أوقف أبو مصطفى عربته بمحاذاة الرصيف وربّت بيد كبيرة متشقّقة على رأس الحصان ثم قصد الدكان القريبة، وابتدأ يحمل على ظهره الاكياس الملآى بالحطب، وينقلها الى العربة. وكان الحصان حانقاً دونما سبب. وقد تبدد غضبه قليلا حين عثر على قطعة من قشور البطيخ، فَمَضى يقضمها بسكينة.

وتنبه فجأة الى أن ثمة ولدًا صغيرًا يقف على مقربة منه، ويرمقه مبتسمًا. فقال الحصان لنفسه: “أنا لا أعرفه وسأرفسه إذا دنا مني. سأرفسه رفسة قوية تكسر رأسه”.

وانتهى الحصان بعد حين من مضغ قشرة البطيخ، فانتابه الاسف لانتهائها، وراح يتطلع بغيظ الى الولد وهو يقول لنفسه: “سأرفسه”.

وكان أبو مصطفى في تلك اللحظات مازال منهمكاً في نقل أكياس الحطب ووضعها على سطح العربة٠ وأحس الحصان بالتعب، فقال لنفسه متذمراً: “العدالة مفقودة”.

وكان الحصان قد ولد في المدينة، وقضى حياته كلها في طرقاتها المفروشة بالأسفلت، ولم يغادرها مطلقا. وكان يعرف أن أجداده القدامى كانوا يمرحون طلقاء عبر البراري الشاسعة حيث لا أبنية فيها ولا جدران من حجر، ولكنهم ماتوا جميعاً.

وانحنى الولد، والتقط قشرة بطّيخ كانت بمنأى عن الحصان ثم اقترب على مهل، فَهمّ الحصان بالتراجع غير أنه تريث متشجعاً. ومد الولد قشرة البطيخ نحو فم الحصان. فتردد الحصان لحظةً خاطفة ثم تلقفها دهشًا، وطفق يمضغها بغبطة، وسمح للولد بأن يربت على عنقه بيد أنيسة صغيرة.

وأتمّ أبو مصطفى نقل أكياس الحطب الى العربة. وعندما لاحظ وجود الولد قرب الحصان صاح به: “ابتعد يا قرد”.

ثم لوّح بالسوط، مطلقًا صيحةً آمرةً بالمسير، فاندفع حينئذ الحصان الى الامام، يجر العربة الثقيلة بتباطؤ.

وسارت العربة عبر طرقات عديدة، و بلغت بعد حين شارعًا عريضًا تنتصب الأبنية الحجرية على جانبيه ولم تكد العربة تتوغل حتى اعترض طريقها واحد من رجال الشّرطة، فَصَرخَ أبو مصطفى بالحصان بصوت ممطوط: “هش”.

قال الشرطي: “ألا تعرف أن مرور العربات ممنوع في هذا الشارع؟”. فقال أبو مصطفى: “أعرف”.

“ولماذا جئت اذن من هنا؟”

“الحصان.. أنظر.. الحصان تعبان جداً، واذا مررت في هذا الشارع فسأوفّر على الحصان مشيًا كثيرًا”.

فغمر الحصان حنان عارم. وقال الشرطي: “سَير العربات ممنوع في هذا الشارع. انه للسيارات وللناس الذين يسرون على أقدامهم فقط”.

قال أبو مصطفى: “أعرف”.

ولعق شفتيه بلسانه، وأردف قائلاً: “الحصان تعبان وسينقطع رزقي اذا هلك، و أموت جوعاً ويموت  أولادي.. لي أربعة أولاد”.

“ارجع. ولن أعاقبك لمخالفتك النّظام والقانون”.

“لي أربعة أولاد يأكلون حتى الحجر”.

وأطلق أبو مصطفى ضحكة قصيرة جافة وكأنّها مدية صغيرة شرسة، ثم أضاف قائلاً: “سأقول الصدق.. أنا لا أخاف على الأولاد إنّما أخاف على أمهم”.

 فقال الشرطي متسائلا بفضول: “ولماذا تخاف عليها؟”

وكانت الاشجار خضراء على جانِبَي الشّارع، وتمتدّ في الأعلى سماء رحبة زرقاء. وأجاب أبو مصطفى: “أخاف أن يأكل الأولاد أمهم إذا جاعوا. أسنانهم فظيعة”.

ومرّت سيارة تسير بسرعة كبيرة، فَنَفخ الشرطيّ في صفّارته، فَلَم تتوقف السيارة، واستطاع الشرطي أن يلمح رقم لوحتها قبل أن تنأى عن بَصَره، فسجّله على غلاف دفتره. والتفت الى أبي مصطفى محتقن الوجه غيظاً، وقال له: “هيا ارجع”.

“دعني أمرّ هذه المرة فقط”.

 فقال الشرطيّ بصرامة: “ألم تسمع ما قلت؟ ارجع”.

“مرّة واحدة فقط”.

“ارجع. القانون قانون ولا فائدة من التوسّل”.

“الحصان تعبان”.

“هيا ارجع”.

“الله يحفظك لأمّك”.

“الله لا يحفظني، أنا لم أخترع القانون. أنا أنفّذ أوامر صادرة إليّ، وأنت يجب أن تطيع هذه الاوامر”.

فلم يفه أبو مصطفى بكلمة إنما تخيل القانون مخلوقاً ضخماً له آلاف الأيدي: القانون يأمر الشّرطيّ فيطيع الشّرطيّ، ويأمر الشّرطيّ أبا مصطفى ويجب أن يطيع أبو مصطفى الأوامر.

ووقف أبو مصطفى مترددًا هنيهات، فصاح به الشّرطيّ: “ارجع. واذا لم ترجع حالا فستندم”. فاتجه أبو مصطفى نحو العربة، وكان غضب الحصان عندئذ قد بلغ الذروة، فجمع قوته كلها، واندفع جامحًا الى الامام، فبوغت الشرطي بالعربة المندفعة نحوه، وحاول أن يقفز الى الرصيف، فلم يتمكن، وصدمه الحصان، فسقط على الارض منطرحاً على ظهره، ووطأت صدره سنابك الحصان ثم مرت فوقه عجلات العربة وتخضبت بالدم الاحمر. ودهش الحصان حين رأى صاحبه لم يبتهج إنما امتلكه الذعر والوجوم ثم انطلق يركض هارباً. وبعد لحظة توافد الناس مهرولين، وتحلّقوا حول العربة، يتألق في عيونهم الخوف الممتزج بالشهوة الخفية، كأن الشرطي المسحوق ليس إلا جسد امرأة جميلة.

ولم يتفرق الناس الا عندما حضر رجال الشرطة، وبادروا الى اعتقال القاتل. وَكان القاضي عادلا، فسيق الحصان في فجر أحد الايام الى ساحة رئيسية خيل الى الحصان أنها ما تبقّى من البراري.

ووقف الحصان مبتهجاً لأنّه قبل وصوله الى الساحة قد اجتاز شوارع عريضة كان يُمنع من السير فيها من قبل، ولكن بهجته لم تدم طويلا اذ تدلى بعد حين مشنوقًا.

(من مجموعته القصصية “الرّعد”، 1970)

 

1

 منذ ثلاثين عامًا وتزيد. تعرّفتُ إليه وهو في الرابعة والعشرين، وكان تخرّج للتوّ من مدرسة السياقة في المدينة. في بطاقة هويته كتبوا إلى جانب المهنة: “سائق باص”، وكانت هذه كفيلة، إلى جانب صورته البراقة، بأن تدخلني إلى قفص الزوجية الذي بناه لي، في قريتنا الجميلة النائية.

كنتُ في أثناء الخطوبة أحلمُ ليلَ نهارَ بالرحلات وبالفُسح الجميلة والطويلة التي سنقضيها سويةً، ولم أفهم حتى اليوم ما قصدته أختي الكبرى في إحدى ليالي السمر الصيفية على سطح البيت، حين قالت لي بدلع وحياءٍ مكظومٍ وصوتٍ مكتومٍ: “كرسي الباص الأخيرة طويلة، ولن تنسي طعمتها”.

قبل الزفاف بيومين، حين تجمعت كل صديقاتي في القرية لليلة الحناء، أخذنَ جميعهنّ بالتندر على شكلي وأنا جالسة في الكرسيّ الأول من وراء زوجي، وهو يصطحبني في رحل ونزهات كُنّ جميعهنّ يحلُمن بها. إحداهنّ حلُمت بالذهاب إلى القدس، والأخرى إلى يافا والثالثة قالت بتأكيد غريب: “بانياس أجمل الأماكن في العالم! دعيه يأخذك إلى البانياس”.

لم نفهم وقتها تأكيدَها القاطعَ هذا وسألناها عمّا إذا كانت ذهبت إلى البانياس، فأجابت بأنّ أخاها كان هناك قبل سنة وقال إنها أجمل الأماكن في العالم. وضحكنا حتى دمعت أعيننا… ثم قالت أختي الصغرى بحسد واضح وافقها الجميع عليه: “أنتِ ونحن نسمع بالأماكن والرحلات، بينما ستكون أختي هي الوحيدة التي سترى هذه الأماكن بحق وحقيقة”.

وتنهّدتُ بفرحٍ وخوفٍ كبيريْن.

2

أستيقظ في كلِّ صباح في الخامسة فجرًا. أطبخ لنفسي غلاية صغيرة من القهوة السوداء الحلوة وأستقبل الشمس القادمة من رحلتها وهي حمراء ناضجة نضوج التين “الحمّاري” في كرم والدي المرحوم. أشربُ قهوتي بصمت ولا أضايق الشمس الآتية من رحلتها اليومية. لا شكّ في أنها مرهقة جدًا الآن، ولا تنقصها ثرثارة مثلي لتروي لها عن حياتها مع زوجها سائق الباص. أشربُ القهوةَ وأحلمُ برحلات الشمس اللانهائية، وأتمنى لنفسي واحدةً منها على الأقل.

في تلك الهنيهة الصباحية لوحدي، أكتشفتُ لوحدي، أنّ الشمس تزور عمليًا كل العالم في 24 ساعة، كلّ يوم! ما أقواها وما أجمل حياتها، هذه الشمس. تطوفُ كلَّ العالم لوحدها، ومن دون كلل أو ملل، تطوفُ ولا تتعبُ، تمامًا مثلما وعدتْني أمّي قبلَ أن يأتي أهل العريس ليأخذوني من بيت أهلي بساعة. ثم مالتْ عليّ قليلاً وقالت بتوسّلٍ لم أعتقد أنه سيبدرُ عنها يومًا: “إبقي اذكريني في رحلاتكم الجميلة”.

عندما يستيقظ زوجي تكون غلاية القهوة الثانية قد نزلت للتوِّ عن قرص النار. لا يُنظف أسنانه أبدًا ومع ذلك فإنها ناصعة وقوية مثل أسنان الحصان. أمي كانت تقول دومًا إنّ زوجي يأتي من عائلة كل رجالها مثل الخيل: أقوياء وأصحّاء وأسنانهم كبيرة وبيضاء. حتى إنّ أبي المرحوم لم يُخفِ حماسَه من أحفاده الذين سأنجبهم له، لأنهم “سيُولدون كالخيل، يرفعون الرأس إلى أعلى”.

ومع ذلك وددتُ لو ينظف أسنانه، خاصةً في الصباح، حين يهمّ بي أحيانًا، وأنا أيقظه، فيشدّني من يدي ويستلقي فوقي على السرير ولا يكترث بشيء. لا ينتظرني حتى لأستيقظ كما يجب، أو لأغسل وجهي. وما أن أستيقظ كما يجب حتى يكون قد انتهى من اللهاث السريع ذي الرائحة الكريهة، فينكفئ على الجانب الآخر ويسأل بهدوء: متى ستنهضين؟

ولكنني ربّيتُ أبنائي على تنظيف أسنانهم. لا أريد لأيٍّ منهم أن تتضايق منه زوجته في الصباح أو قبل النوم. على أبنائي أن يكونوا رجالا أصحاء وجميلين وحسّاسين لنسائهنّ. ولو كانت وُلدت لي ابنة -كما أملتُ دائمًا- لكنتُ صنعتُ منها أفضل امرأة في الدنيا. ولكنتُ بعثتُ بها إلى الجامعة وعادت إليّ طبيبة تطبّب لي عظامي المتفكّكة ومفاصلي التي بدأت تلتهب. طبيب القرية قال لي إنّ عليّ أن أريحَ جسدي وأن أتوقف عن القيام بأية مشاغل صعبة. الحمار. لا يكفي أن يذهب المرء إلى الجامعة ويصبح طبيبًا، عليه أن يكون ذكيًا أيضًا وفطينًا. ومن سيقوم بكلِّ مشاغل العائلة والبيت؟ هو؟ لو وُلدتْ لي ابنة وصارت طبيبة أفضلَ منه بألف مرة لكانت علّمته درسًا في الحياة يسوى كل المعدات الباردة التي يضعها على جسدي عندما أذهب إليه. يضعها ويطيلُ وضعَها ولا أتبرّم لسببٍ لا أعرفه.

3

خمسة أبناء وكُلهم رجال متعلمون مثل الورود الحمراء البراقة في لحظة صفاء نادرة. أنظر إليهم ولا أتحسّر إلا على المرات التي لم أقبّلهم فيها أكثرَ مما قبّلتهم، لا أتحسّر إلا على المرات التي كنتُ أعلم أنهم يقظون فيها يدرسون وأنا خالدة للنوم.

البكر مهندس والثاني معلم والثالث ممرض والرابع تاجر في سوق يسمونها البورصة والخامس يعمل في بنك القرية. ما زال أعزبَ “قريد العشّ”. الوحيد الذي لم يستقرّ في بيت له، ولكنني أتمنى بيني وبين نفسي أن يتأخرَ قليلا أكثرَ، كي يُؤنسَ وحدتي في العصريات الطويلة التي يكون فيها زوجي غائبًا، يسوقُ الباصَ آخذًا أربعين أو خمسين شخصًا في رحلة جميلة.

المرة الأولى التي ركبتُ فيها الباص كانت بعد الزواج بيوميْن. كان ما زال فرجي يؤلمني من ليلة الدخلة، وكنتُ كلما تذكرتُ اللحظة الأولى أهرعُ للتقيؤ في المرحاض، متعللة بأمٍر ما قد أكون أكلتُه في ليلةِ الزفاف. ولكنني كنتُ على الرغم من شعوري هذا أنتظر بلهفةٍ ركوبَ باص الشركة الذي يسُوقه زوجي وأن نمضي معًا في رحلات طويلة نلحق بها أثر الشمس الغائبة، فلا تغيبُ. في المرة الأولى ذهبنا في الباص إلى المدينة المجاورة وتعشيْنا سمكًا مشويًا. كان لذيذًا، واستغرقني أسبوع حتى علمتُ فيما بعد أنّ هذه “الرحلة” كانت شهر العسل الذي يتحدثون عنه.

لم آبه كثيرًا بشهر العسل القصير، فقد كنتُ متأكدة من أنّ شهورًا من هذا العسل آتية لا ريب فيها. بعد أربعة أيام عاد زوجي إلى العمل. ولمّا عاد، طلب مني أن أنظف الباص الذي ملأه الطلاب الملاعين بالمُسليّات والمُكسّرات والقيءِ. نظفتُه كما لو كان غرفةَ نومِنا. عادَ يلمع مثل البلّور وعاد فرجي يؤلمني في تلكَ الليلةِ تمامًا كما في الليلةِ الأولى. ولكنني لم أنبس بكلمةٍ؛ فغدًا سيأخذني إلى رحلةٍ جديدةٍ.

4

صارَ ينطلقُ في كلِّ صباح إلى عملِه، إلى رحلاتِه، ولا يعودُ إلا في المساء. وبعد أن يتعشى، آخذُ أدواتِ التنظيفِ وأصعدُ إلى الباصِ الطويلِ وأُعمِلُ فيه تنظيفًا، حتى يعودَ جديدًا كما خرجَ من الشركةِ. مع الوقتِ صرتُ خبيرةً بالنفايات التي أجمعها من الباص، وبواسطتها صرتُ أتكهّنُ بأعمار المسافرين وطباعِهم وأهدافِ رحلاتِهم. في مراتٍ كانَ يعودُ الباصُ نظيفًا إلا من بعضِ الأوراقِ البيضاءِ المكتوبةِ عليها كلماتٌ بلغةٍ لا أعرفُها؛ في مراتٍ أخرى كان يعود مليئًا بأغلفة المسليات والنقارش وعلب المشروبات الخفيفة الفارغة، وبعض القيء هنا وهناك.

ومع الوقت أيضًا لم أعدّ أحسّ بأية آلامٍ عندما يهمّ بي، كأنّ مصدر الألم انطفأ إلى الأبد، ففرحتُ لانطفائه ولم أزل.

عندما ولدتُ الأول، وعدني زوجي سائق الباص برحلةٍ خلابةٍ أستعيد فيها عافيتي وأعوّض على ولادتي العسيرة الأولى. ولكنه نسي، بعد أن توفت حماتي من ولادة البكر بثلاثة أيام، وأنا خجلتُ من أن أسألَه عن الرحلةِ الموعودةِ، لأنه صار يعودُ في أغلبِ الأحيانِ غاضبًا ومُزمجرًا ويبرطمُ بعباراتٍ فيها شتائم ومسبّات على صاحب الشركة وعلى زملائه وعلى ظروف العمل المهينة. عندما وُلد الثاني لم يقترح أية رحلة، وأنا لم أفاتحْه بالموضوع؛ فالولادة الثانية كانت سهلة نسبيًا للأولى، ولم أعتقد بيني وبين نفسي أنني أستحق رحلة في باص زوجي على ولادةٍ سهلةٍ.

بعد أن ولدتُ الثالثَ تيقنتُ نهائيًا من أنَّ الرحلةَ التي أنتظرُها لن تأتي أبدًا. كيف سنخرجُ في رحلةٍ جميلةٍ وطفلي رضيعٌ والطفلان الآخران يبكيان لأتفهِ الأسبابِ؟

كنتُ استقبل صديقاتي الفرحات العائدات من رحلاتهنّ مع أزواجهنّ إلى القدس ويافا وبانياس وأبتسم تأدبًا، وأنا أستمع إلى تفاصيل مثيرة وأخرى مملة لا يتعبنَ من تردادها، وأتجاهل الواحدة منهنّ حين تقول على حين غرة: “ألا تحديثننا عن رحلاتك في الباص الجميل”؟

ومن دون أن أدري تحوّلت علاقتي مع الباص إلى علاقةِ دلوٍ مليءٍ بالماءِ والصابونِ، ومكنسةٍ وبعض أقمشيةٍ باليةٍ. في كلِّ يومين أو ثلاثة أصعدُ إليه وأمسحُ بقايا القيءِ والأكياسِ التي خلّفها الصغارُ خلفَهم. صرتُ خبيرةً في أنواع الأكياس وألوانها وأسماء المسليات التي بها، وهكذا صرتُ أشتريها لأبنائي عندما يهمّون إلى رحلةٍ مدرسيةٍ. كنتُ أملأ حقائبَهم بأشهى المُسلّيات وأودّعُهم دامعةً وهم يركبونَ الباصَ في الرحلةِ المدرسيةِ التي لم يكونوا ينامون في الليلة التي تسبقها. كنتُ أسمع همسَهم في الليل وهم يتجاذبونَ أطرافَ الجّمَلِ حول المكان الذي سيذهبون إليه وحول زملائهم وما اشتروه وكيف أنني دائمًا أشتري لهم أفضلَ المسليات، إلا أنهم كانوا يُجمعون دائمًا على أنّ زوجي أفضلُ رجل في الدنيا لأنه يأخذهم في رحلات المدرسة ويحفظ لهم دائمًا المقعد الأخيرَ الطويلَ.

وكنتُ أتقلّب في سريري وأنظر إلى السقفِ المعتمِ وأتذكرُ أنّ خالتَهم أيضًا كانت من مُحبّي المقعدِ الطويلِ في الخلف، مع أنها هي الأخرى لم تُجرّبه في حياتها.

في كل صباح كانوا يخرجون إلى المدرسة في الباص الكبير، الذي عتق وصار مهترئًا، ويتركونني لوحدي على قارعةِ المدخلِ ألوّحُ بيدي وأستنشقُ رغمًا عني دخانَ “الديزل” الأسودِ الكريهِ.

عندما وُلد الرابعُ حصل زوجي على باص جديد من الشركة. كان منظرُه خلابًا ونظيفًا وجديدًا؛ كان يعبق براحةِ أغطيةِ الكراسي الجديدةِ وكدتُ لفرطِ اندهاشي أن أقعَ إلى الخلف عندما قال لي زوجي بفخرٍ إنّ به فيديو وتلفازًا! ولكنّ فرطَ الدهشة جعلني أيضًا أندفعُ إلى الخلف مُروَّعَةً فاندلق دلوُ الماءِ والصابونِ الذي أحضرتُه لتلميعِ الأرضيةِ اللماعةِ أصلاً، فتوسختِ الأرضُ بالماءِ ووسّخَ قسمٌ منه أرجلَ أبنائي الواقفين خلفي، فاندهشوا وتريّبوا! فلطمَني زوجي بيده على وجهِي، كما يفعلُ عادةً عندما يغضبُ، وصاحَ: يا بقرة! ألا يليقُ بكِ حتى باص جديد؟

لم يفعل أبنائي شيئًا، بل نكّسوا رؤوسهم وخرجوا بصمتٍ من الباص، تاركينني أمسحُ دموعِي وأمسحُ الماءَ عن أرضيةِ الباصِ بسرعةٍ وحرصٍ كبيريْن، كي يتركني بحال سبيلي، فالأولاد يروْن!

منذ تلك اللحظة صرتُ أكره هذا الباص الجديد. أنظفه رغمًا عني، وبكسل واضح. حتى إنني كنتُ “أنسى” في كثير من الأحيان أكياسًا صغيرة أو بقعة قيء أعرفُ أنّ رائحتها ستزكم أنفه في اليوم التالي. لم يكن يهمّني؛ لو كان يهتم بتنظيف أسنانه لاهتممتُ به أكثر!

5

بدأ الأبناءُ بتركِ البيتِ للدراسةِ وصرتُ أحترفُ الجلوسَ عصرًا عند مدخلِ البيتِ أنتظرُ شبحَ الباص الجديدِ. وقد أحسَنَ بِكري صُنعًا -وأيّما إحسانٍ- حين ركّب على سطح المنزل صحنًا كبيرًا مُدوّرًا قال إنه يزيد على القنوات في التلفاز أكثر من 100 محطة، فلم أصدّقه إلا حين أخذَ يقلّب بينها، وقامت قيامةُ الأبناءِ الآخرين وزوجي، كلٌ يريد أن يشاهد محطة بعينها، إلى أن صاحَ زوجي ونهرَ، ثم أخذ يقلّب حتى وصل محطةً كان فيها رجلان يصرخان على بعضهما البعض. بعد برهة قال “قريد العش”: “هذه محطة اسمها “الجزيرة”. “محطة أخبار”.

ولكنني لم أحبّ “الجزيرة” يومًا، فهم يصرخون على بعضهم البعض طيلة الوقت. كنتُ أحبُّ مشاهدةَ الأغاني وبرامج التطبيب بالأعشاب والمسلسلات العربية. لا أعرف حتى الآن كيف صمدتُ طيلة الوقتِ من دونِ هذه المسلسلات. وأكادُ أقسمُ بأنني أذكرُ حلقاتٍ كاملةً من مسلسل “مفيد الوحش” و”الجوارح” عن ظهر قلب؛ فما أن ينتهي بثّ حلقاتِ المسلسلِ على قناةٍ ما حتى تبدأ قناةٌ أخرى ببثها، لتعيد القناةُ الأولى ببثها من جديدٍ في الليل المتأخرِ، وقناة أخرى وأخرى وهكذا، حتى استغنيتُ عن أية صلة بما حولي وصرتُ أنا والصحن المدوّر الكبير أعزّ صديقيْن: أنا أؤنس وحدته في الصالة، وهو يأخذني في رحلات لم يكن ليحلم بها أيّ سائق باص.

كان كلما يطلّ زوجي من بعيد تعودُني ذكرى الألم القاتل إياه من ليلة الدخلة، فأهرع للتقيؤ خلف البيت. فيما بعد قال لي الطبيبُ إنّ عندي جرحٌ في المعدة وإنّ القيءَ الدائمَ الذي ينتابني سببُه موادّ التنظيف التي أستعملها، فنصحني باستبدالها، فاستبدلتُها. ولمّا لم يتوقف القيء قال يائسًا: المهم ألا تأكلي كثيرًا، فتتقيّئين أقلَّ. وهكذا صرتُ آكل قليلاً، وأتقيّأ قليلاً وأنحف كثيرًا، وصرتُ أسمح للطبيب بأن يطيلَ وضعَ أدواتِه على جسدي كيفما شاء، وأحيانًا كان يستغني عنها ويتحسس مواضع الألم بيديه، مرتعشًا حتى يهدأ.

6

عندما رأيتُ هذه القطعةَ المطاطيةَ الطويلةَ لم أفهم ما هي. كما أنني لم أتيقن من هذا السائل اللزج المحبوس بداخلها. كانت القطعة المطاطية ملقاة في نهاية الباص على الكرسي الأخير الطويل، نفس الكرسي الذي قالت لي أختي قبل دهر من السنين إنني لن أنسى طعمَه. عندما تعرفتُ على رائحة السائل اللزج لم أتمالك نفسي فتقيأتُ على الكرسي ووسخته شرّ توسيخ. ثم صرتُ بعد هذه الحادثة أفتعل النوم في تلك الصباحات التي يأتيني فيها من الخلف، فيبلغ مشتهاه وأنا “نائمة”- فأريحُ وأستريح!

7

أجلسُ في كل صباح لوحدي، في الخامسة صباحًا، وأسأل الشمس بصمت عن رحلتها الطويلة. أنظر إلى الباص الذي يقودُه زوجي في رحلاته الكثيرة وأودّ لو أسأله عن الأماكن التي زارَها وعن الناس الذين رقصُوا وغنّوا على مقاعدِهِ ليومٍ كاملٍ. حتى أبنائي الذين أحبُّهم أقلّوا من زياراتهم وهُم لاهون عني بزوجاتهم وأحفادي الذين أنتظرُهم بفارغ صبرٍ.

ومنذ أن وُلد أحفادي وكل أبنائي وزوجاتهم يغيبون في رحلات طويلة، لا يشبعون منها، وأنا أنتظرهم دائمًا ليعودوا إليّ بخِمار شتوي أو بقطعةِ قماش أخيّطها على ذوقي. أبنائي أشبه ما يكونون بالرحّالة، يحبّون الرحلاتِ أكثرَ من أيّ شيءٍ آخرَ. فهكذا علّمتُهم وهم صغار: لا تفوّتوا رحلةً في حيواتِكم، ولا تفوّتوا فرصةً للسّفر مهما حييتم. اسمعوا مني، فأنا أمّكم وأعرف أكثرَ منكم في الرحلات!

صرتُ أرحلُ كيفما أريدُ وأينما أريدُ، وأنا جالسةٌ في مقابل القنواتِ الكثيرةِ حتى صرتُ أكرهُ الرحلاتِ الحقيقيةَ والباصَ وزوجي، وصرتُ أقلِل من الخروج إلى الشرفةِ أو مبارحةِ مكاني في الصالة. بعد أن أنهكني المرضُ وداءُ المفاصل، موّل لي التأمين الوطني مساعِدةً تأتي لتعينَني على مهمّاتي الحياتيةِ ولترتبَ المنزلَ المُقفرَ. فـ “قريد العشّ” قرّرَ السكنَ في المدينة، حيث يسكن أخُوه الكبير، “ففرصُ العمل هناك أكثرَ”.

صرتُ أجلسُ ساعاتٍ وساعاتٍ، أسافرُ في أيةِ رحلةٍ أريدُ، وفي أيّ باص أختارُ، وعبرَ أيّ مسلسلٍ أرتئيه. ومع أنّ نظري خفّ كثيرًا وسمعي أكثرَ، إلا أنني ظللتُ قادرةً على التمييز بين الصُور والأحاديثِ وأطيافِ الأماكنِ التي أراها على الشاشة.

وهكذا سمعتُ صوتَه من الداخلِ يصيحُ: “إلحقيني، إلحقيني، عَم بموت!!” إلا أنني لم ألحقه ولم أفعلْ شيئًا. ماذا يريدُني أن أفعل؟ ثم إنّ نداءاته خفّتِ الآن، ثم توقفتْ تمامًا. أعتقد أنه نامَ الآن. فلينمْ، ماذا يريدُ مني أن أفعلَ؟ فلينتظرْ. فأنا الآن في رحلة وعليه أن ينتظر ريثما أعود.

كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، واتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

 لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلا ميّتا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له:

قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


*من المجموعة القصصيّة “الطلبيّة C345″، منشورات المتوسّط، ميلانو، 2018.

 

ما إن لمح صديقة القادم من الوطن في صالة الاستقبال في المطار، حتى بادره سائلاً إياه:

* هل أحضرت الأمانة؟

مد صديقه يده إلى حقيبة معلقة على كتفه ثم قال وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:

* لقد دوختني بمكالماتك وقولك: “أحضر لي حفنة تراب.” ألم يغترب أحد غيرك يا رجل؟!

ثم أخرج من حقيبته كيسا مليئا بالتراب.

نظر بوجه يخلو من أي مشاعر إلى صديقه الذي قدم لتوه من الوطن، تناول كيس التراب ثم توجه صامتاً إلى القطار.

بقي صامتاً في القطار أيضا، لم يكن يسمع قرقعة عجلات القطار على السكة ولا ضحكات مجموعة من الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزينة بالزمام أو فتيانا يتصايحون فرحا بنصر فريق كرة يؤيدونه. كان يمعن النظر إلى الكيس المليء بالتراب بين يديه.

كان الذين يمرون بقربه على عجل وينظرون إليه، يتخيلونه سكران أو نائما. حتى عندما طلب منه مفتش القطار تذكرة الركوب، أخرج تذكرته من جيبه ورفعها في وجه المفتش دون أن يرفع بصره عن كيس التراب، زم المفتش شفتيه وتغيرت ملامحه وهو يعيد تذكرته إلى يده التي كانت ما تزال معلقة في الهواء.

ثلاثة أعوام مرت وهو بعيد عن وطنه. وفي البلاد الجديدة التي لم تكن لتصبح وطنه صادف مصاعب شتى. قضى سنة بكاملها في سكن للاجئين، وسكن في السنتين الأخريين في منزل أشبه بالكوخ الحقير. لم تسنح له فرصة تعلم لغة البلاد التي وفد إليها، ولم يتمكن من عقد صداقة مع أحد ولم يستطع تأمين عمل يناسبه.

كانت الأيام تمر ثقيلة عليه في تلك المدينة التي لم تكن لتفتح أبوابها له. كان سيجن لو لم يمتلك الهاتف الجوال. ومع أن هاتفه لم يكن يرن إلا نادرا فقد كان يسليه، إذ كان يطلب أرقاما لا يعرف أصحابها ويسارع بالاعتذار قائلا: عفوا لقد أخطأت الرقم! كان يسمع مرات كثيرة أصواتا عنيفة غاضبة تقول: لا تخطئ مرة أخرى! لكنه لم يقلع عن تلك اللعبة لحاجته إلى سماع صوت آدمي والتحدث ولو لثوان قليلة.

كانت دائرة الخدمات الاجتماعية في البلدة تضغط عليه كثيرا ليعمل، لكنه وضع تعلم اللغة نصب عينيه هدفاً أساسياً، ولكن لم يكن هناك أحد ليساعده في تحقيق هدفه ذاك، إلى أن انخرط ذات يوم في البكاء عند موظف الخدمات الاجتماعية الذي يشبه كرة ذات عينين زرقاوين ولسان ألثغ! قال وهو يجهش بالبكاء:

* أرجوك امنحني فرصة تعلم اللغة قبل العمل!!

دخل دورة اللغة لمدة ثلاثة أشهر لم يتعلم خلالها سوى ” أنا فلان، من البلد الفلاني” وبضع جمل للمداولة اليومية.

انهمرت الرسائل القادمة من دائرة الخدمات الاجتماعية مرة أخرى على صندوق بريده البارد الصامت الذي لم يكن ليجد فيه سوى تلك الرسائل الرسمية الجافة الخالية من أي عاطفة!

اضطر لتوزيع الإعلانات، فكان يمشي لساعات في تلك الشوارع الموحشة مثل القبور ليوزع إعلانات للمطاعم والحلاقين وحتى بنات الهوى وكذلك جرائد الإعلانات التي توزع أيام السبت والأربعاء. اسودت أظافر قدميه حتى سقطت. كانت الكلاب في كثير من الصباحات تخيفه بعوائها إذ يقترب من أبواب المنازل ليدس الإعلانات في شقوقها. كان يحس بطعم المرارة في حلقه ثم يكمل مشواره.

ليست الكلاب وحدها، بل أصحاب الكلاب أيضا كانوا يزجرونه قائلين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إليه أو الرد على تحيته الصباحية:

* لا ترم هذه الأوساخ في صناديق بريدنا!!

ثم يستقلون سياراتهم ويمضون.

كان يطأطئ رأسه مضطراً وهو يبلع ريقه ثم يغادر صامتا إلى صندوق آخر.

* * *

توقف القطار في المحطة التي تسبق محطة بلدته، نزل بعض الركاب و صعد آخرون، كانت مجموعة الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزممة ما زلن يضحكن لكن قطيع مشجعي الفريق الذي ربح مباراته الأخيرة نزل من القطار وأفراده يرفعون علب البيرة في الهواء.

نظر إلى تلك الفتيات نظرة خاطفة، ثم عاد إلى التحديق في كيس التراب وشد عليه قبضته كمن يخاف اختطافه، وهدر القطار من جديد.

كان يشعر بالوحدة أنى ذهب. في القطارات، في المطاعم، في الاحتفالات التي يقيمها الناس في الشوارع، في المتاجر الكبرى. ما كان يجرؤ على النظر في وجوه الناس. كان يخشى أن يتحدث إليه أحدهم بتلك اللغة التي لا يتعلمها، فلا يرد على الناس ويتظاهر بأنه لا يسمع.

ولأنه لم يكن يتحدث بلغته أيضاً، فقد خاف من أن يصيبه الخرس وأصبح يتحدث إلى البسط والنوافذ، وإلى الغيوم والصلبان المنتصبة فوق أبراج الكنائس. حتى أنه بدأ يتحدث إلى المانيكانات التي تزين واجهات المحلات أيضاً.

عندما وصل إلى البيت، فتح الباب وهمس بصوت خفيض للتراب الصامت بين يديه في قعر الكيس:

* تفضل ادخل!

وما إن اجتاز العتبة حتى قال:

* اعذرني لأنني أتيت بك إلى هذه الغربة ولكن كان يجب عليك الحضور!!

توجه في بداية الأمر إلى غرفة نومه ووضع كيس التراب عند وسادته التي ينام عليها، لكنه استدرك قائلاً:

* لا. ليس هذا محلك!

دخل إلى الصالون ووضع الكيس هناك. لم يعجبه المكان وأخذته الحيرة فأخذ يتنقل به من زاوية إلى أخرى في شقته الصغيرة إلى أن استقر به المقام في الحمام، فسكب ما بداخل الكيس من تراب على الأرض الباردة الرطبة. ارتفعت كومة من التراب المتعب الجاف الصامت الذي شهد آثار خطواته آلاف المرات، على أرض الحمام. كاد يسمع أنين التراب إذ ينسكب ذرة ذرة على تلك الأرض الغريبة.

تضاعفت دقات قلبه واغرورقت عيناه بالدموع. نظر إلى كومة التراب ملياً ثم قال بصوت مرتجف:

* ها أنذا يا تراب وطني أشم منك رائحة الخراب.

سكب جرعات كبيرة من البيرة في جوفه ثم واصل التحدث قائلاً:

“مضت علي ثلاث سنوات وأنا بعيد عنك، اعذرني إن كنت نسيت اللغة التي كنت أحاورك بها. اعذرني إن خاطبتك في هذه الليلة الموحشة بعدم احترام. هل تذكر عندما حاصر البوليس منزلنا ثم اقتحموا غرفتي؟ أتذكر عندما حطموا قلمي وأحرقوا أوراقي التي سطرت عليها أشعارا تحكي حبي لك، أمام عيني وعينيك؟ أتذكر حينما صادروا كتبي ووضعوها مثل أرانب خائفة في أكياس قذرة؟ لقد قيدوا يدي أمام عينيك – إن كانت لك أعين – وأخرجوني وهم يركلونني ليرموني مثل كيس تبن في سيارة جيب لونها كان يحاكي لونك؟ لقد بقيت وقتها، أيها التراب، صامتا تلعق أحذية قوات الأمن دون أن تشعر بآلام معصمي المقيدين!! وعندما عدت بعد أسبوع في السيارة ذاتها، كنت أنظر من خلال زجاج النافذة إليك، كاد قلبي يتفطر وأنا أرى عجلات سيارة الأمن تزني بك!!

كنت أنت الشاهد الصامت للفجيعة حينما كانت أحذية المخابرات ترسم نقوشا متوحشة عليك وأنت في صمتك ونومك الترابي!!

هل تذكر حين طحن العشق قلبي ذات خريف؟

نعم، بدون شك ما زلت تذكر عندما كانت حبيبتي تحث الخطى كل ظهيرة فوقك لتأتي إلى غرفتي وتضع يديها على عيني المنتظرتين وهي تسأل ضاحكة: من أنا؟ كنت أتغابى فأتحسس بيدي يديها اللتين تشبهان حمامتين أليفتين ثم أرفع أصابعي إلى شفتيها المكتنزتين الدافئتين وأنزل بها إلى نهديها التفاحيين و فخذها اﻟ … وأقول: أنت جنية!!

كنا نتقلب كغمامتين ثائرتين تلهو بهما رياح مجنونة.

كانت حبيبتي تنسج بخطواتها كل ظهيرة بساط الأكاذيب، وكنت أنت على علم بالفخاخ التي تنصبها أمامي، لكنك لم تهمس ولو لمرة واحدة في أذني: حذار من أن تتعثر قدمك بالفخاخ! لم تقل لي ولو مرة واحدة: يا مجنون! لا تثق بالسراب، سيموت قلبك عطشا!! لم تقل لي: لتنته هذه اللعبة، قلبك يتعرض للطحن!!

كنا صديقين أيها التراب. كتبت فيك أروع الأشعار. كنت أشمك بكل ما في رئتي من قوة. كنت أبقي على غبارك الملتصق برموش عيني و ثيابي أسابيع و أياما ولا أنفضه عنها!!

كنت أقول: هذا غبار مقدس، غبار التراب، التراب الذي يغفو أمام باب الدار، التراب الذي يحتضن طفولتي المخنوقة وشبابي الضائع”.

احمرت عيناه رويدا رويدا، وأصبحت علب البيرة المرصوفة على رف المرآة تفرغ علبة إثر علبة، لكنه استمر في التحديق بكومة التراب المنسكبة على أرض الحمام العارية الصامتة وهو يقول:

“أصبحت تائها شريدا. حملت قلبي المحطم وطفت به في كل الأماكن دون أن أجد أحدا يلملم شظاياه. كنت تراني عشرات المرات في حيرتي – إن كانت لك أعين – لكنك كنت تبقى في صمتك الأزلي.

أما كان عليك أن تصبح أمام حزن خطواتي جنونا من غبار فتتطاير في سماء تلك المدينة المجرمة لتخبر الجميع بما يعانيه هذا القلب من آلام؟ أما كان عليك أن تخبرني بكل الفخاخ المنصوبة أمام قلبي؟ أنا الذي كنت أراك أما لي بل أكثر من أم؟

أحرقت منزلي وكتبي قهرا من حياتي البائسة وأوشكت على إحراق نفسي بينما كنت تنظر إلي صامتا، وربما كنت تقول في سرك وأنت تضحك: لقد جن الولد!!

كنت أرى معنى حياتي في حمايتك وحبك، وعندما أسمع كلمة سوء بحقك كنت أجن وأكاد أخفيك في عيني وأذود عنك بنور بصري. كنت مستعدا لبذل دمي فداء لك، ولكن أنت!! آآآآآه. بم أخبرك الليلة؟!

قل لي ما الذي فعلته لأجلي عندما ضاقت بي الأرض وسحقت طواحين الأمل قلبي لتجعله طحينا مشتعلا؟ ما الذي فعلته لأجلي عندما كنت تراني بائسا حزينا جائعا!! كنت أبكي لأجلك ولم أسمح حتى للريح بخطفك من أمام باب الدار، لم أذق للنوم طعما حتى أمنع لصوص التراب من نفيك إلى أرض المجهول!! قل لي – إن كان لك لسان – ما الذي فعلته لأجلي عندما هربت إلى هذه البلاد التي لا تصبح بلادي؟!

كنت تنظر إلي – إن كانت لك أعين – وتراني أروح وأجيء باحثا عن ذاتي التائهة، وعن حياة هادئة وحب صاف، لكنك لم تصبح وطنا لتلك الحياة ولا لذلك الحب!!

كنت تبقى صامتا، كما أنت الآن على هذه الأرض الباردة العارية وفي هذه الليلة الخرساء!! فلا تقل لي بعد: لم أتيت بي إلى هذه الغربة؟!

إنك أنت الذي دفعت بي إلى كل هذا الخراب، أنت من نفيتني. إنه ذنبك أيها التراب، ذنبك أنت. فلا تظنن أنني سأضعك بجانب رأسي على الوسادة لأشمك كل صباح وأقول: ياااه! تفوح من ذراتك رائحة الجنة!!

لا. لا أبداً. لكنني ﺴ…………. “

فجأة عمد إلى أزرار بنطاله وأخذ يحررها عن عراويها بسرعة، ثم بدأ يتبول على حفنة التراب المتكومة كأنين صامت على أرض الحمام الباردة الرطبة.

 

ليس هناك جسم جامد كالمفتاح يحمل المشاعر التي يحملها، فالبصمات التي تبقى عليه ولا يمحوها قانون التقادم هي رسم خفي لاحاسيس الناس الذين حملوا المفتاح واخترقوا عالمهم او خرجوا منه، كالرسم البياني على جهاز تخطيط القلب، يسجل الغضب والحزن والفرح والسكينة، فكيف يكون المفتاح حين يحمله شاعر غادر البيت حاملاً مفتاحه وديوان شعر وشحن على ظهر قارب في البحر أقلع به من حيفا إلى عكا، ثم الى بيروت وإلى.. وإلى..إلى أن التقينا في صوفيا.

في طفولتي لم يقل لي أحد شيئًا عن أبي سلمى.. لا في المدرسة ولا في البيت.. وحين كنّا صغارًا نحفظ الشعر ونتبارى فيه، كنا نبدأ المبارزة الشعرية بما أسميناه “المفتاح”، أي البيت الذي نفتتح به وكان:

أنشر على لهب القصيد        شكوى العبيد إلى العبيد

وكان يصّر على هذا المفتاح معلم اللغة العربية، لكنّه لم يقل لنا من هو قائله، والحقيقة أننا لم نسأل لأننا كنا نبحث عن أبيات ذات قافية صعبة، و”الدال” هو واحد منها، وأمّا معلم التاريخ الذي كان يستجيب إلى إلحاحنا لتمضية درس التاريخ الناشف بمبارزة شعرية فقد كان يصّر على مفتاح آخر، وهو:

ألعرب أشرف أمة               من شك في قولي كفر

ولا أعرف حتى اليوم من هو قائل هذا البيت، لكن معلم التاريخ لم يكمل السنة الدراسية، فقد افتقدناه يومًا وقيل لنا أنه يكتب الشعر وقد طُرد من المدرسة وسمعنا فيما بعد أنه غادر البلاد وصار يتنقل بين مصر وليبيا والاردن ولم يعد إلى وطنه، بل تركنا نسخر من أنفسنا ونحن نسأل:

هل حقًا، العرب أشرف أمة ؟

قد يعود الينا يومًا ويحكي عن العرب، مؤمنًا او كافرًا، ويعلم الله أنه بعد أن تعرف على حالة العرب في الخارج فسيأتينا معتذرًا ليس على كفره بل على يقينه في تلك الأيام.

أبو سلمى

بعد أن أنهيت المدرسة الثانوية في حيفا سمعت لأول مرة عن أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، ويحز في نفسي اليوم أنني كنت أمر يوميًا، ولأربع سنوات متتالية، قرب بيته ولا أعرف أن في ذلك البيت عاش وكتب “شاعرنا القوميّ”.

لم أعرف في ذلك الوقت ما معنى “الشاعر القوميّ” لأن معلمة اللغة العبرية، غرزت في رؤوسنا أن حايم نحمان بياليك هو شاعر قوميّ، ولا يجوز أن يكون هناك شاعر قوميّ لأمة إلا بياليك للأمة العبرية.

عندما كبرت صرت أسأل كطفل صغير:

لماذا لا يكون لنا شاعرنا القومي، مثلما أن لهم شاعرهم؟

وكم أردت أن يكون أبي ومعلم التاريخ شاعرًا كهذا.

إلتقيت أبا سلمى في صيف 1980، في صوفيا مدينة البلقان.

جاء ليلقي الشعر وذهبت لأدرس الشيوعية.

هناك تحدث عن حيفا، وإذا بها مدينة غير التي تعلمت فيها وأعرفها وأقضي معظم ساعات نهاري في غرفة صغيرة من غرف جريدة “الإتحاد” التي احتوت بين جدرانها على طاولة خشبية عريضة، هي طاولة أبي سلمى.

إحتفظنا نحن بطاولة مكتبه واحتفظ هو بمفتاح البيت.

كنا نتحدث إليه عبر طاولته وكان يتحدث إلينا عبر المفتاح.

مناجاة عشّاق لقمر لا يغيب، ولكنه بعيد، بعيد.

سأل عن شارع الملوك وساحة الحناطير وقال أن بيته في شارع البساتين، في حي الألمانية.

سأل:

هل تعرفون البيت؟

هل هناك أحد يحرسه؟

كان أبو سلمى يعاتبنا لأننا اكتفينا بطاولته ولم نحرس البيت، حتى أننا لم نعرفه، ولم نجرؤ على السؤال:

“لماذا ذهبت؟”

غجر

بين حيفا الأمس وحيفا اليوم درج من حجر.

ألماضي من تحت والحاضر من فوق.

بحرها يتراجع وقممها تفقد خضرتها يومًا بعد يوم.

أصبحت مدينة شاحبة مشحونة بدخان المصانع وزعيق البواخر في الميناء.

بكى وهو يحكي وبكينا نحن على بكائه.

“خرجت مع مفتاح وقصائدي.

وقعت قصائدي في البحر وظل المفتاح لأنني ربطته بخاصرتي..”

في طريقي اليه في فندق البلقان جلست على الارض امرأة غجرية وضعت في حضنها رضيعا والى جانبها وقف طفل في السابعة مادا يده للتسول. أردت أن أعطيه لكن مرافقتي البلغارية قالت:

“لا. انهم ليسوا بحاجة، فالدولة توفر لهم كل شيء وهم يرفضون هذه النعمة! الغجر يرفضون النعمة ويفضلون التسول! هذه هي حياتهم! لقد بنينا لهم المساكن وسلمناهم مفاتيح الشقق، فباعوا المفاتيح وتركوا البيوت فارغة وانتشروا في الشوارع.. يغنون ويرقصون ويتسولون..”

(شو هالحكي؟)

“لماذا تضحك يا رفيق؟”

– خذيني الى فندق البلقان واتركيني هناك مع الشيخ الغجري الفلسطيني!

إنه شاعرنا القومي؟ هل للغجر شاعر قومي؟

“لبلغاريا شاعرها!”

قالت الرفيقة نانا، وودعتني عند مدخل الفندق، ولما عانقت أبا سلمى لم يتسلل إلى أذني إلا شهقاته وطقطقة صرة المفاتيح التي حملتها موظفة جميلة وغابت في الردهات الطويلة.

تلة رضوان

رحلة البلقان كانت كالخرافات الموروثة، لا يحيكها سوى القضاء والقدر والمصادفات الجميلة، وفي صميمها إنسان تتقاذفه الأقدار، كهذا الشاعر العجوز الذي يحلم بالعودة إلى بيته ويصفه حجرًا حجرًا، ويسأل عن الدرج وعن غرفة “سعيد “وعن الحديقة ويعاتبنا لأننا لم نحرسها. وحين يبدأ رحلته يختار الأسطورة: “يُحكى عن راعٍ في تلة رضوان كان يغني لجواميسه ويعزف على الناي، أحب ابنة شيخ القبيلة وأحبته فبعث يطلب يدها.

غضب والدها على هذا الراعي “الوقح “الذي يجرؤ على مجرد التقدم اليه بطلب كهذا، فأمر بقطع أصابع يديه عقابًا له.. وكان هذا أقسى حكم ينزل على شاب ترقص أنامله الجواميس في المراعي.. في اليوم التالي رفضت الجواميس الخروج لأن الراعي لم يأتِ ولم يعزف.. وما كان من أهل القبيلة إلا أن قصوا أعواد القصب وركبوها في مكان الأصابع وعاد الراعي ليعزف على الناي فخرجت الجواميس إلى المراعي وتزوج ابنة الشيخ..

قال أبو سلمى أنه تأثر كثيرًا بهذه الحكاية وظلت ترافقه ومنها بدأ يكتب الشعر، كانت هي المفتاح للإلهام، مثلما كانت أصابع الراعي المقطعة المفتاح للموسيقى التي أطربت الجواميس، وهل هناك اقتحام لعالم روحانيّ أو ماديّ دون مفتاح؟

في عام النكبة فقدت عشرات ألوف المفاتيح، منها ما ظل في الأبواب المشرعة ومنها ما وقع على الطريق الوعرية أو في البحر، إذا لم يربط في الخاصرة، وها هم أصحابها ينتظرون أكثر من خمسين عامًا صابرين على فراقها مؤمنين “أن الصبر مفتاح الفرج” مستبدلين مفتاح البيت الحديدي بمفتاح الأمل الذي تبدد بعد أن قامت الجرافات وأخذت البيت والمفتاح.

ألبيت

مات أبو سلمى بعيدًا بعيدًا عن وطنه، بعد شهرين من لقائنا في البلقان.

مات في أمريكا ودفن في دمشق وترك المفتاح لابنه سعيد..

عدت إلى البيت في شارع البساتين، لأبحث عنه ولأسأله إن كان هو أيضًا يشتاق الى أهله مثلما يشتاق أهله له، وقد كنت أمّر يوميًا بجانبه ولا أراه، وربّما لأن معلمة المدنيات اليهودية قالت لنا: “العرب في حيفا هربوا خوفًا من البراميل التي دحرجناها في نزلة ستيلا مارس وعلى الدرج الذي يفصل بين حيفا من فوق وحيفا من تحت ففكروها طائرات ودبابات.. وتركوا بيوتهم وهربوا، ويقال ان امرأة حملت وسادة بدلا من ان تحمل رضيعها الذي نام في السرير.. وعندما دخلنا كان الطبيخ على النار.. “

عدت إلى حيفا بعد رحلة البلقان وذهبت إلى حنا نقارة، صديق أبي سلمى، وطلبت منه أن يأخذني إلى البيت.

وقع خطانا على السلم الخشبي لم يوقظ أهل البيت.

إنتظرنا أن يفتح أحد بابًا ويقول:تفضلوا!

كنا كمن يتحرك في كهف مهجور.

“هذه غرفة النوم”..

وضرب حنّا بكفه على جدار اهتز هزات خفيفة واختفى رجع الصدى، وفي عينيه علقت دمعتان.. أما السقوط على أرضية “الكوريدور” الخشبية وأما البقاء في عناق طويل مع الرموش الذابلة.

طرقنا على الباب.. لم يسمع صوت.

“ربما أنه مهجور”

طرقنا مرة اخرى.

“من هناك”؟

ردّت علينا امرأة كأننا أيقظناها من سبات عميق.

لم نعرف كيف نعرّف عن أنفسنا، ولو عرفنا لأثرنا خوفها في مدينة عندما يطرق غريب وصل بلا موعد على أبواب منازلها، فإما أن يكون حراميًا وإما أن يكون شرطيًا وكلاهما يثيران أشد أحاسيس الخوف.

“سلام عليك أيتها السيدة”

وجوم..

“هل تسكنين هنا منذ زمن بعيد؟ منذ عام1948؟”

عجوز في الستينات وقفت خلف بابها المشقوق وحدقت بنا حيرى ومرتبكة ونحن ألقينا بنظراتنا إلى باطن الغرفة.

“أسكن هنا منذ عام 1949”

أشار حنا إلى الغرفة الواسعة وقال، هذا هو الصالون.. كان يستقبلنا هنا.. وسألنا السيدة:

“هل تعرفين من كان يسكن الدار قبل مجيئك”؟

فأجابت السيدة:

“لا أعرف! عائلة بولونية.. قبلها سكنت عائلة ألمانية..”

قال حنا نقارة:

“هذا البيت لقريب لي توفّي قبل شهر.. نزح عنه قبل 32 عامًا..”

سألت السيدة:

“هل هو عربيّ؟”

إمرأة عجوز قدمت من رومانيا عندما كان صاحب هذا البيت يحمل المفتاح وقصائده ويركب قاربًا أبحر به بمحاذاة الشاطئ من حيفا، إلى عكا، إلى طرابلس..

“هل تعلمين أن صاحب هذا البيت هو شاعر فلسطيني كبير توفي قبل شهر؟ هل تعلمين أنه ظل يحتفظ بمفتاح البيت على أمل العودة؟”

حركت رأسها كأنها تقول: “مسكين هذا الشاعر!” ثم واصلت: “البيت قديم وقد طلبت من البلدية أن تعطيني بيتًا آخر، ولكن لا يوجد فلوس.. أسكن في غرفة واحدة، هنا مطبح وهنا حمام وهنا غرفة مسدودة بالباطون.. سدتها البلدية، إنها تدلف، جدرانها مشققة وشبابيكها محطمة..”

مد حنا يده وصافح السيدة العجوز. الدمعة التي تراخت على الرموش الذابلة انقسمت وتساقطت على خده. عدنا إلى السلم الخشبي، والكوريدور، وخرجنا من المدخل. هناك بيت فوزي بندر، كان وكيل شركة تأمين، وهذا بيت زكي التميمي، وهذا لحسين عبد الصمد، وهذا للدجاني وهذا للعنبتاوي، وهناك نصار الفرمشاني، وهذا بيت المحامي عيسى هزو.. هل حملوا مفاتيح بيوتهم التي بنيت من حجر وما زالت قائمة حتى اليوم؟

زنزانة

رهيبة صكصكة المفاتيح حين تجتمع وتتراقص على خاصرة راهب يمشي في دهليز إلى غرفة معتمة في الأديرة القديمة، أو حين تصطك في يد سجان تسمع وقع بسطاره عندما تكون منقبضا في زنزانة، وتعلو شيئا فشيئا إلى أن يتوقف، فتقف على رجليك لتصغي بترقب وتوتر إلى معركة حشر المفاتيح في الثقب الوحيد الذي يربطك بالعالم الخارجي، وعندما تسمع “طقة” وتتلوها أخرى اقوى منها تتنفس الصعداء لأن السجان يفتح الباب ويأمرك أن تخرج إلى أن يعيدك ثانية.

ليس بيني وبين المفاتيح علاقة عشق, وقد جاء مفتاح أبي سلمى ليحررني من حقد على المفاتيح كان اشتد في نفسي في ليلة من ليالي أيلول 1977.

في منتصف تلك الليلة حرقت كل سجائري، ولم يكن من عادتي أن لا أبقى سيجارة لقهوة الصباح، لكنني فعلتها في تلك الليلة، فتبين لي فيما بعد أن السيجارة في البيت كالحجاب يطرد “الوسواس الخناس” ويبعد الشياطين وأولاد الحرام وإلا كيف حدث أن في تلك الليلة وبعد أن أقفلت الباب واسترخيت على سريري وما كدت أغمض عيني حتى سمعت طرقا شديدا على الباب وهرجا ووقع خطى أيقظ طفليّ وزوجتي فقاموا مذعورين وأنا معهم، ولما فتحت الباب واذا بثلاثة رجال وأربعة وخمسة وعشرة تجمعوا في المدخل بلباس مدني وبوليسي وقال أولهم: “جئنا لنفتش البيت!”

وناولني ورقة لم أقرأها، ودخلوا بقوة وانتشروا في أركان البيت وفتشوا في المكتبة وفي الخزائن وفي الثلاجة وتحت الفراش، ووصل عددهم إلى أكثر من ثلاثين رجلاً ضاع بينهم طفلاي وهما يبكيان ولا يفهمان ما يدور في البيت. كان على طاولتي مفتاح كبير لبوابة قديمة ورثته عن جدي. حين كنت أتأمل فيه وأقرأه كان يعيدني إلى تلك الأيام وذلك الجيل وإلى الحالة الفلسطينية التي تجمعني بهذا الجيل المعذب، ويبدو أن ضابط العملية بذكائه المخابراتي الخارق أدرك عمق العلاقة بيني وبين هذا المفتاح فبدأ يحقق: “من أين لك هذا؟” وأمرني أن آخذه إلى البوابة الكبيرة، ولما أقنعته أن مثل هذه البوابات كان في زمن البيوت الحجرية الكبيرة التي هدمتها جرافاتهم، عندها سحبه بعصبية وقال: “سيكون شهادة ضدك”، وأمرني بأن أصعد الى السيارة واختفى المفتاح.

أمضيت ليلتين في زنزانة “الجلمة “ولم تكن المرة الأولى التيأعرف فيها السجن والزنزانة، ولكنها المرة الأولى التي شعرت فيها أن السيجارة تصبح في السجن وسيلة تعذيب. قلت للسجان: “أعطني سيجارة!” نظر إلي وابتسم ابتسامة خبيثة عبر الفتحة المربعة في وسط الباب وقال: “بعد قليل”، واصطكت مفاتيحه وغاب.. وكانت هذه “البعد قليل” ساعتين وأكثر عاد بعدها وفتح الطاقة وناولني سيجارة وقال: “نسيت علبة الكبريت, سأذهب لأحضرها بعد قليل”. وكانت “البعد قليل “الثانية أطول من سابقتها, وأدركت أن طقوس التعذيب قد بدأت… ولم أشعر بالانفراج إلا عندما كان السجان يفتح الباب ويقودني إلى غرفة التحقيق.

ثلاثة محققين كانوا هناك: طيب وشرير وبشع. ألطيب عرض علي سجائره والقهوة وكان مؤدبا وحاول اقناعي بأن أرتدع عن خطي السياسي المناهض للسلطة وعرض علي المال والوظيفة وحتى عضوية الكنيست. وفتح ملفا كبيرا وقال: “كل ما كتبته ونشرته وقلته محفوظ عندنا.. وهو مترجم حرفيا”.

قلت له: “أنا سعيد أن هناك من يهتم بما أكتب. وسعيد أكثر أن كتاباتي تترجم. حبذا لو تقومون بنشرها بلغتكم”.

أغاظه هذا الكلام “الصقع”, فهب من مكانه وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل عليّ الشرير وقال أنه يستطيع ان “يخرب بيتي” وأن “يجعل حياتي جحيما وأن الدولة التي انتصرت على مائتي مليون عربيّ لا تحسب حسابًا لواحد مثلي”.

قلت له: “أعرف أنكم اقوياء وأنا لا أتحدى دباباتكم”.

قال: “اذن ستظل مشاكسًا؟”

وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل البشع. شاب طويل وضخم ومفتول العضلات صار يبرم حولي ويلف ويدور وينظر إلي نظرات مرعبة, وقال: “من أنت؟ ماذا تساوي؟ أنت لا تساوي الرصاصة التي ستخترق دماغك. لا.. لن نخسر عليك رصاصة. نحن سنطلق سراحك. سنقول لك أنت حر, إذهب أينما شئت, وستركب سيارتك، وتسافر وفجأة تأتيك سيارة شحن كبيرة، سيمترلر،  وتدوس عليك كما يدوس الفيل على النملة، وبعدها ستركض زوجتك خلف شركة التأمين لتدفع التعويضات”

وتكررت هذه الجولة الثلاثية لمدة 48 ساعة. تعلمت منها درسا واحدا: أن لا أنام ليلة دون أن أترك سيجارة لقهوة الصباح.

أطل عليه..

وصرت أكره المفاتيح وصكصكتها. إلى أن كان ذلك اللقاء مع أبي سلمى في فندق البلقان في صوفيا. صار للمفتاح معنى آخر في حياتي. علمني مفتاحه أن ليلتي ويومي في سجن الجلمة كانت المفتاح إلى عالم من المواجهة ليس فيه تنازل ولا مساومة ولا التفاف على الحق.

“سنلتقي في حيفا”، قلت لأبي سلمى.

بعد شهرين رحل تاركا المفتاح وقد أُشبِعت قصائده الضائعة بملح البحر. بعد سنوات قليلة أَخلت العجوز الرومانية البيت، ربما انتقلت الى بيت آخر أو الى العالم الآخر. ظل البيت مهجورا لعدة سنوات أخرى. لم يقم أحد بزيارة البيت. مررت يوما من هناك، كانت الجرافات قد أنهت عملها، والبيت تحول الى ركام صارت الجرافات تحمله على شاحنة كبيرة وتطاير غبار كثير. لم يبقَ لبيتِ شاعرنا القومي أثر. هناك في حيفا، حي الألمانية ساحة كبيرة هي موقف سيارات أطل عليها من مكتبي في “معهد إميل توما”، فتأخذني بعيدا إلى فندق البلقان وإلى مفتاح على خاصرة شاعر لم يقدر على حماية قصائده فسقطت في البحر ولم نقدر على حماية بيته فمسحتها الجرافات.

I  —   كيفَ تعتاشُ من الأدب؟

لو سألوني ما الذي أستحقّه، سأجيب بصدقٍ كصدق المُثول أمام الله، أنّني أستحقّ الأشغال الشاقّة.

تيفليس ليست السّبب، فأنا لم أفعل شيئًا سيئًا في تيفليس. وإنّما فلاديقوقاز هي السّبب.

كانت تلكَ أيّامي الأخيرة في فلاديقوقاز، وشبح الجوع الرهيب (كليشيه! كليشيه!.. “الشبح الرهيب”… لكن، اللعنة على ذلك! هذه التدوينات لن ترى النور أبدًا! كما اعتدتُ أن أقول- شبح الجوع الرهيب يقرع باب شقّتي المتواضعة، التي حصلتُ عليها بترخيص، وبعد الشّبح مباشرةً قرع الباب المحامي غنزولاييف، رجل يمتلك شخصيّة مشرقة، بشارب صغير ومهذّب، ووجه مُلهم.

وقع بيننا حديث أقتبسه هنا باختصار:

“لمَ أنت مكتئب?” (غنزولاييف)

“عليّ أن أموت من الجوع في فلاديقوقاز مدينتكم الرديئة…”

“لا جدال في ذلك. فلاديقوقاز- مدينة رديئة. تكاد لا توجد مدينة في العالم أشدّ رداءةً منها.  لكن ما الداعي لتموت الآن؟”

“لا يوجد شيء آخر أفعله. لقد استنفذت كل الاحتمالات. لا يوجد مال في قسم الفنون ولن يدفعوا الرواتب. لن أتمكّن من كتابة كلمات الافتتاحية للمسرحيات. كان لدي مسلسل منشور في حلقات في جريدة فلاديقوقاز المحلية وتحصّلت منه على 1200 روبلا ووعدٍ بزجّي في قسم خاص، في حال طبعتُ شيئاً مشابهاً آخر”.

“لماذا؟” (قال غنزولاييف منذهلاً. والأمر مفهوم. يريدون زجّي في قسم خاصّ، وهذا يعني أنّني مشبوه”.

“بسبب سخريتي”.

“يا له من هراء. إنّهم لا يفهمون شيئًا عن المسلسلات المنشورة في حلقات هنا. اسمعني…”

إليكم ما فعل غنزولاييف. لقد حرّضني على مشاركته في كتابة مسرحية ثورية من الحياة الثقافيّة الفلاديقوقازيّة المحليّة.  إنّني أشهّر هنا بغنزولاييف. فقد جرّني وأنا وافقت لحداثة سني  وقلة خبرتي. ما علاقة غنزولايف بكتابة المسرحيات؟ لا علاقة، الأمر واضح. هو نفسه اعترف لي على الفور أنه فعلا يكره الأدب، مما تسبب في تعاطفي معه. أنا أيضًا أكره الأدب، وصدّقوني، أكرهه أكثر بكثير من غنزولاييف. لكن غنزولاييف يعرف عن ظهر قلب الثقافة المحليّة، هذا طبعا إذا أمكن أن نطلق لقب الحياة الثقافيّة على وجبات الإفطار في أكشاك الكباب على خلفية الجبل البغيضة في المجرّة الكونيّة، الخناجر المصنوعة من الفولاذ الرديء، الخيول العجاف، الخانات والموسيقا المثيرة للاشمئزاز التي تخلع الروح.

لذلك، فإنني سوف أؤلّف المسرحيّة وسيضفي غنزولاييف عليها لون هذه الثقافة المحليّة.

“وحدهم الحمقى سيقتنون هذه المسرحية”.

“سنكون نحن الحمقى إذا لم نبع هذه المسرحية”.

كتبنا المسرحيّة في سبعة أيام ونصف اليوم، يعني أننا أمضينا نصف يوم أكثر من خَلق الكَون. على الرغم من هذا، خرجت المسرحيّة أسوأ من الكَون.

شيءٌ واحدٌ يمكنني أن أقوله: إذا أعلنوا يومًا عن مسابقة المسرحيات السخيفة معدومة الموهبة والمتجرئة فإنّها ستنال المرتبة الأولى (على الرغم من ذلك، أذكر الآن عدّة مسرحيّات تمّ تأليفها بين الأعوام 1921-1924، وبدأت أشكّ في الأمر…)، حسنًا، ليس المرتبة الأولى- فلتكن المرتبة الثانية أو الثالثة.

باختصار: بعد كتابة هذه المسرحية وُصمتُ بوصمة لا تمحى، وأملي الوحيد هو أن تتحلّل المسرحية في أعماق الوحدة الفرعية لقسم الفنون المحليّة. أما الفاتورة، فليأخذها الشيطان، يمكنها أن تظلّ هناك. كانت 200،000 روبل. مائة لي. مائة لغنزولاييف.

 عُرضت المسرحية ثلاث مرات (وهو رقم قياسي)، ودُعي المؤلفان إلى المنصّة. خرج غنزولاييف وانحنى، واضعًا يده على ترقوته. وخرجتُ أنا متجهّمًا حتّى لا يعرف أحد وجهي في الصورة (تم تصوير المنصّة بالمغنيزيوم). وبفضل هذا التجهّم، انتشرت شائعة في المدينة بأنني ألمعيّ، ولكنّني مجنون في نفس الوقت. كان الأمر مزعجًا، لا سيما أنّه لم تكن هناك حاجة للتجّهم على الإطلاق: تمّ اختطاف المصور الذي التقط لنا الصورة وَنَقله إلى المسرح، وبالتالي لم يظهر شيء في الصّورة باستثناء بندقية وكتابة منقوشة: “تعيش …”، وخطوط مغبشة.

قضيتُ على سبعة آلاف في يومين، وبمساعدة ال 93 المتبقية قررت مغادرة فلاديقوقاز.

لماذا؟ لماذا بالذات إلى تيفليس؟ اقتلوني، حتّى الآن لا أفهم. على الرغم من أنني أذكر أنّهم قالوا إن:

قررت السّفر. وقبل كلّ شيء رزمتُ أغراضي. أخذت ممتلكاتي- بطانية، بعض الأثواب التحتيّة، ومُضرم لهب كيروسينيّ.

في عام 1921، كانت الأمور مغايرة بعض الشيء عما كانت عليه في عام 1924. على وجه الخصوص، كان هناك حظر على السفر على هذا النحو: أن تنهض وتغادر، الشيطان وحده يعرف إلى أين! فالمسؤولون عن السفر المدنيّ ظنّوا على ما يبدو ما يشبه الآتي:

“إذا شرعَ الجميع في السفر، فماذا سيكون الحال؟”

كان من الضروري إذن الحصول على تصريح. تقدمت على الفور بطلبٍ إلى الجهة المسؤولة، وفي البند الذي سئلتُ فيه:

“ولماذا تسافر؟”

أجبتُ بفخر:

“أسافر إلى تيفليس لإنتاج مسرحيتي الثورية”.

ثم خَتم الشاب التّصريح في مظروف، وسلّمنا أنا والمظروف إلى شخص ما معه بندقية وقال:

“إلى القسم الخاص”.

“لماذا؟”، سألت.

لم يُجِبني.

أشعة الشمس الساطعة (وهذا هو الشيء الوحيد الجيد في فلاديقوقاز) انعكست عليّ وأنا أسير على الرصيف، وعن يساري الرجل ذو البندقيّة. قرّر تسليتي بمحادثة وقال:

“سوف نقطع الآن البازار، فلا تفكّر في الفرار. لن يعود ذلك بالخير”.

“لو توسّلت إليّ لأفعلها، ما كنتُ لأفعلها”، أجبت بصراحة تامّة. وقدّمت له سيجارة.

وبينما كنّا ندخّن بأريحيّة، وصلنا إلى القسم الخاص. قطعنا الفناء بسرعة وتذكّرتُ كل الجرائم التي ارتكبتها. تبيّن أنّها ثلاث جرائم.

المسرحية؟ لكن، عفوًا، ربما لم تكن كتابة مسرحية جريمة على الإطلاق؟ بالعكس.

لفتًا لانتباه أولئك الذين لم يكونوا في القسم الخاص: هو عبارة عن غرفة كبيرة مع سجادة على الأرضيّة، طاولة  كبيرة جدا، ثمانية هواتف بتصاميم مختلفة موصولة بخيوط خضراء وبرتقاليّة ورماديّة، وخلف الطاولة يجلس رجل صغير بزيّ عسكريّ ووجه لطيف. تيجان سميكة من الكستناء تطلّ عبر النوافذ المفتوحة. عندما رآني، أراد الجالس خلف الطاولة تغيير تعابيره اللطيفة إلى تعابير غير وديّة وغير لطيفة، وقد نجح جزئيًا ،فقط في ذلك.

أخذ صورة من درج المكتب وبدأ يدقّق فيها وفيّ.

“أوه، لا. هذا ليس أنا”، قلتُ باستعجال.

“كان بإمكانك أن تحلق الشارب”، أجاب السيّد بنبرة المتفكّر.

قلت: “نعم، ولكن لو نظرت عن كثب سوف ترى أنّ الرجل الذي في الصورة لديه شعر بصبغة تلميع الأحذية السوداء ويبلغ من العمر حوالي خمسة وأربعين عامًا. أما أنا فأشقر وعمري ثمانية وعشرون عامًا”.

“صبغة؟” سأل الرجل الصغير بتردّد.

“لكن ماذا عن البقعة الصلعاء؟ عدا ذلك، تأمّل الأنف. أتوسل إليك أن تتأمّل الأنف جيدًا”.

نظر الرجل الصغير إلى أنفي وأصابه الإحباط.

” صحيح. لا يشبه”.

ساد صمت، وشعاع الشمس ظهر في المحبرة.

“هل أنت محاسب؟”

“أعوذ بالله”.

صمت. وتيجان الكستناء. سقف منحوت. كائنات كيوبيديّة.

“ولماذا تسافر إلى تيفليس؟ أجب بسرعة، دون تفكير”،  قال الرجل الصغير مندفعًا.

“لأعرضَ مسرحيّتي الثوريّة”، أجبته مندفعًا بالمثل.

فتح الرجل الصغير فمه، ارتدّ إلى الخلف، ولمَع في أشعّة الشّمس.

“هل تكتب المسرحيّات؟”

“نعم. مضطَرّ”.

“بلا مزاح. هل كتبتَ مسرحية جيدة؟”

كان هناك شيء في صوته يلمس قلب أيّ شخص، إلاّ قلبي. أكرر، أنا أستحق العمل الشاق. أِشحتُ بصري وقلت:

– نعم جيدة.

نعم. نعم. نعم. هذه هي الجريمة الرابعة والأخطر من بينها جميعًا. لو رغبتُ في البقاء نظيفًا أمام القسم الخاصّ، لتَعَيّن عليّ الإجابة على هذا السؤال كما يلي:

“لا. إنها ليست مسرحيّة جيدة. إنها زبالة. أريدُ فقط أن أسافر إلى تيفليس”.

نظرت إلى أصابع حذائي الممزق وسكتّ. تداركتُ نفسي عندما ناولني الرجل الصغير سيجارة وتصريح السّفر.

قال الرجل الصغير لصاحب البندقيّة:

“رافِق الكاتب إلى الخارج”.

القسم الخاص! انسَي الأمر! هل ترين، لقد اعترفت. أزلتُ عنّي عبء ثلاث سنوات. ما فعلته هنا هو أسوأ في نظري من التخريب، من الثورة المضادة، ومن سوء استغلال المنصب.

لكن انسَي الأمر!!!

II — الرحالة الأبديّون

يقولون إنّه في عام 1924، كان من السهل الوصول من فلاديقوقاز إلى تيفليس: تستأجر سيارة في فلاديقوقاز وتسافر على طول الطريق العسكرية الجورجية، وهي طريق جميلة على نحو استثنائيّ. 210 أميال فقط. ولكن في عام 1921، بدت كلمة “استئجار” في فلاديقوقاز مثل مفردة في لغة أجنبية.

كان من الضروري أن تسافر مع بطانية ومضرم لهب كيروسينيّ إلى محطّة القطار وتمشي هناك على طول الأرصفة، باحثًا في عربات الشّحن التي لا حصر لها. وأنا أمسح العرق، عند رصيف رقم 7 بجانب عربة مفتوحة، رأيت رجلاً يرتدي أحذية ينتعلُ شبشبًا وله لحية تشبه المروحة. غسل غلاية الشاي وكرّر الكلمة “باكو”.

“خذني معك”، طلبتُ.

“لن أفعل ذلك”، أجاب الملتحي.

قلت “أرجوك، لكَي أنتجَ مسرحية ثورية”.

“لن أفعل”.

حمل الرجل الملتحي الغلاية وقفز على لوح خشبي داخل عربة الشحن. جلست على بطانية بجانب القضبان الساخنة وأشعلت سيجارة. حرارة شديدة وخانقة ملأت الفراغ بين عربات الشحن، ورويتُ عطشي من الصنبور الموجود بجانب الطريق. ثم جلست مرة أخرى وشعرت بالحرارة الحارقة التي تبثّها عربة الشحن. أخرج الرجل الملتحي رأسه.

“عمّ تتحدّث المسرحيّة؟” سأل.

“ها هي”.

أبعدتُ البطانية وأخرجت المسرحية.

“هل كتبتها بنفسك؟” – سأل صاحب العربة دون ثقة.

“مع غنزولاييف”.

“لم أسمع به”.

“أنا بحاجة إلى الرحيل”.

“أتوقّع وصول اثنين، إذا لم يأتيا فعندئذ ربما سآخذك.” فقط لا ترسم شيئًا على لوح السرير الخشبيّ. لا تعتقد أنك إذا كتبت مسرحية بإمكانك أن تجرّب هنا أشياء مسلية. الطريق طويلة، ونحن أنفسنا من لجنة التربية السياسيّة.

قلت له: “لن أفعل” وشعرت بنسمة أمل في الحرّ الحارق، “يمكنني أن أنام على الأرضيّة”.

قال الملتحي الجالس على سريره الخشبيّ:

“هل معك زاد؟”

“معي القليل من المال”.

فكّر الملتحي.

“هذا ما سنفعله… سوف تقاسمنا وجباتنا في السّفر. لكن سيتوجب عليك أن تشارك في جريدة محطتنا. ماذا يمكنك أن تكتب في الجريدة؟”

“أي شيء تريدونه-” قلتُ مؤكّدًا واستحوذتُ على حصّتي من الطعام ومضغتُ القشرة الخارجية من الخبز.

“حتى المسلسلات ذات الحلقات؟ سأل، وكان واضحًا من وجهه أنه يظنّني كذابًا”.

“المسلسلات ذات الحلقات- تخصّصي”.

ظهرت ثلاثة وجوه في ظل الأسرّة الخشبيّة إلى جانب قدمين حافيتين. الجميع كان ينظر إلي.

“فيودور! يوجد هنا سرير خشبيّ شاغر. ستيفانوف لن يأتي، ابن العاهرة، قالت القدمان بصوت جهوريّ، سأدخل الرفيق كاتب المسلسلات”.

“حسنا، أدخله”، قال فيودور صاحب اللحية بتشتّت. “ماذا ستكتب؟”

“الرّحالة الأبديّون”.

“كيف ستكون البداية؟” سألت الأسرّة الخشبيّة. “هيّا اصعد إلينا لاحتساء الشّاي”.

ردّ فيدور قائلاً: “الرّحالة الأبديّون-ممتاز”، وخلع نعليه. “لو قلت فوراً إنّك تكتب المسلسلات ذات الحلقات بدلاً من جلوسك مدّة ساعتين على السكة. تعال انضمّ إلينا”.

تحلّ أمسيةٌ رائعة وضخمةٌ مكانَ النّهار الحارّ في فلاديقوقاز. أطراف المساء هي الجبال الزرقاء التي يتسجّى دخان المساء على جوانبها. قاع الكوب أرضٌ منبسطة. وعلى طوله القاع المترجرج، بدأت عجلات القطار تدور. الرّحالة الأبديّون.

وداعًا إلى الأبد، غنزولاييف

وداعًا فلاديقوقاز!

 

1

ما أتعس الرجل الذي يحب صبية من بين كل الصبايا ويتخذها رفيقة لحياته، ويهرق على قدميها عرق جبينه ودم قلبه، ويضع بين كفيها ثمار أتعابه وغلة اجتهاده، ثم ينتبه فجأة فيجد قلبها الذي حاول ابتياعه بمجاهدة الأيام وسهر الليالي قد أُعطي مجاناً لرجل آخر ليتمتع بمكنوناته ويسعد بسرائر محبته.

وما أتعس المرأة التي تستيقظ من غفلة الشبيبة فتجد ذاتها في منزل رجل يغمرها بأمواله وعطاياه، ويسربلها بالتكريم والمؤانسة، لكنه لا يقدر أن يلامس قلبها بشعلة الحب المحيية، ولا يستطيع أن يشبع روحها من الخمرة السماوية التي يسكبها الله من عيني الرجل في قلب المرأة.

* * *

عرفت رشيد بك نعمان منذ حداثتي. وهو رجل لبناني الأصل، بيروتي المولد والدار، متحدر من أسرة قديمة غنية موصوفة بالمحافظة على ذكر الأمجاد الغابرة، فكان مولعاً بسرد الحوادث التي تبين نبالة آبائه وجدوده، متبعاً بمعيشته عقائدهم وتقاليدهم، منصرفاً إلى تقليدهم في العادات والأزياء الغربية المرفرفة كأسراب الطيور في فضاء الشرق.

وكان رشيد بك طيب القلب كريم الأخلاق، لكنه كالكثيرين من سكان سوريا، لا ينظر إلى ما وراء الأشياء، بل إلى الظاهر منها. ولا يصغي إلى نغمة نفسه، بل يشغل عواطفه باستماع الأصوات التي يحدثها محيطه. ويلهي ميوله ببهرجة المرئيات التي تعمي البصيرة عن أسرار الحياة وتحول النفس عن إدراك خفايا الكيان إلى ملاحظة الملذات الوقتية. وكان من أولئك الرجال الذين يتسرعون بإظهار محبتهم أو مقتهم للناس وللأشياء، ثم يندمون على تسرّعهم بعد فوات الوقت، عندما تصير الندامة مجلبة للسخرية والاستهزاء بدلاً من العفو والغفران.

هذه هي الصفات والأخلاق التي جعلت رشيد بك نعمان يقترن بالسيدة وردة الهاني قبل أن تضم نفسها نفسه في ظل المحبة الحقيقية التي تجعل الحياة الزوجية نعيماً.

* * *

غبت عن بيروت بضعة أعوام، ولما رجعت إليها، ذهبت لزيارة رشيد فوجدته ضعيف الجسد، مكمد اللون، تتمايل على سحنته المنقبضة أشباح الأحزان وتنبعث من عينيه الحزينتين نظرات موجعة تتكلم بالسكينة عن انسحاق قلبه وظلمة صدره. وبعد أن بحثت في محيطه ولم أجد أسباب نحوله وانقباضه سألته قائلاً: “ما أصابك أيها الرجل وأين تلك البشاشة التي كانت تنبعث كالشعاع من وجهك؟ وأين ذهب ذاك السرور الذي كان ملاصقاً شبيبتك؟ هل فصل الموت بينك وبين صديق عزيز، أم سلبتك الليالي السوداء مالًا جمعته في الأيام البيضاء؟ قل لي بحق الصداقة ما هذه الكآبة المعانقة نفسك وهذا النحول المالك جسدك؟”

فنظر إلي نظرة متأسف أرته الذكرى رسوم أيام جميلة ثم حجبتها. وبصوت تتموج في مقاطعه معاني اليأس والقنوط: “إذا فقد المرء صديقاً عزيزاً والتفت حوله يجد الأصدقاء الكثيرين فيتصبر ويتعزى، وإذا خسر الإنسان مالاً وفكر قليلاً رأى النشاط الذي أتى بالمال سيأتي بمثله فينسى ويسلو. ولكن إذا أضاع الرجل راحة قلبه فأين يجدها وبمَ يستعيض عنها؟ يمد الموت يده ويصفعك بشدة فتتوجع. ولكن لا يمر يوم وليلة حتى تشعر بملامس أصابع الحياة فتبتسم وتفرح. يجيئك الدهر على حين غفلة، ويحدق إليك بأعين مستديرة مخيفة ويقبض على عنقك بأظفار محددة ويطرحك بقساوة على التراب ويدوسك بأقدامه الحديدية ويذهب ضاحكاً ثم لا يلبث أن يعود إليك نادماً مستغفراً فينتشلك بأكفّه الحريرية ويغني لك نشيد الأمل فيطربك. مصائب كثيرة ومتاعب أليمة تأتيك مع أخيِلة الليل تضمحل أمامك بمجيء الصباح، وأنت شاعر بعزيمتك متمسك بآمالك. ولكن إذا كان نصيبك من الوجود طائراً تحبه وتطعمه حبات قلبك وتسقيه نور أحداقك، وتجعل ضلوعك له قفصاً ومهجتك عشاً، وبينما أنت تنظر إلى طائرك وتغمر ريشه بشعاع نفسك، إذا به قد فر من بين يديك وطار حتى حلق فوق السحاب، ثم هبط نحو أقفاص آخر وما من سبيل إلى رجوعه، فماذا تفعل إذ ذاك أيها الرجل؟ قل لي ماذا تفعل وأين تجد الصبر والسلوان، وكيف تحيي الآمال والأماني؟”

لفظ رشيد بك الكلمات الأخيرة بصوت مخنوق متوجع ووقف على قدميه مرتجفاً كقصبة في مهبّ الريح، ومد يديه إلى الأمام كأنه يريد أن يقبض بأصابعه المعوجة على شيء ليمزقه إرباً إرباً، وقد تصاعد الدم إلى وجهه وصبغ بشرته المتجعدة بلون قاتم، وكبرت عيناه وجمدت أجفانه وحدق دقيقة كأنه رأى أمامه عفريتاً قد انبثق من العدم وجاء ليميته، ثم نظر إلي وقد تغيرت ملامحه بسرعة وتحول الغضب والحنق في جسده المهزول إلى التوجع والألم وقال باكياً: “هي المرأة – المرأة التي أنقذتها من عبودية الفقر، وفتحت أمامها خزائني وجعلتها محسودة بين النساء على الملابس الجميلة والحلى الثمينة، والمركبات الفخمة والخيول المطهمة – المرأة التي أحبها قلبي وسكب على قدميها عواطفه، ومالت إليها نفسي فغمرتها بالمواهب والعطايا – المرأة التي كنت لها صديقاً ودوداً ورفيقاً مخلصاً وزوجاً أميناً قد خانتني وغادرتني، وذهبت إلى بيت رجل آخر لتعيش معه في ظلال الفقر، وتشاركه بأكل الخبز المعجون بالعار، وشرب الماء الممزوج بالذل والعيب – المرأة التي أحببتها – الطائر الجميل الذي أطعمته حبات قلبي وسقيته نور حدقتيّ وجعلت ضلوعي له قفصاً ومهجتي عشاً، قد فر من بين يدي وطار إلى قفص آخر محبوك من قضبان العوسج ليأكل فيه الحسك والديدان، ويشرب من جوانبه السم والعلقم – الملاك الطاهر الذي أسكنته فردوس محبتي وانعطافي، قد انقلب شيطاناً مخيفاً وهبط إلى الظلمة ليتعذب بآثامه ويعذبني بجريمته”.

وسكت الرجل وقد حجب وجهه بكفيه كأنه يريد أن يحمي نفسه من نفسه ثم تنهد قائلاً: “هذا كل ما أقدر أن أقوله فلا تسألني أكثر من ذلك، ولا تجعل لمصيبتي صوتاً صارخاً، بل دعها مصيبة خرساء لعلها تنمو بالسكينة فتميتني وتريحني”. فقمت من مكاني والدموع تراود أجفاني والشفقة تسحق قلبي. ثم ودعته ساكتاً لأنني لم أجد في الكلام معنى يعزي قلبه الجريح، ولا في الحكمة شعلة تنير نفسه المظلمة.

2

بعد أيام التقيت لأول مرة بالسيدة وردة الهاني في بيت حقير محاط بالزهور والأشجار. وكانت قد سمعت لفظ اسمي في منزل رشيد بك نعمان. ذلك الرجل الذي داست قلبه وتركته ميتاً بين حوافر الحياة. ولما رأيت عينيها المنيرتين وسمعت نغمة صوتها الرخيمة، قلت في ذاتي: “أتقدر هذه المرأة أن تكون شريرة؟ وهل بإمكان هذا الوجه الشفاف أن يستر نفساً شنيعة وقلباً مجرمًا؟ أهذه هي الزوجة الخائنة؟ أهذه هي المرأة التي جنيت عليها مرات عديدة بتصويرها لفكري كثعبان مخيف مختبىء في جسم طائر بديع الشكل؟” ولكني رجعت وهمست في سري قائلاً: “إذن أي شيء جعل ذلك الرجل تعساً إذ لم يكن هذا الوجه الجميل؟ أوَلم نسمع ونرَ أن المحاسن الظاهرة كانت سبباً لمصائب خفية هائلة وأحزان عميقة أليمة؟ … أوَليس القمر الذي يسكب في قرائح الشعراء شعاعاً هو القمر الذي يهيج سكينة البحار بالمد والجزر؟”.

جلستُ وجلسَت السيدة وردة وكأنها قد سمعتني مفكراً فلم ترد أن يطول الصراع بين حيرتي وظنوني، فأسندت رأسها الجميل بيدها البيضاء، وبصوت يحاكي نغمة الناي رقة قالت: “لم ألتقِ بك قبل أيها الرجل، ولكني سمعت صدى أفكارك وأحلامك من أفواه الناس فعرفتك شفوقاً على المرأة المظلومة، رؤوفاً بضعفها، خبيراً بعواطفها وميولها. من أجل ذلك أريد أن أبسط لك قلبي وأفتح أمامك صدري، لترى مخبآته وتخبر الناس إن شئت بأن وردة الهاني لم تكن قط امرأة خائنة شريرة . . .

“كنت في الثامنة عشرة من عمري عندما قادني القدر إلى رشيد بك نعمان، وكان هو إذ ذاك قريباً من الأربعين، فشغف بي ومال إلي شريفاً كما يقول الناس، ثم جعلني زوجة له وسيدة في منزله الفخم بين خدمه الكثيرين، فألبسني الحرير وزيّن رأسي وعنقي ومعصمي بالجواهر والحجارة الكريمة، وكان يعرضني كتحفة غريبة في منازل أصدقائه ومعارفه، ويبتسم ابتسامة الفوز والانتصار عندما يرى عيون أترابه ناظرة إلي بإعجاب واستحسان، ويرفع رأسه تيهاً وافتخاراً إذ يسمع نساء أصحابه يتكلمن عني بالإطراء والمودة. ولكنه لم يكن يسمع قول السائل: أهذه زوجة رشيد بك أم هي صبية تبناها؟ وقول الآخر: لو تزوج رشيد بك في زمن الشباب لكان بكره أكبر سناً من وردة الهاني.

“جرى كل ذلك قبل أن تستيقظ حياتي من سبات الحداثة العميق، وقبل أن توقد الآلهة شعلة المحبة في قلبي، وقبل أن تنبت بذور العواطف والميول في صدري. نعم جرى كل ذلك عندما كنت أحسب منتهى السعادة في ثوب جميل يزين قامتي، ومركبة فخمة تجرني، ورياش ثمينة تحيط بي. ولكن عندما استيقظت – عندما استيقظت وفتح النور أجفاني، وشعرت بألسنة النار المقدسة تلسع أضلعي وتحرقها، وبالمجاعة الروحية تقبض على نفسي فتوجعها – عندما استيقظت ورأيت أجنحتي تتحرك يميناً وشمالاً وتريد النهوض بي إلى سماء المحبة، ثم ترتجف وترتخي عجزاً بجانب سلاسل الشريعة التي قيدت جسدي قبل أن أعرف كنه تلك القيود ومفاد تلك الشريعة – عندما استيقظت وشعرت بهذه الأشياء، عرفت أن سعادة المرأة ليست بمجد الرجل وسؤدده، ولا بكرمه وحلمه، بل بالحب الذي يضم روحها إلى روحه، ويكسب عواطفها في كبده، ويجعلها ويجعله عضواً واحداً من جسم الحياة وكلمة واحدة على شفتي الل ه- عندما بانت هذ الحقيقة الجارحة لبصيرتي رأيتني في منزل رشيد نعمان مثل لص سارق يأكل خبزه ثم يستتر بظلام الليل. وعرفت أن كل يوم اصرفه بقربه هو كذبة هائلة يخطها الرياء بأحرف نارية ظاهرة على جبهتي أمام الأرض والسماء، لأنني لم أقدر أن أهبه محبة قلبي لقاء كرمه، ولا أن أمنحه انعطاف نفسي ثمناً لإخلاصه وصلاحه. وقد حاولت وباطلاً حاولت أن أتعلم محبته فلم أتعلم، لأن المحبة هي قوة تبتدع قلوبنا، وقلوبنا لا تقدر أن تبتدعها. ثم صليت وتضرعت وباطلاً تضرعت وصليت في سكينة الليالي أمام السماء لتولد في أعماقي عاطفة روحية تقربني من الرجل الذي اختارته رفيقاً لي فلم تفعل السماء، لأن المحبة تهبط على أرواحنا بإيعاز من الله لا بطلب من البشر، وهكذا بقيت عامين كاملين في منزل ذلك الرجل أحسد عصافير الحقل على حريتها، وبنات جنسي يحسدنني على سجني. وكالثكلى الفاقدة وحيدها كنت أندب قلبي الذي ولد بالمعرفة واعتلّ بالشريعة، وكان يموت في كل يوم جوعاً وعطشاً.

ففي يوم من تلك الأيام السوداء نظرت من وراء الظلمة فرأيت شعاعاً لطيفاً ينسكب من عيني فى يسير وحده على سبل الحياة، ويعيش منفرداً بين أوراقه وكتبه في هذا البيت الحقير، فأغمضت عينيّ كيلا أرى ذلك الشعاع وقلت لنفسي: “نصيبك يا نفس ظلمة القبر، فلا تطمعي بالنور. ثم أصغيت فسمعت نغمة علوية تهز جوارحي بعذوبتها وتمتلك كليتي بطهرها، فأغلقت أذني وقلت نصيبك يا نفس صراخ الهاوية فلا تطمعي بالأغاني . . أغمضت أجفاني كيلا أرى، وأغلقت أذني كيلا أسمع. لكن عيني ظلتا تريان ذلك الشعاع وهما منطبقتان، وأذني تسمعان تلك النغمة وهما مغلقتان، فخفت لأول وهلة خوف فقير وجد جوهرة بقرب قصر الأمير فلم يجسر أن يلتقطها لخوفه، ولم يقدر أن يتركها لفاقته. وبكيت بكاء ظامىء رأى الينبوع العذب محاطاً بكواسر الغاب فارتمى على الأرض مترقباً جازعاً”

وسكتت السيدة وردة دقيقة، وقد أغمضت عينيها الكبيرتين كأن ذلك الماضي قد انتصب أمامها فلم تجسر أن تحدق إليّ وجهاً لوجه. ثم عادت فقالت: “هؤلاء البشر الذين يجيئون من الأبدية ويعودون إليها قبل أن يذوقوا طعم الحياة الحقيقية لا يمكنهم أن يدركوا كنه أوجاع المرأة عندما تقف نفسها بين رجل تحبه بإرادة السماء، ورجل تلتصق به بشريعة الأرض. هي مأساة أليمة مكتوبة بدماء الأنثى ودموعها يقرأها الرجل ضاحكاً لأنه لا يفهمها، وإن فهمها انقلب ضحكه فجوراً وقساوة وأنزل على رأس المرأة من غضبه ناراً وكبريتاً، وملأ أذنيها لعناً وتجديفاً.

“هي رواية موجعة تمثلها الليالي السوداء بين ضلوع كل امرأة تجد جسدها مقيداً بمضجع رجل عرفته زوجاً قبل أن تعرف معنى الزيجة، ترى روحها مرفرفة حول آخر تحبه بكل ما في الروح من المحبة وبكل ما في المحبة من الطهر والجمال. هو نزاع مخيف قد ابتدأ منذ ظهور الضعف في المرأة والقوة في الرجل، ولا ينتهي حتى تنقضي أيام عبودية الضعف للقوة. هي حرب هائلة بين شرائع الناس الفاسدة وعواطف القلب المقدسة قد طُرحتُ بالأمس في ساحتها وكدت أموت جزعاً وأذوب دموعاً، لكنني وقفت ونزعت عني جبانة بنات جنسي وحللت جناحيّ من ربط الضعف والاستسلام وطرت في فضاء الحب والحرية، وأنا سعيدة الآن بقرب الرجل الذي خرج وخرجت شعلة واحدة من يد الله قبيل ابتداء الدهور، ولا توجد قوة في هذا العالم تستطيع أن تسلبني سعادتي لأنها منبثقة من عناق روحين يضمهما التفاهم ويظللهما الحب”.

ونظرت إلي السيدة وردة نظرة معنوية كأنها تريد أن تخترق صدري بعينيها لترى تأثير كلامها في عواطفي وتسمع صدى صوتها من بين ضلوعي لكنني بقيت صامتاً كيلا أوقفها عن الكلام. فقالت وقد قارن صوتها بين مرارة الذكرى وحلاوة الخلاص والحرية :

“يقول لك الناس إن وردة الهاني امرأة خائنة جحود قد اتبعت شهوة قلبها وهجرت الرجل الذي رفعها إليه وجعلها سيدة في منزله. ويقولون لك هي زانية عاهرة قد أتلفت بمقابضها القذرة إكليل الزواج المقدس الذي ضفرته الديانة، واتخذت عوضاً عنه إكليلاً وسخاً محبوكاً من أشواك الجحيم، وألقت عن جسدها ثوب الفضيلة وارتدت لباس الإثم والعار. ويقولون لك أكثر من ذلك لأن أشباح جدودهم ما زالت حية في أجسادهم. فهم مثل كهوف الأودية الخالية يرجعون صدى أصوات لا يفهمون معناها. هم لا يعرفون شريعة الله في مخلوقاته، ولا يفقهون مفاد الدين الحقيقي، ولا يعلمون متى يكون الإنسان خاطئاً أو باراً، بل ينظرون بأعينهم الضئيلة إلى ظواهر الأعمال ولا يرون أسرارها، فيقضون بالجهل ويدينون بالعماوة، ويستوي أمامهم المجرم والبريء والصالح والشرير.

فويل لمن يقضي وويل لمن يدين… أنا كنت زانية وخائنة في منزل رشيد نعمان لأنه جعلني رفيقة مضجعه بحكم العادات والتقاليد قبل أن تصيّرني السماء قرينة له بشريعة الروح والعواطف. وكنت دنسة ودنيئة أمام نفسي وأمام الله عندما كنت أشبع جوفي من خيراته ليشبع ميوله من جسدي. أما الآن فصرت طاهرة نقية لأن ناموس الحب قد حررني. وصرت شريفة وأمينة لأنني أبطلت بيع جسدي بالخبز وأيامي بالملابس. نعم كنت زانية ومجرمة عندما كان الناس يحسبونني زوجة فاضلة، واليوم صرت طاهرة وشريفة وهم يحسبونني عاهرة دنسة لأنهم يحكمون على النفوس من مآتي الأجساد، ويقيسون الروح بمقاييس المادة”.

والتفتت السيدة وردة نحو النافذة وأشارت بيمينها نحو المدينة ورفعت صوتها عن ذي قبل وقالت بلهجة الاحتقار والاشمئزاز كأنها رأت بين الأزقّة وعلى السطوح وفي الأروقة أشباح المفاسد وأخيلة الانحطاط: “أنظر إلى هذه المنازل الجميلة والقصور الفخمة العالية حيث يسكن الأغنياء والأقوياء من البشر، فبين جدرانها المكسوة بالحرير المنسوج تقطن الخيانة بجانب الرياء، وتحت سقوفها المطلية بالذهب المذوّب يقيم الكذب بقرب التصنّع. أنظر وتأمل جيدًا بهذه البنايات التي تمثّل لك المجد والسؤدد والسعادة، فهي ليست سوى مغاور يختبىء فيها الذل والشقاء والتعاسة. هي قبور مكلّسة يتوارى فيها مكر المرأة الضعيفة وراء كحل العيون واحمرار الشفاه، وتنحجب في زواياها أنانية الرجل وحيوانيته بلمعان الفضّة والذهب. هي قصور تتشامخ جدرانها تيهاً وافتخاراً نحو العلاء، ولو كانت تشعر بأنفاس المكارِه والغش السائلة عليها لتشقّقت وتبعثرت وهبطت إلى الحضيض. هي منازل ينظر إليها القروي الفقير بعينين دامعتين، ولو علم أنه لا يوجد في قلوب سكانها ذرّة من تلك المحبة العذبة التي تملأ صدر رفيقته لابتسم مستهزئاً وعاد إلى حقله مشفقاً”.

وأمسكت السيدة وردة بيدي وقادتني إلى جانب النافذة التي كانت تنظر منها نحو تلك المنازل والقصور وقالت: “تعالَ فأريك خفايا هؤلاء الناس الذين لم أرضَ أن أكون مثلهم. أنظر إلى ذلك القصر ذي الأعمدة الرخامية والجوانح النحاسية والنوافذ البلورية، ففيه يسكن رجل غنيّ ورث ماله عن والده البخيل واكتسب أخلاقه من جوانب الأزقة المفعمة بالمفاسد. وقد تزوج منذ عامين بامرأة لم يعرف عنها شيئاً سوى أن لوالدها شرفاً موروثاً ومنزلة رفيعة بين نبلاء البلاد. ولم ينقضِ شهر العسل حتى ملّها متضجراً وعاد إلى مسامرة بنات الهوى، وتركها في هذا القصر مثلما يترك السكّير جرة خمر فارغة، فبكت وتوجعت لأوّل وهلة، ثم تصبّرت وسلت سلوّ من عرف خطأه، وعلمت أن دموعها هي أثمن من أن تهرق على خسارة رجل مثل زوجها. وهي الآن مشغولة عن كل شيء بعشق فتى جميل الوجه حلو الحديث، تسكب على راحتيه عواطف قلبها وتملأ جيوبه من ذهب بعلها الذي يغضّ الطرف عنها لأنها تغضّ الطرف عنه… ثمّ انظر إلى ذلك البيت المحاط بالحديقة الغنّاء، فهو مسكن رجل ينتمي إلى أسرة شريفة حكمت البلاد مدة طويلة، وقد انخفض مقامها اليوم بتوزيع ثرواتها واصراف أبنائها إلى التواني والكسل. وقد اقترن هذا الرجل منذ أعوام بفتاة قبيحة الصورة لكنها غنية جداً، وبعد استيلائه على ثروتها الطائلة نسي وجودها واتخذ له خليلة حسناء وغادرها تنهش أصابعها ندماً وتذوب شوقاً وحنيناً. وهي الآن تصرف الساعات بتجعيد شعرها، وتكحيل عينيها، وتلوين وجهها بالمساحيق والعقاقير، وتزيين قامتها بالأطالس والحرير، لعلها تحظى بنظرة من احد زائريها، لكنها لا تحصل إلا على نظرات شبحها في المرآة… ثم انظر إلى ذلك المنزل الكبير المزين بالنقوش والتماثيل، فهو منزل امرأة جميلة الوجه، خبيثة النفس، قد مات زوجها الأوّل فاستأثرت بأمواله وأملاكه ثم اختارت من بين الرجال رجلاً ضعيف الجسم والإرادة واتخذته بعلاً لتحتمي باسمه من ألسنة الناس وتدافع بوجوده عن منكراتها. وهي الآن بين مريديها كالنحلة تمتصّ من الزهور ما كان حلواً ولذيذاً. وانظر إلى تلك الدار ذات الأروِقة الوسيعةِ والقناطر البديعةِ، فهي مسكن رجل مادي الميول، كثير المشاغل والمطامع، وله وزجة كل ما في جسدها جميل وحسن، وكل ما في روحها حلو ولطيف، وقد تمازجت في شخصها عناصر النفس بدقائق الجسد مثلما تتآلف في الشعر نغمة الوزن برقة المعاني، فهي قد كُوّنت لتعيش بالحب وتموت به. ولكنها كالكثيرات من بنات جنسها قد جنى عليها والدها قبل بلوغها الثامنة عشرة من عمرها ووضع عنقها تحت نير الزيجة الفاسدة، وهي الآن سقيمة الجسم تذوب كالشمع بحرارة عواطفها المقيّدة، وتضمحلّ على مهل كالرائحة الزكيّة أمام العاصفة، وتفنى حباً بشيء جميل تشعر به ولا تراه، وتصبو حنيناً إلى معانقة الموت لتتخلص من حياتها الجامدة وتتحرر من عبودية رجل يصرف الأيام بجمع الدنانير والليالي بعدّها ويصرّ أسنانه مجدّفا على الساعة التي تزوج فيها بامرأة عاقر لا تلد له ابناً ليحيي اسمه ويرث ماله وخيراته… ثمّ انظر إلى ذلك البيت المنفرد بين البساتين، فهو مسكن شاعر خيالي سامي الأفكار، روحي المذهب، له زوجة غليظة العقل، خشنة الطباع، تسخر بأشعاره لأنها لا تفهمها، وتستهزىء بأعماله لأنها غريبة، وهو الآن مشغول عنها بمحبة امرأة أخرى متزوجة تتوقّد ذكاء وتسيل رقة وتولّد في قلبه النور بانعطافها وتوحي إليه الأقوال الخالدة بابتسامتها ونظراتها”.

وسكتت السيدة وردة هنيهة وقد جلست على مقعد بجانب النافذة كأن نفسها قد تعبت من التجوّل في مخادع تلك المنازل الخفيّة، ثمّ عادت تقول بهدوء: “هذه هي القصور التي لم أرضَ أن أكون من سكانها. هذه هي القبور التي لم أرد أن أدفن حية طيَّ لحودها. هؤلاء هم الناس الذين تخلصت من عوائدهم وخلعت عنّي نير جامعتهم. هؤلاء هم المتزوجون الذين يقترنون بالأجساد ويتنافرون بالروح، ولا شفيع بهم أمام الله سوى جهلهم ناموس الله. أنا لا أدينهم الآن بل أشفق عليهم، ولا أكرههم بل أكره استسلامهم عفواً إلى الرياء والكذب والخباثة. ولم أكشف أمامك خفايا قلوبهم وأسرار معيشتهم لأنني أحب الاغتياب والنميمة، بل فعلت ذلك لأريك حقيقة قوم كنت بالأمس مثلهم فنجوت، وأبيّن لك معيشة بشر يقولون عنّي كل كلمة شريرة، لأنني خسرت صداقتهم لأربح نفسي، وخرجت عن سبل خداعهم المظلمة وحوّلت عينيّ نحو النور حيث الاخلاص والحق والعدل. وقد نفوني الآن من جامعتهم وأنا راضية، لأن البشر لا ينفون إلّا من تمردت روحه الكبيرة على الظلم والجور. ومن لا يؤثر النفي على الاستعباد لا يكون حرّاً بما في الحرية من الحق والواجب. أنا كنت بالأمس مثل مائدة شهيّة، وكان رشيد بك يقترب مني عندما يشعر بحاجة إلى طعام، أما نفسانا فتظلان بعيدتين كخادمين ذليلين. ولمّا رايت المعرفة كرهت الاستخدام، وقد حاولت الخضوع لما يدعونه نصيباً فلم أقدر، لأن روحي أبت أن أصرف العمر كله راكعة أمام صنم مخيف أقامته الأجيال المظلمة ودعته الشريعة. فكسرت قيودي لكنني لم ألقِها عني حتى سمعت الحب منادياً ورأيت النفس متأهبة للمسير.

“فخرجت من منزل رشيد نعمان خروج الاسير من سجنه تاركة خلفي الحلى والحلل والخدم والمركبات وجئت بيت حبيبي الخالي من الرياش المملوء من الروح وأنا عالمة بأنني لم أفعل غير الحق والواجب، لأن مشيئة السماء، ليست بأن أقطع جناحي بيدي وأرتمي على الرماد حاجبة رأسي بساعدي، ساكبة حشاشتي من أجفاني قائلة هذا نصيبي من الحياة. إن السماء لا تريد أن أصرف العمر صارخة متوجعة في الليالي قائلة متى يجيء الفجر، وعندما يجيء الفجر أقول متى ينقضي هذا النهار. إن السماء لا تريد أن يكون الإنسان تعساً لأنها وضعت في أعماقه الميل إلى السعادة، لأنه بسعادة الإنسان يتمجّد الله.

“هذه هي حكايتي أيها أيها الرجل، وهذا احتجاجي أمام السماء والأرض، وأنا أردّده وأترنّم به والناس يغلقون آذانهم ولا يسمعون لأنّهم يخشون ثورة أرواحهم، ويخافون أن تتزعزع أسس جامعتهم وتهبط على رؤوسهم.

“هذه هي العقبة التي سرت عليها حتى بلغت قمة سعادتي، ولو جاء الموت واختطفني الآن لوقفت روحي أمام العرش الأعلى بلا خوف ولا وجل، بل بفرح وأمل، وانحلّت لفائف ضميري أمام الديّان الأعظم وبانت نقيّة كالثلج، لأنني لم أفعل غير مشيئة النفس التي فصلها الله عن ذاته، ولم أتبع غير نداء القلب وصدى أغاني الملائكة.

“هذه هي روايتي التي يحسبها سكان بيروت لعنة في فم الحياة وعلّة في جسم الهيئة الاجتماعية. ولكنهم سوف يندمون عندما تنبّه الأيام محبّة المحبّة في قلوبهم المظلمة، مثلما تستنبت الشمس الزهور من بطن الأرض المملوء من بقايا الأموات فيقف إذ ذاك عابر الطريق بجانب قبري ويلقي عليه السلام قائلاً: ‘ههنا رقدت وردة الهاني التي حرّرت عواطفها من عبوديّة الشرائع البشرية الفاسدة لتحيا بناموس المحبة الشريفة. وحولت وجهها نحو الشمس كيلا ترى ظل جسدها بين الجماجم والأشواك”.

ولم تنته السيدة وردة من كلامها حتى فتح الباب ودخل علينا فتى نحيل القوام، جميل الوجه، تنسكب من عينيه أشعة سحرية وتسيل على شفتيه ابتسامة لطيفة. فوقفت السيدة وردة وأمسكت بذراعه بانعطاف كلّي وقدمته إلي بعد أن لفظت اسمي مذيّلاً بكلمة لطيفة واسمه مشفوعاً بنظرة معنوية، فعرفت أنه ذلك الشاب الذي أنكرت العالم وخالفت الشرائع والتقاليد من أجله.

ثم جلسنا جميعاً صامتين لانشغال كل منا بمعرفة رأي الآخر فيه. حتى إذا مرّت دقيقة مملوءة من السكينة التي تستميل النفوس إلى الملإ الأعلى، نظرت إليهما وقد جلسا أحدهما بجانب الآخر فرأيت ما لم أرَه قط، وعرفت بلحظة معنى حكاية السيدة وردة وأدركت سر احتجاجها على الهيئة الاجتماعية التي تضطهد الأفراد المتمردين على شرائعها قبل أن تستفحص دواعي تمردهم. رأيت روحاً واحدة سماوية متمثلة أمامي بجسدين يجملهما الشباب ويسربلهما الاتحاد وقد وقف بينهما إله الحب باسطاً جناحيه ليحميهما من لوم الناس وتعنيفهم. وجدت التفاهم الكلي منبعثاً من وجهين شفافين ينيرهما الإخلاص ويحيط بهما الطهر. وجدت لأول مرة في حياتي طيف السعادة منتصباً بين رجل وامرأة يرذلهما الدين وتنبذهما الشريعة.

وبعد هنيهة وقفت وودعتهما مظهراً بغير الكلام تأثيرات نفسي وخرجت من ذلك المنزل الحقير الذي جعلته العواطف هيكلاً للحب والوفاق، وسرت بين تلك القصور والمنازل التي أظهرت لي خفاياها السيدة وردة مفكراً بحديثها وبكل ما ينطوي تحته من المبادئ والنتائج، ولكنني لم أبلغ أطراف ذلك الحي حتى تذكرت رشيد بك نعمان، فتمثلت لبصيرتي لوعة قنوطه وشقائه فقلت في ذاتي: “هو تعس مظلوم ولكن هل تسمعه السماء إذا وقف أمامها متظلماً شاكياً وردة الهاني؟ هل جنت عليه تلك المرأة عندما تركته واتبعت حرية نفسها، أم هو الذي جنى عليها عندما أخضع جسدها بالزواج قبل أن يستميل روحها بالمحبة؟ فمن هو الظالم من الاثنين ومن هو المظلوم؟ ومن هو المجرم ومن هو البريء يا ترى؟” ثم عدت قائلاً لذاتي مستفياً أخبار الأيام مستقصياً حوادثها: “كثيراً ما أباح الغرور للنساء أن يتركن رجالهن الفقراء ويتعلقن بالرجال الأغنياء، لأن شغف المرأة ببهرجة الملابس ونعومة العيش يعمي بصيرتها ويقودها إلى العار والانحطاط. فهل كانت وردة الهاني مغرورة وطامعة عندما خرجت من قصر رجل غني مفعم بالحلى والحلل والرياش والخدم وذهبت إلى كوخ رجل فقير لا يوجد فيه سوى صف من الكتب القديمة؟ وكثيراً ما يميت الجهل شرف المرأة ويحي شهواتها فتترك بعلها مللاً وتضجراً وتطلب ملذات جسدها بقرب رجل آخر أكثر منها انحطاطاً وأقل شرفاً. فهل كانت وردة الهاني جاهلة راغبة بالملذات الجسدية عندما أعلنت استقلالها على رؤوس الأشهاد وانضمت إلى فتى روحي الميول، وقد كان بإمكانها أن تشبع حواسها سراً في منزل زوجها من هيام الفتيان الذين يستميتون ليكونوا عبيد جمالها وشهداء غرامها؟ وردة الهاني كانت امرأة تعسة فطلبت السعادة فوجدتها وعانقتها، وهذه هي الحقيقة التي تحتقرها الجامعة الإنسانية وتنفيها الشريعة”.

همست تلك الكلمات في مسامع الأثير ثم قلت مستدركاً: “ولكن أيسوغ للمرأة أن تشتري سعادتها بتعاسة بعلها؟” فأجابتني نفسي قائلة: “وهل يجوز للرجل أن يستعبد عواطف زوجته ليبقى سعيداً؟”

وظللت سائراً وصوت السيدة وردة يتموج في مسامعي حتى بلغت أطراف المدينة والشمس قد مالت إلى الغروب وابتدأت الحقول والبساتين تتشح بنقاب السكينة والراحة، والطيور تنشد صلاة المساء. فوقفت متأملاً ثم تنهدت قائلاً: “أمام عرش الحرية تفرح هذه الأشجار بمداعبة النسيم وأمام هيبتها تبتهج بشعاع الشمس والقمر. على مسامع الحرية تتناجى هذه العصافير وحول أذيالها ترفرف بقرب السواقي. في فضاء الحرية تسكب هذه الزهور عطر أنفاسها وأمام عينيها تبتسم لمجيء الصباح. كل ما في الأرض يحيا بناموس طبيعته ومن طبيعة ناموسه يستمد مجد الحرية وأفراحها. أما البشر فمحرومون من هذه النعمة لأنهم وضعوا لأرواحهم الإلهية شريعة عالمية محدودة، وسنّوا لأجسادهم ونفوسهم قانونا واحدا قاسيا، وأقاموا لميولهم وعواطفهم سجنا ضيقا مخيفا، وحفروا لقلوبهم وعقولهم قبراً عميقاً مظلماً. فإذا ما قام واحد من بينهم وانفرد عن جامعتهم وشرائعهم قالوا هذا متمرد شرير خليق بالنفي، وساقط دنس يستحق الموت… ولكن هل يظل الإنسان عبداً لشرائعه الفاسدة إلى انقضاء الدهر أم تحرره الأيام ليحيا بالروح وللروح؟ أيبقى الإنسان محدقاً إلى التراب أم يحول عينيه نحو الشمس كيلا يرى ظل جسده بين الأشواك والجماجم؟”