تود هاساك لوي | من:الانجليزية

الأبله الطّموح

ترجمة : ريم غنايم

Introduction by أساف شور

هناك كتّاب يُبدعون في تغريب المألوف، وهناك آخرون يجيدون تأصيل الإحساس بالألفة الشديدة حتّى في أكثر صور الخيال تطرفًا. تود هاساك لوي يجيدُ الصنعتين.

وفي كلتا الحالتين، ليست هذه بالمهمّة البسيطة. من جهة، يتطلب الأمر من الكاتب الكَشف بشكل عرضي عن تفاصيل واضحة وبديهيّة لشيء لم يكن أصلا، وأن يبرر ذلك دون المبالغة فيها ودون الانغماس في لذة الاختراع من أجل الاختراع. من جهة أخرى، فإنّه مطالب بخلق روية خارجيّة، جديدة، وبريئة، من عمق معرفته. على أن تكون هذه الرؤية جديدة بالنسبة له ولا شيء فيها يبدو بديهيًا أو واضحًا. على الكاتب أن يكون على معرفة تامّة بأدقّ تفاصيل ما هو غريب عن البطل، لكن عليه أيضًا أن يتذكّر  كيف واجه هذا البطل في المرة الأولى ، قبل أن تختفي الأشياء وراء التوصيفات.

في روايته "أسرى"، أتقن هاساك لوي هذه الرؤية حول الواقع الإسرائيلي: لقد أقام هو نفسه في إسرائيل لفترة قصيرة، تأمّلها بدقّه، ونجح في رسم بطل بدا أنّه صادفها لأول مرة، وتأملها من الخارج تماما.  يعرف الكاتب (صاحب المعرفة) إلى أين يوجه نظر البطل (المتفاجئ تمامًا).

اقرأ المزيد

في شهر آذار، تلقيت دعوة للمشاركة في ايديوتفيست، الحدث الثاني الأكبر حجما في مدار البلهاء. اتصلت بوالدتي.

─ ايديوتفيست؟

-ألا تتذكرين يا أمي؟ كان ذلك في سان دييغو العام الماضي، وكنت أؤدّي دور البديل.

-أوه، صحيح. بكل تأكيد. مبارك يا حبيبي. هذا رائع.

-لدي عرض منفرد في الليلة الأولى. على إحدى المنصات الجانبية.  وفي صباح اليوم الأخير، من المفترض أن أشارك في ورشة عمل حول السوائل.

-يبدو رائعًا.

-أنا متأكّد  أنّهم سمعوا بما فعلته في القمة الكندية.

-أنا متأكدة من أنهم فعلوا ذلك. لقد نلت اهتمامًا كبيرًا عن هذا. اسمع ، ليتنا أنا ووالدك…

-لا تقلقي حيال ذلك يا أمي. إنديانابوليس بعيدة جدًا عن كاليفورنيا، والتذاكر ليست رخيصة. أحتاج إلى البدء في البحث عن رحلات رخيصة بنفسي.

– ألا يدفعون ثمن التذكرة؟

-لا، مجرد غرفة بسعر مخفّض في الفندق الرئيسي.

─ومع ذلك.

-يا أمّي، أنا أؤدي على منصة جانبية وحسب. لستُ موري بنجامين تمامًا.

-ثمة موري بنجامين واحد فقط. ولكنّني على قناعة بأنك ستبلي بلاء حسنًا.

-قد تكون هذه فرصة كبيرة لي. إذا تركت انطباعًا جيدًا هناك، فإنّ احتمال حضوري لمقابلة في كانون الأول كبير.

-هل أخبرت ميشيل؟

─لا

-هل ستخبرها؟ ماذا عن البنات؟

-أحصيت أربعة عشر شخصًا قد تجمهروا حول المنصة الخشبية الصغيرة، بينهم صديق لي من أيام المدرسة الثانوية يقيم في البلدة. اتفقنا على أن نخرج لاحتساء بيرة بعد ذلك. الطقس هو السبب. المطر اللعين. في تمام الساعة 6:30، ربما كان لا يزال هناك مائتا زائر يقفون في الردهة في انتظار تقييد وصولهم. حاولت ألا أفكر في الأمر.

فمي لا يزال جافًا بعد أن رحتُ أطلقُ أنّاتٍ متنافرة. بعد الانتقال إلى الأرضية وانتزاع حفنة من الشعر، بدأتُ بعادتي في الترويل. كانت هذه هي المرة الأولى التي أستخدم فيها كبسولة زيتية على الملأ. لم أواجه أي مشكلة في البداية، لكنني واجهت بعض الصعوبة في تحديد وتيرة تصريفها. وأنا في الشقة لوحدي، تدرّبتُ على تقدير حجم التمزق في الكبسولة وفق حدّة نكهة الزيت في فمي. بمجرد أن اتّضح ذلك، استطعتُ أن أقرّر مقدار اللعاب الذي يجب خلطه بالزيت من أجل الوصول إلى درجة معقولة من اللزوجة. استخدمتُ خلاصة إكليل الجبل. مع هذا الحشد الصغير، وهذه الإضاءة الاحترافية، ربما لم يكن الزيت ضروريًا. لكن كان من الغباء تفويت فرصة التجربة أمام جمهور حقيقيّ. عدا ذلك، أمكَنني أن أسأل صديقي حول هذا الموضوع في وقت لاحق.

أثناء استعدادي للوقوف على قدميّ، استرعت انتباهي مساعدة المتعهّد التي وقفت عند الجدار الخلفي وكادت تختفي بين الظلال. بطريقة ما، فاتتني رؤيتها وهي تدخل. هي من اتّصلت بي ودعتني في البداية. هاتفتني بشكلٍ مباغت، وراحت تجاملني وتثني عليّ طيلة المكالمة، حتى أنها أشارت إلى حقيقة أنني أصنع طقم أسناني بنفسي. لقد أحسنوا التحرّي. لعلّها دخلت إلى هذه الغرفة لفحص الصوت والإضاءة، أو لتسجيل الإقبال الجماهيريّ، أو لمجرد أخذ انطباع حول الجو العام السائد هنا في الليلة الأولى. لعلّها كانت ترغب فقط في الاستمتاع بعَملي، أن تشاهدَ عرضًا لذلك النجم الواعد الذي يرفض أن يطلب أسنانه الأماميّة الصفراء من الكتالوج. ومع ذلك، لم أستطع تجاهل احتمال وصولها في المقام الأول للحُكم عليّ. بغية اتّخاذ قرار فيما إذا كنت جديرًا بهذه المنصة أم لا، وفيما إذا كنت سأُدعى مرة أخرى العام المقبل أم لا، لتقدير الامكانيات التجاريّة الكامنة في الأبله على المدى الطويل، لتسأل نفسها إذا لم تكن قد ارتكبت خطأ بإحضاري إلى هنا أصلا.

الآن، كنت أقف على قدميّ وبدأت العرض. المخاط الكثيف والوافر، بفضل السفر الجوي، خرج فقاعاتٍ من فتحة الأنف اليسرى وسال على شفتي. لكن عندها، ولأول مرة خلال عرضٍ أقدّمه، بدأت أتساءل عما إذا كنت قد اتخذت القرار الصائب. وبينما كنت أرفع كتفي وأدهن المخاط على وجنتي اليمنى بذراعي، وجدتني أركّز على مساعدة المتعهد. على غرار بعض البلهاء، فكرت أن أسلك أيضًا طريق المغفّل والغبيّ. وعلى الرغم من أنني اعتقدت في قرارة نفسي أن موهبتي تكمن في البلاهة، إلا أنني كنت مسكونًا باحتمال ما قد يكون لو أنني اخترت أن أصبح غبيًا. حتى مديري سيعترف بأن دائرة المغفّلين قد تضاعفت متجاوزةً الضعف في السنوات الخمس الماضية وأنها تهدد الآن بتجاوز حصة السوق الإجمالية للغباء. لم يحاول مديري إخفاء ذلك عني. لكنّه أصرّ على أن لا شيء من هذا يهم. كل ما عليك فعله الآن هو أن تكون أبله. هذا كلّ شيء. أنت بكل بساطة أبله. أبله موهوب جدًا. لقد استثمرتَ الكثير من الوقت من أجل ذلك، ضحّيت بالكثير ولا يمكنك أن تستسلم الآن. هل يمكن أن تنجح كغبيّ؟ ربما. لو صرتَ أبله، هل كنّا سنراك على غلاف المجلات اليوم؟ ليس مستحيلا. لكنّ دَوركَ سوف يحين وأنا واثق من ذلك. لا مجال للتراجع. كل ما يمكنك فعله هو أن تخرج وتفعلها. وكُن.. كن الأبله المثاليّ. سأهتمّ أنا بالباقي.

