the short story project

search
تل الهوى

محمد الحباشة على:

تل الهوى أسماء الغول

ليس من السّهلِ أبدا أن تُختزل فظاعات حروبٍ بأكملِها في محاورةٍ بين شخصين بسيطينِ، ولكنّ أسماء الغول في قصّتها “تل الهوى” تُثبِتُ لنا عكس ذلك. حيثُ استطاعت أن تنفذ بدقّةٍ متناهية وشاعريّةٍ عالية إلى هشاشةِ النّفس البشريّة المُهتزّةِ بالرّعب والعدميّة أمام طواحين الموت الغادرة.

كنتُ وأنا أقرأُ “تلّ الهوى” أتحسّس جسدي متوجّسا فِقدانَ جُزءٍ منه، وأتوقّفُ أحيانا لأفكّر في الأشياء التي أكلها العالم من روحي. هكذا تجعلك أسماء الغول تتماهى مع النّصّ لُغةً وفِكرا، حتّى لا تعود تُفرّق بين سيّارة تمرّ أمامك وأنت جالِسٌ في مقهى، وشظيّةٌ تمرّ فوق رأسك وأنت تقرأ. هكذا يتشظّى السّرد في “تلّ الهوى” في كتابةٍ ثلاثيّة الأبعاد، تجرّ القارئ من تلابيبِه لتضعه أمام مرآة نفسِه ومرآة الآخر فيه.  

 كما تنعطفُ أسماء الغول على الحقائق المرعبة للاحتلالِ، عبر الإشارة إلى معلوماتٍ تاريخيّة عنه، قد تصدِمُ القارئ حتّى النّخاع، خاصّة في ما يتعلّق بالاجتياح الذي كانَ مبنيّا على تفرِقةٍ طبقيّة بين أحياء المهمّشين والبسطاء، وأحياء البرجوازيّة الرّاقية، فهي أيضًا تُذكّرنا بمن نحنُ في حالاتِ ضعفنا وعجزنا المدوّي أمام سوداويّة الموتِ وحتميّته. “لم يكن درسا في التاريخ… كان درسا في عجز الإنسان وحبّه الحياة، أقصد حبّي أنا.” هكذا تُلخّص الكاتبة على لسانِ إحدى الشّخصيّتين، ما يمكن للإنسانِ أن يحمِله وهو يتوجّه كمن يسيرُ نائما نحو الكارثة: حُبّ الحياة.

هذا النّصّ- المرآة، المشوب بسخريةٍ مريرة، ليس سوى دعوة لتحسّس المناطق التي فقدناها من أرواحنا، وإعادة التّفكير في الانحطاطِ المدوّي الذي أفقد الإنسانيّة أُفق انتظارها بعالم تسوده قيم الحبّ والعدل والسلام، وجعلها تغرقُ في دوّاماتِ الرّعب والقتل واجتثاثِ الأوطان.

 

0