اكتب القصص

إميل حبيبي | من:العربيّة

بوابة مندلباوم

Introduction by كمال الرياحي

الحدود؛ المعبر، المكان الأكثر خطرًا في التاريخ وفي كل جغرافيات العالم. كلما زادت علاقة البلدين المتجاورين توترًا نشأ أدب خاص هو أدب التوتر والقلق والخوف. هناك نلمسه، بين المكسيك والولايات المتحدة وبين الكوريتين وبين الألمانيتين قبل الاتحاد. ينشأ ذلك الأدب التراجيدي الخاص الذي يصل ذروة تراجيديّته عندما يصبح الحاجز مصطنعًا بين الأرض ونصفها الآخر المحتل. هناك على الحدود بين الأراضي المحتلة الفلسطينية والأراضي العربية عند بوابة مندلباوم يدشّن أميل حبيبي سنة 1954 قصة قسوة الحاجز الذي يفصل بين الانسانيّ والوحشيّ. إنها حكاية الجدة التي تحاول أن تعبر للجهة الأخرى للقاء ابنتها والمهددة باللاعودة وبالخسران الكلّي لذاكرتها التي ربتها طيلة خمسة وسبعين عاما بما في ذلك عائلتها التي ستتركها في الجانب الآخر تحت السيطرة الاسرائيلية. ترصد القصة لحظة فارقة في حياة الفلسطيني أمام المعبر، لحظة تؤسس لإحدى تراجيديات الموت غير المعلن، ذلك الموت الذي يحدث لنا ونستمر في العيش به. احساس تأنيب الضمير وفقدان الوطن اكراهًا يشبه الطواعية. إحساس بخيانة الذات يقتل عابر الحدود قبل ساعته. بين السماح بالعبور المشروط بالطرد الأبديّ للعجوز والسماح للطفلة بالعبور بوصفها جاهلة ترتفع قصة وحشية الوعي بالحدود. الفلسطيني الحرّ هو الطفل؛ هو "الجاهل". لكن هل مازال حتى هذا ممكنًا في المعابر اليوم؟ قصة أميل حبيبي، هذه، تعلن عن انتهاك واحد من أهم بنود حقوق الإنسان؛ حرية التنقل الذي تضبطه المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: ««لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة» و«يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليها» ولكنها تفضح عبر قصة العجوز انتهاك حق فلسطيني هو "حق العودة".
اقرأ المزيد

“بل قل يا سيدي، إنها تنوي الخروج من هنا”.. صاح الشرطي الإسرائيلي الواقف، مكتوف اليدين، على بوابة مندلباوم، عندما أخبرته بأننا أتينا مع الوالدة التي “تنوي الدخول إلى هناك بعد أن إذِن لها بذلك”، وأشرت إلى الجهة الأردنية من البوابة.

كنّا في آخر الشتاء والشمس تطّل على الربيع.. وحيث أبقى الحطام ترابا تغطّى التراب بالخضرة، وعلى اليمين حطام وعلى اليسار حطام. وأطفال استرسلت شعورهم على سوالفهم كانوا يمرحون بين الحطام وبين الخضرة، يثيرون الدهشة في نفس الأطفال الذين جاءوا معنا يودّعون جدتهم: “صبيان وذوو ضفائر؟ كيف يكون هذا”؟. وفي الوسط ساحة رحبة من الأسفلت المعفّر، في قلب الناحية التي عرفناها باسم المصرارة. ولهذه الساحة بابان، باب “هنا” وباب “هناك” من الصفيح المحشوّ بالحجارة والمطليّ بالكلس الأبيض. كل باب يتسّع لمرور سيارة “خارجة” أو “داخلة”.

وأطلق الشرطي كلمة “الخروج” من بين أسنانه في غنّة أراد بها أن يلقّنني درسًا. فالخروج، ويريد أن يقول: من الجنّة، هو الأمر الجلل، لا الدخول “إلى هناك”! وعسكري الجمارك لم يشأ أن تفوتنا العبرة. فقال ونحن نتبادل قبلات الوداع مع الوالدة: “من يخرج من هنا لا يعود أبدا”! 

وأحسب أن مثل هذه الأفكار كان يلاحق الوالدة في أيامها الأخيرة بيننا، فحين اجتمع الأهل والأصحاب في بيتها عشيّة السفر إلى القدس، قالت: “لقد عشت حتى رأيت المعزّين بي بأم عينيّ”. وفي الصباح عندما نزلنا منحدر الزقاق إلى السيارة، التفتت وراءها ولوّحت بيدها لأشجار الزيتون ولشجرة المشمش الجافة ولعتبة الدار، وتساءلت: “عشرين سنة عشت هنا، فكم من مرة طلعت هذا الزقاق ونزلته”؟!

ولما مرت بنا السيارة على المقابر، في ضاحية المدينة، هتفت تنادي الموتى من أقربائها وأقرانها وتودع قبورهم: “كيف لم يكن من حظي أن أدفن هنا؟ ومن سيضع الزهور على قبر ابنة إبني؟” عندما “حجّت” إلى القدس في سنة 1940، قال لها عراف أنها ستموت في المدينة المقدس، فهل ستتحقق نبوءته في اخر الأمر؟

لقد بلغت الخامسة والسبعين من عمرها ولمّا تجرب ذلك الشعور الذي يقبض على حبة الكبد فيفتتها. ذلك الشعور الذي يخلّف فراغًا روحيًا وانقباضًا في الصدر، كتأنيب الضمير، شعور الحنين إلى الوطن. ولو سئلت عن معنى هذه الكلمة، “الوطن”، لاختلط الأمر عليها كما اختلطت أحرف هذه الكلمة عليها حينما التقتها في كتاب الصلاة: أهو البيت، إناء الغسيل وجرن الكبّة الذي ورثته عن أمها (لقد ضحكوا عليها حينما أرادت أن تحمل معها في سفرها إناء الغسيل العتيق هذه، وأما جرن الكبّة فلم تتجرأ على التفكير بحمله معها!)، أو هو نداء بائعة اللبن، في الصباح، على لبنها، أو رنين جرس بائع الكاز، أو سعال الزوج المصدور، وليالي زفاف أولادها، الذين خرجوا من هذه العتبة إلى بيت الزوجية واحدا وراء الآخر وتركوها وحدها!

هذه العتبة، عتبة الدار التي تلقي عليها الآن آخر نظرة، لتنطق وتشهد! كم من مرة وقفت عليها تودع عرسانها وتغني لهم وهي تشرق بدموعها “جبتك من الهيش جلبوط ما عليك الريش. وعلمتك الزقزقة والطير والتعشيش. ومن بعد ما كبرت وصار ع جناحك ريش. طرت وراح تعبي عليك بخشيش”.

ولو قيل لها أن هذا كله هو “الوطن” لما زيدت فهما. ولكنها الان، وهي تشرف على الأرض الحرام، وتنتظر الإشارة لها بالتقدم خطوة إلى أمام، تلتفت إلى ابنتها وتقول: “نفسي في جلسة أخرى على هذه العتبة”!

وأخوها الكهل، الذي جاء من القرية ليودعها، كان يهز رأسه باستمرار وعلى وجهه الألم والتعجب. هذا “الشيء” الغامض، الذي تنتحب أخته لأنها تخلفه وراءها ولا تستطيع أن تحمله معها. هو عزيز عليه وحبيب.

وقال له جارنا:

“ولكنك في نهاية الأمر ستوقع لهم على ورقة البيع، فالقانون معهم”. والتفت الشيخ القروي نحوي وقال:

“اسمع يا خالي كنا مرة نحرس المقثاة أنا وأبي وأخي الأصغر. وإذا برف من الحجل يهبط في الحقل. فاستعجل أخي يحمل بندقية الصيد كأنه الرجل، فغشي أبي من الضحك. هل تذكر كيف كان يضحك جدك، يا خالي؟ يا ولد صيد الحجل للرجال! ولكن صغيرنا كان عنيدا. فعاد إلينا بعد ساعة وفي يده، يا للعجب، طير من الحجل لا يزال على قيد الحياة. فذُهلنا. وأمّا العفريت الصغير فكان يرقص وهو يتباهى بصيده. وصاح أبي: ولكننا لم نسمع صوت الطلقة!

 فأجاب الصياد الصغير: لقد سحرت البندقية بابا.. وحلّفني بجدودي وبجدود جدودي ألا أفشي السر أمام والدنا، حتى أخبرني أنه رأى هذا الطير المسكين بين فكّي قط كبير، فظل يركض وراء القط من علّيقة إلى علّيقة وبين أعواد الذرة حتى خلّصه منه.. هيه، يا خالي، هل ينتظرون مني أن أوقّع على قسيمة بيع هذه الذكريات؟!.. ما أقصر باع قوانينهم!

**

إني أنصحك ألا تأتي بوابة مندلباوم وفي صحبتك أطفال، لا لأن البيوت المتهدمة والمقفرة هنا تستدرجهم للبحث في داخلها عن “المصباح المسحور” وعن “مغارة علاء الدين”. ولا لأن الشعور المسترسلة السوالف تضع في أفواههم أسئلة استفزازية قد توقعك في ورطة. بل لأن الشارع الذي يفضي إلى بوابة مندلباوم لا يخلو، ولو للحظة واحدة، من السيارات التي تقطعه، بسرعة أوروبية، إما قادمة “من هناك” وإما خارجة “من هنا”، وهي سيارات أمريكية أنيقة، وراكبوها من الناس الأنيقين، ذوي الياقات المنشأّة، أو القمصان الملّونة، أو البزّات العسكرية التي خيطت لتصطبغ بقطرات الويسكي لا بقطرات الدم.

هذه هي سيارات “رجال الهدنة” و”لجان المراقبة” و”هيئة الأمم” وسفراء الدول الغربية وقناصلها وحريمهم وطبّاخي حريمهم، و”باراتهم” وحسانهم، وحسان حسانهم، تقف برهة على “بابنا” ليتبادل سائقها التحية مع “شرطيّنا” – من باب الذوق والتمدّن – ثم نقطع “الأرض الحرام”، حتى تقف برهة على “بابهم” ليتبادل سائقها التحية مع شرطيّهم – ومن باب الذوق والتمدن وتبادل علب السجائر والنكات وغيرها، تقوم هنا منافسة إسرائيلية أردنية – والعكس صحيح أيضا..

وهؤلاء لا يسري عليهم قانون الموت: من خرج منها لا يعود إليها. ولا قانون الجنة: من دخلها لا يخرج منها. فحضرة المراقب يستطيع أن يتناول الطعام ظهرا في فندق فيلاديلفيا ومساءً في فندق عدن، والابتسامة المهذبة لا تفارقه في الغدو والرواح!

ولما أخذت أختي تتوسل إلى الجندي الواقف على “بابنا” أن يأذن لها بتشييع والدتها حتى الباب الأردني، قال لها الجندي: “ممنوع يا سيدتي”.

“ولكنني أرى هؤلاء الأجانب يدخلون ويخرجون كما لو كانوا في بيتهم وأعزّ”.

“كل من عليها يا سيدتي يستطيع الدخول والخروج عبر هذين البابين، إلا أهل البلاد يا سيدتي المحترمة”..

وقال الشرطي: “أرجوكم أن تبتعدوا عن الطريق، هذا طريق عام شديد الازدحام”. وقطع كلامه ليتبادل مع راكبي سيارة قادمة (هل هي “خارجة” أم “داخلة”) حديثا ضحكوا له وضحك لهم. وأما نحن فلم نفهم النكتة..

وقال عسكري الجمارك: “لكل شيء نهاية حتى لساعة الوداع”.

وخرجت من “بابنا” نحو “بابهم” امرأة عجوز تدب على عصاها، وأخذت تقطع “الأرض الحرام”، وهي تلتفت وراءها بين اللحظة والأخرى، وتلوح بيدها وتسير إلى أمام. لماذا الآن، والآن بالضبط، تتذكر ابنها الذي مات قبل ثلاثين عاما، حين سقط بين يديها من فوق “المتختة”؟ ولماذا تشعر الآن، والآن بالضبط، بتأنيب الضمير؟!

وبرز من بين الحطام، من الناحية المقابلة، عسكري فارع الطول على رأسه كوفية وعقال، استقبل المرأة، العجوز، “الداخلة”. ووقف يتحدث معها، وكانا ينظران إلى ناحيتنا.

وكنا هنا، مع أطفالنا، نلوح بأيدينا. وقد وقف أمامنا جندي فارع الطول حاسر الرأس، وهو يتحدث معنا. وكنا ننظر إلى ناحيتهم. وكان يقول لنا إنه من المستحيل التقدم خطوة أخرى إلى أمام.

ولماذا قلنا له: “كأنما هي قد قطعت الآن وادي الموت الذي لا رجعة منه. هذا هو واقع الحرب والحدود وبوابة مندلباوم. أرجوكم، أفسحوا مكانا لمرور سيارة الأمم المتحدة”!

وفجأة انفلت من بيننا جسم صغير ينبض بالحياة، ككرة قذفتها قدم لاعب ماهر صوب هدف الفريق الآخر، وراح هذا الشيء الصغير يركض إلى أمام، مخترقا ساحة “الأراضي الحرام”. ورأينا، والدهشة تعقد ألسنتنا، طفلتي الصغيرة تركض نحو جدتها وهي تنادي “تيتا، تيتا”. ها هي تخترق “الأرض الحرام”، ها هي تصل إلى جدتها، وتأخذها بين أحضانها!

ومن بعيد رأينا صاحب الكوفية والعقال يخفض رأسه نحو الأرض. وأنا نظري حاد، فرأيته يفحص الأرض بقدمه. والجندي الحاسر الرأس، الذي كان معنا، ها هو أيضا يخفض رأسه نحو الأرض وها هو يفحص الأرض! وأما الشرطي الذي كان واقفا، مكتوف اليدين على باب مكتبه، فقد دخل إلى مكتبه. وأما عسكري الجمارك فقد كان مشغولا بتفتيش جيوبه عن شيء يظهر أنه افتقده فجأة.

أي أمر عجب حدث الآن؟ طفلة تقطع “وادي الموت الذي لا رجعة منه” وترجع منه وقد نقضت “واقع الحرب والحدود وبوابة مندلباوم.

فهي طفلة جاهلة لا تدرك الفرق بين العسكري الذي يلبس الكوفية والعقال والعسكري حاسر الرأس. يا لها من طفلة ساذجة، رأت أنها لم تنتقل عبر البحور إلى بلاد أخرى، فتوهمت أنها لا تزال في بلادها. فلماذا لا تسرح وتمرح في بلادها؟ ورأت أنه على جانب يقف والدها وعلى الجانب الآخر تقف جدتها، فلماذا لا تسرح ولا تمرح بينهما كما كانت تفعل كل يوم؟ خصوصا وأنها ترى سيارات تروح وتجيء على “الأرض الحرام”، تماما كما تفعل السيارات على الشارع قرب بيتها. هنا يتكلمون العبرية وهناك يتكلمون العربية. وهي أيضا تتكلم اللغتين: مع نينا ومع سوسو!

ويظهر أن عسكري الجمارك يئس من التفتيش عن “الشيء المفقود” (لكل شيء نهاية حتى للورطة..) فقد توقف عن هذه العملية المضنية فجأة كما ابتدأها. ثم تنحنح. ثم قال للجندي كأنما يبادله العزاء: “طفلة جاهلة”..

“أرجوكم، أيها السادة، أن تبتعدوا عن الطريق لئلا يسقط طفل من أطفالكم بين عجلات السيارات التي تمر من هنا بسرعة، كما ترون”.

أفهمت لماذا نصحتك ألا تأتي بوابة مندلباوم وفي صحبتك أطفال؟ إن منطقهم بسيط غير مركب. ما أسلمه!

 

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا