اكتب القصص

إيميلي بروت | من:الانجليزية

الأعضاء التي يخرجُ منها بَولك 

ترجمة : محمد الحباشة

Introduction by إتغار كيريت

في كلّ مرّة أجلس فيها أمام ورقة بيضاء يتبادر إلى ذهني سؤال "لماذا أكتب بحقّ السّماء؟". من أين يأتي الدافع الغريب لابتكار شخصيّات وأحداث لم تقع قطّ، والرغبة في مشاركتها مع الآخرين؟

أنا متأكّد بأنّ لهذا السّؤال أجوبةً بعدد الكتّاب في العالم، ولكنّ الإجابة التي تقدّمها إيميلي بروت هي واحدة من أكثر الإجابات قوّة وحساسيّة قرأتها. المقارنة بين دافع الكتابة ورغبة فتاةٍ صغيرة في أن تكشف لفتًى في مثل سّنها "من أين نتبوّل" دقيقةٌ حدّ الألم: نحنُ نكتُبُ لأنّنا نرغبُ في أن يروننا من الدّاخل. هذه الرغبة خطيرة ويصعب الدّفاع عنها، وتبعات التعرّض إليها قد تقود إلى العِقاب، ولكن على غرار الفتاة التي في القصّة، تواصل إيميلي الكتابة، وهذا يُسعدني كثيرا، مثلما أتمنّى أن يُسعد كلّ من يقرأ القصّة.  

اقرأ المزيد

جَلَستْ على كرسيّ بقصّة شعرٍ قصيرة كَشفت عن عُنقها الرفيع. رغبتُ في البكاء ولم أكن متأكّدة تماما من السبب. ليس هذا صحيحا، كنتُ أعرفُ السبب. وهبتْ لي فكرةً فضوليّةً تنتابني كلّما نظرتُ إلى من أرغب في نَيكِها، ولكنّي لا أستطيع تجميعَ شجاعتي لأتحدّث معها.

تخيّلتُ نفسي وأنا أكسِر عُنقها، ولكنّي لم أكن أرغبُ بكسرِ عُنقها، فعلا، لم أرغب بذلك. ليس هذا من طبعي. ليس المرءُ الأفكارَ التي تخطر له. لو كنتُ الأفكار التي تخطر لي، لكنتُ بطلة خارقة بيدوفيليّة وقاتلة ومُسافِحة ولصّة سريعة الحركة ومدخّنة كراك تسرقُ الحلوى. لا، كسْرُ عُنُقها لم يكن يعني أنّي رغبت بكسر عُنقها، بل أنّي كنتُ أُحارب شيئا مّا بداخلي، ربّما نكران شيء مّا، شيء كان يقطر من وعيي الباطني نحو خيالِي في حالة مُتحوّلة. أليس مؤسفا ألاّ يتحدّث الوعي الباطن سوى بالألغاز؟ أنت لا تكسرين عنق من لا تملكين مشاعر تجاهها. يبدو أني لم أكن حاذقة بما يكفي لأنّها بعد أن خرجت من المرحاض، جلستْ إلى طاولتي عوض العودة إلى طاولتها.

أمسكت بيدي ونظرت في عينيّ..

“كيف حالكِ؟” قالت، بنبرة صوتٍ شديدة القلق.

“بخيرـ” قلت.

واصلت تحديقها فيّ. رفعت أحد حاجبيها النحيلين.

“لا، حقّا، كيف حالك؟”

كنتُ مندهشة من طريقة الاستجواب العدوانيّة هذه. لم أعرف ما أقول، لذلك لم أقل شيئا.

“أنت خجولة أليس كذلك؟” قالت المرأة.

“أنا آسفة،” قلت.

” لا حاجة لأن تكوني،” قالت المرأة.

“آسفة؟” قلت.

“لا، خجولة.”

حسنا، فقط اطرحي سؤالا، فكّرتُ بيني وبين نفسي. السّؤال هو وقودُ كلّ أنواع المُحادثات. لكن، أيّ نوع من الأسئلة؟ لا يمكنك السّطو على أسئلتها ببساطة. لا أحد يرغب بالحديث إلى مرآة.

انفلت سؤال “من أنتِ؟” من فمي.

اللّعنة، أيّ سؤالٍ هذا.  

“أنا ثمرة جِماعِ سِفاحٍ. وُلدتُ بشق في حنكي. لسنواتٍ، استعنتُ بالأمر كذريعة كي لا أخرج مع رجال طلبوا مواعدتي. قلتُ لنفسي بأنّي رفضت الخروج معهم لأنّي كنتُ خائفة من أنّهم إذا اكتشفوا ما كنتُ عليه، فإنّهم لن يرغبوا فيّ، ولكن ليس هذا هو السّبب الحقيقي من وراء رفضي. الرّفض هو آليّة تأقلم نافذة. رفضت لأنّي لم أكن أهتمُّ بمُواعدةِ شخصٍ لم أكن مضطرة لإقناعه بأن يحبّني، وعندما طلب منّي الرّجال ذلك، بدوا في نظري نقيض الجائزة، وذلك جعلهم في قائمة الجديرين بالثناء. ” 

كان فيها شيء قويّ للغاية. ليس لأنّها كانت تكاشف الآخرين، أو لاقتصادها في استعمالِ الكلِمات، ولكن لأنّها فهِمت أنّه على المرء، كي يتواصل حقيقةً مع شخصٍ آخر، عليه أن يُجازف، أن يكشف شيئا عن نفسه، يفضّل ألا يكشفه. ولستُ أقولُ بأنّ أوّل شيء يخرج من فمكِ عليه أن يكون عن أيام صباك، وقد قبضتْ عليكِ أمّكِ في الخزانة مع صديقكِ ماثيو، وكيف جرّتكِ إلى غرفة الحمّام، ومزّقت ملابسكِ وربطتْ يديك بشريط لاصق إلى طرف المرحاض حتّى لا تقوي على الحراك.  ثمّ كيف باعدتْ بين ساقيكِ وطهّرت روحكِ بمُزيل طلاء الأظافر. لستُ أقول بأنّ عليكِ أن تخبريها كيف كان ذلك أشدّ الأشياء إيلاما شعرتِ بها في حياتكِ، وكيف أصبحتِ منذ ذلك اليوم حانِقةً على الطّبيعة، لأنّ الطّبيعة هي التي صمّمتِ النّساء على تلك الشّاكلة، بجُرحٍ مفتوحٍ على الدوام يستطيع أيّ وغدٍ استغلاله بمجرّد مَلئِه. أنا فقط أقول بأنّه عليكِ بدء العمليّة، أن تفضحي سرّا مّا حتّى يبدأ شيء مّا بالتطّور. كلّما كانت المجازفة أعظم، كانت الجائزة أكبر. ليس هذا شيئا أستطيع فعله، وصدّقوني، لقد حاولت.

لا أتذكّر أيّ تعبير بوجهِي أبديتُ بعد أن قالت ذلك، ولكن لا بدّ أنّه لم يكن جيّدا جدّا، لأنّها ضحكت عليّ وقالت: “تبدين مثل نمس وديع.”

“شكرا.” قلت.

حكّت ساقها بساقي تحت الطّاولة. شعرتُ بأصابعها العارية على ساقي. لابدّ أنّها خلعت حذاءها تحت الطّاولة. فكّرتُ في نفسي بأنّ هذه المرأة خبيثة. لمستها تُربكُ جسدي. جسدِي يستلطف لمستها لكنّه ينكمش في اشمئزاز، ذاك الاشمئزاز الممتع. اشمئزازٌ يشعُر به المرء عند النّظر إلى بثرةٍ تُفقعُ. إنّه مُرضٍ لكنّه يقلب المعِدة، وبالرغم من ذلك أريد مواصلةَ النّظر لسببٍ مّا. لم أكن أبدا مُثارةً وغير مُرتاحةٍ في نفس الوقت. إنّها مفارقةٌ تامّة، وكيف يتصرّف المرء عندما يشعر بشيء من هذه الأحاسيس المُتداخلة. أيّ مظهر منها يستجيبُ له؟ أطلتُ النّظر فقط تحت الطّاولة متمنّية أن تواصل ساقُها صعُود ساقِي. فكّرتُ بما أستطيع فِعله وماهي التّداعيات الممكنة له. إذا لامستها في المقابل، هل سيرتعشُ جسدي أم سينقبض؟   

هل كانت هناك طريقةٌ لعزلِ واحد من هذه الأحاسيس؟ هل انقبض جسدي لأنّها قامت بالخطوة الأولى؟ هل كنتُ أستجيبُ لهيمنتها أم كنتُ أستجيبُ لها، لعرضها لنفسها. كلّ هذا التفكير المُفرط منعني من القيام بأي حركة آنية. نزعتُ حذائي ببطء وقرّبتُ إصبعِي نحوها. لم أنظر إلى أسفل لذلك لم أعرف أين وضعت قدمها. لابدّ أنّي أخطأتها قيدَ أُنملة. سحبت قدمي للوراء لأحاول من جديد، ولكنّها في تلك اللّحظة، انتعلت حذائها من جديد، انحنت وربطته في صمتٍ. عندما انتهت، نهضت وقد بدت مستاءة بعض الشّيء. أردت أن أقول لها بأنّي رغبتُ في ملامستها بإصبعي. أردتُ إخبارها بأنّها أيقظت شيئا مّا في داخلي، ولكنّي لم أفعل. أردتُ أن أعطي أكثر من نفسي مثلما أعطتني هي، لكنّي لم أفعل.

عدتُ إلى البيت وكتبتُ في دفتر يوميّاتي:

أحاديث رغبتُ في خوضها ولم أفعل  

جلستْ على كرسيّ بتسريحة شعرها الأشقر القصير الذي يكشف عنُقها النّحيل. رغبتُ بالبكاء ولم أكن متأكّدة تماما من السبب، ليس هذا صحيحا، كنتُ أعرفُ السبب. وهبتْ لي فكرة فضوليّة تنتابني كلّما كنتُ أنظر إلى من أرغب في نَيكها، ولكنّي لا أستطيع تجميعَ شجاعتي لأتحدّث معها. تخيّلتُ نفسِي أسحقُ عُنُقها. سِرتُ نحوها وجلستُ إلى طاولتها. ابتسمت الفتاة إليّ رافعةً أحد حاجبيها النّحيلين.

“مرحبا، كيف حالكِ؟” قالت

“أنا بخير،” قلت.

” لا حقا، كيف حالك؟” قالت المرأة.

“عندما كنتُ طفلةً صغيرة، كان لي صديقٌ اسمه ماثيو. ذات يوم عندما كنّا نلعب أخبرني أنّه يريد أن يرى من أين أتبوّل، فأخذتُ مصباحا يدويّا، وضعته في الخزانة وأغلقتُ الباب. شغّلتُ مفتاح المصباح وعندها أنزل تنّورتي إلى أسفل. وضعتُ المصباح ما بين فخذيّ. جلس في الأسفل وأمعن النّظر. سألني إن كان باستطاعتي التبوّل حتّى يرى من أين يخرج ذلك، ففعلتُ. تناول الكُوب الذي كنّا نشرب فيه عصير كول آيد. عندما تدفّق السّيل إلى أسفل ساقيّ، كان ما يزال غير واثق تماما من أيّ عُضوٍ من أعضائي يخرُجُ السيل. لذلك وضع إصبعه وكأنّه يحاول إيجاد صنبورٍ في حوضِ ماءٍ ساخن. فتحت أمّي الباب. عندما رأتنا واستوعبت بالكامل هذه اللّحظة الحميميّة، نظرت إليّ بغضب وسحبتني من ذراعي. أخذتني إلى غرفة الحمّام. فتّشت في الخزانة وأخرجت طلاء أظافر مّا. وضعته على المنضدة، وأخرجت شريطا استعملته في تثبيتي إلى المرحاض. سكبت طلاء الأظافر بين ساقيّ. كانت تسكب ببطء وهي ترفع الزّجاجة إلى أعلى وأسفل لذلك استمر الأمر لوقتٍ أطول. كان عليها مع ذلك أن تسكب أكثر من بضع مرات، لأنّ مُزيلَ طلاء الأظافر يظلّ يخِزُ لوقت طوِيلٍ. المرّة الثالثة التي كانت فيها بصدد السّكبِ أردتها أن تفعل ذلك، لأنّ انتظار الألم أسوأ من الألم نفسه.”

“أوه،” ستقول الفتاة.

” أعرف أنّك على الأرجح تتساءلين لماذا أروي لكِ هذه القصّة. عندما رأيتُكِ تجلسين هناك لم أستطع أن أمنع نفسِي عن التفكير بأني أردتُ أن تسكب أمي طلاء الأظافر، لأنّي إلى هذه الدّرجة رغبتُ في الحديثِ معكِ.”

مالت الفتاة علي وضمّت ذقني في يدها وقالت: “هل يُمكنُكِ أن تُريني الأعضاء التي يخرج منها بولًكِ؟”  

 

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا