اكتب القصص

إياد برغوثي | من:العربيّة

الشريط البرتقاليّ

(1)

بينما انتظرت القطار خطفت من يد مستوطنٍ ذي لحية شقراء و”كيبا” بيضاء شريطًا برتقاليًا وعادت لتجلس في الظل. تماوج الشريط مع الرياح الخفيفة وأعلن مذيع المحطة عن تأخر القطار القادم من حيفا خمس دقائق فسقط رأسها بين يديها كبرتقالة في الثلج،  رطوبة الحر في تل أبيب مزعجة والمقعد الحديديّ غير مريحٍ أبدًا والشوق لحضنه أصبح عذابًا حقيقيًا.. “هيا.. تعال”.

ربط معارضو الانفصال عن غزة شريطًا برتقاليًا على حقائبهم وعلى المرايا الجانبية لسياراتهم وعلى اللاقطات الإذاعية وزيّنوا مفارق الطرق بهذا اللون الفرح،  وقد أغلقوها في هذا اليوم الحار وأحرقوا الإطارات وأعلنوا “يهوديّ لا يطرد يهوديًا”،  فاضطر أن يركب القطار ليراها.

هي تعارض الانفصال أيضًا.

عندما التقيا أول مرة في الجمعية حيث تعمل مديرة لمشروع” السكن” ليصمم لها النشرة السنوية لنشاطهم ضد هدم البيوت في الأحياء العربية الفقيرة في المدن” المختلطة”، عارض اقتراحها بتصميم خلفية النشرة باللون البرتقالي فاستفزها وغاصا في حديث عن الألوان والناس والعمل.. وكان لعيونهما حديث آخر.

قالت له أنها رأته من قبل وهي متأكدة لكن ذاكرتها ضعيفة خصوصًا في الأسماء، وهو أصرّ أنه أول لقاءٍ لهما لأنه يعرف أسمها ولأن ذاكرته أقوى من “زورو”.

اكتشفا أن أصل أبيها وأمه من قرية “سيدنا علي” المهدّمة التي يتأمل مسجدها، حتى هذا اليوم الحار، بشاطئ المتوسط وصخوره البنية، وأنها مثله لا تحب “روتانا” وميوعة مطرباتها فهي تحب فيروز وهو يحب ابنها زياد، وأن كليهما يقرآن الآن” باب الشمس” بعد أن أنهيا “عمارة يعقوبيان”. تحدّثا عن كلّ شيء إلا النشرة فعاد لزيارتها ثانية ومعه نموذجٌ للنشرة خلفيتها برتقالية.

لم تكن تحب اللون البرتقالي كثيرًا، هو يذكرّها فقط بأحاديث جدها المتوفى عن بيّارة برتقاله وبأيام نشاطها الحزبي في فترة هبة تشرين فقد كان البرتقالي لونًا سياسيًا جديدًا بعد أن انهار الأحمر وأحرج أباها الذي كان يصطحبها في مسيراتٍ تكرر ذاتها.  

المستوطن ذو اللحية الشقراء و”الكيبا” البيضاء يحوم حولها ينظر إلى الشريط البرتقالي نظرة جانبية كسارق غير محترف بعد أن سمعها تتكلم عبر هاتفها الخلوي بالعربية وفهم آخر كلمة” حبيبي”.

الشمس تثير أعصابها رغم جلوسها في الظل، والمستوطن كذلك.

تنتظره والشريط البرتقالي يتماوج مع الرياح الخفيفة، قبل أن تنهي المكالمة سألته” أين سنسكن؟”

(2)

تنتظره روحها منذ آلاف السنين والخمس دقائق هي ألف جديدة.. هيّا.  يسافر بحثًا عنها منذ ثلاثين عامًا وهذه الرحلة تعرف في أي محطة عليها أن تنهي نفسها لكن الأشجار على حافة السكة الحديدية زادت والسائق ينتظر أكثر من اللازم عند كل محطة.. هيّا.

كلاهما انتظر الصدفة.

أيام اللقاء ركضت أسرع من ساعة الوعي. الشوق هدّد عصافير البطن بالسجن طويلاً، رفضت المعدة إعطاء تصريحٍ لأي طعام وساعات النوم تقلّصت.

“حب” قالا وغابا عن الحياة العادية.

لاحظا الرموز وشخّصا ما فوق الطبيعة، جرفهما طوفان العواطف وصرّحا “نحن لبعض”، وحضنته فتغيرت الضمائر.

بعد أن مرّا أمام موقع القبلة الأولى قرّرا شراء خاتمين لتزويج روحيهما رسميًا،  ليعلناه. تشابكت أصابعهما ومشيا معًا ولم تكن المدينة تسع زوجًا آخر.

يركب القطار ليراها ودقيقة الرحلة السريعة طويلة، لم يرها منذ خمسة أيام!

حبّهما مقياس آخر للزمن، وقد فقدت الحدود حدودها وجنت ودخلا بإرادتهما إلى جنات اللاعقلانية.. ولم تعد الأرقام عشوائية. يشعر أنه نصف إنسان بدونها، أو بالأحرى أصبح يعتقد أن الإنسان الحقيقي هو ذكر وأنثى معًا.. 

لم يتوقع، لسوء حظه وبؤس الزمن الآني،  أن يلقاها وحين ارتجف عند رؤيتها خشع للكون وعاد عبر أجنحة السعادة إلى مواطنه الأصلية.  ليكون ما أراد دومًا أن يكون” كيف كنت حيًا بدونها؟” ولم يجتهد بالبحث عن جواب.

لم يمرّا بمرحلة التعارف، لم تكن هي بحاجة لها فكأنها تعرف كلّ شيء عنه وتعرف أسراره وتأجل الحديث عنها. كلماته مألوفة وحضنه حنين لزمن كان وبيت أبدي. لم تسأله عنه ولم تسأل عنه وحكت له عن نفسه ما لم يكن يعرف وما لم يكن متأكدًا منه. انتظرته ورفضت الحلول الوسط وكانت على وشك اليأس التام حين رمى لها الأجنحة لتطير معه إلى المواطن الأصلية،  فابتسمت وبرقت عيناها لتصير امرأة ويصير رجلاً.. وطارا.

حين جلسا قبل أسبوع في مطعم لحوم جنوب أمريكيّ على كراسي خشبية طويلة بجانب وردة بنفسجية مبتسمة لمعت خواتمهما الفضية وتواعدا..” لمدى الحياة”.. حب، سعادة،  إخلاص، نجاح وتواضع. وكان الصدق ألذّ من الوجبة بكثير.

كانت كراسي القطار الزرقاء من حوله تريح الجنود والبنادق وكان أقوى منهم.. هكذا شعر وهكذا شعروا هم أيضًا،  هكذا قالت عيونهم المتعبة.

الدقيقة طويلة والخاتم يلمع بالشمس والشوق لم يعد يعرف الجلوس هادئًا في مكانه.

الشريط البرتقالي يتماوج مع الريح الخفيفة.

سيراها قريبًا.. هيّا.

(3)

قبل أن يغادر بيت أهله.. قال لها “أنت بيتي”.

الشمس أحرقت الأعشاب على حافة الطريق وأعصابه أيضًا. كانا يخافان من حضور الشتاء. عندما نعرف الطريق تصبح أقصر، وعندما نفكر لا نرى الطريق أصلاً. أرادا شتاءً دافئًا.

هي بيته، وليس الحقيبة السوداء الكبيرة التي يحمل بها ملابسه وفرشاة أسنانه وشفرة الحلاقة كالمسافرين المتجولين بين محطات القطار الأوروبية بحثًا عن مغامرات شبابية غير مكلفة أو بين جبال الشرق الأقصى بحثًا عن تجارب روحانية وملابس واسعة ورخيصة بألوان الليلك والبنيّ. هي بيته وليس تلك الشقق التي اختارها على عجلة ووقع عقد استئجار روتيني ليتركها بعد سنة إلى حي آخر في المدينة فينسيه هم نقل الحاسوب الرمادي الثمين والأثاث القليل والعلب الكرتونية الكبيرة والأكياس أيام الحظ وليالي الرضى. هي بيته وليس بيت أهله، فقد صدم حين جرّب العودة إليه وأدرك أن البيت الذي نشأ فيه هو بيت زوجية أمه وأبيه وعندما أصبحت ملاحظات أمّه عن دخله ونومه مزعجة واكتشف في وجه أبيه  تجاعيد أكثر مما توقع خاف على حبه لهم، وحين شرب من ذات الحنفية التي لم يكن يستطيع الوصول إليها حين كان  بالخامسة من عمره لمّا تركته أمه لتذهب للعمل خاف من ألبوم الأحاسيس المدفون في الحديقة التي تحولت إلى مصف للسيارات الجديدة.. اهتز، وعاد إلى لا مكان فوجدته صدفةً وحضنته فتغيرت الضمائر وأصبحت هي بيته وهو بيتها. 

” أين سنسكن؟” هو يحبّ المدن الكبيرة لكنه مسجون في هذه البلاد الضيقة فالهجرة استفزاز لمثالية الباقي والصامد والمستمر وهروب غير مضمون والبقاء استسلام لضباب الأفق وأسئلة التناقض اللانهائية. 

 فكّر للحظة بالناصرة، أكبر مدينة عربية في البلاد، لكنّها ليست مدينة. فكّر بتل أبيب، أكبر مدينة في البلاد،  لكنها ليست عربية ولا عمل بها للعرب. فكّر برام الله لكنه تذكر الجدار الفاصل. حيفا احتمال جيد فقد بقي الشباب للسكن فيها بعد دراستهم الجامعية ورمّموا البيوت الألمانية في الشارع المستمر من حديقة البهائيين المعلّقة على الكرمل وملئوها بالمقاهي المكتظة وبالأحاديث والنميمة، هل ستقبل أن تسكن هناك؟

قالت له أنها تحب الطبيعة والجبال وسألته عن قرية أهله الهادئة في الجليل.  لكنها هامش حزين وبائس فقد تحولت مثلها كباقي القرى القليلة التي بقيت في الجليل إلى فندق للفلاحين الذين تحولوا إلى عمال بنوا المدن اليهودية على أراضيهم المصادرة. 

وقف القطار بعد صرير حديدي طويل ومزعج ورآها من النافذة السوداء الشفافة تحمل شريطًا برتقاليًا يتماوج مع الرياح الخفيفة وأغلق حاجبيه لتتساءل عيناه وفتح باب القطار واخترق الناس ليحضنها.

(4)

هي تعارض الانفصال أيضًا.

تعارض الانفصال عنه. 

عندما وصل القطار انتظرت أن ترمي نفسها في بيتها الأبدي.. حضنه. ولم تكن حقًا مهتمةً باسم المدينة التي سيسكنانها ولا باسم المدينة الجديدة التي تحلم ببنائها فهي عملية في الفترة الأخيرة وتريد أن تبدأ بتصميم العش لتعيش معه لمدى الحياة. 

فكرت بالتوجه التصميمي لبيتهم فاقتنعت أن أسلوبهم هو دمج وتنوع بين العتيق والحديث.. بين الاثني بألوانه الزاهية والخشب البني الغامق المنحوت وبين العصري بألوانه الحادة والغريبة التي تمزجها برامج الحاسوب الجديدة وانتظرت أن تختار الأشياء بعينها وأن تجسد نظريتها.    

حضنته وهالة النور والطاقة الكونية المركّزة  أبعدتا الناس من حولهما. نظرا في عيونهما ولم يقدرا على الكلام فعادا إلى الأحضان وصارا واحدًا.

ربطت يديهما بالشريط البرتقالي.

قال لها من على الدرج الكهربائي: “سنكتب الكتاب في سيدنا علي.. أنت مدينتي ووطني.. سأسكن فيك!”

“أنا سأسكن فيك”. 

وكان الصمت مشحونًا.


تموز 2005

الناصرة

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا