the short story project

search

محمد الحباشة | من:العربيّة

أنا، برناردو سواريس

Introduction by ريم غنايم

يُشكّل عُقم الكتابة، أو اللانتاج، عند الكاتب، معضلة تخلقُ فراغاتٍ قد تودي بالكاتب إلى التفكير في المَوت. فالكتابة، شأنها شأنُ النشاط الجنسيّ أو غيابه، ترتبطُ عميقًا بمفهومَي الخصوبة والعقم، القدرة على منح الحياة والمواصلة أو فقدان القدرة على الاستمراريّة، والإخصاب والتناسل، وهنا يكون موت الكتابة نهاية الكاتب.

التفكير/ الكتابة نشاطٌ جنسيّ مجازيّ، وهي المخاض والصراع والحركة الداخليّة التي تحدث داخل مشاعر الكاتب وتفكيره وخياله من جهة، وهي الأنيما الخصب العاطفيّ والحسّاس الكامن في ظلّ الدّماغ وطاقة روحيّة تعمل بالتوازي مع هذا النشاط من جهة أخرى.

في هذا النصّ،  يصفُ لنا الكاتب الشّاب محمّد الحباشة، رحلة كاتبٍ في نفق الكتابة، بين تفجّرها وعجزها. باسمه المستعار،يسير برنارندو سواريس، الراوي-البطل، الكاتب العاجز، على حبلٍ هشّ وناعم وحساس يربط بين أفكاره في محاولة يائسة لفهم "أعراض الورقة البيضاء" وسرّ عجزه عن الكتابة، وقد هرب من أجواء فرنسا باحثًا عن مكان يُفقده الإحساس بالامتلاء علّه يجد ضالّته في مكانٍ آخر يشحذ خياله وطاقاته في الكتابة. لكنّ القصّة تنتهي إلى نهاية غير متوقّعة، تلكَ النهاية التي تقدّم ابن القرية، ذلك المكان الذي نادرًا ما يلتفت فيه أحد للأدب، كاتبًا خصبًا يقدّم له عمله الأدبيّ.  من أين يأتي سواد الكتابة، وكيف تمتلىء الورقة البيضاء؟ من القرية وسكونها، من المدينة وضوضائها؟ أم هو سؤال يحتاج إلى تفكير أعمق يربطُ بين غريزة الكتابة وتناسلُ الأفكار وصراع الوجود عند الكاتب؟   

اقرأ المزيد

    آخر اتّصال هاتفيّ تلقّيته من محرّرتي الأدبيّة بياتريس، كان قبل سبعة أشهر. حاولتْ أن تكون ودودة معي. صارحتني أنّهم في دار النّشر فقدوا صبرهم عليّ في ما يخصّ عقد كتابتي لرواية جديدة، بعد أن أمهلوني سنتين كاملتين، وأنّ عليّ أن أصارحهم إذا أردت تغيير النّاشر. وفي هذه الحالة سيكون عليّ دفع مبلغ ماليّ لفسخ العقد، كما لا يحقّ لِي النّشرُ في دارٍ أخرى باسمِي الـمُستعار الذي اختاروه لي من الأوّل، “برناردو سواريس”، أوه، يا إلهي، مجرّد هذه الفكرة ترعبني. تفهّمتني بياتريس حين أخبرتها بأنّي أعاني من أزمة عجزٍ عن الكتابة، وهي على الأرجح أزمة عابرة، وأنّ الأمر لا يتعلّق أبدا بتغييري لدار النّشر. ولكنّها طلبت منّي أن أتفهّمها أيضا لأنّ إدارة الدّار تضغط عليها. وقبل أن أغلق الخطّ، اتّفقنا على ألاّ أتجاوز المهلة المتّفق عليها لكتابة رواية جديدة. وحتّى أصحاب الـمكتبات أيضا بدأوا يسألونني عن تاريخ صدور روايتي الجديدة لأنّ القّرّاء يسألون، ولم أستطع إجابتهم سوى بأنّي مازلت أشتغل عليها. والحقيقة أنّي بعد كتابة ثلاث روايات تُرجمت إلى خمس عشرة لغةً، وبعد أن نلت جوائز عديدة، أُصبت فجأة بعجز فادح عن الكتابة. وهو ما دفعني إلى ترك فرنسا منذُ سنة ونصفٍ تقريبا، هربًا من مُلاحقة دار النّشر لي، وأيضًا بحثا عن أجواءٍ أخرى قد تكون ملائمةً أكثر للكتابة. هؤلاء الفرنسيّون أوغاد، بقدر ما هم مـحترفون بقدر ما هم أنانيّون وجاحدون. فبالرّغم من كلّ هذه النّجاحات التي حقّقتها، فإنّهم كلّ مرّةً يرمون إليَّ بجائزةٍ صغيرةٍ مثل عظمةٍ لكلب. فضلا عن أنّي طوال إقامتي هناك، بدا وكأنّي أتسوّل الجنسيّة، وهي من أبسط الأشياء التي قد تُمنح إلى كاتبٍ في مقامي: أن يُصبح مواطِنا فرنسيّا.    

    أخبرتني نائلة وهي تلبس “السوتيان” على طرف الفراش، بأنّ عليّ الخروج من البيت وقضاء وقت في الخارج فربّما ساعدني ذلك. وكنت معظم الأحيان أبقى ساعاتٍ طويلة في البيت أتردّد على المكتب من أجل جملة واحدة أكتبها، دون جدوى. اقترحت عليّ أخذ إجازة قصيرة من عملي وترك تونس العاصمة لبضعة أيّام. وفي الواقع لا أعرف هل أنّ عملي يستحقّ فعلا تسمية “عمل”. فقد كنت أشتغل مدير تحرير مجلّة نسائيّة لا أعرف مقرّها ولا تصفّحت يوما أحد أعدادها. كنت أتلقّى النّصوص بالإيميلات من سكرتيرتي، (لا أعرفها أيضا)، ثمّ أرسل إليها تقريرا عنها. هكذا أشتغل. اقتراح نائلة الأخير كان الذّهاب في جولة إلى قرية “بني مطير” الهادئة والبعيدة عن ضجّة العاصمة. ولكنّي رفضت بإشارة من رأسي وذكّرتها بأنّ عليها اللّحاق بموعد الطّائرة التي تشتغل عليها كمضيّفة.

    انتهت من ارتداء حذائها الجلديّ الطّويل. لامستْ خصلةً بيضاء في شعري وقبّلتني، ثمّ تمنّت لي حظّا موفّقا وغادرت.

      صرتُ أشرب كلّ ليلة. تقريبا أدمنتُ الكحول. وكلّ يوم أجلس على مكتبي وراء حاسوبي ولا شيء جديد. حاولت الاستعانة بمقاطع لموسيقيّين أحبّهم ولكن دون جدوى: جون ميشال جار، ليو فيري، وجاك بريل، ولا جملة استطعت كتابتها. حاولت تغيير عادتي في الكتابة مباشرةً على الحاسوب إلى الكتابة بالقلم. ولكنّ قمّة الصّفحة الأولى للورقة البيضاء امتلأت بالنّقط السّوداء للحبر. حاولت الاستعانة بقراءة رواياتي المفضّلة، مثل “لاعب الشطرنج” لستيفان زفايج و”الموت في فينيسيا” لتوماس مان وغيرها ولكنّ ذلك لم يساعدني. أيضا قرأتُ العديد من المقالات التي تشرح ما يسمّى بمرض “أعراض الورقة البيضاء” وحاولتُ تطبيق بعض الحلول المقترحة مثل قراءة دليل الهاتف، ولكن دون جدوى. أعرف أنّ “باتريك موديانو” يفعلُ هذا دائما، ودون المرور بأيّ حالة عجز. فقبل أن ينطلق بكتابة رواية، يختار أسماء شخصيّاته من دليل هاتف قديم مات أصحابه. رأيته يتحدّث في التّلفاز كيف يجلسُ وراء مكتبه ويستعملُ عدسته المكبّرة لقراءة الدّليل. ولكنّي لا أحبّ “موديانو” ورواياته ولا دليل هاتِفِه وعدسته المكبّرة. لم أستطع معرفة سبب هذا العجز الفظيع. فكّرت في زيارة طبيب نفسانيّ، ولكنّي سرعان ما عدلت عن ذلك لأنّي لم أرد أن يعلم أحد بأنّ برناردو سواريس أصبح فجأة ودون سبب، عاجزا عن الكتابة.

    كانت علاقاتي العائليّة سطحيّة جدّا، بالأخصّ بعد موت والديَّ. وبالنّسبة إلى أختيَّ، فقد انشغلت كلّ واحدة منهما بحياتها. لم نكن نلتقي سوى مصادفة أو في مناسبات نادرة لنتبادل نفس العبارات المبتذلة. ولا أعرف إن كان بيننا أيّ شيءٍ مشترك نستطيع الحديث بخصوصه. وبينما كنت أحاولُ الخروج من هذه المعاناة اليوميّة في العجز عن الكتابة، رنّ هاتفي على رقمٍ لا أعرفه. أجبت:

  • أهلا، برناردو معي؟
  • نعم، مرحبا.
  • ألم تعرفني؟
  • آسف.
  • عليك أن تحاول.

    كدت أقطع الاتّصال لولا تفكيري لوهلة بأنّ المتّصل ربّما يكون قارئا، وقطع الاتّصال سيسيء إلى سمعتي، وسيُقال بأنّ برناردو سواريس كاتب لا يحترم قرّاءه. لذلك تريّثت وقلت:

  • لست بارعا في تمييز الأصوات.

ضحك المتّصل وقال:

  • معك مكّي، أيعقل ألاّ تميّز صوتي؟
  • مكّي من؟ مكّي هلال؟
  • لا يا رجل، إلى هذه الدّرجة أنستك شهرتك فينا؟ مكّي ابن عمّك غلاّب.
  • أهلا يا مكّي. المعذرة، أحيانا أسهو.
  • لا بأس، على كلّ متى أستطيع رؤيتك في تونس؟

    تساءلت ما الذي يريده منّي؟ وبالأخصّ أنّ الوقت غير ملائم أبدا لثرثرة معه في مقهى. قلت:

  • خير يا مكّي؟
  • خير خير يا ولد عمّي. سأكون غدا بتونس وأودّ أن أطلب منك خدمة، أرجو أن أجد لديك متّسعا من الوقت.

    لم أستطع الرّفض. بالأخصّ وقد علمت الآن أنّه لا يودّ لقائي لمجرّد اللّقاء، ولكنّ الأمر يتعلّق بتقديم مساعدة له. وخمّنت بأنّه ربّما بحاجة إلى بعض المال أو إلى تدخّل من أجل عمل، وهذه أشياء لا أستطيع صدّه بسببها أبدا، لذلك وافقت على لقائه في الغد.

    كان موعدي معه أمام فندق “أفريكا”. وجدته يقف في انتظاري أمام الفندق مرتديا زيّا رسميّا قديما وحاملا حقيبة جلديّة سوداء. بدا لي أنّ ملامحه تغيّرت بعض الشّيء، فلم أره منذ مدّة طويلة. ابتسم إليّ مظهرا سنّيه الأماميّين الكبيرين والمصفرّين من آثار تدخين “الكريستال”. صافحني بقبضة شديدة ثمّ سحبني نحوه واحتضنني ضاربا بكفّه ضربتين قويّتين على ظهري جعلتاني أسعل. وبعد السّؤال الاعتيادي عن أحوال بعضنا البعض، دخلنا إلى الفندق. أخبرني أنّه يرغب بشرب البيرة. كان الوقت مبكّرا قليلا على الشُّرب، فقد كانت السّاعة قرابة منتصف النّهار. ومع ذلك لم أرد كسر خاطره. جلسنا إلى البار. طلبنا من النّادل زجاجتي “سلتيا”. أنهى زجاجته بجرعة واحدة مباشرة دون حتّى أن يسكبها في الكأس. طلب واحدة ثانية. قلت:

  • تبدو عطشان يا مكّي.
  • ليست لديك فكرة!

أنهى زجاجته الثّانية وطلب ثالثة وأنا أتابعه مبتسما. تجشّأ بصوت عال وقال:

   – الآن أشعر أنّي متماسك يا ولد عمّي.

ضحكت وكي أستدرجه للحديث قلت:

  • وكيف حال عمّي غلاّب؟

أجاب:

  • عمّك غلاّب خرف. آخر مرّة سحب بندقيّة صيده وصوّب نحونا قائلا بأنّنا سلبناه كلّ أمواله، وأنّ علينا الخروج من البيت وتركه لحاله وإلاّ سيطلق علينا النّار ويرتاح منّا.

تعالت ضحكاتنا معا. أشعلت سيجارة ثمّ قلت:

  • وكيف حال امرأة عمّي؟
  • ضغط الدّم والسّكّر والقلب. كلّه من فعل عمّك غلاّب.

    انتظرتُ أن يدخل مباشرة في الموضوع، ويخبرني كيف أستطيع مساعدته. ولكنّه بدأ يتحدّث عن الأدب. وانقضت ساعة كاملة وهو يحدّثني عن كتبٍ قرأها ومعظمها لأدباء من أمريكا اللاّتينيّة. ماركيز وبينيديتي ويوسا وكورتاثار وبولانيو. كان يطلب لنا البيرة ويتابع الحديث. فاجأتني ثقافته. لاحظت أنّ لديه حاجةً مكبوتة للحديث في الأدب. تفهّمتُ ذلك، فقلّما يوجد شخص في القرية يستطيع فهم هذه المسائل المعقّدة. ولكنّي بقيتُ في الأثناء أتساءل عن الأمر الذي جاء من أجله، وهل سيبقى طوال اللّقاء يتحدّث عن الأدب؟ ذهبنا واحدا واحدا للتبوّل مرّات عديدة وعدنا، وطلبنا المزيد من البيرة، وجلس أشخاص إلى البار وغادروا، وغيّر لنا النّادل “الكمية” ثلاث مرّات، ومكّي مازال يتحدّث في نفس الموضوع حتّى نسيت أنّه جاء من أجل شيء مّا. بدأ يناقشني في رواياتي وبدا واضحا أنّه قرأها كلّها. وبعد انقضاء ساعتين ونصف تقريبا، أخبرني أنّ عليه أن يذهب. قلت:

  • مكّي، ألم تخبرني أنّك تحتاج مساعدة؟
  • آه، نعم!

    أخذ حقيبته من تحت كرسيّ البار الطّويل. فتحها. سحب منها مطبوعة مشدودة “بالسّبيرال” وقدّمها إليّ. فوجئت عندما قرأت ما كتب على الصّفحة الأولى: مكّي حميّد.

 

18
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا