رغد السهيل | من:العربيّة

أرانب بغداد

  “رغم أني قد لا أفقدُ بصري بَيد أني سأزداد عُميًا لأنه ليس هناك من ينظر لي ويراني” ساراماغو.

يفتح سعيد الباب وهو مخمور، يقفز الأرنب الى الداخل، تبدأ الركلات، يعلو الصياح، من الطرفين:
 – ماذا تفعل هنا؟ إنّه مكاني..
ثم يُلفظ بركلة قدم عنيفة الى خارج جهاز التجميد الكهربائي العاطل…                          

تمتاز هذه البلاد بشدة التيار الكهربائي وقوته الفولتية العالية، لدرجة ان الأزرار الكهربائية لا تستجيب لك إذا ما حاولت اطفاء النور، فالكهرباء حصة إجبارية كالهواء، هنا شمس كهربائية دائما مشرقة ليل نهار، وتنعدم الانوار الخافتة تمامًا، مما تسبب بعطل أجهزة كثيرة، لعدم توفر الوسائل لصيانتها، لأن الصيانة تحتاج لإطفاء الجهاز وإلا تعرّض العامل لصدمة كهربائية.. 

واتخذت الدّور والمنازل والمستشفيات إجراءات مختلفة لتخفيف قوة الإضاءة عند اللزوم.. حيث اعتادت المستشفيات وضع علب كارتونية مطلية باللون الأسود فوق مصابيح الإنارة، ويتمّ دقّها بمسامير في الحائط لخلق جو من الظلام، وفي البيوت كان السكان يغطون تلك المصابيح المشعة بقطع من الخيش السميك، أو القماش الخشن الأسود مما ادى لارتفاع أسعار الأقمشة الخشنة السوداء…
 ويشعر سعيد بالظلم عندما طرد خارج بيته، يتربّع أرضًا ويضرب على فخذه اليُمنى…

 أنا الذي نظفت هذا البيت عندما كانت تنام فيه تلك القطة الملعونة، طردتها، وساعدني صديقي سمير، ومنحني بعض المنظفات، وقال لي عليك أن تنظف المكان، لا أفهم كيف يقوم قاسم اللئيم باغتصاب بيتي بكل صلافة دون ضمير؟ سوف أشتكيه الى الشرطة، إنّه حقي يا ناس، حقي.

قاسم نفسه كان صديقي قبل أيام، ما باله يكذب في صداقته؟ وأين أجد بهذا الليل القارص البرودة جهازًا آخر، ماذا فعلت أنا ليحدث معي كل هذا؟؟
يبدأ أرنب الرصيف بالنحيب والبكاء، يحاول ان يلم دشداشته البالية الممزقه حوله ليسد تلك الشقوق، يمسح دموعه، وفجأة كمن يتذكر أمرًا، يتلمس الوشم المخطوط على ذراعه اليُمنى، تبتسم دموعه بشحنة دفء غائب!

يتحرك الى الرصيف المقابل، إلى المقهى حيث نسي صاحبه أن يغلق المذياع قبل أن يخرج، يعلن المذيع: “سيتم التصويت في البرلمان على قرار توزيع الأراضي السكنية للمسؤولين يوم غد”.. يسحب بضعة أكياس مرمية قربه، يلفّها بين يديه لتصبح أشبه بكره، يتوسدها ويمدّد جسده على الأرض، يتنهد ويتنفّس الصعداء.. يغفو ويختلط صوت اصطكاك عظامه بالشخير، يضحك في نومه وتعلو قهقهاته، هل تراه يحلم؟  

 

الجسر

تستعد الوفود لزرع أحلامها في الرحلة المقبلة، و تركض براءة سمر خلف الأرانب الجميلة، يختفي أحدها في جحره، تبكي الطفلة، تنتظر خروجه… تخفض رأسها نحو تلك الحفرة الواقعة بين الأشجار محاولة البحث عنه، فأرانبها الأربعة نقصت واحدًا..
كانت النوارس ترفرف فوق دجلة، يفتح الجسر أبوابه للآلاف، رؤوس طرية لم يحن قطافها بعد، ورؤوس ثقيلة بالهمّ والحسرات، يا الله، يا معين، يا ناصر المظلومين، أعطنا المراد، نحن الفقراء المحرومين، إيمان تلف عباءتها العتيقة المتربة، وتدفع بالصغار أحلام وعمر ومحمد وزيد وعلي أمامها: تمسكوا بي يا أولاد.. نداء الرب ويتوجب علينا الطاعة، فباب الحوائج لا يرد أحدا.. يتحرك الصغار مع الوفود باتجاه الطريق.          

صداقة

يستيقظ سعيد صباحًا، يتجول في شارع المتنبي، كلهم رفاقه ولا رفيق لديه، يعطف عليه سمير الموظف في احدى المكتبات بكأس شاي وقطعة خبز:                                                           
– قسمًا بنهر دجلة والفرات، أنا لا أميز بينهما، سرقني قاسم وأنا نائم، كنت أملك بعض المال استيقظت ولم أجد بجيبي شيئًا.. قاسم اللئيم الذي اغتصب مني بيتي..
 – يا سعيد هوّن عليك، اليوم هو الجمعة، يوم رزقك سيعوضك الله، سنبحث لك عن مكان آخر… اسمع لقد ترك لك بالأمس أحد الأصدقاء دشداشة جديدة وبعض الطعام، عليك أن تذهب معي لتستحم وترتدي دشداشتك. 

– اليوم يوم عمل، واذا ارتديت دشداشة جديدة سيقطع هذا رزقي.. يا صديقي أنا أحبك لانك طيب ولا تسرق .. يصمت قليلا ثم يواصل: اسمع، بالأمس ذهبت مع صديق لي لنصطاد السمك، وإذا به كلما رفع سنارته فاز بسمكة سمينة كبيرة لكنّه يعيدها الى النهر، وكلما رفعت سنارتي حصلت على العاقول.. أو فردة ممزقة لحذاء قاسم الطنبوري… وعندما سألته: لماذا تفعل هذا؟ قال لي انه يملك إناء صغيرًا لطهو السمك، وهو يريد سمكة بحجم إناءه.

يضحك سمير…
– اسمعني… أُبشرك لقد سلموني 9 ملايين دينار، وقمت بترميم بيتي بعد انهياره….. لكن المسؤولين في الدولة يتركونني ويسافرون إلى مصر أو سوريا لا أعرف أين يذهبون؟ انهم يسافرون دائما، ويتركون قضيتي، رغم أن ملفي كامل، كلّ ما زلت أدين لهم ب 3 ملايين دينار !!
– ما هذا التخريف يا سعيد، أحاديثك اليوم غريبة؟  
– ضع لها المربى، تصبح شديدة الحلاوة هل اذهب واشترى لك منها؟ اعطني اذن المال فأنا لا أملك شيئًا…

 

صورة تذكاريّة                                                                                             
يتحرّك سعيد ليمارس طقوسه اليومية، يبدأ بالتوجه نحو نهر دجله، يرفع يديه، يقرأ الفاتحة، يمدّ قبضة يده اليمنى ليملأها بالماء، يقربه من أنفه يقبّله ثم يحاول إعادته إلى مكانه، يتلمس الوشم أعلى ذراعه، يلتفت فيستفزه مرورهم فلا يملك الا الصياح:
Why you inside?، تعالوا هنا لآخذ معكم صورة تذكارية.                                               
ثم يقفز وسط أصحاب البشرة البيضاء والعيون الملونة، وهم بصحبة بعض غامقي البشرة، يبتسمون له بحذر فينادي على سمير: تعال، بالله عليك، خذ لي معهم صورة تذكارية بكاميرتك.

يلبّي طلبه سمير وهو يبتسم.. لكن سعيد يضمر في نفسه أن يعلق تلك الصورة في المرافق الصحية بعد أن يبصق عليها مرات…
وأخيرا يخرج أرنب سمر من جحره يلعب مع رفاقه يختفي أرنب شارع المتنبي.. لا يعرف أحد أين يجده بالضبط، ربما يجلس في زاوية ما يشرب خمرًا.. يبكى حبه القديم.


وصيّة

إيمان لا تنسَي الدعاء لي، لعل الله يهديني فاترك الخمر، لعل قدوري صاحب المحل يرفع من أجرتي اليومية، بدل أن يهدّدني بالطرد، ولعل الله يُيسّر لي عملا بمكان آخر، أفضل من قدوري اللئيم، أنتِ تعلمين أنني حداد ممتاز، لولا الخمر.. أحب الخمر يا إيمان كما أحبك جدا، أوصيك بالاولاد ادعوا لى هناك، أطلبي المراد، أدخلي من باب الحوائج، واربطي لي تلك العليقة الخضراء بالشباك لا تنسي هذا، وانثري كل حوائجنا هناك، صدقيني الإمام موسى بن جعفر(ع) يحبني كثيرا، أنا أشعر انه سيشفع لي هذه المرة صدقيني، هو يعرف أنّني لم أسرق أحدًا، وأنني أحبه جدا،  اذهبوا برعاية الله …          

                                                           
عِش أنت

يمرّ موكب رجل أمن معروف بالبلاد، فيظهر سعيد، وما إن ينزل المسؤول من سيارته حتى يسير خلفه ضباط كثر، يذرعون شارع المتنبي باتجاه النهر، وعندما يقتربون أكثر، يركض الأرنب مسرعًا خلفهم وهو يردد بصوتٍ عالٍ: 

 “تن تن ترا تن تن ترا                             
عش أنت اني متُ بعدك                           
وأطل إلى ما شئت صدّك                                                                                                                                    
كانت بقايا للغرام بمهجتي فختمت بعدك”

يُغمض عينيه ويؤشر بيديه، ويندمج كليّة في غنائه، حاول بعض الضباط صدّه، ومنعه من السير خلفهم لكن أحدهم قال لرفيقه: دعه إنه مجرد مسكين، يسمعهم سعيد: اخرس ..اخرس أنت ولا كلمة. . يتجاهله الضابط، فيواصل غناءه..  


الحبّ الاول

أحببتُ فتاةً قبل ثلاثين عامًا تقريبًا، بصراوية جميلة كأنها هندية، اسمها سهير محمد، كنت أراقبها وهي تعمل في صالون للحلاقة النسائية، وأقضي يوميا ساعتين ونصف الساعة بانتظار خروجها من مكان عملها فقط لأتأملها من بعيد، حتى اعترفت لها بحبي وبقيت في علاقة معها عامًا ونصف العام دون أن  ألمسها، والله العظيم لم ألمسها، ذهبت معي الى حديقة الزوراء مرة واحدة وأحضرت لها الكبة، لكن أهلها أرغموها على الزواج من ابن عمها، الزمن جعل قصص الحب اليوم بشعة لأن الرجال أصبحوا شياطين الحب، إنهم (حمائر)….
هكذا حدّثني سعيد و رائحة الخمر تفوح منه، يترنح وبالكاد يسير، سكت قليلا ثم واصل من بعيد:

لكن ايمان…..

واغرورقت عيناه بالدموع ..واختنق صوته في جوفه، دار وجهه واختفى.       

  

حجيج

الجمعة يوم اقبال الحجيج الى شارع المتنبي، قوم يرمون الجمرات بأساليبهم المتنوعة، قُطِعتْ كل الطرق، فالوقت أيضا وقت الحجيج نحو الجسر باتجاه باب الحوائج، لكن طريق مكّة نحو الله بدأ من بغداد سلكه قميص عثمان …. قميص عثمان كان يرمي الجمرات أيضا…  
أيّ جمعة وأي طريق وأي جسر هذا خروج عن النص!؟ عثمان استشهد منذ آلاف السنين.. كلاّ عثمان استشهد قبل سنوات ..!  لا عثمان طفل بالصف الأول ابتدائي في مدرسة دجلة! 

 ويبكي سمير على ضفاف دجلة: “لستَ نعثلا يا عثمان”.. ما زال عثمان نجمة عراقية تطفو على النهر.

ماء ساخن

تنفش الأرانب فروتها، بعد أن نظفتها الصغيرة بأفضل المنظفات، وألبستها شرائط ملونة، تتدلّى منها أحجار ملوّنة في وسط كلّ منها خرزة زرقاء، وعندما يقرض احدها جزرةً كبيرة، تصفق الصغيرة مرحًا…

– أمي أرجوك ماذا يعني الدستور والمظاهرات؟ لماذا الناس بكل مكان يخرجون للشوارع يحملون لافتات، رأيت هذا بالتلفاز أمس؟..  

– يا حبيبتي الناس تطالب بحقوقها، بالحياة الكريمة حيث يتوفر لهم الطعام والدواء والأمان…
تسرح الصغيرة سمر وتدخل في نوبة تفكير عميق جدي…
يصحب سمير سعيد ليغتسل ويرتدي دشداشته الجديدة، يصرّ سعيد على عدم قص شعره الطويل.

 كباب.. كباب، اليوم لن أنبش بالنفايات سآكل الكباب.. مثل الناس المهمة جدًا..

وفيما هو يتناول طعامه حتى تفاجأ بماء ساخن جدا يُسكب عليه، صرخ وشعر بحرارة مرعبة تسري في جسده كلّه وتغلي من أطرافه السّفلى، الأرنب يرفس أرضًا يصرخ يصيح: أولاد الكلب، آخ آخ.
تمزقت دشداشته الجديدة، تناثر الاكل، والجلد خُلع من جسده،  خروف لحظة السّلخ، فروة الأرنب محروقة بالكامل، تطافر الدم، وسطل كبير فارغ مرمي…
تصفق الصغيرة سمر، عبرت أخيرًا أرانبها ما رسمته لها من طريق، أسمته هي الجسر عبرته بسهولة ويُسر.       

                                                      

قميص عثمان

يتدافع المحبون للقفز في قلب دجلة، تنتشر إشاعة: إرهابي بين الجمع المتراصّ، يسود هلع، ويتم الإعلان عن ثغرات جديدة للحوائج بباطن دجلة، تغرق الأدعية عنوة، قبل ان تبلغ الطريق المقصود، تطفو الأثواب، يرتدي دجلة عباءات سود، تتناثر الأحذية، تستنجد جموع غفيرة من جوف النهر: عثمان يا عثمان أقبل إلينا يا عثمان.               
يقفز عثمان يتبعه رفاقه، يتعلق النداء بالنداء والعباءة بالعباءة، حتى يثقل حمل عثمان، تسحبه الصخور، أكان يطارد السواد؟ هل أراد صفحة دجلة بيضاء؟…
إيمان وصغارها وآلاف آخرون ناموا برعاية قرش الحوائج.. حتى يبيض أخيرا وجه دجلة بقميص عثمان…..يضرب سمير على صدره ويصرخ:  ويحنا.. منذ ألف مضت وقميص عثمان ما زال يطفو فوق دجلة!   

لو أعرف من ذا الذي أحرقني لأحرقت بيته؟ ماذا يريدون مني هل أملك قصر شعشوع؟ لو سألوني لمنحتهم الدشداشة هدية عوضًا عن كل هذا.

 يبكي سعيد ويتوجّع، يقدم له سمير المراهم والأدوية، الجواهري يتقلب في مضجعه الأخير، ليخرج وهو يؤشر بأصبع السبابة نحو دجلة:    

“يا سكتة الموت يا اعصار زوبعة يا جنجر الغدر يا أغصان زيتون”…                       
يستجيب الطب العدلي في بغداد لنداء الجواهري، يعلن حداده تضامنًا، ويفتح جحورًا مبردة للأرانب الغارقة في دجلة، وللأرانب التي لم تولد بعد، لتدخل بيوتها دون ركلات. ويواصل سعيد قهقهاته في النوم رغم حروقه.  

                                  
مظاهرة

تسحب الصغيرة سمر ثوب أمها من طرفه: تعالي تعالي يا أمي انظري للأرانب بالله عليك..
تتحرك الأم نحو الحديقة وهي تقول لابنتها: يا ابنتي طلباتك زادت كثيرا هذه الايام ..

تتفاجأ بالأرانب تركض في الحديقة وتحمل على ظهورها أوراقًا ملفوفة بشرائط ملونة، تفتح فمها من الصدمة غير مصدقة، تقترب من الأرانب أكثر، تقرأ بخط متعرج العبارات التالية على تلك الاوراق: 

 -أريد جزرة كبيرة                                       
 -أريد أرنوبة ألعب معها                                        
– أريد سريرا انام فيه                                   
– أحبّ سمر جدا                                    
تغرق الأم بالضحك: يا سمر ما هذا؟ مظاهرة للأرانب؟ … ثم تضرب راحة يدها بالأخرى قائلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، لا بد أن نتخلص من هذه الأرانب قبل أن تصابي بالجنون. فأنت كل تفكيرك بات محصورًا فيه، فيما الصغيرة تصرخ..

                                                
سيأتي الربيع

أنا كرهت الدنيا ولا أريد لأحد أن يكره الدنيا، الحياة جميلة، هنالك الربيع الذي سيأتي للعراق رغم الخريف، يؤشر بكف يده نحو النهر وينادي: أبو أحمد أبو احمد احذر قاربك يحمل الكثير من الناس احذر معك أطفال.

يتلمس ذراعه وهو يبتسم بحزن لبعيد، يرفع كُمّ قميصه الرث لانظر الوشم: قلب كبير مخطوط  فيه اسم ايمان زيد عمر أحلام محمد علي.                        

تركني سعيد وتوجه لقلب شارع المتنبي وهو يصرخ: أريد وسادة، قررت اليوم أن أنام على وسادة لن أنام على الرصيف.. أريد وسادة.. أريد وسادة..

ضحك بصوت عال وهو يستلم الوسادة من أحدهم، رمى بها على الرصيف، تمدد ثم وضع رأسه فوقها، صار يضحك ويبكي بنفس اللحظة، وقال: إن الحياة لا تستحق الاحترام.. فقط الحب.. وأغمض عينيه.. أغمض عينيه الى الأب ..

 …
ما زالت أرانب سمر تتظاهر في الحديقة، لكنها تحمل هذه المرة لافتات كَلّا للرحيل…

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا