the short story project

search

شوقي البرنوصي | من:العربيّة

آلة رائعة

Introduction by ريم غنايم

في قصّة للأمريكيّ تشارلز بوكوفسكي بعنوان "آلة النّيك" يتحوّل العالَم إلى غرفة وبضعة رجال وامرأة من صفيح تقدّم خدماتها الجنسيّة كأيّ مومس وأكثر. يتحوّل العالَم إلى ماكينة تفرمُ اللحم والدّم البشريّين داخله ويصبحُ الرجال في مواجهة تعليب الجنس المقدّم في شكل هديّة مغلّفة بورق سوليفان. لكنّ الجنس، الجزء التحتيّ البشريّ، الذي هو محور القصّة، يتشظّى ببطء في المشاهد الحواريّة التي بينيها بوكوفسكي بين المرأة ورجالها، لتنفجر الآلة بالحبّ في مشهد غروتسكيّ وتفجّر خصى الرجال وهي تتحوّل من مسخٍ جنسيّ إلى مسخٍ عاطفيّ. هنا أيضًا، تُقدّم إلينا آلة رائعة أخرى، لا تبتعد سطوتها عن سطوة أخ أورويل الأكبر، ولا عن ديستوبيا كافكا وهكسلي، من خلال آلة تقلبُ المعادلة وتوثّق لغرائز المواطنين وخطاياهم.

لقد صِرنا في عالَم باتَ من السّهل كشف بياناتنا فيه بكبسة زر، وهي نفسها كبسة الزرّ التي تكشف إن كنتَ قد أكلت وشربتَ ومارستَ الجنسَ وأصبتَ بالمرض، وحتى إن كنتَ قد أفطرتَ في رمضان، كما تفعل هذه الآلة الرائعة التي تجوب الشوارع وتكشفُ من صامَ ومن أفطر لتنتهي بالبطل إلى مشهدٍ عبثيّ يتأرجحُ بين سطوة الآلة وقلّة حيلة المواطن، ولا سبيل إلى خلاص. بصناعة محليّة فاخرة، هذه الصّناعة التي اندمجت فيها تصنيع المواطنين، تسليعهم وتعليبهم.. نشعر برائحة الماكينات وهي تعطِ التعليمات: اعطِ إشارة، افعل، لا تفعل، در يمينًا، شمالا، اسقط، مت.

في حوارات تتقلّص فيها الكلمات، وتنكمش الجمل، ننكمشُ معها في قلب مناخٍ يتّسع فيه اللعب في ريتوريكا الدعابة والتهديد، يقدّم لنا الكاتب التونسيّ شوقي البرنوصيّ عالمًا أورويليًا محليًا خالصًا مفتوحًا على الظلاميّ الخالص وعلى سؤال: من سيحمينا من هذه الآلة والآلات القادمة. يبدو أنّه لا حلّ وأن الآلة ستأكلنا جميعا.
اقرأ المزيد

تلمّظت شفتي الجافّتين وشعرت بتعب شديد.كان يوما قائظا. توشك الشمس أن تحوّل لحمي قدّيدا.  لماذا جميع النساء متّشحات بالسواد والرجال ملتحون ويلبسون لباسا أفغانيّا؟ أشعر أنّ مركبة ما أسقطتني بغتة في هذا المكان. تمثال غريب أمام السفارة الفرنسيّة، لم تزل باقية بأسلاكها الشائكة ومتاريسها الرمليّة. لا أثر لابن خلدون. بقيت الحديقة مسيّجة ومهجورة. انتصب جامعٌ، مكان الكنيسة في الجانب الآخر. توجّه التمثال بوجهه إلى مدينة تونس العتيقة، وبمؤخّرته نحو البحر. اقتربتُ أكثر.  قرأتُ على اللّوحة الرخاميّة للوجه الجديد «شيخ الإسلام ابن تيميّة».

مررت إلى الجانب الآخر بالشارع الكبير والأعين تلتهمني التهامًا. أعين متوّجهة وآتية إلى الأسواق القريبة، غير بعيد عن سكّة المترو.كنت الوحيد أملط اللّحية بين الجموع. قرّرت الذّهاب أمام الجامع.  قادني الفضول إلى معرفة ماهيّة البضاعة المعروضة على مصاطب خشبيّة، يحرسها رجال ملتحون.

لا جديد يستحقّ الذّكر. قوارير العطور والبخور وأعواد شجر الأراك وكتب القرآن والتفاسير وجلابيب للمتنقّبات. بضاعة واحدةٌ عمّقت دهشتي.لم أرها من قبل إلاّ عند القصّابين. حدّقتُ مليًّا، نعم إنّها أمعاء حيوانات، مقصوصة إلى قطع أكبر بقليل عن طول الأصابع ومربوطة بخيط رقيق على أحد أطرافها. وُضعتْ تحت غطاء بلاستيكيّ شفّاف، سرعان ما أزاحه البائع. انهمك برشّ الأمعاء بالماء، مستعملا قارورة كوكا كولا مثقوبة السدادة. أكمل مهمّته وأرجع البلاستك. خفتُ أن أسأل عن هذه البضاعة. تسلّطت عليّ سهام نظرات الباعة والمارّين. كان الفضاء كلّه قابلا للاشتعال، وكأنّه مصنع لتكرير البترول. قرّرتُ ألاّ أكون مُوقد الشرارة، نكّست رأسي وتركت المكان.

تقدّمتُ باتجاه الساعة المنتصبة من بعيد كقضيب. بعيدٍ كقضيب. أغلقت كلّ المقاهي المطلّة على الشارع. لمحتُ طفلا يتّجه نحوي. تقدّمتُ منه، سألته «لم المقاهي مغلقةٌ؟  «حملق بي باستغراب وحنق شديدين  »ألا تعرف؟ إنّنا في شهر رمضان «نَفَّضَني بعينيه وكأنّني سجّادة وسخة في يد خادمة قلقة، ثمّ تركني.

الحرّ شديد وعليّ أن أجد مكانا للاتّقاء من هذا الهجير. فكّرتُ في الحلّ الأقرب. توجّهتُ إلى المجمع التجاريّ «البالماريوم»  قد تسعفني المكيّفات داخله في تخفيف وطأة الحرّ. أعرف الشارع الكبير، لكنّ وعيي لم يفقد مهارته بعدُ في التقاط الفوارق. خفّت سرعة الماريّن وكأنّها إعادة بطيئة للقطات فيلم ما. التقطتُ احمرارا كامنا في العيون وكأنّها مُقلُ مصّاصي دماء.

يقال إنّ مصّاصي الدماء يخرجون مع حلول الظلام. هل أنا إزاء تمثّل آخر لها في وضح النّهار؟ وهل يقدر مصّاصو الدماء على التحوّل جينيّا؟ ازداد تنفّسي مع رؤية تلك الألسن الخبيثة الخارجة للسخرية منّي ومن شكلي. السماء بأزرق غامق مائل للسواد. بدت الأشجار سوداء أيضًا. حلّقت فوقها الزرازير مثل تنانين صغيرة تنفث لهيبها في الهواء، مساهمة في ارتفاع الحرّ.سرّعتُ خطواتي، لم أدر من أين استجمعت تلك القوّة الخارقة للدخول إلى البالماريوم.

صعدتُ السلّم المفضي إلى الدّاخل. لم يفتّشوني على الباب. أمر غريب!  عند دخولي وسطه شعرتُ بنوع من الراحة. انقشع الجحيم واختفى مصّاصو الدّماء. مع ذلك ما زلت غريبا بين المتنقّبات والملتحين. وصلتُ إلى باحة الطابق السّفليّ. توقّفت مستنشقا بعض الهواء البارد. أغمضتُ عينيَّ ووجّهتُ رأسي إلى الأعلى لأستجمع بعض الطاقة. ملاحقا وميضا تصاعد في الأعلى. استعددتُ للصعود على السلّم الكهربائيّ محاولاً الوصول إلى مصدر الضّوء. ألاحقُ الضوء بإصرار فراشة.

فجأةً، شعرتُ بيد ثقيلة تمسكُ من حزام سروالي. «ستأتي معي؟». فتحتُ عينيّ مذعورا محاولا تتبّع مصدر الصّوت. فزعتُ وكأنّ طائرة مرّت بقربي لتوّها متجاوزة سرعة الصّوت. كان شرطيّا عريض البنية، بزيّ مغطّى بالنياشين ولحية مخضّبة بالحنّاء وشارب محلوق.

قادني إلى مكتب صغير، تعلوه يافطةٌ كتب عليها  «شرطة .»دخلنا، كان بيني وبين الكنتوار قرابة أربعة أمتار، تفصلني عنه آله تشبه تلك التي توضع في المطارات لكشف المعادن. التفت إليّ الشرطيّ: «ما اسمك؟»

رددتُ «مروان».

» هل أنت صائمٌ في رمضان؟«

استغربت من سلوك هذا الشرطيّ.كان سؤاله مباشرا مثل رصاصة. غلبت رغبتي في التخلّص من المأزق على الموقف برمّته. تفقّدت جيوبي في حركات سريعة، لكنّني لم أجد شيئا أقدمه إليه.

بلعت ريقي وأجبته إجابة سريعة «نعم بطبيعة الحال«.

«على كلّ حال، سنكتشف ذلك بعد قليل« .

«إنّها آلة رائعة» وكأنّه ضابط مستوطنة العقاب لكافكا. تابعتُ حديث الشرطيّ عن الآلة التي تقف أمامه. تابع كلامه «إنّها فخرُ الصناعة التونسيّة قام باختراعها مهندسون لامعون»

«….»

أردف «مممم يظهر أنّك غريب عن البلد… إنّها آلة تكشف المفطرين في شهر رمضان… من تكشفه الآلة عليه أن يستظهر بشهادة طبيّة في الغرض أو وثيقة سماح من مفتي الديار التونسيّة، أو عليه أن يدفع ضريبة تقدّر بألف دينار. من يضبط متلبّسا بجرم الإفطار يجلدُ مائة مرّة في الطريق العام وفق القانون».

طلب منّي أن أمرّ وسط باب الآلة كي أبدأ بالاختبار. لم تنتظر الآلة كثيرا للصياح.

داهمني شعور غريق يصارع الأمواج، أغرق تارة وأطفو على السطح تارة أخرى. تكرّر صياح الآلة المفزع. استسلمتُ للأمر الواقع. لم يبق لي غير الرضوخ لسوط الجلاّد، وتحمّل وقع المائة جلدة.

»أعرف أنّه لا يمكنك تحمّل الجلد. هذا واضح من لحيتك». نظر إليّ وقد تراقصت عيناه ودار طرف لسانه حول شفتيه.

انفرجت أساريري، وقلت «إذن يمكنني أن أنجو».

«لا.. ستنفّذ العقوبة. القانون هو القانون. ثمّ إنّك لم تستظهر بشهادة المفتي. عليك دفع خمسين دينارا«.

«لا أملك المال».

«إذن ستعوّض ذلك».

»أعوّض… أعوّض «.

«تعال معي… تعال».

تبعته خانعًا، لم يشغل بالي غير التخلّص من هذا الموقف المخيف. دخلت المكتب. وجدت رجُلين آخرين بأجساد عظيمة كأنهما حارسا مرقص ليليّ. انسقت إليهما ولم أبد أيّ مقاومة تذكر. كنت مشدوها ممّا يحصل ولم أعرف نفسي. استسلام مُخَدَّر وكأنّني متعوّد على هذا النّوع من العقوبات مشلولا منزوع القوى، نزع الرجلان سروالي ثمّ شدّاني وأجلساني على رركبتيّ. رأيتُ الشرطيّ الأوّل يأتي نحوي. أخرج ذكره وغلّفه بتلك المعى الصغيرة، نفسها المعروضة أمام الجامع. رشّ عليها قليلا من الزيت وهمّ بإيلاج أيره. كان يتمتم بكلمات لم أفهمها، وكنت أفكّر مع كلّ رهزة في حجم الخطايا التي يتوجّب عليَّ دفعها في هذا الوطن الجديد.

2
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا