يوآف كاتس | من:العبرية

ثديان

ترجمة : مرزوق حلبي

أذكر كيف نما ثدياي. كنت أمسكهما بكلتا يديّ، أضغطهما قبالة المرآة، أنظر إليهما من كل زاوية محتملة. كنتُ أفحص لون الحلمات، أوّل الزغب. من الخارج امتازا بانحدارات صغيرة وتجاعيد، ومن الداخل صارا أكثر صلابةً. كنت أرتدي ملابسي لمدّة نصف ساعة قبل أن أذهب إلى المدرسة، وكانت لديّ طرقي الابتكاريّة لإخفائهما، وأشياء أخرى مجنونة. في تلك الأيام، كان الجينس والتريكو المهمل لباسًا عصريًا، ولكنني لم أكن أفكّر لا في التريكو ولا في الرحلات ولا في الحفلات، ولا في البرك ولا في البحر، لا في الدعبات ولا في الفتيات.

أذكر كيف أنّي تعرّيتُ في إحدى لإجراء فحص عند المُمرّضة. وقفت وابتسمت ولم أكن قادرًا على التركيز في شيء. تجمّدت تمامًا. كنتُ واثقا أنها بينها وبين نفسِها ماتت من الضحك. نظرت من فوق نهديّ إلى اللاصقات والضمّادات في الخزانة الزجاجية قبالتي. لم أجرؤ على خفض رأسي، ولم أنظر قط إلى ما تفعله.
انتهينا فلبستُ ثيابي. كانت على ما يُرام. لم تسألني إذا كان الأمر يُضايقني، سألتني فقط إذا ما كانت لدي نشرة حول التربية الجنسية. أجبتها بنعم وأنّي على اعتقاد أنّ كلّ شيء معروف لي. كان واضحًا لي ماذا تقصد. حقّا حاولتُ أن أتقبلهما كما هما، لكن لم يكن الأمر بهذه السهولة. خذلني جسدي، كان جسدي خائنًا وجاسوسًا.

ترصدنا الواحد للآخر وراء زوايا الحياة. لعبت الشطرنج ضده، وحاولت أن أحسب كلّ حركة لخمس خطوات إلى الأمام. الشيء الوحيد الذي كنتُ فيه تلقائيًا كان الإخفاء.

شقيقتي كانت صموتة جدًا في هذه المرحلة. درست الحقوق وشهد لها الجميع بأنها نجمة حقيقية، وأنّ منصبًا في المحكمة العُليا ينتظرها. أيام السبوت كانت تحضر إلى البيت. كنّا نجلس ساعات ونلتقط بث مسلسلات من الأردن ولبنان. وجدت متعة كبيرة بالجلوس معها على هذا النحو. كنا نغوص في الأريكة الرمادية بكل اتجاه. لم أكن أعرف إذا كانت تكنّ حبًا حقيقيًا للتلفزيون، لكن في اللحظات التي سبقت إصدار الحُكم، عند عودة المحلّفين، كانت تنتصب وتعدّل جلستها على الأريكة، تستوي في مقعدها جيدا وتنتظر.

بعد الظهر، عندما تنتهي الحلقة، كنا نذهب لنشر الغسيل على المنشر في الفناء، أو لريّ الأشجار، وفق ما تقتضيه الحاجة. كانت هذه الفُرصة الوحيدة التي سمحتُ لنفسي فيها بخلع قميصي. في كل مرة كان الأمر بالنسبة لي حدثًا. وهي لم تعرف ذلك، لكن لو أن أحدا من الجيران خرج، أو أحدًا من الأصدقاء أتى وأنا بلا قميص، فلم يكن الأمر مهمًا بِفَضلها.

في المرّة الأخيرة التي رأينا فيها كولومبو في الأردن، اتصل بها أخيرا شاب عمل معها في المكتب ذاته. احتاجت قصاصة ورق بشكل عاجل لتسجل رقم هاتفه ولم تكن في الصالون أية ورقة. وضعت يدها على السماعة وأشارت إليّ أن أعطيها ورقة من تلك التي كانت دائما في جيوب القميص. يلّلا، عجّل، وحياتك، قالت، إنه ينتظرني.

لم تكن تلك أوراق أستخدمها. كانت هناك بالأساس لكَي تغطي. فتحتُ زرّ الجيب فوق الثدي الأيسر وأخرجت من هناك الورقة، كانت في الحقيقة ورقًا مقوّى، أدخلتها إلى جيبة القميص لتسوية الموقع من الداخل.

كتبت رقمه على الورق المقوّى وواصلت الحديث معه لربع ساعة تقريبا، عن تعسّفيّة قرارات رؤسائهم في المكتب وعن المستوى المتدني السائد هناك وكيف أنّها تتوق بشدّة إلى انتهاء عقدها معهم لتتمكّن من الرحيل، هذا رغم إنها تحبّ العمل ومساعدة الناس الذين يتوجهون إليهم. وهذا ما شتّت تركيزي بما يحدث على الشاشة.

عندما انتهت الحلقة كانا لا يزالا يتحدثان بينما خرجتُ أنا لريّ الأشجار في الفناء الخلفيّ. لدينا عشر شجرات مثمرة تقف في صفّيْن. بينما ركض كلب الجيران ذهابا وإيابًا ونبح كالأحمق، وانتظرتها كي تخرج.

انفعلتُ كثيرا وكنتُ حزينًا كما لو أنني عشيّة سفرة للخارج، عندما تنفلتُ الثقة والفرح فجأةً، وأنت في اللحظة ذاتها، تريد ولا تُريد أن يحدث ذلك. بدأت أشجارنا تتغيّر عشية الصيف، أنبتت أزهارًا وردية، بينما كانت الأوراق خضراء جدًا. وضعت الأنبوب في حفرة شجرة الأجاص وتأمّلت كيف أحدثت المياه فيها زبدًا ووحلًا.

كُنتُ مسكونًا بحبّ الاستطلاع وأردتُ أن أبحث لأكتشف مَن هو هذا الشاب وما الذي يحدث هناك. لم تكن لأمي أية مشكلة مع الأمر. كانت ستسأل أختي فورًا مع مَن تحدثت، عندها إما أن تحكي لها شقيقتي ما الذي يحصل وتطلب نصيحتها، أو أنّها كانت ستغضب عليها وتكمّم أفواهنا جميعا، كل شيء وفق منطق الحالة العينية. عمومًا، كان والداي يكنّان لها كلّ تقدير. أما بالنسبة لي فلم يكونا واثقيْن تمامًا. أعرف أنها كانت في عيونهما مثاليّة، بفضل دراستها وامتلاكها مهنة وبفضل ما قاله الجميع عنها. فقط جدي لكِ شريكًا، كانا يقولان لها، حلّي هذه المشكلة الصغيرة وسينتظم كلّ شيء. لكن الأمر لم ينحلّ. بدلاً من أن تصير أحلى مع السنوات، كما وعدوها لسبب ما، تحوّلت إلى فتاة جدّ عادية من الناحية الخارجية. على العموم، عائلتي تذكّرني لأسباب ما بأكياس البطاطا.

في النهاية خرجَت إلى الفناء ووقفَت بجانب حفرة شجرة الجوز. جمال الأشجار وإحباطي منها زنّا في رأسي كطائرتين على خط جويّ واحد. أملتُ أن تجلب معها على الأقلّ ورقة أخرى، لأدسّها من جديد في جيب القميص، لكنها دائما ما فضّلتِ الكلام على الفعل.

آسفة إذا مسست بك، قالت، ببساطة لم أنتبه لما أمسكته بيدي. حاولت أن أضبط نفسي لكن وحدها رباطة الجأش تُنقذك في حالات كهذه، فاستغلّيت الفُرصة لأقول ما كان يُثقل عليّ. لا يعنيك في الحقيقة ما يحدث مع الناس الآخرين، قلتُ لها، يهمّك فقط أن يروا أنك محقة وأن يفكّروا أنك فعلت الأمر الصواب.

نقلتُ الأنبوب إلى حُفرة شجرة التين ووضعت عليه قدمي، لئلا يطير من ضغط الماء. في البداية حاولتْ أن تبتسم إلي، وهذا هو ردّها دائمًا عندما يوجّهون لها اتهامًا. بعدها وقفت هناك ببساطة ونظرت إلى كلّ الاتجاهات، وفقط بعد أن ملأتُ حفرتيْن أخرييْن تذكّرت أن تحكي. أنت مُحقّ مئة بالمئة، قالت، إنه ذنبي، لكننا سنحلّ مشكلتك الصغيرة هذه. علينا أن نفعل ذلك قبل أي شيء. عندما كنّا صغارا تبادلنا الضربات بدون توقف. كانت تركض خلفي بين الغُرف، وكنتُ أهرب إلى الساحة ووقعت مطاردات حول البيت، مثل توم وجيري. أغلب اللكمات كانت تسدّدها في ظهري، الأمر الذي آلمني وأهانني وأحدث عندي علامات حمراء. بيد أني كطفل لم أفكّر فيها سلبا أو إيجابا. عرفتُ إن الأمر سبّب لي ضررًا ما، لكني لم أستطع أن أحدده تماما.

عندما كبرتُ، بدأت أقاوم. غير مرة استطعت أن أثنيها كورق ألومنيوم، ككرة دميمة ثقيلة وصغيرة، لكن لا. الشعور، أنها كانت تُريد أن تصرفني من هذا العالم أكثر من أي شيء آخر، كان يردعني في اللحظة الحاسمة.

يُمكن الاعتقاد أن الأمر كان من المفروض أن يشحنني بالقابلية والدافعية، أن ألقّنها درسًا مرة واحدة وللأبد، لكن ما أن نبدأ التقاتل بالأيدي حتى كان ذلك يرتدّ عليّ، كما يُقال، يوقفني في مكاني ويردّني إلى الخلف.

كبديل عن الضرب كنّا منهمكين في معارك شريرة خرّب فيها واحدنا للثاني أغراضا عزيزة على قلبه. أذكرُ كيف أنني مزّقت لها مُلصق ستارسكي وهاتش قطعًا، لأنها داست على مجموعتي من علب الصفيح، لأنني خبأت بنطالها الجينس وراء برميل النفط الوسخ، لأنها رفضت الخروج من غرفة التلفزيون عندما زارني الأصدقاء وما إلى ذلك. كان الشرّ فينا عميقا وخلّاقا بشكل خاص حتى أنه بدا أحيانا غريبا ومُثيرا. إذا كان سيأتي أحد ويسأل إذا كنتُ أحبّ شقيقتي، ببساطة لن أعرف ماذا سأُجيب.

بعد أسبوعين أو ثلاثة على حادثة الورق المقوّى بدأ يظهر في البيت اسم الشاب الجديد. مهّدت شقيقتي لذلك بشكل جذري فأشرق والدانا من السعادة كما لو رُزقا بولد آخر. تحدثا عنه في كل مناسبة. عرفت الجارات المقرّبات أن اسمه موسري وأن شقيقتي في قمة سعادتها. كان الأمر بالنسبة لي مشكوكًا في أو أكثر من ذلك. احتمال أن تجد شقيقتي شخصًا يُسعدها، شخصًا

يحميها من جهة، ويوقفها أخيرا عند حدّها من جهة ثانية، ويثير عاطفتها من جهة ثالثة ومن جهة رابعة يكون ذكيا بما فيه الكفاية ليلائم عقلها، وعلاوة على ذلك، أن ينجذب لها ويقتنع بمظهرها، بسبب كل هذا كان من الصعب عليّ أن أصدّق.

حدّدت موعدًا مع اثنين ـ ثلاثة من الأصدقاء يوم الجمعة في مقهانا في المدينة. عرفنا المكان من تجوالنا الليلي في سيارات الأهل. كانوا أصدقاء طيبين، من أولئك الذين يبدون تماما كما ستكون حياتهم بعد عشر ـ عشرين سنة. لا انتقاد لي على ذلك، لأنك في هذه السن لا تعرف ما إذا كان الأمر يشدّك أو ينفّرك أو إنك ستنجرّ إليه في أي حال. جئنا من بيوت طيّبة نوعا ما، كنا تلاميذ جيدين جدًا، عشقنا نفس الفتيات تقريبا، آثرنا شُرب بيرة “جولدستار” من البرميل. لم نغالِ في الأمور لأنه لم يكن هناك ما نغالي فيه. لم يكن ذلك في مركز البلاد حيث كل شيء هناك كبير. في ساحة هذا المقهى كانت لنا طاولة خاصة منصوبة على الحصى بجانب الأصص، ولم تكن تبذل النادلات جهدا لإضاءة الشمعة القصيرة التي كانت في المنفضة. كنّا كالزبائن الدائمين الذين يُشاهَدون في المسلسلات، وهم عمليا زينة أكثر منهم أناس حقيقيون، أولئك الذين يُسمح لهم أحيانا أن يقولوا جملة أو جملتين، وكل مئة عام قد يُخصصون لهم نصف حلقة.

الأمر الحاصل هو أنه كانت لدينا لُعبة تعلّمها أحد الأصدقاء من قريب له في بلجيكا. شعرنا أننا نُتقن هذه اللعبة، لكني أعتقد أن اللعبة عالمية. نأخذ كأسًا فارغة من كؤوس البيرة ومحرمة ورق ومطاطة. نضع المحرمة على الكأس، نضح حولها المطاطة ونشدّ كجلد طبلة. نضع على المحرمة قطعة نقدية صغيرة.

في هذه المرحلة كنا نأخذ استراحة، نطلب البيرة في جولة أخرى، ننتظر حتى تأتي النادلة. أحببنا كثيرا أن تكون النادلة نوعمي، وكنا نطلب منها أن تأتينا  بسيجارة. النادلات الجديدات كنّا يُكشّرن، لكننا كنّا شبّانًا وكنا معروفين في المكان وأخذنا كل شيء بروح طيبة. لم نتدخّل في حياة النادلات ولم نعرقل عملهن ولم نعاكسهن، وإن كان هناك بالفعل ما يستحقّ النظر إليه. كانت السيجارة تنتقل من واحد إلى الثاني وكانت الشَطارة أن نُحدث ثقوبًا في المحرمة دون أن تقع القطعة النقدية في الكأس. حدث وأسقطّتَ القطعة النقدية، سيكون عليك أن تجرع بيرتك فورًا ويُطلب لك بيرة أخرى ونلفّ محرمة أخرى حول الكأس.

لم يحالفني الحظ تمامًا في تلك الليلة. سقطت القطعة النقدية معي في كل دورة وجرعت ثلاث أو أربع كؤوس بيرة الواحدة تلو الأخرى. لم يتأثر أحد كثيرا. حصل أكثر من مرّة أننا اضطررنا إلى جرّ واحد منّا إلى السيارة ثم إلى البيت، وقد سرّ جميعنا من المشهد. حذّرت الأصدقاء إن الأمور وصلت حدّها وناديت النادلة نوعمي لأطلب كأسًا أخرى. كان لديها الكثير من العمل تلك الليلة، لكن دون شك، كانت صاحبة أجمل جسد في العائلة، وقد اعتبرت هي واخواتها شيئا خاصا وقالوا إن سمعتهن وصلت مركز البلاد.

عندما كانت تقترب من الطاولة، غالبا ما كنتُ أتجمّد، أتنفّس ببطء وأحافظ على هدوء، كشرطي سرّي وراء الأعمدة في موقف للسيارات تحت الأرض. أفسح لها الجميع كي تمرّ بين الكراسي والطاولات المتراصّة، اقتربت منّا ووقفت إلى جانبي منحنية قليلا، لتتمكن من الإصغاء وسط كل الموسيقى والصخب حولنا. انفتح صدرها المكشوف ككثيّب رمل واسع وواضح، عزف نهداها المسفوعان موسيقى تضج بالتبريرات في رأسي الذي دار. كانا أذنيْن صاغيتيْن، كانا الجوابيْن الصحيحيْن وفاحت منهما رائحة الدم والورد.

عرفتُ بالضبط ما الذي على الرجل الحقيقيّ أن يرغب فيه، كان ذلك حولنا في كل مكان، في ليالي التلفزيون، في أفضل الأفلام والتوصيفات الأدبيّة: الرجل الحقيقي يركن رأسه الفخور والمُتعب على هذا الصدر، ينسى أنه لم يُفلح في حلاقة ذقنه ثلاثة أيام، ومن ثم يدندن في الحمام الأغاني مثل قطّ شبعان وسمين.

أصابني الدوار تماما في تلك اللحظة، أصابني ذلك فجأة حتى أنني لم أستطع إخفاءه. نعم، أيها الشاب اللطيف، كيف يُمكنني أن أساعد، هل أنت ثملٌ بالصدفة؟

هل تريدن حقّا أن تعرفي ماذا أريد؟ سألتها. عندها قالت، أيها الأصدقاء، ماذا تقولون، هل الأمر جدير؟ مررت شعرها ما وراء أذنها لكنه عاد في كل مرة وانسدل.

كفى، نوعمي، نهداك يقتلانني، وهذا غير لطيف من جانبك. نظر إليّ أصدقائي كأنني، في أقل تقدير، صرخت في وجه المربيّة وسط مراسم يوم الذكرى بأنها زانية، أداروا الكؤوس بين أصابعهم مُحرجين جدا إلى حد شعرتُ أنني أقف لهم في حناجرهم.

لكن، لم تكن هذه المرة الأولى التي ترى فيها نوعمي أحدنا مسترسلأ ويهذي بالحماقات. لم تبد مُحرجة، لم تضع يدها لتخفيهما، بل لم تنظر إلى أسفل كي ترى ماذا وكم يرون منهما، كما كنتُ أنا أفعل دوما. قالت، صحيح، غير لطيف من جانبي، سوف أذهب لأنزعهما.

كانت هذه جُملة لامعة، كأنها تقتبِس من مسلسل ذكي يستحقّ أن تظل مستيقظا لأجله. أجادت الإجابة. ليس غريبًا أن أشعر تجاهها ما شعرت. كذلك طريقة ضحكتها البرّاقة الحلوة على عرض أسنانها، كأن هناك مُخرجًا لهذه الحركة وسرعان ما سيصرخون بانتهاء المشهد . لكن بالنسبة لي، لم يكن ذلك كافيًا. كنتُ مضطرًا لدفع نفسي إلى ما وراء الحدّ، كما يُترجمون ذلك في التلفزيون.

همّت نوعمي بالانصراف. من فضلك، قُلت، دعيني ألمس ثدييك مرة واحدة. الآن، يبدو الأمر كأنه فظاظة، لكنه كان من صميم قلبي، وأتفهّم نفسي بالتأكيد في ظروف ذلك المساء. نوعمي، لم تكلّف نفسها حتى أن تقترب منّي. وقفت تحمل صينية الكؤوس بيد واحدة، وضربت بأصابع اليد الثانية ضربة خفيفة على الورق المقوّى الذي كان في جيبي. كنتُ واثقا أنهم سمعوا الصوت الذي صدر، حتى مركز البلاد. لا مشكلة، قالت، إذا سمحت لي بلمس ثدييك.

أصدقائي الذين كانوا في توتّر شديد وترقبوا نهاية الحوار، انفجروا بهتافات هستيرية وضربوا بالأيدي والكؤوس على الطاولة كأننا فُزنا في الأورفيزيون أو بكأس أوروبا. استدارَ كل روّاد المقهى لمعرفة سبب الضحك. خرج الساقي من حانته وجاء العرب من المطبخ كل مع مئزره والمنشفة على كتفه. شعرت أنهم أدخلوا وجهي وراء القضبان، كما يقولون. توسّلت نوعمي التشجيع والهتافات وتبادلت النِكات حول موضوعي إلى أن انصرفنا من هناك لاحقا، ببطء، واحدا تلو الآخر، كتمتمة غير واضحة. أحضرت لي نادلة أخرى كأس بيرة جديدة وزهاء الساعة الثانية ليلا تركني أصدقائي عند مدخل البيت.

رميتُ المحفظة والمفاتيح على الطاولة في زاوية الطعام وذهبت لأغسل وجهي في الحمّام. شدّني رأسي بكل ثقله باتجاه الركبتيْن وكل ما أردته أن يمرّ هذا اليوم، وبأسرع ما يكون. كانت شقيقتي وموسري في الغُرفة مع التلفزيون. تخيلتهما ممدديْن على الأريكة الرمادية. سمعته يشرح لها كيف أن الرياضيين يلغون أنفسهم في لحظة الانطلاق وأنهم في واقع الأمر يدرّبونهم على الانطلاق لحظة قبل الإطلاق. شربت الكثير من البيرة، واحتجت إلى نصف ساعة لأبوّل وسمعت كامل شرحه، الذي كنتُ أعرفه أصلا، لأنهم تحدثوا عن ذلك في البرنامج الذي رأيناه في المحطة التربوية مئة مرة، عندما كنتُ في الحادية عشرة من العمر وكان كلانا مصابا بالحصبة، وهذا يعني إن شقيقتي أيضا كانت تعرف ذلك، لكني لم اسمعها تقول أي شيء.

كان هذا نوعًا جديدًا من الأدب لم أعهده عندها. عندما كنتُ أحاضر لها عن موضوع، كانت تقاطعني لتناقشني أو لتثبت لي أنها تساويني بما تعرفه، إن لم تكن تفوقني. أتفاجأ أحيانا من خردة المعرفة العامة التي يمتلأ بها رأسانا. الناس يثمّنون ذلك عاليا. يحدث أن يحوّل البعض ذلك إلى تجارة ويُدرجون ذلك في أنواع من امتحانات القبول للعديد من الهيئات ويؤسّسون على

ذلك مناهج مضخّمة من الألغاز والألعاب في الراديو والتلفزيون. وإذا سُئلت، لن أستطيع أن أقول إن ذلك ساعدني في حياتي في يوم من الأيام.

أخذت المفاتيح والمحفظة من على الطاولة ودخلت لأضعها في غرفة التلفزيون، إذ كان عليّ أن أقوم بهذا التعارف عاجلا أم آجلا، رغبتُ في ذلك أو لم أرغب.

أول ما سألتني شقيقتي إذا كان أصدقائي هم سبب تعبير وجهي. كنتُ متفاجئًا جدا من اهتمامها بي ومن كونها تفكّر بي، ولم أشك في شيء. تحدثنا لمدة دقيقتين أو ثلاث على الأقلّ، الأمر الذي أتاح لي أن أنظر لألتقط موسري هذا كيف يكون.

كان يعاني من الصلع الكثير وكان يضع نظارتان مستديرتان وإطارًا سميكًا. جلست شقيقتي متربّعة على الأريكة، كانت ترتدي فستانا من قماش هندي أخفته عني أو احتفظت به لمناسبة احتفالية، كذلك بدَت لي عبر أمواج الدوخة التي أحدثتها البيرة في رأسي، بدَت مشرقة ومرحة.

حسنا، عذرا لحظة، قالت لي، موسري، اسمح لي أن أقدّم لك، عندها أشارت إليّ وأسمعت ما يُشبه الإشارة، تا تا، كإشارة الجوقة عند دخول النجم في برامج مُبتذلة يستوردونها من مونت كارلو أو هوليود، تعرّف، هذا شقيقي.

نهض موسري، رتّب الجارزة برشاقة حول بنطاله الفاتح، وصافحني بشكل رسمي وسريع. كان أقصر منّي ومن شقيقتي، لكن كانت في حركاته طاقة كبيرة، كلاعب كرة سلّة نهض عن الدكّة عندما تبقّت دقيقة واحدة ويشعر أن كل الدولة تنظر إليه وتعلّق عليه الآمال.

وأخيرا التقيتك، قال لي، حقّا تبدو لي حالة مُثيرة. نظر كلاهما إليّ نظرة مُحبّة وحلوة وبدوا كأنهما مندهشان أنني لا أفهم ما يُريدان. تطوّعت أختي على الفور لتشرح. موسري وجد رأس الخيط بالنسبة لمشكلتك الصغيرة، قالت. داعب موسري ركبتها السميكة وقال، شقيقتك بروفيسور، يا لصياغاتها.

كان حدسي يعرف ماذا يُريدان. زعقا كصافرة إنذار في سفينة توشك أن يُصيبها صاروخ طوربيدو، لكن اشتغل عندي نظام صدّ الإنذارات من هذا النوع، وقطع صورة الوضع الحقيقية في طريقها إلى منصّة القيادة.

الأمر في غاية البساطة، قالَ موسري، درستُ ثلاث سنوات ونصف السنة موضوع الطب قبل أن أنتقل إلى الحقوق، هكذا فإن الأمر ليس غريبا تمامًا بالنسبة لي. تعرّ من فضلك.

نهض كلاهما فجأة كأنني سأفعل ذلك وكأن من الأفضل أن يكونا قريبيْن مني، إذ من يعرف ما سيريان هنا. ماذا تريدان منّي؟ سألتهما، لا أقوى حتى على رؤية الساعة الآن.

لا يهمّ، قال موسري، بل الأمر أفضل هكذا.

في الحقيقة لم يكن لدي أي رغبة في خلع قميصي، خاصة وإن هناك شخصًا آخر مع شقيقتي، جعل الأمر أقلّ احتمالا. قال موسري بنوع من المسايرة، كما يقولون، كأن الأمر كله غير لطيف بالنسبة له وأنه يفعل ما طُلب منه فحسب. لا تكن عنيدا، أيها الفتى، حاول أن يحثّني، الطب والحقوق هما موضوعان إنسانيان، لن نضحك عليك، شقيقتك طلبت فقط أن أفحص ما الذي يُمكن فعله.

نظرت إليها جيدا. بدت عمومًا جيّدة إلى حدّ ما في فستانها الهندي وتبرّجها المفاجئ هذا، الذي حسّن من هيئتها أضعافا وأظهر عظمتي الوجنتين اللتين لم تكونا لها من قبل. ليس بسبب هذا فقط لمحت الطاقة الجمالية الكامنة فيها، بل أيضا، بسبب الترقّب الذي لمع في عينيها وكان متعلّقا بي. رأيت تماما كيف يسقط هذا الترقّب عليّ، كما يُرى الفيلم مبثوثا على مَن يتأخّر عن الحضور. كان ذلك كأنها كانت تُدرك أن عملا مبدئيًا وشجاعًا سيحدث هنا، ولأول مرة في الحياة كانت ستشارك معي وتُشركني حقيقةً في قطعة من الحياة وليس فقط في محادثات متقطّعة حول قصص من التلفزيون. كما يبدو، أدرك موسري ما أفكّر به. أنت ثملٌ تمامًا، قالَ، إذن نشرح لك باختصار القصد. قبل أسبوع عرضوا في التلفزيون مقطعا عن امرأة في أمريكا سحبت بنفسها ما زرعوه لها في عملية تكبير الصدر. وتندّر المُذيع أنه خسارة على المال الذي ذهب هدرا. لكني فكّرت فورا بشقيقتك وبثدييك.

انتظرنا أن يستمر، أردنا أن يستمر، لكن يبدو لي أنه ليس لذات الأسباب تماما. ما سرده علينا موسري كان متينا وواضحا تمامًا، كان مُستحيلا لكنه ضرورة لازمة في الوقت ذاته. ما تحتاجه، قال، أن توافق وتقفز معنا إلى الماء، كما يقولون.

كنتُ مضطرًا للجلوس أينما يكون. أرادت شقيقتي أن تعدّ لي القهوة، لكن موسري منعها وقال لها أن تُحضر زجاجة ويسكي وثلاث كؤوس وموسوعة صحّة العائلة من على الرفّ في غرفة الوالدين.

صبّ موسري لجميعنا الكمية ذاتها، فتح الموسوعة على مادة “ثدي” وبدأ يشرح لنا التفاصيل على الرسومات بحركات برنامج طهي. كان مزاجه رائقًا، وشعر كيف يتبلور الاتفاق. ابتسمت له شقيقتي في المواضع التي ابتسم هو لها، لكن مع تريّث قصير فحصت خلاله ردود فعلي.

على العموم الأمر بسيط جدًا، قال موسري، ينبغي أن نُحدثَ هنا فتحة غير كبيرة، لنُفرغ عن طريقها نسيج الثدي، كما نُفرغ حبة طماطم. الفارق إنه بدل تعبئتها بسلطة التونا، نفتح ونُفرغ ثم نغلقها فنحصل على فتى رجولي ومستوي الصدر. ماذا تقولون، أيها الصديقيْن؟

لم أعرف ما أقول. واصلت الشرب. خدّرت الويسكي شفتيّ وأخذت عيناي تُغمضان. وشعرت كيف يدور موسري وراء ظهر كرسيّ محركًا الثلج في كأسه حركات دائريّة. كان البيت مُظلما وفي الشوارع ساد هدوء السبت.

ما الذي انتظراه، لا أعرف. طيّب، قُلت لهم بعد وقت طويل تقريبا، لكن بشرط واحد. نظرت إلى شقيقتي وكنتُ على شفا إغماءة وموت وحب  أكثر مما كنت قريبا منها كلها في حياتي. مهما يحصل، قلتُ لها، أريد من نوعمي أن تأتي لزيارتي.

دخلت فورا شقيقتي وضعية التفكير فيما يُمكن أن تكون الكُلفة وحسب ذلك يأتي ردّها. لم يعد لدى موسري أي صبر، بدا عليه أنه يُريد أن يبدأ. ما من مشكلة أيها الصديقان، قالَ، لا أعرف مَن هي نوعمي، لكني ألتزم أمامكما خطّيًا أن تأتي.
أخذا الكأس من يدي ومدداني على الطاولة المستديرة في زاوية الأكل، وذهبت شقيقتي لجمع العدّة من أرجاء البيت والمطبخ.

جذب موسري المصباح أقرب ما يكون وأوطأ ما يُمكن وجلس بجانبي يتصفح الموسوعة. حاول النوم قليلا، قالَ، تنتظرنا ليلة صعبة. أما أنا فكان النوم بعيدا عني أكثر من شقيقي في كندا. مرّت أمام عيني صور من الحياة التي ستكون لي بعد العملية، حسب الإمكانيات الكامنة فيما وصفوه لي.

في تلك اللحظة كانت لدي أفكار واضحة بالنسبة لذلك. رأيت من بعيد، ولكن بشكل واضح، الحريّة، الخفّة، اختفاء المخاوف، نوعمي وهي تحبّني وترافقني وتضاجعني، والفخر الذي كان سيملأ كياني، التحسّن، التوازن مع أناس كشقيقتي، وكنت مقتنعا بذلك تماما. فجأة اكتشفت أن السعادة والجرأة تسيران معي وكلاهما يملأ صدري بالفرح.

عادت شقيقتي وأغلق موسري الموسوعة ووضعها على الأرض. لا يوجد هنا أي شيء، قال لها، حتى إنني لم أتحمّس للصور. ساعدها في تخليص يديها اللتين كانتا محمّلتين بمليون جهاز وغرض: شرشف لاثنيْن، مصباحين ليليّين يُعلّقان على الحائط، مناشف، محارم ورق، معالق صغيرة، لاصقات وضمادات، شموع وكبريت، كؤوس بلاستيك، سكين يابانية، إبريق كهربائي، مئزرين مورّدين من البلاستيك، قصعتين من نوع فايريكس من المطبخ وقفازات لجلي الأواني، جديدة مغلفة في النايلون. فرشت شرشفا كبيرا على مسطّح عربة الشاي ووضعت عليها كل الأغراض. أشعل موسري شمعتين ومرّر الأدوات فوق اللهب ومن ثم رماها في قصعة مليئة بماء يغلي. ولا زلت أذكر كيف أن كلب الجيران الأحمق نبح ذهابا وإيابا على سيارة مرت في الشارع، وقد صرخ عليه مسافر فيها منشدًا مقطعا من أغنية افتتاحية مسلسل “هحبوبوت- الدمى المتحركة” الأمر الذي زاد من هيجانه.

اقتربا منّي ووقفا على جانبي الطاولة، وأنا في هذه الأثناء لم أستطع أن أرفع إصبعا أو أحرّك فمي من كثرة الويسكي والبيرة. هكذا، وأنا في وضعية اضطجاع على الطاولة، كان صعبا أن أرى ثدييّ لأنهما استويا تمامًا تقريبا بفعل قوة الجاذبية.

والمُضحك أنه كان لدي مرة من المرات حلم أن تختفي قوة الجاذبية فيتحرّك الجميع بحريّة إلى كل اتجاه يُريده، كرجال الفضاء، فأختار أنا التقدم بشكل أفقي، موازٍ للأرض، على ظهري، حتى لا يبرز نهداي.

بدا المئزران اللمّاعان لي مثل كوينسي ومساعديه وهم عاكفون على حلّ لغز حادثة موت لجثّة ممددة أمامهم على الطاولة، مغطّاة بملاءة لا تتيح رؤية أي شيء مُثير، وأنت تعرف أن النهاية الفظيعة والعنيفة التي كانت من نصيب الشخص الميت هي في الحقيقة بداية حياة الحلقة المُثيرة الجديدة. أنا وشقيقتي أحببنا جدًا هذا المسلسل، تحدث كلانا عن رغبتنا في أن يتولى محقق لطيف وشقي مثله حالتنا في حال حصل لنا شيء.

عندما اقتربت شقيقتي من السكين اليابانية كنتُ مهيئًا. أغمضت عينيّ وشددتُ قبضة يدي، كما كنتُ أفعل دائما لدى فحص الدم، وطلبت إليها أن تُخبرني فقط متى تبدأ بالجرح. أرشدها موسري ألّا تجرح أكثر من عرض الحَلمة، حتى تكون النُدبة أقلّ بروزا على خلفية البشرة الأغمق. أي عقل سوي لديك، يا حلو، قالت له، وأرسلت له قُبلة هوائية عبر المحرمة التي عقدوها على الأنف والفم، لزيادة التعقيم. خيط من الخوف بدأ ينسلّ من كفيّ القدميْن إلى الحُنجرة. بيد واحدة شدّت جلد الثدي وبالسكين رسمت الخط الذي ستقطع بموجبه.

مطاط القفازين دغدغ وخشخش وخلف على البشرة علامات بيضاء من البودرة التي يضعانها في العبوة للحفاظ على المرونة. في الحقيقة من ناحية الألم، لم أشعر البتّة فارقًا بين رسم الخط وبين الجرح العميق، عندما أدخلت الجانب الحاد من السكين ودفعته إلى الداخل. آلمني بالضبط بالقدر نفسه. وللحقيقة لا أريد أن أقول إنه ليس لدي كلمات أصف بها كيف آلمني وإلى أي مدى، رغم أنني حدّدت بعضًا من ذُرى الألم.

أظنّ أنه من شدّة الانفعال، أو لسبب ما آخر، نسيت شقيقتي أن تقول لي متى ستبدأ. لم تنظر إليّ ولم تقُل لي شيْئا بل بدأت بكل بساطة بالبضْع فيما كانت هي مستعدّة لذلك. أمسكت بشرتي بكلا الإصبعيْن وبدأت تفصلها عن كل الأنسجة البارزة والأعصاب والقِطع التي في الداخل.

من الصعب جدا أن نصف الفوضى داخل جسم الإنسان. في الكُتب والبرامج العلمية اعتدنا دائما على رؤية كل أنواع الرسوم للأوعية الدموية والعضلات والأعصاب، هناك يتمّ فرز العظام بألوان مختلفة، إلى أن نرى ذلك في الحقيقة، يُمكننا أن نظنّ إن الأمر منظّم على هذا النحو، ليس لدينا فكرة إن الأمور في الداخل في الحقيقة، مجرّد عجينة حمراء تذكرنا بقطعة بيتسا قديمة أكثر مما تذكرنا بشيء آدمي.

تحدّثا كثيرا خلال العمل، الأمر الذي أعاق تركيزي. كنتُ واثقًا إنهم في العملية يتبادلون النظرات فقط ويحدقون بقلق في شاشات الأجهزة ويمدّون اليد للممرضة كي تضع فيها مقصًّا أو ملقطا أو مقبضًا أو اسفنجة. إلا أن كليهما لم يردّا لسانيهما إلى حلقيهما. أشار موسري إلى أنواع من الأقسام والأنسجة داخلي وشرح لشقيقتي وظيفة كل واحد والمسافة تفصلها عن القلب الآن، لأن هذا ما أقلقها بشكل خاص. هدّأ موسري من روعها، طالما إنها لم تشعر بمقاومة العظام، فإنها تستطيع أن تعمل دون اهتمام، لأن القلب والرئتين محميان بواسطة القفص الصدري، وهو ما يستدعي الاجتهاد لاختراقه. والحقيقة إنه لم يتذكّر كل شيء، على أي حال مرت بضع سنوات منذ ترك الطب، لكنه استطاع أن يؤكّد على الأمور الأساسية، كما أخذ على عاتقه وظيفة وقف النزيف.

عملا سويةً بشكل ممتاز، لا بدّ لي أن أقول. بعد نحو عشرين دقيقة ونيّف انتهت شقيقتي من عملية البضْع والفصل في الثدي الأيسر فناولها موسري المعالق كي تغرف إلى الخارج كل ما هو في الداخل.

كان ذلك في منتهى البساطة، كما نأكل حبة الكريبفروت، فقط نُخرج اللب من القشرة، لكن بدل حزّ أصفر وأملس، خرجت مني كرة لحمة مستوية وتفرفر، حمراء تنزّ.

سدّ موسري بيد واحدة الفتحة بالمحارم وناولها في اليد الثانية إحدى القصعتين فدحرجت شقيقتي إلى داخلها ما كان ثديي ونظرتْ إليه كأنها منوّمة مغناطيسيًا، كما يُقال.

يلّلا يا دكتورة، حرّكي مؤخرتك، صرخ عليها بتحبّب لتعجيلها، لأنه رأى كم أفقد من الدّم الأمر الذي بات خطِرا. لا يمتلك شقيقك خزان دماء احتياطيا، قالَ، خسارة على كلّ نقطة. حتى عبر الزجاج المسلّح من الكحول الذي غلّف دماغي، حتى بالرغم من طريق الصخور الثقيلة التي تدحرجت على أعصابي، رأيت كيف إنها ستسير وراءه كالتابع. مَن لم يرَ شقيقتي تذوب من كلامِه هذا، ينبغي عليه فقط أن ينظر كيف تتحوّل الكلاب الحمقى والناس الأغبياء إلى لطيفين ومهتمّين بعد أن يتلقون الضربة على الأنف أو الرأس.

بعد استراحة قصيرة سمحا لي فيها أن أشرب قليلا من الويسكي ونصف حبة فاليوم وقليلا من الماء، لأن فمي تيبّس تماما، بدأ موسري يشتغل في الثدي الأيمن. كانت قفازاتهما ملطّخة بدم ليس بقليل، فأحضرت شقيقتي صحف الجمعة وفرشتها حول الطاولة لئلا ينزّ الدم على السجادة.

واصل موسري التقدّم بكامل طاقته. الآن، وقد اشتغل هو بالبضع، لم يسمح لنفسه أن يهذر ولم يسمح لشقيقتي أن تلهيه. أنهى تقريبا فصل كل الأنسجة، وكل ما احتاجه هو التعاون الأخير من شقيقتي لإنهاء الأمر، لكن موسري قال كفى، لا يُمكنني أن أستمرّ على هذا النحو.

تناول يديّ الاثنتين وكانتا مضمومتين بشدة إلى بطني، للتقليل من زفير الألم، ناولني محرمتي ورق وطلب إليّ أن أضغط على الجروح وألا أرخي حتى يعودا. بعد دقيقة أو اثنتيْن سمعت تشغيل كونسيرت في غرفة التلفزيون. مرّت الدقائق كما يُقال وبدأت أشكّ. كانت لديهما أسباب كافية ليتركاني على هذا النحو ويهربا. صحيح أنّ الوقت كان الرابعة فجرا، لكن لو إن أحدا دخل فجأة ورآني ممدّدًا على الطاولة، مجروحا ومضروبا كقطعة شنيتسل قبل القلي، من الصعب أن أصدّق أنه كان سيسمح لهما بمواصلة التدريب.

نزلت عن الطاولة ووقفت منحنيا فوق الجرائد من حولي. تقدّمت خطوة خطوة وأنا أمسك بصدري، كأنني أصبتُ إصابة مباشرة ولأقوم بإخلاء نفسي باتجاه قواتنا. وجدتهما يتدحرجان على الأريكة. طبعا، هذا طبيعي. من الصعب أن أقول إن الأمر كان رومانسيا جدا، مع كل الدماء التي سالت بين أصابعي والبُقع التي كانت على مئزريهما.

نزع موسري في هذه الأثناء قفازيه، وقد قفزت يداه على جسد شقيقتي واندسّتا في كل الاتجاهات كأناس في الطابور إلى السينما، بدون أي ذرّة من الصبر أو اللطف. أمكنني أن أخرّب عليهما أو أن ألاحظ لهما، وأن أندهش كيف إنهما سمحا لنفسيهما أن يتركا كل شيء في خضمّه، ربما هذا ما كان ينبغي أن أفعله، لكني فضّلت أن “أحلج” عائدا إلى الطاولة، وأن أبحث عن الوضعية التي تمدّدت بها سابقا، وأن أبحث عن الموضع الدقيق الذي شعرت فيه بالراحة.

عندما عادت شقيقتي إلى الطاولة كنتُ أرتجف بكل جسدي. اصطكت أسناني بسرعة خلّاطة وشعرت أنهم وصلوا بين دماغي وآلامي بكابل كهربائي.

نظرت إليّ نظرتها القلقة. ماذا يحدث، سألتني، هل أنت قادر على الكلام؟ لم أجبها، لأني لم أشأ. سيصل موسري فورا، قالت لي، لا تقلق، فهو يبحث عن شيء في أدوات الخياطة الخاصة بوالدتنا. حاولتُ أن أشير إليها إنني فهمت، لكن أصابعي كانت التصقت ببعضها من الدم الذي أخذ يتخثّر حولها، ولم تكن لدي القدرة على فتحها أو تحريكها.

عندما رأت شقيقتي أخيرا أنني في ضائقة كانت مضطربة جدا، من ناحية ثانية لم تعرف ماذا تفعل. أأنتَ تتألّم بشدّة؟ سألت. لم أشأ أن تُشفق عليّ، لا أسوأ من أن يشفقوا عليك. متأسّفة لأنني لم أحضر مسبقا خيطًا وإبرة، سنخيطك بسرعة ويكون كلّ شيء على ما يُرام.

لكن في الحقيقة كان كل شيء أبعد ما يكون عن “ما يُرام”. لم يجد موسري أدوات الخياطة فعاد بخفيّ حنيْن، تركته شقيقتي يراقبني بكل حواسه، هكذا طلبت منه، وذهبت تبحث في الخزائن. موسري أراد أن يعود إلى شغله وإنهاء ما يجب جهة اليمين. حاول أن يفصل الدم المتخثّر بمحارم مبللة بالماء حتى يستطيع مواصلة عمله، لكنه بدأ يُدرك أن وضعي ليس جيدا وإن كلّ دقيقة مهمّة.

ارتجفت بشدّة، تنفّست بصعوبة وبدأت تتراكم أمام عيني بُقع سوداء. لا أذكر ماذا حدث بعدها. أتساءل لمَ دائمًا عندما يفيق المريض في المسلسلات وهو في المشفى، يكون هناك مقطع قصير بدون فوكوس، ثمّ تتضّح الصّورة ونرى أن كلّ شيء أبيض من حوله، ووجه الطبيب أو الممرّضة يتبسّم أو يبدو عليه القلق.  لم يكن الأمر على هذا النّحو. استيقظت لبُرهة في سيارة الإسعاف، وبعدها لعدة دقائق في غرفة الاستقبال في المشفى، وما أذكره هو أنابيب من شتى الأنواع معلّقة حولي وأناس تحدثوا مع الجميع ما عداي. مكثت في المشفى مدة أسبوع تقريبا. حضر الأصدقاء كثيرا لزيارتي، كذلك نوعمي أرسلت لي السلام وسألت لتطمئنّ عليّ. كان علينا أن نختلق قصّة لنغطي على الفضيحة. في البداية قلقنا، لكن كان الأمر أكثر بساطة مما توقّعنا. اتهمنا كلب الجيران. روينا أنه جُنّ وقفز فوق الجدار وحاول عضّي في عنقي، إلا إنه استطاع أن يغرس أنيابه في صدري وإن بعض التعديلات البسيطة ستحلّ المشكلة. أدخلوا الكلب إلى الحجز لغرض مراقبته ثم أعادوه. تجوّلت أسبوعيْن مع قُطب وعندما حضرت لإزالتها اندهش الطبيب من استواء النُدب وأنها كانت مهنية بما فيها الكفاية من ناحية جراحية.

على الرغم مما قاله موسري، أعتقد أن ما حصل لم يُساعد كثيرا ما فكرته عن نفسي من قبل، أو شعوري تجاه البيئة والصبايا في حياتي. ولدي شعور إن الأمر غير ذي صلة، أو إن الثديين اللذين كانا لي ليسا الأمر الوحيد الذي غيّر الأمر.

على الرغم مما قاله موسري، أعتقد أن ما حصل لم يُساعد كثيرا ما فكرته عن نفسي من قبل، أو شعوري تجاه البيئة والصبايا في حياتي. ولدي شعور إن الأمر غير ذي صلة، أو إن الثديين اللذين كانا لي ليسا الأمر الوحيد الذي غيّر الأمر.


*القصة مأخوذة من مجموعة مولتي-سيستِمليوآب كاتس، يديعوت سفاريم، 2000.

 

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا