اكتب القصص

محمد صلاح راجح | من:العربيّة

الدور السابع

Introduction by ريم غنايم

محمّد صلاح راجح، كاتبٌ يلاعبٌ خيوطًا رفيعة في عالم السّرد، وفي تضافر هذه الخيوط ينجح أيضًا في بناء معماريّة قصصيّة رفيعة موازية، عمادها الأصوات المتجاورة والمتنافرة بين البشريّ-الأرضيّ-اللحميّ، والإلهي-السّماويّ-المتعالي لكنّه غالبًا ما يوصلنا إلى مصبّ واحد أهمّ من كل حدثٍ ومن كلّ حبكة ومن كل أسلوب: غواية الكتابة وسحر الكلام.

في هذا النصّ، استدعاءٌ واضحٌ لفكرة خطورة الكلمة بين عالمين: أرضيّ وسماويّ، ليربحَ الراوي الأرض ويخسر السّماء في نهاية المطاف. وفي حوار بين الراوي وذلك الجالس من خلف المكتب صاحب السّلطة يتشظّى هذا السّلطويّ ونصبح أمام  فكرة الميزان الذي ترجحُ فيه كفّة الايمان بالفكر البشريّ الذي ألغى العبوديّة بما كتب (لينكولن)، على كفّة الإيمان بالإلهيّ الغائب المغيّب الذي كرس العبوديّة والظلم ( بكتبه الأربعة). يصل الراوي عبر "المصعد" إلى الدّور السابع"، أو الرّقيع السابع، وهناك نسمع صوت الإنسان الحرّ، المحلّق الذي لا يستجيب له الإله كعادته كلما استنجد به، وهو نفسه صوتٌ يذكّرنا بوقاحة إبليس وهو يساجل ويؤنّب الإله حول منطقه الذي أشاع الفوضى في النّظام القديم وأحدثَ ارتباكًا في توزيع الأدوار.

المصعد، الصّعود إلى الطابق السابع، التباهي بالكتابة، تعنيف الإله بأناقة المتنازل عن حقّه في الايمان، أفكارٌ يكتبها راجح بعناية فائقة تترنّح بين الصّعود التعيس إلى أعلى والسّقوط السعيد الأبديّ إلى الأسفل.

اقرأ المزيد

’’ وأردتني عبدًا يباع ويشترى

وأردتني يأسًا يعيش بلا ددِ‘‘ 1

***

كانت المسافة بين الطابق والطابق شهورًا وأعوامًا، أحيانًا يزدحم المصعد، وأحيانا يسكنه الخواء، ربما مرّ أمامي أناس هابطون، في مصعد آخر، الجميع يحاول الصعود، أو إقناع نفسه بأنه قد صعد فعلا. أصابتني نوبات ضحك حين رأيت بالأسفل من مكاني المرتفع، الصكوك الزائفة في أيدي المهاويس. الكارثة أنهم لا يدركون وجود المصاعد من الأساس، وجوه كثيرة جدا، كلٌ يبحث عما يرتضيه فقط، دائما تتغير الموجودات، والبشر، وتبقى الصكوك واحدة. رأيتهم يتقاتلون، كل منهم يقاتل الآخر من أجل أن يرضى بما ارتضاه هو! الكل بدا عليه أنه ارتضى بمصادفة وهمه الخاص، بل ويقاتل من أجله. كيف لهؤلاء أن يصنعوه؛ فيكدحون إليه! تملأني القهقهات عندما ألمح مريدين لمُمسكي الصكوك الزائفة، يحسبون أنهم سيصعدون عبرهم وعلى طريقتهم. عبثًا.. ما هذا الجنون؟!

– بعضٌ منك لا يزال هناك. قالها رفيقي الذي ظهر للتو وهو يشير إلى أسفل، يبدو أنني تجاوزت المنطقة المحظورة!

– ربما كنت أنت الذي لست هنا.

ارتكن إلى الجدار المعدني خلفه، نظرة بعمق السنين انحفرت في عينيه.

– أنا هنا قبل أن يكون الزمن.. والمكان.

– جعلوه فانجعل يا صديقي. لماذا الأسود؟

وكأنه انتبه الآن فقط لملابسه السوداء، نظر إليّ، عيناه تفكران! لم يرد، ولكن نظرته فعلت، إنه التحدي… الغِل.

– ألم أقل لك مجعولا. قلتها هازئا.

زادت سرعة المصعد.. بل إنه تلاشى متعديا سرعة الضوء، انسحقتْ خلاياي، لفّني الجنون، والعدم. وسكن كل شيء.. لم يعد هناك صمتٌ للصمت فأصفه وأحكيه.

أضاء الرقم (6) جليًّا أمامنا، تأملته قليلًا، فانفجرتُ بالضحكات، كاد أن يتميز من الغيظِ، زدتُ من ضحكاتي متعمّدًا:

– بقي واحدٌ.

تقدَّم نحوي ببطءٍ، ثبّت كينونته في نظرة تجاهي:

– هذا لن يكون وأنا معك.

سألتُ غير مكترثٍ.. وساخرًا:

– تراك إن تقدمتَ، احترقت؟

– كيف فاته أن يتركك ومن مثلك؟

– فاتته أشياء كثيرة يا عزيزي.. هلمّ اذهب عن حواسي. فذهبَ.

لم يتحرك المصعد، إنما ارتسم أمامي الرقم (7) فجأة، وانفتح الباب، فتقدمتُ.

هنا سِدرة منتهاي.

***

في اللا مكان يكون البراح باتساع اللا أفق، الأبيض في كل شيء، لا نهاية للرخام الأبيض.. والأعمدة، مع أنها بلا عمد! الأبيض هنا له صيرورة؛ كان فسار فصار. يحملني.. يسري بي إلى ما كنت أعرف أني حتما ملاقيه.

مكتب بيضاوي بحجم خرافي، مكتبة عملاقة باتساع ما ورائه، هائلة الحجم والمظهر، تضم فقط أربعة كتب! هنا رأيت الجالس خلف المكتب.. مستوٍ على كرسيه، وكان يبتسم.

هو أيضا كل ما فيه أبيض، ملامحه تخلق انفعالات متجسدة، سكناته تعطي الصفات.. ولا تحيط به صفات. اقتربتُ، فكنت قاب قوسين أو أدنى.

– إذن.. أنت هنا.

قلت: أولم تكن تعرف!

– معرفتي للفعل لا تجبر أحدًا على أن يفعله.

لم أصغ، أعدت تأمل المكان، فلم أستطع الفرار منه بنظراتي، عدت إلى ملامحه صاغرا. تمالكت نفسي:

– ألا توجد هنا كتب غير هذه، ألديك كتاب عن لينكولن؟

ارتسم الغضب على وجهه، فكسا التحدي كلماتي:

– قد أتى بما لم تأت به أنت، ألغى عبودية البشر.

– لا تختبر غضبي.

– أه طبعا.. سأصمت عن التساؤل كي لا أُساء. قلتها ساخرًا. تأملت عقارب ساعتي، وجدتها تعمل بكفاءة. تشاغلت بها:

– هذه الساعة تعمل بكفاءة تامة مذ عشر سنوات، صنعها صانعها بمهارة، ولم يعد مشغول بمسيرها، هي تعمل وحدها وكفى، كنت أحسبها لن تعمل هنا. لكن الحقيقة أن الوقت يمر ولا يبالي.

– جئتني طالبا، فاطلب أستجيب لك.

– قد فعلت من قبل.. كثيرا، نسبة ما يتحقق مما أريد ضئيلة وثابتة لا تتغير، سواء كنت أطلب منك أو لا أطلب. والعجيب حقا أن النتيجة واحدة حتى لو تضرعت إلى وسادتي. قد وجدت أني لا بُد أن أفعل، لا أطلب.

تجمدت ملامحه على نظرة غاضبة مفزعة وثبت أمامي بلا حراك.

تراءى إلى عيني حاجز زجاجي، يلف المكان، تبدو من خلفه السحب.. البراح، ظهر لعيني خلفه، أناس يحلقون، يتوحدون مع السحب، مبتهجون. نظرت إلى عينيه بعمق، ورجوت داخل نفسي أن يعرف أمنيتي بأن أحلق بالخارج بعيدا عنه.. مع المحلقين.

  1. من قصيدة “الغائب” للشاعر الفلسطيني راشد حسين.

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا