اكتب القصص

كمال الرياحي | من:العربيّة

اسمُه عصفور

Introduction by ريم غنايم

تمثّل قصّة "اسمه عصفور" للكاتب التونسيّ كمال الرياحيّ نموذجًا للقصة القصيرة التي تلعب بدقّة داخل فوضاها الطّفوليّة، لتتحوّل إلى حالة من اللامنطق الوجوديّ الذي يطرح هو بالذات سؤالاً جوهريًّا حول المعنى الهوياتي للاسم: أن تكون بلا اسم يعني أن تتحرّر من عبء الواقع المصدوع انطلاقًا من الخطأ الإلهيّ الأول الذي منح الموجودات مسمياتها. كعادته، يقدّم الرياحيّ دفقًا حكائيًا، بخفة طفوليّة، تتناوب فيه البديهيّات الواقعيّة والأسطوريّة في قالب يبدو لوهلة واضحًا في افتتاحيّته زمانًا ومكانًا، معافىً من المراوغات. ثمّ يدخل في سراديب الفهلوة السرديّة في صراع الراوي على الاحتفاظ باسمه واسم غيره "في جيبه"، ليعودَ فجأة إلى لحظة الصّفر المُطلَق التي يصيرُ فيها كالعصفور بلا اسم.. يفقد هويّته الظاهراتيّة، لينزرع في سؤال الهويّة التجريديّة-الوجوديّة. تحتاج هذه المقولة - أن ينعتق الإنسان من رحم المسميات ليصير حرًا- إلى اللعب، سرديًا، في مساحات الدعابة والتشظّي والمأساة والأسطورة والاختلاق. هنا، نجد مساحات ليّنة عجينيّة تتيح المراوغة التي تخلطُ بين البساطة الظاهريّة في التعبير وبين تفسيخ البدهيّ. أن تمتلك اسمًا يعني أن تكون لك هوية راسخة في الأرض، في قلب الواقع، في قلب الفوضى والفساد الذي نشأ منذ اللحظة التي وزّع فيها الله الأسماء على الموجودات.. يعني أن تكون شريكًا في صنع الوشاية. يصرخ الراوي في قفلة القصّة، صرخة خفيفة خافتة، قاذفًا اسمه وعبء الحمولة البشريّة التي ورثها الإنسان قسرًا. إنّه يقطع الطريق على نفسه وينقطع عن منطق الجماعة.. يتخلّص أخيرًا من اسمه، ومن أسماء الآخرين التي جاهد في سرقتها، ويتحرّر كمنطق العصفور الذي ظهر في بداية القصّة، ليرسم صورة المثاليّ المجرّد، حيث ضمير الغائب الذي يظهر في عنوان القصّة هو قدر الراوي في نهايتها.
اقرأ المزيد

لا ينتشي جلال إلا بإرباك كلّ شيء من حوله. كان شيطان القرية المرعب. يهاجم أقنان الدجاج ومراقد أرانب الجيران في أي وقت لنراه بعد ذلك يشويها في الخلاء هنا قريبا من الغاب أو عند الوادي. لم يكن هناك من يراقبه كان أبوه يشتغل بالعاصمة لا يأتي إلا مرّة كلّ شهرين. لذلك كان يفعل كل ما نخشاه نحن. ولذلك كنّا نحقد عليه. مجرد ذكر اسمه، اعلانُ خطر.

منذ اكتشف نافذة غرفة نوم زوجة العمدة أصبح كابوسها. يتسلّل جلال من فوق سور البيت ليلقي عليها كيسًا بعشرات الضفادع، يكون قد قضى أيامًا يجمعها عند الوادي، فتسمع صراخَها القريةُ كلّها حتى اتّهمها العمدة بالجنون وطلّقها.

أما أنا، غير المرئيّ، فقد كنتُ منشغلا وقتها بصيد العصافير. تعودت أن أكون غير مرئيّ لأصطاد المزيد من العصافير. كلما اختفيت اصطدت المزيد. عندما عدتُ  أول مرة من الصيد كان العصفور يتقافز داخل جيب الجاكيت، ارتاب أبي في أمري. كنت أتحرك بشيء من الغرابة  فأوقفني: 

“تعالَ هنا. ماذا تخفي يا …؟”، قالها وهو  يهم بسحب حزام بنطاله. فاعترفت. سحبت العصفور من جيبي وقلت له:

“إنه عصفور. مجرّد عصفور صغير يا أبي. وجدته عند الغدير”.

“ما اسمه؟”

“لا أعرف. عصفور” .

“العصفور ليس اسمًا”.

حدّثني يومها أبي عن قصة الأسماء وكيف وزع الله الأسماء على الموجودات. ليلتها كان الله يا …. منزعجًا من الضجيج ولأن الموجودات بلا أسماء لم يتمكن من أن يحدد مصدر الضجيج. فجمع الموجودات وأخرج من جرابه الكبير حفنات من الأسماء وراح يوزعها عليهم مثلما كنت اوزع عليك أنت وإخوتك منابات الفول المشوي الساخن. كان الواحد منهم يضع اسمه  الساخن في جيبه ويركض به حذرا، قال أبي. ليلتها، يا بنيّ، كانت الأسماء ضعيفة وهي تغادر جراب الله نحو جيوب الموجودات لذلك كان على تلك الموجودات ألا تعرضها للشمس حتى لا تفسد، وكان على كل منها أن يعتني باسمه في مكان دافئ حتى إذا اشتدّ عوده ناداه فإذا شعر برعدة فإن ذلك الاسم قد نضج فيجربه على المقربين منه.

قبل أن ينهي أبي حكايته حذّرني من تعريض اسمي للشمس قبل أن ينضج. عندما تلمّست اسمي في جيبي وجدته ساكنًا. كعصفورٍ ميت. فقررت أن أسرق اسم جلال. وظللت أتحين الفرصة لذلك حتى وجدتها. كنا نلعب الكرة قريبًا من المقبرة. ترك جلال الملعب وملابسه ودخل المقبرة من جهة الشرق ليتبول فركضت نحو أدباشه قرب حجرة حراسة المرمى. رأيت الاسم يتحرك في جيب البنطال. تثبّت في الجيب الأيمن. كان قلبي يومها يخفق. عليّ أن أنهي الأمر بسرعة قبل أن يعود جلال؟ أدخلت يدي وسحبت الاسم الذي كان في كيس صغير. وضعته في جيبي. وركضت نحو المقبرة من جهة الغرب. في الطريق لاحظت أن اسم جلال كان كبيرًا يملأ جيبي. انتبهتُ أيضًا إلى أنّي لم أترك اسمي في جيب جلال كما فكرت بدلاً عن اسمه وأن جلال صار بلا اسم وصار بجيبي اسمان.

 عدتُ الى البيت أغلقت عليّ باب غرفتي وجلست أراقب الاسمَين وهما يتحركان من تحت القماش. حتى دخل أبي. قلت له “لقد اصطدت اسمًا جديدًا”. انظر إنه يتحرك بقوة في جيبي الأيسر. كان أبي قد مات منذ أشهر بعد أن حدثني عن قصة الأسماء. وكنت في الحقيقة أحدّث اسمه الذي تركه بجيب معطفه المعلق في مقبض النافذة. ظل الاسم يقفز في الجهة اليسرى من البنطال مثل قط. أدخلت يدي وسحبته. كان الاسم قد خرج من الكيس. كان رخوًا. رخوًا جدًا. عندما نظرت إليه كان ضفدعًا بشعًا يرمش بعينيه قبل أن يطلق نقيقًا فظيعًا فرميتُه من يدي. تلمست اسمي بالجيب الأيمن فوجدته جثةً هامدة. رميتُه الآخر وركضتُ بلا اسم. وأنا الآن بلا اسم و كلّما نادوني باسمي القديم محاه الهواء، فلا تصلني إلا أداة النداء فأعلم أنني المعنيّ بالنداء. حتى أمي، كلما تحدثت عني تقول ذلك الذي لا يسمى.

نَسي أبي أن يخبرني أنه منذ أصبحت للموجودات أسماء ظهرت الوشاية وانتشر الوشاة في الأرض وصار الله يعرف مصدر الضجيج.  صار يعرف كل شيء.

 

Liked the story? Comment below.

avatar

arrow2right arrow2right Other readers liked

إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا