فرنسيس سكوت فيتسجيرالد | من:انجليزي

الصواب

ترجمة : ريم غنايم

وقت الاستراحة الكبرى لوجبة الغداء الأمريكيّة، رتّب الشاب جورج أوكلي طاولة مكتبه برويّةٍ وباهتمامٍ متكلّف. يحظر أن يعرف من معه في المكتب أنّه كان على عجلة من أمره، لأن النجاح مسألة تتعلّق بالسياق، والتّصريح بحقيقة انفصال ذهنك عن عملك مسافة سبع مائة ميل ليس أمرًا جيدًا.

ولكن لحظة خروجه من البناية أصبحَ حازمًا وأخذ يعدو بين الفينة والأخرى متأملا الظهيرة البهيجة لبداية الربيع، والتي ملأت ميدان التايمز، وحامت متلكّئةً مسافة تقل عن ستّة أمتار فوق رؤوس الحشد. بدا الحشد مرتفعًا قليلاً يتنّفس هواء آذار، وزغللت الشمس عيون الناس، بحيث لم ير الواحد منهم الآخر، وإنما مجرّد انعكاس ذواتهم في السماء.

جورج أوكيلي، الذي ابتعد ذهنه مسافة سبعمائة ميل، كان يعتقد أن كل ما يدور في الخارج فظيع. هرع إلى المترو، وعلى طول 95  كتلة من البنايات ألقى نظرة مائلة مجنونة صوب لافتة إعلانيّة أوضحت بأن فرصته للحفاظ على أسنانه في عشر سنوات هي بنسبة واحد لخمسة.  في شارع 137، ترك دراسته للفن التجاري، وترك مترو الأنفاق، وأخذ يعدو مرة أخرى، بلا كلل أو ملل إلى أن وصل هذه المرة إلى منزله الذي كان عبارة عن غرفة واحدة في بناية سكنية شاهقة وفظيعة في وسط اللامكان.

كانت الرسالة هناك على طاولة المكتب- بالحبر المقدّس، على الورق المبارك- ولو أن الناس، في جميع أرجاء المدينة، أصغوا، لسمعوا نبضات قلب جورج أوكيلي. قرأ الفواصل وبقع الحبر وبصمة الإبهام في الهوامش- ثمّ ارتمى على سريره بيأس.

كان في حالة من الفوضى، تلك الحالات التي يعيشها الفقراء كحدث عاديّ، والتي تتبع الفقر مثل الطيور الجارحة. الفقراء يهبطون أو يصعدون أو يخطئون أو حتّى يواصلون طريقهم، بشكل ما، على نهج الفقراء، لكنّ الفقر كان شيئًا جديدًا للغاية على جورج أوكلي بحيث لو أنكر أحدهم استثنائيّة حالته- لأصيب بصعقة.

قبل أقل من عامين، تخرج بتفوّق من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وشغل منصبًا في شركة مهندسي إنشاءات في جنوب ولاية تينيسي. طوال حياته، كان يفكر بمصطلحات الأنفاق وناطحات السحاب والسّدود العظيمة والجسور الطويلة ذات الثلاثة أبراج، والتي كانت مثل راقصين متشابكي الأيدي في صفّ واحد، برؤوس طويلة مثل المدن وتنانير مصنوعة من الكوابل. في نظر جورج أوكيلي، بدا أمرًا رومانسيًا تغييرُ مجرى الأنهار وشكل الجبال حتى يتسنى للحياة أن تزدهر في المناطق القديمة الجدباء في العالم والتي لم تضرب فيها الجذور من قبل. لقد أحبّ الفولاذ، وكان دائما قريبًا منه في أحلامه، الفولاذ السائل، القضبان الفولاذيّة، الكُتل والعوارض، ومخزونات البلاستيك عديمة الشّكل، تنتظره مثل أدوات الفنّان. فولاذ لا ينضب، ليتحوّل إلى شيء جميل وبسيط في أجيج خياله..

كان يعمل موظف تأمين بأربعين دولار في الأسبوع، وحلمه يفلت منه بسرعة. كانت الفتاة الصغيرة السمراء التي تسببت في هذه الفوضى، هذه الفوضى الفظيعة التي لا تُحتمل، تنتظر استدعاءها من بلدة في تينيسي.

في غضون خمس عشرة دقيقة، دقّت على الباب المرأة التي استأجر منها غرفته وسألته بلُطف مغيظ إذا كان يرغب في وجبة غداء، كَونه في المنزل. هز رأسه نافيًا، ولكن الانقطاع أثاره حنقه، فنزل من السرير ليكتب برقية.

“لقد أحبطتني الرسالة لأنّك فقدت صوابك، فأنت مجرّد حمقاء وعصبيّة وتفكرين في الانفصال، لم لا تتزوجينني فورًا، مؤكّد أننا نستطيع أن نتدبّر الأمور”.

تردد لحظة طويلة، ثم أضاف بخطّ يد بالكاد يمكن المعرفة أنّه خطّه: “على أي حال، سأصل غدًا عند الساعة السادسة”.

عندما انتهى من البرقية، خرج من الشقة راكضًا إلى مكتب التلغراف بالقرب من محطة مترو الأنفاق. لم يمتلك في هذا العالم سوى مائة دولار، لكن الرسالة أظهرت أنها كانت “عصبيّة” وهذا الأمر لم يترك له أي خيار. عرف ما الذي تعنيه كلمة “عصبية”-فقد كانت مكتئبة عاطفياً، فاحتمال الزواج في في ظل ذلك الفقر والكفاح كان ينغّص على حبها كثيرًا.

وصل جورج أوكيلي إلى شركة التأمين جريًا كالمعتاد، وقد أصبح الجري سجيته الثانية تقريبًا، وأفضل ما يعبّرعن التوتر الذي يعيشه. توجّه مباشرة إلى مكتب المدير.

أريد مقابلتك يا سيد تشامبرز” صرّح لاهثًا.

“حسنًا؟” عينان، مثل نوافذ الشتاء، حملقتا فيه بحياديّة قاسية.

“أريد إجازة لمدة أربعة أيام”.

“لكنّك حصلت على إجازة قبل أسبوعين فقط!” قال السيد تشامبرز متفاجئًا.

“صحيح”، اعترف الشاب المضطرب، “لكننّي مضطرّ الآن إلى السفر مرّة أخرى”.

“أين ذهبت في المرة الأخيرة؟ إلى منزلك؟”

“لا ، ذهبت إلى مكان في تينيسي”.

“وإلى أين تريد أن تذهب هذه المرة؟”

“حسنًا، هذه المرة أريد أن أذهب إلى- مكان في تينيسي”.

قال المدير بجفاء: “أنت شخص منتظِم، على أي حال. لكن لم أكن أعرف أنك كنت تعمل هنا كوكيل سفر”.

“لست كذلك”، صاح جورج في يأس، “لكن يجب أن أسافر”.

وافق السيد تشامبرز على ذلك قائلا: “حسنًا، لكنّك لست مضطرًا للعودة. فلا تجهد نفسك!”

” لن أفعل”. ولدهشته ودهشة السيد تشامبرز، تهللت أساريره. لقد شعر بالسعادة والفرح  ولأول مرّة منذ ستة أشهر كان حرًا تمامًا. قبض على يد السيد تشامبرز بحرارة دموع الامتنان في عينيه.

قال وهو في فوران عاطفيّ: “أريد أن أشكرك. لا أريد العودة. أعتقد أنني كنت سأجن لو قلت لي إنّه بإمكاني العودة. لكن لم يكن في مقدوري إقالة نفسي، كما تعلم، وأريد أن أشكرك ل- لإقالتي”.

لوح بيده بشهامة، وصرخ بصوت عالٍ: “أنت مدين لي براتب ثلاثة أيام ولكن يمكنك الاحتفاظ به!” وهرع خارج المكتب. اتّصل السيد تشامبرز  بكاتبة الاختزال ليسألها إذا بدا أوكيلي غريبًا في الآونة الأخيرة. لقد أقال العديد من الأشخاص أثناء مسيرته المهنيّة، وتجاوبوا مع الأمر بطرق مختلفة كثيرة، لكن أحدًا لم يشكره من قبل.

كانت تُدعى جونكيل كاري، وفي نظر جورج أوكلي لم يكن هناك وجه أكثر نضارةً وشحوبًا من وجهها، عندما رأته وركضت نحوه بانفعال على رصيف المحطة.  لوّحت له بذراعيها، وكان نصف فمها مفتوحا في انتظار قبلة منه عندما أوقفته فجأة برفق، وبشيء من الحرج نظرت حولها. كان هناك شابان، أصغر سناً من جورج ، يقفان في الخلفية.

“هذان هما السيد كرادوك والسيد هولت سبق قابلتَهما عندما كنت هنا مرة” صرّحت مبتهجةً.

انزعج جورج من تحوّل القبلة إلى لقاء تعارف وتشكيك في المعاني الخفية، وزاد شعوره بالارتباك عندما اكتشف أن السيارة التي كانت ستقلهما إلى منزل جونكيل كانت لأحد الشابين. بدا أن هذا الاكتشاف وضعه في موقف سيء. في الطريق، كانت جونكيل تثرثر بين المقعد الأماميّ والمقعد الخلفيّ، وعندما حاول أن يضع يده على جسدها  مستغلاً ذريعة ساعة الشفق، أجبرته بحركة سريعة على رفع يده.

“هل هذا الشارع هو جزء من الطريق إلى منزلك؟” همس. “لا أعرفه”.

وعندما تم إنزالهما في منزل جونكيل بعد عشرين دقيقة، شعر جورج أن فرحة اللقاء الأولية، وهي الفرحة التي رآها بثقة في عينيها عند المحطة، قد تلاشت بسبب جولة السيارة الاقتحاميّة. شيء ما كان يتطلع إليه قد ضاع عرضًا، وفكّر في ذلك أثناء توديعه للشابين بجفاء. تلاشى اكتئابه عندما حضنته جونكيل حضنا مألوفا تحت الضوء الخافت للمدخل الأمامي وأخبرته بشتى الأشكال، وأفضلها كان بدون كلمات، كيف أنها اشتاقت إليه. أعادت له عاطفتها نحوه الإحساس بالطمأنينة، ووعدت قلبه المتلهف بأن كل شيء سيكون على ما يرام.

جلسا معًا على الأريكة، كلّ منهما مصدوم من حضور الآخر بشكل يفوق أي تعبير مجزأ عن الحبّ. عند العشاء، حضر والدا جونكيل وسعدا برؤية جورج. أحبّاه، وأثارت مهنته الهندسيّة اهتمامهما، عندما وصل أوّل مرّة إلى تنيسي قبل أكثر من عام. شعرا بالأسف عندما استسلم وسافر إلى نيو-يورك بحثًا عن عمل يحقّق مكسبًا فوريًا. لكن على الرغم من استهجانهما  قطعه لعمله تعاطفا معه وكانا على استعداد للاعتراف بالخطوبة. أثناء العشاء سألاه عن تقدّمه في نيو-يورك.

قال لهم بحماسٍ:  “كل شيء يسير على ما يرام. تمت ترقيتي- الراتب أفضل”.

كان بائسًا عندما قال ما قال– لكنهم كانوا في غاية السعادة.

تقول السيدة كاري: “لا شكّ أنّهم يحبونك – وإلا لما سمحوا لك بالسفر إلى هنا مرتين في غضون ثلاثة أسابيع”.

“أبلغتُهم أنهم مجبرون”، أوضح جورج على عجل. “قلت لهم إنّهم إذا لم يسمحوا لي بالسفر فلن أعمل عندهم”.

“لكن يجب عليك توفير أموالك”، لامته السيدة كاري برفق. “لا تنفق كل أموالك في هذه الرحلة المكلفة”.

انتهى العشاء– وبقي هو وجونكيل لوحدهما وعادت إلى ذراعيه.

تنهدت وقالت: “كم أنا سعيدة بوجودك هنا. أتمنى ألا تغادر مرة أخرى  يا حبيبي”.

“هل تفتقديننى؟”

“أوه، جدًا، جدًا”.

“هل أنتِ – هل يأتي رجال آخرون لرؤيتك كثيرًا؟ مثل هذين الولدين؟”

فاجأها السؤال. حدّقت العينان المخمليتان الداكنتان فيه.

بالطبع. كل الوقت. لقد أخبرتك في الرسائل أنهم يأتون يا أغلى الناس”.

كان هذا صحيحًا عندما وصل إلى المدينة لأول مرة، كانت محاطة بعشرة شبّان، تجاوبوا مع هشاشتها الخلابة بإعجاب المراهقين، وقد لاحظ عدد قليل منهم أن عينيها الجميلتين حكيمتان  ولطيفتان.

“هل تتوقع مني ألا أذهب إلى أي مكان”- سألت جونكيل، متكئةً على وسائد الأريكة حتى بدا أنها تنظر إليه من مسافة أميال- “هل أشبك يديّ وأجلس بلا حراك- إلى الأبد؟”

“ماذا تقصدين؟” بادر مذعورًا. “هل تقصدين أنّني، في ظنّك، لن أملك ما يكفي من المال لأتزوجك؟”

“أوه، لا تقفز إلى الاستنتاجات يا جورج”.

“أنا لا أقفز إلى الاستنتاجات. هذا ما قلته أنت”.

اكتشف جورج فجأة أن الأرض التي وقف عليها كانت محفوفة بالمخاطر. لم يكن في نيّته إفساد هذه الليلة. حاول أن يأخذها مرة أخرى بين ذراعيه، لكنها قاومت بشكل غير متوقع، قائلة:

“الجو حارّ. سأشغّل المروحة”.

عندما دارت المروحة، جلسا من جديد، لكنه كان في مزاج شديد الحساسية، وبشكل لا إراديّ، انغمس في العالم الذي كان ينوي تجنبه.

“متى ستتزوجينني؟”

“هل أنت مستعد لأن أتزوجك؟”

استسلم لعصبيّته دفعة واحدة، ونهض على قدميه.

صرخ قائلاً: “دعينا نغلق هذا المروحة اللعينة، إنها  تفقدني أعصابي. مثل ساعة تعدّ الوقت الذي أمضيه معك.  لقد جئت إلى هنا لأكون سعيدًا وأنسى كل شيء يتعلق بنيويورك وبالوقت –”

غرق في الأريكة بنفس الفجائيّة التي استوى فيها. أغلقت جونكيل المروحة، جذبت رأسه إلى حضنها وأخذت تمسّد شعره.

قالت بنعومة: “دعنا نجلس هكذا. بهدوء، وسوف أُرقدك. أنت متعب وعصبيّ، وستعتني بك حبيبتك”.

“لكنني لا أريد أن أجلس هكذا”، قال متذكرًا وقفز فجأة، “لا أريد أن أجلس هكذا على الإطلاق. أريدك أن تقبليني. هذا هو الشيء الوحيد الذي يريحني. عدا ذلك أنا لست عصبيًا – أنت العصبية. لست عصبيًا على الإطلاق”.

ولكَي يُثبت أنه لم يكن عصبيًا ترك الأريكة وألقى بنفسه على كرسي هزاز في الجانب الآخر من الغرفة.

“عندما أكون مستعدًا للزواج منك، تكتبين إليّ أكثر الرسائل عصبية، كما لو كنت ستتراجعين، ويجب علي أن أهرع إلى هنا”.

“لست مجبرًا على الحضور إذا كنت لا تريد ذلك”.

“لكنني أريد!” أصرّ جورج.

بدا لنفسه هادئًا ومنطقيًا جدًا وأنها تعمّدت  جره إلى الخطأ. مع كل كلمة أخرى كانا يبتعدان عن بعضهما أكثر، ولم يكن قادرًا على كبح نفسه أو تبديد القلق والألم من صوته.

لكن بعد لحظة، بدأت جونكيل تبكي بحزن وعاد هو إلى الأريكة وطوّقها بذراعه. صار هو المُواسي، جذب رأسها قريبًا إلى  كتفه ، تمتم كلاما قديما مألوفًا إلى أن هدأت وارتجفت بشكل متقطع، بين ذراعيه. لأكثر من ساعة جلسا هناك، بينما عزفت بيانوهات المساء الايقاعات الأخيرة في الشارع. لم يتحرك جورج، لم يفكر، لم يأمل، أصيب بخدر بفعل ترقّب المصيبة.  كانت الساعة تدق: الحادية عشرة، ما بعد الثانية عشرة، ثم نادت السيدة كاري بلطف من الدرابزين، ولم ير سوى الغد واليأس.

في حرّ اليوم التالي جاءت لحظة الانكسار. كان كل منهما قد عرف شعور الآخر، لكنها هي من كانت الأكثر استعدادا حسم الأمر.

قالت بحزن: “لا فائدة من الاستمرار، فأنت تعرف أنك تكره العمل في التأمين، ولن تنجح في ذلك أبداً”.

“ليست هنا المشكلة”، أصرّ بعناد. “أكره المواصلة لوحدي. إذا تزوجتني ورافقتني ومنحتنا فرصة، أستطيع أن أحقق النجاح في أي شيء، ولكن ليس في الوقت الذي أشعر فيه بالقلق عليك من وجودك هنا”.

صمتت طويلا قبل الإجابة، ولم تفكر- لأنها رأت النهاية – وإنما انتظرت، لأنها أدركت أن كل كلمة ستبدو أكثر قسوة من سابقتها. وفي النهاية نطقت:

جورج ، أنا أحبك من كلّ قلبي، ولا أتخيل أني أحب أحدا غيرك، لو كنتَ مستعدًا لذلك قبل شهرين، لتزوجتك – الآن لا يمكنني أن أفعلها لأنه لا يبدو صوابًا”.

وجه إليها اتهامات قاسية – كان هناك شخص آخر – لقد أخفت عنه أمرًا!

“لا، لا يوجد شخص آخر”.

كان هذا صحيحًا. لكن، كردة فعل على هذه القضية التي أثارت توتّرها، وجدت راحة برفقة شبان أمثال جيري هولت، والذي تمتّع بميزة أنّه لم يعن لها شيئًا.

لم يقبل جورج الوضع على الإطلاق. أمسك بها بين ذراعيه وحاول تقبيلها  لاقناعها بالزواج منه في الحال. عندما أخفق في ذلك، شرع في  مونولوج طويل من الشفقة على النفس، وتوقف فقط عندما رأى أنه يذل نفسه أمامها. هدد بالرحيل في الوقت الذي لم تكن لديه نية للرحيل، ورفض أن يغادر عندما قالت له  أنه من الأفضل أن يفعل ذلك.

ندمَت لوهلة، ثمّ تحوّلت إلى مجرد كائن لطيف.

” من الأفضل أن ترحل الآن”، صرخت أخيرا بقوّة، لدرجة أن السيّدة كاري نزلت عن الدرج مذهولة.

“هل حدث شيء؟”

“سوف أرحل يا سيدة كاري”، قال جورج بصوتٍ مكسور. تركت جونكيل الغرفة.

“لا تشعر بسوء إلى هذا الحد يا جورج”. نظرت إليه السيدة كاري في تعاطف عاجز-حزين، لكنها في نفس الوقت، شعرت بالفرحة لأن المأساة الصغيرة شارفت على الانتهاء. “لو كنت مكانك لعدت إلى منزل والدتك لمدّة أسبوع أو نحو ذلك. ربما، في النهاية، هذا هو الصواب-“.

صرخ قائلاً: “من فضلك لا تتكلمي. من فضلك لا تقولي لي أي شيء الآن!”

دخلت إلى الغرفة مرة أخرى ، غطّت حزنها وغضبها تحت المسحوق وأحمر الشفاه والقبعة.

قالت بجفاء: “طلبتُ سيارة أجرة.. يمكننا أن نتجول حتى موعد انطلاق قطارك”.

خرجَت إلى الشرفة الأمامية. ارتدى جورج معطفه واعتمر قبعته ووقف لمدة دقيقة منهكًا في الردهة – بالكاد تناول شيئًا منذ أن غادر نيويورك. حضرت السيدة كاري، شدّت رأسه إلى الأسفل، وقبلته على خدّه، شعر بالسخافة والضعف عندما أدرك أن المشهد كان سخيفًا وضعيفًا في نهايته. لو أنه فقط غادر في الليلة السابقة- لو تركها للمرة الأخيرة بكبرياء لائق.

وصلت سيارة الأجرة، ولمدة ساعة، تجول الاثنان اللذان كانا حبيبَين في شوارع لا يسلكها الناس كثيرًا. أمسك بيدها وصار أكثر هدوءًا في ضوء الشمس، حيث أدرك متأخراً أنه لم يكن هناك ما يفعله أو يقوله على طول الطريق.

قال لها: “سأعود”.

“أعلم ذلك” أجابت، محاولةً إضفاء نبرة مرحة من الأمل على صوتها. “وسنراسل بعضنا البعض- أحيانًا”.

قال: “لا. لن نفعل. لا استطيع تحمل ذلك. سأعود يومًا ما”.

“لن أنساك أبداً يا جورج”.

وصلا إلى المحطة، ورافقته وهو يشتري تذكرته …

“ها هما، جورج أوكلي وجونكيل كاري!”

كانا رجلاً وفتاة عرفهما جورج أثناء عمله في المدينة، ويبدو أن جونكيل رحبت بوجودهما بارتياح. لمدة خمس دقائق لا متناهية وقفوا جميعا هناك وتبادلوا الحديث. ثم وصل القطار إلى المحطة مُحدثًا ضجيجًا، وبتعابير وجه معذّبة لا يمكن إخفاؤها مدّ جورج ذراعيه نحو جونكيل. خطت خطوة مترددة تجاهه ، تعثرت، ثم صافحته بسرعة كما لو ودّعت صديقًا عرضيًا.

قالت: “مع السلامة يا جورج. أتمنى لك رحلة سعيدة”.

” مع السلامة يا جورج. عد لزيارتنا ثانيةً”.

فاقدًا النّطق، يكاد لا يبصر شيئًا من الألم، رفع حقيبته،  وركب القطار غائبًا عن الوعي.

عبر القطار تقاطعات الشوارع الصاخبة، حاشدًا سرعة من خلال مساحات الضواحي الواسعة باتجاه غروب الشمس. ربما هي أيضاً سترى غروب الشمس وتتوقف للحظة، تلتفت، تتذكر، قبل أن يتلاشى مع نومها في الماضي. غسق هذا الليل سيغطي إلى الأبد الشمس والأشجار والأزهار وضحكات عالمه الفتيّ.

في شهر أيلول من العام التالي، ذات ظهيرة نديّة، ترجّل شاب محروق الوجه بلون نحاسيّ غامق، من القطار بمدينة في ولاية تينيسي. نظر حوله بقلق، وبدا مرتاحًا عندما رأى ألا أحد ينتظره في المحطة. تنقل في سيارة أجرة إلى أفضل فندق في المدينة حيث سجّل اسمه، عن قناعة ورضى، جورج أوكيلي، كوزكو، البيرو.

وفي غرفته، جلس لبضع دقائق عند النافذة ينظر إلى الشارع المألوف. ثم ارتعدت يده بضعف عندما رفع السماعة واتصل.

“هل جونكيل موجودة؟”

“تتكلّم”.

“اه…”تغلّب صوته على ميله الطفيف نحو الارتعاش وواصل بطريقة رسمية ودية.

“معك جورج أوكلي. هل تلقيت رسالتي؟”

“نعم. تخيّلت أنّك ستصل اليوم”.

صوتها، بارد وجاف، ضايقه، ولكن ليس كما كان يتوقع. كان صوت شخص غريب، خال من الانفعال، سعيدة لرؤيته- هذا كل شيء. أراد أن يقفل ويلتقط أنفاسه.

نجح في أن ينطق بشكل ارتجاليّ: “لم أرك منذ فترة طويلة، منذ أكثر من عام”.

كان يعلم بالضّبط كم من الوقت مرّ.

” الحديث معك مجددًا سيكون أمرًا رائعًا”.

“سأصل خلال ساعة تقريبًا”.

أقفل السماعة. طيلة أربعة فصول طويلة، ترقّب هذه الساعة، وها قد جاءت. ظنّ أنّه سيجدها قد تزوجت، خطبت، وقعت في الحب-لم يتخيّل أنها ستكون لا مبالية بعودته.

شعر أنه لن يعيش في حياته عشرة أشهر أخرى شبيهة بتلك التي عاشها. باعتراف الجميع، كانت انجازاته لافتة للنظر كمهندس شاب- اصطدم بفرصتين استثنائيتين، واحدة في البيرو، حيث كان قد عاد لتوه من هناك، والأخرى، نتيجة لتلك العودة، في نيويورك، حيث كان ملتزماً بالعمل. في هذا الوقت القصير كان قد تخلّص من الفقر ووصل إلى مكانة فرصها غير محدودة.

نظر إلى نفسه في مرآة طاولة الزينة. كان تقريبًا أسود مسفوعًا، لكنه كان لونًا رومانسيًا. في الأسبوع الماضي، ولأنه امتلك الوقت للتفكير في الأمر، شعر بمتعة كبيرة. وقد أسره سحر خشونة منظره وأبرزها  بشيء من الانبهار. فقد جزءًا من حاجبه وكانت ركبته ما تزال مضمّدة، لكنه كان صغيرًا في السنّ ولم يدرك أن نساء كثيرات على متن السفينة تأملنه باهتمام خاصّ.

كانت ملابسه بالطبع فظيعة. خاطها له خياط يوناني- في غضون يومين. كان صغيرًا على إعطاء تفسير لجونكيل في رسالته القصيرة حول عدم الكفاءة في الخياطة. التفصيلة الوحيدة الإضافيّة التي تضمنّها كانت طلبه بعدم مقابلته في المحطة.

انتظر جورج أوكيلي، من كوزكو، البيرو، مدة ساعة ونصف الساعة في الفندق، وعلى وجه الدقة حتى توسّطت الشمس السماء. كان حليقًا بعناية ومكسوًا بمسحوق الطلق الذي منحه درجة لون قوقازية أكثر، لأنّ الغرور تغلّب في اللحظة الأخيرة على الرومانسيّة، وطلب سيارة أجرة متجهًا إلى المنزل الذي كان يعرفه جيدًا.

تنفّس بصعوبة– وقد لاحظ الأمر، لكنه قال في نفسه إن ذلك سببه الانفعال، وليس العاطفة. لقد وصل. لم تكن متزوجة- وهذا كان كافيًا. لم يكن متأكدًا مما سيقوله لها. ولكن كانت هذه لحظة حياته التي شعر أنه لا يستطيع الاستغناء عنها. في نهاية المطاف، لن يحقق أي انتصار من دونها، وإذا لم يضع غنائمه عند قدميها، فبإمكانه على الأقل أن يلوّح بها أمام عينيها للحظة.

كان البيت يلوح فجأة بجانبه، وكان أول ما خطر في باله أنّه اتّخذ أبعادًا غير واقعيّة وغريبة. لم يتغير شيء– لكن كلّ شيء تغيّر. كان المنزل أصغر حجمًا وأكثر رثاثةً من ذي قبل – لم تكن هناك سحابة من السحر تحوم فوق سطحه وتنبثق من نوافذ الطابق العلوي. رن جرس الباب وظهرت خادمة زنجية لا يعرفها. سوف تنزل الآنسة جونكيل بعد لحظة. رطب شفتيه بعصبية ودخل إلى غرفة الاستقبال- وازداد الإحساس باللاواقعيّة. في النهاية، رأى أنها  كانت مجرد غرفة، وليست الغرفة السحرية التي قضى فيها تلك الساعات العاطفيّة. جلس على الكرسي، وقد دُهش أنّه كرسيّ، مدركًا أن خياله قد شوه كل هذه الأشياء البسيطة المألوفة.

ثم فُتح الباب ودخلت جونكيل إلى الغرفة- وبدا كما لو الغرفة تشوّشت فجأة أمام عينيه. لم يتذكر كم كانت جميلة، وشعر أن وجهه يشحب وصوته يتقلص إلى تنهيدة حقيرة في الحنجرة.

ارتدت ثوبًا أخضر باهتًا، وطوّق شريط ذهبيّ شعرها الداكن الأملس مثل تاج. اصطادت العينان المخمليتان المألوفتان له عينيه عند دخولها الغرفة، وسرت في جسمه اختلاجة خوف أمام قوة جمالها المؤلمة.

ألقى التحيّة، وتقدّم الاثنان بخطوات معدودة وتصافحا. ثم جلسا على كراسي متباعدة بعض الشيء وحدق كلّ منهما في الآخر من جانبَي الغرفة.

“لقد عدت”، قالت، وأجاب بطريقة مبتذلة: “أردت أن أتوقف وأراك وأنا أمرّ من هنا”.

حاول تحييد الرعشة في صوته بالنظر إلى اي اتجاه ما عدا وجهها. كان واجب الكلام يقع عليه، ولكن بدا الأمر كما لو أنّه لا يملك كلامًا يقوله إلا إذا بدأ في التفاخر. لم يكن هناك أي شيء عادي في علاقاتهما السابقة، ولم يكن ممكنًا أن يتحدث من هم في مثل موقفهما هذا عن حالة الطقس.

قال في حرج مفاجئ: “هذا أمر سخيف. لا أعرف بالضبط ماذا علي أن أفعل. هل يزعجك وجودي هنا؟”

“لا”. كانت الإجابة منضبطة وحزينة في نفس الوقت. هذا الأمر أحبطه.

“هل أنت مخطوبة؟

“لا”.

“هل تحبين أحدًا؟”

هزت رأسها نافيةً.

“أوه”. استند إلى كرسيه. بدا أنهما استنفذا موضوعًا آخر- لم تأخذ المقابلة المسار الذي كان يقصده.

قال هذه المرة بنبرة رقيقة: “جونكيل، بعد كل ما حدث بيننا، أردت أن أعود وأراك. مهما فعلتُ في المستقبل، لن أحب أبداً فتاة أخرى كما أحببتك”.

كانت هذه احدة من بين العبارات التي تدرب عليها، على متن السفينة البخارية،  وبدا أنّها عبّرت عن المطلوب- فقد أشارت إلى الرقة التي كان يشعر بها دائما تجاهها، وموقف غير ملزم تجاه عواطفه الان. هنا، والماضي من حوله، بجانبه، حيث أثقل على الجوّ، بدت العبارة دراميّة ومبتذلة.

لم تعلق على ذلك، جلست دون حراك، عيناها مثبتتان عليه بتعابير وجه قالت كلّ شيء، أو لا شيء.

“لم تعودي تحبينني، صحيح؟” سألها بصوت منخفض.

“صحيح”.

عندما دخلت السيدة كاري بعد لحظات، وتحدثت معه عن نجاحه – حيث كتبوا عنه نصف عمود في الجريدة المحلية- اختلطت عليه مشاعره. أدرك الآن أنه ما زال يرغب في هذه الفتاة، وأدرك أن الماضي قد يعود أحيانا- وهذا كل شيء. بقي أن يكون قوياً وحذرًا وسوف يرى.

قالت السيدة كاري: “الآن، أريد منكما أن تزورا السيدة صاحبة الأقحوانات. أخبرتني بشكل خاص أنها تريد رؤيتك لأنها قرأت عنك في الصحيفة”.

ذهبا لمقابلة السيدة صاحبة الأقحوانات. سارا على طول الشارع، ولاحظ بشيء من الانفعال فقط كيف أن خطواتها القصيرة وقعت دائمًا بين خطواته. اتّضح أن السيدة لطيفة، وكانت الأقحوانات كبيرة وجميلة بشكل غير عادي. كانت حدائق السيدة تعج بالأبيض والوردي والأصفر، بحيث كان التواجد بينها عبارة عن رحلة في قلب الصيف. كانت هناك حديقتان ممتلئتان وتوسّطتهما بوابة. عندما سارا على مهل باتجاه الحديقة الثانية، كانت السيدة أول من اجتاز البوابة.

ثم حدث شيء غريب. تنحى جورج جانباً ليسمح لـ “جونكيل” بالمرور، لكن بدلاً من أن تمر وقفت وحدقت فيه لمدة دقيقة. لم تكن النظرة، التي لم تكن ابتسامة، بقدر ما كانت لحظة صمت. لقد رأى كلّ منهما عيني الآخر، وأخذا نفسًا قصيرًا وسريعًا ، ثم واصلا طريقهما إلى الحديقة الثانية. هذا كل شيء.

تضاءلت ساعات العصر. شكرا السيدة وسارا سوية عائدين إلى المنزل بتؤدة، مشغولَي الفكر. حتى أثناء وجبة العشاء كانا صامتين. أخبر جورج السيد كاري شيئًا حول ما حدث في أمريكا الجنوبية، ونجح في أن يبيّن حقيقة أنّ كل شيء سيكون سهلًا بالنسبة له في المستقبل.

ثم انتهى العشاء، وبقي لوحده مع جونكيل في الغرفة التي شهدت بداية علاقة حبهما ونهايتها. بدا له الأمر محزنًا للغاية وكأنّه حد ث منذ زمن. على تلك الأريكة، شعر بكرب وحزن لن يعيشهما مرة أخرى. لن يكون أبدًا ضعيفًا أو متعبًا إلى هذا الحد أو بائسًا وفقيرًا.

مع ذلك، عَرفَ أن ذلك الصبيّ الذي كانَه قبل خمسة عشر شهراً، امتلك شيئًا، ثقةً، دفئًا، اختفى إلى الأبد. الصواب- لقد فعلا الصواب. كان قد حوّل شبابه إلى قوة ونحت نجاحه من اليأس. ولكن الحياة جرفت نضارة حبّه مع شبابه.

قال بهدوء: “لن تتزوجيني، أليس كذلك؟”

أومأت جونكيل برأسها الداكن.

” لن أتزوج أبداً”، أجابت.

أومأ.

“سأسافر إلى واشنطن صباحًا”، قال.

“أوه-“

“يجب أن أسافر. علي أن أكون في نيويورك في مطلع الشهر، وفي الوقت الحالي أريد أن أتوقف في واشنطن”.

“أعمال!”

“لا “، قال على مضض. “هناك امرأة يجب أن أراها، كانت لطيفة جدًا معي وأنا مكتئب ومحطّم”.

لقد اختلق الحكاية. لم يكن هناك أحد في واشنطن، لكنه راقب جونكيل بشدة، وكان واثقاً من أنها انكمشت قليلاً، وأغلقت عينيها ثم فتحتهما على آخرهما مرة أخرى.

“ولكن قبل أن أرحل أريد أن أخبرك بالأشياء التي حدثت لي منذ أن رأيتك ، ولأننا قد لا نلتقي مرة أخرى، فكّرت أنّه ربّما قد توافقين على الجلوس في حضني كما اعتدت. ما كنت لأطلب هذا الطلب، لكن لأنّك بلا  حبيب – حاليًا- ربّما لا أهميّة للأمر.

أومأت برأسها، وعلى الفور جلست في حضنه حيث اعتادت أن تجلس كثيراً في ذلك الربيع المندثر. الإحساس برأسها على كتفه، الإحساس بجسدها المألوف، أثار عاطفته. مالت ذراعاه الممسكتان بها إلى تطويقها، لذلك استند إلى الخلف وأخذ يتحدث وهو مستغرق في التفكير.

حدّثها عن حالة اليأس طيلة أسبوعين في نيويورك والتي انتهت بوظيفة مثيرة وإن لم تكن مربحة كثيرا في مصنع للبناء في مدينة جيرسي. عندما قدمت شركة البيرو نفسها لأول مرة، لم تبد له الفرصة استثنائية. كان من المقرر أن يعمل مساعد مهندس ثالث في البعثة، ولكن فقط عشرة أشخاص من الطاقم الأمريكي، بما في ذلك ثمانية من مهندسي المساحة ومساعديهم وصلوا إلى كوزكو. بعد مضيّ عشرة أيام، توفّي رئيس البعثة من الحمى الصفراء. كانت هذه فرصته، فرصة لأي شخص إلا الحمقى، فرصة رائعة.

” فرصة لأي شخص إلا الحمقى؟” قاطعته ببراءة.

تابع: “حتى بالنسبة للحمقى كانت فرصة رائعة. حسنًا، أرسلت برقية إلى نيويورك –”.

قاطعت مجددًا: “ثمّ ،أرسلوا برقية يقولون فيها إنه يحسن بك أن تغتنم الفرصة؟”

صاح بانفعال مستندًا إلى الخلف: “يحسن بي! كنتُ ملزمًا. لم يكن هناك وقت أضيعه-“

“ولا حتى دقيقة؟”

“ولا حتى دقيقة”.

“ولا حتى من أجل..” توقفت.

“من أجل ماذا؟”

“انظر.

ثم قدّم رأسه إلى الأمام فجأة، واقتربت منه وشفتاها مفتوحتان جزئيًا مثل زهرة.

“نعم”، همس في شفتيها. ” كلّ الوقت في العالم …”

كل الوقت في العالم- حياته وحياتها. لكن في لحظة، عندما قبّلها، أدرك أنه على الرغم من أنه كان يبحث عن طريق الأبدية، لن يتمكن أبدا من استعادة ساعات نيسان الضائعة. يمكنه أن يهرسها الآن حتى تعقد عضلاته في ذراعيه- كانت شيئًا مشتهى ونادرًا لدرجة حارب من أجله وتملّكه- ولكن الهمس اللامُدرك في الغسق، أو في نسيم الليل … لن يعود.

حسنًا، دع الأمر يمرّ، فكّر. لقد انتهى شهر نيسان، انتهى شهر نيسان. الحب موجود على مختلف أشكاله في العالم، ولكن الحب نفسه لا يتكرر مرّتين.

وقت الاستراحة الكبرى لوجبة الغداء الأمريكيّة، رتّب الشاب جورج أوكلي طاولة مكتبه برويّةٍ وباهتمامٍ متكلّف. يحظر أن يعرف من معه في المكتب أنّه كان على عجلة من أمره، لأن النجاح مسألة تتعلّق بالسياق، والتّصريح بحقيقة انفصال ذهنك عن عملك مسافة سبع مائة ميل ليس أمرًا جيدًا.

ولكن لحظة خروجه من البناية أصبحَ حازمًا وأخذ يعدو بين الفينة والأخرى متأملا الظهيرة البهيجة لبداية الربيع، والتي ملأت ميدان التايمز، وحامت متلكّئةً مسافة تقل عن ستّة أمتار فوق رؤوس الحشد. بدا الحشد مرتفعًا قليلاً يتنّفس هواء آذار، وزغللت الشمس عيون الناس، بحيث لم ير الواحد منهم الآخر، وإنما مجرّد انعكاس ذواتهم في السماء.

جورج أوكيلي، الذي ابتعد ذهنه مسافة سبعمائة ميل، كان يعتقد أن كل ما يدور في الخارج فظيع. هرع إلى المترو، وعلى طول 95  كتلة من البنايات ألقى نظرة مائلة مجنونة صوب لافتة إعلانيّة أوضحت بأن فرصته للحفاظ على أسنانه في عشر سنوات هي بنسبة واحد لخمسة.  في شارع 137، ترك دراسته للفن التجاري، وترك مترو الأنفاق، وأخذ يعدو مرة أخرى، بلا كلل أو ملل إلى أن وصل هذه المرة إلى منزله الذي كان عبارة عن غرفة واحدة في بناية سكنية شاهقة وفظيعة في وسط اللامكان.

كانت الرسالة هناك على طاولة المكتب- بالحبر المقدّس، على الورق المبارك- ولو أن الناس، في جميع أرجاء المدينة، أصغوا، لسمعوا نبضات قلب جورج أوكيلي. قرأ الفواصل وبقع الحبر وبصمة الإبهام في الهوامش- ثمّ ارتمى على سريره بيأس.

كان في حالة من الفوضى، تلك الحالات التي يعيشها الفقراء كحدث عاديّ، والتي تتبع الفقر مثل الطيور الجارحة. الفقراء يهبطون أو يصعدون أو يخطئون أو حتّى يواصلون طريقهم، بشكل ما، على نهج الفقراء، لكنّ الفقر كان شيئًا جديدًا للغاية على جورج أوكلي بحيث لو أنكر أحدهم استثنائيّة حالته- لأصيب بصعقة.

قبل أقل من عامين، تخرج بتفوّق من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وشغل منصبًا في شركة مهندسي إنشاءات في جنوب ولاية تينيسي. طوال حياته، كان يفكر بمصطلحات الأنفاق وناطحات السحاب والسّدود العظيمة والجسور الطويلة ذات الثلاثة أبراج، والتي كانت مثل راقصين متشابكي الأيدي في صفّ واحد، برؤوس طويلة مثل المدن وتنانير مصنوعة من الكوابل. في نظر جورج أوكيلي، بدا أمرًا رومانسيًا تغييرُ مجرى الأنهار وشكل الجبال حتى يتسنى للحياة أن تزدهر في المناطق القديمة الجدباء في العالم والتي لم تضرب فيها الجذور من قبل. لقد أحبّ الفولاذ، وكان دائما قريبًا منه في أحلامه، الفولاذ السائل، القضبان الفولاذيّة، الكُتل والعوارض، ومخزونات البلاستيك عديمة الشّكل، تنتظره مثل أدوات الفنّان. فولاذ لا ينضب، ليتحوّل إلى شيء جميل وبسيط في أجيج خياله..

كان يعمل موظف تأمين بأربعين دولار في الأسبوع، وحلمه يفلت منه بسرعة. كانت الفتاة الصغيرة السمراء التي تسببت في هذه الفوضى، هذه الفوضى الفظيعة التي لا تُحتمل، تنتظر استدعاءها من بلدة في تينيسي.

في غضون خمس عشرة دقيقة، دقّت على الباب المرأة التي استأجر منها غرفته وسألته بلُطف مغيظ إذا كان يرغب في وجبة غداء، كَونه في المنزل. هز رأسه نافيًا، ولكن الانقطاع أثاره حنقه، فنزل من السرير ليكتب برقية.

“لقد أحبطتني الرسالة لأنّك فقدت صوابك، فأنت مجرّد حمقاء وعصبيّة وتفكرين في الانفصال، لم لا تتزوجينني فورًا، مؤكّد أننا نستطيع أن نتدبّر الأمور”.

تردد لحظة طويلة، ثم أضاف بخطّ يد بالكاد يمكن المعرفة أنّه خطّه: “على أي حال، سأصل غدًا عند الساعة السادسة”.

عندما انتهى من البرقية، خرج من الشقة راكضًا إلى مكتب التلغراف بالقرب من محطة مترو الأنفاق. لم يمتلك في هذا العالم سوى مائة دولار، لكن الرسالة أظهرت أنها كانت “عصبيّة” وهذا الأمر لم يترك له أي خيار. عرف ما الذي تعنيه كلمة “عصبية”-فقد كانت مكتئبة عاطفياً، فاحتمال الزواج في في ظل ذلك الفقر والكفاح كان ينغّص على حبها كثيرًا.

وصل جورج أوكيلي إلى شركة التأمين جريًا كالمعتاد، وقد أصبح الجري سجيته الثانية تقريبًا، وأفضل ما يعبّرعن التوتر الذي يعيشه. توجّه مباشرة إلى مكتب المدير.

أريد مقابلتك يا سيد تشامبرز” صرّح لاهثًا.

“حسنًا؟” عينان، مثل نوافذ الشتاء، حملقتا فيه بحياديّة قاسية.

“أريد إجازة لمدة أربعة أيام”.

“لكنّك حصلت على إجازة قبل أسبوعين فقط!” قال السيد تشامبرز متفاجئًا.

“صحيح”، اعترف الشاب المضطرب، “لكننّي مضطرّ الآن إلى السفر مرّة أخرى”.

“أين ذهبت في المرة الأخيرة؟ إلى منزلك؟”

“لا ، ذهبت إلى مكان في تينيسي”.

“وإلى أين تريد أن تذهب هذه المرة؟”

“حسنًا، هذه المرة أريد أن أذهب إلى- مكان في تينيسي”.

قال المدير بجفاء: “أنت شخص منتظِم، على أي حال. لكن لم أكن أعرف أنك كنت تعمل هنا كوكيل سفر”.

“لست كذلك”، صاح جورج في يأس، “لكن يجب أن أسافر”.

وافق السيد تشامبرز على ذلك قائلا: “حسنًا، لكنّك لست مضطرًا للعودة. فلا تجهد نفسك!”

” لن أفعل”. ولدهشته ودهشة السيد تشامبرز، تهللت أساريره. لقد شعر بالسعادة والفرح  ولأول مرّة منذ ستة أشهر كان حرًا تمامًا. قبض على يد السيد تشامبرز بحرارة دموع الامتنان في عينيه.

قال وهو في فوران عاطفيّ: “أريد أن أشكرك. لا أريد العودة. أعتقد أنني كنت سأجن لو قلت لي إنّه بإمكاني العودة. لكن لم يكن في مقدوري إقالة نفسي، كما تعلم، وأريد أن أشكرك ل- لإقالتي”.

لوح بيده بشهامة، وصرخ بصوت عالٍ: “أنت مدين لي براتب ثلاثة أيام ولكن يمكنك الاحتفاظ به!” وهرع خارج المكتب. اتّصل السيد تشامبرز  بكاتبة الاختزال ليسألها إذا بدا أوكيلي غريبًا في الآونة الأخيرة. لقد أقال العديد من الأشخاص أثناء مسيرته المهنيّة، وتجاوبوا مع الأمر بطرق مختلفة كثيرة، لكن أحدًا لم يشكره من قبل.

كانت تُدعى جونكيل كاري، وفي نظر جورج أوكلي لم يكن هناك وجه أكثر نضارةً وشحوبًا من وجهها، عندما رأته وركضت نحوه بانفعال على رصيف المحطة.  لوّحت له بذراعيها، وكان نصف فمها مفتوحا في انتظار قبلة منه عندما أوقفته فجأة برفق، وبشيء من الحرج نظرت حولها. كان هناك شابان، أصغر سناً من جورج ، يقفان في الخلفية.

“هذان هما السيد كرادوك والسيد هولت سبق قابلتَهما عندما كنت هنا مرة” صرّحت مبتهجةً.

انزعج جورج من تحوّل القبلة إلى لقاء تعارف وتشكيك في المعاني الخفية، وزاد شعوره بالارتباك عندما اكتشف أن السيارة التي كانت ستقلهما إلى منزل جونكيل كانت لأحد الشابين. بدا أن هذا الاكتشاف وضعه في موقف سيء. في الطريق، كانت جونكيل تثرثر بين المقعد الأماميّ والمقعد الخلفيّ، وعندما حاول أن يضع يده على جسدها  مستغلاً ذريعة ساعة الشفق، أجبرته بحركة سريعة على رفع يده.

“هل هذا الشارع هو جزء من الطريق إلى منزلك؟” همس. “لا أعرفه”.

وعندما تم إنزالهما في منزل جونكيل بعد عشرين دقيقة، شعر جورج أن فرحة اللقاء الأولية، وهي الفرحة التي رآها بثقة في عينيها عند المحطة، قد تلاشت بسبب جولة السيارة الاقتحاميّة. شيء ما كان يتطلع إليه قد ضاع عرضًا، وفكّر في ذلك أثناء توديعه للشابين بجفاء. تلاشى اكتئابه عندما حضنته جونكيل حضنا مألوفا تحت الضوء الخافت للمدخل الأمامي وأخبرته بشتى الأشكال، وأفضلها كان بدون كلمات، كيف أنها اشتاقت إليه. أعادت له عاطفتها نحوه الإحساس بالطمأنينة، ووعدت قلبه المتلهف بأن كل شيء سيكون على ما يرام.

جلسا معًا على الأريكة، كلّ منهما مصدوم من حضور الآخر بشكل يفوق أي تعبير مجزأ عن الحبّ. عند العشاء، حضر والدا جونكيل وسعدا برؤية جورج. أحبّاه، وأثارت مهنته الهندسيّة اهتمامهما، عندما وصل أوّل مرّة إلى تنيسي قبل أكثر من عام. شعرا بالأسف عندما استسلم وسافر إلى نيو-يورك بحثًا عن عمل يحقّق مكسبًا فوريًا. لكن على الرغم من استهجانهما  قطعه لعمله تعاطفا معه وكانا على استعداد للاعتراف بالخطوبة. أثناء العشاء سألاه عن تقدّمه في نيو-يورك.

قال لهم بحماسٍ:  “كل شيء يسير على ما يرام.تمت ترقيتي- الراتب أفضل”.

كان بائسًا عندما قال ما قال– لكنهم كانوا في غاية السعادة.

تقول السيدة كاري: “لا شكّ أنّهم يحبونك – وإلا لما سمحوا لك بالسفر إلى هنا مرتين في غضون ثلاثة أسابيع”.

“أبلغتُهم أنهم مجبرون”، أوضح جورج على عجل. “قلت لهم إنّهم إذا لم يسمحوا لي بالسفر فلن أعمل عندهم”.

“لكن يجب عليك توفير أموالك”، لامته السيدة كاري برفق. “لا تنفق كل أموالك في هذه الرحلة المكلفة”.

انتهى العشاء– وبقي هو وجونكيل لوحدهما وعادت إلى ذراعيه.

تنهدت وقالت: “كم أنا سعيدة بوجودك هنا. أتمنى ألا تغادر مرة أخرى  يا حبيبي”.

“هل تفتقديننى؟”

“أوه، جدًا، جدًا”.

“هل أنتِ – هل يأتي رجال آخرون لرؤيتك كثيرًا؟ مثل هذين الولدين؟”

فاجأها السؤال. حدّقت العينان المخمليتان الداكنتان فيه.

بالطبع. كل الوقت. لقد أخبرتك في الرسائل أنهم يأتون يا أغلى الناس”.

كان هذا صحيحًا عندما وصل إلى المدينة لأول مرة، كانت محاطة بعشرة شبّان، تجاوبوا مع هشاشتها الخلابة بإعجاب المراهقين، وقد لاحظ عدد قليل منهم أن عينيها الجميلتين حكيمتان  ولطيفتان.

“هل تتوقع مني ألا أذهب إلى أي مكان”- سألت جونكيل، متكئةً على وسائد الأريكة حتى بدا أنها تنظر إليه من مسافة أميال- “هل أشبك يديّ وأجلس بلا حراك- إلى الأبد؟”

“ماذا تقصدين؟” بادر مذعورًا. “هل تقصدين أنّني، في ظنّك، لن أملك ما يكفي من المال لأتزوجك؟”

“أوه، لا تقفز إلى الاستنتاجات يا جورج”.

“أنا لا أقفز إلى الاستنتاجات. هذا ما قلته أنت”.

اكتشف جورج فجأة أن الأرض التي وقف عليها كانت محفوفة بالمخاطر. لم يكن في نيّته إفساد هذه الليلة. حاول أن يأخذها مرة أخرى بين ذراعيه، لكنها قاومت بشكل غير متوقع، قائلة:

“الجو حارّ. سأشغّل المروحة”.

عندما دارت المروحة، جلسا من جديد، لكنه كان في مزاج شديد الحساسية، وبشكل لا إراديّ، انغمس في العالم الذي كان ينوي تجنبه.

“متى ستتزوجينني؟”

“هل أنت مستعد لأن أتزوجك؟”

استسلم لعصبيّته دفعة واحدة، ونهض على قدميه.

صرخ قائلاً: “دعينا نغلق هذا المروحة اللعينة، إنها  تفقدني أعصابي. مثل ساعة تعدّ الوقت الذي أمضيه معك.  لقد جئت إلى هنا لأكون سعيدًا وأنسى كل شيء يتعلق بنيويورك وبالوقت –”

غرق في الأريكة بنفس الفجائيّة التي استوى فيها. أغلقت جونكيل المروحة، جذبت رأسه إلى حضنها وأخذت تمسّد شعره.

قالت بنعومة: “دعنا نجلس هكذا. بهدوء، وسوف أُرقدك. أنت متعب وعصبيّ، وستعتني بك حبيبتك”.

“لكنني لا أريد أن أجلس هكذا”، قال متذكرًا وقفز فجأة، “لا أريد أن أجلس هكذا على الإطلاق. أريدك أن تقبليني. هذا هو الشيء الوحيد الذي يريحني. عدا ذلك أنا لست عصبيًا – أنت العصبية. لست عصبيًا على الإطلاق”.

ولكَي يُثبت أنه لم يكن عصبيًا ترك الأريكة وألقى بنفسه على كرسي هزاز في الجانب الآخر من الغرفة.

“عندما أكون مستعدًا للزواج منك، تكتبين إليّ أكثر الرسائل عصبية، كما لو كنت ستتراجعين، ويجب علي أن أهرع إلى هنا”.

“لست مجبرًا على الحضور إذا كنت لا تريد ذلك”.

“لكنني أريد!” أصرّ جورج.

بدا لنفسه هادئًا ومنطقيًا جدًا وأنها تعمّدت  جره إلى الخطأ. مع كل كلمة أخرى كانا يبتعدان عن بعضهما أكثر، ولم يكن قادرًا على كبح نفسه أو تبديد القلق والألم من صوته.

لكن بعد لحظة، بدأت جونكيل تبكي بحزن وعاد هو إلى الأريكة وطوّقها بذراعه. صار هو المُواسي، جذب رأسها قريبًا إلى  كتفه ، تمتم كلاما قديما مألوفًا إلى أن هدأت وارتجفت بشكل متقطع، بين ذراعيه. لأكثر من ساعة جلسا هناك، بينما عزفت بيانوهات المساء الايقاعات الأخيرة في الشارع. لم يتحرك جورج، لم يفكر، لم يأمل، أصيب بخدر بفعل ترقّب المصيبة.  كانت الساعة تدق: الحادية عشرة، ما بعد الثانية عشرة، ثم نادت السيدة كاري بلطف من الدرابزين، ولم ير سوى الغد واليأس.

في حرّ اليوم التالي جاءت لحظة الانكسار. كان كل منهما قد عرف شعور الآخر، لكنها هي من كانت الأكثر استعدادا حسم الأمر.

قالت بحزن: “لا فائدة من الاستمرار، فأنت تعرف أنك تكره العمل في التأمين، ولن تنجح في ذلك أبداً”.

“ليست هنا المشكلة”، أصرّ بعناد. “أكره المواصلة لوحدي. إذا تزوجتني ورافقتني ومنحتنا فرصة، أستطيع أن أحقق النجاح في أي شيء، ولكن ليس في الوقت الذي أشعر فيه بالقلق عليك من وجودك هنا”.

صمتت طويلا قبل الإجابة، ولم تفكر- لأنها رأت النهاية – وإنما انتظرت، لأنها أدركت أن كل كلمة ستبدو أكثر قسوة من سابقتها. وفي النهاية نطقت:

جورج ، أنا أحبك من كلّ قلبي، ولا أتخيل أني أحب أحدا غيرك، لو كنتَ مستعدًا لذلك قبل شهرين، لتزوجتك – الآن لا يمكنني أن أفعلها لأنه لا يبدو صوابًا”.

وجه إليها اتهامات قاسية – كان هناك شخص آخر – لقد أخفت عنه أمرًا!

“لا، لا يوجد شخص آخر”.

كان هذا صحيحًا. لكن، كردة فعل على هذه القضية التي أثارت توتّرها، وجدت راحة برفقة شبان أمثال جيري هولت، والذي تمتّع بميزة أنّه لم يعن لها شيئًا.

لم يقبل جورج الوضع على الإطلاق. أمسك بها بين ذراعيه وحاول تقبيلها  لاقناعها بالزواج منه في الحال. عندما أخفق في ذلك، شرع في  مونولوج طويل من الشفقة على النفس، وتوقف فقط عندما رأى أنه يذل نفسه أمامها. هدد بالرحيل في الوقت الذي لم تكن لديه نية للرحيل، ورفض أن يغادر عندما قالت له  أنه من الأفضل أن يفعل ذلك.

ندمَت لوهلة، ثمّ تحوّلت إلى مجرد كائن لطيف.

” من الأفضل أن ترحل الآن”، صرخت أخيرا بقوّة، لدرجة أن السيّدة كاري نزلت عن الدرج مذهولة.

“هل حدث شيء؟”

“سوف أرحل يا سيدة كاري”، قال جورج بصوتٍ مكسور. تركت جونكيل الغرفة.

“لا تشعر بسوء إلى هذا الحد يا جورج”. نظرت إليه السيدة كاري في تعاطف عاجز-حزين، لكنها في نفس الوقت، شعرت بالفرحة لأن المأساة الصغيرة شارفت على الانتهاء. “لو كنت مكانك لعدت إلى منزل والدتك لمدّة أسبوع أو نحو ذلك. ربما، في النهاية، هذا هو الصواب-“.

صرخ قائلاً: “من فضلك لا تتكلمي. من فضلك لا تقولي لي أي شيء الآن!”

دخلت إلى الغرفة مرة أخرى ، غطّت حزنها وغضبها تحت المسحوق وأحمر الشفاه والقبعة.

قالت بجفاء: “طلبتُ سيارة أجرة.. يمكننا أن نتجول حتى موعد انطلاق قطارك”.

خرجَت إلى الشرفة الأمامية. ارتدى جورج معطفه واعتمر قبعته ووقف لمدة دقيقة منهكًا في الردهة – بالكاد تناول شيئًا منذ أن غادر نيويورك. حضرت السيدة كاري، شدّت رأسه إلى الأسفل، وقبلته على خدّه، شعر بالسخافة والضعف عندما أدرك أن المشهد كان سخيفًا وضعيفًا في نهايته. لو أنه فقط غادر في الليلة السابقة- لو تركها للمرة الأخيرة بكبرياء لائق.

وصلت سيارة الأجرة، ولمدة ساعة، تجول الاثنان اللذان كانا حبيبَين في شوارع لا يسلكها الناس كثيرًا. أمسك بيدها وصار أكثر هدوءًا في ضوء الشمس، حيث أدرك متأخراً أنه لم يكن هناك ما يفعله أو يقوله على طول الطريق.

قال لها: “سأعود”.

“أعلم ذلك” أجابت، محاولةً إضفاء نبرة مرحة من الأمل على صوتها. “وسنراسل بعضنا البعض- أحيانًا”.

قال: “لا. لن نفعل. لا استطيع تحمل ذلك. سأعود يومًا ما”.

“لن أنساك أبداً يا جورج”.

وصلا إلى المحطة، ورافقته وهو يشتري تذكرته …

“ها هما، جورج أوكلي وجونكيل كاري!”

كانا رجلاً وفتاة عرفهما جورج أثناء عمله في المدينة، ويبدو أن جونكيل رحبت بوجودهما بارتياح. لمدة خمس دقائق لا متناهية وقفوا جميعا هناك وتبادلوا الحديث. ثم وصل القطار إلى المحطة مُحدثًا ضجيجًا، وبتعابير وجه معذّبة لا يمكن إخفاؤها مدّ جورج ذراعيه نحو جونكيل. خطت خطوة مترددة تجاهه ، تعثرت، ثم صافحته بسرعة كما لو ودّعت صديقًا عرضيًا.

قالت: “مع السلامة يا جورج. أتمنى لك رحلة سعيدة”.

” مع السلامة يا جورج. عد لزيارتنا ثانيةً”.

فاقدًا النّطق، يكاد لا يبصر شيئًا من الألم، رفع حقيبته،  وركب القطار غائبًا عن الوعي.

عبر القطار تقاطعات الشوارع الصاخبة، حاشدًا سرعة من خلال مساحات الضواحي الواسعة باتجاه غروب الشمس. ربما هي أيضاً سترى غروب الشمس وتتوقف للحظة، تلتفت، تتذكر، قبل أن يتلاشى مع نومها في الماضي. غسق هذا الليل سيغطي إلى الأبد الشمس والأشجار والأزهار وضحكات عالمه الفتيّ.

في شهر أيلول من العام التالي، ذات ظهيرة نديّة، ترجّل شاب محروق الوجه بلون نحاسيّ غامق، من القطار بمدينة في ولاية تينيسي. نظر حوله بقلق، وبدا مرتاحًا عندما رأى ألا أحد ينتظره في المحطة. تنقل في سيارة أجرة إلى أفضل فندق في المدينة حيث سجّل اسمه، عن قناعة ورضى، جورج أوكيلي، كوزكو، البيرو.

وفي غرفته، جلس لبضع دقائق عند النافذة ينظر إلى الشارع المألوف. ثم ارتعدت يده بضعف عندما رفع السماعة واتصل.

“هل جونكيل موجودة؟”

“تتكلّم”.

“اه…”تغلّب صوته على ميله الطفيف نحو الارتعاش وواصل بطريقة رسمية ودية.

“معك جورج أوكلي. هل تلقيت رسالتي؟”

“نعم. تخيّلت أنّك ستصل اليوم”.

صوتها، بارد وجاف، ضايقه، ولكن ليس كما كان يتوقع. كان صوت شخص غريب، خال من الانفعال، سعيدة لرؤيته- هذا كل شيء. أراد أن يقفل ويلتقط أنفاسه.

نجح في أن ينطق بشكل ارتجاليّ: “لم أرك منذ فترة طويلة، منذ أكثر من عام”.

كان يعلم بالضّبط كم من الوقت مرّ.

” الحديث معك مجددًا سيكون أمرًا رائعًا”.

“سأصل خلال ساعة تقريبًا”.

أقفل السماعة. طيلة أربعة فصول طويلة، ترقّب هذه الساعة، وها قد جاءت. ظنّ أنّه سيجدها قد تزوجت، خطبت، وقعت في الحب-لم يتخيّل أنها ستكون لا مبالية بعودته.

شعر أنه لن يعيش في حياته عشرة أشهر أخرى شبيهة بتلك التي عاشها. باعتراف الجميع، كانت انجازاته لافتة للنظر كمهندس شاب- اصطدم بفرصتين استثنائيتين، واحدة في البيرو، حيث كان قد عاد لتوه من هناك، والأخرى، نتيجة لتلك العودة، في نيويورك، حيث كان ملتزماً بالعمل. في هذا الوقت القصير كان قد تخلّص من الفقر ووصل إلى مكانة فرصها غير محدودة.

نظر إلى نفسه في مرآة طاولة الزينة. كان تقريبًا أسود مسفوعًا، لكنه كان لونًا رومانسيًا. في الأسبوع الماضي، ولأنه امتلك الوقت للتفكير في الأمر، شعر بمتعة كبيرة. وقد أسره سحر خشونة منظره وأبرزها  بشيء من الانبهار. فقد جزءًا من حاجبه وكانت ركبته ما تزال مضمّدة، لكنه كان صغيرًا في السنّ ولم يدرك أن نساء كثيرات على متن السفينة تأملنه باهتمام خاصّ.

كانت ملابسه بالطبع فظيعة. خاطها له خياط يوناني- في غضون يومين. كان صغيرًا في السنّ على إعطاء تفسير لجونكيل في رسالته القصيرة حول عدم الكفاءة في الخياطة. التفصيلة الوحيدة الإضافيّة التي تضمنّها كانت طلبه بعدم مقابلته في المحطة.

انتظر جورج أوكيلي، من كوزكو، البيرو، مدة ساعة ونصف الساعة في الفندق، وعلى وجه الدقة حتى توسّطت الشمس السماء. كان حليقًا بعناية ومكسوًا بمسحوق الطلق الذي منحه درجة لون قوقازية أكثر، لأنّ الغرور تغلّب في اللحظة الأخيرة على الرومانسيّة، وطلب سيارة أجرة متجهًا إلى المنزل الذي كان يعرفه جيدًا.

تنفّس بصعوبة– وقد لاحظ الأمر، لكنه قال في نفسه إن ذلك سببه الانفعال، وليس العاطفة. لقد وصل. لم تكن متزوجة- وهذا كان كافيًا. لم يكن متأكدًا مما سيقوله لها. ولكن كانت هذه لحظة حياته التي شعر أنه لا يستطيع الاستغناء عنها. في نهاية المطاف، لن يحقق أي انتصار من دونها، وإذا لم يضع غنائمه عند قدميها، فبإمكانه على الأقل أن يلوّح بها أمام عينيها للحظة.

كان البيت يلوح فجأة بجانبه، وكان أول ما خطر في باله أنّه اتّخذ أبعادًا غير واقعيّة وغريبة. لم يتغير شيء– لكن كلّ شيء تغيّر. كان المنزل أصغر حجمًا وأكثر رثاثةً من ذي قبل – لم تكن هناك سحابة من السحر تحوم فوق سطحه وتنبثق من نوافذ الطابق العلوي. رن جرس الباب وظهرت خادمة زنجية لا يعرفها. سوف تنزل الآنسة جونكيل بعد لحظة. رطب شفتيه بعصبية ودخل إلى غرفة الاستقبال- وازداد الإحساس باللاواقعيّة. في النهاية، رأى أنها  كانت مجرد غرفة، وليست الغرفة السحرية التي قضى فيها تلك الساعات العاطفيّة. جلس على الكرسي، وقد دُهش أنّه كرسيّ، مدركًا أن خياله قد شوه كل هذه الأشياء البسيطة المألوفة.

ثم فُتح الباب ودخلت جونكيل إلى الغرفة- وبدا كما لو الغرفة تشوّشت فجأة أمام عينيه. لم يتذكر كم كانت جميلة، وشعر أن وجهه يشحب وصوته يتقلص إلى تنهيدة حقيرة في الحنجرة.

ارتدت ثوبًا أخضر باهتًا، وطوّق شريط ذهبيّ شعرها الداكن الأملس مثل تاج. اصطادت العينان المخمليتان المألوفتان له عينيه عند دخولها الغرفة، وسرت في جسمه اختلاجة خوف أمام قوة جمالها المؤلمة.

ألقى التحيّة، وتقدّم الاثنان بخطوات معدودة وتصافحا. ثم جلسا على كراسي متباعدة بعض الشيء وحدق كلّ منهما في الآخر من جانبَي الغرفة.

“لقد عدت”، قالت، وأجاب بطريقة مبتذلة: “أردت أن أتوقف وأراك وأنا أمرّ من هنا”.

حاول تحييد الرعشة في صوته بالنظر إلى اي اتجاه ما عدا وجهها. كان واجب الكلام يقع عليه، ولكن بدا الأمر كما لو أنّه لا يملك كلامًا يقوله إلا إذا بدأ في التفاخر. لم يكن هناك أي شيء عادي في علاقاتهما السابقة، ولم يكن ممكنًا أن يتحدث من هم في مثل موقفهما هذا عن حالة الطقس.

قال في حرج مفاجئ: “هذا أمر سخيف. لا أعرف بالضبط ماذا علي أن أفعل. هل يزعجك وجودي هنا؟”

“لا”. كانت الإجابة منضبطة وحزينة في نفس الوقت. هذا الأمر أحبطه.

“هل أنت مخطوبة؟

“لا”.

“هل تحبين أحدًا؟”

هزت رأسها نافيةً.

“أوه”. استند إلى كرسيه. بدا أنهما استنفذا موضوعًا آخر- لم تأخذ المقابلة المسار الذي كان يقصده.

قال هذه المرة بنبرة رقيقة: “جونكيل، بعد كل ما حدث بيننا، أردت أن أعود وأراك. مهما فعلتُ في المستقبل، لن أحب أبداً فتاة أخرى كما أحببتك”.

كانت هذه احدة من بين العبارات التي تدرب عليها، على متن السفينة البخارية،  وبدا أنّها عبّرت عن المطلوب- فقد أشارت إلى الرقة التي كان يشعر بها دائما تجاهها، وموقف غير ملزم تجاه عواطفه الان. هنا، والماضي من حوله، بجانبه، حيث أثقل على الجوّ، بدت العبارة دراميّة ومبتذلة.

لم تعلق على ذلك، جلست دون حراك، عيناها مثبتتان عليه بتعابير وجه قالت كلّ شيء، أو لا شيء.

“لم تعودي تحبينني، صحيح؟” سألها بصوت منخفض.

“صحيح”.

عندما دخلت السيدة كاري بعد لحظات، وتحدثت معه عن نجاحه – حيث كتبوا عنه نصف عمود في الجريدة المحلية- اختلطت عليه مشاعره. أدرك الآن أنه ما زال يرغب في هذه الفتاة، وأدرك أن الماضي قد يعود أحيانا- وهذا كل شيء. بقي أن يكون قوياً وحذرًا وسوف يرى.

قالت السيدة كاري: “الآن، أريد منكما أن تزورا السيدة صاحبة الأقحوانات. أخبرتني بشكل خاص أنها تريد رؤيتك لأنها قرأت عنك في الصحيفة”.

ذهبا لمقابلة السيدة صاحبة الأقحوانات. سارا على طول الشارع، ولاحظ بشيء من الانفعال فقط كيف أن خطواتها القصيرة وقعت دائمًا بين خطواته. اتّضح أن السيدة لطيفة، وكانت الأقحوانات كبيرة وجميلة بشكل غير عادي. كانت حدائق السيدة تعج بالأبيض والوردي والأصفر، بحيث كان التواجد بينها عبارة عن رحلة في قلب الصيف. كانت هناك حديقتان ممتلئتان وتوسّطتهما بوابة. عندما سارا على مهل باتجاه الحديقة الثانية، كانت السيدة أول من اجتاز البوابة.

ثم حدث شيء غريب. تنحى جورج جانباً ليسمح لـ “جونكيل” بالمرور، لكن بدلاً من أن تمر وقفت وحدقت فيه لمدة دقيقة. لم تكن النظرة، التي لم تكن ابتسامة، بقدر ما كانت لحظة صمت. لقد رأى كلّ منهما عيني الآخر، وأخذا نفسًا قصيرًا وسريعًا ، ثم واصلا طريقهما إلى الحديقة الثانية. هذا كل شيء.

تضاءلت ساعات العصر. شكرا السيدة وسارا سوية عائدين إلى المنزل بتؤدة، مشغولَي الفكر. حتى أثناء وجبة العشاء كانا صامتين. أخبر جورج السيد كاري شيئًا حول ما حدث في أمريكا الجنوبية، ونجح في أن يبيّن حقيقة أنّ كل شيء سيكون سهلًا بالنسبة له في المستقبل.

ثم انتهى العشاء، وبقي لوحده مع جونكيل في الغرفة التي شهدت بداية علاقة حبهما ونهايتها. بدا له الأمر محزنًا للغاية وكأنّه حد ث منذ زمن. على تلك الأريكة، شعر بكرب وحزن لن يعيشهما مرة أخرى. لن يكون أبدًا ضعيفًا أو متعبًا إلى هذا الحد أو بائسًا وفقيرًا.

مع ذلك، عَرفَ أن ذلك الصبيّ الذي كانَه قبل خمسة عشر شهراً، امتلك شيئًا، ثقةً، دفئًا، اختفى إلى الأبد. الصواب- لقد فعلا الصواب. كان قد حوّل شبابه إلى قوة ونحت نجاحه من اليأس. ولكن الحياة جرفت نضارة حبّه مع شبابه.

قال بهدوء: “لن تتزوجيني، أليس كذلك؟”

أومأت جونكيل برأسها الداكن.

” لن أتزوج أبداً”، أجابت.

أومأ.

“سأسافر إلى واشنطن صباحًا”، قال.

“أوه-“

“يجب أن أسافر. علي أن أكون في نيويورك في مطلع الشهر، وفي الوقت الحالي أريد أن أتوقف في واشنطن”.

“أعمال!”

“لا”، قال على مضض. “هناك امرأة يجب أن أراها، كانت لطيفة جدًا معي وأنا مكتئب ومحطّم”.

لقد اختلق الحكاية. لم يكن هناك أحد في واشنطن، لكنه راقب جونكيل بشدة، وكان واثقاً من أنها انكمشت قليلاً، وأغلقت عينيها ثم فتحتهما على آخرهما مرة أخرى.

“ولكن قبل أن أرحل أريد أن أخبرك بالأشياء التي حدثت لي منذ أن رأيتك ، ولأننا قد لا نلتقي مرة أخرى، فكّرت أنّه ربّما قد توافقين على الجلوس في حضني كما اعتدت. ما كنت لأطلب هذا الطلب، لكن لأنّك بلا  حبيب –حاليًا- ربّما لا أهميّة للأمر.

أومأت برأسها، وعلى الفور جلست في حضنه حيث اعتادت أن تجلس كثيراً في ذلك الربيع المندثر. الإحساس برأسها على كتفه، الإحساس بجسدها المألوف، أثار عاطفته. مالت ذراعاه الممسكتان بها إلى تطويقها، لذلك استند إلى الخلف وأخذ يتحدث وهو مستغرق في التفكير.

حدّثها عن حالة اليأس طيلة أسبوعين في نيويورك والتي انتهت بوظيفة مثيرة وإن لم تكن مربحة كثيرا في مصنع للبناء في مدينة جيرسي. عندما قدمت شركة البيرو نفسها لأول مرة، لم تبد له الفرصة استثنائية. كان من المقرر أن يعمل مساعد مهندس ثالث في البعثة، ولكن فقط عشرة أشخاص من الطاقم الأمريكي، بما في ذلك ثمانية من مهندسي المساحة ومساعديهم وصلوا إلى كوزكو. بعد مضيّ عشرة أيام، توفّي رئيس البعثة من الحمى الصفراء. كانت هذه فرصته، فرصة لأي شخص إلا الحمقى، فرصة رائعة.

” فرصة لأي شخص إلا الحمقى؟” قاطعته ببراءة.

تابع: “حتى بالنسبة للحمقى كانت فرصة رائعة. حسنًا، أرسلت برقية إلى نيويورك –”.

قاطعت مجددًا: “ثمّ ،أرسلوا برقية يقولون فيها إنه يحسن بك أن تغتنم الفرصة؟”

صاح بانفعال مستندًا إلى الخلف: “يحسن بي! كنتُ ملزمًا. لم يكن هناك وقت أضيعه-“

“ولا حتى دقيقة؟”

“ولا حتى دقيقة”.

“ولا حتى من أجل..” توقفت.

“من أجل ماذا؟”

“انظر.

ثم قدّم رأسه إلى الأمام فجأة، واقتربت منه وشفتاها مفتوحتان جزئيًا مثل زهرة.

“نعم”، همس في شفتيها. ” كلّ الوقت في العالم …”

كل الوقت في العالم- حياته وحياتها. لكن في لحظة، عندما قبّلها، أدرك أنه على الرغم من أنه كان يبحث عن طريق الأبدية، لن يتمكن أبدا من استعادة ساعات نيسان الضائعة. يمكنه أن يهرسها الآن حتى تعقد عضلاته في ذراعيه- كانت شيئًا مشتهى ونادرًا لدرجة حارب من أجله وتملّكه- ولكن الهمس اللامُدرك في الغسق، أو في نسيم الليل … لن يعود.

حسنًا، دع الأمر يمرّ، فكّر. لقد انتهى شهر نيسان، انتهى شهر نيسان. الحب موجود على مختلف أشكاله في العالم، ولكن الحب نفسه لا يتكرر مرّتين.

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا