اكتب القصص

الحبيب السائح     | من:العربيّة

أنا وحاييم

لنهاية عطلتي الصيفية الوشيكة، وقبل أيام قليلة من استئناف عملي بدار المعلمين، بدايةَ الأسبوع الثالث من شهر سبتمبر، طمأنتُ زوجتي زليخة النضْري على أننا لن نتأخر يوما آخر؛ لأنها تشكّت لي من أن لها أشغالا كثيرة تنتظرها بشقتنا في وهران. وطلبت منها أن تستعدّ للسفر غدا. ثم خرجتُ. وعلى بعد أمتار ـ كانت ثلاثين عدّاً بخطواتي الصغيرة قبل سنين ـ وقفت، على الرصيف المقابل، وقفة لم أقفها من قبل، محزون الخاطر، أمام دار حاييم بنميمون تبدو ساكنة مثل كائنٍ تَحجّر، ملتفّة على فراغ بات يسكنها منذ أن أطاح الدهر، قبل ثلاثة أشهر، بآخر أهلها الغابرين.

تقدمتُ. وعند الباب الصامت، ذاك الذي رأيت حاييم يخرج منه بمحفظته قبل ثمانية وعشرين عاما كي نتوجه معا لأول مرة إلى مدرسة جول فيرّي، فكَكت كفي عن قطعة المعدن الباردة المعلَّقة في حلْق صغير بملصق مكتوب عليه بخط اليد «مفتاح الدار»؛ المفتاح الذي أولجتُه عينَ القفل وأدرته دورتين. ثم دخلت فانتابني مرة أخرى شعور، لم ينتبني حتى في يوم عودتي إلى دار جدتي بعد وفاتها، بأنّ السكون قد يكون بهذا الثقل الذي ينوء به الرواقُ، غير الطويل غير الواسع كثيرا، ذو البلاط الأحمر والجدارين المطليين بالبني الفاتح جدا؛ بهذا الصمت الذي ما برح يُخرس أبوابَ الغرف الثلاث والمطبخ متقابلةً اثنين اثنيْن مفتوحةً كلها إلا الباب المفضي إلى الحوش الخلفي كان مغلقا.

كل شيء، كل الأثاث، ظهر لي في مكانه على الحال التي غادره عليها حاييم آخر مرة، وكما أردت له أن يبقى منذ أن أوصيت الخادمة عَونية بأن لا تزحزح شيئا منه، عند تنظيف البيت مرة كل نصف شهر وسقْي ما يحتاج سقيا من نباتات جنينة الحوش كل أسبوع.

فكم بدا لي، وكأن هذا يحدث لأول مرة، أنّ الرواق أطول، كما ساعته الحائطية أكبر، مما رأيته عليه عندما كنت أعبُره وأنا طفل! وأن غرفة نوم حاييم أوسع، بنافذتها المطلة على الشارع، وكانت ذات ستار أبيض مزين بموتيف لطاووس ـ إنها الآن مكتبة بكرسي من الخيزران وطاولة مستطيلة من خشب السنديان لا يزال عليها قلم ريشة من نوع پارْكر وقارورة حبر أسود من ماركة وترْمان بينهما مذكّرة حين كنت دخلت قبل شهرين فرأيتها انشددت إليها كما لو أني ألبّي نداءَ صوتٍ ملتبس يقول لي عنها إنما حُطت على تلك الوضعية لأنتبه إليها وإلا لكان حاييم قد دسّها في مكان آخر لا تُرى منه أو أدمجها في رف من رفوف المكتبة فترددت بالرغم من ذلك لحظات قبل فتحها!

وها هي غرفة أبويْه، وقد صارت غرفةَ نومه بعد وفاتهما، هي الأخرى بنافذة ذات ستار مرفوف تطلّ على الشارع مغلقةً. لا تزال بخزانتها على جانبيها أفرشتها وأغطيتها منضّدة على طاولتين؛ بسريرها الكبير بصوانيه؛ على أحدهما أباجورة وعلى الآخر شمعدان المينوراه سباعي المواسير وكتاب التوراة بتجليد بني غامق.

مثلُها كانت غرفة الجلوس بنافذتها الكبيرة وستارها الشفاف بموتيفات نبات الشوفان المطلة على الحوش؛ بأريكتيها وكرسييها الخشبيين بمسندين وطاولتها البيْنية فوق سجاد ـ هنا كنت قبل ثلاثة أعوام شربت مع زليخة قهوة كان حاييم قدمها لنا بعد نجاته من السحل صباح يوم الاستقلال ـ على جدارها الأول، إلى اليمين، ثلاث لوحات زيتية. وعلى الثاني المقابل صور نصفية مكبرة في براويز: الأولى لموشي والد حاييم بعمامة من الجوخ. والثانية لوالدته زَهيرة سِماح. كم وجدتها، في نظرتها الطيبة المسالمة وحلي أذنيها ورقبتها وشَدة عصابة رأسها، تشبه جدتي ربيعة! وهذه الثالثة لحاييم نفسه، وهي تعود إلى السنة الأولى من دخوله مدرسة جول فيرّي، أثارت حنيني إلى جلوسي معه على طاولة واحدة؛ إلى رائحة المداد وطقطقة حطب المدفأة ورنة الجرس، إلى زنقة الدرب وساحة البلدية أيام الثلج نترامى بكريّاته، إلى الوادي، أيام القيظ، حيث سبحنا مرة عاريين فتكشّف لنا ختْننا.

«منذ ذلك العمر، لملامحك اللطيفة وسحنتك الهادئة وعينيك الحالمتين، كنت ذا جاذبية خفية»، قلت بهمس.

وإذ توهّمته تبسم، أضفت:

«هل تذكر آخر عفرتاتنا؟» ـ تلك التي ارتعبنا خلالها من صرخة ألفونسو باتيست فينا عالقين بشجرة إجاص في بستان مزرعته قرب ضفة الوادي الغربية بالضاحية الجنوبية فقفزنا إلى الأرض وانسربنا مثل ثعلبين ماكرين بين أسلاك السياج فأطلقنا سيقاننا ركضًا في شورت وتريكو وصندل مطاطيّ لكل منا لا نلوي على شيء إلى أن ظهرت لنا القنطرة الفوقانية التي سمعنا قريبا منها شخير محرك سيارة راحت كما رأيتها حين التفت التفاتة خاطفة تلتهم خلفنا الطريق المتربة مقتربة من حانة سيگورَا مثيرة عجاجا بكثافة حنق ألفونسو باتيست وهو يضغط على دواسة السرعة بدرجة إمساكه على المقود متخيلا وكان ذلك إحساسي كيف سيفعل بابن العربي وابن اليهودية.

«لأنه كان عرفنا!»، كذلك ذكر لي حاييم بعد سنين في مطعم فندق الشرق حيث تناولنا غداءنا إذ تجاذبنا الواقعة وتحدثنا عن معلمنا السابق، في مدرسة جول فيرّي، مسْيو خايمي سانشيز الذي كنا شيعناه، قبل أيام إلى مثواه بمقبرة النصارى في ضاحية المدينة الشرقية، مستعيدين صرامته وعدالته تُجاه التلاميذ بلا تمييز؛ ولم نكن عرفنا، إلا خلال تأبينه، أنه كان من الشيوعيين في صف الجمهوريين ضد فرانكو.

كنا، لا أشك اليوم في ذلك، نبدو لألفونسو باتيست، وهو خلْفنا مستشيطًا يحوّل السرعة أو يدير المقود يمينا أو شِمالا، ألْعَنَ من عفريتين صغيرين في أوج تلك القيلولة. وكان ألفونسو باتيست ـ وذلك ما صوّره لي حاييم خلال غدائنا ذاك ـ رأى نفسه وقد أدركَنا، بعد أن أنهكنا فخارت قوانا واستسلمنا، رمانا كطريدتين في صندوق سيارته وعاد بنا فقيدنا، ظهرا لظهر، إلى شجرة الإجاص نفسها. ثم كسر مجموعة من أغصان أشجار البرقوق والتفاح الأخرى، رافعا منَزّلا مبلغ التعويض الذي سيطالب به عائلتي السارقيْن الصغيرين، كما سمّاهما، وإلا قدم شكوى ضدهما.

ولا تزال رعشة الرعب تلك تهزني كلما تذكرت أن سيارة ألفونسو باتيست كانت ستدركنا بين حانة سيگورَا والقنطرة التي يمر تحتها الوادي، لأن الخور كان قد بدأ يدب في ركبتي، ولهاث حاييم خلفي يزيدني خوفا عليه أن يسقط. فلمعت في ذهني فكرة رمي نفسينا في الماء. فأشرت إليه بيدي أن يتبعني وانحرفنا، في لحظة خاطفة، يمينا مائلين بذراعينا، كطائرين، جهة الوادي حيث تزحلقنا في المنحدر وارتمينا في الماء فرحنا مثل قندسين نسبح بالعرض في اتجاه الضفة الأخرى التي إذ بلغناها التفتنا مرتعبين فرأينا ألفونسو باتيست، وكان قد خرج من سيارته وركض في إثرنا، واقفا على الحافة يبربر محركا يده نحونا بتهديد، فولّيناه ظهرينا ضاحكين لنتوارى وسط بستان الزيتون الكثيف.

في طريق عودتنا إلى الدرب، وقد عبَرنا السكة الحديدية، دخلنا في شارع جيريڤيلْ الذي كان، كبقية الشوارع الأخرى، يكاد يخلو من الحركة في تلك الظهيرة القائظة؛ إلا سيارة تمر بأزيز محركها وسحسحة عجلاتها على الإسفلت، أو تلك المرأة بقبعتها الاستوائية البيضاء تعبُر، أو ذاك الرجل الواقف على الرصيف الآخر في ظل شجرة دلب يدخن سيجارة.

«كنت سأسقط فيلتقطني مثل أرنب»، قال حاييم.

فضحكت.

«وكنت أعرف أن لسانك خرج مثل جرو.

ـ صح. ولكن من أين نزلت عليك الفكرة؟»

ردَدت بأني لا أدري؛ فلم أكن خمنتُ سوى في اختصار الطريق.

«من حظنا أن الصيف يجعل الوادي سلسا وإلا كنا غرقنا!»، أضاف حاييم وهو يفصل بقرصات متتالية ثيابه اللاصقة من بطنه حينا ومن فخذيه حينا آخر.

«ما كان لذلك أن يحدث لأن الخوف كان يمنحنا قوة نقطع بها بحرا!»، قلت وأنا أنفض عن شعري بقايا الماء.

فرفع حاييم قبضتيه، تعبيرا عن انتصار، ضاحكا ضحكة فرحٍ رافقتُه فيها.

حتى إذا تجاوزنا دارة الساعة، مارّيْن قرب المزْولة ذات الشكل المكعب، من غير أن تربك خطواتِنا نظرةُ الشرطي المتريِّبة فينا، ظهرت لنا، عن شِمالنا، مدرسة جول فيرّي. فتوقفنا، موليين وجهينا إليها صامتين؛ كما لأصوات كانت، لستة أعوام، تملأها ابتهاجا وأسفا ومكرا.

ثم، يدًا في يد، انعطفنا نحو الدرب، شرق دار البلدية ذات السطح الأردوازي الأسود؛ عن يميننا فندق الشرق في نهاية شارع إيزْلي. وغير بعيد عن داريْ عائلتينا، التجأنا إلى كوخ مهجور بلا سقف في منتهى الدرب حيث جلسنا على حجرتين، تحت حرارة الشمس. وفي انتظار أن تجفّ ملابسنا، استعدنا ما كنا نتآمر به على ماكس باتيست، زميلنا في المدرسة؛ الأمر الذي بسببه شكانا إلى أبيه ألفونسو، مدعيا أننا استهزأنا به مرة في ساحة المدرسة، لأنه بلّل سرواله لما أخرجه المعلم إلى السبورة لحل عملية قسمة عشرية، وأننا ضحكنا منه مرة أخرى، لما استظهر محفوظة الغراب والثعلب ففشل. وقال لأبيه إن المعلم مسْيو سانشيز غالبا مّا تظاهر بأنه لا يرى شيئا ولا يسمع.

«أعرف يا بني. لأنّ السيد سانشيز متعاطف مع الأنديجان* من اليهود والمسلمين»، قال أبو ماكس يومها.

فما لبث أن تردد ذلك كصدى، وحين بلغ مسْيو سانشيز خصص درس التربية المدنية لأخلاق النزاهة. وكتب على السبورة ما أمرنا بنقله على الكراريس: «المعلم في المدرسة لا يفرق بين تلاميذه. ولا يحابي بعضهم على بعض على أساس الدين أو العرق.»

لكن ما أخفاه ماكس عن أبيه هو أننا ردَدنا إغراءاته إيّانا بما كان يحمله في جيوبه من حلوى وشوكولا لمساعدته على حل واجباته حينا وفي إنجاز تمارينه أحيانا، عند باب المدرسة قبل الدخول وعند الخروج.

يوم زار السيد ألفونسو باتيست مدير المدرسة وطلب منه توضيحا، استُدعي المعلم مسْيو سانشيز، وسئل عن الأمر فنفى بحزم. غير أن السيد ألفونسو باتيست لم يقتنع. وهدد بأنه سيقطع عن المدرسة مساهماته الخيرية إن لم يُتخذ إجراءٌ ردعي في حق التلميذين المذنبين، أرسلان ابن القايد وحاييم ابن اليهودي ـ لم أعلم إلا لاحقا أن السيد ألفونسو باتيست كان من مناصري الماريشال پيتان ـ فعرض عليه المدير أن يقابل بيننا وبين ابنه بمكتبه، في الحين، لمعرفة ما حدث. فتراجع، متوعدا بأنه سيسكت هذه المرة على أن يقدم شكوى إلى رئيس البلدية نفسه إن تكرر خدْش شخصِ ابنه.

كنا، نحن العفريتين الصغيرين، نظرا إلى النتائج الضعيفة التي يحصل عليها زميلنا ماكس مقارنة بالنتائج الممتازة التي نحققها، ندرك أنه لا أحد سيتجرأ على معاقبتنا بالفصل أو التحويل أو الإيقاف لمدة محدودة؛ أو حتى على حرماننا من وجبة الغداء في المطعم المدرسي أو من حصة السينما الشهرية في قاعة المدرسة الكبرى. ولكننا تلقينا، في مقابل ذلك، توبيخا شفويا من المدير أمام معلمنا.

وأنا أقف، لتلك اللحظة، أمام صورة حاييم، استغربت كيف سكنت رأسينا فكرةُ الانتقام بذلك الشكل من أبي زميلنا ماكس. فما كنت أعرفه، شأني شأن حاييم، وكنّا مطمئنين إليه، أن ألفونسو باتيست لن يشكونا مرة أخرى إلى مدير مدرسة جول فيرّي، لأننا ما كنّا سنعود إليها نهائيا، مثل ابنه ماكس لإعادة سنته، بعد أن فزنا في مسابقة الدخول إلى السنة السادسة.

عامذاك، كنا سنبلغ الثانية عشرة. وعامها، كانت الحرب العالمية الثانية ستضع أوزارها بعد سنة.

وإذ توليت عن صورة حاييم لأغادر، وقفت مرة أخرى، أمام المذكرة بين القلم وقارورة الحبر، لحظات لا أستقر على حال، قبل أن أرمي خطوتي في الرواق نحو باب الخروج.

* وصف وضيع أطلقه المحتلون الفرنسيون على سكان الجزائر الأصليين.

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا