اكتب القصص

جان دوست | من:العربيّة

الملثّم

Introduction by وسام جبران

بوجهه المكشوف وفمه الأعوج وآثار الطعنات أدار ظهرَه للمدينة تستقبل رذاذ مطرٍ أسود كالحبر. الحبر الذي يغمس به ياوز قصبته خاطًّا بها شهواته بخطٍّ عربيٍّ أنيق ليرتقي في الروح وفي القتل معًا؛ هو ذاته الذي كان دواة حبرٍ يغمس فيها الرجالُ أوتادهم ويُفرغون فيها شهواتهم.

يقتل ياوز أباه مراتٍ ومرّاتٍ قبل أن يعثر عليه ميّتًا دون أن يقتله.

هي رواية القدر الدّامي المُسَمّم الذي نصنعه بأيدينا، رواية الحياة بوصفها سعيًا عبثيًّا لقتل الأب، ونفاقًا أبديًّا لا ينتهى إلا بخلع اللثام.

في الكتابة نظامٌ رمزيٌّ نميّزه بواسطة التعارض الأساسيّ المضاعف بين الغياب والحضور؛ ثمة حضورٌ خلاّقٌ في حبر الكتابة يمتزج بغيابٍ قاتلٍ في الحبر ذاته؛ الحبر المسموم.

لا غياب في الواقعيّ. هناك غياب فقط حيث توحي إلى احتمال وجود الحضور حيث لا وجود له. العالم في "ميرنامة" حضورٌ يصنعه الغياب.

ينتقل ياوز، من طور "اللاّشيء"/ الأداة/ الهارب السلبيّ... إلى طور الفعل عبر تعلم الكتابة. لا الكتابة التأليفيّة الدلالية، بل الكتابة بوصفها خطًّا وحسب؛ بوصفها نظامًا رمزيًّا لا يُفصح إلا بقدر ما يسكت. الرمز يُستخدم للدلالة على غياب الشيء، بينما الدّلالات موجودة بمقدار ما تتعارض مع دلالات أخرى.

بموجب التّضمين المتبادل للغياب والحضور في حبر ياوز، فإن الغياب قادرٌ أن يُفصح عن نفسه وجوداً إيجابيًّا متساوياً مع الحاضر. هنا يصير "اللاّشيء" هو عينه ذاتًا.

هذا فصل المثلّم، من رواية ميرنامة للروائي جان دوست

اقرأ المزيد

تعلمتُ خصائص الأدوية وطبائع السموم لدى كيميائي. كيميائي عربي من أطراف بغداد جاء يعمل طبيباً في بلاط أحد ولاة وان. أرشدني هذا الكيميائي إلى معرفة كل الأعشاب التي يمكن استخلاص السم القاتل منها.

باح لي بكل أسرار الكيمياء. لم يترك باباً مسدوداً إلا وفتحه على مصراعيه أمامي. ما عدا سر مزج الطلق والزئبق الفرار! هذا دأب الكيميائيين منذ القديم، فلا يبوحون لأحد بهذا السر كما أنهم لا يفشون سر تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب.

لكن في نهاية الأمر، وقبل أن أملأ كأس معرفتي، أقسم لي ذلك الكيميائي العربي بضريح الشيخ عبد القادر الجيلاني أن مسألة إمكانية مزج الزئبق والطلق محض كذب. وقال إنهما لا يمتزجان بأي وجه من الوجوه. ومن يقدر على ذلك فإنه سيملك الشرق والغرب.

قصة ذبح أمي وما تبعه

 

أبي الذي كان يعرف باسم بِرْزِين الألشكردي، ذبح أمي أمام عيني وأنا طفل في العاشرة من العمر.

كان الخنجر في يده ويخور مثل ثور: “أيتها العاهر لقد دنست شرفي!”

لم أكن أعرف ما الذي يجري وما هو داعي غضب أبي وثورته إلى تلك الدرجة؟ كنت في زاوية بيتنا الصغير مختبئاً وراء ستارة أرقب شجارهما. كنت أظن أن أبي لن يقتل أمي الجميلة الشابة. لكن ظني ذُبِح حين ذبحت أمي. كان أبي ما يزال في ثورته يحمل رأس أمي المقطوع، حين هربت. ركضت وركضت لا ألوي على شيء حتى حل علي المساء وبدت لي الشمس الآيلة للغروب خلف الجبال مثل رأس مقطوع. ومذاك لم نلتق أنا و أبي ثانية. كنت أعتقد أنه سيقتلني أيضاً لو رآني.

في مدينة تبعد عن قريتنا من ثلاثين إلى أربعين فرسخاً، وقعت في يد عصابة من الشطار والحشاشين. أصبحت صبيهم، يغمسون أقلامهم في دواتي ويسطرون شهواتهم على ظهري. كنت أتألم في البداية كثيراً، لكنني اعتدت بعد عديد من المرات وصرت أجد في ذلك لذة.

كنت جميلاً وسيماً مكتنزا وصقيل اللحم. كنت أخاف الرجال وأريد أن يحموني. أما ثمن حمايتي تحطيم جرة الخوف التي كنت قابعاً فيها، فقد كان أن يطفئوا نار شهواتهم لدي. صرت أنا من يريد ذلك، وإن لم يكن ثمة أحد يفعلها معي، كنت أهيم في الدروب وأتعرض للدراويش الذين كانوا يعرفون الصبيان مثلي فينتهزون أول فرصة ويلقون كشاكيلهم خلف صخرة ويدعونني لأتبعهم إلى الوادي. كان الدرويش إذ يرى جسدي العاري الصقيل، يهلل ثم يضع لحيته الطويلة في فمه ويدفع بمحراثه في أرضي يحرثها.

كبرت على هذا المنوال وشببت عن طوق أولئك الشطار والحشاشين في البلدة وصرت أذهب إلى الخانات. والخانات التي كانت منعزلة وبعيدة عن المدن، كانت مرتع اللوطيين والزناة والتجار والملالي وطلبة الفقه وكلّ من هبّ ودبّ. من النظرة الأولى كنت أتعرف على الذين يشتهون الغلمان. نظراتهم، أسلوب تحديقهم في أرداف الصبيان، بريق أعينهم واللعاب السائل على أطراف أفواههم، كل ذلك كان يشي بكونهم لوطيين.

ضحيتي الأولى

 

ذات صيف كنت متجهاً إلى دياربكر. كنت قد عبرت نهر مُرادْ واستقبلني سهل مُوشْ. كان الظلام قد حل وكنت منهكاً نعسان، كانت رغبة نوم سكان مدينة بأكملها تغزو عيني. لم يكن ذلك النعاس ليطير بالرغم من كل محاولاتي. صحيح أنني كنت متقلداً خنجري تحت الحزام، لكن قطاع الطرق كثيرون. وكان علي أن أستريح وأنام قليلاً. فآنست من أحد الأطراف ناراً، ولا أدري أي قوة جذبتي إلى تلك النار في ذلك الليل البهيم؟ كل الخوف من العصاة وقطاع الطرق ذاب في قلبي كفص من الملح، وجذبتني تلك النار إليها مثل مغناطيس.

حاصل الكلام أنني دنوت من النار فلمحت أطلال خانٍ خربٍ، لكن لا أحد قرب النار! تلوت بضع آيات لأنني ظننت أن ذلك من فعل الجن والعفاريت. ثم استولى علي الخوف وأردت اجتياز ذلك المكان لكنني سمعت خشخشة من الخان الخرب تبعها صوت آدمي صرخ قائلاً: “من هناك؟ أإنسي أم جني؟”

كان يظهر من نبرة صوته أن خوفه لا يقل عن خوفي، فتلاشى خوفي وصحت به: “أنا آدمي مثلك. أنا عابر سبيل”.

وتوجهت إلى الخان الطلل تاركاً ورائي النار التي بدأت تخبو.

كان الخان مظلماً. كنا أنا وذلك الرجل بالكاد نشاهد بعضنا في ضوء بعض النجوم وتلك النار المشرفة على الموت. رغبة النوم التي كانت قد طارت من عيني بسبب الخوف عادت لتداهمني من جديد. ودون أن أدع الرجل يسأل عن أصلي ونسبي، أو يستعلم عن قريتي وعشيرتي، قلت له:

  • يكاد يغشى علي من قلة النوم. لقد نال مني التعب بعد أن سرت مسافة نصف يوم، فإن أذنت لي سأبيت الليلة هنا.
  • وَيْ! ولماذا لا آذن لك أيها الشاب! الخان مقفرٌ وهو ليس ملكي. ولقد لطف الله بي إذ أرسلك الليلة، وإلا لاستوحشت المكان وحيداً.

ثم انتحى زاوية وخلع نعليه فوضعهما تحت رأسه. كان مقبض خنجره يلمع في الضوء الخافت. اشتهيته. فذهبت وتمددت بجانبه، خلعت نعلي وأسندت رأسي إليهما مثله.

انتبهت، بعد أن مضت ساعة، إلى أن الرجل يتحسس بدني رقعة فرقعة، فسكنت، فمضى الرجل أبعد وصار يمسح على ردفي المكورين. ولما رآني ساكناً لا أمانع تحسس تكة سروالي وفك العقدة على عجل. وقعت يدي من الخلف على قضيبه الساخن الصلب مثل وتد خيمة! ثارت في داخلي نيران الشهوة فنزعت عني السروال بنفسي. حصل كل شيء في العتمة والسكون. إن اللذة تتضاعف عندما يكون المرء نصف نائم، لذلك أبقيت عيني مغمضتين بينما جذبني الرجل الذي لم أكن قد رأيت وجهه بعد إلى حضنه ودق وتده ببراعة لوطي.

لقد مرت علي مئات الليالي في أحضان الفحول، لكنني لم ألتق برجل شبق مثل ذاك. وبعد أن قضى وطره وأطفأ نيرانه في بحر ناري، انقلب على ظهره وغلبه النوم فبدأ يشخر.

من النافذة الشرقية لمحت البدر المكتمل. البدر الذي أرهبه منذ طفولتي وما كنت أتجرأ على النظر إليه طويلاً. كانت أمي تقول: ″إن من يطيل النظر إلى البدر أو المرآة، يصيبه الجنون!″

لبست سروالي، وأحكمت التكة على خصري ثم نهضت لألقي نظرة إلى الخارج. حانت مني التفاتة إلى الرجل، وحينما أمعنت فيه النظر صرخت بكل ما حباني الله به من قوة صوت.

 

***

كان ذلك الرجل أبي. كانت لحيته قد شابت قليلاً، لكن وجهه كان كما عهدته مدوراً يعلوه أنف أفطس وحاجبان غليظان.

بصرختي تلك، هب من النوم فزعاً ونهض وهو يمد يده إلى مقبض خنجره. وحينما رآني في مواجهته قال بصوت مرتعش: “من أنت؟”

سللت خنجري وأسندت ظهري إلى النافذة، رأيت في نور القمر شرارات الموت التي تتطاير من عينيه. كان هو، كان هو بعينه، بقامته وصوته وهيئته وكل شيء فيه، كان أبي.

لا أدري ماذا اعتراني وقتها! بقيت لا أحير جواباً لبرهة وكأنني أخرس، ثم قلت: “الأفضل ألا تعرفني”.

لكنه رد علي بصوت يفلق الصخر: “من أنت أيها الصبي؟ هيا قل لي اسمك واسم عشيرتك!”

تقدمت خطوة إلى الأمام وقلت: “أنا ابنك، أنا ياوز. أنا ياوز الذي ذبحت أمه أمام عينيه، أنا ابنك الذي جعلته يهيم على وجهه في البراري، ابنك الذي …….”

لكنه لم يسمح لي أن أتمّ كلامي. هجم عليّ كخنزير بري وهو يقول: “يا ابن العاهر أما زلت تعيش وأنا أبحث عنك منذ عشر سنوات؟”

وطعن وجهي بالخنجر، فرددت عليه بطعنة مماثلة لكنه تنحى وانسحب إلى الخلف وذهبت ضربتي في الهواء. تقدم مرة أخرى وطعنني عدة مرات في وجهي، فرددت عليه بأن ضربته في رقبته وصرنا نتبادل الطعنات سجالاً حتى قضيت عليه. لكن التعب والإرهاق كانا قد نالا مني كثيراً فقد امتلأ وجهي بالطعنات وانشق فمي وبلغت الطعنة الأخيرة صدري دون أن تذهب عميقاً. وبالرغم من أن جراحي كانت خفيفة فقد غبت عن الوعي وبقيت مرمياً في ذلك الخان القفر.



*فصل من رواية ميرنامة

3
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا