the short story project

search

صمد بهرنجي | من:الفارسية

السمكة السوداء الصغيرة

ترجمة : جان دوست

ذات ليلة من ليالي الشتاء. جمعت سمكةٌ عجوز حولها في قاع البحر اثني عشر ألفاً من أبنائها وأحفادها وبدأت تقص عليهم الحكاية التالية:

كان يا ما كان. في قديم الزمان. كانت هناك سمكة سوداء صغيرة تعيش مع أمها في إحدى السواقي. وكانت تلك الساقية تنبع من صخور في الجبل وتجري في أعماق الوادي. وكان بيت السمكة الصغيرة وأمها يقع خلف صخرة سوداء تحت سقف من الطحالب. وكانت الاثنتان تنامان في الليل تحت ذلك السقف الطحلبي.

كانت السمكة الصغيرة تتمنى أن ترى ولو لمرة واحدة ضوء القمر ينسرب إلى داخل بيتها.

وكانت تلاحق أمها أينما سارت ليلاً أو نهاراً. وفي بعض الأحيان كانت السمكتان، الأم وصغيرتها، تنضمان إلى سرب الأسماك الأخرى فتنطلقان معها أينما صعد ذلك السرب ونزل.

كانت السمكة الصغيرة تلك نسيج وحدها لأن من بين عشرة آلاف بيضة من البيوض التي وضعتها أمها لم تفقس سوى بيضة واحدة سمكة سالمة.

مضت بضعة أيام والسمكة الصغيرة غارقة في التفكير. لم تكن تتحدث إلا قليلاً. بكثير من الكسل والتردد كانت تتحرك من هذه الجهة إلى تلك وتقضي معظم وقتها في تعقب أمها.

ظنت السمكة الأم أن ابنتها السمكة الصغيرة تعاني من مشكلة يمكن حلها سريعاً. لكن كانت للسمكة السوداء الصغيرة هموم أخرى.

وذات صباح باكر، وقبل أن تشرق الشمس، أيقظت السمكة الصغيرة أمها وسألتها قائلة:

  • أريد أن أتحدث معك يا أمي ببضع كلمات.

ردت أمها الناعسة:

  • يا صغيرتي العزيزة. أهذا هو الوقت المناسب للحديث؟ دعي ذلك لوقت آخر. أليس من الأفضل أن تنطلقي الآن؟

ردت السمكة الصغيرة:

  • لا يا أمي. لا أستطيع. يجب أن أغادر هذا المكان.

ردت السمكة الأم:

  • هل من الضروري أن تغادري يا صغيرتي؟

ردت السمكة الصغيرة:

  • نعم يا أمي. يجب أن أغادر.

قالت الأم:

  • طيب! إلى أين تريدين الذهاب في هذا الصباح؟

ردت السمكة السوداء الصغيرة:

  • أريد أن أذهب لأرى أين تنتهي هذه الساقية. أتعرفين يا أمي! صارت لي أشهر كثيرة وأنا منشغلة بهذا السؤال وللآن لم أجد له جواباً! منذ الليلة الماضية وإلى الآن لم أطبق عيني لأنني أفكر في الموضوع ملياً. لكنني في النهاية قررت أن أذهب لأستكشف نهاية الساقية بنفسي. تستبد بي الرغبة لأعرف ماذا يحدث في الأماكن الأخرى.

ضحكت السمكة الأم وقالت:

  • أنا أيضاً حين كنت صغيرة مثلك كانت تراودني مثل هذه الأفكار. المهم يا روحي. الساقية التي لا أول لها ولا آخر هي ساقيتنا هذه. هذه الساقية تتدفق بلا توقف ولا يمكن التخمين بالمكان الذي تصب فيه أبداً.

أجابت السمكة السوداء الصغيرة:

  • أليس لكل شيء نهاية يا أمي الحبيبة؟ الليل ينتهي. الأسبوع. الشهر. السنة….

قاطعتها أمها لتقول:

  • دعي هذه الكلمات والأفكار جانباً. سنذهب في حال سبيلنا. حان الآن وقت السباحة وليس لدينا وقت لهذه الكلمات.

ردت السمكة السوداء الصغيرة:

  • لا يا أمي. لقد تعبت من هذه السباحة. أريد أن أجد طريقاً يوصلني إلى رؤية ما يحدث في الأماكن الأخرى. قد يخطر ببالك أن أحداً ما وسوس لابنتك السمكة الصغيرة بهذه الأفكار. لا أبداً. ولتعلمي يا أمي أنني قضيت وقتاً طويلاً أفكر في هذه المواضيع. وبطبيعة الحال فقد تعلمت كثيراً من الأمور هنا وهناك. وعلى سبيل المثال فإنني أعرف أن أغلب السمكات يشتكين وهن في عمر الشيخوخة من أنهن أضعن أعمارهن في سبيل لا شيء. إنهن دائمات الأنين والشكوى. يشتكين من الأمر ذاته دائماً.
    أريد أن أعرف حقيقة الحياة. هل هي ما نحياه من حركة دؤوب إلى أن يتقدم بنا العمر أم أنه بالإمكان أن نحيا في هذه الدنيا مرة أخرى بشكل آخر؟

حين انتهت السمكة الصغيرة من الكلام، ردت عليها الأم: “عزيزتي الصغيرة. وما علاقتك بهذه المواضيع الصعبة؟ الدنيا؟ عالم آخر؟ الدنيا هي حيث نعيش. والحياة هي هذه التي نملكها. هي وجودنا”.
في هذه الأثناء اقتربت سمكة كبيرة من البيت وقالت: أيتها الجارة. ما هذا الحديث بينك وبين صغيرتك؟ ألا تنوين التجول هذا اليوم؟

خرجت السمكة الأم من البيت حين سمعت صوت جارتها السمكة الكبيرة، وقالت: أي عصر هذا الذي نعيش فيه؟ يريد الصغار أن يعلموا أمهاتهم!

قالت السمكة الجارة: وكيف ذلك؟

قالت السمكة الأم: اسمعي إلى أين تريد هذه الفرخة أن تذهب؟ إنها تقول دائماً (أريد أن أرى ماذا يجري في الدنيا)! أي كلام طنان رنان هذا؟

أجابت الجارة: أيتها الصغيرة. يبدو أنك أصبحت عالمة وفيلسوفة وليس لنا خبر؟

ردت السمكة الصغيرة: يا سيدتي. لا أعلم على ماذا تطلقين صفة العالم أو الفيلسوف. أنا فقط سئمت التجول والدوران حول نفس المكان. لا أريد أن أستمر في هذا العمل المثير للضجر. لا أريد أن أكون سعيدة بجهلي. لا أريد أن أرى نفسي وقد كبرت في السن مثل الجميع لكنني باقية على الجهل كما الآن.

ردت السمكة الجارة: أوه. ما هذا الكلام؟

أردفت الأم: لم أتصوّر أن يكون لي ولد بهذا الشكل. لا أدري أي شرير يوسوس لابنتي اللطيفة بهذه الأفكار!
قالت السمكة الصغيرة. لا أحد يوسوس لي. أنا لي عقلي وفهمي الخاص. وكذلك لي عينان أرى بهما.
قالت السمكة الجارة للسمكة الأم: يا أختاه. هل تتذكرين تلك الحلزونة الملتوية؟
أجابت الأم: نعم. أنت على حق. كانت تلك الحلزونة تلاحق سمكتي الصغيرة كثيراً. يعلم الله ماذا سأفعل بها!

قالت السمكة الصغيرة: لا يا أمي. لقد كانت تلك الحلزونة صديقتي.

ردت الأم: صداقة بين سمكة وحلزونة؟ لم أسمع بهذا أبداً.

ردت الصغيرة: وأنا لم أسمع بأي عداوة بين الحلزون والسمك. لكنكم أردتم إغراق الحلزونة المسكينة.

قالت السمكة الجارة: اتركينا الآن من التحدث عن الماضي.

ردت السمكة الصغيرة: أنت بنفسك استحضرت الماضي في حديثك.

قالت الأم: كانت تستحق القتل. وهل نسيت ما كانت تقوله في كل مكان تذهب إليه؟

ردت السمكة الصغيرة: إذن اقتليني أنا أيضاً. لأنني أقول نفس ما كانت تقوله الحلزونة.

لماذا أوجع رؤوسكم بالتفاصيل؟ المهم أن جلبة النقاش جذبت الأسماك الأخرى أيضاً إلى بيت السمكة الصغيرة. انزعج الجميع من كلامها. قالت سمكة عجوز: هل تظنين أننا سنرحمك؟

بينما قالت سمكة أخرى: هذه السمكة بحاجة إلى أذن صغيرة لتسمع الكلام.

قالت الأم: ابتعدوا. لا تقتربوا من صغيرتي.

قالت إحدى السمكات: يا سيدتي. عندما لا تقومين بتربية صغيرتك فعليك أن تتوقعي العواقب.
بينما قالت السمكة الجارة: إنني أخجل من العيش بجواركم.
في حين قالت سمكة أخرى: دعونا نفعل بالسمكة الصغيرة ما فعلناه بالحلزونة قبل أن تسبب لنا المتاعب.

حين رأت صديقات السمكة السوداء الصغيرة أن السمكات الأخريات يردن القبض عليها، تحلقن حولها وأبعدنها عن ميدان المعركة.

ولولت السمكة الأم وضربت رأسها وصدرها قائلة: أواه. ماذا أفعل؟ يريدون أن يخطفوا مني صغيرتي. أي مصيبة هذه؟

ردت السمكة الصغيرة: أماه. لا تبكي علي. بل عليك البكاء على تلك السمكة العجوز.
صاحت سمكة من بعيد: أيتها القزمة إياك والإهانة.

قالت أخرى: لن أغفر لك عندما تندمين.
أردفت ثالثة: هذا من جنون الشباب.

أعقبت سمكة رابعة: ما الخطأ في الموضوع؟

رددت خامسة: ما من عالم آخر غير الذي نعيشه هنا. عودي إلى رشدك.

قالت سادسة: إن عدت إلى رشدك فسيتأكد لدينا أنك سمكة عاقلة وتفهمين الأمور.

رددت سمكة سابعة: انتظري. لقد تعودنا على أن تكوني قريبة منا.
تضرعت إليها أمها السمكة وقالت: ارحميني يا صغيرتي. لا تذهبي. لا تذهبي أرجوك.

لم تتفوه السمكة الصغيرة ولو بحرف واحد.

رافقتها حتى أحد الشلالات سمكات في مثل عمرها ثم عدن من هناك.

خاطبت السمكة الصغيرة رفيقاتها حين هممن بمغادرتها  قائلة: يا صديقاتي. سنلتقي بكل تأكيد. لا تنسوني.

قالت رفيقاتها: وكيف ننساك؟ لقد أيقظتنا من نومنا العميق. لقد فتحت أعيننا على أشياء لم تخطر على بالنا من قبل. إلى اللقاء أيتها الصديقة الشجاعة الذكية.
تركت السمكة الصغيرةُ الشلالَ ونزلت حتى سقطت في غدير كثير المياه.

في بداية الأمر فقدت السيطرة على زعانفها. ثم ما لبثت أن بدأت بالتجوال والسباحة داخل الغدير.لم تكن السمكة الصغيرة قد رأت مياهاً متجمعة بكثرة في مكان واحد مثل ذلك المكان من قبل.

كان ثمة آلاف الشراغيف تسبح في الماء. وما إن رأين السمكة السوداء الصغيرة حتى أصبحن يضحكن عليها ويسألنها: أية مخلوقة مضحكة! أخبرينا أية مخلوقة أنت؟

أمعنت السمكة الصغيرة النظر في تلك الشراغيف وقالت: أرجو ألا تسخرن مني. أنا اسمي السمكة السوداء الصغيرة. فما هي أسماءكن؟ أخبرنني عنها لأتعرف إليكن. قأأ

الت شرغوفة: نحن نسمي أنفسنا الشراغيف.

أردفت شرغوفة أخرى: نحن من أصل عريق.

قالت أخرى: ليس هناك في الدنيا أجمل منا.
رددت شرغوفة أخرى: لسنا مثلك بشعات المنظر وسيئات الهيئة.
أجابتهن السمكة السوداء: لم أتصور أنكن على هذا القدر من الاعتداد بالنفس والتكبر. لكن سأسامحكن. فهذا الكلام لا يصدر عنكن إلا بسبب الجهل.

ردت الشراغيف بصوت واحد: هل تعنين أننا جاهلات؟

قالت السمكة الصغيرة: لو لم تكنَّ جاهلات لعلمتنَّ أن في الدنيا كائنات كثيرة غيركن. أما أنتن فحتى أسماؤكن مقتبسة.
انزعجت الشراغيف كثيراً. لكنهن حين رأين أن السمكة الصغيرة على حق، جئنها من باب آخر وقلن لها:
– نحن نتجول في هذا العالم من الصباح وحتى المساء. لكننا لا نرى أحداً سوى أنفسنا، وسوى آبائنا وأمهاتنا. الديدان الصغيرة لا اعتبار لها بطبيعة الحال.

ردت السمكة الصغيرة: أنتن لا تستطعن الخروج من هذا الغدير. فكيف تتحدثن عن الدنيا كلها؟
ردت الشراغيف: وهل هناك عالم سوى الغدير التي نعيش فيها؟ قالت السمكة الصغيرة:

هل فكرتن في مصدر مياه هذا الغدير؟ هل فكرتن في الكائنات الموجودة خارجاً؟

سألت الشراغيف: خارج الغدير؟ وهل هناك شيء خارجه؟ نحن لم نر شيئاً من هذا القبيل. هاهاها.. لقد جننتِ بالتأكيد.

ضحكت السمكة السوداء الصغيرة أيضاً. ثم قالت لنفسها أن من الأفضل أن أترك الشراغيف هنا وأذهب لحال سبيلي. ثم فكرت أنها يجب أن تتكلم مع أم تلك الشراغيف قليلاً، فخاطبتها: أين هي أمكم الآن؟

فجأة ارتفع نقيق مزعج من إحدى الضفادع فجفلت السمكة الصغيرة.
كانت هناك ضفدعة جالسة فوق صخرة على ضفة الغدير. قفزت الضفدعة إلى الماء وجاءت حتى وقفت قرب السمكة الصغيرة وقالت: أنا هنا. تفضلي. ماذا تريدين؟

قالت السمكة الصغيرة. مرحباً أيتها السيدة العظيمة.
ردت الضفدعة: أيتها المخلوقة التافهة. هذا ليس وقتاً للتباهي والافتخار. ولا تغتري لأنك وجدتِ مخلوقات صغيرة تستمع إلى ادعاءاتك. أنا عشت عمراً طويلاً يكفيني لأعلم أن ليس هناك عالم غير هذا الغدير. الأفضل لك أن تذهبي إلى عملك ولا تفسدي أفكار أولادي.

ردت السمكة الصغيرة قائلة:. حتى لو عمرت مئة عمر مثل عمرك فما أنت إلا ضفدعة جاهلة ومسكينة.

انزعجت الضفدعة من كلام السمكة السوداء الصغيرة وقفزت نحوها بعصبية. هنا استدارت السمكة الصغيرة استدارة خاطفة وهربت كالبرق مثيرة وحل القاع وديدانه.
كان الوادي كثير الانحناءات والالتواءات. أما تيار الماء فكان يتدفق بشدة ويتوسع. ولو نظر المرء إلى الوادي من قمة الجبل لرآه مثل خيط أبيض نحيل.

في مكان ما، كانت صخرة كبيرة قد سقطت من الجبل وهوت في الوادي لتفصل الوادي والساقية إلى قسمين. كانت هناك سحلية بحجم الكف قد ألصقت بطنها بالصخرة. وكانت تستمتع بحرارة الشمس وتمعن النظر في سلطعون كبير الحجم في القاع الرملي حيث يقل عمق الماء. كان السلطعون مشغولاً بافتراس ضفدعة اصطادها للتو.

وقعت عين السمكة الصغيرة السوداء فجأة على السلطعون وانتابها الخوف. سلمت عليه من بعيد. نظر السلطعون إليها بزاوية عينه ثم خاطبها قائلاً:

يا لك من سمكة مؤدبة. تعالي أيتها الصغيرة. اقتربي.

ردت السمكة الصغيرة: أنا ذاهبة لأستكشف الدنيا ولا أريد أن أصبح فريسة لك أيها السلطعون المحترم.

رد السلطعون: لماذا أنت خائفة ومتشائمة إلى هذا الحد أيتها السمكة الصغيرة؟

أجابت السمكة: أنا لست متشائمة ولا خائفة. أنا فقط أتحدث عن كل ما تراه عيناي ويحدثني به عقلي.

قال السلطعون: حسناً. تفضلي وقولي لي ماذا رأت عيناك وماذا قال لك عقلك الذي تخيل أنني أريد افتراسك؟

قالت السمكة: لا تحاول أن تخدعني.
رد السلطعون: هل تقصدين الضفادع؟ أنت ما زلت طفلة صغيرة. إنني أحقد على الضفادع ولذلك أقوم باصطيادها. هل تعلمين أن الضفادع تعتقد أنها الوحيدة التي تعيش في هذا العالم وأنها سعيدة بهذا الاعتقاد؟

أما أنا فأريد أن أفهمها ما هو العالم الحقيقي. لذلك لا تخافي مني. اقتربي مني. تعالي.

قال السلطعون هذا الكلام ثم مشى صوب السمكة الصغيرة. كان يضحك وهو يمشي على جانبه مما جعل السمكة الصغيرة أيضاً تضحك وتقول: يا خائب! ها أنت لا تعرف المشي فكيف ستعرف حال الدنيا ومن يديرها؟ ثم اتخذت السمكة الصغيرة مسافة بينها وبين السلطعون. سرعان ما ظهرت ظلال على الماء وفجأة هوى السلطعون نحو رمل القاع بقوة وانغرز فيه.

ضحكت السحلية من منظر السلطعون حتى انزلقت وكادت أن تقع هي أيضاً في الماء. أما  السلطعون فلم يعد قادراً على الخروج من الماء. كان هناك قطيع من الماعز والأغنام قريباً من الغدير

نظرت السمكة الصغيرة فرأت راعياً صغيراً واقفاً على ضفة الغدير ينظر إليها وإلى السلطعون.
كان هناك قطيع من الماعز والأغنام يقترب من الغدير  لشرب الماء وارتفعت أصوات القطيع حتى ملأت الوادي.

انتظرت السمكة الصغيرة السوداء حتى انتهت الأغنام والماعز من الشرب وذهبت، حينها قالت للسحلية:
أيتها السحلية العزيزة. أنا السمكة الصغيرة السوداء وأريد أن أكتشف نهاية الساقية. أعتقد أنك مخلوق عاقل وفهيم ولذلك أود أن أطرح عليك سؤالاً.
ردت السحلية: اسألي ما تشائين.

قالت السمكة: لقد خوفوني طوال الطريق إلى هنا من الطيور التي تصطاد الأسماك ومن البجعات والأسماك المفترسة. أخبريني هل تعلمين شيئاً عن هذه الكائنات؟

ردت السحلية: لا توجد هنا أسماك مفترسة وطيور تصطاد الأسماك. أصلاً الأسماك المفترسة لا توجد إلا في البحر.  أما البجع فيمكن أن يتواجد في هذه الأماكن. احذري أن تراك إحدى البجعات فتلتقطك وتضعك في كيسها.

سألت السمكة الصغيرة: أي كيس؟
ردت السحلية: تملك البجعات أسفل مناقيرها ما يشبه الكيس ويمكن أن يمتلئ بكثير من الماء. تخوض البجعة في الماء وتفتح منقارها، وربما دخلت سمكة في المنقار واستقرت في الكيس دون أن تعلم ثم تدخل جوف البجعة وتصبح طعاماً لها. وحتى لو لم تكن البجعة جائعة فإنها تخزن الأسماك في ذلك الكيس لتتغذى عليها فيما بعد.

سألت السمكة: ألا يمكن للسمكة التي تدخل الكيس أن تخرج منه فيما بعد؟

ردت السحلية: لا أبداً. إلا إذا استطاعت السمكة تمزيق الكيس. سأمنحك خنجراً حتى تقومي بذلك لو التقطتك بجعةٌ ما.

وفي الحال دخلت السحلية شقاً في الصخرة ثم عادت ومعها خنجر حاد جداً.

أخذت السمكة الصغيرة الخنجر وقالت: عزيزتي السحلية! أنت كريمة وودودة جداً. لا أعرف كيف يجب أن أشكرك.
ردت السحلية: لا داعي لأن تشكريني يا عزيزتي. عندي كثير من الخناجر مثل هذا. أنا أجلس خلال أوقات فراغي لأصنع من الأعشاب السيفية خناجر وأعطيها للأسماك الذكية مثلك.
سألت السمكة: وهل مرت أسماك من هنا قبلي؟
أجابت السحلية. أسماك كثيرة مرت من هنا. وقد أصبحت الآن جماعة متماسكة تسبب كثيراً من المتاعب لصيادي السمك. سألت السمكة السوداء: اعذريني على ثرثرتي. واسمح لي بهذا السؤال الفضولي: كيف تسبب تلك الأسماكُ المتاعبَ للصياد؟
ردت السحلية: حين يلقي الصياد شبكته فإن الأسماك تتجمع وتدخل الشبكة معاً ثم تجرها وتأخذها معها صوب البحر.
وضعت السحلية أذنها على شق في الصخرة، أصغت قليلاً ثم قالت: أستأذنك الآن. لقد استيقظ صغاري.
ثم زحفت إلى داخل الشق.

اضطرت السمكة أن تواصل رحلتها. لكن الأسئلة التي شغل ذهنها واستمرت تطرحها على نفسها كانت: هل صحيح أن الساقية تصب في البحر؟ وهل صحيح أن هناك أسماكاً تقتل أبناء جنسها وتفترسها؟ وما سبب عداوة البجع لنا نحن الأسماك؟
استمرت السمكة الصغيرة في السباحة وهي تمعن التفكير. في كل مرحلة من مراحل الطريق كان ترى وتتعلم شيئاً جديداً. وبما أنها كانت تحب الشقلبة فقد رمت نفسها في مياه الشلال وصارت تسبح مرة أخرى حتى شعرت بدفء الشمس يلامس ظهرها.

في مكان ما كانت ثمة غزالة تشرب الماء بسرعة. سلمت السمكة الصغيرة عليها وسألتها:

أيتها الغزالة الجميلة. لماذا تستعجلين؟ ما الأمر؟
ردت الغزالة: لقد لاحقني أحد الصيادين. وأطلق علي النار. أصابني برصاصة. أنظري إنها هنا.

لم تجد السمكة الصغيرة أي أثر للرصاصة. لكنها عرفت أن الغزالة صادقة في كلامها بسبب مشيتها العرجاء.
في مكان ما كانت السلاحف تعرض درقاتها الصلبة لحرارة الشمس بينما ارتفعت في مكان آخر نقنقة طيور الحجل وهي تلف الوادي.
امتلأ الهواء برائحة عطر الأعشاب الجبلية واختلطت بالماء.

بعد الظهيرة، وصلت السمكة إلى مكان يتوسع فيه الوادي وتمر المياه من خلال دغل من الأشجار. هناك وجدت السمكة السوداء الصغيرة نفسها تسبح في مياه كثيرة فاستمتعت في الحقيقة كثيراً بذلك.

بعد قليل صادفت أسماكاً كثيرة. لم تكن السمكة السوداء الصغيرة منذ أن تركت أمها قد رأت أسماكاً.

تحلقت حولها بعض السمكات وقالت لها: يبدو أنك غريبة عن هذا المكان. أليس كذلك؟

ردت السمكة السوداء: نعم، أنا غريبة. أنا قادمة من مكان بعيد.

سألتها السمكات: وإلى أين تريدين الذهاب؟

ردت السمكة السوداء: سأذهب لأستكشف وأرى نهاية الساقية.

سألت السمكات المتحلقات: أي ساقية تقصدين؟
أجابت السمكة السوداء: الساقية نفسها التي نسبح فيها.
ردت السمكات: نحن نسمي هذا المكان نهراً.

لم تقل السمكة السوداء شيئاً. لكن إحدى السمكات من المجموعة قالت: هل تعرفين أن البجع يتربص بالأسماك في طريقك؟

ردت السمكة السوداء: نعم. أعرف هذا أيضاً.

قالت السمكات: ورغم ذلك تنوين الذهاب؟

ردت السمكة الصغيرة: نعم. أنا سأذهب في جميع الأحوال.

وسرعان ما انتشر هذا الخبر بين الأسماك: السمكة الصغيرة السوداء قادمة من مكان بعيد وتريد الذهاب حتى تكتشف نهاية النهر دون أن تخاف من البجعات! أسرَّت بضع سمكات فيما بينها نيتها بمصاحبة السمكة السوداء لكنها أخفت ذلك بسبب خوفها من الكبار. قالت تلك السمكات: لولا وجود البجع في الطريق لرافقناك في رحلتك. إننا نخاف أن تصطادنا البجعات في أكياسها.
كانت هناك قرية على ضفة النهر. وكانت نساء القرية وبناتها يغسلن الثياب في النهر. أصغت السمكة السوداء لبرهة من الزمن إلى صخب أولئك النسوة وشاهد الأطفال وهم يستحمون، ثم مضت في حال سبيلها. مضت السمكة ومضت ومضت حتى حلَّ الظلام فلجأت إلى صخرة ونامت تحتها.

استيقظت السمكة الصغيرة في منتصف الليل فرأت القمر في الماء وقد أضاء كل مكان.
كانت السمكة السوداء الصغيرة تحب القمر كثيراً. وكانت حين تراه في الماء في بعض الليالي تريد أن تخرج وتذهب إليه وتتحدث معه ببضع كلمات. لكن أمها كانت تستيقظ في كل مرة وتسحبها إلى بيتها وتأمرها بالنوم من جديد.
تقدمت السمكة الصغيرة صوب القمر وقالت له: مرحباً أيها القمر الجميل.

رد القمر: مرحباً أيتها السمكة السوداء الصغيرة. كيف وصلت إلى هذا المكان؟
قالت السمكة: أعمل جولة حول العالم.

قال القمر: العالم كبير جداً. وليس بإمكانك التجول في كل مكان منه.
ردت السمكة: سأذهب إلى الأمكنة التي أستطيع الوصول إليها.
قال القمر: كنت أود أن أبقى معك حتى الصباح. لكن غيمة سوداء كبيرة قادمة وستحجب نوري.
قالت السمكة: أيها القمر الجميل أنا أحب نورك كثيراً. وأتمنى أن يشع ويضيء علي دائماً.
قال القمر: أيتها السمكة العزيزة. في الحقيقة ليس هذا ضوئي أنا. الشمس تمنحنا النور وأنا أمنحها للأرض. لكن قولي لي هل سمعت أن البشر يريدون بعد سنوات أن يطيروا صوبي ويحطوا على سطحي؟

ردت السمكة: هذا غير ممكن.

قال القمر: إنه عمل صعب. لكن البشر يستطيعون ‌أن …

وقبل أن يكمل القمر حديثه وصلت الغيمة السوداء وحجبت وجهه فأظلم الليل من جديد وبقيت السمكة السوداء وحيدة هناك. حدقت السمكة لبضع دقائق، حائرة، في الظلام ثم سبحت إلى مكانها ونامت.

وفي الصباح الباكر نهضت السمكة السوداء الصغيرة من نومها فرأت بضع سمكات يتهامسن بالقرب منها. بقين هكذا إلى أن شعرن بأن السمكة السوداء الصغيرة استيقظت فقلن لها بصوت واحد: صباح الخير.
وسرعان ما عرفتهن السمكة الصغيرة فقالت لهن: صباح الخير. وأخيراً سلكتن مثلي هذا الطريق واتبعتنّني!
قالت سمكة من بين تلك المجموعة: صحيح. لكننا إلى الآن لم نتغلب على الخوف. نحن خائفات.
قالت سمكة أخرى: التفكير في البجعات حرمنا من الراحة.
ردت السمكة السوداء الصغيرة: أنتن تفكّرن كثيراً. ولكن دعونا نبدأ رحلتنا الآن وستشاهدن أن مخاوفنا كلها ستزول.
لكن فجأة رأت السمكات أن الماء ارتفع حتى أحاط بهن وأظلم المكان كله ولم يبقَ هناك منفذٌ للنجاة.

فهمت السمكة الصغيرة فوراً أنها والسمكات الأخريات وقعن في كيس بجعة من البجعات. قالت لرفيقاتها: يا صديقاتي! لقد وقعنا في كيس إحدى البجعات. ولكن لا بد لنا من طريقة للخروج من هذا المازق.

انخرطت السمكات الأخريات بالبكاء والعويل. قالت إحداهن: ليس هناك أمامنا مخرج من هذا المكان. أنت أيتها السمكة السوداء السبب في كل ما جرى لنا. لقد أغريتنا بالسير وراءك وحرفت بنا عن جادة الصواب.
قالت سمكة أخرى: الآن ستبدأ البجعة بابتلاعنا جميعاً وينتهي الأمر.

وفجأة ارتفع صدى قهقهة مخيفة في المياه. كانت البجعة تضحك. كانت تضحك وتقول: ياللأسماك التي قمت باصطيادها! هاهاهاهاها. في الحقيقة يحترق قلبي لأجلكن! لا يطاوعني قلبي على التهامكن أبداً. هاهاهاهاها..
بدأت السمكات بالترجي والتضرع قائلات: أيتها البجعة الموقرة! لقد سمعنا عنك وعن شهرتك منذ زمن بعيد. فإن تلطفت علينا وفتحت منقارك المبارك لكي نخرج من هنا فإننا سنبقى أبد الدهر ندعو لشخصك الكريم المبجل.
ردت البجعة: لا. لا أريد أن أبتلعكن الآن. عندي مؤونة كافية من السمك. أنظرن هناك إلى الأسفل..
كانت هناك سمكات مقطعة في عمق الكيس. فتضرعت السمكات مرة أخرى: أيتها البجعة الموقرة. نحن لم نفعل شيئاً. إننا بريئات. لكن هذه السمكة السوداء الصغيرة هي التي أضلتنا عن الطريق.
قالت السمكة الصغيرة: أيتها المذعورات! هل تعتقدن أن البجعة المحتالة مخلوق كريم سمحٌ حتى تتضرعن إليها هكذا؟
ردت عليها مجموعة السمكات: أنت أصلاً لا تفهمين ماذا تقولين. سترين الآن كيف أن البجعة المحترمة ستعفو عنا وتطلق سراحنا وتبتلعك أنت.
قالت البجعة: صحيح. سأطلق سراحكن ولكن بشرط.
ردت السمكات: تفضلي قولي شرطك. نفديك بأرواحنا.
قالت البجعة: اقتلن هذه السمكة الفضولية وستحصلن على حريتكن.
تنحَّتْ السمكة السوداء الصغيرة جانباً وقالت لمجموعة السمكات: لا تقبلن هذا الشرط. إن هذه البجعة المكَّارة تريد أن تؤلب بعضنا ضد بعض. أنا عندي خطة يتم بموجبها…
كانت السمكات الأخريات يفكرن فقط في إنقاذ أنفسهن ولم يشغل بالهن شيء آخر سوى ذلك فبدأن الهجوم على السمكة السوداء الصغيرة. تراجعت السمكة الصغيرة إلى زاوية من زوايا الكيس ثم قالت بهدوء: أيتها الرعديدات. أنتن هنا على كل حال ولا طريق أمامكن للهرب عبرها. ثم إنكن لا تملكن القوة الكافية للحاق بي.

قالت السمكات: يجب أن نقتلك. إننا نريد أن نتحرر من هنا.
ردت السمكة السوداء: لقد فقدتن العقل. حتى لو قتلتنني فلن تستطعن إيجاد طريق للنجاة. إياكن والوقوع في هذا الفخ.
قالت السمكات: أنت تقولين هذا الكلام فقط لكي تنقذي نفسك. نحن أصلاً لا نخطر على بالك.
قالت السمك: استمعن إلي جيداً وأنا سأخبركن بطريق للخلاص. سأتظاهر بالموت وأذهب لأندس بين السمكات الميتة. حينذاك سنرى إن كانت البجعة ستطلق سراحكن أم لا. وإن لم تقبلن بكلامي سأقتلكن جميعاً بهذا الخنجر أو سأمزق الكيس إرباً إرباً وأخرج بينما أنتن..

قاطعت سمكة من بين مجموعة السمكات كلام السمكة الصغيرة وصارت تصرخ: يكفي هذا! لا طاقة لي على تحمل حديثك هذا. إهي إهي إهي..

حين رأتها السمكة الصغيرة تبكي قالت: لماذا أتيتن بهذا الصغيرة الرقيقة الشاكية معكن؟

ثم سلَّت خنجرها وصارت تشهره في وجه مجموعة السمكات. اضطرت تلك السمكات إلى قبول اقتراح السمكة السوداء الصغيرة. تظاهرت السمكات بالتشاجر وافتعلت معركة قامت على إثرها السمكة السوداء بتمثيل دور السمكة الميتة. عندها صعدت السمكات وقلن للبجعة: أيتها البجعة المحترمة. لقد قتلنا السمكة المتطفلة.

ضحكت البجعة وقالت: لقد قمتن بعمل جيد. والآن سأقدم لكنَّ مكافأة على هذا العمل. سأقوم بابتلاعكن جميعاً وأنتن على قيد الحياة وهكذا ستستطعن عمل جولة في جوفي.
لم يكن أمام جماعة السمكات مجال آخر. مررن بسرعة البرق من بلعوم البجعة ووقعن في مصيبة كبيرة.
أما السمكة السوداء فقد سلت حنجرها من جديد وضربت الكيس ضربت واحدة فعملت فيه شقاً خرجت منه. صاحت البجعة من الألم وصارت تضرب الماء برأسها. لكنها لم تستطع اللحاق بالسمكة الصغيرة.
مضت السمكة الصغيرة. ثم مضت ومضت إلى أن بلغ الوقت منتصف النهار.

صار الجبل والوادي الآن خلف السمكة الصغيرة. وأصبح النهر يجري في سهل فسيح. من اليسار واليمين كانت فروع من أنهار صغيرة تصب فيه وتتحد معه في نهر واسع.

استمتعت السمكة السوداء بمنظر النهر الواسع وسرعان ما اكتشفت أن النهر عميق جداً. صارت تذهب يميناً وشمالاً وتغوص هنا وهناك دون أن تصل إلى أي مكان. كان الماء كثيراً لدرجة أن السمكة الصغيرة ضاعت فيه. سبحت في جميع الاتجاهات دون أن تصل إلى أي مكان.
فجأة شاهدت مخلوقاً كبيراً وطويلاً يتجه صوبها بسرعة خاطفة. كان ذلك المخلوق يحمل أمام فمه منشاراً مزدوجاً. قالت السمكة الصغيرة لنفسها: الآن سيقطعني سمك المنشار إلى قطع صغيرة. وبسرعة تنحت السمكة وأفسحت الطريق لذلك المخلوق ثم سبحت في الماء.

بعد برهة من الزمن غاصت السمكة مرة أخرى في الماء لترى قاع البحر. وفي الطريق إلى القاع صادفت سرباً من الأسماك. آلاف مؤلفة من الأسماك! سألت السمكة إحدى سمكات السرب: أيتها الرفيقة. أنا غريبة. أنا قادمة من مكان بعيد. قولي لي أين نحن الآن؟
صاحت تلك السمكة على رفيقاتها في السرب وقالت: أنظرن هنا! ها هي سمكة أخرى..

ثم التفتت إلى السمكة السوداء وقالت لها: أهلاً بك في البحر أيتها الرفيقة.

قالت سمكة أخرى من سرب السمكات: جميع السواقي والأنهار تصب في هذا المكان. وبلا شك فإن بعضها يمضي ويصب في المستنقعات أيضاً.

قالت لها سمكة أخرى: متى ما شئت فإن بإمكانك الانضمام إلى سربنا هذا.
فرحت السمكة السوداء الصغيرة لأنها وصلت أخيراً إلى البحر فقالت: الأفضل أن أقوم الآن وقبل كل شيء بجولة ثم أعود لأنضم إلى سربكنَّ. أتمنى أن أكون هذه المرة معكن حين تقمن بتقطيع شبكة صياد السمك.
ردت إحدى السمكات قائلة: ستتحقق أمنيتك قريباً جداً. اذهبي الآن وقومي بجولتك. ولكن حين تصبحين عند سطح الماء راقبي طائر البلشون. إنه شرس هذه الأيام ولا يحسب حساباً لأحد. وهو لا يكف عن إزعاجنا إلا بعد أن يصطاد لنفسه بضع سمكات.

في تلك اللحظة انفصلت السمكة السوداء عن سرب السمكات البحرية وذهبت تسبح متجولة هنا وهناك. بعد فترة وجيزة وصلت إلى سطح ماء البحر. كانت الشمس الدافئة تنشر نورها هناك. أحست السمكة الصغيرة السوداء بحرارة الشمس تلسع ظهرها فاستمتعت بذلك. صارت تسبح بهدوء واستمتاع عند سطح البحر وقالت لنفسها: يمكن أن أتعرض الآن للموت بكل سهولة. لكنني يجب ألا أعرّض نفسي للموت ما دمت قادرة على الحياة.
لكن إن حدث وصرت في يوم من الأيام، وهذا ما سيحصل، بمواجهة الموت فليس الأمر ذا أهمية. المهم هو كيف سيؤثر موتي أو ستؤثر حياتي على حياة الآخرين..
وبينما كانت السمكة السوداء الصغيرة غارقة في هذه التأملات جاء طائر بلشون فالتقطها وطار.

حاولت السمكة السوداء الإفلات من منقار الطائر الطويل فتحركت وضربت بزعانفها هنا وهناك لكنها لم تستطع أن تحرر نفسها.
كان طائر البلشون قد أحكم قبضته على السمكة بحيث كادت تموت بسبب ذلك. أصلاً كم من الوقت يمكن لسمكة صغيرة أن تعيش خارج الماء؟

فكرت السمكة في أن الطائر لو قام بابتلاعها فوراً فإن رطوبة جوفه والماء الذي في معدته قد تبقيانها على قيد الحياة لبضع دقائق. وهكذا خاطبت طائر البلشون: لماذا لا تبتلعني وأنا حية؟ إنني أنتمي إلى نوع من الأسماك التي تتحول إلى أجسام سامة بعد موتها.
لم يجبها طائر البلشون. قال في نفسه: أيتها المحتالة! أي عمل تنوين؟ هل تريدين أن أتكلم لتخرجي من بين منقاري؟
كانت قطعة من اليابسة تبدو من بعيد. ومع مرور الوقت كانت تقترب وتقترب. فكرت السمكة السوداء قائلة في نفسها: لو أوصلني الطائر إلى اليابسة فسينتهي أمري.
لذلك خاطبت طائر البشلون من جديد فقالت: إنني أعلم أنك تأخذني لتجعلني طعاماً لصغارك. لكن إلى أن نصل إلى اليابسة فإن جسمي كله سيتحول إلى قطعة من السم القاتل. لماذا لا تأخذك الرأفة بفراخك؟
فكر طائر البلشون في قرارة نفسه: الاحتياط واجب وعمل جيد. سألتهمك الآن ثم أصطاد لفراخي أسماكاً أخرى. لكن سنرى إن كان ما تقولين خطة ماكرة! لا. أنت لا تستطيعين القيام بأي شيء.
وبينما طائر البلشون مستغرق في هذه الأفكار إذ به يرى جسم السمكة السوداء متوقفاً عن الحركة. فقال لنفسه: هل يعني هذا أنها فارقت الحياة؟ الآن لا أستطيع أن آكلها أنا أيضاً. لقد ضيعت من يدي سمكة طرية لطيفة رغماً عني.
ثم نادى على السمكة السوداء: أيتها السمكة الصغيرة. هل ما زال فيك رمق من الحياة فأستطيع أن آكلك؟
ولكن بمجرد أن فتح طائر البلشون منقاره وحتى قبل أن يكمل كلامه سقطت السمكة السوداء صوب الأسفل.

أدرك طائر البلشون أنه تعرض للخداع فهوى خلف السمكة السوداء الصغيرة. لكن السمكة كانت تهوي بسرعة البرق. كانت السمكة تختنق في الهواء. ومن شدة شوقها إلى ماء البحر غابت عن الوعي. كانت تعرض فمها المتيبس لهواء البحر الرطب.

ولكن ما إن وصلت إلى الماء وصارت تتنفس من جديد حتى وصل طائر البلشون إليها كالبرق. هذه المرة اصطاد السمكة بسرعة خاطفة وابتلعها لدرجة أن السمكة السوداء لم تستوعب المصيبة التي وقعت على رأسها.
لقد شعرت فقط أن كل ما حولها رطب ومظلم. لا طريق ولا مهرب بينما يتناهى إلى سمعها صوت عويل وبكاء.
حين تعودت عيناها على الظلمة وصارت تتبين الأشياء رأت سمكة صغيرة جداً تجهش بالبكاء بلا توقف وتطلب أمها. اقتربت منها السمكة السوداء الصغيرة وقالت لها:

أيتها الصغيرة! عليك أن تفكري بطريق الخلاص. لماذا تبكين؟ ولماذا تطالبين بأمك؟
قالت السمكة الصغيرة جداً: وأنت؟ من أنت قولي لي؟ ألا ترين… ألا ترين… أنني.. أنني أموت؟ إهي إهي إهي.. أماه.  أنا.. لا أستطيع أن أذهب معك مرة أخرى لنقطع شبكة صياد السمك في البحر. إهي إهي..
قالت السمكة السوداء الصغيرة: كفاك بكاءً يا هذه. لقد جلبت العار لجميع الأسماك.

وحين توقفت السمكة الصغيرة جداً عن البكاء، خاطبتها السمكة السوداء قائلة: أنا عازمة على قتل طائر البلشون لأحرر باقي الأسماك. وقبل ذلك يجب أن أخرجك من هنا حتى لا تفسدي عملي.

ردت السمكة الصغيرة جداً: أنت نفسك مقبلة على الموت. فكيف ستقتلين طائر البلشون؟

أظهرت السمكة السوداء خنجرها وقالت:
هنا! من هذه الجهة سأشق بطنه. والآن أعيريني سمعك واستمعي لما سأقوله لك: سأذهب في هذا الاتجاه وذاك الاتجاه وأقوم بدغدغة الطائر. وحين يفتح فمه ليقهقه تقفزين من فمه وتذهبين.

سألت السمكة ألصغيرة جداً: وأنت؟ ماذا سيحدث لك؟

ردت السمكة السوداء: لا تشغلي بالك بي. لن أخرج من هنا قبل أن أقتل هذا الطائر اللعين.

وحالما أنهت السمكة السوداء الصغيرة كلامها بدأت بالتحرك في كل الاتجاهات وصارت تدغدغ بطن البلشون. كانت السمكة الصغيرة على أتم الاستعداد للهرب عند مدخل المعدة. في اللحظة التي بدأ عندها طائر البلشون يفتح منقاره ويقهقه قفزت السمكة الصغيرة جداً إلى الخارج وسقطت بعد قليل في الماء.
انتظرت السمكة الصغيرة جداً دون أن تسمع أي خبر عن السمكة السوداء. لكنها رأت فجأة كيف أن طائر البلشون صار يتلوى ثم يصرخ حتى بدأ أخيراً يخفق بجناحيه ورجليه معاً ويسقط في الماء. ثم بدأ يخفق بجناحيه وقدميه مرة أخرى إلى أن توقف عن الحركة.
لكن لم يظهر أي أثر للسمكة السوداء الصغيرة. وحتى الآن لا أحد يعلم شيئاً عن حالها.

أنهت السمكة العجوز قصتها وقالت لأبنائها وبناتها وأحفادها وحفيداتها الإثني عشر ألفاً: والآن يا صغاري حان وقت النوم. اذهبوا إلى النوم جميعاً.
سأل الأبناء والأحفاد: أيتها الجدة! أنت لم تخبرينا ماذا حصل للسمكة الصغيرة بعد ذلك؟
ردت السمكة العجوز: ليبق هذا وسنكمله في الليلة القادمة. الآن وقت النوم. تصبحون على خير.

قالت إحدى عشر ألفاً وتسعٌ وتسعون سمكةً “تصبحين على خير” ثم ذهبن إلى النوم. حتى السمكة العجوز أيضاً نامت. لكن سمكة حمراء صغيرة لم تستطع النوم بالرغم من محاولاتها الكثيرة.

بقيت من الليل وحتى الصباح تفكر في البحر.


 

3
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا