the short story project

search

محمد سعيد احجيوج | من:العربيّة

البطل ذو الألف وجه فصل من رواية “كافكا في طنجة”

Introduction by ريم غنايم

جواد، بطلٌ كافكاويّ يسحبُ كابوسه معه من واقع الوهم إلى وهم الواقع الذي يقطن فيه. يأخذنا الكاتب المغربيّ محمد سعيد احجيوج  في رواية كافكا في طنجة إلى عوالم مسخ كافكا وتحوّل بطله الشهير ليشيد عالمًا مغربيًا موازيًا لكابوس هو في قرارته حقيقةٌ تلاحقنا جميعا.

البطلُ هنا قرينُ البطل هناك وان اختلفَ شكلُ المسخ واختلفت الجغرافيات والأزمنة واللغة، لا يختلف واقع الفرد ومسوخاته مهما ارتحلَ عبر الزمان والمكان. هذه الكتابة تمشي على أرضٍ سرديّة صلبة، لا تخلو من سخرية، لا تخلو من مرارات ولا تخلو من هندسة في الوصف الدقيق الذي يطول ويقصر، يتمدد ويتقلّص في حذر شديد، هو حذر الرواية القصيرة وخوفها من ترهّل التفاصيل والأبطال والكلام.  رائحة عفنة، خدرٌ مسكونٌ بالوخزات وبللٌ بين الفخذين، هكذا يمهّد الراوي للكارثة التي ستحلّ بالبطل، على مهله دون استعجال، دون تريث. ماذا ينتظرنا بعد؟

اقرأ المزيد

قبل أن ينام قرأ قصة ”التحول“ الشهيرة لفرانز كافكا، وحين استيقظ في الصباح التالي وجد نفسه انمسخ. لا، لم يتحول إلى حشرة ضخمة مثل جريجور سامسا، بل أصبح نسخة مشوهة نتنة من نفسه. لكنه أدرك، بشكل ما، أن نهايته لن تختلف عن نهاية الشاب سامسا، وأدرك أنه سيموت بعد ثلاثة أشهر بالتمام والكمال، قبل يوم مولده السابع والعشرين.

الآن وقد استوليت على انتباهكم، لنعد للبداية قليلا ونبدأ خطوة بخطوة.

تسألون من أنا؟ يا لفضول عقلكم البشري المحدود الذي لن يستطيع استيعاب كينونتي الشاسعة. يكفي أن تعلموا بأني حملت أسماء كثيرة على امتداد تاريخكم الإنساني. منها الشاعر الضرير، شكسبير، الحكواتي… وربما أشهرها لديكم هو شهرزاد. وتسألون الآن أين تدور هذه الأحداث. يا لفضولكم اللامحدود. هل هذا مهم حقا؟ فليكن المكان هو مدينة طنجة. لكن بالتأكيد ليست مدينة طنجة التي تعرفون. هذه طنجة أخرى تشبهها. طنجة موازية لما تعدونه العالم الواقعي. إلا إن هذا التوازي لا يعني أنها خيالية. لنتفق من البداية على أن ثنائية الواقع والخيال نسبية تماما.

هل يمكنني الآن العودة للحكاية؟ جيد.

البداية كانت في مجاري الصرف الصحي. كان يجري وهو يتلفت إلى الوراء بين خطوة وأخرى هاربا من حشرة ضخمة بدت له تحت الأضواء الخافتة كأنها صرصار بحجم ديناصور. طبعا هو يحلم. أعرف أنكم نبهاء بما يكفي لتدركوا ذلك ولتعرفوا أيضا بأن هذا الحلم نتيجة طبيعية للقصة، أو الرواية، التي قرأها قبل نومه.

قبل أن يعود إلى بيته ذلك اليوم الذي سبق تحوله، وقد كان يوم أحد، كان قد ترك قدميه تقودانه عصرا نحو شاطئ مالاباطا حيث لم يذهب منذ خمس سنوات. أعجبه الكورنيش الجديد والساحة الشاسعة التي أرادت البلدية أن تقلد بها ساحة مسجد حسان في الرباط، لكنه على بعد خطوات إلى الأمام وجد نفسه أمام مجرى مفتوح لتصريف فضلات سكان المدينة مباشرة إلى الشاطئ. على يساره رأى أطفالا يسبحون مستمتعين وسط مياه الفضلات الممتزجة بمياه البحر، وعلى يمينه رأى القنطرة التي تغطي جزءا من وادي الصرف الصحي حيث تمر عليها السيارات بسرعات لا تسمح للمشاة بالعبور. أطل على المجرى وحدق بعض الوقت في المياه المتهادية بثقل الفضلات البشرية. رفع بصره ورأى على الجانب الآخر من القنطرة رجلا يتفحصه بإمعان. رجلا غريبا يغطي السواد كامل جسده. حذاء أسود لامع وبذلة فاخرة من السواد المتموج. شعر قصير أشعث، عينان جاحظتان وأذنان كبيرتان مشرعتان لاستقبال أسرار العالم الدفينة. كل ما فيه أسود إلا بشرته الشاحبة البيضاء ومفكرة صغيرة حمراء في يده اليسرى. العينان حادتان لا تخفيان شيئا من ذكاء صاحبهما المتقد، لكنهما أيضا تكشفان حزنا دفينا فرض نفسه على كامل الوجه. بدا له الوجه مألوفا. مألوفا جدا. لعله شخص شهير. واثق هو أنه شاهد صورة لهذا الوجه منذ وقت قريب.

أبعد بصره عن الرجل وأخرج من جيبه مغلفا مرسوما على ركنه أيقونة خضراء لأفعى تلتهم ذيلها ومكتوبا عليه ”مختبر التحليلات الطبية والانجاب البيولوجي“. تأمل فيه طويلا حتى دمعت عيناه. زم شفتيه. قطب جبهته. ثم أرخى قسمات وجهه. تنهد، وترك الحسرة تطبع نفسها على بياض لوحة الوجه. انزلق المغلف وانفلت من يده ورأى الرياح الخفيفة تلاعبه قليلا، كأنها تهدهد ريشة لتنام، قبل أن تودعه سطح الماء. رآه يطفو قليلا ويسري مع التيار، إلى أن تشبع بمياه الصرف الصحي وأنزله ثقل الفضلات إلى الأعماق.

تلك القنطرة وأعمدتها الخرسانية التي ترتكز على المجرى هي المكان الذي يدور فيه هذا الحلم. بالضبط الجزء السفلي من القنطرة.

كلما أوغل في المجاري خفتت الإضاءة وتضاعفت كمية الروائح النتنة التي يبتلعها بملء فمه اللاهث لإمداد رئته بالهواء.

تعثر وسقط فوجد نفسه تحت المياه الكثيفة واللزجة. نهض بسرعة وبصق ما تسرب إلى فمه ومسح عن وجهه ما التصق به من طين سكان المدينة. عاد يواصل الجري بسرعة غيرِ معتادة في عالم الكوابيس. لكنه، كمن حسد نفسه وأصابها بسحر عينيه، أحس بوخزة رهيبة من الألم على كفله الأيمن وسقط مجددا، وفوقه حطت الحشرة، الأشبه بالديناصور اللاحم الفتاك الشهير باسم تي-ريكس، وبدأت تقترب بفكها إلى عنقه.

تسارعت دقات قلبه وتردد صداها كطبول الحرب تحت أقواس القنطرة. انتبه الآن إلى أن الصمت كان مطبقا، ولم يكن يسمع حتى صوت الماء المنزاح، والمتناثر، من تحت ثقل خطواته. لكنه الآن يسمع صوت دقات قلبه كأنها طبول إعلان حرب بين قبيلتين في مجاهل افريقيا. أراد أن يرفع يديه من تحت المياه ليدفع عنه الحشرة، التي بدت له الآن كلبا أسود ضخما يشبه، لا بل هو ذاته، كلب آل باسكرفيل، لكنها لم تستجب للإشارات العصبية القادمة من دماغه. أراد أن يصرخ، كفعل يائس لا بديل له عنه، غير أن لسانه التصق بسقف حلقه وبدأ يشعر بالاختناق. سارت الرعشة في جسده وانتفض، وشعر بسائل دافئ يسيل بين فخذيه، ثم فتح عينيه.

أول ما أحس به بعد الاستيقاظ هو أن الرائحة العفنة بقيت عالقة في أنفه، وانتقلت من الحلم إلى الواقع. سيعرف بعد قليل أن العكس هو الصحيح. رائحته التي صارت نتنة انتقلت إلى حلمه، بل هي التي شكلت الحلم كله قبيل لحظات من استكمال الدماغ خطوات الإيقاظ.

ثاني ما أحس به هو الخدر المنتشر على كامل نصفه الأيمن. خدر مسكون بالوخزات. كان شعورا قريبا من التنميل. بل هو التنميل ذاته لكن بدرجة مضاعفة عشرات المرات. الغريب أنه كان نائما على جانبه الأيسر. فكر. يفترض أن يكون التنميل على الجانب الذي نام عليه وليس الجانب المتحرر من الضغط.

ثالث ما أحس به هو البلل الدافئ بين فخذيه نزولا إلى ساقيه. نعم تعرفون بالتأكيد ماذا يعني ذلك.

لم يصدق نفسه. ظنَّ أنه ما زال يحلم. رمش بعينيه عدة مرات لكن لا شيء تغير. الرائحة النتنة نفسها، التنميل عينه على كامل نصفه الأيمن، والبلل ذاته تحته. لم يكن حلما إذن. تجول ببصره في أرجاء الغرفة. إنها غرفته بالتأكيد. زوجته نائمة على الطرف الآخر من السرير. على مقربة منها مهد طفلتها. ساعة الحائط العتيقة، التي اشترتها أمه ضمن تجهيزات عرسها، تشير إلى السادسة صباحا. على الحائط أمامه ثلاث من لوحات الخط العربي التي كان يهوى رسمها قبل أن تقبض عليه الحياة بفكها وتقصم ظهره. إنها غرفته بالتأكيد. ليس حلما ما يعيشه الآن.

الآن، بعد أن أراد أن ينقلب على ظهره، جاءت لحظة الحقيقة. الحقيقة التي سترتج لصرخته منها جدران كامل العمارة، ذات التصميم الكولونيالي، وسيبقى صداها طويلا في الشقة الشاسعة ينتقل من غرفة إلى غرفة، يطرق الأبواب كلها بابا بابا، والآذان كلها أذنا أذنا، مارا تحت الكراسي قافزا فوق الأرائك، مرتدا على الجدران والأرضية والسقف، وسيحتاج الأثاث إلى وقت طويل قبل أن يمتص كامل مشاعر اليأس والغضب والحزن والألم المنصهرة في الصرخة.

 

1
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا