شتاءٌ عاديّ

2 دقائق

شتاءٌ عاديّ

2 الدقائق

لماذا يجب قراءة هذه القصّة

Remove from my favorites

لم يكن صعبًا على عُمر أن يجد غرفة في هذه المدينة الموغلة في الغموض والوحشية.. والتي تأكل البشر كل يوم.

غرفة صغيرة، تقع فوق عمارة من خمسة طوابق. جاء إليها يحمل حقيبته قادمًا من تلك القرية المنسية في الشمال. كانت صغيرة، مطلية بالأزرق، يدخلها ضوءُ لوحة الاعلانات الأصفر. وكانت أيضا مليئة بالجرائد والكتب. “كان يسكنها صحفيّ”، قال السمسار. لكنه باع الجرائد والكتب ل “مول الزريعة” مقابل عشرين درهما وحفنة من الكاوكاو. الكتب والجرائد غير مهمة. المال مهم. والكاوكاو أيضا.

ولأنه لم يكن يدخن أو يشرب – وهذا أمر نادر- فقد كان راتبه من المقهى، الذي وجد فيه عملا بسهولة أيضا، ربما بفضل دعوات تلك العجوز التي هي أمه، يكفيه.

وكان شتاءً غير عاديّ. هذه عبارة أدبية تافهة. كان شتاءً عاديا، عاديا تماما: انخفاض في درجات الحرارة مع احتمال نزول بعض الزخات المطرية التي قد تستمر إلى منتصف الليل، وقد تمطر الآن، وهو يسير قادما من المقهى، بعد أن أنزلوا الريدو وأغلقوا الأقفال، فتفرقوا، الباطرون بسيارته، وعامل الكونطوار على دراجته، وهو على قدميه، يسير ويسير.. في شوارع المدينة المظلمة، يراقب المحلات تقفل أبوابها والقطط والكلاب المتسكعة.

اللعنة على هذه المدينة القذرة! لا ترحم أحدا. هناك تجار النفوس، العاهرات، الشواذ، البوعارة، رجال المخزن الفاسدون، أغنياء وفقراء، النازحون من الجوع.. جوعنا وجوعهم…كل شيء موجود هنا، ستجده بكل سهولة وأنت تتعمق في الدروب المعتمة، التي لا  يدري أحد ما بداخلها. وحده الله يعلم ذلك.

المدينة قبور عالية..المدينة غول عفن..

الأغاني تأتيه من البارات، صاخبة، مختلفة: راي، غربي، شعبي…ممزقة محصوبة بالشتائم والصراخ. يخرج من فمه بخار يشبه دخان السجائر، لكنه لا يدخن ولا يشرب، لذلك اشترى مذياعا يستمع فيه الى الأغاني والبرامج الليلة التي تطرح مشاكل الناس. يرفع من صوت المذياع، وحين يتأثر بقصة ما يطلق: لاحول ولا قوة إلا بالله..

فتح سرواله وأخد يطلق الماء على البقعة المظلمة من حائط السينما المهجورة. لم يكن يسمع سوى الشرشرة ورذاذ الأغاني القادمة من البارات، لكن هذه الأصوات، مع الهدوء، اختلطت بأصوات أخرى: أصوات بكاء وترجٍ وشتائم. زرر بنطاله فابتلّت يداه وهو يفعل، وسار ناحية الأصوات، التي كانت ظلالا تتحرك، ومع اقتراب أكثر، بحذر، اتضحت الظلال: رجل وامرأة يتحركان…وباتّضاح الظلال اتضحت الأصوات أيضا، فسمع:

-تهربين مني أيتها القحبة..سأقتلك..

ينظر عمر وقد انتبه إلى رجل يدخن، صاح به الرجل:

-هيه إلامَ تنظر؟ اذهب إلى حال سبيلك..

لكنّ عمر ظل ينظر، وظل الرجل يضرب المرأة التي تعرى فخداها. كانت تصرخ، وبدا وجهها ملطخا بالدم. وظل الرجل الذي يدخن يجذب صديقه محذرا: دعها يا مراد.. ستدركنا الشرطة.. التفت عمر باحثا عن الشرطة، لكنه لم يجدها، لا صوات ولا غوات. .بل وجد مراد، يدفع صاحبه الذي يدخن، ويكيل لها الضربات:

-أيتها الكلبة..أيتها العاهرة..سأحرق…

-لن أعيدها ثانية…لن أفعل. كانت تعوي ككلبة.

-ألم أقل لك انصرف أيها النم؟!

فبرز النصل، وشعر عمر بالرعب. التفت إليه مراد:

-فاش كتشوف!!اذهب وإلا خلينا دار بوك…

-أرجوك يا أخي اعتقني..سيقتلونني..أنا بئيسة..اعتقني…توسلت.

أخد مراد يسكتها بضرباته القوية الصادرة عن جسده الضخم، وظل النصل مرفوعا والدخان يخرج من الفم.. أراد عمر أن يقول:

-حشومة..إنها فتاة مسكينة..ارحموها…لكنه تراجع لأنه تخيل بركة من الدم، وجثة متعفنة على الرصيف عثر عليها زبال في الفجر.. فتراجع، وانعطف عبر الزقاق اﻵخر، لكنه ظل يسمع صوتها تستنجد: “عفاك اعتقني..أنا مسكينة..سيقتلو…”. لكنه تجاهلها لأن الجو كان باردا، والجوع يخز مصارينه. وتخيل زلافة من الحريرة، وغرفته الصغيرة التي كانت مليئة بالكتب والجرائد، والمذياع الذي يبث برامج ليلية…

أسرع الخطى نحو الزلافة والغرفة والمذياع…وكان الصوت المستنجد الباكي قد اختفى، والمطر ينزل، لأنه شتاء عاديّ، عاديّ تماما…

هل ترغبون في شيء آخر?
21
جبران خليل جبران
وردة الهاني

© פרויקט הסיפור הקצר 2022

Made with ☕ and 🚬 by Oddity

البحث:

تريد حفظ لوقت لاحق؟

اشترك واحصل على حق الوصول الكامل إلى الخيارات الموجودة على الموقع

Share on facebook
Share on twitter
Share on email
Share on whatsapp

Oops, this is a personal area feature.
The personal area is only available to subscribed users. Sign up now for free to enjoy all the personal area features.