the short story project

search
من رواية (باغندا)

محمد الحباشة على:

من رواية (باغندا) شكري المبخوت 

لا يزال شكري المبخوت في روايته “باغندا” مسكونًا بنفس الأسئلة التي طرحها ونبش عن إجابات لها في روايته المميّزة “الطلياني” التي حازت على جائزة البوكر العالمية للرواية العربية سنة 2015. ترتبط هذه الأسئلة بجيل خاض غِمار السّياسة مدفوعًا بهاجس التغيير والحلم بوطن تسوده القيم الإنسانية العادلة بعيدًا عن طواحين الاستبداد والتشدّد الدّيني، ليشهد بعد ذلك انهيار الإيديولوجيات التي حفّزته منذ البدء، ويجد نفسه أمام مرآة يرى فيها خيباته الفرديّة مثل خيباته الجماعيّة.

اختار المبخوت في “باغندا” شكلا آخر للسّرد يختلفُ عن شكل “الطّلياني”، وهو التّحقيق الصّحفيّ الاستقصائيّ، حيلةٌ سرديّة كلاسيكيّة تستوجبُ انتباهًا شديدًا في ما يتعلّقُ بتوظيفِ التّفاصيل والإمساك بحبال الحكاية. وبرهن المبخوت عن صنعة كبيرة بخصوص هذا، حيث استطاع منذُ “شمس الحكاية” أن يُدخِلنا في اللُّغز، لنعيش مع السّارد حيرته وحماسه الشّديدين في معرفة سبب اختفاء “باغندا” المُفاجئ، هذه الأيقونة الكرويّة الشّعبيّة أو “بيليه” التّونسيّ.

بإمكان القارئ أن يرى في شخصيّة “باغندا” العديد من الوجوه الكرويّة التّونسيّة التي تخلّدت في الذّاكرة الجمعيّة، أو حتّى بعضا من “أولاد الحومة” الموهوبين في رياضة كرة القدم، وهم يُبهِرون الجميع بمهاراتهم خلال تلك المباريات الضّارية بين الأحياء في “البطاحي”. وقد يقتنعُ القارئ بأنّ “باغندا” وُجد فِعلا ويذهب بحثا عن الكاتب ليسأله هل تعرف “باغندا”؟ وتلك ميزةُ المبخوت، منذ رواية “الطّلياني”، في تأصيل شخصيّاته في الواقع والإقناع بصدقيّتها. وإن كان الإطار العام للرواية هو الإطار الصحفي الاستقصائي الذي يُرادُ منه التّغلغل في العالم المخفيّ لكرة القدم، المتشابِك مع العالم المخفيّ للسياسة، فهو أيضا رحلةٌ مُضمّنة في تاريخ تونس وهي تنتقِلُ بين نظامين، وليس “باغندا” سوى ضحيّة لتلك المرحلة، مثل غيره من الضّحايا الذين اختفوا في الصّمت وابتلعهم النّسيان. 

 

 

0