مشروع القصة القصيرة

search

محمد حسن النحات | من:العربيّة

باحة بروكا

وضعتُ أمامي أوراقاً بيضاء، مَحبرَة نحاسية، ريشةً اختلستُهَا من بطة جيراني, أشعلتُ شمعةً وأحكمتُ تثبيتها على منتصفِ المنضدةِ، ألصقتُ أطرافَ أصابع يدي وأسندتُ مرفقي على حافةِ الطاولةِ، كنت عارياً تماماً. تنزلق حُبيباتُ عرقي من أسفل عنقي إلى مُفترق مؤخرتي التي يختفي عندها إحساسي بسريانها لتبدأَ حُبيبات أخرى الرحلة من محطة العنق. كتمتُ أنفاسي مترقباً هُبوط الوحي.

عشر دقائق، نصف ساعة، ساعة.. و لا شيء حدث. تصاعدتْ رائحةٌ مقززة من جسدي وفترتْ مؤخرتي من تقبل عرقي و حَملي. فأطفأتُ ببؤسٍ الشمعة وأدرتُ مروحة السقف وارتميتُ منهكاً على السرير.

أفقتُ من نومتي متكدراً برأسٍ ثقيلٍ، و أطراف مُتيبسةٍ، تلصصتُ على أوراقي علها مُلئت بالطبع كانتْ بيضاء فزمان المعجزات قد ولى. قمتُ مترنحاً صوب الحمام، تبولتُ واقفاً وأنا أراقبُ خَيط البول المُصفر بتمعنٍ لا معنى له. وقفتُ تحت الدش مغمضاً عيني متنصتاً على دوشةِ الماء و عراكه مع درن جسدي. أرخميدس هبط عليه الوحي و هو عارٍ مثلي، إلا أنه للأسف لم تكن لي رفاهية البانيو.

كانت الساعة تقاربُ العاشرة مساء عندما هاتفتُ جارتي الأرملة، وأنا أداعبُ عضوي الضامر. أجابتني بهمسٍ وتعذرت بضيوفٍ لديها، شتمتها بأقبحِ الألفاظ؛ فأغلقتْ المكالمة في وجهي. كنتُ في حاجةٍ لإفراغ طاقتي عسى أن تخطر على عقلي أية فكرة. طوّفتُ بأنحاءِ المنزلِ؛ لأخلص إلى تناول عشائي، ازدردتُه مرغماً وأنا أتخيلُ دمائي الجائعة تعدو من كل جهات جسدي لتتكدس عند معدتي، فتتفاجأ بجبنٍ باردٍ وقطع خبزٍ جافة. ضحكتُ حتى شَرِقتُ.

عند ظهيرة اليوم التالي كنتُ قابعاً في ركني المفضل من المقهى، كنت دوماً أفضلُ المقاعد الخلفية؛ فمنها استطيعُ الاطلاع على العالم، اتسمرُ لساعاتٍ مراقباً الناس، و تنقلات النادل بينهم، طريقة حمله لطلباتِ الزبائن، تأرجح السوار النحاسي على معصمه، وصوت احتكاك خواتمه العديدة على أسطح الطاولات كلما وضع طلباً، وعلى الرغم من لحيته الكثة إلا أنني أراهن دون دليلٍ ملموس على أنه شاذ جنسياً. تكرعتُ كوب الماء على معدتي الخاوية وطقطقتُ ظهري متلمساً مواضع الألم عند نهايته، كانت ليلة أمس مكتظةً بالأحداثِ المُرهقة. لم أنمْ قط وظللتُ أعمل طوال الليل دون طائل. كانتْ لدي العديد من عُلب الدهان التي لم تستخدم فرصصتها عند أحد حوائط بيتي، وبفرشاةٍ قديمة أخذتُ ألطخُ الجدارَ كيفما اتفق، تداخلت الألوانُ في نفورٍ و امتلأَ المكانُ برائحةِ الطلاء المُسكرة، ثم وقفتُ متصلباً أمام اللوحةِ الجدارية، في يدي أوراقٌ و قلمٌ، تركتُ عيني تتمشيان على الألوان علّ فكرة ما تنبجسُ من رأسي، لو كنتُ أنا و لطخات الألوانِ هذه جزءاً من لوحة سيريالية لرُبما نالت استحسان النقادِ، وبيعتْ في مزاداتِ أوربا بأبهظ سعرٍ.

خمنتُ أن الأفكارَ تتمنع عني لأن الألوانَ المتداخلة تشتتُ تفكيري؛ فقررتُ طلاءَ الجدارِ بلونٍ واحدٍ. تزاحمَ أمامي الأبيض والأحمر والأزرق فاخترتُ الأخضرَ الداكنَ عسى أن تتراءى أمامي كُل غابات أفريقيا بشجارات قردتها وقفزاتِ غُزلانها المتهورة وكَسَل أسودها، ورقصات قبائلها. لكن الأخضر لم يمنحني سوى رؤية باعوضةٍ تعيسة عَلقتْ في الطلاءِ اللزجِ، فمكثتُ أراقبها حتى همدتْ.

ازدادَ عددُ زوارِ المقهى، عجائز فاتهم قطار الإبداع ، شبابٌ عبقري الحرفِ لا يجدُ مساحةً لدس كِتاباته في عُقول نُقاد أصابتهم الكلاسيكيات بالتخمة، آخرون يزجون بالعضو الذكري بين كُل كلمةٍ وأخرى، الباحثون عن مأوى و جماعة، والبوهيميون الذين تزكم روائحهم الأنوف، وأنا الروائي الذي لم تجد رواياته الثلاث سوى صدى قذفَ حجر في نهرٍ. آلام الظهر تزداد، شتمتُ الأمريكي ” دان براون ” على نصيحته الغبية، بالأمس تشقلبتُ- كما قرأت في مقالته – رأساً على عقب على عارضة الباب، طنتْ أُذناي و أحتقن وجهي بالدماء. المأفون أكد أن هذه الوضعية تجلب الأفكارَ لكنها أصابتني فقط بالدوار؛ فسقطت على ظهري بمهانة لا تُناسب عمرَ الأربعين.

تحاشيتُ النظرَ إلى زميل المهنة “عبد الرؤوف ” لكنه بكُل لُزُوجته المعتادة التصق بطاولتي، احتضنني بتكلف واحتضنته بتكلف، و جلسنا نتجاذب سراويلَ الحديثِ. عليك كمثقف عندما تحادثُ مثقفاً أن تنفخَ صدركَ، تنظرُ بعيداً خلفه إلى اللاشيء، تصمتُ لهنيهاتٍ كحكيم صيني، وأنْ تستخدمَ بضع كلماتٍ كمتلازماتٍ لغوية مثل: اندغام، تماهي، أفريقانية، الأنجلو سكسونية.

وكَمَن رأى أمراً طريفاً على الفيس بوك قلتُ له و أنا أعيد هاتفي إلى جيبي: هل مررتَ بشُح في الكتابةِ؟

نظر إليَّ مطوَّلاً ثم قال: لا طبعاً! المبدعُ معينه لا ينضبُ، كما تعلم فأنا سنوياً أصدر كتابين، هل تَمُر أنتَ بحبسةِ الكاتب؟

-تراجعتُ بظهري على المقعد كَمَن يتقي شرَ سهمٍ طائشٍ: لا. مستحيل! إنه شابٌ راسلني يطلبُ علاجاً لهذا المرض.

-شبك يديه قائلاً: همنجواي وروث يقولان: الحيلة للتخلص من حبسة الكاتب هي أن تقوم بالكتابةِ فحسب.

-صحيح! أجبته كاتماً غيظي عليه وعلى همنجواي هذا.

و استرسلنا في الحديث حتى شاهد “عبدالرؤوف” شاعرةً شابةً تدلفُ إلى المقهى فقطع جلسته معي وودعني حاملاً معه مشروبي الغازي وهرَع إليها.

أخبرتُ النادل ذا الخواتمِ العديدة بطلبي، أمسكتُ قلمي مبارزاً الأوراقَ البيضاءَ، وأنا أحتسي القهوة، و كُلما نفدَ قدحي جلبَ لي النادلُ واحداً آخر، قرأتُ أن الكاتبَ العظيم ” فولتير ” كان يشربُ أربعين قدحاً من القهوة عندما يكتبُ، واليوم سأحطمُ رقمه هذا، وأنهي عجزي الكتابي. عندما وصلتُ للقدحِ العاشرة قال لي النادل بنظرة متشككة: أستاذي هل أنت متأكد من أنك تريدُ المزيد؟

عند القدح الخامس عشر شعرتُ بتنميل في أطرافي, ظل يزدادُ بوتيرةٍ متسارعةٍ ليشمل كل جسدي، الطاولة اللعينة أصبحت تدور بي برعونة، فتقلصتْ معدتي وفقدتُ السيطرة تماماً على بلعومي الذي أفرغ عُصارة بطني الصفراء المُبقعة بسوادِ القهوة على الطاولةِ وعلى قميصي، بعد كل دفعة قيء أخذتْ غازات بطني تنفجر بفضائحية، كنتُ كمن ترفرفُ روحه في السقفِ مراقبةً تراجيديا الجسد، تَحلّقَ الجمعُ من حولي؛ يحاولون مساعدتي، شاهدتُ شاباً عربيداً يخرجُ هاتفه؛ ليدونَ تغريدةً بالحدثِ، أو فكرةً تصلحُ لقصةٍ قصيرةٍ مركزها بشاعة موقفي. أخيراً التقطتُ أنفاسي وبدأت ضرباتُ قلبي تنتظم، خيروني بين الذهاب بي إلى مشفى أو إلي بيتي لكنني فضلت البقاء للملمة نفسي. وشيئاً فشيئاً ابتعدتْ أنظارُ الناسِ عني وعدتُ وحيداً على طاولتي بعقلٍ خاوٍ، وأوراق بيضاء.

ثم أخذتِ الأمورُ منحى خطيراً عندما دلفَ إلى المقهى عملاقٌ ضخمٌ استطاعَ بمشقةٍ العبور من البابِ، و بالكاد بعدت رأسه بوصات قليلةٍ عن السقف، وفي صحبته عجوزٌ ذات صوتٍ عالٍ وضحكة خشنة رجولية، تجاهلا أعين الجميع و توقفا فقط عند طاولتي!. أجلستْ المرأةُ الرجلَ الضخمَ في مقعدين تحملا بمشقةٍ وزنه، بينما سحبتْ كرسياً في مواجهتي ويدها اليُسرى تتمشى على فخذ رَجُلِهَا و باليُمنى أشعلتْ سيجاراً

بللتُ لساني بريقي؛ لأقولَ: منْ أنتما؟

وبصوتٍ رنان : أنا بت مجذوب وهذا “استبيان”

بحلقتُ فيهما ببلاهة! كانتْ بت المجذوب متوسطة الطول، لونُها فاحمٌ مثل القطيفةِ السوداءِ، ما يزال فيها إلى الآن و هي تقارب السبعين بقايا جمال. بينما كان ” استبيان” أطولَ رجلٍ يمكن أن تقابله، قوي البنية، ذا وجهٍ طفولي طيب، يرتدي سروالاً صنع من أقمشة الأشرعة، وقميصاً من الكتان الفاخر، يداه ضخمتان ناعمتان متوردتان، ملامحه لاتينية مثل اسمه.

نادتْ بت مجذوب على النادل بصوتٍ مِغنَاج وطلبت حليباً للضخمِ، و شاياً لها ثم غمزته وهي تضربه بفجور على مؤخرتِه، فتلقى الصفعة بحبور لا يليق برجل!

تجرعَ ” استبيان ” كوبه في جُرعةٍ واحدةٍ، بينما شفطتْ بت مجذوب الشاي مُحْدثةً جلبةً عاليةً.

– من أنتما؟ وماذا تريدان؟

ردتْ بت مجذوب: ألستَ كاتباً؟ ألم تعرفنا؟! أنا بت مجذوب من عوالم “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح. و هذا استبيان من قصة “أجملُ رجلٍ غريق في العالم” لماركيز.

فغرتُ فاهي دهشةً، قرصتُ فخذي تحتَ الطاولةِ؛ لأتأكد أنني لا أحلمُ!

– يا رجل أَزل عنك هذهِ الدهشة الغبية، علي الطلاق ما أقوله كله صدق، كُنتُ حبيسة مثلك بين دفتي كتاب لكنني بحيلة ما استطعت الفِكاكَ من براثن الحبرِ و الورقِ، و طوفتُ كل أنحاءِ العالمِ ، تعرفتُ على العديد من الرجالِ، إلى أن قابلتُ حبيبي “استبيان” فأنساني أزواجي الثمانية، ومغامراتي الطائشة… لديه شيءٌ أمتن من الوتد وأَمضى من …. الخ.

كانتْ امرأةٌ فاجرةٌ كما قرأتُ عنها و كما تخيلتها، ثرثارةٌ بصورةٍ مزعجةٍ. بينما اكتفى “استبيان” بالنظرِ بوداعةٍ إلى يديهِ.

قاطعتها: و ماذا تريدين مني؟

– أثناء تجوالي مررتُ بعالمك؛ فأشفقتُ عليكَ يا عزيزي! أنتَ حبيسُ قصةٍ ركيكةٍ لكاتبٍ مغمورٍ، أنت مثلنا شخصية من بناتِ أفكار كاتبٍ لكن لسوء حظك كاتبك شاب لا صيت له و لن يقرأ قصتك أحدٌ؛ أخرج من سجنك هذا… العالم بالخارج فسيحٌ و ستجدُ ما يسعدكَ كما وجدتُ أنا حبيبي هذا.

جذبتْ رَجُلِها الصموت الذي لم يجعل له ماركيز لساناً. خرجا بعد أن أحدثا فوضى عارمة داخلي.

سرتُ مترنحاً نحو المرآة ليطالعني رأسٌ أصلع لوجهٍ غاضبٍ، بعينين منطفئتين، وعوينات كبيرة قبيحة، لم أحب يوماً وجهي، من قال إنني أحبُ ارتداءَ هذا القميص المزركش، كأنني سائحٌ على شواطئ المحيط الهادئ؟! نزعتُ القلمَ المزروع بتبجحٍ في أعلى ياقتي و قذفته بعيداً، نقمتُ على من كتبني، الفاشل لم يجد لي إلا شاربَ هتلر هذا؟!. الكلب جعلني أضاجع جسدَ الأرملة المترهل المقزز مرات و مرات، جعلني دون أسرة، وبالطبع دون أطفال، وحيداً أعاني من عسرٍ في الكتابة، أدور حول نفسي في عالم مغلق فقير بين بيتي و المقهى الثقافي، ثم ” عبدالرؤوف” الذي سرق مشروبي البارد و هرع حالما رأى فتاةً، حطمتُ المرآة بقبضتي دون أن تسيلَ قطرةُ دمٍ منها، خرجتُ من المقهى محدثاً زوبعةً ألجمت الجميع ، البُلَهاء لا يعلمون أنهم شخوص ثانويون في قصة بائسة، لا قيد بعد اليوم، سأرحل عن هذه الصفحات لأبحث عن عوالم أخرى، ربما أصير ملكاً فرعونياً، أو راهباً تبتياً، أو حتى مراهقاً فرنسياً، سأشبعُ كل نزواتي و أغترفُ من متعِ الحياةِ بمِعْولٍ، و عندما أسأَمُ تماماً سأحلّقُ فوقَ السحابِ وأجتبي منحوساً يعاني من حبسةِ الكاتبِ؛ لأومضَ في عقله فكرةً تنجيه من الجنون، وفداحة التشقلب رأساً على عقب.

______________

 Broca’s area **  منطقة تقع في الفص الأمامي من أحد جانبي المخ مختصة بإنتاج اللغة.

** محمد سعيد ناود هو رائد الرواية المكتوبة بالعربية في الأدب الإرتري الحديث وكانت روايته “رحلة الشتاء ” (صدرت في بيروت في سبعينات القرن الماضي)؛ أول عمل روائي كتب باللغة العربية في الأدب الإرتري، إلى جانب العديد من المؤلفات المتنوعة. توفي ناود بمدينة أسمرا & في 16 سبتمبر/ أيلول من العام 2010.

 

1

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا