اكتب القصص

الحبيب السالمي | من:العربيّة

الزّيارة

Photo by Robin Schreiner on Unsplash

1.

“التهَمتكَ المُدن”.. قال. سَحَب كرسيًا، وجلس عليه وسط الغرفة الضيّقة. أضافَ وهو يُشعل غليونَه بقدّاحة في شكل قلَم: “نحُلتَ كثيرًا. وجهُكَ شحبَ واستطال، والتماعةُ عينيكَ انطفأت. لكنّك صرتَ أجمل من قبل”. كنتُ أنظر إلى القدّاحة التي وضعها على الطاولة الصّغيرة التي كانت بيننا.

تناهى إليّ الصّوت الّذي أحدَثَته شفتاه وهو يرتشف القهوة، ثمّ ارتطام الفنجان بالصّحن. “أمّكَ تقولُ إنّكَ لم تزرها منذ فترة طويلة، وإنّها اشتاقت إليك، لكنّها لا تعرف أنّك تقيمُ في بيتٍ جميل يقع ف قلب المدينة”. في تلكَ اللحظة خطر ببالي أن أتخلّص منه، لكنّي لم أفعل ذلك، ليسَ إشفاقًا عليه، ولكن خوفًا من تلكَ الأحاسيس الموجعة التي تنتابني كلّما ارتكبتُ خطأ.

2.

كان هناك، أمامي. المسافة التي تفصل بيننا لا تتعدّى المترَ الواحد. جسدُه مكوّم على الكرسيّ، وقميصه مفتوح على صدرٍ منتفخ. كانَ يحدّثني بالطريقة نفسها التي كان يحدّثني بها قبل عشرة أعوام كما لو أنّه لم يتغيّر، كما لو أنّه لا يزال ذلك الطّفل الّذي أحببتُه خلال تلكَ السنوات البعيدة. حين خابَرني دعَوتُه فورًا. أملَيتُ عليه العنوان بوضوح. محطّة المترو، الشارع، الدائرة، رقم العمارة، الطابق. وصفتُ له المدخل وصفًا دقيقًا. قلتُ له إنّ البوّاب يشمّع الدرج دائمًا. وأوصيتُه بأن يمسك بالدرابزين حين يتسلّقه كي لا ينزلق. وها هو الآن أمامي. جسد ثقيل مكوّم على كرسي صغير. وها أنا أتساءل عن الأسباب التي دفعتني إلى دعوتِه، وأحاول أن أقنع نفسي المرتبكة بأنّ هناك شيئًا ما لا يزال يربطني به كي أخمد هذا الصّوت الداخليّ الذي يأمرني بطَردِه.

3.

انحنى على الطاولة، ومدّ رأسه الذي بدا لي آنذاك شبيهًا برأس سلحفاة باغتَها أحد. التقط القدّاحة، ودسّها في جيب بنطاله، ثمّ ارتشف القهوة من جديد فتناهى إلى سمعي مرّة ثانية صوت شفتيه. بعد لحظة تراجع بجذعه، وبدأ يتطلّع إليّ. “أمّك تقول إنّ أسنانك تأخّرت في البروز، وإنّ عمّك كان يردّد أنّك ستظلّ بلا أسنان”. أخرج الغليون من فمه، وضحك. انتبهتُ إلى أنّ قدمَه اليُمنى تكاد تلامس قدمي اليُسرى. فكّرت في دعسِها، ثمّ فيما يمكن أن يفعله لو دعستُها فعلاً.

4.

امتلأت الغرفة فجأة بضَوء الشّمس. نهضَت وأطفأت المصباح، ثمّ عدّت إلى مكاني. جالَ بنظره في الغرفة، ثمّ قال دون أن ينظر إليّ: “وهذه اللوحات هل هي حقيقيّة؟” قلت: “لا”. “لماذا علّقتها إذن؟”. قلت: “لأنّها أعجبتني”. شبك أصابعَ يديه، وصوّب إليّ نظرة قصيرة أدركتُ منها أنّه لم يقتنع بإجابتي. بعد صمتٍ طويل أشار إلى لوحة كبيرة وسألني بلهجة فيها شيء من التحدّي: “وهذه اللوحة، ماذا تعني؟”. مِلتُ قليلاً، وبدأتُ أنظر إليها متظاهرًا بالاهتمام، وبعد لحظة طويلة أجبتُه: “إنّها تعني أشياء كثيرة”. قلتُ له ذلك منزعجًا لأنّي لم أكن أعرف في الحقيقة ماذا تعني، ولم أحاول أبدًا أن أعرف ذلك. وبينما كنتُ أتمعّن فيها تساءلت للمرّة الأولى عن سبب إعجابي بها.

5.

غادرتُ الغرفة، ودخلتُ المطبخ. كنتُ متوترًا وكئيبًا. فتحتُ النافذة، وأخذتُ أنظر إلى السّطوح الرماديّة والحمام الرابض فوقها كي أخفّف من كآبتي. شاهدتُ خيطًا رقيقًا من دخان أسود يتصاعد من إحدى المداخن. ظللتُ أحدّق فيه إلى أن تلاشى. بين العمارات كانت هناك شجرة دلب وحيدة. رأيت طائرًا يحوم فوقها، ثمّ يحطّ على أحد أغصانها. قلتُ في نفسي: “هذا طائر آخر لا أعرف اسمه”. كان صغير الحجم، وكان منقاره قصيرًا. نظرتُ إليه طويلاً، ثمّ قرّرتُ أن أبحث عن اسمه في موسوعة الطّيور التي اشتريتُها منذ أن اكتشفت أنّ معرفتي بأجناسها ضعيفة.

6.

حين عُدتُ إلى الغرفة وجدتُه جالسًا على الكنبة. ابتسم ابتسامة عريضة فابتسمتُ بدَوري. كانت كآبتي قد تلاشت. جلستُ على كرسيّه، ومِلتُ برأسي كي أتجنّب ضوء الشّمس. أسند ظهره إلى مخدّة صغيرة، ومدّ ساقَيه، ثمّ وضع يديه على ركبتَيه. اختلستُ نظرة سريعة إلى ظفر خنصر يده اليمنى. كان طويلا وقذرًا. أعتقد أنه لاحظ ذلك، فقد رفع يده في تلك اللحظة، وبدأ يحكّ ذقنه.

تطلّعتُ إلى اللوحة التي أشار إليها منذ حين، وبدأت أبحث عما يمكن أن تعنيه. “أمك تقول إنها استلمت المبلغ الذي أرسلتُه لها، وإنها رمّمت القبر وطلَته بالكلس”. فاجأني كلامه فسألته: “وأي قبر؟”. أجاب وهو لا يزال يحكّ ذقنه: “قبر أبيك”. تذكرت عندئذ الرسالة التي أرسلَتها لي أمي قبل عدّة أشهر. رسالة طويلة مكتوبة بقَلم رصاص تنتقدني فيها بشدّة، وتلومني على إهمال قبر أبي. في تلك اللحظة شعرتُ برغبة قويّة في معرفة أخبارها. ولكنّني بدلاً من أن أسأله عن حالها بدأت أتخيّل وجهها.

7.

توارت الشمسُ بغتةً وراء غيوم داكنة. قال: “الطّقسُ متقلّبٌ هنا”. قلت: “نعم”. أضافَ وهو يحدّقُ في السّماء: “أعتقد أنّها ستُمطر”. قلت: “ربّما”. مضى وقتٌ طويل دون أن تقول شيئًا. تذكّرت أنّه كان يحبّ المطر والحلزون والسلاحف، وأنّه كان يسبحُ في المياه الآسنة وفي الوادي عندما يفيض. ثمّ بدأتُ أستعيدُ الماضي باحثًا عمّا يُساعدني على فهم ما حدث لنا فيما بعد. كنتُ مُعجبًا به، وكان يحبّني بصدقٍ. درسنا معًا. وعندما حصلتُ على البكالوريا التحقتُ بكليّة الطبّ لأنّني كنتُ أريدُ أم أكونَ جرّاحًا، لكنّني سُرعان ما تخلّيتُ عن الدّراسة، وتهتُ في العالم قبل أن أستقرّ صدفةً في هذه المدينة. أمّا هو فقد عُيّن مُعلّمًا، وبعد سنواتٍ بلغني أنّه أصبح مسؤولاً سياسيًا مهمًا في الغربة، وأنّه صارَ مولعًا بتربية الدواجن. وها هو الآن قبالتي ينظر إليّ بين وقت وآخر بعينين لا أستطيع تحديد لونهما. وها أنا أنبش في ذلك الماضي البعيد للعثور على شيء أستعين به على تحمّل هذا الجسد المكوّم أمامي.

8.

تململ قليلاً، ثمّ سحب ساقيه، واستوى في جلسته. وبينما كنتُ أبحث عن شيء أقوله له تثاءب، وحرّك ذراعيه، ثمّ اندفعَ واقفًا. وقفتُ بدَوري. لا أدري لماذا فعلتُ ذلك. فجأةً شعرتُ أنّه يجب أن أنهض. توجّه نحو رفّ جداريّ كُدّسَت عليه كتبٌ قديمة. رواياتٌ أغلبها لكتّاب أجانب، ومجموعات شعريّة، وموسوعات صغيرة سرقتها من مكتبة كنتُ أشتغل فيها.

مالَ على الرفّ وهو يدخل طرف قميصه تحت بنطلونه، ثمّ تناول كتابًا، وقرأ عنوانه بصوتٍ مرتفع، وأخذ يتصفّحه. دنوتُ منه، وقلتُ بلهجة متحمّسة: “رواية رائعة…” سألني عن موضوعها فرويتُ أحداثها بأسلوب مثير. أصغى في صمتٍ ثمّ قال وهو يعيد الكتاب إلى مكانه: “لا أحبّ روايات الحرب”.

9.

بدأ المطر ينزل. اقتربنا من النافذة، ورحنا ننظر إلى قطراته وهي تنزلق على زجاجها المغبر. بعد لحظة سألني: “هذا الحمام.. ألا يقترب من نافذت؟”. قلت: “أحيانًا”. أشعل غليونَه، وسحبَ منه نَفَسًا طويلاً. فجأة استدارَ نحوي وقالَ: “هل تريد أن ترسلَ شيئًا ما لأمّك؟”. سألته مستغربًا: “ستذهب الآن؟”. تفرّس في وجهي، ولم يقل شيئًا. تذكّرتُ خلال تلك اللحظة أنّه كان يحبّني بصدق، وأنّني كنتُ معجبًا به. خطر ببالي أن أدعوه إلى العشاء، ولكنّي لم أفعل ذلك خجَلاً. قلتُ وأنا أتجنّب نظرته: “لا شيء.. لا شيء”. ثمّ أضفتُ بلهجةٍ واثقة: “قل لها إنّني سأزورها قريبًا”.

رافقتُه إلى الباب، وتوادعنا. أعتقد أنّه تردّد في مصافحتي حين مدّدتُ له يدي. نزل الدّرج ببطء. عندما ابتعد انحنيتُ على الدرابزين، وأخذتُ أنظر إليه وهو يُدحرج جسده. وبعد لحظة قلتُ بصوت مرتفع: “لا تنس أنّ الدّرج مشمّع”. ظللتُ مُسَمّرًا في مكاني أنصتُ إلى وقع قدميه الثقيلتين على الخشب. وعندما غادر العمارة عدتُ إلى البيت، واستلقيتُ على الكنبة مقابل اللوحة اليت أشار إليها منذ حين، نظرتُ إليها طويلاً ثمّ تمتمتُ: “أكيد أنّها تعني شيئًا ما”.

1
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا