أيضا يخفض رأسه نحو الأرض وها هو يفحص الأرض! وأما الشرطي الذي كان واقفا، مكتوف اليدين على باب مكتبه، فقد دخل إلى مكتبه. وأما عسكري الجمارك فقد كان مشغولا بتفتيش جيوبه عن شيء يظهر أنه افتقده فجأة.

أي أمر عجب حدث الآن؟ طفلة تقطع “وادي الموت الذي لا رجعة منه” وترجع منه وقد نقضت “واقع الحرب والحدود وبوابة مندلباوم.

فهي طفلة جاهلة لا تدرك الفرق بين العسكري الذي يلبس الكوفية والعقال والعسكري حاسر الرأس. يا لها من طفلة ساذجة، رأت أنها لم تنتقل عبر البحور إلى بلاد أخرى، فتوهمت أنها لا تزال في بلادها. فلماذا لا تسرح وتمرح في بلادها؟ ورأت أنه على جانب يقف والدها وعلى الجانب الآخر تقف جدتها، فلماذا لا تسرح ولا تمرح بينهما كما كانت تفعل كل يوم؟ خصوصا وأنها ترى سيارات تروح وتجيء على “الأرض الحرام”، تماما كما تفعل السيارات على الشارع قرب بيتها. هنا يتكلمون العبرية وهناك يتكلمون العربية. وهي أيضا تتكلم اللغتين: مع نينا ومع سوسو!

ويظهر أن عسكري الجمارك يئس من التفتيش عن “الشيء المفقود” (لكل شيء نهاية حتى للورطة..) فقد توقف عن هذه العملية المضنية فجأة كما ابتدأها. ثم تنحنح. ثم قال للجندي كأنما يبادله العزاء: “طفلة جاهلة”..

“أرجوكم، أيها السادة، أن تبتعدوا عن الطريق لئلا يسقط طفل من أطفالكم بين عجلات السيارات التي تمر من هنا بسرعة، كما ترون”.

أفهمت لماذا نصحتك ألا تأتي بوابة مندلباوم وفي صحبتك أطفال؟ إن منطقهم بسيط غير مركب. ما أسلمه!

 

16

كانت الرمال مستلقية بهدوء، سابحة في الأشعة الحارقة، صابرة على دنو الشمس منها، ممتدة مع البصر، موحشة وصامته تنظر إلينا بطرف خفي مستتر، كانوا مستغرقين في نوم عميق كالأموات جميعهم ما عداي والزعيم، لقد سرنا على أقدامنا مسافة يوم كامل، الشمس خلّفت أثارا غائرة على الوجوه ، حفرت خطوطا عميقة، الشفاه صار لها لون الرماد والطريق مازال طويلا.

الحياة تبدو كنفق مظلم، جفت ضروع الأمهات لم يتناولن طعاما منذ الأمس، صرن هزيلات شاحبات، الجوع بدأ واضحا في العيون، لا أمل في الرجوع إلى الديار لأنه لم تعد هناك ديار، كنا تحت وطأة التعب والعطش، الجوع والرحيل، صراخ الأطفال يزداد كانوا مرعوبين وكنا في العراء، صراخهم لم يكن طبيعيا، أحسه أجراس تحذير من خطر قادم، خطر لا نراه نحن البالغين، يبكون بلا دموع، على عظمة الوجه ارتسمت ملامح ابعد ما تكون عن أطفال في أعمارهم، الجوع سلبهم الحياة، ملامحهم مقيدة بأشعة الشمس القوية وشقاء الرحلة، ضلوعهم أكثر وضوحا، مساحات من الرمال بلا شواطئ تلتحم بالأفق البعيد مع السماء، الصحراء فسيحة مكشوفة أمامنا بلا آثار سحب تمتص بعض اللهب، الجفاف اجتاح الأودية وهيمن السراب، الجدب والحرب قهرا أكثر نباتات الصحراء قدرة على تحمل العطش، الزعيم كان يتفقد في تلك الأوقات المجموعة عن قرب، كان رجلا طويلا، مهيبا، صامتا، شجاعا لا يخاف المواجهة، يحترم الكل ويقدم العون للجميع، بعد أن تفقدهم حدثهم عن الصبر، خاطبهم بحنان ورفق:

– سنأكل الآن بعدها نواصل السير.

ذهب بعد ذلك للصلاة، قرأ آيات بصوت مسموع ثم دعاء الله أن يخفف عنهم عناء الرحلة ويلطف بالأطفال وأن يرفع عن الجميع وطأة الحنين إلى الديار، يدخل في مناجاة طويلة وحزينة بصوت مسموع .

بدأنا نبحر من جديد في الرمال بمجموعة بها خمسين امرأة وعشرة أطفال وامرأة حبلى على وشك الولادة، الوقت يمر بطيئا و كأن الدقائق أبدية، سرنا مسافة طويلة حتى بلغنا قرية نائية تقف وسط الخلاء وحدها تعاند الريح وأنفاس الصحراء الجهنمية، لا تكاد تلمح من البعد، ملتحمة بالرمال تسكنها خمس أسر تقريبا، استقبلونا خارج قطا طيهم، كانوا يرتدون ثيابا وسخة مبللة بالعرق المخلوط بالرمال، بنادقهم على أكتافهم، على وجوههم الكثير من البثور كأنهم قادمين من تحت الأرض لم يكن لديهم ما يقدموه لنا، كانوا أكثر بؤسا منا، قطا طيهم من القش مدخلها قريب من الأرض ارتفاع القطيه بقامة رجل، لا يوجد مكان نرتاح فيه واصلنا المسير عبرنا مساحات أخرى من الرمال ، العراء ما زال ممتدا ، الشمس بدأت تزحف نحو مثواها الأخير لكن أشعتها مازالت كاللهب .

قال لي دليلنا:

– بعد هذا اللسان الرملي تقع الحدود لكننا أولا سنمر بقرية تريبه فهي قبل الحدود بقليل.

كنا نسير صامتين حتى صياح الأطفال هدأ، لا ضجيج سوى صوت حوافر الحمير ، قطع ذلك الهدوء صوت المرأة التي كانت تنتظر مولودا يبدو أنه الم المخاط، عسكرنا سريعا في بقعة خلاء ثم شددنا خيمة جلست داخلها ومعها بعض النسوة ، بدأت أمها بإشعال النار قالت أنهم سيحتاجون إلى الماء الساخن، لكنها بعد مسافة زمن قصير خرجت زاحفة صارخة تتبعها بعض النسوة وخيط دماء خلفها، يبدو أنها كانت تنزف، سألتهم عن زوجها قالوا أنه توفى في الهجوم الأخير الذي دفعنا لهجر الديار، العرق يتصبب منها بقوة، أحاطوا بها، كنت أقف بعيدا، أراقب علّهم يحتاجونني، كانت تقبض على ذراع أمها بقوة تستنجد كل المحيطين بنظراتها، أشارت إليّ إحداهن، ذهبتُ مسرعا:

– يجب حفر حفرة عميقة بقامة رجل ونصف تقريبا وإحضار عود غليظ بطول أطول من مقدار مدخل الحفرة.

بدأنا أنا والدليل العمل بسرعة شديدة، كان أنينها في تلك الأثناء يزداد وضوحا لكنه كان أكثر حزنا وعميقا، صاحت أحداهن:

– أسرعوا، ستموت.

بعد أن انتهينا أشارت أكبرهن سننا بربط الحبل بأحكام على منتصف العود بحيث يربط طرف الحبل الأخر بكفيّ الفتاة لنعلقها على أن يتدلى جسدها داخل الحفرة – تلك كانت هي المرة الأولى التي أرى فيها ولادة الحبل –

لم تستطع الفتاة الوقوف كانت تنزف دماء غزيرة، تلطخ ثوبها بالكثير منها، حملتها وأنزلتها داخل الحفرة بعد أن ربطت كفيها بالحبل، نزلت المرأة التي أشارت إليّ بحفر الحفرة وجلست في القاع، جردت الفتاة من ثيابها، بقية النساء تحلقن على الحافة يشددن من أزر الفتاة:

– الولادة متعسرة جدا والنزيف مستمر.

وضحت المرأة التي معها في الحفرة.

أمها كانت تنتحب بصوت عالي، ذهبت إليها تبتبتُ على رأسها:

– ستكون بخير إنشاء الله ، صلى وأطلبي لها الله.

– النزيف قتل نصف نسائنا، ستموت.

لم ادر ماذا افعل جسدي ينتفض كحمامة، الفتاة في توسلاتها، نظراتها كطفلة، طفله أيقظت كل مظاهر الشفقة عندي ، زلزلت الأعماق البعيدة، طفلة جعلني موالها احملها بيدىّ بحنان الأم الصادق بعد أن وضعت مولودها، كانت بنتا، وضعت الجسد المغسول بالدم على قطعة قماش مفروشة على الأرض داخل الخيمة، كانت لها قامة عالية وسمرة صحراوية أصيلة، مرت الدقائق كأنها قرون وددت لو استطع البقاء مع النسوة داخل الخيمة، وجعي على الفتاة كان عظيما وشفقتي سيلا جارفا، النزيف ما زال مستمرا هكذا قلن، اجتهد النسوة لإيقافه دون فائدة، كانت تنظر إلى البعيد إلى نقطة في الأفق تلوح لها بالسراب والأمل الزائف، شفتاها رغم الألم مبتسمتان كانت في الخامسة عشر من عمرها هكذا أخبرتني أمها .

الجميع كان فزعا حتى الزعيم غافله وقاره وصار يدور حول الخيمة كحجر الرحى ما عداها وكأنها في سكونها ذاك تعبر البرزخ إلى الملكوت المقدس والسكون الجسدي الخالد، ماتت بهدوء مستسلمة إلى الخلاص الإلهي، النسوة بكينها بأصوات عالية ونحيب واضعات الرمال على رؤوسهن، أنا أيضا بكيتها لكن بصمت الرجل الدارفورى الذي هدته المصائب والمحن وسلبته أرضه وموطنه جردته من داره وأخرجته من قريته. بعد مسافة طويلة من البكاء المتواصل وانشغال الأخريات بتجهيز الجثمان لاحظوا أن الفتاة المولودة ساكنة بلا حراك تحملها امرأة معمرة مكرمشة الجلد والوجه كانت طيلة سيرنا صامته ، أطلقت المرأة صرخة قوية لا تتناسب و ضآلة حجمها:

– ماتت الطفلة أيضا.

سيل الحزن جرف الجميع، الدموع نزلت بغزارة على الرمال التي امتصتها بسرعة شديدة، غطوا جثمان الأم بثوبها واضعين ابنتها على صدرها، ذهبنا بهما وسط النواح إلى مثواهما الأخير أنزلناهما بعد أن صلينا عليهما، أهلت التراب، لم استطع الوقوف بعد ذلك بركت على طرف القبر أدعو لها. غابت الشمس كليا وبدأت العتمة تتكاثف، تحجب عنا المساحات الممتدة:

– يجب أن نستأنف السير حتى نصل الحدود سريعا.

قال الدليل.

كنا نسير متقاربين محتمين ببعضنا، نتقدم ببطء، الدليل يهتدي إلى الطريق بالنجوم نحن أيضا استنجدنا بضوء القمر لمعرفة مواضع القدم ينجدنا من العتمة الموحشة، الحرب قتلت الحياة في الصحراء، الأشجار المعمرة، النباتات الشوكية التي تحتمل العطش وتقتات عليها المواشي أيام القحط، كل شيء صار إلى الفناء .

كنا نقاوم أنفاس الصحراء الحارقة ببطء السير، نسمع أصوات بعض النساء المتوجعات من هجرة الديار ومكان الميلاد. كنا جائعين كلنا الأطفال والبالغين لم نعد نحتمل، معنا القليل من المؤن، أغلب النساء لم يعدن يحتملن السير أكثر، وزعت على القافلة حفنات من التمر، نظراتهم لىّ عندما أمدهم بالتمر تترجم لغة النفوس المفجوعة، نظرات خاطفة وعابرة لكنها كافية لتترجم ما تحمله، العطش أيضا كان حاضرا .

عسكرنا وأشعلنا النيران لصنع العصيدة، النساء يعملن بصمت لقد هدهن الجوع، صوت لاهث هتك السكون ذاك منبثقا من زيل المجموعة، صوت مرتعد يطلب الزعيم، هرول في مشيته ناحية الصوت، لم يستطع ضبط خطواته المتلاحقة، هرولت خلفه، لحقت به:

– بتول !!

كانت كلمة واحدة قالتها المرأة التي كانت تقف قرب الجسد الممدد:

– هل ماتت؟

سألها الزعيم.

لم تقل لا أو نعم، علقت بصرها بالأرض، عيناها تفيضان دمعا كانت ممدده على قفاها، فاتحة عيناها على اتساعهما ، كانتا مغمورتين في بياض شامل تحدقان في الأفق البعيد أو في سراب الوصول إلى الحدود والالتحاق بمعسكر اللاجئين هناك، نظرتها غريبة حتى أن الخوف والرهبة تسللا إلى نفسي عنوة، نظرة بها الكثير من الكبرياء المفجوع والمخلّف حيث الأراضي والديار والزرع ، نظرة نحو السماء نحو أمل مفقود، كانت تقبض بيدها على حبيبات من الرمل دفناها بها، كانت لحظة مشحونة بالخوف والخشوع. بعد الدفن وضعنا على قبرها حجرا ضخما ليكون شاهدا .

جلس الزعيم على تله منخفضة يحدق في الفراغ:

– أترى يا بنى أغلب هذه المساحات الرملية كانت قرى بها مئات الأسر، كانت تفيض بالحياة.

تنهد عميقا ثم واصل:

– والآن هي جزء من الصحراء والفناء والعدم.

انسحب الزعيم بعيدا، غاب في العتمة، تتبعته جلست حيث جلس، السماء صافية والعتمة غيبت الصحراء وهدوء لا يكدر صفوه شيء ولا يسمع فيه غير صوت الإيمان بالله عز وجل كان صامتا وجلا.

بعد منتصف الليل وقبيل الفجر الأول آذن المؤذن أن قوموا لمواصلة السير عبر البرزخ حتى نبلغ النجاة .

2

1

واسيني الأعرج

هل هي مجرّد خديعة أم أكثر؟

ياه! كم كانت المسالك متعبة وكم كانت الأيّام صعبة!

ألم يكن من الأجدى المرور عبر أكثر الطرقات اختصارًا؟

لا شيء يفيد الآن. المهمّ أنّه وصل أخيرًا إلى الدّار، وعانقت عيناه هذا البحر بعد رحلة قاسية لا يتذكّر منها الشّيء الكثير، استنزفَت زمنَين من حياته.

لا شيء تغيّر. الكلّ على حاله مثلما تركتَه عندما انسحبتَ من هذه الدّنيا.

دقّ على الباب الآن، لقد انتهى كلّ شيء. دقّ.

2

حين التقيا للمرة الأولى، ذابت كلّ الفواصل والحدود. وذاب صقيعُ زمن الفراق. لكنّ الوطنَ الحلمَ بات أغنيةً حارقةً محمولة في الصّدر والرأس.

أراحَت عَينيها فوق عينيهِ وتكوّمت تقيم في جسده. كانت أجفانها ترسمه روعةً مُثلى رغم رائحة النزيف المنبعثة من أوصاله المكسوّة بملح البحار.

افتَح عينيك جيدًا. هل تراها؟ زوجتك أنتَ الآن تُسَطّر خارطة ملامحها لتتذكّر جيدًا. تنامُ جرحًا مستقيمًا بين مفاصلكَ الموشومة بندوب الحَبس. كنتَ تحبّها ولم تكن بطلاً رومانسيًا قَهَرَ قلوب غواني الحارة لكن كلّ منكما استوى في نزيف الآخر وطنًا يعيدُ ترتيب وجهه. رأيتَها للمرة الأولى وكنتَ بحارًا يمارس العيش في أقذر المواقف. لا يحمل في زاده إلا جوعًا وأحلامًا يقاوم من أجلها. يمنّي القلب بزوجة تدفئ ليلَه.

وقف يتأمّل، حين قفز البحر أمام عينيه بعظمة غير محدودة. يكتشف للمرّة الأولى هذه العوالم الزرقاء. وضع يده على الباب المُوصد الذي لم يجرؤ بعد على الدقّ عليه. إيه. بين البحر والزنزانة مسافة شبر، ومع ذلك يظلّ بعيدًا.

أتدري! لقد تسلّقتَ عقدَك الثالث، وتخاف الآن أن لا تعرفك من كانت تحب فيك رائحة الجوع والبحر وتقاسمك الحلم. ستّ سنوات تموت وتولد فيها عروشٌ بأكملها. تعود إليها من جوف غُربة أقبية السجون الباردة. ترتسم في عيونك المرتعشة الأبديّة. كيف خرجت بأوصالكَ مزروعة في جسدك. التعذيب كان وحشيًا. كان الصّبية يجرّون وراءك في المدينة بصياحهم تتقاذفك الشّوارع والمقاهي الرديئة والأزقّة الوسخة، محشور في خانة فاقدي العقول لأنّ ملامحك في الزمن هذا تلبس العريّ والخوف.

-كلّ أسئلتك المضنية تظلّ معلّقة.

هذه المرّة كنتَ جون فال جون رُدِم من أجل كسرة سرقها حين كان الجوع يحاصر الأركان الأربعة، والمَوت يضاجع آلاف الأفواه المتمردة.

ذئاب. ذئاب. ذئاب.

3

أنت تذكرهم جيدًا. كانوا ليلاً من الخنافس. ساقوك وكنت ترتدي العرق كالوحوش المسعورة. عندها حملك أصحابك صُدعًا جديدًا في الرأس ولغمًا في القلب. كنت تدرك جيدًا أنك سوف تساق إلى مكانٍ من زاره لن يعود، لأن جسدك ينزف برائحة الليل، وهم يكرهون هذا الصنف من الناس. واجهتَ البحر للمرة العشرين تطلب عملا وكان الحزن يغسل عيونك. قَبِلت على مضض مقابل فرنكات جائعة. وبعد سنوات تساقطت عليك سيول الإنذارات لأنك خرجت من دائرة الصمت تحمّل الوعي عبوّة ناسفة.

أنت مشبوه.

رأسك كان مطلوبًا بتُهمة التّشويش على راحة المدينة، وتوزيع المنشورات السرية.

حزّت القيد معصميك في اشتياق غريب. فتمزّقت أحلام طفولتك الصغيرة على أحصنة الخوف وخنافس الليل، شرطة النحس. تسلقت بك سيارة جيب تطوف كل الشوارع والأحياء الضيقة في هذه المدينة الموبوءة. شيّعك رفاقُ البحر بصمتٍ. كان الجرح في صدورهم متوغلاً حتى القلب.

أنزلوكَ قبوًا مظلمًا وزعقوا في وجهك حين أصبحتَ كُلاً مستباحًا يُباع في دور التعذيب.

-امسح من ذاكرتك زرقة البحر.

-لكن.. البحر روح مدينتي الجائعة.

-لم تعد من هنا، فلا مدينة لك.

وبدا التعنّت نابتًا على ملامحك الواسعة، فانهالَت عليكَ الأقدام من كلّ الجهات وحاصرتك السّياط. فَساحَ الدم غزيرًا من أطرافكَ المغتالة في عزّ الظهيرة. ولم تكن بطلاً أسطوريًا فحاولت عبثًا أن تمحو لونَ البحر من عينيك.

قلتَ في خاطرك:

-احذر. الألوان فيك ومنك. عندما تمّحي، تختفي أنت أيضًا معها.

تذكّرت فجأة أنك لم تكن أكثر من لون أزرق.

4

على مسافة غير بعيدة انفجر القطار بصياحٍ حادّ. وكان يُدرك جيدًا أنّ بين قطار يجيء وقطار يذهب أزمنة تناضل الموت. خرج الحلم من ذاكرته مشوّهًا مشلولاً، وتشكّلت على خارطة وجهه وجسده المرتجف فاجعة تستعيد دقائقها بآهاتها وتأوهاتها، واندمج الكلّ في شكل متداخل. صفير القطار وصياح السّجون. ليلفظ موقفًا مشحونًا بالموت والدمار ولحظات من الخوف لم يستطع مقاومتها.

كان البرد رمحًا ينام في جسدك، حن زجّوا بك إلى دائرة البحث والتعذيب. سكنت رغم الصراخ الذي صمّ أذنيك، ومارستَ صمت الثلوج، لكنّهم كانوا أقوى منك.

-شيّع نفسك في هذا القبو.

صار واحدهم في وجهك. يحمل في رأسه عيون قطّ. وجهه مخترق بثقوب الجدري. ارتعش الرعب في عينيك غزالةً تطاردها ذئبة هرمة.

تضاحكوا عندما وضعوا بالقرب من أنفك قنينة نبيذ. قلتَ:

-أنا لا أشرب إلا في المناسبات ومع الأصدقاء.

ضحك أحدهم:

-ونحن أصدقاء أيضًا.

وعندما اكتشفتَ بعَينَيك المفرغتين أن القنينة كانت فارغة، عرفتَ السرّ.

عارِيًا كفأر لم يفتح بعد عينيه، أجلسوكَ على قنينة النبيذ.

قبالتك ذَوَت امرأة.. رفيقة.. مغشى عليها كالخرقة البالية. تعلّقَت بأحدهم لكنه لم يرحمها. دفعها فسقطَت متوسّدةً أرض الصّقيع، فارتسمت بينَ فخذَيها المنفرجتين أشكالاً سرياليّة من الدّم. وأنت كالبطل المهزوم أنزلت عينيك من جسدها الممزق وأطبقتهما بعنف شديد. وحاولت عبثًا محوَ الموقف من ذاكرتك.

شتمتَ وخفتَ من أن يكونوا قد سمعوك:

-أولاد الكلبة، يعرفون جيدًا الأماكن الأكثر ألمًا وقسوةً.

أيقظكَ أحدهم ويده مضرّجةٌ بدَمها.

-كلّكم متشابهون حين يحفركم الصّمت. صديقك مات. رفيقة تسقط. وأنت تتألّم ملء حنجرتك. تعرف أنّك ستذوي بعد قليل مثلهم جميعًا. تكلّم وسنعيدك بسرعة إلى الحياة.

زنجيّ مغرّر به كانَ يأكل أوصالَك، وأشياء أخرى. الدّود ينبت في كفّيكَ وتنمو في الجسد الممزّق سكاكين.

تمتمت بكلمات ارتدّت إلى جوفك. كنتَ بين موت قريب وحياة صارت بعيدة.

-آه لو ألقاه في غابة مقفرة…

-وماذا ستفعل به.

– أنفيه من الحياة وإلى الأبد. أقتله بلا أدنى ندم. جسد المرأة مقدس، فكيف يجد لذّة في تمزيقه وتشويهه؟ لا بد أن يكون مريضًا ومهزومًا.

دوى السوط مرة أخرى على كفّيك، وحفر السكين أخدودًا عميقًا في صدرك.

-ستموت هنا إذا لم نحصل على القائمة. قلها وسنحررك منا.

– عن أي قائمة تتحدثون؟

-تلك التي في رأسك.

-لا شيء في رأسي. وهل بقي لي رأس؟

وقبل أن تنهي الجملة، التوى السوط كالثعبان على جسدك. خبأت رأسك بين يديك وتركته يأكلك قطعةً قطعةً ويتلذذ بتقطيعك.

5

كان اليوم فحمةً قاتمة حين وصلت برقية تقول:

الشوارع هذا الصباح رحلت من جذورها لكنّ المظاهرة دحرت والبحارة تراجعوا. الحاكم يتوقع إعادة الكرّة ولهذا صدرت بيانات وعلّقت إعلانات مختلفة في الأيام التي تلت. خابرا رأسه معلق في المزاد العلنيّ. كاصا، محمد الهم، سقط تحت التعذيب لأنه مارس الصمت. العربي القصير، فوجئ في البحر يوزع منشورات سرية فأطلقت عليه النار. حسين بوسفايا وُجِد ذات صباح منتفخًا عند أقدام البحر تنام في بطنه وثائق خطيرة.

كان الرفاق قد حفظوا الوصية.

تكفّلت المدينة بقذف الأخبار عبر البرقيات ومذياع الرصيف المزروع على أطراف الشارع.

وأنتَ في السجن كان هذا يحدث، وتسقط أسماء قاسَمتك سعادةَ وهولَ البحر من قائمة المغضوب عليهم.

يُروَى أنّ المظاهرة حين تفجرت مرة أخرى كانت أكثر حدة من سابقاتها.

6

تقف الآن مثل جنديّ لا تتجرأ على الدقّ.

-دقّ فقط وسترى.

تذبحك الغربة. البحر على شبر منك. تستطيع أن تشرع في ولوج  حلمك من أبوابه الواسعة. تلقي بنفسك فيه وتستحم وتلمّ ندوب نزيفك بملحه. تستطيع أن تفعل أيّ شيء بدون خوف. اقتنِع بهذا جيدًا.

أوف. لا تخف فلن تختلسك العيون. الكلاب المشرّعة للعودة إلى مدنها البعيدة. لكن أشياء كثيرة راسية في زحام الذاكرة.

كلّ شيء يبدو غريبًا في عينيه. الدار القابعة عند البحر الذي تقيأها، تآكل سقفها وحيطانها. استنزفت أملاح البحر حيطانها الخشبية، فبدأت تذوب شيئًا فشيئًا.

-من هذه الأكواخ خرج ابنُك مسلولاً من الرطوبة، يعانق خضرة الغاب. يحمل في زاده نفس البرقيات والوصايا التي تنام في دماغك الآن.

تحسس الباب بهدوء. كانت ثقيلة كحُزن الذي حفره.

-ألف مرة ومرة حدّثَتكَ نَفسُك بالفرار فتكسّرَ أنفك على البوّابة الحديديّة الخشنة. كم نامت على صدغَيك الصّفعات وشقّ السّوط ظهرك. وهدّدك الحرّاس بالقتل والتنكيل لأنّك مستباح ودمك مهدور.

7

حين أنزلوك القبوَ، وضعوك بين أربعة جدران ضيّقة تنزّ بالرطوبة، وأجبروك على تنظيف المجاري المعطّلة والمراحيض ولمّ أعقاب السجائر وعلى ظهرك تتثاءب وجبات السّوط.

-كلاب وأباء كلاب لا أكثر. من أين جاؤوا وكيف سرقوا البلاد وحوّلوها إلى ساحة سريّة للموت اليوميّ؟ من أين جاؤوا وأين كانوا قبل هذا اليوم؟

كلّ الأماني مرفوضة.

صاَدف أنّ سهوت ذات مرّة وحلمتُ حلمًا آخر بحجم القمر المدفون. فهَوَت على رأسك بندقيّة الحارس الليليّ وجرّك كالجيفة ثمّ أغلق عليك الباب في قبوك. ونِمت مرغمًا تحت وقع الضّربة الشرسة.

الحلم ممنوع.. ممنوع الحلم.

تلك هي الكلمات الوحيدة التي سمعتها. قبل أن تسقط.

كسوَتك يبست على جلدك. ست سنوات من روتين الاستنزاف ليست شيئًا بسيطًا. حلمتَ فيها حتى تعبت. وندمت بضعفٍ على أشياء أخرى.

وشوارع مدينتك المهجورة التي لازمت أوقاتك ومدّدت عليها لياليك الباردة تذكر جيدًا ملامح وجهك البحرية.

تكوّم في جسده كالحلزون المفطوم.

-أنت الآن تذوب في دمك. تعوي في بطنك براميل الماء والصابون التي شرّوها لك بالقوة لكَي تعلن عن القائمة التي في رأسك. يستكين بينَ جروحك المفتوحة حلمُك الساقط في سلّة المهملات. وحين كان الدم ينزف من كلّ أطرافك أدركتَ أنّك ستموت في هذا العفن قبل مطلع الفجر.

-وإذا متّ، ماذا سيكون؟ هل ستغيّر الأرض دورتها؟ الكلب خيرٌ منك. والقانون لن يصاب بهزيمة بعدك لأنه وُجد لحماية من أهم أكبر منك.

8

تحسّسَ الحائط من جديد. الدار أصبحت شيخًا هرما تطارده الأيام. حرثَته التجارب اليومية.

-أوف. تشجع. دق الباب. دق ولن تخسر شيئًا. وجهك الثاني خلف هذه الألواح التي أكلها سوس البحر الأعمى، سكون روعة التتويج بحجم هذه الآلام وهذه الذاكرة. دق، دق، فلن تخسر شيئًا.

طك.طك. طك.

لا تعرف كيف هوت يدك بتثاقل شديد على الباب.

فجأةً بدا لك كأنك تسمع نشيدًا بحريًا يأتي من قريب! تزحلقت عيناك إلى الضوء الذي يسكن البحر. بدا لك كأن أنغاما شعبية تتعالى، كان يردّدها أناس زُرق سكنوا البحر والقوارب.

هيلا هوب. هيلا هوب

بحر. وحياة. وحب

هذي نجوم وقمرا

راني جيتكم في عيني بشارة

با البحارة يا البحارة يا البحارة.

ساد بعدها سكونٌ كبير. شعر بحزن عميق يشوّه كل ما تبقى من ملامحه، فالزمان الأول مات ولفظ وراءه زمنًا موبوء.

-إيه. الحاج المنتفخ ربما كان يلهث في هذا الظلام ليضم إلى أسطوله قوارب الصيادين الأخيرة ويبيع جهدهم في السوق فقد تنبأ العرّاف حين قال قبل سنين:

-عندما يذهب جاك سيبقى الحاج.

لن يتوقف الرحيل.

(استدرت قليلا. تراءى لك الحلم يتسع أكثر ويتخذ شكل خارطة جديدة بشكل البحر).

كانت الشوارع الراحلة بصياحها موصدة بالجثث المشروخة في زحمة الليل. أيدي الصيادين تتشابك في شكل أقل ما يقال عنه أنه رائع. تستعيد القوارب ولون البحر والأغنية الجميلة.

حكمة قديمة كان يردّدها الجد الذي ابتلعه البحر ذات ليلة:

-النهر حلم الفقراء. البحر حلم الغرباء. والليل ذاكرة العشاق.

-أنت تحفظ هذا جيدًا وتردّده موحدًا لأنك تجمع بين الهجر والفقر. وأكثرُ خلقِ الله عشقًا للحياة.

9

طك.طك.طك.

أعدتَ الدق بسرعة أكثر. فتح الباب بهدوء تام.

سيّدي.

-…..

سيّدي. هل تريد شئيًا. نحن مثلك لا نملك شيئًا نعطيه لك، إلا بعض الدفء إذا كنتَ بردانًا وخائفًا من الرعود والأمطار؟

تحدّثت امرأة متعبة، عند عتبة الباب، أيامها منهكة، سوّستها السّنون. بين تجاعيدها القمحيّة سكنَت أزمنة تقاوم الموت. تكفّل شعاع الشمعة وفحمة الليل برسم ملامحها.

سيّدي

هي. لم تتغيّر إلا قليلا.

سقط على واجهة عينيها كوكبا متوهجًا. أشرقت على إثرها كلّ الأحلام والمدن الزرقاء.

10

حاولتَ مسح ذاكرتك عبثًا.

ثمّ فجأة فتحت عينيها. رأتك خلف اللحية الكثّة التي سرقت نور وجهك وخارج تجاعيدك الكثيرة. ضمتك بعنف وتكورت تقيم في صدرك وشمًا أخضر.. وانهارت على جسدك بحرًا وأشرعة في مهب الريح.

حين التقيا للمرة الثانية وكان كلاهما يجر قطارا من السنين المتعبة. زالت كل الفواصل والحدود. وعاد كلاهما يرتب وجه الآخر ويشكل في عينيه بحرا وخارطة الوطن الهارب.

-لن يتوقف الرحيل.

-ذاك الزمن الأول. وهذا الزمن الثاني، وسينبت الزمن الجميل.

واتسعت أجفانهم البحرية تحاول نسيان سنين الفقدان والخديعة.

-هل هي مجرد كابوس يشبه الخديعة أم أكثر؟

وربما كانت شيئا آخر. لقد سرقوا منك كل شيء. الوطن. عمرك. زوجتك. أبناؤك الذين ماتوا في غيابك. سرقوا منك إمكانية أن تحب.

عليك الآن أن تتعلّم كلّ شيء من جديد. أن تعلم قاتلك كيف يصبح إنسانا. ستقول له أن الحرب انتهت وعليك أن تتفرغ لبناء أرض أصبحت رمادًا، ورمّلها الورثاء.

الورثاء؟ احذر أن تقول هذه الكلمة. سيتهمونك بالشيوعية، الكفر، الإلحاد، القومجية، بالإيمان المدسوس، الخونجية… لا يهم. لا تقل شيئًا وعلم قاتلك فقط أن يراك إنسانًا مثله.

سمعتها تتمتم:

-ها قد عدتَ وهذا كلّ ما يهمّني. سنرمم أنفسنا مع الأيام.

أغمضت عينيك وتهاوت في دوامة بكاء مرّ لم تعرف مصدره.


* (كُتبَت القصّة عام 1977 وهي مأخوذة من المجموعة القصصيّة أسماك البر المتوحّش، دار الجمل، 2010).

1

فصل من رواية رغوة سوداء

(7)

وضع الحقيبة في الصندوق بخفّة، وانطلق يلتقيها في الجهة الأخرى، غير أنّ الجندي قبالته أشار له بالعودة وهو يتفرّس في الشاشة أمامه. تحرّك السّير في الاتجاه المعاكس فخرجت الحقيبة من الجهاز والكلّ ينظر إليها وإلى صاحبها بريبة. تحرّكتْ مجدداً وغابت في صندوق التفتيش الآلي. عبر الرجل ينتظرها في الجانب المقابل، لكنّ الجنديّ أعادها من حيث أتت مجدداً. أراد أن يسأل فوجد الجنديّ قد انشغل بالحديث إلى زميله. تقدّم قليلاً فتلقّى إشارة صارمة بالبقاء مكانه. التفت إلى زوجته فوجدها قد تجاوزت التفتيش وظلّتْ تنتظره بقلق.

كان الصّف من بعده قد استطال، وبدأتْ أصوات التململ تعلو، فما كان من الجندي إلا أن أمره بالتنحيّ جانباً ليُخضع حقيبته لتفتيش يدويّ، وأشار لمن بعده بالمرور. مرة أخرى، نظر الرجل إلى حيث تقف زوجته. كانت شاهدة على ما يجري، ترصد إذلاله في عيون المسافرين من حوله، فيما جنديان وبحذر شديد ينثران محتويات الحقيبة على الملأ، وهما يرمقانه بنظرات متشكّكة.

“تفضّل”.

استفاق داويتْ على صوت جنديّ بعد أن كان منشغلاً بما يحدث للعربيّ في المسار المجاور. خشي أن يلاقي مصيره، وهو يضع حقيبته بتردد في جهاز التفتيش الآلي، وينتصب متحفّزاً ينتظر عبورها ببطء وهو يتمعّن في ملامح رجل الأمن التي ظلّت على هدوئها. أمسك حقيبته والتفت إلى الجنديّ يترقّب قراره، فوجده يُشير لمسافر آخر بالعبور.

عاد بنظره للعربيّ. كان لا يزال على حاله، يقرض أصابعه بتوتّر وهو يرقب أغراضه تتناثر، قبل أن تأتيه الإشارة أخيراً بلَملَمتها، فيما المسافرون إلى جواره يعبرون واحداً تلو الآخر دون أن يستوقفهم الجهاز أو الجنديّ.

شعر داويتْ بالتعاطف مع الرجل. ربما لأنه يعرف تماماً طعم الإذلال، وقد جرّبه في بلده أول مرة قبل أن يعتاد عليه في مخيم إنداغابونا الذي وصله وهو يتقافز من السعادة رغم إنهاكه في رحلة هروب طويلة من “الوادي الأزرق” إلى شمال إثيوبيا.

كانت رحلة يائسة لا تحتمل سوى خاتمتين؛ إما الوصول إلى الوجهة الأخيرة، أو القتل على يد رجال الأمن. ومع هذا فقد أقدم عليها “داود” حين تساوى عنده الموت والحياة في معسكر التجنيد الإجباري. لذا حين عبر الحدود، رفقة عشرات، كان على خلافهم تماماً؛ فقد توقّف لينظر وراءه. أراد أن يستشعر حقيقة النجاة، حقيقة مفارقة الإذلال إلى الأبد. هناك خلف تلك الجبال البعيدة التي استنفدتْ طاقته وهو يتسلّق بعضها ويلتف خلف الآخر، تقع إرتريا. ليس ثمة حنين داخله على الإطلاق. كان الحنين يتساقط من روحه مع كل خطوة يخطوها في الاتجاه المقابل. كان يتطهّر بالبعد عن الوادي الأزرق، يُفرغ رصيده من القهر في محاولة العودة إلى روحه قبل أن تلتصق بها النتوءات والندوب.

“هيا.. بسرعة.. من هنا”.

على مدخل انداغابونا كانت ثمة حاجة أخرى للنجاة، هذه المرة من جنديّ إثيوبيّ يرشد القادمين بسوطه للاصطفاف بطريقة صحيحة. أخطأ السوط داود لكنه أصاب امرأة خلفه حرمتها المفاجأة فرصة الهرب بعيداً. اصطفّ الجميع بشكل حلزوني أتاح استيعاب أعداد كبيرة أمام مكتب التسجيل، بينما كان الجنديّ لا يزال يمارس متعته في تقويم الصفوف، أو بعثرتها إذا استقامتْ بمعزل عنه، ويتفنّن بساديّة في رسم انحناءاتها بسوطه الثقيل.

كان مكتب التسجيل بمثابة بوابة للمخيم المترامي الجهات. خلفه تتناثر خيام متفاوتة الأحجام غالبها مهترىء بحيث لم يعد سهلاً رؤية الشعار الأزرق المطبوع على واجهاتها يشير للمفوضية الأممية لشؤون اللاجئين.

يمر الوقت دون أن يأتي دور داود، مع الحشود الكثيفة التي تصطفّ أمامه، وبطء إجراءات مكتب التسجيل، والشمس التي تقف فوق الرؤوس مباشرة. جلس على الأرض، تشاغل برسم دوائر اعتباطية على الرمل، مرّر يده على السوار الصوفي الذي يتعاقد فيه اللونان الأبيض والأسود حول معصمه. أغمض عينيه، رأى سواداً، فتحهما فأوجعته الشمس التي كانت تنتظره عند الحدقات. وضع رأسه بين ركبتيه، رفعه، أعاده ثانية، ولم يتغيّر شيء، لا يزال بعيداً عن مكتب التسجيل.

“لا تخبرهم أنك مسلم”.

قاوم داود فضوله كي لا يلتفت لمصدر الصوت الخفيض. بقدر ما أراد أن يتابع حوار شابّين خلفه، خشي أن يمنعهما انتباهه من المواصلة. 

“منظمات الهجرة لن تلتفت لملفّك. سمعت هذا كثيراً. سيخلقون الأعذار دون إخبارك بالسبب الحقيقيّ”.

كان داود يعرف أنّ إنداغابونا مجرد مخيم استقبال، وأنّ ثمة فرصة ضئيلة لإعادة التوطين في دول أوروبية، بينما يتوزع البقية على مخيمات دائمة داخل إثيوبيا، وهذا ما جعله يتمنّى لو يشارك في الحوار، لو يستفسر أكثر، لكنّ الحديث الهامس كان علامة على سريّته. عمّ صمتٌ، وداود يخشى أن يكون الحوار مستمراً دون أن تلتقط أذناه أحرفه الواطئة.

“وما العمل؟”.

أنقذه سؤال الشاب الآخر، واستنفر حواسّه. استغلّ تعديل جلسته ليكسب بضعة سنتيمترات إلى الوراء، وظلّ متأهباً ليسمع الإجابة التي تأخرتْ قليلاً قبل أن تأتي:

“افعل مثلي. لقد تخلّصتُ من أوراقي الثبوتية، واخترتُ اسماً مسيحياً”.

قبيل الغروب، كان داود يقف أمام مكتب التسجيل، ينفض ما علق بملابسه، وهو يستمع إلى السؤال الموجّه له. أطرق يتأمل الورقة الخالية، والقلم الأزرق المصوّب عليها، رفع نظره قليلاً إلى اليد السمراء نافرة العروق، ومنها إلى الوجه الغاضب الذي ينتظر الإجابة. كرّر الموظف سؤاله بحنق، فيما ديفيد يمرّر يده من جديد على السوار الصوفيّ الذي يتعاقد فيه اللونان الأبيض والأسود، قبل أن يملأ الموظف خانة الاسم وفق ما سمعه:

“ديفيد”.

“بوه نِليخ”.

تبعت المجموعة القادمة من غوندار إشارة فتاة ترتدي بزة زرقاء وتحمل لافتة مكتوب عليها “بيتا إسرائيل” بالعبرية والأمهرية. هذه الكتلة البشرية السوداء المذهولة بدتْ قادمة من حقبة سحيقة، وأثارت اهتمام العابرين الذين توقفوا على الجانبين للفرجة، فيما أخذ بعضهم يلتقط الصور.

داويتْ كان في الوسط، يُحكم غطاء رأسه كي يحجب أكبر قدر من ملامحه. لم يتخلّص بعد من إحساسه بالانكشاف، لا يزال يشعر أنّ ملامحه تجذب الأنظار إليه، تُنادي على العابرين لتخبرهم أنّ اللصّ هنا، وبحوزته كل الأدلة على جرائمه.

سارتْ المجموعة في طريق نصف دائرية انتهتْ بباب زجاجي ما إن فُتح تلقائياً حتى تعالت الصرخاتْ وعمّ الضجيج. لم يتبيّن داويتْ ما كان يجري. ارتبكتْ المجموعة، أراد بعضهم العودة إلى الداخل، غير أنّ المنظمين أمروهم بمواصلة السير.

“لاما بأتِم؟ لاما بأتِم؟”.

اخترق صراخ فتاة بيضاء أذن داويتْ، وهي تسأل بحرقة عن سبب مجيئهم إلى إسرائيل. التفتَ إليها، فوجدها تنظر إليه بحدة، اختارته دون غيره لتصوّب عليه نظراتها الغاضبة. لم يعد يسمع صراخها، كان يتتبع عروق رقبتها الخضراء المنتفخة، وهي محقونة بالحقد. حين وصل أقرب نقطة منها، أشاح ببصره، وأسرع يتخطّاها تاركاً صراخها يحاول اللحاق به. ما إن ابتعد قليلاً التفتَ يُعاين ما يجري خلفه، فاصطدم بحقيبة وأوقعها من يد صاحبها الذي سرعان ما دفعه وهو يشتمه، قبل أن يميل على سيدة بجواره وهو يتذمّر:

“هالعبيد عبّو البلد”.

دون أن ينطق، رفع داويتْ يديه قرب رأسه معتذراً وهو يبتعد مسرعاً، قبل أن تستوقفه ملامح الرجل؛ فقد كان هو نفسه ذاك العربيّ الذي فتشه الجنود بطريقة مهينة.

حين استدار يواصل طريقه ليلحق بالمجموعة، وقع بصره على لوحة زرقاء تُنير بأحرف عبرية بارزة:

بروخيم هبائيم ليسرائيل”1.

[1]  العبارة باللغة العبريّة وتعني مرحبًا بكم في إسرائيل

5

رغم سنواتي العشر، إلا أنني كنت قادرًا على استيعاب أنّ أمرًا جللاً وقع. كانت والدتي تغلق باب غرفة نومنا في كلّ مرة يُفتح، كي لا نسمع ما يدور من همسٍ مضطرب في الصالة. لم تكن “جلسات” كهذه تتم في المنزل إلا في الأمور الجسام، ولم يكن باب غرفة الأطفال يُغلق أثناء قعدات القهوة والبابونج، بل على العكس: كان دائمًا مفتوحًا على الصالة، وكانت نساء الحيّ والعائلة يتناوبنَ على تقبيلنا في كلّ مرة ندخل ونخرج، والجملة نفسها لا تنفكّ تتردّد:

“الله يحميهن”.

يبدو أنّ أختي كانت تفهم أكثر مني، بسنواتها الاثنتي عشرة، وربما بحدسها الأنثويّ الذي بدأ يتفتح على واقع الحياة من حولنا، فكانت تنصت باهتمام عبر شقّ الباب وكان الخوف يسيطر على قسمات وجهها في كل مرة يعلو اللغط، فتهرع إلى عمق الغرفة وتجلس إلى المكتبة الصغيرة وتنهرني بحدّة:

“سوّيت وظايفك؟”

كان الهمس من حولنا يحمل من مرة إلى أخرى كلماتٍ مثل “عزارة” و”بهدلة”، إلا أنّ اللغط كان يزداد عندما يُسأل السّؤال نفسه، من مرة إلى أخرى، وبحدّة مُريبة كانت تبعث الخوف في طفولتي القلقة:

“يعني هيي لازم تحكي؟ الله يفضحها!”

كانت “العزارة” في الحارة قد انتشرت، وحتى حين لم أنجح في صدّ تسديدة الكرة صوب “مرماي” في ملعب الحارة، لم يوبّخني أحد من “الكبار” ولم يطلبوا عزلي عن مهمة حراسة المرمى كما كانوا يفعلون دائمًا. كان الانتباه مشدودًا إلى “العزارة”، وكانت الأحاديث تغلب على اللعب، حتى إنّ “رئيس الشلة” تنازل في النهاية عن لعبة “الجُول” اليومية، ليجلس إلى “الكبار” وليتحدّثوا عمّا حدث، ليس قبل أن يشعل سيجارة وينفخ دخانها بسنواته الست عشرة، ونحن “الصغار” نتحلق من حولهم، مُصرّين على سرقة ما أمكن من المعلومات والتفاصيل عن هذه “العزارة”، وكيف تبدو وما معناها.

وعندما انذهل معظم المحيطين بي من جملة “كبيرنا” الحذرة: “كان يحط إيدو…”، لم أتورّع عن الاندهاش مثلهم، مع أنّني لم أفهم ما تعني هذه الجملة. ثم صرخ الجميع مرة واحدة: “لا؟؟”، حين قال كبير الشلة وهو ينفث دخان سيجارته:

“تحت الكلسون!”

تأخر أبي تلك الليلة في العودة إلى البيت، وكانت أمي تنتظره عند “البرَنده” المُطلة على القرية، وتدخن بقلق، بينما كانت أختي تتمتم بهمس هي وابنة عمي التي اختارت أن تبيت عندنا الليلة، حيث شكّل هذا المبيت لديّ علامة أخرى على هول المصاب؛ إذ أنّنا كنا نبيت عندهم ويبيتون عندنا عندما يتوفى شخص في العائلة.

هل مات أحد؟ ولكن أين بقية أبناء وبنات عمي؟ ولماذا التمتمة تحت اللحاف؟ وأين أبي؟

عندما سمعتُ صوت الشاحنة ارتحتُ قليلا. بعد أقلّ من دقيقة كانت دعسات أبي المألوفة وهو يصعد الدرج تتضح أكثر وأكثر، ثم سمعت أمي تعود من المطبخ مصحوبة برائحة القهوة العربية الدافئة. صمتت أختي وابنة عمي وصرنا ثلاثتنا، من دون تنسيق، نحبس أنفاسنا ونحاول التقاط أية كلمة تأتي من “البرندة”- بلا نجاح يُذكر.

لا أعرف كيف انقلبت الآية، ولكن الحركة دبّت في العائلة اليوم التالي، وبدأت أشمّ رائحة “شعط” الدجاج والأرز المطبوخ ورائحة “الفقعية” والكبة، وفجأة كان عدد كبير من أطفال العائلة يتجمّع في بيت كبير العائلة، ومن حولنا رجال كُثر ونساء كثيرات. أنساني الطعام واللمة الهائلة لجميع أنواع مسدسات “الطقيع” و”الفشك” والبواريد، أيّ تفكير بأيّ أمر شغلني بشأن “العزارة”، وطفقتُ أركض مع الراكضين وألعب مع اللاعبين وأموت مع المطخوخين.

حين وقف كبير العائلة بدأت جميع النساء تنهرنا بعنف وخوف غير مسبوقيْن، حتى إنّ خالتي العصبية ضربت ابن خالي على خده كي يصمت، فتنبّهنا إلى جدية الموقف، فأنصتنا رغمًا عنا. تحدث كبير العائلة عن أمور لم أفهمها، ولكنني استطعتُ أن أفهم “عيلة وحدة” و”بسيطة”. كان جميع الرجال يهزّون رؤوسهم موافقين، وعندما انتهى كبير العائلة من خطبته تقدّم نحو أحد الرجال كنتُ أناديه وقتها “عمي”، كما كنت أنادي جميع الرجال البالغين، واحتضنه وقبّله. ومن بعده توالى جميع الرجال على احتضانه وتقبيله، وفجأة انطلقت زغرودة حامية ومن بعدها “إيويها” مجلجة، مضطربة بعض الشيء.

حلّ صمت مهيب حين تقدمتْ إحدى نساء العائلة وهي تجرّ فتاة خلتُها في عمري أو أكبر قليلا، ووقفتْ أمام “العمّ” المُحتفى به وطلبتْ منها بحزم، والاثنتان تبكيان بخوفٍ:

“بوسي عمّك!”

في الليل، وأمي تغطيني، سألتـْها أختي:

“يعني خلص؟”

تطلعتْ إليها أمي وقالت بحزم:

“تروح تتخيّب! شو هيّي أول وحده؟ بدّا تخرب العيلة؟ إوعك بحياتك تجيبي هاي السيرة أو تفتحي هيك موضوع! فاهمة؟”

تمتمتْ أختي بكلمات قدّرتُ أنها خضوع تام لمطلب أمي.

أطفأتْ أمي النور في الغرفة، ثم نظرتْ إلينا بحبّ هائل، وقالتْ بهدوء وهي تدمع:

“الله يحميكُن”.

 

0

أنينُها..

جذبني إلى المكان، كنت مرهقًا، نظام العمل الجديد كان يمتصّنا إلى آخر قطرة حياة في شراييننا ولكنّ سوء الظن بما يكون عليه الموقف، “سبب الصرخات والأنين والتوجع المكتوم”، هو الذي أعاد لي شيئًا من الحياة وجعلني أندفع نحوها كالسّهم.

كانت وحدها، تحت نخلة، أمام دكان مهجور، حولها قاذوراتها، ولو أن الظلمة حالكة في الزقاق إلا أنها كانت تحت شعاع متسلل من لمبة بالشارع العام، مضاءة بالقدر الذي جعلني أرى وجهها الأغبر وتقلص عضلاته الصغيرة واحمرار عينيها وهما تضيقان وتتسعان في آلية  مؤلمة مثيرة للإشفاق وكأنها في وحدتها وظلمتها تستشفق شياطين الظلمات، انزلقت نظرتي إلى موضع كفّيها، وكانت تضغط بهما بطناً منتفخة تحت أسمال بالية ، وعندما رأتني، صمتت فجأة وهي تحملق في وجهي بعينين ثابتتين ووجه بارد خال من أي تعبير كوجه مومياء فرعونية.. ثم قالت بكلّ براءة:

– هل تستطيع أن تولّدني..؟ الطفل سيشقّني.. سأموت اذا لم تفعل..!

قلت لها دون تفكير..

– لماذا لا تذهبين إلى المستشفى؟!

ابتسمت ابتسامة زيتية داكنة ثقيلة.

– لا أستطيع المشي، ولا املك أجرة التاكسي، أيضا لا يمكنني ان أدفع للمستشفى.. لا يوجد في الكون شيء من غير قروش.

أصدرت مواء باهتاً ثم غابت عن الوعي وهي تهذي كالسكرى. وأحترت فيما أفعل، وأنا لا املك غير خمسة جنيهات (للبص) العام للبيت، والساعة تشير الي العاشرة والنصف، بعد نصف الساعة فقط ميعاد حظر التجوال، ولأنني مرهق من جراء كنس السينما وغسلها لا أستطيع حملها على ظهري، ولو حملتها فلا يمكن ان تقبلها المستشفى ولا توجد مستشفى لله في هذا البلد.

– همس في نفسي صوتٌ لم أستطع أن أتبينه، أصوت ملاك هو أم صوت شيطان رجيم..؟

– ما لك أنت؟ ربّها الذي خلقها قادر على ان يجد لها مخرجًا.. أقدر على نفسك… نصف ساعة وحظر التجوال.. ألحق آخر بص… وغداً الصباح تعال لتجدها قد أنجبت صرصوراً كبيراً قابعاً قربها يستكشف العالم من حوله بقرني استشعاره وعينيه اللامعتين..

خطرت لي فكرة، وهي أن أحاول حملها إلى رصيف الشارع العام ربما وجدتها الدورية وتأخذها إلى الحبس وتحضر لها قابلة او طبيباً على نفقة الحكومة.

أخذنا عسسُ حظر التجوال معاً..

ربما كان الطبيب على شيء من الحق، فلقد كانت متسخة وقذرة رائحة افرازات المرض الجنسي الذي أصيبت به قوية نافذة ولا تحتمل اطلاقاً… لذا طلب الطبيب من عاملة النظافة ان تقوم بإزالة شعر عانتها، بقمله، صنانه وإفرازاته النتنة… وأن تغسل هذا الجزء جيدًا بالمياه الدافئة وصابون “الفنيك” وتضع مادة “الديتول” المطهِّرة عليه.

ثم مضى يستفرغ أمعاءه عند المغسلة لاعناً اليوم الذي درس فيه الطب وعِلم النساء والولادة.

قالت لي العاملة:

– ساعدني.. أرجوك

– قالت هي: أنا أموت

انتهرتها العاملة مغتاظة:

– موتي.. موتي أريحينا واستريحي

عندما باعدت عن ساقيها المتّسختين البنيّتين المنقطّتين بآثار الدمامل، وغابت في شبه اغماءة مستسلمة لآلام المخاض ولذة وجع الطلق.

حينما ظهرت مخالبه الأمامية، صغيرة ، بيضاء، طرية وناعمة، كنا أنا والعاملة مندهشين وغارقين في غيبوبة فنطازية لزجة موقعة في وعينا بموسيقى الرجي المتسربة إلينا من مكتب الصحة المجاور، صرير الجرذان هدير البحر، نعيق الغربان، السوداء، هفهفة شجرة النخيل الباسقة المتشامخة خلف شباك المكان، رعد مفاجئ، ثرثرة هلامية تنبعث من مسام الجدران وفراغات السُرر، قطع الاقمشة الثقيلة البيضاء، القطن الدامي المتناثر هنا وهناك.

فجأة أحسَسنا بالبرد ونحن نرى رأسه المستطيلة تعانق فراغ الحجرة، عليها شواربه السوداء الدقيقة غارقة في مخاط لزج شفيف وهلامي، قالت لي عاملة النظافة فيما بعد:

– كنت أحسّ بالأشياء تتوهج وكأنما حطّت عليها أقمار مضيئة صغيرة.

قلت:

 – امتلأت حينها بكلامٍ غريب ثقيل غير مفهوم، كان يخنقني.

بطلق أخير قفز خارجاً رشيقاً نشطاً، وكأنما نغمات موسيقى الرجي كانت توقع جريان الدم في شرايينه البكر.

أثبّتُ في أقوالي لإدارة المباحث الجنائية ان التراتيل القرآنية، هديل الحمائم، أناشيد المحبة.. ما كانت تأتي من مصدر محدد ولا يمكن أن ندّعي في إمكان أي واحد منا أن يموسق جمود الزمن.

في تلك اللحظة تساقط رطب النخلة، غرد عندليب، هوت نجمة اضاءت مشارق الدنيا، عندها فتح عينين سوداوين متفائلتين، نفض عن نفسه المخاط، بهزات عنيفة متتالية نَبَح وذلك أمر مؤكد قبل أن يقفز عبر النافذة الي الرصيف.

 

2