أخذت مساعدة المتعهّد تنقّل وزنها وتبدّل حافظتها من يد إلى أخرى. الأسبوع الفائت، كان مَوقعي قد سجّل ثمانية آلاف زيارة. في شهر نيسان، اكتشفتُ أنني وصلت إلى الجولة الأخيرة من الترشّح لمنحة مرموقة، وشجّعوني على إعادة تقديم طلب الترشّح في العام المقبل. وقد راجَت شائعات عن زيادة التمويل الحكومي. كنت لا أزال أستمتع بالعروض، فقد شعرتُ دائمًا  أنني وجدت ضالّتي وأخلصتُ لها. عرف مديري أنني بدأت أمارس التأمل، وعرف أنني أقرأ لبعض الأساتذة البوذيين. كان لطيفًا بما يكفي ليقاوم السخرية منّي في هذا الباب، وقد أدرك أنه مع كل ما كنت أمرّ به، لم تكن هناك أي طريقة أخرى. كان الهدف من عملي، الهدف في نظري أنا، هو تفريغ نفسي في لحظات من الوجود المطلق، بحيث يمكن ترجمة ممارستي وتفانيّ إلى جهد بسيط.

نهض طالبان في الثانويّة العامّة وغادرا الغرفة. مرّا من جانب امرأة شابة جلست عند حافة الصف الثالث وبدا أنها مصورة محترفة. حيّت مساعدة المتعهّد رجلاً مسنًا، من مظهر بدلته يُحتمل أن يكون عاملا من عمال الفندق. وجدتُ صعوبة في البكاء. وبدلاً من مقاومة ذلك، أطلقتُ أنينًا عنيفًا خاصًا، أعاد وجوه الجمهور إلى المنصة، وركّزتُ في التبول الختامي. وقفتُ بلا حركة، وتركتُ اللعاب والمخاط يسيلان من ذقني.

ركّزتُ عينيّ على بقعة عشوائية بجانب الغرفة، بعيدًا عن مساعدة المتعهّد، التي ظلّت ظاهرة في هيئة البقعة الصفراء الصغيرة من شعرها، الشعر الذي ميّزته من صورتها على موقع ايديوتفيست، وتهيأت لأفرغ مثانتي. لقد قام حزام الوقاية واللاصق بعملهما، وظل طرف قضيبي الممتد ثابتًا عند طرف فخذي الأيمن. بدأت أرخي جسمي بالكامل، بدءًا من أطراف أصابع قدمي وجبهتي. أطبقتُ عيني بينما غرقت قدماي في الكعبين غير المتكافئين في حذائي التقويمي. مالت ذراعاي عن كتفي، وانثنت ركبتاي قليلا. سمحت لبطني بتخفيف الضغط الذي أجبر على تحمله خلال الساعات الثلاث الماضية. شعرت بتحول تدريجي أسفل خصري، وسرعان ما صار البنطلون ثقيلا ودافئا. متصورًا البقعة الرطبة تتمدد بثبات على الكاكي البالي على فخذي، حاولتُ الحد من نسبة التدفق. في غضون خمس عشرة ثانية تقريبا سمعت لهاثا خافتا. في نصف دقيقة، كانت الغرفة في حالة سكون تام. عندما انتهيت، بعد دقيقة كاملة، كان جوربي الأيمن رطبًا، لا بدّ أن مستنقعاً بحجم معقول قد لمع وهو يتمدّد على المنصّة، وقد سمحتُ لعينيّ بالبحث عن مساعدة المتعهّد. دسّت الحافظة تحت إحدى ذراعيها وكانت تستميل الجمهور المذهول في جولة من التصفيق الذي بدا وقعه كأنه يفوق ستًا وعشرين يدًا.

كانت البيرة برفقة صديقي في المدرسة الثانوية بينَ-بين. بطبيعة الحال، أشاد بأدائي، وبدا صادقًا جدًا في كلامه. قال إن العرض أسرَه. ربما كان مستعدًا لمزيد الحديث حول الأبله ، لكنّني شعرتُ بأنّ ذلك لم يكن مناسبًا. لذلك سألته عن حياته المهنية، شيء ما يتعلق بالتسويق أو العلاقات العامة، أو التسويق والعلاقات العامة. تشاركنا النزر اليسير من المعلومات التي عرفناها عن الرفاق الآخرين الذين اعتدنا أن نتسكع معهم منذ حوالي عشرين عامًا. ضحكنا قليلا. كان الطعام مقبولا. رغم أننا غادرنا الفندق، إلا أنني لم أتمالك نفسي عن تفقد الحانة من وقت لآخر لأعرف إن كنت أعرف أحدًا، أو أنّ أحدًا يعرفني. أخذ يسرد حالات الطلاق الأخرى التي سمع عنها.

كان هناك عدّة أشخاص. ذكّرت نفسي بأن أكون ممتنًا لحضوره. حتى أنّني أبلغته بامتناني. لم تكن القصّة أنني لم أرغب في التحدث عن العرض، لكنني لم أستطع أن أتحدث حقًا عن أي عمل فني لطالما لم يُسمح لي بالتعبير عن رأيي حول معنى أن تكون استثنائياً ويتجاهلوك، أن تكون عبقريًا مجهولاً، أن تكون الشخص القادر تقريبًا، على إيجاد العزاء في تعبيره عن رؤيته الفريدة. حاولت ألا أكره نفسي وحياتي مرة أخرى، لذلك ذكرت نفسي بأنني هنا في حانة لطيفة في إنديانابوليس، حيث شاركتُ مؤخرًا نفسي الأصيلة مع عشرة غرباء تماما وممتنين بنفس القدر. أصر على أن يدفع وطلب كلّ منا من الآخر أن يعتني بنفسه.

ثم وجدت نفسي في الردهة، التي كانت مكتظّة، لكنّها لم تكن نشطة تماما. تفحّصت عددًا من زوايا الجلوس الصغيرة، حيث تم تجميع أربع أو خمس قطع أثاث ليتسنى للناس الجلوس بأريحيّة. كان هناك بعض الوجوه التي ميّزتها، لكن لم يكن أحد أعرفه تماما. أمكنني التفكير في خيارين: إما الذهاب إلى الحانة وطلب مشروب، الجلوس بمفردي، مشاهدة بثّ الألعاب الرياضية المتلفزة، وربما البحث عن شخص أتحدث إليه. البالغون فعلوا أشياء مشابهة، بمن فيهم البالغون في ايديوفيست. أو العودة إلى غرفتي. تشغيل التلفاز. محاولة القراءة. تناول حبة. النوم من 8 إلى 10 ساعات بلا أحلام.

‒مرحبا.

-أهلا. أنا ديفيد.

-أهلا.

‒مرّ العرض بشكل جيّد.

‒جيّد.

-عرضي. أعتقد أنه كان جيدًا.

‒نعم، فهمت. جيّد.

‒ كان الجمهور قليلاً. لكن يمكنني القول إنّني تركتُ انطباعًا مذهلا.

‒رائع. أنا سعيدة من أجلك.

‒وكيف تسير الأمور؟

‒على ما يرام.

‒هل يمكنني أن أكلّم البنات؟

‒خلدن للنوم قبل أكثر من ساعة. نحن الآن بعد العاشرة ليلا.

‒صحيح. طبعًا. هل هنّ بخير؟

‒إنّهن على ما يرام.

‒حسنًا، إذًا شكرًا مجددًا لاستضافتك لهنّ في عطلة نهاية الأسبوع هذه. أقدّر ذلك.

‒لا مشكلة.

‒اسمعي، لقد أدّيت عرضًا قويًا هذا المساء. أنا متأكّد من ذلك. قد يعني ذلك شيئًا بالنسبة لي.

‒رائع يا ديفيد. حقيقة رائع.

-شاهدته إحدى المنظّمات، وقد رأيتها مندهشةً.

─عظيم. فعلا. لكن اسمع، أنا..

-“لا ، أقصد.. أريد فقط أن أقول، وأنا أعلم أنني قلت هذا من قبل، ولكن إذا صعد نجمي، ولا أدري إن كان سيحدث ذلك، لكن لو حصل، لن أنسى دعمك والأشياء الأخرى، وكل تلك الأعوام…

-أعرف.

-لن أنسى. يهمّني أن تعرفي ذلك. سوف أعوّضك.

-ديفيد، بحياتك.

-لا، لا أقصد ذلك. أنا لا أطلب … إنّما سأعوّضك أنت والبنات.

-عليّ أن أقطع المكالمة. الوقت متأخر.

-هل ستعانقينهن عنّي؟

─بالتأكيد. مع السلامة.

─مع السلامة.

في طريقي إلى المصعد، مررت بمجموعة من الأشخاص من بينهم بول دريكسيل، الذي تلقّى مؤخراً منحة امتياز. كان أول أبله يحدّد عمله في منشآت الفيديو وهي أعمال سرديّة تمّ تصويرها في الحيّز العامّ. التقينا قبل سنوات قليلة في إحدى المناسبات المحليّة، ووجدته مملاً.

‒ديفيد؟

استدرت ورأيت الرأس الأشقر لمساعدة المتعهّد. كانت تبتسم وتنظر إليّ.

– مرحبا.

– بادلتها الابتسامة. مدّت يدها، وقد حملت اليد الأخرى الحافظة.

-غريتشن.

-أعرف. أهلا.

كانت يدها صغيرة بالنسبة لطولها، لكن قبضتها كانت قوية.

-لقد استمتعت بعرضك.

─شكرا. شكرا جزيلا.

-بجد، أعجبني.

─شكرا.

-سمعتُ كلامًا طيبًا…

-حقًا؟ ممّن؟

─ من بعض الناس. مهمتنا أن نسمع أشياء.

-بالطبع.

-لكنني أقصد أنه كان أكثر من جيّد. أعتذر لأننا لم نتمكن من استقطاب جمهور أكبر إليك.

-لا تقلقي بشأن ذلك. أنا سعيد لأنه أعجبك. شعرت أنه سار على ما يرام.

– آمل أن نتمكن من توفير منصة أفضل في العام المقبل. لا أعرف، ربما أمكنك تقديم عرض على المنصة الرئيسية في ليلة الافتتاح.

– هذا سيكون مذهلا.

-أقصد أنني لا أستطيع أن أعد بشيء من هذا القبيل. لأكن واضحة.

─نعم.

-ولكن، أنت مستعدّ لذلك. على أتمّ استعداد.

─شكرا. ما أروع سماع ذلك. منك خاصة.

رن هاتفها. قالت:” لحظة واحدة”، وسحبت جهازًا من جيبها، ردت على المكالمة، وابتعدت عني ربع دورة. أحد المنظمين. ذكرت اسم محطة ذات كوابل، ثمّ أدركت أنني لا ينبغي أن أحاول التنصّت على مكالمتها. بدأت أتراجع عندما رفعت إصبعها نحوي وأدّت تعبيرًا غريبًا على وجهها. ربما كانت تعتذر أو تسخر من الشخص الذي كان على الخط. أعتقد أن القصد من ذلك ألا أغادر. فلم أغادر. نظرت إلى جسدها ووجهها بشكل خاطف، وتساءلت إن كانت جذابة. لا أعتقد أنها كانت جميلة، ولكن كان فيها شيء دافئ جعلها تبدو أكثر جاذبيةً من ملامح جسدها وحدها. لعلّه شيء من اللطف.

أنهت المكالمة.

-أعتذر.

-لا مشكلة. كل شيء على ما يرام؟

─ فقط المزيد من الهراء. لا جديد.

أومأتُ. سألتني إذا كنت أرغب في تناول مشروب.

لم أرافق امرأة أخرى منذ الطلاق. مواعدتان وحسب. أو مواعدة ونصف. تبادلت قبلة صغيرة مع الثانية، امرأة تعرّف إليها أخي في عمله. كانت بي رغبة في أن يحدث ذلك، ولم تكن بي رغبة في أن يحدث ذلك. حاولت ألا أفكّر في الأمر.

أرادت غريتشن أن يحدث ذلك.

كنت ممتنًا لها قبل وصولنا إلى الغرفة. كانت تمتلك ثقة مريحة بنفسها، وكانت قادرة على طمأنتي وأوضحت لي أنّها سعيدة لتولي القيادة. لم أكن أعرف ماذا أقول، لذلك اقترَحَت هي بيرة من نوع خاصّ. لم أعرف عماذا أسألها، لذلك حَكت هي عن المنظمة وطريقة العمل مع المتعهّد. لم أعرف إذا كنت أرغب في بيرة ثانية أو ثالثة، فَطلبت هي لكلينا. حِرتُ ماذا أقول، فسمحتُ لها بالكلام. عندما بدأت في طرح الأسئلة، أجبتُ عنها وأخبرتها بكل ما تريد معرفته عن ماضيّ، وفنّي، وطليقتي. ثم قالت، والحانة كانت لا تزال ممتلئة، إنها ترغب في القدوم إلى غرفتي. لم أكن أعرف أن الناس يقولون مثل هذه الأشياء فعلا. عرفتُ أنّهم يفعلون. لكنني تساءلت عن مدى شيوع الأمر ومدى احتمالية طرح مثل هذا السؤال أساسًا. لمدة أربعة عشر عاما كان الاحتمال ضعيفًا. إجمالا، لم يكن طرح هذا السؤال أمرًا سيئًا، وكنت ممتنًا للبيرة، وعلى الطريقة التي سمحوا بها لوجهي بعدم الرد أكثر من اللازم.

-بالتأكيد.

مارسنا الجنس. كانت هذه النتيجة واضحة بالنسبة لي في اللحظة التي استخدمت فيها بطاقتها للإتاحة لنا دخول غرفتها. فوجئت من ثقتي بشيء جديد عليّ للغاية، لكن لم يكن هناك مكان للشكّ. توجّهت إلى الحمام، وجرّبت تركيبات الإضاءة المختلفة، خلعت قرطيها ووضعتهما على الكومودينو. ثم قبلتني. لا بدّ أنّنا امتلكنا نفس النّفس. لم أشمّ رائحة.

سرعان ما شققنا طريقنا إلى السرير وخلعنا ملابسنا. جسدها، وإن لم يكن أفضل من جسد ميشيل، كان أعذب. كانت امرأة شابة ، على وركها وشم شجرة الكمثرى. بدا الأمر مطمئنًا بشكل ملحوظ، أن تكون برفقة امرأة لم تعان كثيرًا من تأنيب الضمير. بسرعة كبيرة كنت داخلها. فكرت، بهذه الكلمات الصاخبة، إذًا هكذا يكون الإنسان داخل إنسان آخر. انشباك آخر. انسحبتُ للحظة، خشية القذف المبكر.

– كل شيء على ما يرام؟

-نعم، نعم.

-متأكد؟

─نعم. إنها فقط المرة الأولى، من وقتها.

-حقًا؟

─نعم.

ابتسمت ابتسامة سخيّة. رفعت رأسها وقبّلت وجنتي.

-حسنًا، لا بدّ أنك ستستمتع بهذا. سأبذل قصارى جهدي.

ربّما ضحكت. عدت إليها وقد تسارعت الأمور. اتّضح أنّها محقّة. وجدت نفسي مطالبًا بالاعتماد على مؤهلاتي في تأجيل النشوة الجنسية، وبعد فترة شعرت أنها كانت سعيدة للغاية من تحكّمي بنفسي. بعد مضيّ عشر أو خمس عشرة دقيقة تقريبًا أدركنا بطريقة أنّها لحظة التوقّف قليلا. أو ربما قررَت فقط أن تسألني:

‒هل فعلتها مرّة؟ مع ميشيل. هل فعلتها؟

‒ماذا؟

‒هل سبق أن فعلتها؟

‒فعلت ماذا؟

‒تظاهرتَ بأنّك أبله؟

نظرتُ إليها.

‒هل مارستَ معها الجنس كأبله؟

‒لا.لا. إطلاقًا.

‒هل رغبتَ في ذلك؟

‒لا أظنّ أنها كانت إمكانيّة واردة أساسًا؟

‒لكنّك رغبتَ في ذلك؟ يومًا؟

‒أتخيّل أنّني فكّرت في ذلك ربّما مرّة-مرّتين.

‒و…؟

‒وإذا رغبت؟

مسّدَت ظهري. كنا في الطابق الرابع والثلاثين في فندق وسط البلد.

‒والآن؟ هل ترغب في ذلك؟

نظرت إليها، إلى أنفها وإلى الطريقة التي وصل بها إلى فمها. كانت ملامحها أكثر عظميّة من ميشيل. لمست ذقنها الذي كان ناعمًا وأحمر.

‒هل ترغب؟

-هل ترغب في أن أفعل؟

‒ربّما قليلا.

وهذا ما فعلت، قليلا. راقبتها وهي تشاهدني، وأنا أحقق لها هذه المتعة الغريبة. كان الإحساس رائعًا في الأساس. أجدتُ ذلك. بدت الغرفة في حالة سكون تامّ باستثنائي وصوت جسدَينا، كما لو أن انتباهها أسكت الدوائر الكهربائيّة والأنابيب والمصاعد ووقع الخطى التي تدبّ في أرجاء هذا المبنى، وحركة المرور في وقت متأخر من الليل في الشوارع في الأسفل. عندما قذفت أخذت أفكّر، هل كانت ميشيل مع رجل آخر؟ هل كان لطيفًا معها؟ هل دعاها لتكون المرأة التي حرمتها أنا من أن تكون؟ هل جعله ذلك سعيدًا كسعادة غريتشن الآن؟

فتحت عيني ووجدت نفسي في لحظة من عدم اليقين التام، مع دون أدنى فكرة عن مكاني أو زماني في الحياة. لا بد من أنني كنت أحلم قبل لحظة، وقد دفعتني الحيرة إلى التساؤل عما إذا كنت لا أزال أحلم. لكنني سرعان ما تذكرت. رأسي، عند حافة السرير، كان يلتفت صوب الحائط الخارجي. حاولت أن أكون ساكنًا وأنصت إلى أنفاس غريتشن، وسرعان ما سمعتها. كان العالم الخارجي لا يزال مظلمًا ، مظلمًا قدر ما أمكنه في وسط مدينة كهذه. غادرت السرير ببطء. ذات مرة، نظرت إليها وإلى مجموعة الأرقام الحمراء في ساعة رقمية لم أرها من قبل في غرفة مظلمة في فندق غريب.

مشيت إلى النافذة، أزحتُ الستائر جانباً، وتأملت المنظر لفترة طويلة جدًا. كنت عارياً وهادئًا على نحو غير متوقع ، كما لو أن أجزاء كبيرة مني ظلت نائمة في ذلك السرير. كان الأفق عاديًا وممتعًا، حيث تغيرت إشارات المرور بشكل مطرد حتى في غياب سيارات تنصاع لتوجيهاتها. على الرغم من أن الأمطار قد توقفت قبل ثلاث ساعات إلا أن معظم المدينة كانت لا تزال رطبة، وأدت الأنوار الممزوجة بالرطوبة إلى خلق انطباع لطيف. شعرت بالوحدة حقيقةً. كنت أشعر بالوحدة تماما كما شعرت في غرفتي، تسعة وعشرون طابقًا في الأسفل. لم يسبب لي ذلك أيّ ضيق. في النهاية، تحولت عن النافذة، وفجأة دفعتني رغبة بالتجول في الشوارع قبل الشروق. عثرت على ملابسي وحذائي بهدوء. وأنا أرتدي ملابسي، تساءلت كيف سيكون الشعور بأنّي مصدر فخر لعائلتي. غادرت غرفة غريتشن، وخطوت بحذر فوق جريدة الصباح التي كانت تنتظر عند بابها.

توقف المصعد عند الطابق الثاني والثلاثين. انفتح الباب، دخل موري بنجامين وضغط على زر. لم أره في حياتي سوى ثلاث مرات منذ أن حضرت أول مرة أحد عروضه قبل أكثر من عشرين عامًا. كنتُ في زيارة لأخي الأكبر في نيويورك، حيث كان يدرس، وقد جرني هو وأصدقاؤه إلى العرض. لم تكن البلاهة فنًا جديدًا في ذلك الوقت، وأخبرني أخي ونحن في الطريق إلى المسرح  أن موري بنجامين سيصبح سفيراً لها في العالم.

─صباح الخير.

─أهلا.

خلال السنوات العشرين التي انقضت منذ أن رأيت صورًا قليلة له فقط خارج الشخصيّة، اندهشتُ، بالإضافة إلى صدمتي من كوني وحيدًا معه في هذا المصعد، من ملابسه التقليدية. قميص أزرق مزرر، بنطلون رمادي بلا أزرار، جاكيت رياضي، زوج أحذية رشيقة وبسيطة. كان يتأبط ملحقين لنفس الجريدة نفسها، وقد وقف جواري بينما استأنف المصعد نزوله.

التفت إليّ وتفرّس في وجهي:

‒تبدو لي مألوفًا، هل تعرف ذلك؟

ابتسمت، وكنت عاجزا تماما عن الكلام. لم تمرّ خمس دقائق على ذلك العرض الأول وكان الخوف قد تلبسني. وكأنّ الرجل الذي على المسرح كان مصدرًا للحرارة، لهبًا جامحًا، وكأنّ مشاهدته تعرّضني لخطر كبير. لكنني شعرت بفرحة غريبة، كما لو أن عرضه كان دعوة، تحديًا، للمضي قدمًا في شيء كنت أجهله، لا أعرف أي شيء عنه سوى أصالته الطاغية. قررت في تلك الليلة، وأنا أجلس في ذلك المسرح المزدحم، أن هذا ما سأفعله في حياتي. كان هو السبب في ذلك.

– أعرف! بالطبع بكل تأكيد. انظر إلى هذا.

وفتح ملحق الفنون في الجريدة المحلية. وهناك مباشرة على الصفحة الأولى، أسفل العنوان الرئيسي، “بلهاء في إيندي”، كانت صورة كبيرة لي بالألوان مأخوذة من ختام عرض الأمس.

-هذا بول كثير أيها الشاب.

─شكرا.

ضحك لحظة.

-أعني، لا بدّ أنّك حشرتَ بعضًا منه في رئتيك. أو أنّك كنت تهرّبه في كيس.

-لا. أبدا.

-لا، أنت تبدو لي كالشيء الحقيقيّ. لا بدّ أنّك تألّمت كثيرًا من كبح تلك المثانة. هذه مسألة موهبة وتصميم.

─شكرا.

تحوّل عنّي وشاهد عرض الطوابق في المصعد الذي مرّ بتسارع. ثم عادَ وتكلّم دون أن يدير رأسه.

هل تعرف ماذا فعلت في عيد ميلادي الستين؟

─لا.

-كان ذلك قبل حوالي شهر. 60.  قمت بتحريك أمعائي أمام ما يقارب 4000 شخص، قيل إن بعضهم دفع أكثر من 500 دولار مقابل المشاهدة. بعد تناول الغداء في وقت متأخر في أفضل مطعم في مانهاتن، حصلت على درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة كولومبيا. ألقيت على الأساتذة والمانحين خطابًا قصيرًا، فارغًا كما كنتُ أنا ساعتها.

توقف المصعد في الطابق الذي سبق الردهة. أشارت الشاشة إلى 1R. شرع موري بنجامين في الخروج.

-ماذا يوجد هنا؟

-أوه، أنا أتناول كل وجباتي في المطبخ. لم يعد لي شأن بالعروض، لكن لا يمكنني تحمل ملاحقات التوقيعات وبقية المعاتيه في هذه المناسبات.

نظرت إليه وهو يقف عند المدخل.

– قل لي، هل ستحضر التجمع؟

-ليس أكيدًا. آمل ذلك. لم أسمع منهم بعد.

وأشار إلى التعليق أسفل الصورة في الجريدة.

-هل كتبوا اسمك بشكل صحيح.

قرأت التعليق.

─نعم. هذا أنا.

-سأقول لك كلمة طيبة. لكن لا تعتبر ذلك معروفًا. فقط يثير فضولي رؤية كميّة من البول في شخصٍ واحد. أنا شخصيًا لم أكن عالمًا في مجال البول من قبل.

قبل أن أشكره، استدار وغادر، أنغلق الباب المنزلق بعد لحظة. نزلت إلى الردهة ورأيت أنها بدأت تمطر مرة أخرى. وفقًا لساعة مكتب الاستقبال، كان الوقت مناسبًا للاتصال بميشيل والبنات. لكنني قررت أولاً تناول كأس من الماء. أردت أن أعرف إذا كنت قادرًا على تمالك نفسي حتى الغداء.

 

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا