the short story project

search

نير برعام | من:العبرية

بيت هكيرم، القدس، 1985

ترجمة : مرزوق حلبي

المواد التي تكوّن  مُستعيدي الأحلام

سيحفظ يوئيل ذكرى اليوم الذي التقى فيه لأول مرة موريس سادوبسكي.

بينما كان يجلس في الصالون الذي زُيّنت جدرانه حدّ التصدّع برسومات زيتية غنيّة بالألوان، بدا موريس كأنه مبعوث من عوالم أخرى: عملاق طويل القامة وبهيّ، ناعم البشرة بشعر مزيّت، حوَل طفيف في عينيْه لا يظهر إلا لمدققي النظر، ضحكات كشفت عن غمازتين أذابت قلوب النساء، بالأساس معلّمات المدرسة، ولحية رمادية (أثارت الشكّ فورا بأن الرجل يصبغ شعره باللون الأسود). كان ممثلا لشركة استثمار فرنسية، وقد طلب أثاث الصالون من مصمّم فرنسي صمّم بيوت مديري الشركة في باريس. وكما لو تعمّد الاستفزاز، أصرّ على قيادة سيارة شيفروليت سوداء اللون سافرت في الشوارع على مهل، مغريةً الأولاد أن يركبوا معه في جولة، فيما أهاليهم، مالكو سيارات يابانية بيضاء،  يشزرونها بنظرات عابسة، يتلفّظون بملاحظات، ويدبّرون خططًا لإزالة هذا الشرّ من الطرقات.

كانت هذه حارة “بيت هكيرم” في القدس في الثمانينيات: شارع رئيسي واحد، ربّما حتى جادة، يتلوى ويتدوّر كالأفعى، وعلى جانبيْه حرس أمين من الأشجار الكثيفة، يقيه من الشمس في ساعات الظهيرة. رقاقات لامعة تشتعل بين الأشجار، خيوط ضوء الشمس تُطلق شرارات ضوء كسولة، ومع هذا يبدو إن الضوء الربيعي الصافي، سماء المدينة المتسامية بالأزرق الحادّ والضوء الذي يغسل العالم بأسره دائما ما ستكون خارج الشارع المظلّل. “هحلوتس” هو الشارع المركزي لبيت هكيرم، مُحاط بأزقّة مستترة عن الأعين، ممرّات ضيّقة مزيّنة بأشجار مثمرة ونباتات خضراء ضاربة إلى الرّمادي، مُحاطة بالأشجار والبيوت الحانية، بأسوار ولافتات تحذّر من كلاب عدوانية. العشرات من الطرق المختصرة والممرّات والمسالك والحدائق والأدراج التي تربط بين الشوارع التي يبدو أنّ لا علاقة تربط بينها: إذا قفزت عن سور ستجد نفسك في شارع آخر، تتجاوز الدرجات فتجد نفسك في شارع بدا أنه بعيد جدًا. حيّز معوجّ يحتاج إلى وقت لتعلّم قوانينه. يبدو إن قسمًا من الأولاد يتسكعون بين ظلاله، بين الشوارع المركزية، الساحات، حدائق الألعاب، يعيشون في عالم الأزقّة والطرق المختصرة والعلامات المعروفة لهم فقط.

عبَر يوئيل حدود الحي لِمامًا. مثلا، أيام السبوت، التي اعتاد موريس أن يصطحب أمير، ابنه، ويصطحبه إلى صحراء يهودا لإطلاق النار من بندقيته الصيد القديمة (“استخدموها في عامـ 1789، “اعتاد أن يُفاخر، “دفعت عشرة آلاف فرانك للمتسول ذاك، زوج الحفيدة المُسنّة للجنرال بولنجيه…”)، بندقية ذات كعب خشبي ثقيل زيّن أطرافَها ذهبٌ حقيقي، حمله برهبة ولدان آمنا إن أصابعهما الصغيرة حين تضغط على الزناد فإنها تسير في أثر أبطال مجهولين.

سادوبسكي الأبـ كريم حدّ العجب، يحبّ إظهار ثرائه على الملأ ـ اعتاد أن يُعطي لأمير ما يكفي من النقد ليشتري وجبة غداء (له ولولدين أو ثلاثة آخرين) في المركز التجاري. لم تكن هناك وفرة في هذا المركز: بيتسا، شطيرة محشوّة وتقطر، مطعم همبورجر جديد، وإن لم يكن فرعا لـشبكة “بورجرـ رانتش” أو “مك ديفيد”، وإنما مجرّد طفرة مستقلّة، فقد أثار حماسًا شديدًا لدى الأولاد، ومع هذا فقد اختفى سريعًا. أصحاب المطعم،  المفتونون بالمجتمع المحلّي الهادئ والأخلاقي، اعتمدوا استراتيجية تسويق تمّت ملاءمتها بدقة خاطئة للسوسيولوجيا المحليّة وقدّموا الوجبات لكل من يطلب همبورجر  بالدّين. وبعد شهرين على الافتتاح الرسمي للمطعم، تجوّل في الشوارع أولاد في عمر ثماني-عشر سنوات مع دَين للمطعم يُشكّ فيما إذا كانوا يستطيعون تسديده حتى سن الثامنة عشرة، فأعلن أصحاب المطعم إفلاسهم.

سادوبسكي الابن كان الأول الذي تمّ إبعاده عن مجموعة الأولاد.

آباء يونتان وأوري وأودي ـ الثلاثيّ من الكيبوتس ـ ذريّة كيبوتس حركة “هشومير هتسعير” (الحارس الصغير) ومسؤولو لجان غريبة عجيبة أقامتها جماعة الكيبوتس، قرروا أن سادوبسكي أفسد الأولاد لأنه يشتري لهم وجبات مجانًا ويشجّعهم على السفر إلى مركز المدينة واللعب في ألعاب الفيديو، يُسمعهم موسيقى غريبة مليئة بالشتائم والإهانات، وفي السبوت يُغري هو ووالده بعض الأولاد (بأمانةٍ، يوئيل من القلائل الذين انضموا إلى السفرات) أن يصعدوا معهما إلى سيارة الجيب المُستأجرة والسفر فيها بسرعة خطرة في أرجاء صحراء يهودا، وكل ذلك لغرض إطلاق النار من بندقية أو لتطيير طائرة لهو تكلف بضعة آلاف من الشواقل.

الحادث الذي قرر مصير أمير سادوبسكي وقع قبل سباق العدو في المدرسة. سادوبسكي ـ العدّاء المتفوّق في الفوج ـ فتى منمّش وشعره غزير، ممسوح بعناية بزيت الأطفال ويلمع حتى بعد مباراة كرة قدم، يُرى عن بُعد قبل أن يُرى بكثير رأسه الصغير وعيناه الصاخبتين كعيني قطّ ـ تساءل إذا كان يستطيع أن يعدو هو ويوناتان سوية. يوئيل، كمُتفرّج، لم يفهم تمامًا لماذا أثار اقتراح سادوبسكي لاحقًا والد يوناتان، يهوشع أورن ـ الذي كان في ماضيه عضوًا في حركة “هشومير هتسعير” والآن مالك مصنع ألومنيوم في جبعات شاؤول وقائد المجموعة ـ وأخرجه عن هدوئه المحبوس الذي يفرض الرعب على أولاد الحي. وإذا أصريّتم على معرفة السبب، يبدو إن سادوبسكي كان كافرًا بمبدأ التنافس وعوضًا عنها يمدّ يده المتعرّقة والصديقة.

هذا كان المسوّغ العلني لإبعاده.

أما المسوّغ المستتر فهو إن الأهالي كانوا متخوفين جدا من حقيقة إن أولادهم، الذين انطلقوا من أرحام أمهاتهم مباشرة إلى الحياة البرجوازية ولم يعرفوا حياة أخرى، سيكونون مدلّلين، مرفّهين  وخالي البال، وبدون أي شحنة أخلاقية، منسلخين تماما عن التراث القبيلي، تمامًا مثل أمير سادوبسكي. تخوّفهم هذا كان السبب الأساس لملتقى الأهالي وأبناهم مرات، أيام السبوت بعد الظهر، في أحد الصالونات المجهّزة دائما للاستماع إلى محاضرة من رجل أكاديمي كان صديقا لأحد أعضاء الجماعة. دارت المحاضرات دائما عن الأيام الأولى للدولة. المحاضرة التي ظلّت في الذاكرة أكثر من سواها هي محاضرة دافيد لوكمانوف، وكان عنوانها “لينين ـ بيرل: قراءة صهيونية في تشكّل الاشتراكية القومية في إسرائيل” وقد أتعبت الأولاد في حينه. في كلّ مرة قرأ فيها المُحاضر برهبة “بيـ رـ ل” سُمع الاسم على إنه “بيـ ل…بيـل…” فردّوا بإسماع أصوات جرس.

عدا ذلك، فإنه معروف للجميع إن اسم موريس سادوبسكي مقيد إلى آخر الدهر في سجلّات الشرطة: سادوبسكي الأب أدار استثمارات عدد من الكيبوتسات، وفي الوقت ذاته عمل كمستشار من وراء الكواليس في شركة بناء فازت بمناقصتيْن لإقامة عمارات سكنية في أشكلون  وأشدود فارتفعت قيمة أسهمها إلى السماء. كان يتجوّل في سنوات الثمانينيات المبكرة في جوار الحي ببدلات إيطالية تطرف العين، منسوجة من قماش رقيق، ُيسدي يلقي النصائح في مسائل الأسهم في البورصة للرجال الذين هزّوا رؤوسهم له ببرود. وفي الشتاء كان يرتدي معاطف الكشمير مع ياقة منتصبة بلون كْريم تطير كعباءة في أرجاء السوبرماركت في المركز التجاري. في بعض المرّات ظهر ببدلة بيضاء لركوب الخيل (على الرغم من إنه لم يمتطِ ظهر فرس في حياته)، وبدّل نساءه بوتيرة عالية. لكن أسهم البورصة هبطت في العام 1983 في منحدرٍ شديد، وبضمنها سهم “ل.أ بنّاؤو الجنوب”. فجأة بدأت الكيبوتسات تتذمّر من ازدواجية أدوار سادوبسكي الأب، وأدينَ باستغلال معلومات داخلية. غير واضح كيف استطاع أن يفلت من الموضوع بعقوبة خفيفة. ألن يتمّ التعامل مع شخص مشبوه كهذا بالشكّ في جماعته؟ يهوشع أورن، مُختار الحي، الذي قطنت عمّته في أحد كيبوتسات الشمال الذي ذُكر اسمه في القضيّة، رفض أن يصافحه في الاجتماع الأخير للجنة أولياء الأمور وحدجه بنظرة غضب، اعترضها سادوبسكي الأب بابتسامة صفيّ أسنان بيضاء بغبطة وبنيّة حسنة. من المفاجئ أن يتمّ تكرار نصائحه بلهجة فرنسية صارخة وإنه قبل أن يبدأ المتاجرة مع شركات فرنسية لم يكن لها أثر. (اقترح مثلا، بناء كافتيريا واسعة، ترميم ملعب كرة السلة، تركيب مكيّفات هواء في الغرف، اعتماد استراحات من 25 دقيقة بدل عشر دقائق). كل هذه الاقتراحات أثارت حفيظة لجنة الأهالي، خاصة الثلاثي من حركة “هشومير هتسعير”، الذي رأى فيها جزءًا من التدليل التَرَفيّ، المُعدي الذي أفسد جماعة سادوبسكي.

هكذا، أيضا، تمّ رفض بوادر حسن النيّة من أمير سادوبسكي في مسألة المشاركة في العدو، وباقي البوادر المماثلة التي أطلقها بنوع من اليأس المثير للشفقة لتقويض صورته المُفسدة في عيون المحيطين، حيث كان في عيونهم لا أكثر من لبنة في البرج المتسامي لشيطنته المضللة. “ليس إنه فاسد فحسب” قالوا، “بل إنه يمثّل، أيضا.” من هنا بدا سادوبسكي الابن على إنه “زومبي”. كان موجودًا لكن ليس تماما. لم يُشاهد أكثر في بيوت الأصدقاء. لم يُدعَ لأماسي الجمعة. مُنع قسم من الأولاد من مرافقته، والباقون ساروا في إثرهم دون أن يفهموا السبب.

بيد إن يوئيل أستلطف جماعة السادوبسكي. عكس أولياء أمور آخرين، أحبّ سادوبسكي التواصل مع الغير، كانوا معروفين أكثر أو أقلّ. في كلّ مرة التقى يوئيل عانقه، وضع وجهه الصغير لصق قميصه المعطّر، وداعب شعره بقوة، وقرصه في الخد. يوئيل بالمقابل أحبّ ذراعيه الثقيلتين وجسمه الهائل، وملامسته الخشنة. جماعة سادوبسكي دائما ما ألحّوا عليه أن يبقى لوجبة العشاء والمبيت عندهم، وأن ينضمّ إلى الرحلة غدا. ودائما ما دُعي للمزيد من الزيارات. كان هو وامير صديقين قريبيْن.

في جلسة لجنة المدرسة في العام 1985، التي رأوا فيها بأثر رجعي طقوس انتهاء لعهد جماعة سادوبسكي في القدس، جلس هو وسادوبسكي الإبن لصق الشباك في القبو وأصغيا لما يحصل. أصرّ أمير أن يكونا قريبيْن من والده. في نهاية الاجتماع طلب سادوبسكي الأب حق الكلام. قال إن ابنه لا يُدعى لأمسيات الجمعة وأيام الميلاد، وعندما ينتظمون للعبة كرة القدم عادة ما لا يختارونه، وإلى الحفلة التي نظموها في بيتهم لمناسبة يوم الاستقلال حضرت قلة، “والكثير من  شرائح لحم الخنزير  الباهظة اشتريتها من باريس وأرزّ فارسي من مطعم “سبيكتاكولِر” افترستها القِطط…” أصرّ نيل الإعجاب بمجاملة لم تنجح في تلطيف نغمة التوبيخ التي تحدث بها. “مِس أمي، ليس لطيفا، أمم…ابني الصغير هنا، لا يُعطيه الأولاد الآخرون/ بففف.. الاحترام. ولد طيب، خجول قليلا، ويحدّ أن يلعب ويلهو”.

“يُحبّ أن يلعب ويلهو،” ـ صححته السيدة هيرشوكوفيتس، مديرة قسم في الوكالة اليهودية. “لا علاقة لأقوالك بموضوع الجلسة!” طلع صوت يهوشع أورن، مدير اللجنة، “إذا كنتَ تريد أن تعبّر عن رأيك بالنسبة للترتيبات المتعلّقة بمواقف الدراجات بجانب البوابة الشمالية، تفضّل.” كان في النغمة المحسوبة ما ينوّم، في توكيد مقطع وراء مقطع وإن شدّد أن يظلّ في اللغة نوع من الإهمال على الطريقة الشعبية. كان واضحًا للتابعيْن الصغيريْن في القبو: هذا هو الصوت الصحيح للأب. “أنتم لا تفهمون..” ـ الآن انشرخت نغمة البْلُوز المبحوحة لسادوبسكي الأب، وبدا أن آثار اللهجة اختفت ـ “اشتريت بيتا هنا كي يكون لابني حيٌّ هادئ… حدائق، ملاعب، ألا يشكل التجوال في الشارع ليلا خطرا… والآن أبلغكم أن ابني في ضائقة، يُعاني. وهو يُريد أن يترك الحي لأن أولادكم يتعاملون معه مثل، أم م.. أوروبا التي أذلّت اليهود…!”أصاب صوته تشويهًا هيتسيريًا. أصغى يوئيل وأمير مذهوليْن لأنفاس سادوبسكي الأب وسط صمت خيّم في القبو. وقفا وقفة شخص واحد، كأن روحيْهما قد اتحدتا في لحظة واحدة بشعور مشترك: لم يرغبا في أن يكونا شاهديْن على ضعف الرجل الساهي المفعم بالقوة الذي تمسّكا به في الأشهر الأخيرة. بخطوات ضعيفة من الإهانة عبَرا الملعب المظلم، وعلقت نظراتهما في دائرتي السلال بلون الأصفر الليموني وبأشجار السرو التي هدأت قممها في العتمة. ألقى سادوبسكي الابن نظرة أخرى على الشباك مع القُضبان في الطرف الأيسر من الطابق الأول، وفيما هما ينحشران بين قُضبان البوابة أدرك يوئيل إن موريس سادوبسكي، أيضا، هُزم الليلة.

من المُغري أن نجزم أن بعد رحيل آل سادوبسكي إلى رعنانا ـ حيث تسكن طبقة برجوازية راقية، وليس تقليدا خجولا ومعتذرا، تعرف كيف تقدّر صالون بيير وَبلِين ـ صار يوئيل الزومبي الجديد للحي. ما لبث أن سمي بـ “الشتّام”، يشتم أكثر من المألوف، فيما تراكمت ضده في المدرسة المزيد من الشكاوي. كل شيء أثاره ـ سرعة امتثال التلاميذ وتركهم لساحة اللعب ومثولهم في البيت، في الساعة المُحددة، الرحلات المُـتعبة أيام السبوت، دورة الكشافة، تدريباتهم، أغانيهم، الملابس المهندمة المزدانة عند الصدر، وحقيقة أن التلاميذ لم يقولوا لروتم أورون الذي  أخفق دائما في الإملاء، الحقيقة المُرّة: أنت غبيّ فريد من نوعه. ووجد صعوبة في فهم سبب سكنى أصدقائه في بيوت فخمة بينما يخصّص لهم ذووهم، مبلغا ضئيلا للمُتعِ الصغيرة. لماذا يكون شراء مثلّث بيتسا في المركز التجاري دائما مصحوبا بالتخبطات والاستشارات؟ إن تبذير آل سادوبسكي الذين رأوا في المال وسيلة لتحقيق كل رغبة أثارها المركز التجاري المتواضع، أثار إعجابه. أحداث محدودة، أحيانا بالصُدفة، تراكمت في الذاكرة المجتمعية: الضرب في دورة كرة القدم، إبعاده من الكشافة، وزيارة أخرى لوالده إلى المدرسة، وبالطبع، صداقته الدائمة مع آل سادوبسكي  سيّئي السمعة. كل هذه الأمور رسمت صورته في عيون مجتمعه.

بعد ذلك حاول بالأساس أن يتلاءم مع توقّعاتهم.

توقعاتهم؟ بالنسبة له سيظلّون دائما “هم”. عمليا كان مجتمعهم جزءًا من العالم الأورشاليمي في الخارج، بيد إن الأولاد، الذين اعتبروا حدود جماعتهم حدود العالم، تعلّموا جيدا التمييز بين الغرباء وبين الأقرباء، بين أولاد الجماعة وبين مهاجرين حاولوا ن يستقرّوا فيها. وكما يحصل أحيانا في علاقات كهذه، وبدون يد موجّهة، تجمّع ضمن المجموعة أناس تقاطعت سيرهم الذاتية. في اجتماعات لجنة المدرسة، في الأعراس وطقوس البلوغ للفتيان والفتيات، أو في لقاءات الأصدقاء، تكشّفت أكثر من مرّة، بالصُدفة، جذور مشتركة من روسيا وبولندة، من هنجاريا أو رومانيا أو النمسا: والد أمنون وكشلك كان المعلّم الأثير المفضل عند والدة دانئيلا كوبارسكي في مدرسة “تربوت” في مدينة لابوب، ابن عم يهوشع أورن من فيينا استأجر غرفة في بناية كانت ملكا لوالديّ ألونة أورون، أجداد فاينشطاين وتسبان كانوا ضمن مسيرة المُضربين الذين اقتحموا يوم الأحد العام 1905 القصر الشتوي للقيصر نيكولاي (وبقوا أحياء).

مُعظم أفراد المجموعة كانوا ذوي ثقافة جامعية، غالبيتهم من خريجي الكيبوتسات ، يتحركون بين حدود الطبقة الوسطى وما فوقها، يقتنون اللوحات، يُتاجرون بالتُحف القديمة، يحبّون الكتابة (يهوشع حورش وضع كتاب “كُنّا هناك” وهو يحكي سيرة سلالة هرش في فيينا)، ودائما ما سيسبغون المدائح على الكيبوتس. بيد إن بيت هكيرم كانت في الثمانينيات بعيدة جدا عن الكيبوتس. النظام الاقتصادي الجديد في إسرائيل حطّم أحلام الطفولة لجيل الآباء، الذي كان يهتف بحناجر واسعة عن المساواة والعدل في طقوس حركات الشبيبة وأمسيات الترفيه، وفكّك العالم القديم إلى أجزاء من المستحيل التأليف بينها من جديد.

فجأة اكتشفوا الفضائل الكامنة في التفكّك.

صحيح إنه لا يزال فيهم شيء ما من ذاك الموقف الأخلاقي، وهو نمط حياة يكتسبه الأولاد وأبناء الشبيبة من أهاليهم الاشتراكيين، من صحف ومطبوعات لسان حال حزب “مباي” و”مبام”، ومن قراءة مثابرة في كتابات بيرل كتسنلسون وأهرون دافيد غوردون وألترمان وشلونسكي، وفي ترجمات كبار منظّري الواقعية الاشتراكية، بيد إن الدولة قد تغيّرت أمام ناظرهم، غبطة الشِراء الطبيعية والتلقائية قطعت اليد المنقبضة لحزب “مباي” وقبرتها كما يبدو للأبد. تعلّموا متعة شراء منتجات هم ليسوا بحاجة إليها تمامًا. بعد السيارات، التلفزيونات الملوّنة، أجهزة الفيديو، الستيريو، الثلاجات الجديدة، ظهرت أيضا سماعات للسيارات، ماكنات إسبرسو، أباجورات كهربائية، حواسيب صغيرة، حواسيب أصغر، وأصغر. والأولاد أرادوا أحذية من ماركة نايك ونايك إير ونايك إير جوردان، وسراويل “ليفايس” 501، وأرادوا الانطلاق في شوارع لندن، إلى رؤية نيويورك، إلى رؤية دالاس كما رسم صورتها آل يونغ ودانيفر كما مثّلها آل كرينجتون. والأهالي، خلافاً للتوقعات ولهتاف “سنحرق بيوت البرجوازيين” التي صدحت من حناجر متعصّبة في مسيرات الأول من أيار، امتلكوا ما يكفي من النّقد لعبور بوابة البرجوازية.

والبرجوازية، أليست مسألة لطيفة في نهاية الأمر؟ كم من الأجيال التي لم تولد للطبقة الصحيحة، افتقدت المهارات الاقتصادية أو ضيّعت فُرصا لا تعوّض، أمِلت في نسمة هواء دافئة تحملها إلى الأعالي وحدّقت فيها بعيون توّاقة؟ حياة من الكدّ والجهد، أما البرجوازية دائما انسلالية، سيّدة تدقق في المدعوين إلى صالونها. لكن أي مصير ينتظر أولئك الذين يتَبَرْجَزون بخجل، بشعور بالذنب؟ أولئك الذين في جزء من وقتهم منشغلون في إنكار هويتهم الجديدة؟ صحيح إن اقتصاد الثمانينيات حشاهم بالمال بما يُرضيهم، إلا إن تعابير وجوههم المنقبضة، الغاضبة، التي ينظرون بها في الكيبوتس إلى المتهرّب من العمل، بقيت بطاقة هويتهم في العالم الجيد، أيضا. لعبوا الاقتصاد الجديد (ومعه) ولكن ببرود، يبدو، دون أن يكون لديهم مناص. زحفت أمريكا إلى حيواتهم بمثابرة لا تُحتمل، تحتلّ موقعا في إثر موقع من الحيز الذي يخلو من رموز الماضي: المسلسلات الدعائية في التلفزيون، أفلام السينما، الدعايات التي سبقتها، الطريقة الاقتصادية التي اعتمدها الوزير أريدور، الملصقات التي ظهرت بألوان صارخة على جدران غُرف الأولاد، قوائم المشتريات المتطلّبة التي حُشرت في جيوب جاكيتاتهم المتواضعة (من إنتاج شركة بجير غالبًا) في سفراتهم لقضاء الإجازات. لقد أصرّوا على إنكار وجود العالم الجديد، آمنوا في إمكانية أن خلق عالم مؤجّل يلتقي فيه الماضي والحاضر في تسوية، ما يُشبه اتفاقا غير مكتوب بين أمريكا ومبادئ الكيبوتس: السيارات اليابانية الرخيصة، توزيع المال بكرم على الأولاد، الإصرار على العمل في الصيف، مناهضة الماركات والمطاعم، منع مشاهدة المسلسلات “المُفسدة” في التلفزيون، الأثاث الرخيص من إنتاج إسرائيلي، الأرائك التي ورثوها، مخبأة تحت الشراشف، والاحتقار المتبجّح تجاه أولئك الذين لم يتصرّفوا حسب القوانين.

أجل، “أخلاق” هم، قوانينهم، الأخلاق (أي كلمة محبوبة في بيت هكيرم أورثها الأجداد للوالدين، وهؤلاء لأولادهم، المصطلحات الضبابية التي تجسّدت، مثلا، في حقيقة إنه في بيت هكيرم مشهد شخص يترك جسده لفضائل الشمس في يوم عطلة في إحدى الشرفات، أو يجلس في مقهى يقرأ كتابًا كانت من المشاهد النادرة. أناس، عمال، مجتهدون، والأيام مضغوطة، والسبوت منظّمة بعناية هي أيضا، حتى المسنون يبدون على الغالب منشغلين بشيء ما، ولا وقت لاستثماره في صغائر الأمور. الطفيليون/ المتبطّلون، المجانين، معروفون وموسومون، وكل طفل قادر على ذكر الخاطئ وخطأه (مثلا، موشي لايزروفيتش مجنون، يعيش في مخزن تملكه أمه. لم يتزوج. لا يتعلّم. لم يعمل في حياته. ليس له أصدقاء. يتسكّع طيلة النهار في المركز التجاري).

يهتم الأولاد بالعودة إلى البيت في الوقت الذي حددوه لهم، يتجولون في أحضان الطبيعة، خاصة في السبوت، عندما تزين سماء المدينة الأفق بلمعة زرقاوية، كأنه رُسم بالريشة، لا يرمون عفوا أو قصدا النفايات في الشوارع، لا يسرقون في السوبرماركت، لا يغشّون في لعبة كرة القدم، يستنكفون عن كل مظهر للبهرجة، عن كل مظهر للفضائحية، يصرّون على اتباع العدل وتنظيم حياتهم ضمن منظومة أخلاقية يُمكن إشهارها في كل وقت. أسلوب الحياة هذا، وإن كان مكروها عند يوئيل، بدا له نبيلا. بما إنه لم يكن يستطيع أن يتبنى أسلوب الحياة هذا، اعتقد أن للثمن الذي يدفعه وسط مجموعة الأولاد كان ما يبرره، بدا له إنه ولد غير مؤمن في عالم مؤمن جدًا.

بعد بضع أشهر على رحيل آل سادوبسكي نعت يوئيل المنظف العربي في بيت أوري غروسمان ” منيك عربي حقير”، لأنه طردهم من الرواق ساعة لعبة كرة القدم. فانطلقت الإشاعة بين الصالونات الطافحة بالضوء كالماء في أنابيب المجاري. مرّ يومان، وقد انتظمت مجموعة من الأهالي وقررت أن تحتلن والده بتفاصيل القضية.

بنظرة إلى الوراء كان اللقاء كارثيا من حيث مستقبله بين مجموعة الأولاد. كان جالسا في الصالون عندما حضروا إلى بيته، ليعلم لاحقا أنه تمّ تعيين موعد للقاء بشكل رسمي. وقفوا وسط الصالون ـ ومن فوقهم الثريا المعبرة التي انتقلت بالوراثة في قبيلة أمه، وأشارت إلى قلب البيت ـ خلعوا معاطفهم بحركة مسرحية، تبادلوا الهمسات الملآى بالاحترام بشأن فخامة البيت، لكنها وقعت على أذنه كمواء القطط في الليالي في الفناء الخلفي. لم يستوعبوا بسهولة اقتحام قلعة ما بعد آل سادوبسكي (ومع هذا فقد تذكروا ـ بيت العدوّ هو في نهاية الأمر حيز تابع لهم”. عندما رأى يوئيل أنهم يفرغون صفتهم التبريرية المبطنة بنية صادقة لتحسين الحيز الوحيد الذي شعر فيه إلى الآن بأنه محمي من صحبة الأولاد، من ذويهم، من الموقع الذي خصصوه لهم في عالمهم، عندما رآهم هناك، ينسجون المؤامرات ويبلورون المواقف، لا في بيوت بعيدة تمتلئ حدائقها بقوارير الجيرانيوم أو شجيرات الحصلبان، وقرب بواباتها خُشش مؤقتة للكلاب، وإنما في بيته، أدرك مرة واحدة أنه في نواحي هذه الجماعة الملعونة لا يوجد مكان واحد آمن. سيطرت أفكاره على جسده الطفولي، الذي أصرّ أن يكون ثابتا، ثقلت أنفاسه وسُمعت جيدا.

رغم البرد في الخارج بدا له الجو حارا في الصالون وأن العرق يتصبب بين ردائه وجسده وأنهم انتبهوا لذلك. أصرّوا أن يبقى ليستمع ـ كان هذا جزءا من إدارتهم العامة للأمور، أن يُشركوا الولد في المشكلة بينما فكره مشغول بأنواع المبررات. حتى إن الغابة في آخر شارع هشاحر، الذي يكتنفه الضجيج المهدّد ليلا ـ صهيل، ولولات، تنفس بصوت مسموع ـ بدت في أعين الأولاد كبيت للشياطين، بدت الآن ملجأ مناسبا. انتظر طيلة الوقت سندا من عيني أبيه، الذي أصرّ أن يتجاهل وجوده ووجّه اهتمامه، القليل أصلا، إليهم.

أستمع والد يوئيل إلى المحاضرة الأولى من أم أوري غروسمان وهي أخصائية نفسية. امرأة رقيقة كثيرة المجاملة، يتراقص شعرها القصير بشقاوة محسوبة، “وقد تبرّجت ببساطة راقية”. أهلها أنجلو ـ ساكسونيون، يملكون فندقا فخما في لندن. تبث حركات جسدها فخامة العصر الفيكتوري. واضح من سلوكها ولباسها كم هو كبير احتقارها البساطة لدى غالبية نساء بيت هكيرم، والخشونة الفلاحية، سراويل الجينس وقمصان مع الأزرار، بدلات من قماش رخيص وسميك جدا، فساتين القطن الباهتة بأسلوب غجري في الموضة، أو المزركشة بتشكيلة ألوان صارخة (ليلكي، أحمر)، خزائن ملابس كاملة تنتقل بالوراثة من الجدّة للإبنة والحفيدة، اللتيْن ورثتا أيضا القلق من أن تظهرا مع حلية أو فستان فاخرين أكثر مما ينبغي. غفر الناس لميل الأخصائية النفسية إلى الأناقة. “هي من إنجلترا”، أشاروا من خلال مديحها، “إنها امرأة لندنية نوعا ما.” ورغم التفهّم إلا إنها أثارت الغيرة الخفيّة في أوساط نساء بيت هكيرم.

“مرض السياقة” عند السيدة غروسمان كان معروفًا جيدا: ها هي تنطلق في السيارة بسرعة زائدة في الشوارع الملتوية. وبعد كل سفرة يُحدقون بها باستغراب، يوبخونها بلُطف، لكن بعد أسبوع واحد فقط تتلوّى السوبارو البيضاء مرة أخرى بسرعة خاطفة في شارع “هحلوتس”، مُرعبة بزامورها المسنين والأطفال وأصحاب القيلولة ظهرا وقطط الشوارع.

لشديد الأسف كان أبوه عديم الصبر، يعود أصلا من العمل كل مساء متعبًا وغاضبًا، في حين إن السيدة غروسمان من جانبها أصرّت أن تنسج التفسيرات لتلفظ ” المنيك العربي الحقير”، وأن تأتي بجُملة تلميحات تتصل بـ “الموقف الأخلاقي الذي ينتقل من الآباء للأبناء”، إلا إن التلميحات كانت مهذّبة جدا، مبطّنة بمعادلات نفي موّهت العلاقة بينها وبين الحالة، حدّ أنها لم تترك أثرًا على السامع.

وفي هذه الحالة،” قالت، وفي عينيها تأييد شديد للأب وابنه، “يبدو أنه بالإمكان أن نشخّص… شيء من ذاك النوع التقليدي الذي صادفته مرات عديدة في أثناء عملي… وبما أنني أعرف تماما التفاصيل…فإنني أتأمّل بقلق فقط… لا أستطيع أن أحسبه على المجموعة ذاتها… ومع هذا كنتُ أريد أن أستعرض البُنية العامة… وأن نفكّر بحذر مع أي المواضع تتناسب… منذ الآن أنا مضطرّة أن أطلب إعمال الشكّ في التعامل معها… ومع هذا من المُجدي أن نستعملها في نقاشنا هذا… حتى إذا قررنا لاحقًا إنها ليس في مكانها على الإطلاق..”

بعد أن سكتت وارتشفت من فنجان القهوة اتضح إن والده لم يكن إلى الآن قد فهم ما المصيبة. طلب إذنا مرتين للاتصال بشأن عمله، في المرتيْن اعتذر وتمترس في الحمّامات. في كل مرة ترك أبوه الصالون وبقي لوحده معهم. عاملوه بودّ، أمطروه بالأسئلة عن المدرسة أو عن دورة كرة القدم، دعوه إلى بيوتهم، لكنه كان قد استبدّ به القلق حد عدم القدرة على الردّ. ذاكرة الإهانة التي لحقت بالأب سادوبسكي هبّت فيه. همس ردًّا غير واضح، وفي هذه الأثناء فسّر معنى هذه الأمسية: طرد رسمي من مجموعة الأولاد. توقّع ذلك زمنًا طويلًا وها هو الطرد قد أتى. صحيح إنه طرد مرفق بالمجاملات، ليس برضا تام حتى إنه بأسى، لكنه في النهاية طرد.

بدا على والده أنه غير مُدرك للمعنى الكارثي الذي أعطاه ابنه للقاء. عندما عاد إلى الصالون، بعد أن تمشّى دون هدف في أروقة البيت، ليمرّر دقيقة أو دقيقتيْن، أسمع همهمة إدراك خجولة. وفي النهاية رمى بنفسه على الكرسي الهزّاز وهزّ جسده بشكل تظاهري، كولد موبّخ. نظر يوئيل إلى تصرّفه بقلق مشوب بذرة من الإيمان أنه قد يستطيع أن يقلب الحُكم. يبدو إن الأهالي غير توّاقين إلى حسم القرار، لا يزالون قادرين على الاستماع إلى مقترحات بشأن صفقة ادّعاء. فهو لحم من لحمهم، خلافًا لمقتحمين الحي أولئك الباريسيين، ولغرض التسوية من المطلوب أن يُبدي أبوه شيئا من الجرأة، حزم فيه مناورة تُفضي بهم إلى تنديد شديد اللهجة مع التأكيد في الوقت نفسه على قيمة ابنه وعلى خصاله الحميدة. حتى إن كفالة والده لسلوك ابنه العاق في المستقبل قد تكون ضرورية. بيد إن أبوه لا يُحبّ التعهدّات. لُغته في العادة شاعرية لكنها ليست غنيّة، تقلّصت بأعجوبة كلّما ناقشوا التزامًا كهذا أو كذاك، ليس فقط التزامات تتصل بالأموال، إنما أيضا كتلك المتصلة بسفرة مستقبلية إلى أوروبا، لتحديد مواعيد لزيارات الأصدقاء، أو السفر في السيارة. غالبية الناس بهلوانيون في الفجوة بين جملة التعهّد وبين تنفيذ ما يترتّب عنها. بينما رأى والده في كل التزام كأمر نهائي. حتى إنه أنهى أحد معارفه في الشارع لقاء بالصُدفة بكلمات مثل “إذن ربما اتصلتُ بك الأسبوع القريب ونتفق على لقاء، كان يُجيب بهيئة الذي يفكّر بجدّية “بالنسبة للأسبوع القريب، لا يبدو لي الأمر ممكنًا، سأكون مشغولا جدا”.

هذا هو سبب طلبه أن يفهم أي مطلب بالضبط يطلب منه هؤلاء الأشخاص. عندما تدخّل يهوشع أورن وشرح بصرامة، “إننا لا نرى في محمود عربيًّا وضيعًا، وبالتأكيد ليس منيكًا، وإنما شخص بالغ ومُحترم”، اكتفى أبوه بهزّ رأسه بكسل على نحو كان يُمكن أن يُفسّر على إنه استهزاء. مرّتيْن هز رأسه بالخطأ فيما لم يتحدّث إليه أحد. أحيانًا انكشف أمام عيني يوئيل بروفايل جانبي لوالده الذي بدا كبروفايل صبي غاضب جالس في درس مُملّ خلافًا لإرادته في حين إنه تجري عبر الشُبّاك مباراة مُثيرة. في هذه النقطة بالذات انضمّت إلى النقاش أم يونتان أورن ـ التي صارت في تلك السنة محاضرة ثابته في قسم الأدب في الجامعة ـ وقالت إنهم دعوا حسن (أحد معارفهم) إلى عرس ابنتهم كنيرت. عبّر أبوه عن هيامه بهذا التفصيل بإشعال سيجارة أخرى، الرابعة على التوالي. عندما قاطع والد أودي زوجة صديقه الحميم وشرح أنه لشديد أسفه لم يحضر حسن “بسبب حظر التجوّل”، سكت الجميع لبضع ثوانٍ، كأنهم يعبرون عن احترامهم للحظر، حطّت عينا والده على التلفزيون المُطفأ، تستدعيان سحراٍ يملأ الجهاز بالحياة.

لم ينتظر يوئيل مساعدة من أمّه، التي كانت منطوية في غرفتها وطلبت الإبلاغ بأنها أصيبت برشح شديد. نأت أمه بنفسها عن نساء الحي. كانت صديقاتها بالأساس من المكتب الذي عملت فيه، ودائما ما نفرت من مجاملات النساء في بيت هكيرم. يومًا ما، حينما كان ابن ثماني سنوات، كان من المفروض أن يقضي أوري غروسمان الليلة في بيتهم، وقد حضرت والدة أوري مساء معه. جلست في الصالون، شربت القهوة، ثرثرت مع أمه، وسألتها كما يبدو أكثر من اللازم عن أفراد البيت. وعندما انصرفت في نهاية الأمر قالت أمه بسخرية، “أرادت أن تختبرنا، هذه المرأة الأخصائية النفسية، وضعتني في امتحان، إذا ما كنتُ جيدة بما فيه الكفاية ليظلّ ابنها للمبيت لليلة واحدة هنا…”

في حالة كهذه يُمكن أن تُؤذي أمّه حتى أكثر من أبيه، لأنها لا تحبّ المواربة وتصرّ على التصرّف باستقامة تجاه كل شخص. دائما ما وعظته “ابتعد عن الكذّاب”. بإمكانها حقّا أن تُهينهم، أو حتى أن تطردهم، وأن تعقّد الوضع.

بعد حوالي ثمانين دقيقة أدركت المجموعة أن الوالد يرفض أن يرى القضية على خطورتها، فكان الوداع باردًا مصحوبا بنظرات متسائلة وغاضبة. بعد هذا اللقاء أُلحق الولد بابيه. وتوزّع الذنب على الاثنين. بعد كل شيء فهو لا يزال ولدا، كيف يُمكن أن نتوقّع ألا يكون مُهملاً إذا كان والده شخصًا صموتًا وغريب الأطوار لا يفهم أحد موقفه. وها هي الحجّة الدامغة لشكوكنا، شيء ما عفِن في هذه القبيلة، والولد لا يشكّل انحرافا عشوائيًّا عن العُرف، في بيت كبيتهم هذا الولد هو النمط السائد. الأولاد، ربّما لا يزال بالإمكان إعادتهم إلى التلم، لكن بالنسبة للوالديْن، فإن الحالة ميؤوس منها، والختم نهائي: هؤلاء الناس ليسوا منّا.

بعد شهرين على ذلك، وكان قد تعب من كونه منبوذًا في مجموعة الأولاد، قال لأبيه إن تصرّفه في اللقاء لم يُعجب الأهالي واقترح دعوتهم للقاء توضيحي. أجاب أبوه بصرامة إن الأمر مؤسف جدا، لكن في الحياة ينبغي التمييز بين الحقائق وبين الحوادث. الحوادث هي ما لا يزال يحدث، والحقيقة هي شهادة، حقيقة تاريخية، ربّما مقرونة باستنتاج، من الحدث الذي وقع وانتهى. اللقاء مع الأهالي، كان وانتهى، كما كانت المعركة في موقع المزرعة الصينية، أو مثل التنظيم السريّ إياه ـ وكان قرأ عنه هذا الأسبوع في كتاب تاريخ ـ الذي قتل برتغاليين في موازمبيق، مثل الحقيقة الغريبة جدا وهي إن الإمبراطورية الرومانية المتنوّرة محت من الوجود مجموعة ألمانية مُستضعفة. والإمبراطورية الصينية، مُكتشفة البارود، طائرات الورق، جسور الحديد، محوها هي أيضا. مجموعة من البحّارة ذوي الوجوه المحمرة من أوروبا.

لم يقرؤوا الشعر قط.

سطوا على الموانئ

محوا إمبراطورية

الاحتلال؟


من كتاب “مُستعيد الأحلام” لنير برعام، دار نشر “كيتر”، 2006.

0
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا