the short story project

search

سفيان رجب | من:العربيّة

الببّغاء

Introduction by كمال الرياحي

لا يمكن أن يعيش المهيمن  في أمان  باعتباره خطابا ساحقا سيخرج له الأقلي ويزعجه  بصوته المختلف الذي سيصنع المفارقة. إنه مبدأ توم وجيري القائم على الازعاج المذل والسخرية من القوة بالقدرة .

يقترح علينا سفيان رجب في هذه القصة الساخرة خطابين يتصارعان على امتلاك الأرض: خطاب مهيمن يمثله رجال الدين المزيفون وخطاب مقاوم، خطاب فاحش يمثله الببغاء  يتصدى إلى الخطاب الأول بكل فجاجة. بين هذين الخطابين يخلق الراوي ذلك القلق الذي يسمى حياة. حياة صغيرة لاذعة تتصدى لخطاب الموت الكبير، تخرج من مخبئها لتلعنه وتذكّره أنه زائف وزائل، وتعود. كما يطل جيري من مخبئه ويعنف توم هنا يخرج الببغاء ويدق رأس التكفيريين بشتائمه. إنها حرب شوارع يملك سرها الببغاء الدنيوي بلغته الشوارعية ومخابئه غير المعلومة في مواجهة السلفيين الذين يتحصنون داخل المساجد الكبيرة يطلقون خطابات الآخرة.

اقرأ المزيد

 

1

حين رأى “الحاج صالح” الطائر في واجهة إحدى محلات بيع الطيور في المدينة العتيقة، خفق قلبه بشدّة، واستعاد بسرعة شريط ذاكرته الممزّقة: لا شكّ أنه هو، ببّغاء يمينة. اقترب الشيخ من محلّ بيع الطيور، كان هناك شابّ قصير القامة، يلقّن عصفورا صغيراً الغناء، ألقى عليه الحاج صالح التحيّة، فرحّب به الشابّ، وهو لا يزال يصفّر للعصفور الصغير: تفضل حاج. دقّق الشيخ نظره في الببّغاء الرماديّ الضخم: نعم إنّه هو، بذيله الأحمر الطويل، وطوق النّحاس في ساقه، نعم إنه ببغاء يمينة.
عرف الحاج صالح يمينة في ماخور باب الغربي منذ منتصف التسعينات، كانت أيامها هي شابة في الثلاثينات تشتغل هناك، وكان هو في آخر كهولته لكنه لا يزال يشتعل فحولة، وكان يزور الماخور مرة في الأسبوع، فتتجاذبه القحاب وهنّ يضحكن، فكان يقضي وطره مع واحدة منهنّ، ويخرج مسرعاً، وفي إحدى زياراته جذبته يمينة بغمزتها التي تشبه ومضة البرق وبرائحة عطرها القوية، لم تتعامل معه كمجرّد زبون عادي، أشعلته بأنفاسها الحارة وأيقظت داخله العاشق الذي نام منذ نصف قرن، حين عشق ابنة عمه لمياء، وخطفها منه أخوه الأكبر “سيدي” كما كان يناديه، وحين أصبح جاهزا ليكوّن عائلة كما قال له والده أيامها، وجد نفسه مع امرأة لا يحبّها، أنجبت له قبيلة من المتخلفين ذهنياّ، وامتلأت بالدّهون مثل أنثى الكركدن، لذلك هجرها وأصبح حريفا كريما في ماخور باب الغربي. منذ عرف الحاج صالح يمينة أصبحت عشيقته التي يختزل فيها النساء جميعهن، حتى بعد عودته من الحجّ لم يصبر على زيارتها، بعد ذلك صار يلتقي بها في شقتها التي تكتريها في إحدى العمارات في ترو كديرو، وكان يقاوم صعود الدرجات إلى الطابق الثالث، مفضلا ذلك على ضحك القحاب منه داخل الماخور، ونظرات الناس إليه وهو يخرج متسللا من الماخور.

2

أعاد الشابّ ترحيبه بالشيخ: تفضل حاج
يزيد فضلك عيش ولدي.
الحاج صالح لا يفقه شيئا من تربية الطيور، لكنه تاجر خبير، ويجيد المقايضة، فحوّل نظره عن ببّغاء يمينة، وأشار نحو ببغاء أخضر صغير: كم ثمن هذا؟
الزوج بمائة دينار يا حاج. هو ببغاء كويكر، وهو باهظ الثمن، لكن الكساد بعد الثورة اضطرّنا للبيع بالخسارة.
أشار الحاج لأنواع كثيرة من الطيور، وحين تأكّد من ضجر الشاب بائع الطيور منه، أدرك أنّ الفرصة حانت لاقتناص غايته، فنظر نحو ببغاء يمينة وسأل الشابّ ببرود:

ـ وهذا العجوز الرماديّ كم ثمنه؟
ـ هذا لا يناسبك يا حاج؟
ـ لأنه عجوز مثلي هههه
ـ لا لا إنه بذيء 
ـ ما معنى ذلك؟ 
ـ لقد باعه لي شابّ سلفيّ، قال إنه فشل في تلقينه كلام اللّٰه والدعاء الصالح، وقد ضاق صدره من الكلام البذيء الذي كان يردّده الببغاء، ولولا تدخّل زوجته التي استعطفته أن يطلق الطائر في سبيل حاله، لدقّ عنقه. في الأخير فكّر في بيعه، وعرضه عليّ، وأنا اشتريته وندمت، فهو يسبّب لي الكثير من الحرج مع الزبائن، خاصة مع السيدات.
ـ طيب، سأشتريه أنا منك
ـ لكن يا حاج..  
ـ لا أريد كلمة “لكن”. سنتفق في ثمنه، وسألقّنه في بيتي كلام الله ووصايا السلف الصالح. قل كم تطلب ثمنا له؟.
ـ هو لك إذا، هو ببغاء رمادي إفريقي ذو ذيل أحمر، هذا النوع نادر وباهظ الثمن، صدّقني لو يلحظه أحد السائحين الإنجليز أو الألمان سيدفع مقابله ثمن سيارة، لكن أنت تعرف حال البلاد بعد الثورة الكلبة.
ـ ما رأيك في خمسين دينارا ثمنا له؟، هذا كلّ ما أملكه. 
اتفقنا. قالها الشابّ بلهفة، وهو يمدّ يده نحو الببغاء، ليخرجه من القفص.

3

أول مرة رأى فيها الحاج صالح الببغاء الرمادي كانت في شقة يمينة في زيارته الثانية لها، هو يتذكّر جيدا ذلك اليوم، حين نزع برنسه وألقاه على فوتاي في ركن صالة الجلوس الصغيرة التي كانت تستقبله فيها يمينة، وقبل أن يجلس سمع صوتا قويا يأتي من جهة المطبخ يقول: يا ولد القحبة. فقام مذعورا، بينما كانت يمينة تتقلّب على الفوتاي من الضحك. من هذا يا ابنة الق…..؟ قال الحاج وهو يلتفت جهة الصوت الذي عاد قويا هذه المرة: يا ولد الق….. ظنّ الحاج صالح أنّ يمينة أوقعته في فخ للضحك منه، وهمّ بالتقاط برنسه ومغادرة شقتها، غير أنها قفزت إلى المطبخ وعادت وهي تضع الببغاء على كتفها. نظر الحاج إلى الطائر الغريب وهو يمسك بطرف سوتيانها من جهة نهدها الأيسر، بينما ذيله الأحمر الطويل يهبط على زندها، نظرت يمينة إلى ببغائها، وقالت: رحّب بضيفنا، فصرخ: يا ولد الق……قال الحاج: ترحيب جميل يليق بالضيف. فضحكت يمينة، قال الحاج: ابعدي هذا الشيطان عن كتفك. قالت: أحسست بالغيرة. ضحك الحاج صالح وهو ينحني ليجلس على الفوتاي، كان هذا ما أحسّ به تلك اللحظة: الغيرة على حبيبته الشابة من ببّغاء رماديّ عجوز. ولتغيظه أكثر، كانت تزمّ شفتيها وتقرّبهما من الببّغاء فيفتح منقاره المعقّف مخرجا لسانه الرقيق ويقبّلها، فيصرخ الحاج: يا ولد الق……، وتضحك يمينة حتى تدمع عيناها.

4

سار “الحاج صالح” نازلا من المدينة العتيقة، متوجها نحو كورنيش بوجعفر، بينما الببغاء كان ملتصقا بمعصم يده اليمنى، مختبئا تحت البرنس. قال الشيخ مخاطبا الطائر: يا ولد الق….. أصبحنا غريبين معا، تركتنا يمينة وغابت، ليتك كنت حماما زاجلا فتأخذنا الآن إليها، لكنك لم تتعلم سوى الكلمات البذيئة، ماذا يفيدنا الآن لسانك السليط؟. أحسّ الحاج صالح أنّ الببغاء يعاتبه، ويقول له: وأنت ماذا فعلت حين رجتك يمينة أن تتزوجها وتريحها من العذاب الذي كانت تلاقيه في ماخور باب الغربي بعد الثورة، ألم تلتصق بك وهي ترتعش من الذعر، وتتوسل إليك باكية أن تنقذها، ألم تحدثك عن السلفيين الذين حاصروهم مرة بالخناجر والسيوف، وهدّدوهم بالحرق، وحدّثتك عن الشابّ الملتحي الذي اقترب منها يوما، ودعاها أن تعلن توبتها ويتزوّجها، ثمّ يذهبان للجهاد معاً في سوريا؟. ألم يحدث كلّ هذا، وأنت واقف أمامها ببرنسك مثل تمثال ابن خلدون؟ تكلم يا ولد الق….. ألا تستحقّ أن تُسيّج بالأسلاك وتقف قبالتك دبابة عسكرية ويلقي عليك الحمام المذعور من صوت لاكريموجان فضلاته مثلما يحدث الآن مع تمثال ابن خلدون.
أحسّ الحاج صالح بدموعه تفيض على خديه، وتبلل لحيته البيضاء القصيرة، كان لحظتها قد بلغ شاطئ البحر، الوقت منتصف النهار في يوم جمعة من ديسمبر الحزين، شعر برغبة في البكاء، وأراد أن يكون بكاءه إلى اللّٰه، مسح بيده اليسرى على رأس الببغاء، وقال: لنذهب الآن ونصلّي الجمعة معا.

5

وصل الحاج صالح الجامع، وقد تخفّف قليلا من حزنه، جلس آخر المصلين الذين تقرفصوا قبالة محراب إمامهم، سكنته أحاسيس متناقضة لم يسيطر عليها، رغبته في البكاء في بيت اللّٰه، حقده على البغال الملتحين حوله بعطورهم الثقيلة وقمصانهم التي تُظهر مؤخراتهم التي تذكّره بزوجته التي هجرها منذ سنوات. لا شكّ أنّ أحدهم هو الذي سرق منه حبيبته. صعد الإمام إلى محرابه، وبدأ يخطب في المتقرفصين أمامه، قال: نحن أمّة كرّمها اللّٰه بالإسلام….لحظتها أخرج الببّغاء رأسه من تحت برنس الحاج، وأطلق صوتاً حادّا: يا ولد القحبة. تململ المتقرفصون وهم يهمهمون وامتقع وجه الإمام، وشعر الحاج صالح بالحرج وهو يحاول السيطرة على الببغاء. قال الإمام وهو يضرب بعصاه على خشب المحراب: من لغى فلا جمعة لهْ. قالها بنبرة حادة، فردّد البوق المثبّت في صومعة الجامع صدى جملته: لهْ لهْ لهْ لهْ… قال الإمام: نحن الأمّة الوحيدة التي سيشفع لها نبيها يوم القيامة، وستدخل الجنة بفضله…. وما كاد يكمل جملته، حتى أخرج الببغاء رأسه من تحت البرنس الذي يلفّه، وصرخ: يا ولد القحبة. تململ المتقرفصون بمؤخراتهم الكبيرة وهم يحاولون التلفّت ولا يقدرون، وكان الإمام يضرب بعصاه على خشب المحراب: من لغى فلا جمعة لهْ. والبوق المثبّت في صومعة الجامع يردّد خلفه: لهْ لهْ لهْ لهْ… أثار المشهد ضحكة في أعماق الحاج صالح، خلّصته من حرجه، وبرّدت حقده على الذين عذبوا حبيبته وسرقوها منه، أحسّ أنّ الببغاء ينتقم لصاحبته، فمدّ إليه يده تحت البرنس ماسحاً على منقاره، كأنّه يشجّعه على التكلّم. أصبح الأمر سجالا بين الإمام والببغاء. تستطيع القول إنها صلاة كوميدية اختصرها الإمام بأدعية قصيرة بعد خطبة الجمعة، وبسورتين قصيرتين من القرآن الإخلاص والكوثر، قبل أن يسلّم على الملائكة، ويلتفت جهة الصوت قائلا: الرجاء عدم السماح بدخول الصبيان مستقبلا. أحسّ الحاج صالح بنشوة المنتصر، وهو يخرج من الجامع، متأبّطا ببغاءه البطل، الشيء الوحيد الذي لطّخ انتصاره هذا، أنّه لم يتجرّأ هو ويقول للمتقرفصين أمامه: يا أولاد الق ….

6

منذ سنوات، كان الحاج صالح يعيش وحيدا، في بيته الريفيّ قرب مدينة سوسة، بعد أن هجر زوجته، وألّبت عليه أولاده التيوس كما يسمّيهم، فترك لهم كلّ الحوانيت التي يملكها في المدينة، وسكن بيته في حقل الزيتون، مكتفيا بما يصله من كراء دكّان له في المدينة العتيقة، وما تجود به شجرات الزيتون، عموما كانت حياته جميلة وهادئة لا تعكّرها كوابيس الشيخوخة، كان يأكل جيدا، ويتعامل بكرم مع سواق التاكسيات الذين يوصلوه إلى بيته، ومع المرأة التي تطبخ له وتنظف بيته وهي زوجة جاره الفقير، فهو لم يكن يبخل عليها أبدا بشراء الكتب المدرسية لأطفالها والتكفّل بملبسهم ومأكلهم حين تتعسّر سبل والدهم في إيجاد عمل، كان الحاج نهرا يغذّي جداول كثيرة وكانت يمينة هي النبع الذي يكوّنه، ويملؤه بالحنان وحبّ الناس، وحين غابت، جفّت أحاسيس الشيخ الرقيقة، وغلظت طباعه، وأصبح منعزلا ولامباليا بمن حوله، أصبح قبرا يتحرّك ببطء، وينمو فوقه شوك كثيف، لا أحد يفكّر أن يربّت عليه، حتى زوجة جاره يئست من الإلحاح عليه بترك مفاتيح البيت لها، لتنظف غرفه وتطبخ له شيئا يدفئ أمعاءه. حين وصل الحاج صالح ببغاء إلى بيته ومعه ببّغاء يمينة، أحسّ أنه مقصّر في حقّ طائر حبيبته، فالبيت الذي نسجت العنكبوت شباكها في زواياه واختنق برائحة الرطوبة الثقيلة، لم يكن لائقا بساكن البيت الجديد، رأى الحاج صالح في الببغاء رسالة تركتها له يمينة قبل اختفائها، بل إنه كان جزءا منها، لذلك اجتهد في الاهتمام به، وفتح بيته لزوجة جاره حتى تهتمّ به كما تفعل، عاد النهر العجوز إلى جريانه، وفي ليالي الشتاء الطويلة كان الحاج صالح يسامر الببغاء، ويحدثه عن يمينة، ويستمع معه لأغاني فريد الأطرش الحزينة، فيتخفف من إحساس شوقه الحارق إلى حبيبته، وكان يطعم الببغاء الفواكه التي تحبها يمينة، وحين يتذكر جلاّديها، كان يأخذ معه الببغاء إلى الجامع، المكان الوحيد الذي يشتمهم فيه، ولا يقدرون على الرّدّ عليه.

3
    guest
    1 تعليق
    oldest
    newest most voted
    Inline Feedbacks
    View all comments
    عادل الحامدي

    فصة حافلة بالدلالات

    0

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا