the short story project

search

حسن بلاسم | من:العربيّة

الأرشيف والواقع

لكلّ نزيل في محطة استقبال اللاجئين حكايتان. واحدة واقعية وأخرى أإرشيفية. الحكايات الإرشيفية هي الحكايات التي يرويها اللاجئون الجدد من أجل حق الحصول على اللجوء الانساني. وتدون هذه الحكايات في دائرة الهجرة وتحفظ في ملفات خاصة. اما الحكايات الواقعية فتبقى حبيسة في صدور اللاجئين ليعتاشوا على ذكراها بسرية تامة. لكن هذا لايعني انه يمكن التمييز بسهولة بين حدود الحكايتين. فقد تختلطان ويصبح التمييز بين الحكايتين مجرد محاولة عبثية. قبل يومين وصل لاجئ عراقي جديد إلى مدينة مالمو جنوب السويد. رجل نحيل في نهاية الثلاثين من العمر. أُدخِلَ الى محطة الاستقبال وأجريت له بعض الفحوصات الطبية. ثم أعطوه غرفة وسريرًا ومنشفة وشرشفًا وصابونًا وملعقة وشوكة وسكينًا وقدرًا لطبخ الطعام. يجلس الرجل اليوم امام موظف دائرة الهجرة يروي حكايته بسرعة غريبة، بينما موظف الهجرة يطلب منه أن يبطىء السرد قدر المستطاع:

أخبروني أنهم باعوني إلى جماعة اخرى. كانوا فرحين جدا. ظلوا طوال الليل يشربون الويسكي ويضحكون. حتى أنهم دعوني لمشاركتهم الشرب. اعتذرت انا وأخبرتهم بأنني رجل ملتزم بدينه. اشتروا لي ملابس جديدة وطبخوا لي في تلك الليلة دجاجة وقدموا لي الفواكه والحلويات. يبدو أن ثمني  كان جيدا. حتى أن قائد المجموعة سكب دموعا حقيقية أثناء توديعي. عانقني مثل أخ: أنت رجل طيب للغاية… أتمنى لك كل الخير والموفقية في حياتك ، قال الرجل الاعور.

 اظن انني بقيت مع الجماعة الاولى ثلاثة أشهر فقط. وكانوا قد اختطفوني في تلك الليلة الباردة والمشوؤمة. حدث ذلك في بداية شتاء 2006. تلقينا التعليمات بالتوجه إلى نهر دجلة. كانت هي المرة الاولى التي نتلقى فيها الأوامر مباشرة من مدير قسم الطوارئ في المستشفى. عند ضفة النهر كان رجال الشرطة يحيطون بست جثث من دون رؤوس، وكانت الرؤوس قد وضعت في شوال طحين فارغ أمام الجثث. خمن رجال الشرطة بأنها الجثث لرجال دين. كنا قد تأخرنا في الوصول بسبب الامطار الشديدة. كدس رجال الشرطة الجثث في سيارة الاسعاف التي يقودها زميلي أبو سالم وحملت أنا إلى سيارتي شوال الرؤوس. كانت الشوارع خالية ولم يكن يخرق سكون ليل بغداد الموحش سوى أصوات رصاص في البعيد وصوت طائرة مروحية أمريكية تدور فوق المنطقة الخضراء. انطلقنا عبر شارع أبي نؤاس باتجاه شارع الرشيد، وكنا نسير بسرعة متوسطة بسبب الامطار، فحين تحمل جريحا أو مريضا يحتضر، تكون سرعة سيارة الاسعاف هي الدليل على المسوؤلية الانسانية. اما حمل الروؤس المقطوعة في سيارة اسعاف فهو لايحتاج إلا الى سرعة عربة موتى تجرها البغال في غابة مظلمة من القرون الوسطى. هذا ما كان يردده علينا مدير شعبة الطوارئ في المستشفى. وهو رجل كان يعتبر نفسه فيلسوفا وفنانا، لكنه  “ولد في البلد الخطأ” على حد قوله. مع ذلك كان يحترم عمله ويعتبره من الواجبات المقدسة. فإدارة قسم سيارات الاسعاف في شعبة الطوارئ كان يعني لديه إدارة الخط الفاصل بين الحياة والموت. كنا نسميه ـ الاستاذ ـ وكان زملائي الاخرون يمقتونه وينعتونه بالمجنون. وأنا عرفت سبب المقت. فكلامه الغامض والعدائي جعله رجلا معقدا في نظر الاخرين. لكني كنت أكن له الكثير من الاحترام والمحبة بسبب حديثه الجميل والشيق. قال لي مرة: إن الدم المسفوك والخرافة هما أصل العالم. والانسان ليس هو الكائن الوحيد الذي يقتل من أجل الخبز أو الحب او السلطة، فالحيونات في الغابة تفعل ذلك بشتى السبل، لكنه الوحيد الذي يقتل بسبب الإيمان. وغالبا ما كان يختم حديثه بجملة مسرحية وهو يشير بيده الى السماء: لا يمكن حل قضية الانسان الا بالرعب المتواصل. كان زميلي أبو سالم يأخذه الظن بأن الاستاذ على علاقة بالجماعات الارهابية بسبب عنف كلامه. لكني كنت أدافع بكل إخلاص عن الرجل الذي لا يفهمون بأنه فيلسوف يأبى أن يطلق المزح السخيفة كما يفعل طوال النهار سائقو سيارات الاسعاف الحمقى. كنت أحفظ كل جملة وكلمة يقولها. فأنا كنت أسير محبته والإعجاب به.

 أعود إلى تلك الليلة الملعونة عندما انعطفنا باتجاه جسر الشهداء. انتبهت الى اختفاء سيارة الاسعاف التي يقودها أبو سالم ثم لمحت في المرآة الجانبية سيارة شرطة مسرعة تلحق بي. ركنت السيارة بدوري على جانب الطريق وسط الجسر. ترجل من سيارة الشرطة أربعة شبان ملثمين يرتدون زي قوات الشرطة الخاصة. أمرني قائد المجموعة بالترجل من السيارة وهو يوجه مسدسه في وجهي. بينما اخذ رفاقه الاخرون بإنزال شوال الرؤوس من سيارة الاسعاف

،لقد اختطفتُ وهم سيقطعون رأسي … كان هذا أول ما فكرت به حين كبلوني وحشروني في صندوق سيارة الشرطة. احتجت إلى عشر دقائق فقط لأدراك حقيقة ما ينتظرني…  قرأت آية الكرسي ثلاث مرات في ظلام الصندوق. شعرت بأن جلدي أخذ يتشقق. لا أدري لم فكرت في تلك اللحظات المظلمة في وزن جسمي. ربما 70 كيلو. كان رعبي يزداد كلما أبطأت سيارتهم أو إنعطفت. وحين تعاود الانطلاق بسرعة، كان ينبض فيّ إحساس غامضه هو مزيج من الطمأنينة والقلق. ربما فكرت حينها بحديث الاستاذ عن علاقة السرعة بالاحتضار. لم أفهم  ما الذي كان يعنينه بالتحديد. كان يقول أن من يحتضر في غابة يشعر برعب أشد من الذي يحتضر داخل سيارة أسعاف مسرعة. لأن الاول يشعر بأن الزمن قد انفرد به، بينما يخيل للثاني بأن هناك من يتضامن معه. أكيد أنه وهم الهروب بعكس الاتجاه. أذكر أيضًا أنه أعلن مبتسما: أتمنى احتضارا داخل مركبة فضائية تسير بسرعة الضوء. 

خيل إلي أن جميع الجثث المجهولة والمشوهة التي حملتها في سيارة الاسعاف منذ سقوط بغداد، كانت أمامي. ثم شاهدت الاستاذ في الظلام الذي يلفني حاملا رأسي المقطوع من كومة نفايات، بينما يطلق زملائي مزحة داعرة عن حبي للاستاذ. أظن أن سيارة الشرطة لم تقطع مسافة طويلة قبل أن تتوقف عن السير. في كل الأحوال هم لم يخرجوا من المدينة. حاولت أن أتذكر سورة الرحمن، لكنهم أنزلوني وقادوني الى داخل بيت كانت تفوح منه رائحة السمك المشوي ووصلني بكاء طفل. فكوا الرباط عن عينيّ  ووجدت نفسي في غرفة باردة وخالية من الاثاث. ثم انهال علي بالضرب المبرح ثلاثة أشخاص مجانين. وبعدها ساد الظلام من جديد.

خيل لي أنني سمعت صياح ديك أول الأمر. أغمضت عيني لكنني لم أتمكن من النوم. كنت أشعر بألم حاد في أذني اليسرى. انقلبت بصعوبة على ظهري وزحفت باتجاه الشباك الذي كان قد سد بالطابوق حديثا. كنت أشعر بعطش شديد. كان من السهل التكهن من أنني داخل أحد بيوت الأحياء البغدادية القديمة. كان ذلك واضحا من طراز بناء الغرفة، خاصة من باب الخشب القديم. في الحقيقة لا أعرف ما الذي يهمكم بالتحديد من تفاصيل قصتي كي أحصل على حق اللجوء في بلدكم. أنا أشعر بصعوبة بالغة في وصف أيام الرعب تلك. لكنني أريد ان أذكر بعض الامور التي تهمني ايضا. كنت أتصور أن الله ومن بعده الاستاذ لم يتخليا ابدا عني طوال محنتي. كان الله حاضرا بقوة في قلبي، يروي طمأنينتي ويدعوني الى الصبر. وكان الاستاذ يشغل ذهني ويخفف عني وحشة الإسر. كان عزائي وسلوتي. كنت أفكر طوال تلك الأشهر العصيبة بما قاله الاستاذ عن صديقه المهندس داود. ما الذي كان يعنيه بأن العالم موصول ببعضه بعض. وأين قدرة الله ومشيئته في مثل هذه الامور؟ شربنا الشاي في باب المستشفى عندما قال الأستاذ: حين كان صديقي داود يقود سيارة العائلة في شوارع بغداد كان هناك شاعر عراقي يكتب في لندن مقالا ناريا في مديح المقاومة وعلى طاولته أمامه زجاجة ويسكي تعينه على قسوة القلب. ولأن العالم موصول بعضه ببعض: بالاحاسيس والكلمات والكوابيس وبواسطة شرايين سرية أخرى فقد خرح من مقال الشاعر ثلاثة رجال ملثمين وأوقفوا سيارة العائلة. قتلوا داود وزوجته وطفله وأباه. أما الأم فكانت بانتظارهم في البيت. أم داود لا تعرف الشاعر العراقي ولا الرجال الملثمين. أم داود تعرف طبخ السمك الذي كان ينتظرهم. نام الشاعر من شدة السكر فوق الكنبة في لندن. بينما برد سمك أم داود وغابت الشمس في بغداد.

فتح باب الغرفة الخشبي، ودخل شاب طويل شاحب الوجه، يحمل وجبة الفطور. أبتسم لي وهو يضع الطعام أمامي. ترددت اول الامر بما يمكنني قوله او فعله. ارتميت عند قدميه وتوسلت باكيا  ( أنا أب لثلاثة اطفال… أنا رجل متدين وأخشى الله …لاعلاقة لي بالسياسة ولا بالمذاهب … الله يستر عليكم … أنا مجرد سائق سيارة اسعاف … قبل السقوط … وبعد السقوط … أقسم بالله ونبيه الكريم) وضع الشاب إصبعه على شفتيه، وخرج منصرفا. لقد شعرت أن نهايتي قد حلت. شربت قدح الشاي وقمت للصلاة عسى ان يغفر الله لي ذنوبي. في السجدة الثانية شعرت بطبقة من الجليد تكتسح جسدي، وكدت أطلق صرخة جزع، غير أن الشاب فتح الباب. كان يحمل جهاز اضاءة صغير محمول على مسند، وبرفقته صبي يحمل الكلاشينكوف. وقف المراهق الى جانبي وهو يصوب السلاح الى رأسي، ولم يتحرك بعد ذلك من مكانه. دخل رجل بدين في الاربعين من العمر. لم يلتفت لي. علق على الحائط لافتة قماش سوادء كتبت فيها آية قرانية تحث المسلمين على الجهاد. ثم دخل شخص آخر ملثم يحمل كاميرا فيديو وجهاز كمبيوتر صغير. دخل بعد ذلك صبي وهو يحمل طاولة خشبية صغيرة. داعبه الرجل الملثم عاركا أنفه وشكره، ثم وضع جهاز الكمبيوتر على الطاولة وانشغل بتثبيت كاميراته بمواجهة اللافتة السوداء. جرب الشاب النحيل تشغيل جهاز الاضاءة ثلاث مرات ثم انصرف.

 صاح الرجل البدين: أبو جهاد .. أبو جهاد.  

اتى صوت الشاب من خارج الغرفة: فد دقيقة .. عيني أبو أركان…

عاد الشاب هذه المرة وهو يحمل شوال الرؤوس الذي أخذوه من سيارة الاسعاف
سدّ الجميع أنوفهم بسبب عفونة الكيس. طلب الرجل البدين مني أن أجلس أمام اللافتة السوداء، أحسست أن ساقيّ قد شلتا. لكن الرجل البدين سحبني من ياقة قميصي بعنف. عندها دخل رجل أعور آخر، ضخم الجثة، وأمر البدين بأن يتركني لحالي، وكان هذا يحمل في يده بدلة عسكرية. جلس الأعور قربي وهو يضع ذراعه حول كتفي مثل صديق، وطلب مني أن أهدأ. أخبرني بأنهم لن يذبحوني اذا كنت متعاونا وطيب القلب. لم أفهم جيدا معنى ( طيب القلب ) هذه. أكد لي بأن الامر لن يستغرق سوى بضع دقائق. أخرج الأعور من جيبه ورقة صغيرة وطلب مني أن أقرأها. بينما قام الرجل البدين بإخراج الرؤوس المتعفنة وقام بصفّها أمامي. كان مكتوبا في الورقة بأني ضابط في الجيش العراقي وأن هذه الرؤوس هي لضباط آخرين، وكنت قد قمت برفقة زملائي الضباط بمداهمة البيوت واغتصاب النساء وتعذيب المواطنين الابرياء، وكنا نتلقى الأوامر بالقتل من ضابط كبير في الجيش الامريكي، مقابل مكافآت مالية كبيرة. طلب مني الأعور أن أرتدي البدلة العسكرية. أمر المصور الجميع ان ينسحبوا الى خلف الكاميرا. ثم تقدم مني وأخذ يعدل رأسي مثلما يفعل الحلاق. بعدها عدّل صف الرؤوس. ثم عاد خلف كاميراته وصاح: تفضل !!

كان صوت المصور من أكثر الأصوات ألفة على أذني. ربما كان يشبه صوت ممثل شهير. أو كأنه كان صوت الاستاذ حين يجهد في أن يتحدث بهدوء مصطنع. بعد تصوير شريط الفيديو، لم التق بأفراد الجماعة عدا الشاب الذي كان يجلب لي الطعام. وكان هذا يمنعني من طرح أي سؤال. وكان في كل مرة يأتي لي بالطعام يلقي علي مزحة جديدة عن الساسة ورجال الدين. كانت أمنيتي الوحيدة أن يسمحوا لي بالاتصال بزوجتي. كنت أخبئ بعض النقود لليوم الاسود في مكان لا يخطر على بال الجن نفسه. لكنهم رفضوا ذلك بشدة. أخبرني قائد المجموعة الأعور أن كل شيء يتوقف على نجاح شريط الفيديو. وقد تحقق ذلك فعلا بسرعة كبيرة أدهشت الجميع. لقد عرضت قناة الجزيرة شريط الفيديو. سمحوا لي بمشاهدة التلفزيون، وكانوا ينطون يومها من الفرح. حتى أن الرجل البدين قبلني من رأسي وقال انني ممثل عظيم. ما أثار غضبي هو مقدم الاخبار في قناة الجزيرة الذي أكد للمشاهدين بأن القناة تأكدت عبر مصادرها الموثوقة من صحة الشريط وبأن وزارة الدفاع اعترفت باختفاء الضباط. بعد نجاح عرض الشريط أخذوا يعاملونني بطريقة كانت أكثر من جيدة. اعتنوا بطعامي وفراش نومي وسمحوا لي بالاستحمام، حتى توج تكريمي في الليلة التي باعوني فيها للجماعة الثانية. دخل الغرفة ثلاثة رجال ملثمين من تلك الجماعة، وبعد ان ودعني الأعور بحرارة، انهال علي الرجال الجدد بالضرب ثم كبلوني وكمموا فمي وحشروني داخل صندوق سيارة انطلقت بسرعة مرعبة.

قطعت سيارة الجماعة الثانية مسافة طويلة هذه المرة. ربما وصلنا أطراف بغداد. فقد أنزلوني في قرية موحشة تسرح فيها الكلاب وتعوي في كل مكان. حبسوني في زريبة أبقار. وكان هناك رجلان يتبادلان حراسة الزريبة ليل نهار. لا أعرف لم عمدوا إلى تجويعي واذلالي. كانوا يختلفون تماما عن الجماعة الاولى. وكانوا ملثمين طوال الوقت، ولم يتكلموا معي البتة. وكانوا يتفاهمون فيما بينهم بالإشارات. بل لم يكن هناك أي صوت بشري يسمع من القرية سوى نباح الكلاب طوال الشهر الذي قضيته في الزريبة. كانت الساعات تمر ثقيلة ومضجرة. كنت أتمنى ان يحدث أي شيء، بدل هذا السجن المؤبد مع ثلاث بقرات. كففت عن التفكير بهؤلاء الناس والى أي طائفة أو حزب ينتمون، ولم أعد أندب حظي. كنت أشعر بأنني قد عشت ما يحدث لي في زمن ما، وأن هذا الزمن مجرد برهة لن تدوم طويلا. لكن الإحساس بهذا الزمن هو الذي يصطنع البطء والدوار. لم يعد يخطر ببالي أن أحاول الهرب أو سؤالهم عما يريدون مني. لقد شعرت أنني أقوم بمهمة ما. واجب قسري علي ان اؤديه حتى النفس الأخير. ربما هناك قوة خفية تكاتفت مع قوة بشرية للقيام بلعبة سرية أهدافها أكبر من أن يتخيلها رجل بسيط مثلي. “لكل إنسان واجب شعري وأخر انساني”، كان الاستاذ يقول. لكن إن كان ذلك صحيحا كيف لي أن أميز، وهكذا بسهولة، بين حدود الواجب الانساني والآخر الشعري؟ فانا أفهم مثلا أن العناية بزوجتي وأطفالي هي من الواجبات الانسانية. وان رفض الكراهية هي من الواجبات الشعرية. لكن لم كان الاستاذ يقول اننا نخلط بين الواجبين ولا نعترف بالشق الشيطاني الذي يوجه كلا الواجبين. فالواجبات الشيطانية هي القدرة على الوقوف في وجه الانسان حين يوّجه انسانيته، أو حتى الشعر المتطرف، صوب الهاوية. وكان هذا كثيرا جدا على عقل رجل بسيط مثلي أكمل دراسته المتوسطة بمشقة كبيرة. على كل حال، أظن

أن ما أقوله لا علاقة له بطلب اللجوء. فما يهمكم هو الفزع. ولو كان الاستاذ حاضرا لقال بأن الفزع يكمن في أبسط الألغاز التي تلتمع في نجمة باردة من سماء هذه المدينة. في الأخير دخلوا الزريبة بعد منتصف الليل. قام احد الملثمين بفرش زاوية من الزريبة بالسجاد الفاخر. ثم قام زميله بتعليق لافتة سوداء مكتوب عليها: جماعة الجهاد الاسلامي فرع العراق. بعد ذلك دخل المصور مع كاميرته، وقد بدا لي أنه نفس مصور الجماعة الاولى. كانت حركاته يديه شبيهة بحركات المصور الاول. الفارق الوحيد أنه يتفاهم الآن مثل الآخرين بالإشارات. طلبوا مني ان أرتدي دشداشة بيضاء وأجلس امام اللافتة السوداء. أعطوني ورقة و أمروني أن أقول ما فيها أي أنني أنتمي الى جيش المهدي وأنني ذباح شهير وقمت بفصل مئات الرؤوس من رجال السنة وباننا نتلقى المساعدات من ايران. وقبل أن أنهي القراءة صدر عن إحدى البقرات خوار عال طلب المصور إثره أن أعيد القراءة. أخرج أحد الرجال البقرات الثلاث كي نكمل تصوير مشهد الزريبة.

أدركت فيما بعد أن جميع الذين اشتروني كانوا ينقلونني عبر الجسر نفسه. ولا أعرف السبب. جماعة تعبر بي من جسر الشهداء صوب الكرخ ثم الجماعة التالية تعود بي عبر الجسر نفسه الى الرصافة. أظن أن قصتي لن تنتهي بهذه الطريقة. وأخشى أن تقولوا كما قال الآخرون عن حكايتي. يبدو لي من الأفضل أن أختزل لكم الحكاية بدل أن تتهموني باختلاقها: باعوني إلى جماعة ثالثة. عبرت السيارة بسرعة جسر الشهداء مرة أخرى. نقلت إلى بيت فاحش الثراء. فقد كان سجني هذه المرة في غرفة نوم مزودة بسرير مريح وجميل من تلك التي نشاهد أبطال الافلام يمارسون الجنس فيها… وتبخر الخوف من نفسي وصرت أفقه فكرة الواجب الخفي الذي إختاروني له، و أنا قمت به لئلا اخسر رأسي. لكني فكرت ايضا بأن اختبر رد فعلهم في بعض الامور. فبعد تصوير فيديو جديد أتحدث فيه عن انتمائي إلى الجماعات الاسلامية السنية وعن عملي في تفجير مساجد الشيعة واسواقهم الشعبية، طالبتهم ببعض النقود لقاء تصوير الشريط هذا. كان جوابهم الحاسم، ضربا لن أنساه. طوال عام ونصف من رحلة اختطافي، تنقلت من وكر الى اخر. صوروا لي أشرطة فيديو أتحدث فيها عن انتمائي إلى الاكراد الخونة والمسيحين الكفار وإرهابيي السعودية والمخابرات السورية البعثية والى حرس ثورة ايران المجوسية. في هذه الاشرطة قتلت واغتصبت واحرقت وفجرت وقمت بجرائم لا يتصورها عاقل. جميع اشرطة الفيديو هذه عرضتها فضائيات العالم ، وجلس خبراء وصحفيون وساسة يناقشون ما قلته وفعلته. اما الحظ السيء الوحيد الذي صادفنا، كان عند تصوير الفيديو الذي أظهر فيه كجندي أسباني يسلط أحد رجال المقاومة سكينا على رأسه ويطلب من القوات الاسبانية الانسحاب من العراق. لقد رفضت جميع المحطات الفضائية بث الشريط. فالقوات الاسبانية كانت قد غادرت البلاد قبلها بعام . وكدت أدفع ثمنا باهظا على هذه الغلطة، فتلك الجماعة أرادت ذبحي انتقاما على ما حدث. لكن من أنقذني كان المصور الذي اقترح عليهم فكرة رائعة اخرى، كانت النهاية لأدواري الفيديوية: ألبسوني زيا للمقاتلين الافغان وشذبوا لحيتي ثم وضعوا على رأسي عمامة سوداء. وقف خلفي خمسة. وجاءوا بستة رجال يصرخون ويستغيثون بالله ونبيه وآل بيته، ذبحوهم أمامي مثل الخراف وأنا أعلن بأني الزعيم الجديد لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، كما هددت الجميع من دون استثناء.

في ساعة متأخرة من الليل، جلب لي المصور ثيابي القديمة ثم قادني الى سيارة الاسعاف الواقفة أمام الباب. وضعوا تلك الرؤوس الستة في شوال ألقوه في السيارة. في تلك اللحظات راقبت حركات مصور الفيديو و أيقنت من أنه مصور الجماعات كلها، وقد يكون الراس المدبر لهذه اللعبة الرهيبة . جلست خلف مقود سيارة الإسعاف بيدين مرتجفتين. ثم أصدر المصور الأمر من خلف لثامه: انت تعرف الطريق … عبر جسر الشهداء … الى المستشفى…

أنا أطلب اللجوء في بلدكم بسبب الجميع. كلهم قتلة ومتآمرون، زوجتي واولادي وجيراني وزملائي والله ونبيه والحكومة والصحف وحتى الاستاذ الذي كنت اعتبره ملاكا، وعندي شكوك بان مصور الجماعات الارهابية كان الاستاذ بعينه. لم يكن كلامه الغامض سوى دليل على تواطئه وقذارته. لقد قالوا جميعا إن غيابي عن العمل لم يستغرق عاما ونصف، فقد عدت في الصباح من عملي في تلك الليلة الماطرة. والاستاذ الشرير قال في ذاك الصباح: العالم مجرد حكاية دموية افتراضية ونحن جميعا قتلة وأبطال. وهذه الرؤوس الستة لا يمكنها ان تكون الدليل على ما تقول كما ليست بالدليل على أن الليل لن يخيم في المساء.

بعد ثلاثة أيام من تدوين هذه الحكاية في أرشيف دائرة الهجرة، أدخلوا صاحبها الى مستشفى الامراض النفسية. وقبل أن يهم الطبيب بسؤاله عن بعض ذكريات طفولته، لخص سائق سيارة الإسعاف حكايته الواقعية هذه المرة بكلمتين :

– أريد النوم .

1
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا