the short story project

search

مها جويني | من:العربيّة

العربيّ الأخير

Introduction by كمال الرياحي

بين الغواية والمرأة تاريخٌ من الحكايات تنتهي في الغالب بالإيقاع بالآخرين حتى الأنبياء منهم. هنا حكاية أخرى للغواية، بطلاها امرأة تونسية ثلاثينية مدوِّنة وناشطة مجتمعية محترفةُ غوايةِ ترمي بشباكها في كلّ مكان لتوقع بالرجال، وكهل وسيم بثقافة شرقية وتاريخ سياسي جاءت به الأقدار إلى شباكها الافتراضي لتبدأ لعبة الاستدراج من الطرفين. هنا تضع مها الجويني تاريخين من اللعب والغواية، الواحد في مواجهة الآخر.

اقرأ المزيد

كنتُ بصددِ إكمال بحثٍ حول مسار الانتقال الديمقراطي بتونس في ظل الإرهاب، وإذ بخانة “المُحادثات” تعلن وصول رسالة، فحواها:” أريد التواصل معك بشكل حضاريّ، نعم حضاريّ كأن نحتسي القهوة معا. لو تعلمين، فنجان قهوة معك يساوي عندي حجم السماء والأرض وما بينهما، هي قطع سكر تلامسينها لتصنعي من فنجاني بحر مرمرة الذي ازداد بريقا حين كتبت اسمك على رماله، لو تعلمين أن فيك أسحار الشرق، يا ساكنات البحر في قرطاجة جف السبيل وتفرق الأصحاب”.

نزعت عن أذني سماعات الموسيقى، وأعدت قراءة الرسالة المدجّجة عشقا، استعنت بما أملكه من خبرات في اللغة العربية وعدت إلى روايات شهرزاد عن رجال الشرق، واستحضرت وصايا جدتي وجميع الخطط الاستراتيجية النسوية لتكون إجابتي في مستوى كلماته.

كبستُ على أزرار لوحة مفاتيح الكمبيوتر لأبدأ في صياغة الرد، لكنّي تراجعت، فأنا لا أطمح لشرب فنجان قهوة معه، ولا تغريني قصص بحار مرمرة ولا آبه بتلك النزاريات. أستهدف صدره الأسمر الشبيه بحدائق العنب، لأجعل منه سريرا دافئا في ليالي الخريف القادمة التي ستتزامن مع عودته من تركيا. أريد الكثير من تلك الشفاه المغطاة بشارب خفيف، أجل اشتهي نفث أنفاس الحب عليه، أمسكت بفأرة الحاسوب وتوجهت نحو صوره لأرسم بخيالي طعم القُبلات من شفاهه. 

نهضت من المكتب، أعددتُ كوبا من القهوة، تنفستُ الصعداء وأشعلتُ سيجارة لآخذ قسطا من الراحة ولأُبديَ لذلك الوسيم الجالس على الضفة الأخرى من المتوسط بعض اللامبالاة. أعلم أنها استراتيجية كلاسيكية في التعامل مع الرجال، ولكنني أجدها نافعة في مثل هذه الحالات.

أنهيت تقرير الارهاب والديمقراطية. غادرت المكتب نحو شقتي الصغيرة، فتحت الباب، طاردت قطة الجارة الغبيّة التي تأتي لإزعاجي كلما غادرت البيت، جلست لأجري اتصالاً روتينياً مع والدتي المُقيمة منذ فترة في  الخليج برفقة أختي الكبرى، لأعطيها نشرة أخباري اليومية المليئة بالكذب، والتي أبدأها بأنني أعددت الطعام في البيت وأختمها بأنني أصبحت جدِّية لا تليق بيّ العلاقات العابرة، خاصة وأنا الآن في الحادية  والثلاثين من العمر، هكذا أجعلها تطمئنّ، أقول آمين لدعائها، ثم أُشغِّل كمبيوتري وأقضم من السندويتش الذي اشتريته من محلٍ في أول الشارع.

رنّ جرس المسنجر، هي رسالة أخرى منه:

– أرجو أن لا تكون كلماتي قد أزعجتك، إني أحلم بفنجان قهوة معك.

 صرخت :

– “الله الله يا وعد الله”، أجبتُ بكل سلاسة: لا أبداً، لي الشرف بأن أضحى باهتمام كاتب مثلك شكرا لذوقك.

أجاب:

– لا يا عزيزتي، تستحقين أكثر من ذلك، الشرف لي بمحاورة امرأة مثلك.

واصلت الحوار معه، وكانت كل حوريات العالم تتراقص أمامي، دهشت من رقته وكلامه الذي لم يغادر حدود فنجان القهوة ومقالاته التي ينشرها في الصحف الثقافية وإعجابه بالبحوث التي نشرتها حول الانتقال الديمقراطي في تونس. كان يتنقل في خطابه بين الشخصي والعام وأنا أجاريه في كل ما يقوله ممسكة نفسي عن التعليق، كنت أفكر في جرِّهِ لفتح الكاميرا ليراني بـتباني الأبيض الخفيف، ولأتظاهر أمامه بالخجل و لكنه لم يسقط في ذلك الفخ.

إنه رجل يعيش بالكلمات ويحيا بها، رغم وسامته المشوبة بفحولة نابعة من عينيه، إلاّ أنه لا يُبدي اهتماماً كثيراً بالنساء. أذكر أنني تعمدت الجلوس في مقهى المونديال وأنا أحمل مجلة عليها مقاله لأذهب وأحاوره في ما كتب حول الأدب والثورة، تعمدت التظاهر بأننا في معهد الديمقراطية حيث أشتغل، نسعى لدعم الأقلام المُهتمة بالأدب ونشر الفكر الحر.

إنطلت أكذوبتي عليه، وبدأ في شرح مشروعه الإبداعي، وشرع في ذكر أسباب نشره لكتبه الأخيرة التي لا أتذكر عنها شيئاً، كوني كنت حينها  أهفو  للاستمتاع بعطره الباريسي المثير، إذ نجحت  بالكاد في منع يدي اليسرى عن مداعبة شعر رأسه الأبيض الناعم. أنهيت اللقاء معه بعد أن أخذت جميع بياناته، حتى حالته الاجتماعية وأصله وهواياته، ولولا ضيق الوقت، حيث غادر إلى موعد مع مدير دار للنشر، لكنت عرفت نوع طعامه المفضل ومقاييس لباسه. 

مُذ ذلك اللقاء، بدأت في رسم الخطط للإيقاع به، لم يكن الأمر سهلا وخاصة مع رجل محترم مثله، يهوى قراءة الكتب والاستماع للموسيقى ولا يحب شرب الخمر كما أنه لا يجلس في حانات العاصمة مع زملاءه من الكتاب والصحفيين، الأمر الذي أرهقني حين أردت تقصي أخباره .

لا أحد يعلم الكثير عن حياته الشخصية لكنهم أكدوا لي أنه رجل محترم، لكن محترم هذه، لم تسعدني كثيراً بحكم معرفتي بمقاييس الاحترام لدي مجتمعي، فهي تقال لشاب لا يجيد تقبيل فتاة ولرجل لم يتذوق لسانه طعم نبيذ هذا البلد.

إنه الكاتب محمد عزيز، صاحب الأصول الأرستقراطية والقيافة والأناقة، شهير في الوسط الثقافي بطباعه الهادئة وبأدبه الجم وولعه بقراءة الكتب ورفضه للجلسات الخمرية وبتوقيعه: المُتعب من عروبته. كان عزيز، ورغم إنه في الاربعين، لا يقلل من احترامه لمن هم أصغر منه سناً. كان على علاقة بشاعرة فلسطينية، ثم انقطعت علاقتهما منذ انتفاضة غزة الأخيرة، وبعدها لم يخفق قلبه لامرأة.

 أما أنا فصاحبة قلب يشبه المساكن الشعبية، قلب يتسع لجميع رجال الأرض شريطة أن يتسموا بالوسامة والفحولة بغض النظر عن جنسياتهم وانتماءاتهم. أنا أممية الهوى، أدافع عن التعددية في الحب كما أدافع عليها في المشهد السياسي التونسي.

كان غياب حبيبته الفلسطينية  يجعله كثير الحزن وكثير الدعم لقضيتها، ورغم أننا نسينا الشأن الفلسطيني منذ اندلاع ثورات الربيع العربي ربما لأننا وجدنا النصر في أبنائنا ورأينا في البوعزيزي محمد درة وسمير قنطار وكل من عشقناهم من أبطال الشرق، لكن محمد عزيز ظل بكوفيته تلك وفيًا لحنظلة.

كتبت إليه:

– لأنني أحب بعنف، وأطلب في الحب عنفا بمثل، فإني سأقتلك اليوم حبا، أهديك قصيدة جعفر الماجد الساحرة1.

 ردّ بسرعة من ينتظر لهفة المرأة إليه:

– إنّي أخاف سحر حوريات قرطاج، رفقا بقلبي أيتها الشقية.

 ضحكتُ، لكني كتبت متلهّفة فعلا:

أعز الله هذا القلب الحاضر أمامي كوقعِ تراتيلِ الصلاة، دمت بخير-.

أكملتُ عبارتي الأدبية المستوحاة من تدوينة لأحدهم، وأغلقت حاسوبي ونِمت، أجل نمت لأحلم بفارس لا يخجل، متهكّم حدّ ارتجافتي وسقوطي في عينيه.

نهضت مرهقة قليلاً من سهرة المحادثات والمراوغات الكلامية التي قضيتها مع محمد عزيز، جلست في مقهى لونيفير لشرب قهوة ولتدخين سيجارة، دعوت أحد شعراء وطني البائسين لمشاركتي القهوة ولمشاطرتي  بعض السجائر لأستقي منه ما تسنى لي من المعلومات عن محمد عزيز الذي بدأ يسكن عقلي. شرعت في الحديث عنه وعن التزامه المفرط بقضايا العرب رغم ما يقع على أرضنا من مصائب، فانتفض الشاعر قائلاً:

– أنتِ لا تعلمين أن محمد عزيز درس في دمشق وكان من مناضلي الجبهة الشعبيِّة لتحرير فلسطين، ويقال إنه كان في الجبهة المسلحة وكان على علاقة بشاعرة من الجبهة الشعبية.

نفثت دخان سيجارتي في الهواء، فحديث المقاومة والرفيقات المناضلات أعرفه جيداً، وكل من درس في دمشق أو بيروت أو العراق من يساري تونس يعود إلينا بطلا ومرجعا في الفكر اليساري والإسلامي والعروبي والقومي وحتى الانفصالي، تكفي بعض الكلمات المشرقية و حديث عن مذاق العرق لتجعل منه محل استماع الحاضرين، ومحمد عزيز من بين هؤلاء، من يعيشون تحت سماء الشرق وهم في أرض تونس، و هم ممن ينسبون إلى عدنان وتغلب وجده من أصول تركية وأمه من الساقية الحمراء.

التأكيد على مشرقية محمد عزيز أثار فيّ بعض الحس الوطني مع غيرة  طفيفة على رجال هذا البلد، من أقول فيهم على مدونتي أرذل القول وأتهمهم في أغلب الأحيان بالتخنث وبغياب الرجولة. ولكنني شعرت حينها بنارٍ تحرقني وتذلني حين رأيت محمد عزيز ينشر قصائد غزل لنساء الشام ونساء العراق مُتناسياً ساكنات قرطاج و نوميديا وزقاق المدينة أمثالي.

أمضيت كامل اليوم أفكر في استراتيجيات وتكنيكات للإيقاع به.  لقد صار الأمر بالنسبة لي مسألة وطنية، تكاد تكون شوفينية، رهان آخذه الآن على نفسي ، إما الإيقاع به وإما لا أكون أنا كاهنة الماجري.

فكرت في أن أنتظر عودته الأسبوع القادم لأراوغه باستضافته على “كفتاجي” الأكلة التونسية الشهيرة بنكهة زقاق المدينة العتيقة، لكن تلك النيران التي تشتعل بداخلي منذ أيام، لم تتركني أرتبُ خطة العشاء، جعلتني أتسرع  في الدخول إلى صفحته على الفايس البوك، لأجده كتب ما يهمّني:

– أفكر كيف سأتعامل مع كنوز حبيبتي؟

كبست على زر المحادثات، وكتبت دون إيحاءات عربية:

– قبّلها واقضِ نحبَك بين ذراعيها وستشكر السماء سعيك.

 ردّ بسرعة البرق:

– لم أكن أدري أنك تتمتعين بنَفَسٍ شِعريّ خطير.

أجبته:

– حضورك هو الأخطر سيد محمد عزيز.

– أخطر على من؟

– أخطر على نساء هذا البلد، أخطر على نساء تونس من يذرفن الدموع حين تغادر الفرسان نحو الشرق. ألا تدري أن التونسيات يحملن أرحام هذه الأرض وطينها؟

توقف عن الحديث ولم يجب. ربما كانت جملتي الأخيرة كالقصف العشوائي على روحه، تجاوزت جميع الحواجز لتبدأ في نفض غبار ذكريات تلك الفلسطينية التي ظلت عالقة بعينيه اللوزيتين، وبصدره المغري. اللهم إني أسألك النوم بين ذراعيه تحت شتاء تونس وصقيعها. نمت تاركةً حاسوبي مُضاءً، على أن أنهض على رسالة حب منه، ولكن يا خيبة المسعى لم يقل شيئا بل نشر ما كتبه على صفحته ما يذبحني:

– حين كتبت لي إحدى صديقاتي، ألا تدري أن التونسيات يحملن أرحام هذه الأرض وطينها؟ فهمت لماذا قال الشاعر كمال بوعجيلة التونسيات هنّ الجميلات فعلا وقولا وهنّ ملاذ لتونس حين تحن، كرم الله بنات الكاهنة .

تكاثرت التعليقات على مدحه نساء تونس من أصدقائه، بلهجات سورية ولبنانية ومغربية وجزائرية ومصرية. قرأت ما كتب بنَهمٍ وابتسمت، شغلت أغنية “برشا برشا يا مدلل” ورقصت إلى أن غمر العرق كافة أركان جسدي. توجهت نحو الحمام لأنهي الرقصات مع المياه الدافئة. إنه  ليوم منعش، بدأته بابتسامة حب لمدير المؤسسة الذي لا أطيق ذكر اسمه ولا رؤية وجهه المجعد الكريه حين يطلب مني إنجاز تقرير أو ورشة عمل حول الدستور وحقوق الانسان. ورشات وندوات وتقارير أكتبها  على أهواء المتابعين وحسب ميولات الجهات المانحة فتراني أكتب بحس نادلي المقاهي أقدم ما يطلب مني.

خبراتي في التزلف التي اكتسبتها من عملي مع منظمات المجتمع المدني جعلوا مني لبقة وماهرة في التعامل مع الرجال، و لا سيما أصحاب الحالات الخاصة مثل محمد عزيز، يكفي أن تمنحه أذنيك والكثير من الاهتمام فتكسب وده وثقته، أظن أن العالم بات يعرف أننا في أوطاننا لا نريد الاستماع إننا نشتهي الحديث فقط.

مر أسبوع، أخبرني فيه محمد عزيز عن موعد عودته إلى تونس طالبا مني أن ألتقيه في مقهى مطار قرطاج بعد لحظات من وصوله. وافقت، فمعدل سخائي مرتبط بمعدل وسامة الرجل المقابل، وكاتبنا كان يقطر رجولة من يديه حتى أخمص قدميه التي تغطيها أحذية سوداء كلاسيكية وإيطالية الصنع.

جلست في مقهى المطار، طلبت قهوة سوداء دون سكر، أشعلت سيجارتي الثانية وإذ بيد حطت على كتفي لتديرني نحوها. احتضتني اليد الثانية غرقت في عطر إعتراني. قبّل خدي، تظاهرت بالمفاجأة وقفزت في مكاني لأخفي حالة الذوبان التي انتباتني حين حضنته، بدأت في الثرثرة والأسئلة عن الرحلة لألهي لساني الجريء عن دعوته لغرفتي الخاصة.

تحدث عن رحلته، وعن الكتب التي اشتراها من تركيا وعن رفيقه السوري الذين اجتمع به خلسة، بعيداً عن أنظار مخابرات أردوغان، كان يتحدث عن مقاومة السوريات ضد الدواعش وكنت أقول لنفسي:

– أراحنا الله من الفلسطينيات فتحول نظره نحو السوريات، هل أنتظر وقوع حرب في تونس لأنال رضاه؟ ما هذا يا إلهي؟!

أنهينا احتساء القهوة، دعاني للعشاء في مطعم دمشقي أفتتح حديثاً في منطقة المنار. إشترطت أن أقبل الدعوة  حال ما غيّر المكان نحو مطعم في المدينة العتيقة بتونس وكان لي ما أردت. 

التقينا عند أسوار المدينة لنتوجه نحو المطعم المتواجد في غياهب الزقاق الذي تنيره المنارات ذات الضوء الخفيف،  أمسكت بذراعه اليسرى وبدأت أغني ألحاناً تونسية، فيها الكثير من الغنج والدلال. علّق على صوتي الذي أعجبه فأكملت الغناء مع تقديم شروح لمعاني الأغنيات التي كان يجهل جلها.

وصلنا إلى المطعم. أبدى أعجابه بالمكان، وأسهب في الإشادة بثقافتي الواسعة فيما يخص الغناء النسائي التونسي إذ أكتشفه كما يكتشف السائح بلادا أخرى غيرت دفة الحديث نحو تاريخ المقاومة التونسية وحكايات الفلاقة 1 وجبل برقو 2 وخيل سالم  3

والصبايحية 4، وأخبار حاملات السلاح، وكان يعلق بإشارات لثورة الضباط الأحرار وثورة عرابي، كان عارفاً بتفاصيل تاريخ جمال عبد الناصر وتغيب عنه. تفاصيل الدغباجي 5. إنه لا يفهم حتى اللهجة الريفية التونسية. كنت أشرح له معاني الأشعار والأسماء حتى إسم قبيلتي ذات الأصول الامازيغية القديمة قِدم أشجار الدفلى وانبثاق واد مجردة.

– أنت غارقة في تونسيتك.

– بل أنت المستشرق الذي فقد بوصلته وأصبح يلتصق بشرقٍ لا يفهم حتى لهجتنا التونسية فما بالك بلهجتي الجبلية؟

إجابتي لم ترق له. تغيرت نبرة حديثه. أما أنا فغيرت دفة الحوار حين رأيت حمودة النقنوق 6،عازف الغيتار التونسي جالسا وراء محمد عزيز. ورغم كرهي له لأنه يشبه العاهرات في سلوكه إلا أنني كنت مضطرة لذكر اسمه حتى لا أزيد في توتر الجو:

– عزيز هل رأيت من يجلس خلفك، إنه حمودة  الذي أعاد توزيع “تعلق قلبي طفلة عربية”؟

تراقصت ألوان الفرح في عينيه، وأدار بظهره إلى الخلف ليلقي التحية لحمودة المخنث ويتركني وحيدة في طاولتي.  قفز حمودة من مقعده ليرتمي في حضن محمد عزيز وينهال عليه بالقبلات. وضع رأسه على كتف فارسي ليشتم من عطره. ثم رأيته يدعوه ليجلس معه ومع أصدقائه. حينها أشار لي محمد عزيز لألتحق بهم. أمسكت بحقيبتي وتوجهت نحوهم بعد أن اعتراني الغضب.

– آسفة أحس بالتعب وأريد العودة لبيتي.

رد محمد عزيز:

–  لا عليك سأوصلك رفقة حمودة لبيتك.

أجبت:

– هل تنوي إكمال سهرتك معه؟

لم يجبني أحد منهم ولا أظن أن فارسي الشرقي قد استمع لسؤالي أصلا. غادرت المقهى، ومشيت مهزومة وراء حمودة النقنوق، هذا الذي تأبط ذراع محمد عزيز.

 إشارة لاغنية تونسية من التراث الريفي يا خيل سالم باش روحتولي**بانا وجوه تقابل وقولولي باش لي جيتو واش قولكم ** في اللي الذي خليتو. سالم ع العقاب شايع صيته يوم البراز

مصفن ع الحولي … كلمات تتغنى بفروسية سالم الذي ذهب للقتال واستشهد.

6
  1.  الفلاقة: كلمة ذات أصول أمازيغية، فلاق أو أفلاق إسم للمجاهدين الذين حملوا السلاح ضد المستعمر الفرنسي .
  2.  جبل برقو: إشارة لاحداث معركة جبل برقو حدثت من 8 إلى 13 نوفمبر 1954 وحسب بعض الشهادات الشفاهية فإنها كانت بإيعاز من الحزب الحر الدستوري الجديد.. حيث أن بعض عناصر الحزب راهنت وقتها على الفلاقة كقوة ضاغطة لدفع مجرى المفاوضات مع فرنسا للحصول على الاستقلال الداخلي
  3. إشارة لاغنية تونسية من التراث الريفي يا خيل سالم باش روحتولي**بانا وجوه تقابل وقولولي باش لي جيتو واش قولكم ** في اللي الذي خليتو. سالم ع العقاب شايع صيته يوم البراز; مصفن ع الحولي … كلمات تتغنى بفروسية سالم الذي ذهب للقتال واستشهد.
  4.    نعت لكل تونسي كان قريب من القوات الاستعمارية الفرنسية فكان ينادى بالصبايحي وينكل به هو وأقرباؤه
  5. مقاوم تونسي، استشهد على يد المستعمر الفرنسي.
  6. النقنوق: نعت يطلقه الشارع التونسي على كل مُخنث.
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا