the short story project

search

روديارد كيبلنغ | من:الانجليزية

القِطّ الّذي يَسيرُ بِمُفرده

ترجمة : محمد الحباشة

رسم: تاليا بيئر

Introduction by محرّرونا

تبدأ كل قصة بسؤال، وعندما تطرح أسئلة جيدة، فإنّك تتلقّى إجابات شيّقة. لقد قام روديارد كيبلينغ (أجل، الرجل صاحب "كتاب الأدغال") بتأليف مجموعة من القصص القصيرة، تبدأ فيها كل قصة بسؤال جيد، من النوع الذي يجعلك تقول "كيف لم أسأل نفسي ذلك من قبل؟"

 على سبيل المثال: من أين جاء النّمر بهذه البقع على جلده؟ لماذا يقفز الكنغر؟ كيف ابتُكرت الأبجديّة؟ ولعل السؤال الأكثر روعة: ما هي طبيعة العلاقة بين الناس والقطط؟

يُدعى الكتاب "قصص، هكذا هي". تشير كلمة "هكذا" إلى السؤال - "لماذا؟"، وهو منبع الفضول الذي لا نهاية له لدى كل طفل، ولدى بعض البالغين الذين نسوا أن يكبروا وما زالوا يطرحون الأسئلة.

اقرأ المزيد

اسمعي وانتبهي وأصغِي جيّدا، لأنّ هذا حدث ووقع، وأصبح وكان، أوه، يا حبيبتي العزيزة، في حقبة كانت فيها الحيوانات الأليفة حيوانات برّية. كان الكلبُ برّيا، والحصان برّيا، والبقرة برّية، والشّاة بريّة، والخنزير برّيا، كانت برّية بما أمكن أن تكون برّية. وكانت تسير بوحدتها البريّة، في الأدغال الرّطبة والبرّية. ولكن الأكثر برّية من كلّ الحيوانات البرّية، كان القطّ. كان يسير بمفرده، وكانت كلّ الأماكن في عينيه سواء.

بالطّبع، كان الرّجل برّيا أيضا. كان برّيّا إلى درجة مخيفة. حتى أنه لم يصبح أليفا إلاّ عندما قابل المرأة. قالت له بأنّها لا تريد العيش كبرّية. اختارت للنّوم كهفا جافّا وجميلا عوض مجموعة من الأوراق الرّطبة، ثمّ نشرت على الأرض رملا نظيفا وأشعلت نارًا لطيفة في عمق الكهف. علّقت أمام فتحة الكهف جلد حصان برّي جافّا يتدلّى ذيله للأسفل وقالت:

— جفّف قدميك عند دخولك، يا عزيزي. من الآن فصاعدا سندير منزلا هنا.

في تلك اللّيلة، يا أعزّ الناس، أكلا خروفا برّيّا مشويّا على الأحجار الملتهبة، منكّها بالثّوم البرّي والفلفل البرّي، وبطّا برّيا محشوّا بالأرزّ البرّي، وحِلبة برّية وكزبرة برّية، وعظما نخاعيّا لعجل برّي، وكرزا برّيا وجارناديالا برّية. ثمّ رقد الرّجل بجانب النّار، سعيدا جدّا، ولكنّ المرأة بقيت مستيقظة تمشّط شعرها. أخذت عظم كتف الخروف، ذاك العظم الكبير المسطّح، ثمّ أضافت حطبا إلى النّار وقامت بسِحر. قامت بأوّل سحر غنائيّ في العالم.

وهناك في الخارج، في الغابة الرّطبة البرّية، اجتمعت كلّ الحيوانات البرّية، هناك حيث استطاعت رؤية ضوء النّار من بعيد، وتساءلوا عن معنى ذلك.

وعندها خبط الحصان البرّي الأرض بحافره البرّي، وقال:

— أوه يا أصدقائي، أوه يا أعدائي، لماذا صنع الرّجل والمرأة هذا الضّوء الكبير في ذاك الكهف الكبير، وممّا علينا أن نخاف؟

رفع الكلب البرّي خطمه وتشمّم رائحة الخروف المشويّ وقال:

– سوف أذهب لأرى وأشاهد وأقول، لأنّ هذا يبدو لي لذيذا. أيّها القط، تعال معي.

— بلا ! قال القطّ. أنا القطّ الذي يسير بمفرده وبالنّسبة إليّ كلّ الأماكن متشابهة. لن أذهب.

— إذن لن نكون صديقين بعد الآن أبدا، قال الكلب البرّي.

ثمّ بدأ يعدو باتّجاه الكهف. ولكنّه لم يكد يغادر حتّى قال القطّ في نفسه:

— بالنسبة إلي، كلّ الأماكن متشابهة. لماذا لا أذهب أنا أيضا لأرى وأشاهد ثمّ أعود على سجيّتي؟

ثم بدأ يتّبع الكلب البرّي ببطء، ببطء شديد، واختبأ حيث بإمكانه الاستماع إلى كلّ شيء.

عندما أدرك الكلب البرّي مدخل الكهف، رفع بخطمه جلد الحصان الجافّ واشتمّ الرائحة الزكيّة للخروف المشويّ.  وهي تنظر إلى عظم الكتف، سمعته المرأة وضحكت وقالت:

— هذا هو الأوّل. أيّها الكائن البرّي في الغابة البرّية، ما مرادك؟

قال الكلب البرّي:

— أوه يا عدوّتي، وزوجة عدوّي، ما الذي يبدو زكيّ الرّائحة هكذا في الغابة البرّية؟

وأخذت المرأة عظم الخروف المشويّ ورمته للكلب البرّي وقالت:

— أيّها الكائن البرّي في الغابة البرّية، تذوّق وجرّب.

قضم الكلب البرّي العظم وكان من أشهى ما تذوّق في حياته، وقال:

– أوه يا عدوّتي وزوجة عدوّي، أعطني واحدا آخر.

قالت المرأة:

— أيّها الكائن البرّي في الغابة البرّية، ساعد زوجي على الصّيد خلال النّهار، واحرس هذا الكهف في اللّيل، وسأعطيك من العظم المشويّ ما تريد.

— آه، قال القطّ وهو يصيخ السّمع. هي ذي امرأة حاذقة جدّا، ولكنّها ليست أكثر دهاء منّي.

زحف الكلب البرّي داخل الكهف ووضع رأسه على ركبتي المرأة وقال:

— أوه يا سيّدتي وزوجة سيّدي، سأكون خادمك لأجل العشب الرّائع.

— آه، قال القط وهو يصيخ السّمع. هو ذا كلب شديد الغباء.

وانصرف إلى الغابة الرّطبة والبرّية، وهو يحرّك ذيله البرّي، سائرا بوحدته البريّة. ولكنّه لم يروِ شيئا لأحد.

عندما استيقظ الرّجل قال:

— ماذا يفعل الكلب البرّي هنا إذن؟

وقالت المرأة:

— لم يعد يُلقّب بالكلب البرّي، ولكن بالصّديق الأوّل، لأنّه سيصبح صديقنا دائما وإلى الأبد. اصطحبه معك عندما تذهب إلى الصّيد.

وفي المساء الموالي، جمعت المرأة من الوديان حفناتٍ من العُشبِ، قامت بتجفيفها أمام النّار، وكانت لها رائحة التّبن المقطوع حدِيثا، وجلست أمام مدخل الكهف وضفرت رسنا من جلد الحصان، ونظرت إلى عظم كتف الخروف، ذاك العظم الكبير المسطّح، وقامت بِسحر. قامت بثاني سحر غنائي في العالم.

وهناك في الغابة البرّية، كانت كلّ الحيوانات البرّية تتساءل عمّا حدث للكلب البرّي، وفي النّهاية، ضرب الحصان البرّي الأرض بحافره وقال:

— سوف أذهب لأرى وأخبركم لماذا لم يعد الكلب البرّي. أيّها القطّ، تعال معي.

— بلا، قال القطّ. أنا القطّ الذي يسير بمفرده وبالنّسبة إليّ كلّ الأماكن متشابهة.

ولكنّه تبع الحصان البرّي رغم كلّ شيء، ببطء، ببطء شديد، واختبأ هناك حيث يمكنه سماع كلّ شيء.

عندما سمعت المرأة الحصان البرّي يجفل ويتعثّر في عرفه الطّويل، ضحكت وقالت:

— هذا هو الثّاني. أيّها الكائن البرّي في الغابة البرّية، ماذا تريد؟

وقال الحصان البرّي:

— أوه يا عدوّتي، وزوجة عدوّي، أين الكلب البرّي؟

ضحكت المرأة وحملت عظم الكتف، نظرت نحوه وقالت:

— أيّها الكائن البرّي في الغابة البرّية، لم تأتِ من أجل الكلب البرّي، ولكن من أجل هذا العشب اللّذيذ.

وقال الحصان البرّي الذي يجفل ويتعثّر في عرفه الطّويل:

— هذا صحيح. أعطني منه لآكل.

وقالت المرأة:

— أيّها الكائن البرّي في الغابة البرّية، أحنِ رأسك البرّي وضَعْ ما سأعطيه لك، وستأكل من هذا العُشب اللّذيذ ثلاث مرّات في اليوم.

— آه، قال القطّ وهو يصيخ السّمع. هي ذي امرأة بارعة جدّا، ولكنّها ليست أكثر براعة منّي.

وأحنى الحصان البرّي رأسه البرّي، فوضعت المرأة حوله الرّسن الجلديّ الذي ضفرته، وهبّ الحصان البرّي نحو قدمي المرأة وقال:

— أوه يا سيّدتي وزوجة سيّدي، سأكون خادمك لأحصل على العشب اللّذيذ.

— آه، قال القطّ وهو يصيخ السّمع، هو ذا حصان شديد الغباء.

وانصرف إلى الغابة الرّطبة والبرّية، وهو يحرّك ذيله البرّي، سائرا بوحدته البريّة. ولكنّه لم يروِ شيئا لأحد.

عندما عاد الرّجل والكلب من الصّيد، قال الرّجل:

— ماذا يفعل الحصان البرّي هنا؟

وقالت المرأة:

— لم يعد يُلقّب بالحصان البرّي ولكن بالخادم الأوّل، لأنّه سيحملنا من مكان إلى آخر دائما وإلى الأبد. اركب على ظهره عندما تذهب إلى الصّيد.

وفي الغد، كانت البقرة البرّية تتوجّه نحو الكهف، وهي تعدّل رأسها باستقامة حتّى لا يعلق قرناها البرّيان في أغصان الأشجار البرّية، وتبعها القطّ واختبأ كما في السّابق وحدث كلّ شيء كما في السّابق، وقال القطّ نفس الأشياء كما في السّابق. وعندما وعدت البقرة البرّية المرأة بأن تعطيها كلّ يوم حليبها مقابل العشب اللّذيذ، انصرف القطّ إلى الغابة الرّطبة والبرّية وهو يحرّك ذيله البرّي، سائرا بوحدته البريّة مثلما في السّابق. ولكنّه لم يتحدّث مع أحد قط. وعندما عاد الرّجل والحصان والكلب من الصّيد وطرحوا نفس الأسئلة كما في السّابق، قالت المرأة:

— لم تعد تلقّب بالبقرة البرّية ولكن بمانحة الطّعام الجيّد. ستمنحنا حليبا أبيض جيّدا ودافئا دائما وإلى الأبد، وسأهتمّ بها بينما تكونان في الصيّد أنتما، أيّها الصّديق الأوّل والخادم الأوّل.

وفي الغد، انتظر القطّ أن يحدث شيء مّا آخر برّي في الكهف، ولكن لم يتحرّك أحدٌ في الغابة الرطبة والبرّية، فذهب القطّ بمفرده، ورأى المرأة تحلب البقرة وضوء النّار في الكهف واشتمّ رائحة الحليب الأبيض اللّذيذ الدّافئ. قال القطّ:

— أوه يا عدوّتي وزوجة عدوّي، إلى أين ذهبت البقرة البرّية؟

ضحكت المرأة وقالت:

— أيّها الشّيء البرّي في الغابة البرّية، عد إلى الغابة لأنّي ضفرت شعري ووضعت عظم الكتف في مكانه، ولم نعد بحاجة إلى أصدقاء أو خدم في كهفنا.

قال القطّ:

— لست صديقا ولا خادما. أنا القطّ الذي يسير طريقه بمفرده وأرغب في الدّخول إلى كهفك.

قالت المرأة:

— إذن لماذا لم تأت مع الصّديق الأوّل في اللّيلة الأولى؟

غضب القطّ كثيرا وقال:

— هل روى الكلب البرّي أشياء عنّي؟

فضحكت المرأة وقالت:

— أنت القطّ الذي يسير بمفرده وبالنّسبة إليك كلّ الأماكن متشابهة. لست صديقا ولا خادما. قلت هذا بنفسك. اذهب، اذهب في حال سبيلك بمفردك في الأماكن المتشابهة.

تظاهر القطّ بالحزن وقال:

— إذن ألن أتمكن من الدّخول إلى الكهف أبدا؟ ولن أتمكن أبدا من الجلوس قرب النّار الدّافئة؟ ألن أتمكن أبدا من شرب الحليب الأبيض اللّذيذ الدّافئ؟ أنت امرأة حاذقة وجميلة جدّا. لا يجب أن تكوني قاسية، حتّى تجاه قطّ.

قالت المرأة:

— كنت أعرف أنّي حاذقة، ولكنّي لم أكن أعرف أنّي جميلة. ولهذا سأعقد معك اتفاق. إذا نطقت كلمة واحدة في مديحك، تستطيع الدّخول إلى الكهف.

— وإذا نطقت ثلاث؟ قال القطّ.

— لن يحدث هذا، قالت المرأة. ولكن إذا نطقت أنا ثلاث كلمات في مديحك تستطيع شرب الحليب الأبيض اللّذيذ الدّافئ ثلاث مرّات في اليوم دائما وإلى الأبد.

إذن أحنى القطّ ظهره وقال:

— فلتتذكّر السّتارة في مدخل الكهف والنّار في عمق الكهف وأوعية الحليب الموضوعة قرب النّار ما قالته عدوّتي وزوجة عدوّي.

وانصرف  إلى الغابة الرّطبة والبرّية، وهو يحرّك ذيله البرّي، سائرا بوحدته البريّة.

وفي ذلك المساء، عندما عاد الرّجل والحصان والكلب من الصّيد، لم تحدّثهم المرأة عن الاتفاق التي عقدتها مع القطّ لأنّها كانت خائفة بألاّ يعجبهم ذلك.

رحل القطّ بعيدا، بعيدا جدّا واختبأ في الغابة الرّطبة والبرّية في وحدته البرية، لوقت طويل، إلى أن نسيت المرأة أمره.

وحده الخفّاش الصّغير المعلّق برأسه إلى أسفل داخل الكهف، وحده الخفّاش كان يعرف أين يختبئ القطّ. وفي كلّ ليلة، كان الخفّاش يطير نحو القطّ ليعلمه بالأخبار الجديدة.

في ليلة ما، قال الخفّاش:

— هناك رضيع في الكهف. رضيع حديث العهد، ورديّ اللّون، صغير وبدين، والمرأة مولعة به.

— آه، قال القطّ وهو يصيخ السّمع، والرّضيع، بأيّ شيء مولع؟

— إنّه مولع بالأشياء اللّطيفة والمُدغدِغة، قال الخُفّاش. مولع بالأشياء الدافئة التي يحملها بين ذراعيه عندما ينام. يحبّ كثيرا أن يلعبوا معه. يحبّ كثيرا كلّ هذا.

— آه، قال القطّ وهو يصيخ السّمع. إذن جاءت فرصتي.

في اللّيلة الموالية، قطع القطّ الغابة الرّطبة والبرّية، واختبأ قرب الكهف، حتّى غادر الرّجل والكلب والحصان إلى الصّيد صباحا. كانت المرأة تطبخ ذاك الصّباح والرّضيع يبكي ويُزعجها. وهكذا وضعته خارج الكهف وقدّمت له حفنة من الحصى ليلعب بها. ولكنّ الرّضيع تابع البكاء.

عندها مجدّ القطّ قائمته وداعب خدّ الرّضيع فبدأ يَهدِلُ. فرك القطّ ما بين فخذيه البدينين ودغدغه بذيله تحت ذقنه البدين، فضحك الرّضيع وسمعته المرأة وابتسمت.

وهكذا قال الخُفّاش، الخُفّاش الصّغير المُعلّق برأسه إلى أسفل:

— أوه يا مضيّفتي وزوجة مضيّفي وأمّ ولد مضيّفي، ثمة كائن برّي من الغابة البرّية يلعب بلطف كبير مع رضيعك.

— فليُبارك هذا الكائن البرّي مهما كان، قالت المرأة وهي تعتدل، لأنّي امرأة مشغولة جدّا هذا الصّباح، وقد ساعدني.

في تلك اللّحظة والثّانية ذاتها، يا أعز الناس، سقطت ستارة جلد الحصان الجافّ التي يتدلّى  ذيله إلى أسفل – طف! –  لأنّها  تذكّرت الاتفاق التي عُقدت مع القطّ، وعندما ذهبت المرأة لتحملها، إذ بالقطّ، ويا للمفاجأة، يجلس بارتياح داخل الكهف.

— أوه يا عدوّتي، زوجة عدوّي وأمّ عدوّي، قال القطّ. إنّه أنا، لأنّك نطقتِ كلِمة في مديحي، ومن الآن فصاعدا أستطيع أن أبقى داخل الكهف دائما وإلى الأبد. ولكنّي مازلت القطّ الذي يسير بمفرده وبالنّسبة إليّ كلّ الطّرق متشابهة.

كانت  المرأة في غاية الغضب. زمّت شفتيها. أخذت مغزلها وبدأت تخيط.

ولكنّ الرّضيع كان يبكي لأنّ القطّ غادر ولم تستطع المرأة إسكاته. كان يقاوم ويركل وامتقع وجهه.

— أوه يا عدوّتي، زوجة عدوّي وأمّ عدوّي، قال القطّ. خذي طرف خيط ممّا تخيطين واربطيه بمغزلك، ثمّ جرّيه على الأرض. سأريك سحرا سوف يضحك رضيعك بنفس القوّة التي يبكي بها الآن.

— سأفعل هذا، قالت المرأة، لأنّ أعصابي على حافّة الانهيار، ولكن لا تنتظر منّي أن أشكرك.

ربطت الخيط إلى مغزل الصّلصال الصّغير ثمّ جرّته على الأرض، وهبّ القطّ راكضا وراءه، وضربه بضع ضربات بقائمته، وقام بشقلباتٍ ورماه للخلف فوق كتفيه وتبعه بين قائمتيه من الوراء، وادّعى أنّه أضاعه وقفز من جديد فوقه إلى أن بدأ الرّضيع يضحك بنفسِ القوّة التي كان يبكي بها. ثمّ ركض على أربع قوائم وراء القطّ وهو يمرح على امتداد الكهف، إلى أن تهالك متعبا ونام مع القطّ في أحضانه.

— الآن، قال القطّ، سوف أغنّي للرضيع أغنية ستجعله ينامُ لساعة.

في تلك اللّحظة نفسها يا أعزّ الناس، تصاعد من السّقفِ دخان النّار في عمق الكهف في سحابات – طف – لأنّه يتذكّر الاتفاق التي عُقِدت مع القطّ، وعندما تبدّد، ويا للمُفاجأة، كان القطّ يجلس بارتياح قرب النّار.

— أوه يا عدوّتي وزوجة عدوّي وأمّ عدوّي، قال القطّ. إنّي أنا، لأنّك قلتِ فيّ كلمةً طيّبة أخرى، من الآن فصاعدا، أستطيع الجلوس قرب النّار الدّافئة في عمق الكهف دائما وإلى الأبد. ولكنّي دائما القطّ الذي يسير بمُفرده، وبالنّسبة إليّ كلّ الطّرق متشابهة.

غضبت المرأة غضبًا شديدا. فكّت شعرها ووضعت من جديد الحطب في النّار وأخرجت عظم كتف الخروف العريض وانغمست في عمل سحر من المفترض أنّه سيمنعها من قول كلمة ثالثة في مديح القطّ. لم يكن سحرا غنائيّا، يا أعزّ الناس، كان سِحرا صامتا وأصبح الكهف رويدا رويدا صامتا للغاية إلى درجة أنّ فأرة صغيرة ضامرة خرجت من الزاوية وقطعت الكهف ركضا.

— أوه يا عدوّتي وزوجة عدوّي وأمّ عدوّي، قال القطّ. هل تنتمي هذه الفأرة الصغيرة إلى سحرك؟

— أوه لا، بالتأكيد لا. قالت المرأة.

ثمّ تركت عظم الكتف يسقط وقفزت فوق المقعد أمام النّار، وأعادت ربط شعرها بسُرعة، خوفا من أن تتسلّقه الفأرة.

— آه، قال القطّ متيقّظا. إذن لن تؤذني هذه الفأرة إذا أكلتها؟

— لا، قالت المرأة وهي تربط شعرها. كُلها بسُرعة وسأكون مدينة لك إلى الأبد.

بقفزة واحدة، أمسك القطّ بالفأرة الصّغيرة وقالت المرأة:

— ألف شكر لك. حتّى الصّديق الأوّل نفسه ليس له سرعتك في القبض على الفئران الصّغيرة. أنت بالتّأكيد حاذقٌ جدّا.

في الدّقيقة واللّحظة ذاتها، أوه يا أعزّ الناس، انشطر وعاء الحليب الموضوع قرب النّار إلى نصفين – فففففت – لأنّه تذكّر الاتفاق الذي عُقد مع القطّ. وعندما قفزت المرأة من المقعد، ويا للمُفاجأة، كان القطّ يلعق الحليب الأبيض اللّذيذ الدّافئ المتبقّي في إحدى القطع المكسورة.

— أوه يا عدوّتي وزوجة عدوّي وأمّ عدوّي، قال القطّ. إنّي أنا، لأنّك قلت فيّ كلمة ثالثة طيّبة، ومن الآن فصاعدا أستطيع أن أشرب الحليب الأبيض الدّافئ اللّذيذ ثلاث مرّات في اليوم دائما وإلى الأبد. ولكنّي دائما القطّ الذي يسير بمُفرده وبالنّسبة إليّ كلّ الأماكن متشابهة.

إذن ضحكت المرأة، ووضعت أمام القطّ وعاء من الحليب الأبيض الدّافئ اللّذيذ وقالت:

— أوه أيّها القطّ، أنت حاذق تماما مثل رجل، ولكن تذكّر بأنّ اتفاقنا لم ينعقد مع الرّجل أو مع الكلب وأجهل ما سيفعلان عندما يعودان.

— لا يهمنّي، قال القطّ. في اللحظة التي يكون لي فيها مكاني في الكهف قرب النّار، وحليبي الأبيض الدّافئ ثلاث مرّات في اليوم، فلَن يهمّني الرّجل ولا الكلب.

في تلك اللّيلة، عندما عاد الرّجل والكلب إلى الكهف، روت لهما المرأة كلّ حكاية الاتفاق، بينما كان القطّ يبتسم جالسا قرب زاوية النار. وهكذا قال الرّجل:

— نعم، ولكنّه لم يعقد اتفاقًا معي، ولا مع كلّ الرّجال من بعدي.

ثمّ خلع زوجي حذاءه الجلديّ وتناول فأسه الحجريّة الصّغيرة (هذا يجعلها ثلاثة) ، ثمّ ذهب يبحث عن قطعة من الخشب وفأسا صغيرة أخرى (هذا يجعلها خمسة) وصفّها أمامه ثمّ قال:

— والآن، علينا نحن الاثنين أن نعقد اتفاقًا! إذا لم تُمسك بالفئران وأنت دائما ودائما ودائما في الكهف، سأرميك بهذه الأشياء الخمسة كلّما اعترضتني، وهكذا سيفعل كلّ الرّجال من بعدي.

— آه، قالت المرأة وهي تُصيخ السّمع. إنّه قطّ حاذق، ولكن ليس أكثر من رجُلي.

عدّ القطّ الأشياء الخمسة (بدت منحوتة جيّدا) وقال:

— سوف أمسك بالفئران كلّما كنت في الكهف دائما وإلى الأبد، ولكنّي مازلتُ القطّ الذي يسير بُمفرده وبالنسبة إليّ كلّ الأماكن متشابهة.

— ليس عندما أكون هنا، قال الرّجل. إذا لم تقل هذه الكلمات، كنت سأجمع هذه الأشياء دائما وإلى الأبد، ولكن الآن، سأرميك بزوجي حذائي وفأسي الحجريّة الصّغيرة كلّما اعترضتني. وهكذا سيفعل كلّ الرّجال من بعدي.

إذن قال الكلب:

— انتظر دقيقة، إنّه لم يعقد اتفاقًا معي، ولا مع بقيّة الكلاب من بعدي.

ثمّ كشف عن أنيابه وقال:

— إذا لم تكن لطيفا مع الرّضيع عندما أكون في الكهف دائما وإلى الأبد، فسوف أتبعك حتّى أمسك بك وعندما أمسك بك فسوف أعضّك. وهكذا سيفعل كلّ الكلاب من بعدي.

— آه، قالت المرأة وهي تصيخ السّمع. إنّه قطّ حاذق جدّا، ولكن ليس كالكلب.

عدّ القطّ أنياب الكلب (بدت حادّة جدّا) وقال:

— سوف أكون لطيفا مع الرّضيع عندما أكون في الكهف، ما دام لا يسحب ذيلي بعنف دائما وإلى الأبد. ولكنّي مازلت القطّ الذي يسير بمفرده وبالنسبة إليّ كلّ الأماكن متشابهة.

— ليس عندما أكون هنا، قال الكلب. إذا لم تقل هذه الكلمات الأخيرة، كنت سأغلق فمي دائما وإلى الأبد، ولكن الآن سوف أجعلك تتسلّق الأشجار كلّ مرّة تعترضني فيها. وهكذا سيفعل كلّ الكلاب من بعدي.

    وهكذا رمى الرّجل زوجي حذائه وفأسه الحجريّة الصغيرة (هذا يجعلها ثلاثة) على القطّ، وهرب القطّ راكضا خارج الكهف، وجعله الكلب يتسلّق إلى أعلى شجرة. ومنذ ذلك اليوم إلى الآن، يا أعزّ الناس، لا يفوّت أبدا ثلاثة رجال من خمسة رمي أشياء على قطّ كلّما اعترضهم، وكلّ الكلاب الأخرى تركض خلفه ليجعلوه يتسلّق الأشجار. ولكنّ القطّ كان يحترم نصيبه من الاتفاق. كان يقتل الفئران ويتعامل مع الرّضيع بلطف كلّما كان في الكهف، بشرط ألاّ يسحبه من ذيله بعنف. ولكنّه بعد أن قام بكلّ هذا، وفي الأثناء، عندما يطلّ القمر ويخيّم اللّيل، كان ما يزال القطّ الذي يسير بمُفرده، وبالنّسبة إليه كلّ الأماكن متشابهة. وهكذا يمضي في الغابة الرّطبة والبرّية، أو إلى الأشجار الرّطبة والبرّية، أو فوق الأسقف الرّطبة والبرّية، وهو يحرّك ذيله البرّي، ماضيا وحيدا وبرّيا.     

قُطَيْطة في وسعها أن تكون إلى جانب النار، في وسعها أن تغنّي،

وأن تتسلّق كلّ الشجرْ

وتلهو بسدّاد فلّينة مضحكهْ

وفي وسعها أن تدورْ

وما ذاك حتّى تُسلّي قلبي ولكن ترفّه عن نفسها

غير أَنِّي أفضِّل كلبي بنكي 

فبنكي رشيد التصرّفْ

كذا، مثل حال المقدَّم في الأصدقاءْ،

كذا كان بنكي

وكنت أنا رجلًا داخل الكهفْ

ستلهو قُطيطة في صُحْبةٍ، ستلهو مع الرّجل فرايدي

إلى أن تبلّل كفًّا

وتمضي إلى حافّة النّافذهْ

(إلى حيث ما تركت قدمٌ من أثرْ رآه كروزو)

ومن بعدُ سوف تحرّك ذيلا، تموء

وتخدش دون انتباه إلى ما أقول

ولكنّ بنكي سيلعب ما قد أحدّد من لعبةٍ

فبنكي صديقي الحقيقيّ قبل الجميعْ

قُطيطة سَوْف تمسّح رأسًا على ركبتيّ 

لتزعم أنّ وراء التمسّح حبًّا كبيرًا

ولكنني حين أذهب للنوم

تجري قُطيطة نحو الفضاء

وتبقى هناك إلى أن يجيء النّهارْ

وهكذا أعلم أنّ التمسّح محض ادّعاء

ولكنّ بنكي، يظلّ يرابط، يشخر ملء المساء، إلى قدميّ،

وبنكي صديقي المقدَّم في الأصدقاء!

4
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا