لم يمرّ على زواجي سوى ستّ سنوات حتى بدأت أتعب وألهث، خصوصًا لدى صعودي الأدراج، اعتقدت أنّه تعب طارئ سينتهي، ولكنّه استمر وتفاقم. بعد الفحوصات الكثيرة قالوا لي “إنّ عضلة القلب واهية، لا مفرّ لك من قلب جديد وإلا…!”.

حدث تراجع خطير بأدائي لمهامي المُهمّة، وأخطرها الواجبات الشرعية.
حتى أن أم العيال الرؤوم قالت لي بلهجة تهديد “ازرع قلباً جديداً وإلا…!”
انتظرت العملية أكثر من عامين، وتدهورت حالتي أكثر، وبطريقة ما بُلّغتُ أنه عليّ تقديم رشوة للمسؤولين في المستشفى، كي يُعجلوا لي بقلب جديد وإلا..!

قرّرتُ رفض تقديم الرشوة مبدئياً، حتى ولو فطست، وتمسّكتُ بحقي بالحصول بشرف على قطعة الغيار التي يحتاجها جسدي، فتعقّد الأمر وبات من شبه المستحيل حصولي على ما أريد.

حينذاك اكتشف الوالد أن له قريبًا تلاعبت به العواصف منذ نكبة الفلسطينية الأولى إلى أن رمته أخيراً في الدنمارك.

باع الوالد قطعة الأرض الأخيرة التي نملكها، بالإضافة لتبرعات من أهل الخير، وسافرت إلى قريبه في الدنمارك، وبأسرع مما توقعت حدث ما تمنيت، فقد ارتطم أحدهم بكاسحة جليد بسيارته وكف مخيخه عن البث والإرسال فانتزعوا قلبه السليم وزرعوه مكان قلبي السقيم.

زارتني في المستشفى صديقة (فيلكس) صاحب القلب، واعتبرت أن لها حصة منذ الآن في جسدي، وهمّت بي تعانقني وتقبلني فبادلتها المشاعر نفسها وبحماس كبير.
منذ غُرس قلب فيلكس في صدري، لم يعد بإمكاني كبح مشاعري التي فاضت بكل الاتجاهات، ولاحظت أنني صرت أسقط في شباك الحب والغواية بسهولة، وصرت أتذكر قلبي القديم السقيم فأقول بمرارة “لعنك الله من قلب جاف سقيم، لقد كنت حائلاً بيني وبين السعادة”.
لن أنسى فضل هذا الدنماركيّ ما حييت، والذي ما زالت صديقته تراسلني عبر الإنترنت، فتسألني عن أحوال قلب صديقها (فيلكس) وتكتب: “آمل أن لا تتعبه يا (عبدل)، وما زالت ترسل له بطاقات معايدة في ميلاده، وفي ذكرى أول تواصل جسدي بينهما إذ تكتب” في مثل هذه الليلة تضاجعنا وكنا سعداء على كومة ثلج يا حبيبي”. الغريب أنني حين كنت أقرأ رسائلها يتسارع نبض (قلبه)، ويكاد يقفز من صدري، وكأنه جزيرة ذات حكم ذاتي داخل جسدي.

صرت أحبّ المعلبات من اللحوم والأسماك والألبان والأجبان الدنماركية، والتي ما كانت تخطر لي على بال في فترة القلب القديم، أدمنتها، أما الانقلاب الحقيقي فقد ظهر في مباريات كرة القدم، فبعد أن كنت منحازًا تلقائيًا لفرق العالم الثالث، مثل الكاميرون وإيران ومصر، فقد وجدت نفسي متورطاً بتشجيع المنتخب الدنماركي بحرارة، وهذا أزعج الأصدقاء والأقرباء الذين اعتبروه تراجعاً مبدئيًا وموقفًا عدائياً لحركات التحرر وممالئاً للاتحاد الأوروبي ذي الموقف الهلامي من قضيتنا، وسال لعابي إذ رأيت على رف إحدى الحوانيت زجاجة فودكا عليها صورة لوعلين وكأني أعرفهما، ولولا لطف الله لصرت مدمناً للفودكا. وتوقع أهل بلدي المتشائمون كعادتهم أنني سأموت بسرعة، وقالوا بسذاجة “هذا القلب الإسكندنافي لن يلائم جسد عبد الله اليعربي، واكتشفت أن أحد الشعراء الأصدقاء بدأ بنظم قصيدة رثاء عمودية لحضرتي كي لا تأخذه وفاتي على حين غرة، وكي لا يبدو ركيكاً عند إلقائها في حفل التأبين الذي سيبادر هو نفسه لإقامته فقط كي يلقي القصيدة، ولكنني خيّبت ظن الشاعر وأبناء بلدي الكرام، بل وصرت أشيّعهم واحداً تلو الآخر فأكسب بهم أجراً، وكثيراً ما سمعت في الجنازات بأذنيّ “توقعنا هذا لعبد الله وليس لفلان”، ونكاية بهؤلاء الذين توقعوا لي الرحيل السريع، ذهبت إلى شركة تأمين جدّية وأمنت على قلبي بل على كل أعضاء جسدي، وتبين لي أن شركات التأمين تحترم القلوب الإسكندنافية ومستعدة لتأمينها لمدة خمس سنوات تجدد بعد الفحص، بينما ترفض تأمين القلوب التايوانية أو الإفريقية، علماً أن أبحاثاً أكّدت جودة القلب الإفريقيّ رغم رخصه، وتسربت أنباء تقول إن مفاوضات سرية جرت بين مؤتمر الوحدة الأفريقية وشركة سيمنز الألمانية التي تنوي احتكار القلوب الأفريقية نظراً لرخصها لزراعتها في صدور الأوروبيين والأمريكان. صرت أطرب لموسيقاهم التي ما كنت أطيقها من قبل، وتحمّست لهم في مسابقة الأغاني الأوروبية، وفي يوم ما ودون تنسيق مسبق وجدت نفسي أدخل السفارة الدنماركية وأهتف بحرارة وبلا وعي مني (بالروح بالدم نفديك يا اندرسون)، وتبين أن اندرسون هذا كان مرشحاً لرئاسة البرلمان الدنماركي في حينه، ولم أصح من هذه النوبة، إلا حين تدخل حارس السفارة الذي ظنني مقبلا على عمل إرهابي، فأهنت وصُفعت وفُتح ملف ضدي ولم يشفع لي ولم يطلق سراحي إلا قلب (فيلكس)، فقد تدخل السفير الدنماركي في تل أبيب، وعانقني بحرارة، وقبلني بالضبط تحت خصلة ثديي الأيسر بعد أن تفهم دوافعي، إلا أنه وأثناء عودتي وقع لي حادث طرق مروع، لم أصح منه إلا بعد اسبوعين، كان الحادث قد حطمني تماماً وأصيبت معظم اعضاء جسدي حتى الخصيتين والعضو العزيز، وتدخلت شركة التأمين فوراً وبلا مماطلة فأرسلتني إلى عدة أقطار للعلاج، بدأت بأمريكا فرجعت منها أطول بتسعة سنتمترات من طولي الأصلي إذ حصلت على ساقيّ لاعب كرة سلة، ثم عرجت إلى بريطانيا فحصلت على ذراعين في حالة جيدة ولم يعبهما سوى شامة لفتاة عارية نُقشت على الذراع اليسرى، وحصلت على كليتين من أصل هندي، أما الخصيتان والعضو العزيز فمن رجل هولندي تنازل عنهما نهائياً، بعد أن قرر الانتقال إلى معسكر الجنس الآخر، أما اللسان فقد سُحب من بلعوم مومس فرنسية، وأُحضرت لي عينان ذهبيتان رائعتان لراقص سامبا من البرازيل. هكذا عدت كما كنت، وربما أفضل حالاً من الأصل.

إلا أن المشكلة التي لم أتوقعها هي أنني بدأت أتأخر بالرد عندما ينادونني باسمي (عبد الله)، وصرت أنتبه للكثيرين يقولون لي لماذا لا ترد! ألا تسمع بأننا نناديك! كنت أسمع اسم عبدالله، فألتـفــت حولي معتقداً أنه شخص آخر غيري! بعد التشاور خرج الأصدقــاء والأحباء بقرار، لا حل إلا أن ندعوه عبده فيلكس ، وسيعرف أنه المقصود! وبالفعل صار قلبي ينقز عندما اسمع هذه التسمية وأنتبه فوراً..!
خلال اشهر اعتاد الناس على اسمي وشخصيتي الجديدة، حتى والديّ اللذين أبديا في البداية مقاومة شرسة، رضخا للأمر الواقع واضطرا أن ينادياني بالاسم الجديد.. عبده فيلكس! عندما لفظها والدي أول مرة التقت عيناي البرازيليتان بعينيه المخضلتين، كان في صوته رجفة وحزن، وكان يرتعد كأنه قابض على جمر وهو يسمع طريقتي الفرنسية في لفظ الكلمات حتى  خلته سيتقيأ، أدركت أنه أدرك أنني لم أعد عبد الله نفسه ابنه، وفلذة كبده الذي خرج من صلبه، وبين فينة وأخرى أنتبه إليه يهذي عبد فيلكس فيلكس.. فيلكس عبده فيلكس فيلكس.


ֹ(نشرت في صحيفة القدس العربي، وصحيفة كل العرب).

لا يذكرُ ختيارية البلد حادثًا شبيهًا مثل ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة. الحياة الرتيبة توقفت. التساؤلات كثرت. امتلأت الحارة بالغرباء. سيارات من كلّ الألوان والأنواع مع صحون كبيرة على سقفها. الكل يتساءل ما الذي حدث؟ هل هي حرب جديدة؟ الأولاد يقولون إنّ هذه الصحون هي لاقطات تلفزيونية تنقل الصورة فورًا من هنا إلى كل التلفزيونات حتى التي في أمريكا. هذا الكلام غير مقنع. أيام العجائب انتهت. الأولاد ليسوا مثل أيامنا. “أكل ومرعى وقلة عقل”، قال ختيار بألم وأضاف: “كنا في جيلهم نزن نصف وزنهم اليوم، ولكن عقلنا كان أكبر”.

توجس الجميع: “ما هذا الهجوم على الحيّ؟ هل وجدوا جاسوسًا؟ كلّها قضية ضد رائحة قاتلة من حظيرة خنازير..؟”

 وصل عشرات الرجال مع كاميرات طويلة وقصيرة، وصبايا يركضن حولهم مع أجهزة مختلفة.

 بقالة الحارة، استفادت وباعت في اليوم ما تبيعه عادة في أسبوع وأكثر، ورغم أن البيرة من المحرمات، إلا أن الطلب المتزايد عليها من الغرباء، والتذمر من عدم وجودها في بقالة الحارة، اضطرّ صاحب البقالة إلى إحضار عدة صناديق من المشروب المكروه، بعد أن استغفر ربه مرات كثيرة، وبيعها بالمفرق لقليلي الدين، بسعر مربح جدًا، وكان يذمهم في سره وهو يستلم أثمان المشروب الذي حرمه الله. ورغم مقاطعة بعض الأهالي لدكانه، بسبب وجود محرمات إلى جانب البضاعة الأخرى، إلا أن البيع ازداد أضعافًا والربح في الأسبوع الواحد أفضل من سنة كاملة، والمسألة تحل بفتوى من شيخ الحارة بعد انتهاء مشكلة رائحة الخنازير وما جَرّته القضية من ضجة واهتمام وكثرة الوافدين للبلدة. ولولا أن الرائحة حقا صعبة، خاصة في ساعات الليل، لتمنى بقال الحارة أن لا يتغير الوضع. ولكنّه يفضّل الصّمت. ولكنّ السّر الذي يخفيه بقال الحارة أن بعض شباب البلد صاروا يشترون البيرة من بقالته، بدل الذهاب للمدينة القريبة، ويخفونها داخل الأكياس، ليشربوها على أطراف البلد حيث لا رقيب ولا حسيب. ولم يكن من مصلحته أن يكشف الأسرار، وفلسفته تقول أن لكل إنسان حسابا عند ربه، وليس عند البقال.

 وصلّى صاحب المخبز إلى ربه أن تطول الحكاية لسنة كاملة حتى يسد دينه المتراكم من تجهيزات المخبز الجديدة، وبدأ يحضر كميات أكبر من مناقيش الزعتر ومناقيش الجبنة، بل وساعدته أم الأولاد على خبز بيتسا بالجبنة الصفراء والبندورة، وحمد ربه ألف مرة على الخير الدافق، ولولا الحياء لحمد السلطة التي رخصت مزرعة الخنازير على الأرض المصادرة على أطراف البلد.

 وانفردت أسارير صاحب كيوسك الفلافل الذي رفع السعر كما لو كان على الشارع العام، وتمنى في سره أن تظل حظيرة الخنازير حتى يتحسن حسابه البنكي ويزوج ابنه البكر.

 حتى صاحب المقهى صار يبيع القهوة للمراسلين والزوار من المؤسسات وجمعيات الرفق بالحيوان بكؤوس بلاستيك صغيرة ب: ” 2 شيكل يا بلاش”.. ثم رفع السعر إلى 3 شيكل، لأنها فرصة لن تعود. ولكنه تساءل ما علاقة الرفق بالحيوان بأهل الحي ورائحة الخنازير، ولم يستطيع أن يجد أي علاقة فاستغفر ربه من طارئ مجهول.

ولكنّ الحق يقال إنّ أحدًا منهم لم يتخلف عن المشاركة في الاحتجاج على إقامة حظيرة خنازير على ارض البلد المصادرة. وأفتاها صاحب ألبقالة بقوله:” البزنس بزنس” ولم يفهم عليه معظم أبناء البلد القصد من كلمة “البزنس”، فانتشرت التفسيرات المتناقضة، وأعجبها أن البزنس هي دمج بين كلمتين: “بز ونس، أي النهد والنساء”.. حيث أن الصبايا الراكضات بين مصوري التلفزيونات، شبه مكشوفات الصدر، ونهودهن المهتزة عبر الفانلات الخفيفة تشد الأنظار ويشربن البيرة مثل الرجال. وهذا من مميزات الحدث الكبير الذي أثار هذا الضجيج حول الشكوى من رائحة الخنازير.

كبار السن قالوا أن ما يجري من أحداث، وتدفق العديد من الشخصيات وذوي المناصب والصحفيين ورجال الجمعيات، والالتصاق بأجهزة الراديو، لعدم تفويت نشرات الأخبار، يذكرهم بالانقلابات العسكرية العربية التي كانت تتوقف الإذاعات ليقرأ أحد الضباط البيان العسكري الأول باسم مجلس الثورة، ولا يمضي شهر آخر وإذا الإذاعة تصدح ببيانٍ عسكريّ أوّل جديد عن انقلاب عسكري جديد ومجلس ثورة جديد. وصار العربي كلما حدث خلل، أو صمت لبضع ثوان في الراديو، يتوهم أن البث توقف للإعلان عن انقلاب عسكري جديد، فيقرب أذنه لسماعة الراديو حتى لا يفوته خبر الانقلاب العسكري الجديد وتفاصيله وأسماء الجنرالات الجدد، ولكنّ المميز الوحيد الباقي في الذاكرة من الانقلابات العسكرية العربية، أن ما كان يتغير من لغة البيان، فقط أسماء الجنرالات الذي شكلوا مجلس الثورة الجديد، بدل الجنرالات الخونة السابقين. وكان والدي، رحمه الله، يقول بسخرية:” ما أكثر الجنرالات عند العرب.. كلما ازداد عددهم ازداد ضياعنا. كثرة بياناتهم العسكرية توهم السامع أنهم مشغولين بالحروب ضد أعداء الوطن، ويبدو أن المواطن صار يفهم تكتيكات الحرب، أفضل من أكبر جنرال.” واليوم عندما استعيد أقواله، وأستعرض هزائم العرب في الميادين العسكرية والاجتماعية والسياسية والعلمية والأخلاقية، أعرف تماما ما كان يقصد، أو الأصح ما كان يحس به!!

الانقلابات لم تجلب للعرب إلا رؤساء مؤبدين في الرئاسة، زادوا فقر الشعب وطوروا بجدارة أجهزة الأمن والقمع إلى جانب الأغاني الوطنية التي تشدو بإنجازاتهم غير المعروفة إلا للمغني وكاتب الكلمات والملحن، لدرجة أن البعض يظن أن المغنيات ساحرات الجمال، وظهورهن شبه العاري المثير لحماسة الشباب، هو الانجاز العبقري للانقلابات العسكرية في مجال تطوير الفن وعروض الصبايا الجميلات!!

أما ذلك الحدث في البلدة فكان انقلابًا من نوع آخر، لا عساكر فيه ولا جنرالات إلا إذا اعتبرنا قادة الأحزاب المتدفقين على البلدة التي كانت شبه منسية، جنرالات سياسيين.

أجل كان انقلابًا أشغل البلد والدنيا كلها.. وامتلأت الصحافة بالأخبار والتقارير، وتسابق المراسلون الصحفيون من التلفزيونات، وشبكات الراديو ومراسلي الصحف العربية والعبرية والأجنبية لتغطية الحدث، رغم أن الحديث عن بضعة من عرب البلاد، في بلدة شبه منسية، في بلاد كان اسمها فلسطين وصارت إسرائيل، لم يعد باستطاعتهم تحمل رائحة الخنازير المنبعثة بقوة من حظيرة الخنازير المحاذية للبلدة والمقامة على أراضي السكان المصادرة…

هل لأنّنا عرب حقّنا مغموط دائمًا؟

هذا السؤال ملأ فضاء القرية، وكالعادة أنكرت السلطة أي علاقة قومية بموضوع إنشاء حظيرة خنازير على أراضي القرية التي صودرت من أجل الصالح العام. وقال ناطق حكومي انه “لا علاقة بين اقتراح قانون منع العرب من القيام بفعاليات بذكرى النكبة، وحقهم بالاحتجاج على رائحة تعمل الحكومة بكلّ طواقمها المختصة 24 ساعة يوميا لإيجاد حل للمشكلةّ. وانه حتى لو أقرت الكنيست إسقاط مكانة اللغة العربية كلغة ثانية، حسب مشروع القانون المقدم للكنيست، فمن حق السكان أن يرفعوا شعارات بالعربية، وهذا لن يعاقب عليه القانون لأن إسرائيل دولة ديمقراطية”.

هذا التصريح الخطير تناقلته كل وسائل الإعلام، وأثار غضب المستوطنين اليمينيين، إذ انه أثبت أن الحكومة تهتم بمطالب العرب أكثر من اهتمامها بمطالبهم، بتوسيع البناء في المستوطنات.

الراديو المحلي أرسل مراسلا مقيما ليرصد الحدث غير العادي. ونشر تقارير وتعقيبات كلّ ساعة تقريبا، عن مخاطر الروائح، وضرورة نقل السكان إلى مكان آمن، حتى لا يتأذوا من الرائحة. وان تفرض قيود تحدد عدد الخنازير المسموح تربيتها في الحظيرة، بحيث تجري السيطرة على نسبة الروائح المنبعثة من الحظيرة حتى لا تتجاوز المقاييس البيئية التي تتحملها صحة البشر، حسب معايير وزارة البيئة، وتساءل أحد قادة الاحتجاج في البلدة إذا كانت معايير الوزارة متشابهة بين مختلف البشر المواطنين في الدولة؟ وهل اصطلاح البشر يخص العرب في هذه الحالة؟ مما يعتبر تقدما عن وصف قاله زعيم سابق بأنهم: “حيوانات تدب على اثنين “. أو يكون الحل بنقل المواطنين العرب إلى بلدة أخرى، وتوسيع الحظيرة التي يزداد الطلب على لحوم خنازيرها، خاصة بعد الهجرة الروسية التي جلبت مليون إنسان جديد، وصارت مزارع الخنازير تشكل مصدرًا هاما لميزانية الدولة، لا يمكن الاستهتار به.

احد المستمعين تساءل عبر الهاتف لماذا لا تنقل الحظيرة إلى مكان غير مأهول بدل هذا التشاطر في إيجاد حلول لا تنهي المشكلة؟ وهل نقل السكان العرب جائز ونقل الخنازير غير جائز؟ أم لأننا عرب حقنا مغموط دائما في هذه الدولة، حتى الخنازير لهم أهمية أكثر منا… رحلوا الخنازير…

و..انقطع البث ووضعت بدلا منه أغنية وطنية للفنانة الوطنية الكبيرة هيفاء وهبي:

” ليك الواوا بوس الواوا خلى الواوا يصح

 لما بوستو الواوا شيلتو صار الواوا بح “

 وذلك تعبيرًا عن الواقع الأليم في الحي من رائحة الخنازير القاتلة التي تصلهم مع نسمات الهواء. ولم يسمح لذلك المواطن بالتعبير عن رأيه كاملا، إذ صدر أمر من مدير الراديو بقطع البث منعا لهذا التطاول الترانسفيري على الخنازير، ولم يسمح لذلك المواطن بالتعبير عن رأيه كاملا، وأضاف مدير الراديو توجيها يقول أن الأحاديث حول هذا الموضوع السياسي الخطير، يجب أن تخضع للرقابة قبل بثها حتى لا تقع أزمة في العلاقات مع السلطة، لأن أصحاب المزارع يهود، وقد يفهم الكلام بأنه طلب لتهجير أصحاب المزارع اليهود من المنطقة وليس الخنازير. ونقل الحظيرة لمكان آخر خال من الناس سيفهم رفضا للنظام الديمقراطي الذي يضمن حرية كل شخص في اختيار مهنته، بغض النظر عن قوميته أو دينه. والويل لنا من هذا الموقف العنصري إذ سيقال أن العرب يرفضون مجاورة اليهود…وسيكون ذلك تبريرا لرفض الحاخامات تأجير بيوت للعرب في صفد والقدس وحيفا وطبريا والناصرة العليا وكرمئيل ومختلف المدن في إسرائيل.

مواقع الانترنت نصبت كاميراتها ترصدا لما سيحدث. كان التوتر شديدا.

وأصل الحكاية….

بدأت الحكاية من شكوى للمحكمة باسم أكثر من مائة صاحب منزل، ضد صاحب مزرعة خنازير أقيمت على أطراف البلد، على أراضي صودرت بحجة إقامة مشاريع حيوية للمواطنين. ولكن السلطة أجّرت الأرض لمستثمرين يهود لإقامة حظائر خنازير بعيدا عن المدن والبلدات اليهودية، بدل أن تقام مدرسة حسب المشروع الأصلي الذي أعدته السلطة المحلية قبل مصادرة الأرض. وصار الهواء يحمل إليهم رائحة قاتلة تجبرهم على إغلاق شبابيك منازلهم ليلا ونهارا، والتشظي في حم الصيف القاتل. والمشكلة أن الحظيرة رخصت من وزارة الداخلية التي يديرها يهودي متدين يرى بتربية الخنازير وأكل لحومها تجاوزا لتعاليم التوراة، وتلويث الأرض المقدسة بما يغضب الرب ويوقف المطر، ويسبب الحرائق في البلاد، ويزيد من انتشار الأمراض القاتلة، ويزيد من الكوارث الطبيعية غير العادية، بل ويجعل النساء يلدن إناثا بدل الذكور، كما يقول بمعرفة وثقة طويلي اللحى والسوالف من الحاخامات الذين لا يرفض الرب طلباتهم، وهم مصدر موثوق للكثير من المواطنين.. ولكن القانون ليس ملك أيمانهم، وبما أن الحظائر أقيمت على أراضي الدولة التي استعيدت من الأغيار الدخلاء، أو “الصراصير المسممين” كما وصفهم رئيس أركان سابق للجيش. إذن لا مضرة من إقامة حظائر للخنازير، في المناطق التي يسكنها الصراصير، بدل أن تبقى في أيديهم، مما يشكل كارثة أعظم بعدم استعادة ارض الميعاد كاملة كما كانت مشيئة الرب. الأهم أن لحوم الخنازير صارت الأكثر طلبا في الأسواق اليهودية أيضا، خاصة بعد الهجرة الروسية الكبيرة، والمعروف أن ذلك يضمن لهم توفر الهبات والميزانيات الضخمة والخاصة، حتى لا تثير أحزابهم أزمة وزارية، مع حكومة العلمانيين ويواصلوا بالتالي دعم بقائها.

أحد أبناء البلدة المنكوبة برائحة الحظيرة، ادعى في المحكمة انه فقد من وزنة 10 كيلوغرامات كاملة خلال شهر واحد بسبب الرائحة القذرة وان الكشف الصحي يظهر فقرا بالدم. وهو متأكد أن السبب تلك الرائحة الرهيبة من مزرعة الخنازير. وان سائر سكان البلدة يعانون من مشاكل صحية مختلفة بسبب الروائح القذرة التي يتنفسها مع الهواء ليلا ونهارا سكان البلدة.

احدهم ادعى أن خطيبته أرجعت له خاتم الخطوبة وأساور الذهب وكل هداياه لأنها ترفض السكن في المنزل الذي بناه في البلدة المنكوبة برائحة الحظيرة، وان على صاحب الحظيرة تعويضه عن مصروفه من أيام الخطوبة، حيث تكلف مصاريف مطاعم وجولات في الطبيعة مع خطيبته، وأجرة مرات عديدة فنادق لنصف يوم، لنومة قيلولة الظهر، التي كان يضطر لها بعد الطعام الدسم في المطاعم..

امرأة من الحي المنكوب ادعت أن زوجها صار يبيت في حيفا عند عشيقة يهودية تعرف عليها، وهو صايع في شوارع حيفا هربا من الرائحة التي ابتلوا فيها، وأنها تطالب صاحب الحظيرة بتعويضها عن زوجها نقدا ومصاريف إيجاد زوج وزواج آخر.

وشهدت جلسات المحكمة صراعا كاد يتطور إلى الضرب بالأيدي لولا تدخل الشرطة لفرض النظام، واتُهم بعض العرب بالتحريض العنصري وجرى اعتقالهم تمهيدا لمحاكمتهم. وسببت أعمال الاحتجاج لسكان البلدة، مقاطعة يهودية، فكسد العمل في مطاعم الحمص والفول وكيوسكات الفلافل والشوارما. وبسبب منع التصوير داخل قاعة المحاكم، حسب القانون، فات المشاهدين عرض مصور قد يصلح للحصول على جائزة الأوسكار للفلم الوثائقي.. أو يكتفي بسعفة “مهرجان كان” الذهبية.

الضجة التي رافقت هذا النزاع هي أمر لا يصدق. وكان الكثيرون يرددون أن الخوف الأكبر أن تتجدد أنفلونزا الخنازير في العالم، من هذه المنطقة بالذات، بعد أن خبا جنون الخوف من هذا المرض الخنزيري في العالم. وسيكون أهل الحي أول ضحايا تجدد هذا المرض الفتاك.

وأصبحت أغنية شعبولا عن إعدام الخنازير نشيدا قوميا لأهل الحي يذاع من مسجلات البيوت ليلا ونهارا:

” كوارثنا زادت كارثة

 والوضع شكله خطير

قال يعنى كانت ناقصة

 أنفلونزا الخنازير”.

الصحافة المطبوعة تخلفت كالعادة في نشر تفاصيل الأحداث المثيرة عن سير القضية أمام القضاء، ومن تفاصيل شخصية أرفقها المشتكون ضد صاحب الحظيرة المستهتر بصحتهم. وما نشرته كان معروفا، وزهق الناس من تبادل الأحاديث حوله في السهرات.

موقع “العلقة” المشهور سبق الجميع بنشر مئات الصور لأهل الحي ولصاحب الحظيرة، بل ونقلوا صورًا للخنازير وكيف يجري شطفها يوميا منعا للرائحة المؤذية، وسجل لقاء مصورًا مع صاحب الحظيرة اعترف فيه أن المشكلة في خنزير واحد تضخم كثيرا، وازداد شراسة ووحشية، وصار الاقتراب منه يشكل خطرًا على العمال، مما سبب هذا الإزعاج المؤقت لبعض السكان، وأن رافعي الدعوى ضده وضد حظيرته جانبهم الصواب، لأن القضية تتعلق بوزارة البيئة، التي ترفض تخصيص ميزانية لإخلاء الخنزير الشرس إلى المسلخ. وأن عليهم استبدال الدعوى ضده بالدعوى ضد الخنزير الذي سبب هذا الإشكال.. وضد الوزارة التي لا تقلق كثيرا على البيئة في الوسط العربي، مما يشكل تمييزا عنصريا واضحا للعيان، وانه هو كيهودي صاحب مزرعة في منطقة عربية، ورجل مناضل من أجل السلام، يؤكد على وجود التمييز في هذا المجال فقط.

في تعليقات القراء التي تملأ عادة موقع “العلقة” اهتم المعلقون من جمهور المراهقين والمراهقات، كما يظهر من تعليقاتهم، بالحديث عن الصبايا والمغنيات ساحرات الجمال، وتبادل كلمات الغزل والتلميحات عن أماكن التواجد في أوقات معينة، بلغة تشبه لغة التشفير العسكرية. وهذا الأمر أقلق أجهزة الأمن من مخاطر تسرب أسرار الدولة إلى الأعداء في الخارج بلغة الشفرة التي طورها المراهقين. وبعض التعقيبات كانت مثلا السؤال: هل سترتدي ميرا التنورة التفتا القصيرة التي تسلب العقل؟ أو السؤال عن نوع البكيني الذي ستتجلى به الصبية منيرة على شاطئ البحر، وهل ستكون لوحدها، أم مع رقابة عسكرية من أمها وخالاتها وعماتها؟؟. وهل جدتك يا أم الشعر الأسود، حادة النظر أم نستطيع الاختلاء وراء التينة في حاكورة الجارة؟

وشاب سأل البنت التي اسمها يبدأ بحرف أل “ف ” إذا تلقت صورته الجميلة على الفيسبوك، ولماذا قطعت الاتصال به فجأة؟

وواحد ولهان قال ل “قمر الزمان” أن حمالة الصدر تشوه صورتها الجميلة، ورجاء حار أن ترسل له صورة جديدة بدون هذه الخرقة السخيفة على الصدر.

وقد بلغت التعليقات على الموضوع المقلق أكثر من ثمانين تعليقا، ولكن لم يذكر احد من المعلقين مشكلة الحي مع رائحة الخنازير. إلا معلقان اثنان، الأول استغفر الله العلي القدير، وطالب بتصفية عرقية للخنازير مثلما جرى في مصر، وقال المعلق الثاني بلغة عربية ركيكة أن الذي يقول هذا الكلام، عن تصفية عرقية للخنازير جبان، ولو ذكر اسمه الصريح في التعليق لتورط في محاكمة دولية لحقوق الإنسان في لاهاي.لأنه في الحقيقة يتحجج بالخنازير ليغلف كراهيته لليهود ورغبته بتصفيتهم!!

 وكتب صحفي غاضب في مقاله الأسبوعي يقول انه أرسل أكثر من تعليق جاد على الخبر والصور لموقع “العلقة”، إلا أن الموقع لا ينشر إلا التعليقات غير الجادة والتي لا علاقة لها بالموضوع المثير والمقلق لكل أهل البلد.

نترك العشاق يعلقون على مشكلة الخنازير، ونذكر أن ما قاله صاحب المزرعة بأن المشكلة هي من خنزير واحد، قد لفتت انتباه وسائل الإعلام المحلية والعالمية وتساءلوا لماذا لا يتم التخلص من الخنزير بمساعدة حكومية؟ وهل من ضرورة لكل هذه الضجة بسبب خنزير واحد شرس ذو رائحة مؤذية، يسبب مكارة بيئية للسكان، كما يدعي صاحب المزرعة؟ والأهم يثير ضجة عربية بحيث تبدو ديمقراطية الدولة مشكوك فيها، أو ديمقراطية تمييزية حصة اليهود فيها كبيرة وللعرب برارتها؟

 واقترح أحد المواطنين العرب بحماس، أن تحل المشكلة برصاصة في رأس الخنزير!

مقترح إطلاق رصاصة على رأس الخنزير كاد يتورط بقضية قضائية، إذ هددوا بتقديمه للمحاكمة بتهمة التحريض على القتل واللسان السيئ ضد الخنازير، وربما يتحايل بذلك على قتل صاحب الحظيرة أيضًا، مما يعتبر إخلالًا أمنيًا، وعملًا إرهابيًا قوميًا يعرض أمن الدولة للخطر، فسارع بنشر اعتذار رسمي في ثلاث صحف وعلى مساحة صفحة كاملة، دفع مقابلها من جيبه أجرة عمل شهر ونصف كاملين، معلنا انه لا يملك السلاح أصلا، وان اقتراحه كان غباء مطلقا منه، ويعتذر من الخنزير الضخم ومن سائر أبناء جنسه و”خاصة أعضاء جمعيات الرفق بالحيوان”، كما جاء في الاعتذار المصاغ بشكل خاطئ ومضحك، ومن حسن حظه أنهم لم يفهموا الجملة كما صيغت خطأ باللغة العربية. ويطمئن أصحاب المزارع اليهود، وجمعيات الرفق بالحيوان، انه لا ينتمي لأي منظمة إرهابية، أو معادية للسامية، وانه إنسان مسالم بل ومستعد أن يتبرع أيضا بيوم عمل تطوعي كامل في تنظيف الحظيرة تعبيرا عن ندمه وتراجعه عما تفوه به في لحظة فقدان للتفكير السليم. ولكن بعض نشطاء الأحزاب اعتبروا استعداده للتطوع نوعا من الخدمة العسكرية لدولة الاحتلال. فاعتذر أيضا لهم، وأعلن انه ضد كل أشكال التطوع، وقاتل الله التطوع والمتطوعين.

وهناك معلومات لم تتأكد بعد تقول أن المخابرات تفحص إذا كانت للمحرضين على قتل الخنزير برصاصة، أو بطرق أخرى، علاقات مع حزب الله وحماس أو مع حركات متطرفة أخرى..

صاحب المزرعة، تمشيًا مع أوامر وتوجيهات جمعيات الرفق بالحيوان، التي ترفض استعمال العنف مع هذه المخلوقات الوديعة وغير العاقلة، والتي تعتبر موردا اقتصاديا للمجتمع ولإطعام أكثرية أبناء المجتمع، قرر اقتراح جائزة كبيرة للشخص الذي ينجح بإقناع الخنزير الضخم والشرس، بطرق إنسانية لا غبار عليها ولا عنف فيها، بمغادرة الحظيرة بإرادته الحرة، ليجري تنظيف رائحته القاتلة.

وهمس مواطن عربي في أذن صديق له وهو يتلفت قلقا حوله خوفا من الآذان التي ترصد كل ما يتفوه به العرب: “لا يعنيهم الأمر، خاصة عندما تكون المشكلة بإطلاق الرصاص على العرب، أو هدم بيت عربي، إما التخلص من خنزير واحد أو حظيرة كاملة قتلتنا برائحتها فقد صارت مسألة أمنية ودولية، لأن صاحب الحظيرة يهودي والمتضررين عرب”.

الجائزة التي اقترحها صاحب المزرعة لا تتعدى ثمن ذبيحة واحدة من حظيرته الضخمة بعشرات آلاف الرؤوس، وقد صارت حديث المجتمع، ووصلت للبحث في البرلمان، وقام النواب العرب بالصراخ والمقاطعة، ووصفوا ترخيص الحظيرة بجوار البلدة العربية بالعنصرية والتمييز الفاضح، وهاجموا المتحدث باسم الحكومة بسبب تبريراته المضحكة بان الحظيرة توفر أماكن عمل للعمال العرب. وقالوا له تعال حضرتك وقف لساعة واحدة في شوارع البلدة المنكوبة، هل ستتحمل الرائحة القذرة؟ وجد لنا عاملا يهوديا واحدا يقبل هذا العمل الشاق والمؤذي صحيا. وسأله أحد النواب:” كيف تفسر تفضيل حكومتك العنصرية إقامة مزرعة خنازير بدل مدرسة، البلدة بحاجة ماسة لها؟ والأرض أصلا كانت مخصصة لهذا المشروع التربوي؟” مما اعتبره المتحدث تحريضا ضد اليهود أصحاب مزارع الخنازير. فاخرج النواب العرب من الجلسة، واسقط البحث بأكثرية أصوات الائتلاف ودعم المعارضة للموقف الوطني أيضا.

واحتلت مشكلة الرائحة الخنزيرية رأس نشرات الأخبار سابقة حتى الأخبار عن فضائح زعماء الدولة المالية والجنسية. مما خفف من كشف ما هو أكثر فساد. وسبقت حكاية الخنزير الأخبار عن مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية وتعثرها، وإمكانية إعلان دولة فلسطينية من طرف واحد. وتقدمت على أخبار الخطر النووي الإيراني، والجهود العالمية لمنع إيران من أنتاج السلاح النووي. بل وكادت البلدة تنسى ما يجري في سوريا من مذابح يرتكبها النظام ضد المواطنين، وأُغرق قائد أحد الأحزاب بالبصاق لأنه تجاوز الحدود حين قال أن ما يجري في سوريا مؤامرة صهيونية امبريالية لا تختلف عن مؤامرة إقامة الحظيرة قرب البلدة، وطرد شر طردة. وقال معلق القناة التلفزيونية الرابعة والنصف في إسرائيل أن مشكلة الخنزير وأهل الحي المشتكين من رائحته، تشبه حال العرب مقابل إيران فيما لو امتلكت الأخيرة السلاح الذري. وأن الضغط الإسرائيلي السري للقيام بعملية عسكرية تبيد المنشئات النووية الإيرانية هو لمصلحة العرب أولا، وعليهم أن يأخذوا نموذجا حيا من المشكلة البيئية القاتلة التي سببها خنزير واحد تضخم وعفن، وصار مشكلة لأهل بلدة عربية كاملة. وقال تصوروا أن النووي الإيراني هو خنزير ضخم جدا تقتل رائحته مواطني العالم العربي بسبب قربهم من الحدود الإيرانية.

 وتناقلت وكالات الأنباء الخبر عن المشكلة التي سببها الخنزير الضخم والشرس، ووزعته مع تعقيبات القناة الرابعة والنصف، وأثار الأمر موجة من التساؤلات، وحضرت طواقم تلفزيونية دولية لتسجيل التفاصيل والاستفادة من الخبرة الإسرائيلية المهنية في التعامل مع الخنازير وتربيتها وعلاقتها بالخطط ضد النووي الإيراني، وضد حزب الله وحماس. وطلب السكرتير العام للأمم المتحدة تزويده بالتطورات الجديدة التي ترد تباعا من الشرق الأوسط، وسأل مستشاريه إذا كانت من ضرورة لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي. وعقد مشاورات مع السفراء الممثلين للدول الخمسة الكبرى. وبرز بينهم السفير الروسي الذي ضحك بشدة من خلق مشكلة دولية بسبب خنزير واحد، معلنا استعداد روسيا لرفع الخنزير ونقله إلى المسلخ في موسكو، وإعداد وجبة ممتازة من لحمه يدعى لها قادة العالم، مع أفضل أنواع الفودكا الروسية. وقُدم الاقتراح لحكومة إسرائيل التي رفضت العرض الروسي، وردت بالشكر والاعتذار رافضة الاقتراح الروسي، لأن الروس في إسرائيل أولى بالمعروف وأحق بلحم الخنزير، ولا تنقص السوق المحلية أجود أنواع الفودكا، ومنها فودكا تصنع في أمريكا.

مقابل الحصول على الجائزة، توافد الكثيرون من خبراء تربية الخنازير في العالم وإسرائيل معلنين استعدادهم لإخراج هذا الحيوان من حظيرته وقيادته إلى المسلخ، وإعادة التفاهم اليهودي العربي بين المواطنين، والذي تضرر وسبب مقاطعة يهودية لمطاعم الحمص والفول بعد مطالبة سكان البلدة بإنقاذهم من رائحة الخنازير بإبعاد الحظيرة من حدود بلدتهم إلى مكان نائي لا يسكنه أحد.

وقف الخبراء بالدور لتجربة حظهم في تحريك الخنزير للخروج… ولكن سبعة منهم فشلوا وهربوا بعد لحظات من الاقتراب من الخنزير، بسبب رائحته التي تسطل وكأن الإنسان حقن بمخدر شديد المفعول.

هذا الأمر جعل الكثيرين يتراجعون. رفعت قيمة الجائزة إلى ثمن خمس ذبائح. تقدم عدد من الأشخاص، لم يفلحوا بالصمود أمام الخنزير، بل وواحد حاول سحبه فكاد يموت بأسنان هذا الحيوان الضخم والشرس، ونقل بطائرة عمودية على وجه السرعة إلى مستشفى “رمبام” في حيفا بسبب إصاباته الصعبة.

قال وزير القضاء أن وزارته فتحت ملفا للتحقيق في الوسائل غير المشروعة التي تقترح وتمارس لإخراج الخنزير من حظيرته.

وزير البيئة عبر عن خوفه من أن يتوسع الحي العربي في اتجاه المزرعة ببناء غير قانوني بعد نقل الخنزير للمسلخ، وهل سيلحق ذلك الضرر بالوضع الديموغرافي في المنطقة؟

أهل البلدة العرب عقدوا مهرجانا خطابيا، تحدث فيه زعماء الأحزاب مطالبين، بترحيل الخنازير، ورفعوا شعار “ترانسفير للخنازير فورا”، مقابل شعار ” ترانسفير للعرب” لأحد الأحزاب اليهودية. زعيم أحد الأحزاب العربية القومية طالب بإعدام الخنازير، ثم اضطر لمغادرة وطنه قسرا حتى لا يحاكم على ملايين الدولارات التي تلقاها من الخارج وأخفاها.. وألقيت في النهاية الأشعار وعقدت دبكة شارك فيها الأهالي والزعماء، ونحرت الخراف والعجول على شرف الزعماء. والمعركة تتواصل كما تصرخ عناوين الصحف، رغم أن أهل البلدة نحروا معظم قطيعهم لتكريم الزعماء الأفاضل، وتكريم بعض زعماء الدولة والأحزاب اليهودية على أمل إنصافهم وإيجاد حل لمشكلة الحظيرة وروائحها القاتلة، وذلك طبقا للسياسة العربية التي تقول: “اطعم الفم تختشي العين”. وقال زعيم حزب يميني متطرف إن الرائحة رائعة، فلماذا يحتج العرب؟ متجاهلا أنها رائحة الشواء الشهية التي أسالت لعابه.

والسؤال بعد نحر كل القطيع بمهرجانات الترحيب والخطابة، هل سيزور الزعماء البلدة لسماع شكاوي سكانها من مصادرة ما تبقى من أرضهم وتوسيع مزرعة الخنازير، في كل الاتجاهات رغم أنها تشكل آفة بيئية، وتسبب في وقف نمو البلدة الطبيعي، بل وحرمانها من أرض لبناء مدرسة جديدة باتت ملحة جدا؟

وحدثت مفاجئة غير متوقعة.. حتى الأجهزة الأمنية المختلفة فشلت في توقع الحدث الخطير..

في الواقع لا احد يعرف كيف انفجر الموقف.. يقال أن صداما حدث في فجر أحد الأيام بين أولاد توجهوا وهم يهتفون بشعار “الخنازير بره بره الأرض العربية حرة”” نحو الحظيرة. جاءت الشرطة لتفرقهم بالغاز المسيل للدموع، فإذا البلدة كلها تدخل المعركة دفاعا عن أبنائها وعن حقهم في التعبير عن ألمهم ومصيبتهم من الحظيرة وخنازيرها وروائحها القاتلة. واتسعت المواجهات العنيفة لتشمل البلدات المجاورة التي تدعي أن الروائح تزحف إليها وان أراضيها أيضا صودرت وربما لإقامة حظائر جديدة تشدد الحصار على بلداتهم وتذيقهم الأمرين من الروائح القاتلة…. والأهم حرمانها من تنفيذ مشاريع تطوير لبلداتها.. مما يشعرها بالاختناق غير المحمول.

المعارك بين المواطنين وقوات الشرطة لم تهدأ، واستؤنفت في اليوم التالي رغم اعتقال العشرات،

وصدرت الصحف على أثر المصادمات تغطي صورة ضخمة كل صفحتها الأولى عن المواجهات العنيفة بين الأهالي مع الشرطة، وعنوانا صارخا على امتداد الصفحة: انتفاضـــــة!!

 

أوقف أبو مصطفى عربته بمحاذاة الرصيف وربّت بيد كبيرة متشقّقة على رأس الحصان ثم قصد الدكان القريبة، وابتدأ يحمل على ظهره الاكياس الملآى بالحطب، وينقلها الى العربة. وكان الحصان حانقاً دونما سبب. وقد تبدد غضبه قليلا حين عثر على قطعة من قشور البطيخ، فَمَضى يقضمها بسكينة.

وتنبه فجأة الى أن ثمة ولدًا صغيرًا يقف على مقربة منه، ويرمقه مبتسمًا. فقال الحصان لنفسه: “أنا لا أعرفه وسأرفسه إذا دنا مني. سأرفسه رفسة قوية تكسر رأسه”.

وانتهى الحصان بعد حين من مضغ قشرة البطيخ، فانتابه الاسف لانتهائها، وراح يتطلع بغيظ الى الولد وهو يقول لنفسه: “سأرفسه”.

وكان أبو مصطفى في تلك اللحظات مازال منهمكاً في نقل أكياس الحطب ووضعها على سطح العربة٠ وأحس الحصان بالتعب، فقال لنفسه متذمراً: “العدالة مفقودة”.

وكان الحصان قد ولد في المدينة، وقضى حياته كلها في طرقاتها المفروشة بالأسفلت، ولم يغادرها مطلقا. وكان يعرف أن أجداده القدامى كانوا يمرحون طلقاء عبر البراري الشاسعة حيث لا أبنية فيها ولا جدران من حجر، ولكنهم ماتوا جميعاً.

وانحنى الولد، والتقط قشرة بطّيخ كانت بمنأى عن الحصان ثم اقترب على مهل، فَهمّ الحصان بالتراجع غير أنه تريث متشجعاً. ومد الولد قشرة البطيخ نحو فم الحصان. فتردد الحصان لحظةً خاطفة ثم تلقفها دهشًا، وطفق يمضغها بغبطة، وسمح للولد بأن يربت على عنقه بيد أنيسة صغيرة.

وأتمّ أبو مصطفى نقل أكياس الحطب الى العربة. وعندما لاحظ وجود الولد قرب الحصان صاح به: “ابتعد يا قرد”.

ثم لوّح بالسوط، مطلقًا صيحةً آمرةً بالمسير، فاندفع حينئذ الحصان الى الامام، يجر العربة الثقيلة بتباطؤ.

وسارت العربة عبر طرقات عديدة، و بلغت بعد حين شارعًا عريضًا تنتصب الأبنية الحجرية على جانبيه ولم تكد العربة تتوغل حتى اعترض طريقها واحد من رجال الشّرطة، فَصَرخَ أبو مصطفى بالحصان بصوت ممطوط: “هش”.

قال الشرطي: “ألا تعرف أن مرور العربات ممنوع في هذا الشارع؟”. فقال أبو مصطفى: “أعرف”.

“ولماذا جئت اذن من هنا؟”

“الحصان.. أنظر.. الحصان تعبان جداً، واذا مررت في هذا الشارع فسأوفّر على الحصان مشيًا كثيرًا”.

فغمر الحصان حنان عارم. وقال الشرطي: “سَير العربات ممنوع في هذا الشارع. انه للسيارات وللناس الذين يسرون على أقدامهم فقط”.

قال أبو مصطفى: “أعرف”.

ولعق شفتيه بلسانه، وأردف قائلاً: “الحصان تعبان وسينقطع رزقي اذا هلك، و أموت جوعاً ويموت  أولادي.. لي أربعة أولاد”.

“ارجع. ولن أعاقبك لمخالفتك النّظام والقانون”.

“لي أربعة أولاد يأكلون حتى الحجر”.

وأطلق أبو مصطفى ضحكة قصيرة جافة وكأنّها مدية صغيرة شرسة، ثم أضاف قائلاً: “سأقول الصدق.. أنا لا أخاف على الأولاد إنّما أخاف على أمهم”.

 فقال الشرطي متسائلا بفضول: “ولماذا تخاف عليها؟”

وكانت الاشجار خضراء على جانِبَي الشّارع، وتمتدّ في الأعلى سماء رحبة زرقاء. وأجاب أبو مصطفى: “أخاف أن يأكل الأولاد أمهم إذا جاعوا. أسنانهم فظيعة”.

ومرّت سيارة تسير بسرعة كبيرة، فَنَفخ الشرطيّ في صفّارته، فَلَم تتوقف السيارة، واستطاع الشرطي أن يلمح رقم لوحتها قبل أن تنأى عن بَصَره، فسجّله على غلاف دفتره. والتفت الى أبي مصطفى محتقن الوجه غيظاً، وقال له: “هيا ارجع”.

“دعني أمرّ هذه المرة فقط”.

 فقال الشرطيّ بصرامة: “ألم تسمع ما قلت؟ ارجع”.

“مرّة واحدة فقط”.

“ارجع. القانون قانون ولا فائدة من التوسّل”.

“الحصان تعبان”.

“هيا ارجع”.

“الله يحفظك لأمّك”.

“الله لا يحفظني، أنا لم أخترع القانون. أنا أنفّذ أوامر صادرة إليّ، وأنت يجب أن تطيع هذه الاوامر”.

فلم يفه أبو مصطفى بكلمة إنما تخيل القانون مخلوقاً ضخماً له آلاف الأيدي: القانون يأمر الشّرطيّ فيطيع الشّرطيّ، ويأمر الشّرطيّ أبا مصطفى ويجب أن يطيع أبو مصطفى الأوامر.

ووقف أبو مصطفى مترددًا هنيهات، فصاح به الشّرطيّ: “ارجع. واذا لم ترجع حالا فستندم”. فاتجه أبو مصطفى نحو العربة، وكان غضب الحصان عندئذ قد بلغ الذروة، فجمع قوته كلها، واندفع جامحًا الى الامام، فبوغت الشرطي بالعربة المندفعة نحوه، وحاول أن يقفز الى الرصيف، فلم يتمكن، وصدمه الحصان، فسقط على الارض منطرحاً على ظهره، ووطأت صدره سنابك الحصان ثم مرت فوقه عجلات العربة وتخضبت بالدم الاحمر. ودهش الحصان حين رأى صاحبه لم يبتهج إنما امتلكه الذعر والوجوم ثم انطلق يركض هارباً. وبعد لحظة توافد الناس مهرولين، وتحلّقوا حول العربة، يتألق في عيونهم الخوف الممتزج بالشهوة الخفية، كأن الشرطي المسحوق ليس إلا جسد امرأة جميلة.

ولم يتفرق الناس الا عندما حضر رجال الشرطة، وبادروا الى اعتقال القاتل. وَكان القاضي عادلا، فسيق الحصان في فجر أحد الايام الى ساحة رئيسية خيل الى الحصان أنها ما تبقّى من البراري.

ووقف الحصان مبتهجاً لأنّه قبل وصوله الى الساحة قد اجتاز شوارع عريضة كان يُمنع من السير فيها من قبل، ولكن بهجته لم تدم طويلا اذ تدلى بعد حين مشنوقًا.

(من مجموعته القصصية “الرّعد”، 1970)

 

1

 منذ ثلاثين عامًا وتزيد. تعرّفتُ إليه وهو في الرابعة والعشرين، وكان تخرّج للتوّ من مدرسة السياقة في المدينة. في بطاقة هويته كتبوا إلى جانب المهنة: “سائق باص”، وكانت هذه كفيلة، إلى جانب صورته البراقة، بأن تدخلني إلى قفص الزوجية الذي بناه لي، في قريتنا الجميلة النائية.

كنتُ في أثناء الخطوبة أحلمُ ليلَ نهارَ بالرحلات وبالفُسح الجميلة والطويلة التي سنقضيها سويةً، ولم أفهم حتى اليوم ما قصدته أختي الكبرى في إحدى ليالي السمر الصيفية على سطح البيت، حين قالت لي بدلع وحياءٍ مكظومٍ وصوتٍ مكتومٍ: “كرسي الباص الأخيرة طويلة، ولن تنسي طعمتها”.

قبل الزفاف بيومين، حين تجمعت كل صديقاتي في القرية لليلة الحناء، أخذنَ جميعهنّ بالتندر على شكلي وأنا جالسة في الكرسيّ الأول من وراء زوجي، وهو يصطحبني في رحل ونزهات كُنّ جميعهنّ يحلُمن بها. إحداهنّ حلُمت بالذهاب إلى القدس، والأخرى إلى يافا والثالثة قالت بتأكيد غريب: “بانياس أجمل الأماكن في العالم! دعيه يأخذك إلى البانياس”.

لم نفهم وقتها تأكيدَها القاطعَ هذا وسألناها عمّا إذا كانت ذهبت إلى البانياس، فأجابت بأنّ أخاها كان هناك قبل سنة وقال إنها أجمل الأماكن في العالم. وضحكنا حتى دمعت أعيننا… ثم قالت أختي الصغرى بحسد واضح وافقها الجميع عليه: “أنتِ ونحن نسمع بالأماكن والرحلات، بينما ستكون أختي هي الوحيدة التي سترى هذه الأماكن بحق وحقيقة”.

وتنهّدتُ بفرحٍ وخوفٍ كبيريْن.

2

أستيقظ في كلِّ صباح في الخامسة فجرًا. أطبخ لنفسي غلاية صغيرة من القهوة السوداء الحلوة وأستقبل الشمس القادمة من رحلتها وهي حمراء ناضجة نضوج التين “الحمّاري” في كرم والدي المرحوم. أشربُ قهوتي بصمت ولا أضايق الشمس الآتية من رحلتها اليومية. لا شكّ في أنها مرهقة جدًا الآن، ولا تنقصها ثرثارة مثلي لتروي لها عن حياتها مع زوجها سائق الباص. أشربُ القهوةَ وأحلمُ برحلات الشمس اللانهائية، وأتمنى لنفسي واحدةً منها على الأقل.

في تلك الهنيهة الصباحية لوحدي، أكتشفتُ لوحدي، أنّ الشمس تزور عمليًا كل العالم في 24 ساعة، كلّ يوم! ما أقواها وما أجمل حياتها، هذه الشمس. تطوفُ كلَّ العالم لوحدها، ومن دون كلل أو ملل، تطوفُ ولا تتعبُ، تمامًا مثلما وعدتْني أمّي قبلَ أن يأتي أهل العريس ليأخذوني من بيت أهلي بساعة. ثم مالتْ عليّ قليلاً وقالت بتوسّلٍ لم أعتقد أنه سيبدرُ عنها يومًا: “إبقي اذكريني في رحلاتكم الجميلة”.

عندما يستيقظ زوجي تكون غلاية القهوة الثانية قد نزلت للتوِّ عن قرص النار. لا يُنظف أسنانه أبدًا ومع ذلك فإنها ناصعة وقوية مثل أسنان الحصان. أمي كانت تقول دومًا إنّ زوجي يأتي من عائلة كل رجالها مثل الخيل: أقوياء وأصحّاء وأسنانهم كبيرة وبيضاء. حتى إنّ أبي المرحوم لم يُخفِ حماسَه من أحفاده الذين سأنجبهم له، لأنهم “سيُولدون كالخيل، يرفعون الرأس إلى أعلى”.

ومع ذلك وددتُ لو ينظف أسنانه، خاصةً في الصباح، حين يهمّ بي أحيانًا، وأنا أيقظه، فيشدّني من يدي ويستلقي فوقي على السرير ولا يكترث بشيء. لا ينتظرني حتى لأستيقظ كما يجب، أو لأغسل وجهي. وما أن أستيقظ كما يجب حتى يكون قد انتهى من اللهاث السريع ذي الرائحة الكريهة، فينكفئ على الجانب الآخر ويسأل بهدوء: متى ستنهضين؟

ولكنني ربّيتُ أبنائي على تنظيف أسنانهم. لا أريد لأيٍّ منهم أن تتضايق منه زوجته في الصباح أو قبل النوم. على أبنائي أن يكونوا رجالا أصحاء وجميلين وحسّاسين لنسائهنّ. ولو كانت وُلدت لي ابنة -كما أملتُ دائمًا- لكنتُ صنعتُ منها أفضل امرأة في الدنيا. ولكنتُ بعثتُ بها إلى الجامعة وعادت إليّ طبيبة تطبّب لي عظامي المتفكّكة ومفاصلي التي بدأت تلتهب. طبيب القرية قال لي إنّ عليّ أن أريحَ جسدي وأن أتوقف عن القيام بأية مشاغل صعبة. الحمار. لا يكفي أن يذهب المرء إلى الجامعة ويصبح طبيبًا، عليه أن يكون ذكيًا أيضًا وفطينًا. ومن سيقوم بكلِّ مشاغل العائلة والبيت؟ هو؟ لو وُلدتْ لي ابنة وصارت طبيبة أفضلَ منه بألف مرة لكانت علّمته درسًا في الحياة يسوى كل المعدات الباردة التي يضعها على جسدي عندما أذهب إليه. يضعها ويطيلُ وضعَها ولا أتبرّم لسببٍ لا أعرفه.

3

خمسة أبناء وكُلهم رجال متعلمون مثل الورود الحمراء البراقة في لحظة صفاء نادرة. أنظر إليهم ولا أتحسّر إلا على المرات التي لم أقبّلهم فيها أكثرَ مما قبّلتهم، لا أتحسّر إلا على المرات التي كنتُ أعلم أنهم يقظون فيها يدرسون وأنا خالدة للنوم.

البكر مهندس والثاني معلم والثالث ممرض والرابع تاجر في سوق يسمونها البورصة والخامس يعمل في بنك القرية. ما زال أعزبَ “قريد العشّ”. الوحيد الذي لم يستقرّ في بيت له، ولكنني أتمنى بيني وبين نفسي أن يتأخرَ قليلا أكثرَ، كي يُؤنسَ وحدتي في العصريات الطويلة التي يكون فيها زوجي غائبًا، يسوقُ الباصَ آخذًا أربعين أو خمسين شخصًا في رحلة جميلة.

المرة الأولى التي ركبتُ فيها الباص كانت بعد الزواج بيوميْن. كان ما زال فرجي يؤلمني من ليلة الدخلة، وكنتُ كلما تذكرتُ اللحظة الأولى أهرعُ للتقيؤ في المرحاض، متعللة بأمٍر ما قد أكون أكلتُه في ليلةِ الزفاف. ولكنني كنتُ على الرغم من شعوري هذا أنتظر بلهفةٍ ركوبَ باص الشركة الذي يسُوقه زوجي وأن نمضي معًا في رحلات طويلة نلحق بها أثر الشمس الغائبة، فلا تغيبُ. في المرة الأولى ذهبنا في الباص إلى المدينة المجاورة وتعشيْنا سمكًا مشويًا. كان لذيذًا، واستغرقني أسبوع حتى علمتُ فيما بعد أنّ هذه “الرحلة” كانت شهر العسل الذي يتحدثون عنه.

لم آبه كثيرًا بشهر العسل القصير، فقد كنتُ متأكدة من أنّ شهورًا من هذا العسل آتية لا ريب فيها. بعد أربعة أيام عاد زوجي إلى العمل. ولمّا عاد، طلب مني أن أنظف الباص الذي ملأه الطلاب الملاعين بالمُسليّات والمُكسّرات والقيءِ. نظفتُه كما لو كان غرفةَ نومِنا. عادَ يلمع مثل البلّور وعاد فرجي يؤلمني في تلكَ الليلةِ تمامًا كما في الليلةِ الأولى. ولكنني لم أنبس بكلمةٍ؛ فغدًا سيأخذني إلى رحلةٍ جديدةٍ.

4

صارَ ينطلقُ في كلِّ صباح إلى عملِه، إلى رحلاتِه، ولا يعودُ إلا في المساء. وبعد أن يتعشى، آخذُ أدواتِ التنظيفِ وأصعدُ إلى الباصِ الطويلِ وأُعمِلُ فيه تنظيفًا، حتى يعودَ جديدًا كما خرجَ من الشركةِ. مع الوقتِ صرتُ خبيرةً بالنفايات التي أجمعها من الباص، وبواسطتها صرتُ أتكهّنُ بأعمار المسافرين وطباعِهم وأهدافِ رحلاتِهم. في مراتٍ كانَ يعودُ الباصُ نظيفًا إلا من بعضِ الأوراقِ البيضاءِ المكتوبةِ عليها كلماتٌ بلغةٍ لا أعرفُها؛ في مراتٍ أخرى كان يعود مليئًا بأغلفة المسليات والنقارش وعلب المشروبات الخفيفة الفارغة، وبعض القيء هنا وهناك.

ومع الوقت أيضًا لم أعدّ أحسّ بأية آلامٍ عندما يهمّ بي، كأنّ مصدر الألم انطفأ إلى الأبد، ففرحتُ لانطفائه ولم أزل.

عندما ولدتُ الأول، وعدني زوجي سائق الباص برحلةٍ خلابةٍ أستعيد فيها عافيتي وأعوّض على ولادتي العسيرة الأولى. ولكنه نسي، بعد أن توفت حماتي من ولادة البكر بثلاثة أيام، وأنا خجلتُ من أن أسألَه عن الرحلةِ الموعودةِ، لأنه صار يعودُ في أغلبِ الأحيانِ غاضبًا ومُزمجرًا ويبرطمُ بعباراتٍ فيها شتائم ومسبّات على صاحب الشركة وعلى زملائه وعلى ظروف العمل المهينة. عندما وُلد الثاني لم يقترح أية رحلة، وأنا لم أفاتحْه بالموضوع؛ فالولادة الثانية كانت سهلة نسبيًا للأولى، ولم أعتقد بيني وبين نفسي أنني أستحق رحلة في باص زوجي على ولادةٍ سهلةٍ.

بعد أن ولدتُ الثالثَ تيقنتُ نهائيًا من أنَّ الرحلةَ التي أنتظرُها لن تأتي أبدًا. كيف سنخرجُ في رحلةٍ جميلةٍ وطفلي رضيعٌ والطفلان الآخران يبكيان لأتفهِ الأسبابِ؟

كنتُ استقبل صديقاتي الفرحات العائدات من رحلاتهنّ مع أزواجهنّ إلى القدس ويافا وبانياس وأبتسم تأدبًا، وأنا أستمع إلى تفاصيل مثيرة وأخرى مملة لا يتعبنَ من تردادها، وأتجاهل الواحدة منهنّ حين تقول على حين غرة: “ألا تحديثننا عن رحلاتك في الباص الجميل”؟

ومن دون أن أدري تحوّلت علاقتي مع الباص إلى علاقةِ دلوٍ مليءٍ بالماءِ والصابونِ، ومكنسةٍ وبعض أقمشيةٍ باليةٍ. في كلِّ يومين أو ثلاثة أصعدُ إليه وأمسحُ بقايا القيءِ والأكياسِ التي خلّفها الصغارُ خلفَهم. صرتُ خبيرةً في أنواع الأكياس وألوانها وأسماء المسليات التي بها، وهكذا صرتُ أشتريها لأبنائي عندما يهمّون إلى رحلةٍ مدرسيةٍ. كنتُ أملأ حقائبَهم بأشهى المُسلّيات وأودّعُهم دامعةً وهم يركبونَ الباصَ في الرحلةِ المدرسيةِ التي لم يكونوا ينامون في الليلة التي تسبقها. كنتُ أسمع همسَهم في الليل وهم يتجاذبونَ أطرافَ الجّمَلِ حول المكان الذي سيذهبون إليه وحول زملائهم وما اشتروه وكيف أنني دائمًا أشتري لهم أفضلَ المسليات، إلا أنهم كانوا يُجمعون دائمًا على أنّ زوجي أفضلُ رجل في الدنيا لأنه يأخذهم في رحلات المدرسة ويحفظ لهم دائمًا المقعد الأخيرَ الطويلَ.

وكنتُ أتقلّب في سريري وأنظر إلى السقفِ المعتمِ وأتذكرُ أنّ خالتَهم أيضًا كانت من مُحبّي المقعدِ الطويلِ في الخلف، مع أنها هي الأخرى لم تُجرّبه في حياتها.

في كل صباح كانوا يخرجون إلى المدرسة في الباص الكبير، الذي عتق وصار مهترئًا، ويتركونني لوحدي على قارعةِ المدخلِ ألوّحُ بيدي وأستنشقُ رغمًا عني دخانَ “الديزل” الأسودِ الكريهِ.

عندما وُلد الرابعُ حصل زوجي على باص جديد من الشركة. كان منظرُه خلابًا ونظيفًا وجديدًا؛ كان يعبق براحةِ أغطيةِ الكراسي الجديدةِ وكدتُ لفرطِ اندهاشي أن أقعَ إلى الخلف عندما قال لي زوجي بفخرٍ إنّ به فيديو وتلفازًا! ولكنّ فرطَ الدهشة جعلني أيضًا أندفعُ إلى الخلف مُروَّعَةً فاندلق دلوُ الماءِ والصابونِ الذي أحضرتُه لتلميعِ الأرضيةِ اللماعةِ أصلاً، فتوسختِ الأرضُ بالماءِ ووسّخَ قسمٌ منه أرجلَ أبنائي الواقفين خلفي، فاندهشوا وتريّبوا! فلطمَني زوجي بيده على وجهِي، كما يفعلُ عادةً عندما يغضبُ، وصاحَ: يا بقرة! ألا يليقُ بكِ حتى باص جديد؟

لم يفعل أبنائي شيئًا، بل نكّسوا رؤوسهم وخرجوا بصمتٍ من الباص، تاركينني أمسحُ دموعِي وأمسحُ الماءَ عن أرضيةِ الباصِ بسرعةٍ وحرصٍ كبيريْن، كي يتركني بحال سبيلي، فالأولاد يروْن!

منذ تلك اللحظة صرتُ أكره هذا الباص الجديد. أنظفه رغمًا عني، وبكسل واضح. حتى إنني كنتُ “أنسى” في كثير من الأحيان أكياسًا صغيرة أو بقعة قيء أعرفُ أنّ رائحتها ستزكم أنفه في اليوم التالي. لم يكن يهمّني؛ لو كان يهتم بتنظيف أسنانه لاهتممتُ به أكثر!

5

بدأ الأبناءُ بتركِ البيتِ للدراسةِ وصرتُ أحترفُ الجلوسَ عصرًا عند مدخلِ البيتِ أنتظرُ شبحَ الباص الجديدِ. وقد أحسَنَ بِكري صُنعًا -وأيّما إحسانٍ- حين ركّب على سطح المنزل صحنًا كبيرًا مُدوّرًا قال إنه يزيد على القنوات في التلفاز أكثر من 100 محطة، فلم أصدّقه إلا حين أخذَ يقلّب بينها، وقامت قيامةُ الأبناءِ الآخرين وزوجي، كلٌ يريد أن يشاهد محطة بعينها، إلى أن صاحَ زوجي ونهرَ، ثم أخذ يقلّب حتى وصل محطةً كان فيها رجلان يصرخان على بعضهما البعض. بعد برهة قال “قريد العش”: “هذه محطة اسمها “الجزيرة”. “محطة أخبار”.

ولكنني لم أحبّ “الجزيرة” يومًا، فهم يصرخون على بعضهم البعض طيلة الوقت. كنتُ أحبُّ مشاهدةَ الأغاني وبرامج التطبيب بالأعشاب والمسلسلات العربية. لا أعرف حتى الآن كيف صمدتُ طيلة الوقتِ من دونِ هذه المسلسلات. وأكادُ أقسمُ بأنني أذكرُ حلقاتٍ كاملةً من مسلسل “مفيد الوحش” و”الجوارح” عن ظهر قلب؛ فما أن ينتهي بثّ حلقاتِ المسلسلِ على قناةٍ ما حتى تبدأ قناةٌ أخرى ببثها، لتعيد القناةُ الأولى ببثها من جديدٍ في الليل المتأخرِ، وقناة أخرى وأخرى وهكذا، حتى استغنيتُ عن أية صلة بما حولي وصرتُ أنا والصحن المدوّر الكبير أعزّ صديقيْن: أنا أؤنس وحدته في الصالة، وهو يأخذني في رحلات لم يكن ليحلم بها أيّ سائق باص.

كان كلما يطلّ زوجي من بعيد تعودُني ذكرى الألم القاتل إياه من ليلة الدخلة، فأهرع للتقيؤ خلف البيت. فيما بعد قال لي الطبيبُ إنّ عندي جرحٌ في المعدة وإنّ القيءَ الدائمَ الذي ينتابني سببُه موادّ التنظيف التي أستعملها، فنصحني باستبدالها، فاستبدلتُها. ولمّا لم يتوقف القيء قال يائسًا: المهم ألا تأكلي كثيرًا، فتتقيّئين أقلَّ. وهكذا صرتُ آكل قليلاً، وأتقيّأ قليلاً وأنحف كثيرًا، وصرتُ أسمح للطبيب بأن يطيلَ وضعَ أدواتِه على جسدي كيفما شاء، وأحيانًا كان يستغني عنها ويتحسس مواضع الألم بيديه، مرتعشًا حتى يهدأ.

6

عندما رأيتُ هذه القطعةَ المطاطيةَ الطويلةَ لم أفهم ما هي. كما أنني لم أتيقن من هذا السائل اللزج المحبوس بداخلها. كانت القطعة المطاطية ملقاة في نهاية الباص على الكرسي الأخير الطويل، نفس الكرسي الذي قالت لي أختي قبل دهر من السنين إنني لن أنسى طعمَه. عندما تعرفتُ على رائحة السائل اللزج لم أتمالك نفسي فتقيأتُ على الكرسي ووسخته شرّ توسيخ. ثم صرتُ بعد هذه الحادثة أفتعل النوم في تلك الصباحات التي يأتيني فيها من الخلف، فيبلغ مشتهاه وأنا “نائمة”- فأريحُ وأستريح!

7

أجلسُ في كل صباح لوحدي، في الخامسة صباحًا، وأسأل الشمس بصمت عن رحلتها الطويلة. أنظر إلى الباص الذي يقودُه زوجي في رحلاته الكثيرة وأودّ لو أسأله عن الأماكن التي زارَها وعن الناس الذين رقصُوا وغنّوا على مقاعدِهِ ليومٍ كاملٍ. حتى أبنائي الذين أحبُّهم أقلّوا من زياراتهم وهُم لاهون عني بزوجاتهم وأحفادي الذين أنتظرُهم بفارغ صبرٍ.

ومنذ أن وُلد أحفادي وكل أبنائي وزوجاتهم يغيبون في رحلات طويلة، لا يشبعون منها، وأنا أنتظرهم دائمًا ليعودوا إليّ بخِمار شتوي أو بقطعةِ قماش أخيّطها على ذوقي. أبنائي أشبه ما يكونون بالرحّالة، يحبّون الرحلاتِ أكثرَ من أيّ شيءٍ آخرَ. فهكذا علّمتُهم وهم صغار: لا تفوّتوا رحلةً في حيواتِكم، ولا تفوّتوا فرصةً للسّفر مهما حييتم. اسمعوا مني، فأنا أمّكم وأعرف أكثرَ منكم في الرحلات!

صرتُ أرحلُ كيفما أريدُ وأينما أريدُ، وأنا جالسةٌ في مقابل القنواتِ الكثيرةِ حتى صرتُ أكرهُ الرحلاتِ الحقيقيةَ والباصَ وزوجي، وصرتُ أقلِل من الخروج إلى الشرفةِ أو مبارحةِ مكاني في الصالة. بعد أن أنهكني المرضُ وداءُ المفاصل، موّل لي التأمين الوطني مساعِدةً تأتي لتعينَني على مهمّاتي الحياتيةِ ولترتبَ المنزلَ المُقفرَ. فـ “قريد العشّ” قرّرَ السكنَ في المدينة، حيث يسكن أخُوه الكبير، “ففرصُ العمل هناك أكثرَ”.

صرتُ أجلسُ ساعاتٍ وساعاتٍ، أسافرُ في أيةِ رحلةٍ أريدُ، وفي أيّ باص أختارُ، وعبرَ أيّ مسلسلٍ أرتئيه. ومع أنّ نظري خفّ كثيرًا وسمعي أكثرَ، إلا أنني ظللتُ قادرةً على التمييز بين الصُور والأحاديثِ وأطيافِ الأماكنِ التي أراها على الشاشة.

وهكذا سمعتُ صوتَه من الداخلِ يصيحُ: “إلحقيني، إلحقيني، عَم بموت!!” إلا أنني لم ألحقه ولم أفعلْ شيئًا. ماذا يريدُني أن أفعل؟ ثم إنّ نداءاته خفّتِ الآن، ثم توقفتْ تمامًا. أعتقد أنه نامَ الآن. فلينمْ، ماذا يريدُ مني أن أفعلَ؟ فلينتظرْ. فأنا الآن في رحلة وعليه أن ينتظر ريثما أعود.

كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، واتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

 لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلا ميّتا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له:

قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


*من المجموعة القصصيّة “الطلبيّة C345″، منشورات المتوسّط، ميلانو، 2018.

 

ما إن لمح صديقة القادم من الوطن في صالة الاستقبال في المطار، حتى بادره سائلاً إياه:

* هل أحضرت الأمانة؟

مد صديقه يده إلى حقيبة معلقة على كتفه ثم قال وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:

* لقد دوختني بمكالماتك وقولك: “أحضر لي حفنة تراب.” ألم يغترب أحد غيرك يا رجل؟!

ثم أخرج من حقيبته كيسا مليئا بالتراب.

نظر بوجه يخلو من أي مشاعر إلى صديقه الذي قدم لتوه من الوطن، تناول كيس التراب ثم توجه صامتاً إلى القطار.

بقي صامتاً في القطار أيضا، لم يكن يسمع قرقعة عجلات القطار على السكة ولا ضحكات مجموعة من الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزينة بالزمام أو فتيانا يتصايحون فرحا بنصر فريق كرة يؤيدونه. كان يمعن النظر إلى الكيس المليء بالتراب بين يديه.

كان الذين يمرون بقربه على عجل وينظرون إليه، يتخيلونه سكران أو نائما. حتى عندما طلب منه مفتش القطار تذكرة الركوب، أخرج تذكرته من جيبه ورفعها في وجه المفتش دون أن يرفع بصره عن كيس التراب، زم المفتش شفتيه وتغيرت ملامحه وهو يعيد تذكرته إلى يده التي كانت ما تزال معلقة في الهواء.

ثلاثة أعوام مرت وهو بعيد عن وطنه. وفي البلاد الجديدة التي لم تكن لتصبح وطنه صادف مصاعب شتى. قضى سنة بكاملها في سكن للاجئين، وسكن في السنتين الأخريين في منزل أشبه بالكوخ الحقير. لم تسنح له فرصة تعلم لغة البلاد التي وفد إليها، ولم يتمكن من عقد صداقة مع أحد ولم يستطع تأمين عمل يناسبه.

كانت الأيام تمر ثقيلة عليه في تلك المدينة التي لم تكن لتفتح أبوابها له. كان سيجن لو لم يمتلك الهاتف الجوال. ومع أن هاتفه لم يكن يرن إلا نادرا فقد كان يسليه، إذ كان يطلب أرقاما لا يعرف أصحابها ويسارع بالاعتذار قائلا: عفوا لقد أخطأت الرقم! كان يسمع مرات كثيرة أصواتا عنيفة غاضبة تقول: لا تخطئ مرة أخرى! لكنه لم يقلع عن تلك اللعبة لحاجته إلى سماع صوت آدمي والتحدث ولو لثوان قليلة.

كانت دائرة الخدمات الاجتماعية في البلدة تضغط عليه كثيرا ليعمل، لكنه وضع تعلم اللغة نصب عينيه هدفاً أساسياً، ولكن لم يكن هناك أحد ليساعده في تحقيق هدفه ذاك، إلى أن انخرط ذات يوم في البكاء عند موظف الخدمات الاجتماعية الذي يشبه كرة ذات عينين زرقاوين ولسان ألثغ! قال وهو يجهش بالبكاء:

* أرجوك امنحني فرصة تعلم اللغة قبل العمل!!

دخل دورة اللغة لمدة ثلاثة أشهر لم يتعلم خلالها سوى ” أنا فلان، من البلد الفلاني” وبضع جمل للمداولة اليومية.

انهمرت الرسائل القادمة من دائرة الخدمات الاجتماعية مرة أخرى على صندوق بريده البارد الصامت الذي لم يكن ليجد فيه سوى تلك الرسائل الرسمية الجافة الخالية من أي عاطفة!

اضطر لتوزيع الإعلانات، فكان يمشي لساعات في تلك الشوارع الموحشة مثل القبور ليوزع إعلانات للمطاعم والحلاقين وحتى بنات الهوى وكذلك جرائد الإعلانات التي توزع أيام السبت والأربعاء. اسودت أظافر قدميه حتى سقطت. كانت الكلاب في كثير من الصباحات تخيفه بعوائها إذ يقترب من أبواب المنازل ليدس الإعلانات في شقوقها. كان يحس بطعم المرارة في حلقه ثم يكمل مشواره.

ليست الكلاب وحدها، بل أصحاب الكلاب أيضا كانوا يزجرونه قائلين دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر إليه أو الرد على تحيته الصباحية:

* لا ترم هذه الأوساخ في صناديق بريدنا!!

ثم يستقلون سياراتهم ويمضون.

كان يطأطئ رأسه مضطراً وهو يبلع ريقه ثم يغادر صامتا إلى صندوق آخر.

* * *

توقف القطار في المحطة التي تسبق محطة بلدته، نزل بعض الركاب و صعد آخرون، كانت مجموعة الفتيات ذوات الشعر الأحمر والأنوف المزممة ما زلن يضحكن لكن قطيع مشجعي الفريق الذي ربح مباراته الأخيرة نزل من القطار وأفراده يرفعون علب البيرة في الهواء.

نظر إلى تلك الفتيات نظرة خاطفة، ثم عاد إلى التحديق في كيس التراب وشد عليه قبضته كمن يخاف اختطافه، وهدر القطار من جديد.

كان يشعر بالوحدة أنى ذهب. في القطارات، في المطاعم، في الاحتفالات التي يقيمها الناس في الشوارع، في المتاجر الكبرى. ما كان يجرؤ على النظر في وجوه الناس. كان يخشى أن يتحدث إليه أحدهم بتلك اللغة التي لا يتعلمها، فلا يرد على الناس ويتظاهر بأنه لا يسمع.

ولأنه لم يكن يتحدث بلغته أيضاً، فقد خاف من أن يصيبه الخرس وأصبح يتحدث إلى البسط والنوافذ، وإلى الغيوم والصلبان المنتصبة فوق أبراج الكنائس. حتى أنه بدأ يتحدث إلى المانيكانات التي تزين واجهات المحلات أيضاً.

عندما وصل إلى البيت، فتح الباب وهمس بصوت خفيض للتراب الصامت بين يديه في قعر الكيس:

* تفضل ادخل!

وما إن اجتاز العتبة حتى قال:

* اعذرني لأنني أتيت بك إلى هذه الغربة ولكن كان يجب عليك الحضور!!

توجه في بداية الأمر إلى غرفة نومه ووضع كيس التراب عند وسادته التي ينام عليها، لكنه استدرك قائلاً:

* لا. ليس هذا محلك!

دخل إلى الصالون ووضع الكيس هناك. لم يعجبه المكان وأخذته الحيرة فأخذ يتنقل به من زاوية إلى أخرى في شقته الصغيرة إلى أن استقر به المقام في الحمام، فسكب ما بداخل الكيس من تراب على الأرض الباردة الرطبة. ارتفعت كومة من التراب المتعب الجاف الصامت الذي شهد آثار خطواته آلاف المرات، على أرض الحمام. كاد يسمع أنين التراب إذ ينسكب ذرة ذرة على تلك الأرض الغريبة.

تضاعفت دقات قلبه واغرورقت عيناه بالدموع. نظر إلى كومة التراب ملياً ثم قال بصوت مرتجف:

* ها أنذا يا تراب وطني أشم منك رائحة الخراب.

سكب جرعات كبيرة من البيرة في جوفه ثم واصل التحدث قائلاً:

“مضت علي ثلاث سنوات وأنا بعيد عنك، اعذرني إن كنت نسيت اللغة التي كنت أحاورك بها. اعذرني إن خاطبتك في هذه الليلة الموحشة بعدم احترام. هل تذكر عندما حاصر البوليس منزلنا ثم اقتحموا غرفتي؟ أتذكر عندما حطموا قلمي وأحرقوا أوراقي التي سطرت عليها أشعارا تحكي حبي لك، أمام عيني وعينيك؟ أتذكر حينما صادروا كتبي ووضعوها مثل أرانب خائفة في أكياس قذرة؟ لقد قيدوا يدي أمام عينيك – إن كانت لك أعين – وأخرجوني وهم يركلونني ليرموني مثل كيس تبن في سيارة جيب لونها كان يحاكي لونك؟ لقد بقيت وقتها، أيها التراب، صامتا تلعق أحذية قوات الأمن دون أن تشعر بآلام معصمي المقيدين!! وعندما عدت بعد أسبوع في السيارة ذاتها، كنت أنظر من خلال زجاج النافذة إليك، كاد قلبي يتفطر وأنا أرى عجلات سيارة الأمن تزني بك!!

كنت أنت الشاهد الصامت للفجيعة حينما كانت أحذية المخابرات ترسم نقوشا متوحشة عليك وأنت في صمتك ونومك الترابي!!

هل تذكر حين طحن العشق قلبي ذات خريف؟

نعم، بدون شك ما زلت تذكر عندما كانت حبيبتي تحث الخطى كل ظهيرة فوقك لتأتي إلى غرفتي وتضع يديها على عيني المنتظرتين وهي تسأل ضاحكة: من أنا؟ كنت أتغابى فأتحسس بيدي يديها اللتين تشبهان حمامتين أليفتين ثم أرفع أصابعي إلى شفتيها المكتنزتين الدافئتين وأنزل بها إلى نهديها التفاحيين و فخذها اﻟ … وأقول: أنت جنية!!

كنا نتقلب كغمامتين ثائرتين تلهو بهما رياح مجنونة.

كانت حبيبتي تنسج بخطواتها كل ظهيرة بساط الأكاذيب، وكنت أنت على علم بالفخاخ التي تنصبها أمامي، لكنك لم تهمس ولو لمرة واحدة في أذني: حذار من أن تتعثر قدمك بالفخاخ! لم تقل لي ولو مرة واحدة: يا مجنون! لا تثق بالسراب، سيموت قلبك عطشا!! لم تقل لي: لتنته هذه اللعبة، قلبك يتعرض للطحن!!

كنا صديقين أيها التراب. كتبت فيك أروع الأشعار. كنت أشمك بكل ما في رئتي من قوة. كنت أبقي على غبارك الملتصق برموش عيني و ثيابي أسابيع و أياما ولا أنفضه عنها!!

كنت أقول: هذا غبار مقدس، غبار التراب، التراب الذي يغفو أمام باب الدار، التراب الذي يحتضن طفولتي المخنوقة وشبابي الضائع”.

احمرت عيناه رويدا رويدا، وأصبحت علب البيرة المرصوفة على رف المرآة تفرغ علبة إثر علبة، لكنه استمر في التحديق بكومة التراب المنسكبة على أرض الحمام العارية الصامتة وهو يقول:

“أصبحت تائها شريدا. حملت قلبي المحطم وطفت به في كل الأماكن دون أن أجد أحدا يلملم شظاياه. كنت تراني عشرات المرات في حيرتي – إن كانت لك أعين – لكنك كنت تبقى في صمتك الأزلي.

أما كان عليك أن تصبح أمام حزن خطواتي جنونا من غبار فتتطاير في سماء تلك المدينة المجرمة لتخبر الجميع بما يعانيه هذا القلب من آلام؟ أما كان عليك أن تخبرني بكل الفخاخ المنصوبة أمام قلبي؟ أنا الذي كنت أراك أما لي بل أكثر من أم؟

أحرقت منزلي وكتبي قهرا من حياتي البائسة وأوشكت على إحراق نفسي بينما كنت تنظر إلي صامتا، وربما كنت تقول في سرك وأنت تضحك: لقد جن الولد!!

كنت أرى معنى حياتي في حمايتك وحبك، وعندما أسمع كلمة سوء بحقك كنت أجن وأكاد أخفيك في عيني وأذود عنك بنور بصري. كنت مستعدا لبذل دمي فداء لك، ولكن أنت!! آآآآآه. بم أخبرك الليلة؟!

قل لي ما الذي فعلته لأجلي عندما ضاقت بي الأرض وسحقت طواحين الأمل قلبي لتجعله طحينا مشتعلا؟ ما الذي فعلته لأجلي عندما كنت تراني بائسا حزينا جائعا!! كنت أبكي لأجلك ولم أسمح حتى للريح بخطفك من أمام باب الدار، لم أذق للنوم طعما حتى أمنع لصوص التراب من نفيك إلى أرض المجهول!! قل لي – إن كان لك لسان – ما الذي فعلته لأجلي عندما هربت إلى هذه البلاد التي لا تصبح بلادي؟!

كنت تنظر إلي – إن كانت لك أعين – وتراني أروح وأجيء باحثا عن ذاتي التائهة، وعن حياة هادئة وحب صاف، لكنك لم تصبح وطنا لتلك الحياة ولا لذلك الحب!!

كنت تبقى صامتا، كما أنت الآن على هذه الأرض الباردة العارية وفي هذه الليلة الخرساء!! فلا تقل لي بعد: لم أتيت بي إلى هذه الغربة؟!

إنك أنت الذي دفعت بي إلى كل هذا الخراب، أنت من نفيتني. إنه ذنبك أيها التراب، ذنبك أنت. فلا تظنن أنني سأضعك بجانب رأسي على الوسادة لأشمك كل صباح وأقول: ياااه! تفوح من ذراتك رائحة الجنة!!

لا. لا أبداً. لكنني ﺴ…………. “

فجأة عمد إلى أزرار بنطاله وأخذ يحررها عن عراويها بسرعة، ثم بدأ يتبول على حفنة التراب المتكومة كأنين صامت على أرض الحمام الباردة الرطبة.

 

مات أعزّ إنسانٍ إلى قلب أمّي طيلة اثنين وأربعين عامًا.

شعور خسيسٌ. أن تقف أمام ميّت.

يتسلّل صوتُ صراخ طفل من النافذة المفتوحة.

الوقتُ منتصف الليل.

تخيّلتُ أنني أنبش في خرد المنزل، أعثر على حقيبة وأملؤها بأجزاء جسده.

ثمّ أرحل.

تقول أمي: “لقد أحبك، إلى أن ظهرت قصة المحكمة العسكرية، هذا أسوأ شيءٍ فعلتَه”.

“كانت علامةً فارقةً هائلة، نعم”.

تهزّ رأسها للأمام وتُعيده إلى الخلف.

“خيرًا فعلوا أنّهم برّؤوني… هذا ما يهمّ، أليس كذلك؟”

تقف في الجانب الآخر من السرير، تلتقط نظرتي. أفكّر: لن تضطرّ إلى تنظيف خرائه بعد اليوم، لا بدّ أنّه شعور جيّد أيضًا.

” لقد عانى…” نظرَت إلى وجهه الأبيض،وأدّيتُ بدَوري حركةً نبيلة بيدي اليمنى- مُطبقًا جفنيه بالإبهام والسبابة.

ثم يصل الشرطي. أمَرَنا، أنا وأمّي، بالخروج، وطلبَ من الطبيب الذي أُرسل مع سيارة الإسعاف، مرافقته إلى غرفة النوم، “والمسعف أيضاً”، قال.

وقفنا أمام التلفاز المفتوح على قناة التسوق. أحبّ متابعة آخر الابتكارات، وواكَبها.

تحرّك أمّي رأسها في اتجاهات مختلفة، يتبدّل وجهها، كما لو كانت تبحث عن التعبير المناسب للحالة من بين مشاهد الأفلام التي رأتها.

يقول سائق سيارة الإسعاف: “لدي تفاصيل شخص سيرتب من أجلك مكافّة المسائل المتعلقة بنقل الجثمان والجنازة، رجل طيّب” ويسلمني بطاقته: زِئيف تشيك تشاك 0544000000.

يغادر الشرطي الغرفة ويتوسّط الأم والتلفاز. “اسمعي يا سيّدة”، قال مُخفضًا عينيه. تُحملقُ أمي في مذيعة ذات شعر أسود خلفه، كما لو كانت تحاول أن تنسج علاقة صداقة معها وهي تقترح عليها فرشة زنبركيّة فاخرة تحوّل الأحلام السيّئة إلى أحلام جميلة.

“أنتم مضطّرون لمرافقتي إلى المحطّة”، تتبدّل تعابير الشرطي المشرقة بتعابير جادّة. “إليكم الأمر …” يريدُ أن يُضيفَ شيئًا لكنّه يتراجع.

تفتحُ أمّي فمَها لكن لا يصدر منه أيّ صوت. تعلن ذات الشعر الأسود أن الأحلام الجميلة لا تكلف سوى ستة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعين شاقلاً، على اثني عشر قسطًا متساويًا.

“نريدُ فرصةً لتوديعه كما يجب”، أتدخّل.

“غير ممكن”، يتحوّل إليّ الشرطيّ بحركة سريعة، “إنّه أداة إثبات حيوية للتحقيق”.

تُحملق فيه أمّي في حرجٍ، تعتريها قوى القصور الذاتي أثناء وقوفها. تلهث بشدّة. أفكّر في لوحات التحكم الداخلية عندها، والتوترات التي تصيبها لحظات قبل الهبوط. ترتعد، تُطلق صرخةً وتهوي على الشرطيّ الذي يبسط يديه دون تفكير. يضمّها.  بالطبع، هذه هي اللحظة التي يقوم فيها الجميع تقريبًا بامتصاص الوقت تحسبًا للحدث التالي.

لو كان أبي حاضرًا لقالَ: “آه، بالتأكيد يا جماعة”، ولأنشدَ: “وأنت تسير في العاصفة… ارفع رأسك عاليًا…” ولأكملتُ أنا:”… لا تخشَ … الظلام!”

“كلّ شيءٍ على ما يرام يا سيّدة”، يريدُ الطبيب أن يقيسَ علامات الحياة عند أمّي، لكنّها ترفض وتغنّي كما كانت تغنّي مع أبي، “ثمّة سماء ذهبيّة، والنشيد الفضيّ العذب للعبة القدر.. واصل سيرَك في الريح…”

“إنها أغنيته”، أقول موضّحًا، وأغنّي معها: “… واصل سيرَك في الريح، عبر أحلامك ألقِ نفسك وانفجر…”

“غنّوا معنا”، تقول أمّي مشجّعةً الحاضرين، “واصل سيرَك، واصل سيرَك/ والأمل في يدك…”

في محطّة الشرطة يُجلسنا الشرطي أمام ماكينة للمشروبات الساخنة. ألصقت بطاقة صفراء بلوحة الأزرار. رُسم عليها سهم أزرق يُشير على أحد الأزرار.

تحت السّهم كُتب: “هذا هو، على الأرجح، أكثر زرّ جدير بالكبس عليه”.

تقول والدتي: “نحن متواضعان”، وتقترح أن نتقاسم كأس قهوة.

في غرفة التحقيق، تمرّر كأس القهوة إلى المحقق ونتقاسمها الثلاثة. تروي أمي القصّة للمحقق،تدنو أكثر إلى أطراف الحقيقة.

يقول المحقق وهو يسعل: “كم هو رائع أنّني تعرّفتُ إليكم”. يثيرُ السعال موجةً من الطاقة الحركية. تحرّك والدتي ذراعها إلى أن تمسك يدها بيدي. أتفاجأ من النّعومة.

“أعيش على هذا النّحو منذ أكثر من ثلاثة أعوام… أريد أن أبكي. لكن في لحظات كهذه… وكل هذا حدث ونحنُ نغني، هل حكى لك الشرطي؟ كنّا نردد النّشيد:”لن تسير وحدك … لن تسير أبَ..دًا!” “تحكّ فروة رأسها، تلهث وتلتفت إليّ، “ابني بطل، هل هذا مدوّن عندكم؟”

يصوّب المحقق نحوي نظرةً جريئة ويقترح عليّ بلُطفٍ أن نخرج، أنا وهو، لجلب المزيد من القهوة. تنظر أمي إليّ: بعد كلّ هذه الأعوام التي عاملتُك فيها بالحُسنى، الآن تسلّمني؟

وأنا أيضًا نظرتُ إليها: أحيانًا تطلبين أكثر من اللزوم.

أومأت بعينيها إيجابًا، حسنًا، اذهب، افعل ما يلزم.

بجانب الماكينة، أزيلُ الذراع الاصطناعيّة، أحكّ الجَدَعة المتعرّقة، وأتركها لترتاح. تلتقي عيناي بعيني المحقّق ويقطعنا شعور يخلو من الوديّة.

ينظر في ساعته، “معك ثلاث دقائق لتنهي”.

أقول:”لو رأيت جدعة ساق أبي. قصة مدّتها ست دقائق ستتيح لك الوقت لتستمع أيضًا إلى قصّة يده المبتورة. لغم مضادّ للأفراد… قصة تثير الفزع. قصّتي مدّتها لا تقلّ عن سبع عشرة دقيقة …”

نظر الشرطي في الساعة من جديد.

“إذن هل معنا وقت؟” أسأله.

يشدّ أنفه: “أنتَ تنشف ريق أمك”.

“إنها ليست في عجلة من أمرها”، أقول، ” دائما تقول ‘لمَ العجلة؟’لعِلمك، لو فكّرنا في الأمر، فإنّها نبيّة. لقد تنبأت أيضًا بأنّني سأفقد يدي. رأت ذلك في المنام. في ذلك الصّباح كتبت لي رسالة: ‘اعتن بنفسك، يا بني'”.

وَقفة.

“يبدو الأمر مثل البيضة والدجاجة”، أقهقه، “رأيتُ الرسالة بعد أن أفقتُ من الجراحة. دون ذراع. عرفتُ أيضًا أنّني أستطيع أن أفعل كلّ ما فعله أبي دون ذراع، وهو كثير. ثمّ ابتسمتُ. إليها، لأنّه لم يأت. تذكّرت على الفور الخراء الذي حدث. أقول ‘حدث’. الأمور تحدث، تتدّفق من كلّ صوب داخل الجمجمة، تجعلك تفعل شيئًا تندم عليه لاحقًا.

“أمّك، قتَلَته، صحيح؟”

“يوجد ثمن. لكنني شعرت.. شعرتُ بأنّه يجب علي. أنّني مضطر. مجبور. إنّه التيار، هل تفهم؟ سحبتُ الدبوس الأحمر  لصمام الأمان وضغطتُ على الزناد، الأمر الذي كان محظورًا علي أن أفعله. والذي لو أنّه.. ولو أنّه.. ولو كان أساسًا: الأفضل أن تموت. أن تقع في الأسر. أن تخضع للتعذيب إلخ إلخ على أن تضغط على الزناد. لكنّني فعلتها. كما لو كنت أروي مزحة سيئة للغاية، سيئة لدرجة أن الأرض انفجرت ضاحكة. حاكَموني على هذا، ومنذ ذلك الوقت بالكاد تحدّث معي”.

“هذه هي فرصتك … لتحكي. سنفهمك، بصدق. سوف تكون على ما يرام أيضًا. هي أيضًا..” ينظر المحقق إلى الطرف الاصطناعي. “هذا كلّه فائض عن الحاجة”، يقول بنبرة صوت رقيقة.

“أحضر قهوةً لأمّي”، أقول بنفس الرقة: “إنّها… القهوة تجعل منها ملكة. لديها ورم … أنا لا أحبها، لكنها لا تستحق ورمًا. لا أحد يستحق تقريبًا”.

يلامس الأمر قلبه.

“بإمكانها أن تكون رائعة”، أقول، “لقد انقلع. لا أدرك ذلك، في حياتك سيدة عظيمة، السيدة تمرض فجأة، ثم تنقلع؟”

“همممم …” يهمهم المحقق.

ندخل ومعنا قهوة أمي. أجلس بجانب المحقق، قبالتها. يقف هو. تحتسي القهوة وتبتسم إلينا.

أقول:”أمي لقد حكيتُ له”.

“ابني دائمًا يختلق أشياء مجنونة عني، الأمر أشبه بهواية عنده”، تتحدّث إلى المحقق، “لقد حكى لباروخ من متجر الأدوات المكتبيّة أنّه يُغمى عليّ  من أيّ شيء صغير، وأنّ زبدًا يخرج من فمي عندما أغضب، وأخبر شموئيل من محل البقالة أن والده يصفعني بيده الاصطناعية عندما يمسك بها بيده السليمة…”.

لكَي  تُظهر أنها في حالة جيدة وأنّها قوية، تقف أمي وتقفز في مكانها،تبسط ذراعيها وتغلقهما وهي تفتح ساقيها وتضمّهما.

ينظر المحقق نحوها. نحوي. ثمّ نحوها. يقول:”يا سيدة، اجلسي الآن من فضلك!” ثمّ يُخرجني من جديد.

أقول للمحقّق بأن القصّة بدأت ذات نهار لم أصدق فيه أبي عندما قال إن أمي تعاني من ورم، وأنها تريد منه أن يموت معها.

يعطيني المحقق ورقة وقلمًا ويطلب مني أن أدوّن القصّة كاملة. “أنت كاتب، أليس كذلك؟”

يقول: “انقذ أمك”.

أدوّن:

يوم الثلاثاء قدمتُ لزيارة، وطلب مني أبيأن أعدّ له القهوة. هرول خلفي إلى المطبخ وقال: “إنها مريضة، تعاني من ورم، وعلينا أن نفعل شيئا حيال ذلك”.

“لا يوجد لدى أمّي أيّ ورم”، قلت له والماء يغلي، “من قال لك إنّ لديها ورمًا؟”

“شموئيل من محل البقالة. رأى أوراق الفحص، لفّت بها الخبز، أنت تعرفها، تكره الأكياس البلاستيكية”.

أمسكتُ وجهه بكلتا يديّ وحوّلتُ رأسه بحيث ينظرعبر النافذة، إلى أمّي، التي كانت تسقي السراخس والقواقع التي نمت على صخور الحديقة.

“هل تبدو لك كمَن اقترب أجلها؟” سألته.

“لا”، قال.

لا تبدو. على الاطلاق.

“يا الله”، قلت: “هل يوجد من يقول الحقيقة في هذا البيت؟”

“هل هذا جيد؟” أريتُ المحقق ما دوّنت.

يمرّ على المكتوب، “واصل، هذا رائع”.

في ذلك المساء أصرّأبي على الجلوس في الصّالة دون ساق أو يد. يفعل ذلك على الدوام في السادس من أكتوبر. بالنسبة لأمّي، يشكّل هذا الأمر حالة طارئة، لأنه يصرخ ليلاً: “سفينة معادية هبطت على كوكب الأرض. غزاة مسلحون في المنطقة 8 أ، فليقف الجميع في مواقع دفاعية ، فليقف الجميع في مواقع دفاعية!” عندها يصبح نقله إلى السرير أصعب ما يمكن فعله. لكن هذا العام، بسبب الورم، اتصلت بي وقالت إن أبي سيموت. لقد كانت بحاجة إلى شيء ما يبدو جيدًا. وكان “موت أبي” شيئًا أبديًا.

حسنًا، إنّني بكلّ تأكيد أقول نعم للمثالية، للكرامة وللبحث الدائم عن الحقيقة في جميع أشكالها. لكنني وصلت إلى النقطة التي يشكّ فيها المرء إذا كانت هناك أي حقيقة حقيقية، فهي تشير إلى أن سرمديّة الكون المتعددة الأبعاد الشموليّة يديرها بلا شكّ مجموعة من المضطربين. لم يتّفق والداي في هذا الشأن على الإطلاق. أقصد أنه يواصل بحثه عن الحقيقة وتظل هي تقول له: “هذه طريقك لمغادرة كوكب الأرض، لا توجد إجابة على الحياة واشكر ربّك على مكوثك فيها”.على كلّ، عندما جئتُ، كان التاريخ السابع من أكتوبر. سأل من أكون. ركّبنا له الأطراف الاصطناعيّة. قال إنه مستعد، إنه يرى شيئًا يشبه الحوامة الصغيرة التي تصبّ حولها خزانًا صغيرًا من الضوء الخافت. صاحَ باتجاه التلفزيون: “لقد اخترت ليلة باردة لتزورنا على كوكبنا الميت”. حاولت أن أستفسر منه عمّ كان يتحدث، وقال للتلفزيون، ” لستُ خائفًا، لن تفعلوا بي سوءً، أنا مستعد”. ثم انهار، وعندما انحنيتُ عليه قال: “لكنكم أصبتمونا! هذه الصواريخ …”

رفعناه ومدّدناه على السرير. كانت عيناه مفتوحتين، وانبثق منهما بريق. سقطت ظلال على الجدران. سعل، وطلبت أمّه تسمى الإسعاف. مسك يدي وشدّني إليه، “نظام أوتوماتيكي”، قال وابتلع تنهيدةً. “أجهزتنا الكمبيوتر منتشرة في جميع أنحاء كوكب الأرض، تعدّ الآلاف من السنوات المظلمة، وفي بعض الأحيان يصابون بلَوثة ويطلقون النار لتبديد الملل. سأنزل إلى غرف الماكينات لإصلاحه”.

هكذا كانت النهاية تقريبًا. جلسنا إلى جانبه. نظرت الأم باتجاه النافذة وقالت إنها ترى الحوامة تنزلق إلى رقيع الليل. لم أر شيئًا، فقط عندما نظرت إلى أبي داهمتني لحظة شك، أمكنني رؤية اللون الرمادي يتحرك على جسده. سرمديّة الوقت أثارت قلقي، شعرتُ بوجودها. ما الذي تبحثين عنه؟ سألت، وأعتقد أنني سمعت، بعضًا من الفضول، بعضًا من المغامرة، لكن أعتقد في المقام الأوّل أنّها حكاية شهرة ومال… بكلمات أبي.

قصّتي أقنعتهم.

لم يحضر أحدٌ جنازة أبي.

قالت أمي “هكذا هو الحال”.

ليس هناك جسم جامد كالمفتاح يحمل المشاعر التي يحملها، فالبصمات التي تبقى عليه ولا يمحوها قانون التقادم هي رسم خفي لاحاسيس الناس الذين حملوا المفتاح واخترقوا عالمهم او خرجوا منه، كالرسم البياني على جهاز تخطيط القلب، يسجل الغضب والحزن والفرح والسكينة، فكيف يكون المفتاح حين يحمله شاعر غادر البيت حاملاً مفتاحه وديوان شعر وشحن على ظهر قارب في البحر أقلع به من حيفا إلى عكا، ثم الى بيروت وإلى.. وإلى..إلى أن التقينا في صوفيا.

في طفولتي لم يقل لي أحد شيئًا عن أبي سلمى.. لا في المدرسة ولا في البيت.. وحين كنّا صغارًا نحفظ الشعر ونتبارى فيه، كنا نبدأ المبارزة الشعرية بما أسميناه “المفتاح”، أي البيت الذي نفتتح به وكان:

أنشر على لهب القصيد        شكوى العبيد إلى العبيد

وكان يصّر على هذا المفتاح معلم اللغة العربية، لكنّه لم يقل لنا من هو قائله، والحقيقة أننا لم نسأل لأننا كنا نبحث عن أبيات ذات قافية صعبة، و”الدال” هو واحد منها، وأمّا معلم التاريخ الذي كان يستجيب إلى إلحاحنا لتمضية درس التاريخ الناشف بمبارزة شعرية فقد كان يصّر على مفتاح آخر، وهو:

ألعرب أشرف أمة               من شك في قولي كفر

ولا أعرف حتى اليوم من هو قائل هذا البيت، لكن معلم التاريخ لم يكمل السنة الدراسية، فقد افتقدناه يومًا وقيل لنا أنه يكتب الشعر وقد طُرد من المدرسة وسمعنا فيما بعد أنه غادر البلاد وصار يتنقل بين مصر وليبيا والاردن ولم يعد إلى وطنه، بل تركنا نسخر من أنفسنا ونحن نسأل:

هل حقًا، العرب أشرف أمة ؟

قد يعود الينا يومًا ويحكي عن العرب، مؤمنًا او كافرًا، ويعلم الله أنه بعد أن تعرف على حالة العرب في الخارج فسيأتينا معتذرًا ليس على كفره بل على يقينه في تلك الأيام.

أبو سلمى

بعد أن أنهيت المدرسة الثانوية في حيفا سمعت لأول مرة عن أبي سلمى (عبد الكريم الكرمي)، ويحز في نفسي اليوم أنني كنت أمر يوميًا، ولأربع سنوات متتالية، قرب بيته ولا أعرف أن في ذلك البيت عاش وكتب “شاعرنا القوميّ”.

لم أعرف في ذلك الوقت ما معنى “الشاعر القوميّ” لأن معلمة اللغة العبرية، غرزت في رؤوسنا أن حايم نحمان بياليك هو شاعر قوميّ، ولا يجوز أن يكون هناك شاعر قوميّ لأمة إلا بياليك للأمة العبرية.

عندما كبرت صرت أسأل كطفل صغير:

لماذا لا يكون لنا شاعرنا القومي، مثلما أن لهم شاعرهم؟

وكم أردت أن يكون أبي ومعلم التاريخ شاعرًا كهذا.

إلتقيت أبا سلمى في صيف 1980، في صوفيا مدينة البلقان.

جاء ليلقي الشعر وذهبت لأدرس الشيوعية.

هناك تحدث عن حيفا، وإذا بها مدينة غير التي تعلمت فيها وأعرفها وأقضي معظم ساعات نهاري في غرفة صغيرة من غرف جريدة “الإتحاد” التي احتوت بين جدرانها على طاولة خشبية عريضة، هي طاولة أبي سلمى.

إحتفظنا نحن بطاولة مكتبه واحتفظ هو بمفتاح البيت.

كنا نتحدث إليه عبر طاولته وكان يتحدث إلينا عبر المفتاح.

مناجاة عشّاق لقمر لا يغيب، ولكنه بعيد، بعيد.

سأل عن شارع الملوك وساحة الحناطير وقال أن بيته في شارع البساتين، في حي الألمانية.

سأل:

هل تعرفون البيت؟

هل هناك أحد يحرسه؟

كان أبو سلمى يعاتبنا لأننا اكتفينا بطاولته ولم نحرس البيت، حتى أننا لم نعرفه، ولم نجرؤ على السؤال:

“لماذا ذهبت؟”

غجر

بين حيفا الأمس وحيفا اليوم درج من حجر.

ألماضي من تحت والحاضر من فوق.

بحرها يتراجع وقممها تفقد خضرتها يومًا بعد يوم.

أصبحت مدينة شاحبة مشحونة بدخان المصانع وزعيق البواخر في الميناء.

بكى وهو يحكي وبكينا نحن على بكائه.

“خرجت مع مفتاح وقصائدي.

وقعت قصائدي في البحر وظل المفتاح لأنني ربطته بخاصرتي..”

في طريقي اليه في فندق البلقان جلست على الارض امرأة غجرية وضعت في حضنها رضيعا والى جانبها وقف طفل في السابعة مادا يده للتسول. أردت أن أعطيه لكن مرافقتي البلغارية قالت:

“لا. انهم ليسوا بحاجة، فالدولة توفر لهم كل شيء وهم يرفضون هذه النعمة! الغجر يرفضون النعمة ويفضلون التسول! هذه هي حياتهم! لقد بنينا لهم المساكن وسلمناهم مفاتيح الشقق، فباعوا المفاتيح وتركوا البيوت فارغة وانتشروا في الشوارع.. يغنون ويرقصون ويتسولون..”

(شو هالحكي؟)

“لماذا تضحك يا رفيق؟”

– خذيني الى فندق البلقان واتركيني هناك مع الشيخ الغجري الفلسطيني!

إنه شاعرنا القومي؟ هل للغجر شاعر قومي؟

“لبلغاريا شاعرها!”

قالت الرفيقة نانا، وودعتني عند مدخل الفندق، ولما عانقت أبا سلمى لم يتسلل إلى أذني إلا شهقاته وطقطقة صرة المفاتيح التي حملتها موظفة جميلة وغابت في الردهات الطويلة.

تلة رضوان

رحلة البلقان كانت كالخرافات الموروثة، لا يحيكها سوى القضاء والقدر والمصادفات الجميلة، وفي صميمها إنسان تتقاذفه الأقدار، كهذا الشاعر العجوز الذي يحلم بالعودة إلى بيته ويصفه حجرًا حجرًا، ويسأل عن الدرج وعن غرفة “سعيد “وعن الحديقة ويعاتبنا لأننا لم نحرسها. وحين يبدأ رحلته يختار الأسطورة: “يُحكى عن راعٍ في تلة رضوان كان يغني لجواميسه ويعزف على الناي، أحب ابنة شيخ القبيلة وأحبته فبعث يطلب يدها.

غضب والدها على هذا الراعي “الوقح “الذي يجرؤ على مجرد التقدم اليه بطلب كهذا، فأمر بقطع أصابع يديه عقابًا له.. وكان هذا أقسى حكم ينزل على شاب ترقص أنامله الجواميس في المراعي.. في اليوم التالي رفضت الجواميس الخروج لأن الراعي لم يأتِ ولم يعزف.. وما كان من أهل القبيلة إلا أن قصوا أعواد القصب وركبوها في مكان الأصابع وعاد الراعي ليعزف على الناي فخرجت الجواميس إلى المراعي وتزوج ابنة الشيخ..

قال أبو سلمى أنه تأثر كثيرًا بهذه الحكاية وظلت ترافقه ومنها بدأ يكتب الشعر، كانت هي المفتاح للإلهام، مثلما كانت أصابع الراعي المقطعة المفتاح للموسيقى التي أطربت الجواميس، وهل هناك اقتحام لعالم روحانيّ أو ماديّ دون مفتاح؟

في عام النكبة فقدت عشرات ألوف المفاتيح، منها ما ظل في الأبواب المشرعة ومنها ما وقع على الطريق الوعرية أو في البحر، إذا لم يربط في الخاصرة، وها هم أصحابها ينتظرون أكثر من خمسين عامًا صابرين على فراقها مؤمنين “أن الصبر مفتاح الفرج” مستبدلين مفتاح البيت الحديدي بمفتاح الأمل الذي تبدد بعد أن قامت الجرافات وأخذت البيت والمفتاح.

ألبيت

مات أبو سلمى بعيدًا بعيدًا عن وطنه، بعد شهرين من لقائنا في البلقان.

مات في أمريكا ودفن في دمشق وترك المفتاح لابنه سعيد..

عدت إلى البيت في شارع البساتين، لأبحث عنه ولأسأله إن كان هو أيضًا يشتاق الى أهله مثلما يشتاق أهله له، وقد كنت أمّر يوميًا بجانبه ولا أراه، وربّما لأن معلمة المدنيات اليهودية قالت لنا: “العرب في حيفا هربوا خوفًا من البراميل التي دحرجناها في نزلة ستيلا مارس وعلى الدرج الذي يفصل بين حيفا من فوق وحيفا من تحت ففكروها طائرات ودبابات.. وتركوا بيوتهم وهربوا، ويقال ان امرأة حملت وسادة بدلا من ان تحمل رضيعها الذي نام في السرير.. وعندما دخلنا كان الطبيخ على النار.. “

عدت إلى حيفا بعد رحلة البلقان وذهبت إلى حنا نقارة، صديق أبي سلمى، وطلبت منه أن يأخذني إلى البيت.

وقع خطانا على السلم الخشبي لم يوقظ أهل البيت.

إنتظرنا أن يفتح أحد بابًا ويقول:تفضلوا!

كنا كمن يتحرك في كهف مهجور.

“هذه غرفة النوم”..

وضرب حنّا بكفه على جدار اهتز هزات خفيفة واختفى رجع الصدى، وفي عينيه علقت دمعتان.. أما السقوط على أرضية “الكوريدور” الخشبية وأما البقاء في عناق طويل مع الرموش الذابلة.

طرقنا على الباب.. لم يسمع صوت.

“ربما أنه مهجور”

طرقنا مرة اخرى.

“من هناك”؟

ردّت علينا امرأة كأننا أيقظناها من سبات عميق.

لم نعرف كيف نعرّف عن أنفسنا، ولو عرفنا لأثرنا خوفها في مدينة عندما يطرق غريب وصل بلا موعد على أبواب منازلها، فإما أن يكون حراميًا وإما أن يكون شرطيًا وكلاهما يثيران أشد أحاسيس الخوف.

“سلام عليك أيتها السيدة”

وجوم..

“هل تسكنين هنا منذ زمن بعيد؟ منذ عام1948؟”

عجوز في الستينات وقفت خلف بابها المشقوق وحدقت بنا حيرى ومرتبكة ونحن ألقينا بنظراتنا إلى باطن الغرفة.

“أسكن هنا منذ عام 1949”

أشار حنا إلى الغرفة الواسعة وقال، هذا هو الصالون.. كان يستقبلنا هنا.. وسألنا السيدة:

“هل تعرفين من كان يسكن الدار قبل مجيئك”؟

فأجابت السيدة:

“لا أعرف! عائلة بولونية.. قبلها سكنت عائلة ألمانية..”

قال حنا نقارة:

“هذا البيت لقريب لي توفّي قبل شهر.. نزح عنه قبل 32 عامًا..”

سألت السيدة:

“هل هو عربيّ؟”

إمرأة عجوز قدمت من رومانيا عندما كان صاحب هذا البيت يحمل المفتاح وقصائده ويركب قاربًا أبحر به بمحاذاة الشاطئ من حيفا، إلى عكا، إلى طرابلس..

“هل تعلمين أن صاحب هذا البيت هو شاعر فلسطيني كبير توفي قبل شهر؟ هل تعلمين أنه ظل يحتفظ بمفتاح البيت على أمل العودة؟”

حركت رأسها كأنها تقول: “مسكين هذا الشاعر!” ثم واصلت: “البيت قديم وقد طلبت من البلدية أن تعطيني بيتًا آخر، ولكن لا يوجد فلوس.. أسكن في غرفة واحدة، هنا مطبح وهنا حمام وهنا غرفة مسدودة بالباطون.. سدتها البلدية، إنها تدلف، جدرانها مشققة وشبابيكها محطمة..”

مد حنا يده وصافح السيدة العجوز. الدمعة التي تراخت على الرموش الذابلة انقسمت وتساقطت على خده. عدنا إلى السلم الخشبي، والكوريدور، وخرجنا من المدخل. هناك بيت فوزي بندر، كان وكيل شركة تأمين، وهذا بيت زكي التميمي، وهذا لحسين عبد الصمد، وهذا للدجاني وهذا للعنبتاوي، وهناك نصار الفرمشاني، وهذا بيت المحامي عيسى هزو.. هل حملوا مفاتيح بيوتهم التي بنيت من حجر وما زالت قائمة حتى اليوم؟

زنزانة

رهيبة صكصكة المفاتيح حين تجتمع وتتراقص على خاصرة راهب يمشي في دهليز إلى غرفة معتمة في الأديرة القديمة، أو حين تصطك في يد سجان تسمع وقع بسطاره عندما تكون منقبضا في زنزانة، وتعلو شيئا فشيئا إلى أن يتوقف، فتقف على رجليك لتصغي بترقب وتوتر إلى معركة حشر المفاتيح في الثقب الوحيد الذي يربطك بالعالم الخارجي، وعندما تسمع “طقة” وتتلوها أخرى اقوى منها تتنفس الصعداء لأن السجان يفتح الباب ويأمرك أن تخرج إلى أن يعيدك ثانية.

ليس بيني وبين المفاتيح علاقة عشق, وقد جاء مفتاح أبي سلمى ليحررني من حقد على المفاتيح كان اشتد في نفسي في ليلة من ليالي أيلول 1977.

في منتصف تلك الليلة حرقت كل سجائري، ولم يكن من عادتي أن لا أبقى سيجارة لقهوة الصباح، لكنني فعلتها في تلك الليلة، فتبين لي فيما بعد أن السيجارة في البيت كالحجاب يطرد “الوسواس الخناس” ويبعد الشياطين وأولاد الحرام وإلا كيف حدث أن في تلك الليلة وبعد أن أقفلت الباب واسترخيت على سريري وما كدت أغمض عيني حتى سمعت طرقا شديدا على الباب وهرجا ووقع خطى أيقظ طفليّ وزوجتي فقاموا مذعورين وأنا معهم، ولما فتحت الباب واذا بثلاثة رجال وأربعة وخمسة وعشرة تجمعوا في المدخل بلباس مدني وبوليسي وقال أولهم: “جئنا لنفتش البيت!”

وناولني ورقة لم أقرأها، ودخلوا بقوة وانتشروا في أركان البيت وفتشوا في المكتبة وفي الخزائن وفي الثلاجة وتحت الفراش، ووصل عددهم إلى أكثر من ثلاثين رجلاً ضاع بينهم طفلاي وهما يبكيان ولا يفهمان ما يدور في البيت. كان على طاولتي مفتاح كبير لبوابة قديمة ورثته عن جدي. حين كنت أتأمل فيه وأقرأه كان يعيدني إلى تلك الأيام وذلك الجيل وإلى الحالة الفلسطينية التي تجمعني بهذا الجيل المعذب، ويبدو أن ضابط العملية بذكائه المخابراتي الخارق أدرك عمق العلاقة بيني وبين هذا المفتاح فبدأ يحقق: “من أين لك هذا؟” وأمرني أن آخذه إلى البوابة الكبيرة، ولما أقنعته أن مثل هذه البوابات كان في زمن البيوت الحجرية الكبيرة التي هدمتها جرافاتهم، عندها سحبه بعصبية وقال: “سيكون شهادة ضدك”، وأمرني بأن أصعد الى السيارة واختفى المفتاح.

أمضيت ليلتين في زنزانة “الجلمة “ولم تكن المرة الأولى التيأعرف فيها السجن والزنزانة، ولكنها المرة الأولى التي شعرت فيها أن السيجارة تصبح في السجن وسيلة تعذيب. قلت للسجان: “أعطني سيجارة!” نظر إلي وابتسم ابتسامة خبيثة عبر الفتحة المربعة في وسط الباب وقال: “بعد قليل”، واصطكت مفاتيحه وغاب.. وكانت هذه “البعد قليل” ساعتين وأكثر عاد بعدها وفتح الطاقة وناولني سيجارة وقال: “نسيت علبة الكبريت, سأذهب لأحضرها بعد قليل”. وكانت “البعد قليل “الثانية أطول من سابقتها, وأدركت أن طقوس التعذيب قد بدأت… ولم أشعر بالانفراج إلا عندما كان السجان يفتح الباب ويقودني إلى غرفة التحقيق.

ثلاثة محققين كانوا هناك: طيب وشرير وبشع. ألطيب عرض علي سجائره والقهوة وكان مؤدبا وحاول اقناعي بأن أرتدع عن خطي السياسي المناهض للسلطة وعرض علي المال والوظيفة وحتى عضوية الكنيست. وفتح ملفا كبيرا وقال: “كل ما كتبته ونشرته وقلته محفوظ عندنا.. وهو مترجم حرفيا”.

قلت له: “أنا سعيد أن هناك من يهتم بما أكتب. وسعيد أكثر أن كتاباتي تترجم. حبذا لو تقومون بنشرها بلغتكم”.

أغاظه هذا الكلام “الصقع”, فهب من مكانه وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل عليّ الشرير وقال أنه يستطيع ان “يخرب بيتي” وأن “يجعل حياتي جحيما وأن الدولة التي انتصرت على مائتي مليون عربيّ لا تحسب حسابًا لواحد مثلي”.

قلت له: “أعرف أنكم اقوياء وأنا لا أتحدى دباباتكم”.

قال: “اذن ستظل مشاكسًا؟”

وغادر الغرفة وتركني وحيدا ثم دخل البشع. شاب طويل وضخم ومفتول العضلات صار يبرم حولي ويلف ويدور وينظر إلي نظرات مرعبة, وقال: “من أنت؟ ماذا تساوي؟ أنت لا تساوي الرصاصة التي ستخترق دماغك. لا.. لن نخسر عليك رصاصة. نحن سنطلق سراحك. سنقول لك أنت حر, إذهب أينما شئت, وستركب سيارتك، وتسافر وفجأة تأتيك سيارة شحن كبيرة، سيمترلر،  وتدوس عليك كما يدوس الفيل على النملة، وبعدها ستركض زوجتك خلف شركة التأمين لتدفع التعويضات”

وتكررت هذه الجولة الثلاثية لمدة 48 ساعة. تعلمت منها درسا واحدا: أن لا أنام ليلة دون أن أترك سيجارة لقهوة الصباح.

أطل عليه..

وصرت أكره المفاتيح وصكصكتها. إلى أن كان ذلك اللقاء مع أبي سلمى في فندق البلقان في صوفيا. صار للمفتاح معنى آخر في حياتي. علمني مفتاحه أن ليلتي ويومي في سجن الجلمة كانت المفتاح إلى عالم من المواجهة ليس فيه تنازل ولا مساومة ولا التفاف على الحق.

“سنلتقي في حيفا”، قلت لأبي سلمى.

بعد شهرين رحل تاركا المفتاح وقد أُشبِعت قصائده الضائعة بملح البحر. بعد سنوات قليلة أَخلت العجوز الرومانية البيت، ربما انتقلت الى بيت آخر أو الى العالم الآخر. ظل البيت مهجورا لعدة سنوات أخرى. لم يقم أحد بزيارة البيت. مررت يوما من هناك، كانت الجرافات قد أنهت عملها، والبيت تحول الى ركام صارت الجرافات تحمله على شاحنة كبيرة وتطاير غبار كثير. لم يبقَ لبيتِ شاعرنا القومي أثر. هناك في حيفا، حي الألمانية ساحة كبيرة هي موقف سيارات أطل عليها من مكتبي في “معهد إميل توما”، فتأخذني بعيدا إلى فندق البلقان وإلى مفتاح على خاصرة شاعر لم يقدر على حماية قصائده فسقطت في البحر ولم نقدر على حماية بيته فمسحتها الجرافات.

كان ذلك في الصيف الأخير قبل أن يُعيدوا سيناء إلى مصر. كنتُ في الثالثة عشرة وسافرتُ مع والديّ وأصدقائهم إلى رأس برقة. يبدو لي أنّها كانت آخر رحلة عائليّة كبيرة. بعدها صرتُ أفضّل السفر مع أصدقائي. على أيّ حال، كان لإحدى العائلات التي سافرت معنا بالمجموعة ولدٌ مُصاب بالشلل الدماغيّ. وقد نصبوا خيمتهم أبعد بقليل عن سائر العائلات، ولذلك مضت بضعة أيّام قبل أن ألاحظ وجوده أساسًا. وكان ذلك بالصدفة المحضة. دخلت إلى مياه البحر مع أنبوبة تنفس للغطس وسحبني التيّار بعيدًا. كان الموج عاليًا، والمياه مالحة تسربت إلى أنبوب التنفّس وامتلأ القناع بالبخار. أردت العودة إلى الشاطئ ولكنّني كنت عاجزًا عن ذلك. بعد مرور دقيقة طويلة جدًا تبيّنتُ مسارَ خروج رمليًّا كان يتعرّج بين شعب المرجان وسبحتُ فيه حتى وصلتُ إلى الشاطئ. وهناك استرحت قليلًا والتقطتُ أنفاسي مجدّدًا. خلعتُ “الزعانف” وبدأت بالسير عائدًا صوب خيمتنا، وأنا أقسم وأتوعّد بأن تكون هذه المرة الأخيرة التي سأنزل فيها إلى البحر وَحدي.

وعندها رأيته.

كان يجلس على كرسيّ عجلات بجانب خيمة عائلته.

تردّدتُ بالاقتراب منه، ولكن كان يبدو لي أنّه يبتسم إليّ، فحِدت عن مساري بمحاذاة الشاطئ وتوجّهت إليه. عندما اقتربتُ اتّضح أنّ الابتسامة لم تكن إلّا ارتعاشة غير إراديّة أحدثت تشوهًا في فمه.

ولكنّ الأمر لم يقتصر على هذا فحسب.

عشرات الذبابات هدّت على وجهه. كانت الذبابات على شفتيه، على أنفه، في داخل أنفه، في أذنيْه، على خدّيْه، على رقبته، على ذقنه، على شعره، وعلى نظارته السميكة، الغريبة.

ذبابات كبيرة، وذبابات صغيرة، ذبابات ساكنة، وذبابات كانت تفرك راحتيْها بمتعة.

كيف تركوه هنا على هذا النحو؟ أين والداه؟ تعجّبتُ.

“اِفعلْ شيئًا” قالت عيناه من وراء النظّارة. “أنقذني من هذا العذاب”. ومن فمه خرجت دمدمة، تشبه دمدمة حيوان جريح.

نزعت بلوزتي وبدأت بالتلويح بها بقوّة من حول جسده. طارت بعض الذبابات، وبعضها لم يطِرْ. لوّحت باليد الأخرى أيضًا، وركلتُ الهواء بقدمي قريبا من وجهه. فعلتُ كلّ شيء ما عدا لمسه، قفزتُ، وضربتُ الأرض بقدمي، وحتى أنّني دخلت خيمتهم وأخرجت منها قطعة كرتون صغيرة يُلوّحون بها فوق “المنقل”، وحرّكتها بقوّة عند رقبته، حيث قبعت ثلة عنيدة من الذباب.

في نهاية المطاف، وبعد جهدٍ تواصل لدقائق، نجحتُ بتقليل عدد الذبابات إلى النصف تقريبًا. عرفتُ أنّ الذبابات ستعود في اللحظة التي سأترك بها المكان، وستحتلّ وجهه بسهولة. ولكن لم يكن لديّ خيار. رغبت بالعودة إلى الخيمة المركزيّة لطلب المساعدة. لطلب النجدة.

“سأعود حالًا،” قلتُ له. لم يومئ ايجابًا، ولا سلبًا. كان يبدو لي أنّني أرى في عينيه شكرًا وعرفانًا، ولكنّني لم أكن متأكدًا من هذا أيضًا. “سأعود في الحال”، قلت مجدّدًا. لكن لم تبدر عن وجهه أيّ حركة، ثانية.

ركضتُ طيلة الطريق إلى الخيمة المركزيّة، وقدماي تشتعلان بِحَرِّ الرّمل الساخن، ولكن قبل أن أصل المكان التقيت بوالديْه اللذين كانا عائديْن، على ما يبدو. كانت الأم تحمل في حضنها الابنة الجديدة، الشقراء. وكان الأب يحمل كرسيّيْن مَطويّيْن.

ابنكما، قلتُ على عجل، إنّه هناك… وحدَه… الذباب. اضطربت الكلمات في فمي.

نحن نعرف، قال الأب بصوت مُتّزن. بالتأكيد. لا شيء يمكننا فعله، تنهّدت الأم. لا يمكننا الوقوف إلى جانبه طيلة اليوم وطردها.

نعم، لكن… رغبت بالاحتجاج. بالمطالبة. بالتلويح بالزعانف. لكنّني لم أنجح بصياغة احتجاجي بكلمات، بادّعاءات مُرتّبة. كنت فقط في الثالثة عشرة من عمري، وكنت ما أزال أخاف من البالغين قليلًا.

على أيّ حال، شكرًا على اهتمامك، قال الأب، وعادَ إلى سيره. بشرتها حسّاسة، سيُضرّ بصحّتها، الوقوف في الشمس هكذا، اعتذرت الأمّ، وأشارت إلى الطفلة الشقراء، وتجاوزتني.

كانت الطفلة الشقراء نائمة. كان وجهها مشرقًا وجميلًا.

في الّليل رويتُ لوالديّ ما حدث. كنت متأكّدًا من أنّهما سيُصدَمان. أنّهما سيستخدمان التعابير ذاتها التي يستخدمونها حين كنت أقوم بما يثير غضبهما: “عيب”، “عيب وعار”، أو الأسوأ: “وصمة عار”.

ولكنّني ذُهلت إذ كانا غير مبالييْن. بل أكثر من ذلك: اتّضح أنّ ما قلته لم يكن جديدًا عليهما. فقد أتى هذا الولد إلى الرحلة الجماعيّة إلى بحيرة طبرية في عيد العُرش، وعندها أيضًا جلس على كرسيّ العجلات خارج الخيمة واستوطنه الذباب.

أتّفق معك أنّ هذا المنظر ليس بالمنظر الجميل، قال أبي. ولكن ما الذي يمكنهما فعله؟ الوقوف بجانبه وكشّ الذباب طيلة النهار؟

أعتقد أنّهم يقومون بعمل جميل بإحضاره إلى الرحلة، قالت أمّي. فقد كان بوسعهم إبقاؤه في مؤسّسة الرعاية.

ولكنّهم يريدون منه أن يكبر كسائر الأولاد العاديّين.

لماذا يُخبّئونه إذًا؟ انفجر من داخلي السؤال بصوت عالٍ، صوت يليق بالبيت لا بسيناء. وإذا كان ما يفعلونه أمر جميل إلى هذه الدرجة ولا مَدعاة للخجل، فلماذا نصبوا خيمتهم بعيدًا عن الجميع؟!

لأنّهم كانوا بحاجة إلى وقت أطول لتوضيب أمورهم، ولم تتبقَّ لهم إلّا هذه المنطقة، قال أبي بحزم.

نعم، دعمتْ أمّي ما قاله –وأنا لم أسمعها تؤكّد كلامه منذ فترة طويلة- الأمر صدفة بحتة، وفي بحيرة طبرية كانوا في موقع مركزيّ- هذه حقيقة.

تسمّرتُ إزاء ادعاءاتهما، التي تجمّعت إلى جانب ادّعاءات والديْه. بدا كلّ شيء منطقيًّا ومُقنعًا. ومع ذلك، سيطر عليّ شعور بأنّ ما يحدث هو غبن وظلم. أطفأ أبي ضوء الشمعة وقالت أمي، في العتمة، إنّ تفكيري بالآخرين لا بنفسي فقط أمر جميل، ويمكنني أحيانًا أن أستغلّ هذه القدرة لتنظيف الأوعية البلاستيكيّة بين الفينة والأخرى، كما تطلب منّي؛ فليس منطقيًا أن تكون في سيناء لتنهمك اليوم كلّه في الطبخ وتنظيف الصحون التي نخلّفها وراءنا.

في الغداة، وبعد استيقاظنا، اتّضح أنّ عائلات كثيرة أخرى قدمت من البلد، ونصبت خيامها على الشاطئ. لن تصدّقي يا رينا، لكنّ كلّ شعب إسرائيل جاء لتوديع سيناء، قال أبي بعد أن أنهى رياضة الصباح خارج الخيمة. يا ويلي، قالت أمّي متضايقة عند خروجها، شعب إسرائيل بأكمله هنا حقًّا.

كرهتُ طريقة كلامهما هذه. وكأنّهما ليسا من شعب إسرائيل أيضًا. لكنّني لم أقل شيئًا. خرجت من الخيمة استكشفت الشاطئ بنظرة طويلة. لم تعد خيمة الولد صاحب الذباب على الهامش، بل في وسط سلسلة من الخيام التي غزت الخليج الصغير، من التلّة الصغيرة وحتى رمال الشاطئ. جيّد، قلتُ لنفسي، الآن سيرى كلّ شعب إسرائيل هذا الولد، وهو يتعذّب على كرسيّ العجلات، ولا بدّ من أن يقول أحدهم كلمة ما لوالديْه.

في ذلك اليوم، وعندما بدأت الشمس بالانحدار باتّجاه الجبال، دخلتُ مع أنبوب الغطس وسبحتُ مجدّدًا إلى النقطة التي يفصل فيها السبيل الرمليّ الضيق بين شعب المرجان الكبيرة. وبعد خروجي من المياه وتجفيف نفسي قليلًا على الشاطئ، بحثت عن خيمتهم. لم يكن الأمر بسيطًا الآن، لأنّها أضحت محاطة بالكثير من الخيام، إلّا أنّني اهتديتُ ببريق ناجم عن ارتطام أشعّة الشمس بحديد كرسيّ العجلات.

كان يجلس هناك، في ذات المربع الصغير من الظلّ. بحثتُ في عينيْه عن إشارة ما تدل على أنّه يعرفني، يذكر شيئًا ما. لم أجد. كانت على وجهه مليون ذبابة. مليار. كلّ شعب إسرائيل مرّ من هنا في الصباح، فكّرتُ، ولم يفعل شيئًا.

بدأتُ بمهمّة الطرد. كنتُ مُصرًّا هذه المرة على طرد كلّ الذبابات عن وجهه، حتى آخر ذبابة. أردتُ رؤيةَ وجهه أملسَ ولو لمرّة واحدة، رغبتُ بأن أحقّق له عدّة ثوانٍ من الرّاحة، من دون حكاك.

استغرق هذا وقتًا طويلًا- وكانت الشمس قد بدأت بتذهيب رؤوس الجبال- ولكنّني نجحتُ في النّهاية. اتّضح أنّ الذبابات الثلاث الأخيرة كانت ميتة، فقشرتها عن خدّه بأصابعي.

ابتعدتُ عنه قليلًا، كي أتأكّد من أنّني أزلتُ الذبابات كلّها، وفيما كنت أتراجع للخلف حطّت على أنفه أربع ذبابات جديدة.

عدُت بغضب وضربتُ الهواء بجانب أنفه بيديْن مفتوحتيْن، إلى أن رضخت الذبابات وطارت.

بعدها وقفت بجانبه لدقائق عديدة كي أتأكّد من عدم تجرّؤ أيّ ذبابة على العودة.

ثمّ بدأ الظلام يحلّ، وأملتُ بأنّ والديّ يشعران بالقلق عليّ، وعندها وعدتُ ولد الذباب بأنّني سأعود في الغداة، في السّاعة ذاتها، وتركته وحده.

كنتُ سأفرح لو أخبرتكم بأنّني عدتُ في الغداة، وفيما بعد الغد. وكنتُ سأفرح لو أخبرتكم بأنّني قرّرت في نهاية المطاف الإعلان عن إضراب مفتوح، وربما حتى إضراب عن الطعام، بجانب كرسيّ العجلات الذي يجلس عليه ولد الذباب، حتى لم يعد مفرّ أمام والديه سوى الوقوف في جانبيْه مع سعفتي نخيل كبيرتيْن والتلويح بهما النهار بطوله.

لكنّ الحقيقة أقوى منّي الآن.

في ذلك المساء، وبجانب إحدى حلقات الجيتارات المنعقدة، التقيت بفتاة في الخامسة عشرة، وكذبت عليها مدعيًا بأنّني أنا أيضًا في الخامسة عشرة. صدّقتني، وقالت لي إنّه في أشدود، حيث تسكن،، هناك عدّة فتيات قد “فعلنَها حتى النهاية” مع فتيان أكبر سنًّا. كانت تملك عينيْن خضراويْن وبشرة بلون الشوكولاتة، وكانت تتجوّل طيلة الوقت بالمايوه الأبيض ذاته، في النهار وفي الليل، وتحدّثت بصوت عالٍ عن نهديْها، وكم أنّهما كبيران وجميلان. وقعتُ في حبّها على الفور، بالطبع. وقضيت الأيام الآتية في لعب الطاولة بلا نهاية، معها ومع أبناء عمّها، محاولًا باستماتة أن أثير انطباعها.

في أحد العصاري، دخل أبناء عمّها البحر وبقينا أنا وهي على الشاطئ.

كانت الشمس من خلفنا. لم ألتفت لكنّني كنت أراها وهي تُذهّب الآن رؤوس الجبال.

صمتنا. شعرتُ بأنّ مسؤوليّة إنقاذنا من الصّمت تقع عليّ.

يوجد هنا ولد، قلت لها. مصاب بمرض ما، لا أعرف. على أيّ حال، فإنّ والديه يتركانه وحده على كرسيّ عجلات خارج الخيمة، طوال اليوم، وتأتي كلّ ذبابات سيناء لتستوطن على وجهه.

يا للقرف، قالت.

نعم، وافقتُ. وأضفتُ، وأنا أصفّ الكلمات بسرعة، بأنّني أذهب إليه بين الفينة والأخرى وأطرد الذباب عنه. هل ترغبين بالمجيء معي إلى هناك؟

ماذا؟ الآن؟ قالت وهي تدفن رجليها المدبوغتيْن بالشمس في الرمل الطريّ، دلالة على أنّها لا تنوي الذهاب إلى أيّ مكان.

لا، ذُعرتُ. ليس الآن. فكّرت بالذهاب لاحقًا، غدًا.

سنرى، ربما، قالت وقفزت فجأة من مكانها. هل ستأتي إلى البحر؟

لم أرَ ولد الذباب ثانيةً. كنتُ متأكّدًا من أنّني سأراه في اليوم الأخير، حين تقوم كلّ مجموعة والديّ بفكّ الخيام والتجمّع للانطلاق في قافلة سيارات السوبارو عائدين إلى أيلات. كنتُ أخطّط للتحدّث مع والديه ولومهم، أو توديعه والاعتذار منه على عدم الإيفاء بوَعدي، لكن عند وصولنا إلى نقطة التجمّع قبل الانطلاق، لم تكن عائلته هناك.

لقد غادروا بالأمس، قالت أميّ. لقد أصيبت ابنتهم الصغيرة بعُسر الهضم.

وماذا مع الـ… هممت بالسؤال، إلّا أنّ أبي غيّر الموضوع. يا بنيّ، قال، الق نظرة أخيرة على الشاطئ وتذكّر جيّدًا ما تراه. ففي غضون سنة سيقيم المصريّون هنا قاعدة عسكريّة. وهذه ستكون نهاية المرجان والأسماك.

لماذا، أعتقد بالذات أنّهم سيطوّرون السياحة هنا، قالت أمّي.

فردّ عليها.

ثم ردّت عليه.

وبدآ نقاشًا استمرّ حتى أيلات، وربما في شارع “العرﭬاه” أيضًا، لا أعرف، لأنني غفوتُ بعد “يُطﭬاته”.

بعد مضيّ عدّة شهور على ذلك، عادت سيناء إلى المصريّين، وأصبحت أكثر نظافة وهدوءًا.

ثم استولى على منطقة رأس برقة شيخ مصريّ أزرق العينيْن سمج وزوجته الألمانيّة. وقد وافقا في السنوات الأولى على إدخال الإسرائيليّين، لكنّ الانتفاضة اندلعت بعد ذلك وعلّقوا يافطة صغيرة من الكرتون تُعلن أنّ الدخول مسموح لحَمَلة الجوازات الأوروبيّة فقط.

وقد حضرت الفتاة الأشدوديّة الجميلة في تخيّلاتي لأشهر عديدة. ولكنّني لم أنجح بتخيّل وجهها، فاستبدلتها بشارون حَزيز.

لم أفكّر بولد الذباب لسنوات، سنوات، لكن فجأة تذكّرته؛ كان ذلك أثناء تأديتي لخدمة الاحتياط العسكريّة في نابلس، التي طلبتُ في أعقابها نقلي إلى وحدة أخرى. كنتُ أجلس وحيدًا في القُمرة الصغيرة التي تُطلّ على حاجز عين غوار، أعدّ النجوم، وأستمع إلى أحاديث متقطّعة في اللاسلكيّ، ولا أعرف السبب من وراء ذلك، إلّا أنّ وجه هذا الولد ظهر أمام عينيّ، فتضخّم قلبي دفعةً واحدة ليصير بحجم البطيخة، يا الله، حتى أنّ الذباب كان يغطّي رموشه، حتى داخل منخاريْه، داخل أذنيْه. وأنا، وعدتُه بالمجيء.

كم غريبٌ أنّني لم أحكِ لأحد عن هذا الأمر قط، ألحّت الفكرة في رأسي. لقد كشفتُ أمام الناس عن أمور مُعيبة أكثر –أسرار، وأكاذيب، وانحرافات- لكنّي لم أكشف عن هذا الأمر، لسبب ما. وعدتُ نفسي بإخبار زوجتي عند عودتي إلى البيت، وشعرت بأنّه من اللازم أن أحكي لها، هي على الأقلّ، ولكن عند عودتي كان التوأمان مريضيْن ودرجة حرارتهما عالية، وتناوبنا على العناية بهما، وبالكاد تحدّثنا.

وبعدها نسيتُ الأمر. ولا أعرف بتاتًا لماذا تذكّرتُه الآن.

أديتُ خدمة الاحتياط السيئة هذه قبل سنة ونصف السنة، وقد جلست أمام لوحة المفاتيح أصلًا كي أحضّر عارضة تسويقيّة لأوبتيك ليزر، التي سأعرضها في الصباح الباكر، بمشاركة كلّ الرؤوس الكبيرة في الشركة، وما زال الكثير من العمل بانتظاري، الكثير من الشرائح غير الجاهزة، الكثير من الشرائح التي تحتاج للتدقيق، وهذا النصّ، الذي لن أريَه لأحد بالتأكيد. وسيُدفن بلا شكّ في أحد جوانب القرص الصلب في حاسوبي، وسيواصل طنينه من هناك.

 

I  —   كيفَ تعتاشُ من الأدب؟

لو سألوني ما الذي أستحقّه، سأجيب بصدقٍ كصدق المُثول أمام الله، أنّني أستحقّ الأشغال الشاقّة.

تيفليس ليست السّبب، فأنا لم أفعل شيئًا سيئًا في تيفليس. وإنّما فلاديقوقاز هي السّبب.

كانت تلكَ أيّامي الأخيرة في فلاديقوقاز، وشبح الجوع الرهيب (كليشيه! كليشيه!.. “الشبح الرهيب”… لكن، اللعنة على ذلك! هذه التدوينات لن ترى النور أبدًا! كما اعتدتُ أن أقول- شبح الجوع الرهيب يقرع باب شقّتي المتواضعة، التي حصلتُ عليها بترخيص، وبعد الشّبح مباشرةً قرع الباب المحامي غنزولاييف، رجل يمتلك شخصيّة مشرقة، بشارب صغير ومهذّب، ووجه مُلهم.

وقع بيننا حديث أقتبسه هنا باختصار:

“لمَ أنت مكتئب?” (غنزولاييف)

“عليّ أن أموت من الجوع في فلاديقوقاز مدينتكم الرديئة…”

“لا جدال في ذلك. فلاديقوقاز- مدينة رديئة. تكاد لا توجد مدينة في العالم أشدّ رداءةً منها.  لكن ما الداعي لتموت الآن؟”

“لا يوجد شيء آخر أفعله. لقد استنفذت كل الاحتمالات. لا يوجد مال في قسم الفنون ولن يدفعوا الرواتب. لن أتمكّن من كتابة كلمات الافتتاحية للمسرحيات. كان لدي مسلسل منشور في حلقات في جريدة فلاديقوقاز المحلية وتحصّلت منه على 1200 روبلا ووعدٍ بزجّي في قسم خاص، في حال طبعتُ شيئاً مشابهاً آخر”.

“لماذا؟” (قال غنزولاييف منذهلاً. والأمر مفهوم. يريدون زجّي في قسم خاصّ، وهذا يعني أنّني مشبوه”.

“بسبب سخريتي”.

“يا له من هراء. إنّهم لا يفهمون شيئًا عن المسلسلات المنشورة في حلقات هنا. اسمعني…”

إليكم ما فعل غنزولاييف. لقد حرّضني على مشاركته في كتابة مسرحية ثورية من الحياة الثقافيّة الفلاديقوقازيّة المحليّة.  إنّني أشهّر هنا بغنزولاييف. فقد جرّني وأنا وافقت لحداثة سني  وقلة خبرتي. ما علاقة غنزولايف بكتابة المسرحيات؟ لا علاقة، الأمر واضح. هو نفسه اعترف لي على الفور أنه فعلا يكره الأدب، مما تسبب في تعاطفي معه. أنا أيضًا أكره الأدب، وصدّقوني، أكرهه أكثر بكثير من غنزولاييف. لكن غنزولاييف يعرف عن ظهر قلب الثقافة المحليّة، هذا طبعا إذا أمكن أن نطلق لقب الحياة الثقافيّة على وجبات الإفطار في أكشاك الكباب على خلفية الجبل البغيضة في المجرّة الكونيّة، الخناجر المصنوعة من الفولاذ الرديء، الخيول العجاف، الخانات والموسيقا المثيرة للاشمئزاز التي تخلع الروح.

لذلك، فإنني سوف أؤلّف المسرحيّة وسيضفي غنزولاييف عليها لون هذه الثقافة المحليّة.

“وحدهم الحمقى سيقتنون هذه المسرحية”.

“سنكون نحن الحمقى إذا لم نبع هذه المسرحية”.

كتبنا المسرحيّة في سبعة أيام ونصف اليوم، يعني أننا أمضينا نصف يوم أكثر من خَلق الكَون. على الرغم من هذا، خرجت المسرحيّة أسوأ من الكَون.

شيءٌ واحدٌ يمكنني أن أقوله: إذا أعلنوا يومًا عن مسابقة المسرحيات السخيفة معدومة الموهبة والمتجرئة فإنّها ستنال المرتبة الأولى (على الرغم من ذلك، أذكر الآن عدّة مسرحيّات تمّ تأليفها بين الأعوام 1921-1924، وبدأت أشكّ في الأمر…)، حسنًا، ليس المرتبة الأولى- فلتكن المرتبة الثانية أو الثالثة.

باختصار: بعد كتابة هذه المسرحية وُصمتُ بوصمة لا تمحى، وأملي الوحيد هو أن تتحلّل المسرحية في أعماق الوحدة الفرعية لقسم الفنون المحليّة. أما الفاتورة، فليأخذها الشيطان، يمكنها أن تظلّ هناك. كانت 200،000 روبل. مائة لي. مائة لغنزولاييف.

 عُرضت المسرحية ثلاث مرات (وهو رقم قياسي)، ودُعي المؤلفان إلى المنصّة. خرج غنزولاييف وانحنى، واضعًا يده على ترقوته. وخرجتُ أنا متجهّمًا حتّى لا يعرف أحد وجهي في الصورة (تم تصوير المنصّة بالمغنيزيوم). وبفضل هذا التجهّم، انتشرت شائعة في المدينة بأنني ألمعيّ، ولكنّني مجنون في نفس الوقت. كان الأمر مزعجًا، لا سيما أنّه لم تكن هناك حاجة للتجّهم على الإطلاق: تمّ اختطاف المصور الذي التقط لنا الصورة وَنَقله إلى المسرح، وبالتالي لم يظهر شيء في الصّورة باستثناء بندقية وكتابة منقوشة: “تعيش …”، وخطوط مغبشة.

قضيتُ على سبعة آلاف في يومين، وبمساعدة ال 93 المتبقية قررت مغادرة فلاديقوقاز.

لماذا؟ لماذا بالذات إلى تيفليس؟ اقتلوني، حتّى الآن لا أفهم. على الرغم من أنني أذكر أنّهم قالوا إن:

قررت السّفر. وقبل كلّ شيء رزمتُ أغراضي. أخذت ممتلكاتي- بطانية، بعض الأثواب التحتيّة، ومُضرم لهب كيروسينيّ.

في عام 1921، كانت الأمور مغايرة بعض الشيء عما كانت عليه في عام 1924. على وجه الخصوص، كان هناك حظر على السفر على هذا النحو: أن تنهض وتغادر، الشيطان وحده يعرف إلى أين! فالمسؤولون عن السفر المدنيّ ظنّوا على ما يبدو ما يشبه الآتي:

“إذا شرعَ الجميع في السفر، فماذا سيكون الحال؟”

كان من الضروري إذن الحصول على تصريح. تقدمت على الفور بطلبٍ إلى الجهة المسؤولة، وفي البند الذي سئلتُ فيه:

“ولماذا تسافر؟”

أجبتُ بفخر:

“أسافر إلى تيفليس لإنتاج مسرحيتي الثورية”.

ثم خَتم الشاب التّصريح في مظروف، وسلّمنا أنا والمظروف إلى شخص ما معه بندقية وقال:

“إلى القسم الخاص”.

“لماذا؟”، سألت.

لم يُجِبني.

أشعة الشمس الساطعة (وهذا هو الشيء الوحيد الجيد في فلاديقوقاز) انعكست عليّ وأنا أسير على الرصيف، وعن يساري الرجل ذو البندقيّة. قرّر تسليتي بمحادثة وقال:

“سوف نقطع الآن البازار، فلا تفكّر في الفرار. لن يعود ذلك بالخير”.

“لو توسّلت إليّ لأفعلها، ما كنتُ لأفعلها”، أجبت بصراحة تامّة. وقدّمت له سيجارة.

وبينما كنّا ندخّن بأريحيّة، وصلنا إلى القسم الخاص. قطعنا الفناء بسرعة وتذكّرتُ كل الجرائم التي ارتكبتها. تبيّن أنّها ثلاث جرائم.

المسرحية؟ لكن، عفوًا، ربما لم تكن كتابة مسرحية جريمة على الإطلاق؟ بالعكس.

لفتًا لانتباه أولئك الذين لم يكونوا في القسم الخاص: هو عبارة عن غرفة كبيرة مع سجادة على الأرضيّة، طاولة  كبيرة جدا، ثمانية هواتف بتصاميم مختلفة موصولة بخيوط خضراء وبرتقاليّة ورماديّة، وخلف الطاولة يجلس رجل صغير بزيّ عسكريّ ووجه لطيف. تيجان سميكة من الكستناء تطلّ عبر النوافذ المفتوحة. عندما رآني، أراد الجالس خلف الطاولة تغيير تعابيره اللطيفة إلى تعابير غير وديّة وغير لطيفة، وقد نجح جزئيًا ،فقط في ذلك.

أخذ صورة من درج المكتب وبدأ يدقّق فيها وفيّ.

“أوه، لا. هذا ليس أنا”، قلتُ باستعجال.

“كان بإمكانك أن تحلق الشارب”، أجاب السيّد بنبرة المتفكّر.

قلت: “نعم، ولكن لو نظرت عن كثب سوف ترى أنّ الرجل الذي في الصورة لديه شعر بصبغة تلميع الأحذية السوداء ويبلغ من العمر حوالي خمسة وأربعين عامًا. أما أنا فأشقر وعمري ثمانية وعشرون عامًا”.

“صبغة؟” سأل الرجل الصغير بتردّد.

“لكن ماذا عن البقعة الصلعاء؟ عدا ذلك، تأمّل الأنف. أتوسل إليك أن تتأمّل الأنف جيدًا”.

نظر الرجل الصغير إلى أنفي وأصابه الإحباط.

” صحيح. لا يشبه”.

ساد صمت، وشعاع الشمس ظهر في المحبرة.

“هل أنت محاسب؟”

“أعوذ بالله”.

صمت. وتيجان الكستناء. سقف منحوت. كائنات كيوبيديّة.

“ولماذا تسافر إلى تيفليس؟ أجب بسرعة، دون تفكير”،  قال الرجل الصغير مندفعًا.

“لأعرضَ مسرحيّتي الثوريّة”، أجبته مندفعًا بالمثل.

فتح الرجل الصغير فمه، ارتدّ إلى الخلف، ولمَع في أشعّة الشّمس.

“هل تكتب المسرحيّات؟”

“نعم. مضطَرّ”.

“بلا مزاح. هل كتبتَ مسرحية جيدة؟”

كان هناك شيء في صوته يلمس قلب أيّ شخص، إلاّ قلبي. أكرر، أنا أستحق العمل الشاق. أِشحتُ بصري وقلت:

– نعم جيدة.

نعم. نعم. نعم. هذه هي الجريمة الرابعة والأخطر من بينها جميعًا. لو رغبتُ في البقاء نظيفًا أمام القسم الخاصّ، لتَعَيّن عليّ الإجابة على هذا السؤال كما يلي:

“لا. إنها ليست مسرحيّة جيدة. إنها زبالة. أريدُ فقط أن أسافر إلى تيفليس”.

نظرت إلى أصابع حذائي الممزق وسكتّ. تداركتُ نفسي عندما ناولني الرجل الصغير سيجارة وتصريح السّفر.

قال الرجل الصغير لصاحب البندقيّة:

“رافِق الكاتب إلى الخارج”.

القسم الخاص! انسَي الأمر! هل ترين، لقد اعترفت. أزلتُ عنّي عبء ثلاث سنوات. ما فعلته هنا هو أسوأ في نظري من التخريب، من الثورة المضادة، ومن سوء استغلال المنصب.

لكن انسَي الأمر!!!

II — الرحالة الأبديّون

يقولون إنّه في عام 1924، كان من السهل الوصول من فلاديقوقاز إلى تيفليس: تستأجر سيارة في فلاديقوقاز وتسافر على طول الطريق العسكرية الجورجية، وهي طريق جميلة على نحو استثنائيّ. 210 أميال فقط. ولكن في عام 1921، بدت كلمة “استئجار” في فلاديقوقاز مثل مفردة في لغة أجنبية.

كان من الضروري أن تسافر مع بطانية ومضرم لهب كيروسينيّ إلى محطّة القطار وتمشي هناك على طول الأرصفة، باحثًا في عربات الشّحن التي لا حصر لها. وأنا أمسح العرق، عند رصيف رقم 7 بجانب عربة مفتوحة، رأيت رجلاً يرتدي أحذية ينتعلُ شبشبًا وله لحية تشبه المروحة. غسل غلاية الشاي وكرّر الكلمة “باكو”.

“خذني معك”، طلبتُ.

“لن أفعل ذلك”، أجاب الملتحي.

قلت “أرجوك، لكَي أنتجَ مسرحية ثورية”.

“لن أفعل”.

حمل الرجل الملتحي الغلاية وقفز على لوح خشبي داخل عربة الشحن. جلست على بطانية بجانب القضبان الساخنة وأشعلت سيجارة. حرارة شديدة وخانقة ملأت الفراغ بين عربات الشحن، ورويتُ عطشي من الصنبور الموجود بجانب الطريق. ثم جلست مرة أخرى وشعرت بالحرارة الحارقة التي تبثّها عربة الشحن. أخرج الرجل الملتحي رأسه.

“عمّ تتحدّث المسرحيّة؟” سأل.

“ها هي”.

أبعدتُ البطانية وأخرجت المسرحية.

“هل كتبتها بنفسك؟” – سأل صاحب العربة دون ثقة.

“مع غنزولاييف”.

“لم أسمع به”.

“أنا بحاجة إلى الرحيل”.

“أتوقّع وصول اثنين، إذا لم يأتيا فعندئذ ربما سآخذك.” فقط لا ترسم شيئًا على لوح السرير الخشبيّ. لا تعتقد أنك إذا كتبت مسرحية بإمكانك أن تجرّب هنا أشياء مسلية. الطريق طويلة، ونحن أنفسنا من لجنة التربية السياسيّة.

قلت له: “لن أفعل” وشعرت بنسمة أمل في الحرّ الحارق، “يمكنني أن أنام على الأرضيّة”.

قال الملتحي الجالس على سريره الخشبيّ:

“هل معك زاد؟”

“معي القليل من المال”.

فكّر الملتحي.

“هذا ما سنفعله… سوف تقاسمنا وجباتنا في السّفر. لكن سيتوجب عليك أن تشارك في جريدة محطتنا. ماذا يمكنك أن تكتب في الجريدة؟”

“أي شيء تريدونه-” قلتُ مؤكّدًا واستحوذتُ على حصّتي من الطعام ومضغتُ القشرة الخارجية من الخبز.

“حتى المسلسلات ذات الحلقات؟ سأل، وكان واضحًا من وجهه أنه يظنّني كذابًا”.

“المسلسلات ذات الحلقات- تخصّصي”.

ظهرت ثلاثة وجوه في ظل الأسرّة الخشبيّة إلى جانب قدمين حافيتين. الجميع كان ينظر إلي.

“فيودور! يوجد هنا سرير خشبيّ شاغر. ستيفانوف لن يأتي، ابن العاهرة، قالت القدمان بصوت جهوريّ، سأدخل الرفيق كاتب المسلسلات”.

“حسنا، أدخله”، قال فيودور صاحب اللحية بتشتّت. “ماذا ستكتب؟”

“الرّحالة الأبديّون”.

“كيف ستكون البداية؟” سألت الأسرّة الخشبيّة. “هيّا اصعد إلينا لاحتساء الشّاي”.

ردّ فيدور قائلاً: “الرّحالة الأبديّون-ممتاز”، وخلع نعليه. “لو قلت فوراً إنّك تكتب المسلسلات ذات الحلقات بدلاً من جلوسك مدّة ساعتين على السكة. تعال انضمّ إلينا”.

تحلّ أمسيةٌ رائعة وضخمةٌ مكانَ النّهار الحارّ في فلاديقوقاز. أطراف المساء هي الجبال الزرقاء التي يتسجّى دخان المساء على جوانبها. قاع الكوب أرضٌ منبسطة. وعلى طوله القاع المترجرج، بدأت عجلات القطار تدور. الرّحالة الأبديّون.

وداعًا إلى الأبد، غنزولاييف

وداعًا فلاديقوقاز!