جوليا فيرمينتو | من:العبرية

ثلاثة رجال في أمريكا

ترجمة : راجي بطحيش

Image: Roy lichtenstein, In the Car, 1963.

 

1.عزيز

 

غرفتنا الصغيرة في موتيل 6 تنبعث منها رائحة جنس كئيب حاول شخص ما تنظيفه باستخدام العديد من مواد التبييض. نجلس أنا وجيرشون على السرير ونبدأ في إجراء الحسابات على منديل. ندوّن كافّة المبالغ التي بحوزتنا، بما في ذلك المبالغ التي من المفترض أن نستلمها خلال السنة؛ المنح الدراسية والهدايا من الأهل والمدخرات الطارئة. ثم نحسب كم ستكلفنا الحياة في أمريكا في عام 2016. يمتلىء المنديل الأبيض بالأرقام، ونصل إلى استنتاج مفاده أن لدينا خمسة آلاف دولار لإنفاقها على السيارة، دون قرش واحد زيادة. قبل يومين انتقلنا إلى لوس أنجلوس وأدركنا على الفور أنّه لا توجد طريقة أخرى هنا.

“إذا كان علينا أن نشتري، فعلينا بالسقف المكشوف. بليز جيرشي! السيارة المكشوفة ونحن في كاليفورنيا الآن”. يوافق جيرشي على الفور. “حتى لو لم يكن لدينا الكثير من المال، لا يمكننا التخلي عن الستايل”، أضمن أن الصفقة مقفلة.

ينظر جيرشي إليّ بعيون الماس الأزرق التي يملكها ويشير بأن نشرع في العمل. نرتبط بالإنترنت اللاسلكي في موتيل 6 (دفعنا مقابله مقدمًا 3.99 دولارًا) ونبدأ في البحث عن السيارات المستعملة. أجد على الفور سيارة BMW قديمة مع سقف قابل للفتح بسعر 4599 دولارًا.

“رائع، هكذا يكون حظ المبتدئين”، يمرر جيرشي قبلة على شفاهي ويتصل لتنسيق لقاء مع البائع.

“سنقوم بشراء سيارة!” أغلق باب سيارتنا المستأجرة والمتهالكة، في محاولة لتخيل شعور امتلاك مثل هذا الشيء الكبير والمكلف.

نتجه نحو مرآب السيارات في داون تاون. في كل مكان تطاردنا لافتات برتقالية تحمل كلمة sale””.

يتمشى جيرشي مثل الأمير بين السيارات في المرآب، يتلصص عبر النافذة، من تحت عجلة القيادة. لقد درس عالم، ولكنه أيضا مهندس، لذلك فهو يفهم في مجال الميكانيكا والمحركات. أنا لا أفقه شيئًا عن السيارات، لكنّني تعرفت على سيارتنا الـBMW وفورا بدأت الهواجس تدور في رأسي. كيف ستقف السيارة ذات السقف المفتوح طوال اليوم في ساحة انتظار السيارات في قسم الفنون أو تحت الأستوديو الخاص بي. ربما سينظر أصدقائي الجدد إلى بعين الغيرة، وقد يقول البعض في أنفسهم إنها صاحبة  ستايل.

يخرج مندوب المبيعات من كشكه، مع سماعة هاتف ملاصقة لأذنه، يلوح لنا للإشارة إلى أن الأمر سيستغرق بضع دقائق.

في هذه الأثناء، تصب الشمس علينا نارها كما لم يحدث من قبل. حتى في أصعب الأيام في إسرائيل، لا تشتعل هكذا. ونحن، سافرنا حتى في الطرف الآخر من العالم  لنصاب بنفس أشعة الشمس؟ لا أخبر جيرشي بأي شيء، فهو يحب فصل الصيف. أدعوه أن يأتي ويفحص البي إم دبليو فيتقدم بخطوات واثقة. هو يعلم أنه من المستحيل أن ينصب أحد عليه، ولا حتى أكثر باعة السيارات دهاءً في  أمريكا.

بعد بضع دقائق يخرج إلينا البائع بابتسامة عريضة، أسنانه بيضاء مثل جبنة القشطة. تم غسل بنطاله المخيط مرات عديدة جدا، كما أن باطن حذائه يبدو مهترئًا. أرى كيف أن بشرته محترقة من الشمس وأدرك على الفور أنه فقير.

“جئنا لرؤية الـBMW موديل 2000؟”

” نعم، نعم بالتأكيد”. يفتح باب السيارة، ينظر إليّ طويلاً بعيون بنية مستنقعيّة.

“سيارة لا بأس بها على الإطلاق، كل السيارات الألمانية لا مثيل لها” يقول، يبتسم بوضوح لجيرشي.

“هل يمكنني فتح غطاء محرك السيارة؟” يسأل جيرشي.

“بالتأكيد، بالتأكيد”. يتم رفع الغطاء وغرز القضيب.

يسرّح جيرشي شعره الخروبي بأصابعه ويضع رأسه الجميل داخل الأمعاء الغليظة لسيارة الـBMW. أرى أنه يفحص أنبوب الزيت ويفتح جميع أنواع الأغطية ويشمها. أنظر إليه بفخر، من هذا الجانب يبدو الأمر حتى  إعجابا. يعرف البائع أن الصفقة ضائعة، فجيرشي يعرف الكثير.

“من أين أنتم؟” يسأل ويشعل سيجارة. ما هذا السؤال الآن؟

“إسرائيل”، أجيب.

“هو أيضًا؟” يشير إلى أسفل ظهر جيرشي.

“اهه” أومئ، بالكاد أبتلع تعبير الامتعاض.

“نحن جيران إذا”، يكاد يربت على كتفي بقوة  لكنه يندم في اللحظة الأخيرة، مع ذلك كلانا في أمريكا الآن.

أسأل بأدب “من أين أنت؟”

“رام الله، اثنان وعشرون عاما في أمريكا”.

“والله، يا لها من مصادفة”، أجيب بابتسامة صغيرة على طرف فمي. في قلبي أشعر بالخيبة، هل جئت إلى أمريكا لمصادقة بائعي السيارات من رام الله في الشمس الحارقة؟

سرعان ما نتخلى عن سيارة BMW، ولا نأخذها حتى في جولة لتجريبها. يقول جيرشي أن هناك مشكلة مع البطارية، وأنه لا يوجد أي معنى لشرائها.

“دعينا نذهب إلى مرآب آخر. هناك الكثير من تجار السيارات هنا في المنطقة”. ويشير إلى المرائب. يجتمعون جميعًا معًا، محاولين اصطياد عملاء سذج مثلي أو حازمين مثل جيرشي، يحاولون وضع العمولة في جيوبهم، لتبرير وجودهم في عالم المحركات المستعملة.

$$$, USED CARZ FOR SALE, YOUR NEXT CAR IS WAITING HERE

” لحظة، انظر هنا”. أسحب جيرشي نحو سيارة قديمة، حمراء لامعة.

“ما الذي تبحثون عنه عمليا؟” يسأل مندوب المبيعات. مرة أخرى، ينظر إلي بضع ثوانٍ أكثر من المعتاد، أشعر بذلك على بشرتي. هو لا يحدق بجيرشي، ربما عيونه الماسية تردعه.

“لقد انتقلنا للتو إلى هنا، سأبدأ دراسة الماجستير في الفن. نريد سيارة رخيصة ولكن مع سقف قابل للفتح”، ابتسم له للمرة الأولى، في انتظار رؤية رد فعله على السقف القابل للفتح.

“أنا عزي، بالمناسبة، تشرفنا” يقول، ويربت على غطاء محرك سيارة التويوتا سوليرا.

تحتوي السيارة الحمراء على سقف أسود قابل للفتح، ومقاعد بلون بيج تبرز منها وسائد الكتف، وخدوش عامودية على الأبواب. عينا جيرشي تلمعان. عزي لا يقول كلمة، يتركنا نتفحص، ينتظر بهدوء حتى ننتهي من الفحص الدقيق. يقوم جيرشي برفع الغطاء مرة أخرى، ينظر في الأوصال، يقلب الأمعاء، ثم ينزل تحت العجلات. يتمرغ على الأسفلت في قميصه الأبيض.

يميل عزي على السيارة ويبتسم لي بابتسامة مصقولة.

“أريد أن آخذ السيارة في جولة، هل يمكنني ذلك؟” يسأل جيرشي. يومئ عزي موافقًا وندخل ثلاثتنا على الفور إلى السيارة.

يقود جيرشي، عزي بجانبه وأنا في المقعد الخلفي. يفتح عزي السقف، تمتد السماء فوقنا، يجتاحنا الهواء الأزرق وتصفر أشجار النخيل في آذاننا.

يشد عزي رقبته ويقول: “تعرفون، هذه هي المرة الثانية في حياتي التي أركب فيها سيارة مع شخص من إسرائيل. آخر مرة كانت مع جندي إسرائيلي في جنين. كان وحيدًا في سيارة جيب، تاه.  كم كان خائفا يا الله؟ “يضحك. “رافقته رجوعا إلى الحاجز”.

أبتسم قليلا. لحسن حظي، تحمي عدسات النظارة السوداء مشاعري. جيرشي لا يقول أي شيء.

“كم ثمنها؟” أسأل.

“ستة آلاف السعر النهائي. هذه سيارة لقطة… أقول لكم”.

يضم جيرشي شفتيه بشكل تظاهري وأقوم بنفس الشيء بعده، على طول الطريق رجوعًا لا نتفوّه بكلمة واحدة.

في المرآب، يأخذني جيرشي جانبًا ويهمس لي بأنه يحتاج إلى تعاوني.

“لماذا تهمس؟ إنهم لا يفهمون العبرية”.

“اصغي قليلا. قرأت على الإنترنت عن طريقة للتفاوض عند شراء سيارة مستعملة”. ينظر إلي وكأنه عميل موساد.

“يبدو الأمر مشبوها جيرشي”، تبدأ مقلتا عينيّ بالتراجع، فقط في اللحظة الأخيرة أتمكن من السيطرة على نفسي.

“هناك شيء يسمى Rack-and-Finion، إنه شيء في آليات السيارة، ضمن نظام التوجيه. من الصعب جدا معرفة ما هي حالته. هل تفهمين؟ ويمكن أن يؤدي لفرق ألف دولار بالسعر”. يغمزني، في محاولة لإذابة قلبي.

“جيرشي، أنا لست-” في طرف عيني أشاهد عزي يقترب منا. يسير منتصبا ولكن شغفه لبيعنا التويوتا ينقط خلفه على الأسفلت.

“سايريني، حسنا؟” يرسل لي جيرشي نظرة مثلما يفعلون في التدريب العسكري. وأنا، على ما يبدو أنني لم أخدم بالجيش، أوافق دون أن أطرح أسئلة.

” جيرشون، تشرفنا”.نحن معه منذ نصف ساعة والآن فقط تذكر أن يقدم نفسه” سُميت على اسم جدي، يرحمه الله. إنه اسم توراتي”. يشرح لعزي، تتدحرج عيناي مرة أخرى. هذه المرة لا أستطيع أن أوقفهما لذا أركن رأسي نحو الأسفل ، أتظاهر بأنني أبحث عن شيء في قاع الحقيبة.

“اسمع، نحن نريد السولارا الحمراء. صديقتي تريدها حقا. هي تحلم بسيارة مكشوفة السقف. أنا أجاريها.” يضحك. عزي ينظر إليه دون أن ينبس ببنت شفة، وأنا أقف صامتة أيضًا.

“لكن هناك مشكلة مع الـ Rack-and-Finion، لقد درست الهندسة، ببساطة. باختصار، أقترح ما يلي، أخصم لنا ألفًا من السعر وانتهينا”.
“لا، لا. مستحيل”، يقول عزي. ويشرح لنا أنه فحص السولارا بيديه، وأنها سيارة ممتازة، وأن أي شخص لا يشتريها بهذا السعر هو أحمق لا يهتم إلا بالمظاهر. يسخن جيرشي، فهو يرغب بالسولارا أكثر فأكثر، لكن عليه أن يهزمه بالسعر، في حال لم يهزمه بالسعر، فإن عملية الشراء لن تتم.

يواصلان الجدال حول المفصلات والعجلات، وكلها بالمصطلحات الإنجليزية  التي تسمعها أذناي العذراوان. يصر جيرشي على أن Rack-and-Finion يدلف أو مكسور. يشرح عزي له بأنه مخطئ، وأن ذلك هراء لأن Rack-and-Finion عمره عشر سنوات.

“اسمع يا كريس، نحن جديدان في أمريكا، وصلنا قبل يومين وليست لدينا فكرة كيف تجري الأمور هنا. نريد شيئا نسافر فيه إلى الجامعة كل يوم. اسمع الآن، لدينا سيارة مستأجرة لغاية صباح الغد وخمسة آلاف دولار في الجيب. إذا وافقت، أعطيك المبلغ نقداً ونخرج من هنا مع السولارا الخاصة بك”.  ينظر عزي إلي وأنا أحاول أن أفهم لماذا يبحث عن تصريحي.

“لا حاجة لإيصال” يضيف جيرشي ويربت على كتفه.

وأنا …أنا أفكر في الشمس وأشجار النخيل، رام الله ، أمريكا. وكيف أن الأوهام في الرأس دائمًا ما تكون مختلفة تمامًا عن الطريقة التي تتحقق بها الأشياء في الواقع، وكيف يصدمني ذلك في كل مرة من جديد.

“ماذا تقول؟” يسأل جيرشي بصوته الناعم.

“أقول حسناً، لكن” لا ينتظر جيرشي سماع بقية الجملة، يهز يد عزي ويستدير إلي. “حسنا، ماذا تقولين؟ لقد “دبرت” سيارة مع سقف مكشوف، وهذا ما كانت جدتي تقوله –يا ولدي يا لها من صفقة!

“لكن انتظر لحظة” يقول كريس. “دعني أتحدث مع رئيسي لمدة دقيقة واحدة” يقول وهو يبتعد عنا حتى يبتلعه بئر السلم فوق المرآب، ليتركنا مع سياراتنا الجديدة.

عندما نصبح بمفردنا، لا أستطيع التماسك وأستدير بخطوات راقصة حول التويوتا الحمراء.

“لا أستطيع أن أصدق أنه الأمر نجح”. يمسكني جيرشي ويقبلني في خدي. “لقد كتب في المنتدى أن هذه الطريقة تنجح بنسبة 78 في المئة من الحالات”.

ثم نجلس على الرصيف ويشعل جيرشي سيجارة.

“هل تستوعب أن هذه السيارة المذهلة ستنتظرني كل يوم خارج الاستوديو؟”

“انتظري، انتظري. سوف آتي لأقلك بسقف مفتوح. سوف تقفزين إلى الداخل، ترمين الحقيبة في المقعد الخلفي”، يبتسم جيرشي بابتسامته الجميلة، تتسع عيناه، تخفيان الماسة. أقبّل وجنتيه الورديّتين، وشفتيه الناعمتين اللتين رتبتا لنا هذه الصفقة.

“ما الذي حدث له؟” مع نصف سيجارة تتأرجح بين شفتيه، يمد قدميه على الأسفلت ويأخذ الهاتف من جيب الجينز.” هو هناك منذ عشر دقائق”.

“ربما نصعد إليه؟” أقترح عليه ثم نقف سوية، نتدرج معا نحو المكتب مثل العروس والعريس على الطريق إلى مظلة الزفاف.

أطرق بخفة على الباب المفتوح وأنظر في الداخل.

“من أين جئت بهؤلاء الناس؟” يضرب مدير عزي بقبضته على الطاولة. تطيّر موجة الغضب شعره الأسود الطويل بحركة متموجة في الهواء.

“هؤلاء الزبائن الذين تحضرهم؟ هذا ما أدفع لك مقابله؟” يقف المدير ويقترب من عزي، وعلى الرغم من أنه أقصر منه بمستوى الرأس، إلا أنه يبدو أكثر تهديدًا.
يقف عزي بأرجل ثابتة. يشبك يديه خلف ظهره، وهي تحتك بالحائط البارد. يثبت  نظرته في الأرض.

“أنا هنا لبيع السيارات، وليس للعب. خفضت لهم ألف دولار؟ سوف أنزل لك رأسك!”يصرخ، ويلقي بيده باتجاهه. ينحني عزي غريزيًا. للحظة تتعلق عيناي بعينيه، تمتزج الحرارة بالحرارة.

“هاي، هل يمكن الدخول من فضلك؟” أسأل. ها أنا أكتسب السلوكيات الأمريكية.

“بالنسبة للتويوتا سولورا  الحمراء، نحن نرغب في إتمام الصفقة”.

يتدلى وجه عزي مثل كلب مربوط بسلسلة حديدية لكوخ مبيت للكلاب، كله استسلام وخضوع.
يجلس الرئيس في كرسي الحاسوب الفخم الذي يكبره بعدة مقاسات. هذا الكرسي هو القطعة الأغلى في الغرفة، وبقية المكتب متهالك. يبث المدير ملكية لا لبس فيها على المكان، ويصل شعره اللامع إلى الكتفين. أعرفُ أنه يحمل دمًا هنديًا.

يتوجه عزي إليه، أرى أن الخوف يهز ركبتيه. لا يتحرك الرئيس. يحدق في بقعة غير واضحة في الحيز، يثبت يده فقط على الصندوق البلاستيكي مع الملاحظات الزرقاء على الطاولة. أخشى أنه لتوّه سوف يطرقها على جبهة عزي، وعزي البطئ في جسده ودماغه، يقف هناك، الدم يقطر على جبينه وبالكاد يتم امتصاص الخجل في قميصه.

أنظر إلى عزي وأحاول إيقاف الدموع من شدة الشفقة. كيف كان يقف بجانبه فقط لإنهاء هذه الصفقة، والتخلص من السيارة البائسة.

“أحمق، أنت حقا أحمق”. يرفع الصندوق البلاستيكي في الهواء.

“أتركه!” أصرخ، وتنتشر جميع وريقات الملاحظات الزرقاء على الأرض، فتخلق فسيفساء مكتبية.

“اسمع، هذا ليس خطأه. لقد ضغطنا عليه” أقول وأتلقى من جيرشي نظرة جليدية.

“اسمع، بيزنس إز بيزنس. البشر أكثر أهمية. لا أريد، أن يخسر عزي، لمجرد أنه وافق على منحنا خصمًا، وظيفته. لذلك دعونا ننسى كل ذلك، حسنا؟”

“من تظنون أنفسكم بحق الجحيم؟” يقترب مني، تهبط رشات من اللعاب جراء صراخه على شفتي. ثم يتدخل جيرشي، ويدفعه بعيداً ويرميه في كرسيه.
Get the fuck out!
نفرّ من هناك جريا، ونحن بالكاد نتعثر بالدرج، يدق قلبي كما في الأفلام. يسحبني جيرشي إلى سيارتنا بينما أبكي وأبكي، وأنتحب مثل دمية الخرق. في اللحظة الأخيرة، قبل ثانية من غروبنا بعيداً، أتطلع إلى المكتب فوق المرآب وأرى خيالين أسودين داخل مربع من الضوء الأصفر.

* * *

2. مايكي

 

يدخل البروفيسور مايكل رايت الفصل الدراسي ويضع الحقيبة الجلدية على الكرسي بجانبه، يصفع نظارات الراي-بان على الطاولة ويضحك. “طلاب الفن يرتعدون خوفًا في أول ورشة لهم في الفلسفة” ينظر إلينا، وينفجر ضاحكا. “بحلول الأسبوع الرابع سوف تدركون أن كل شيء هراء وستتوقفون عن الارتجاف مثل الأطفال في الحضانة”.

مايكي في الستين من عمره ويبدو بحالة سيئة وجيدة معا نسبة لعمره. من ناحية، لديه كرش كبير ويفتقر إلى السن السفلي، حتى شعره الرمادي يتدلى. من ناحية أخرى، تدرك على الفور أنه رجل جميل حقًا. من السهل أن نتخيل كيف كان لا يزال يمتلك ملامح صبي في العام الماضي. ولكن بالنظر إلى الوراء، أفترض أن الكاريزما التي امتلكها كانت جذابة للغاية. لهجته النيويوركية، رائحة الكحول المنبعثة من فمه، انتقاده اللامحدود لأمريكا والطريقة التي يتحدث بها الألمانية.

بالصدفة تسجلت لورشته حول مدرسة فرانكفورت فقد نصحونا بدراسة دورة واحدة في الفلسفة وواحدة في الأدب في السنة الأولى، وقررت أن أنتهي من ذلك في الفصل الأول.
يتحدث مايكي عن هوركهايمر، أدورنو وماركوزه  كما لو كانوا أصدقاءه. إلى جانب ذلك، كل ما كان يهمه هو الفاشية في أمريكا. في كل شيء، كل غرض، كل شخص لم ير سوى تجسيد للفاشية في أمريكا.

تسكع في لوس أنجلوس مثل لاجئ تم جرفه نحو شواطئ المحيط الهادئ، غير منتم أبدا، مقرفص وغاضب في معطف الصوف الأسود والسجائر في فمه. بدا لي مايكي كمن يستطيع أن يكون في نيويورك فقط. محاط دائما بالغرباء والفقراء والثوريين. يزفر داخل الهواء المتجمد. هنا فقط تجول بين العضلات المصنعة، الأسنان المبيضة والابتسامات التي لا نهاية لها. لقد أطلق على ذلك “وعي كاليفورنيا السعيد” ولم يستطع تحمله. تخيلته يعود إلى المنزل كل ليلة ويجلس أمام الكمبيوتر مع زجاجة من النبيذ، يقضي على نصف علبة من المارلبورو الأحمر ويشاهد صور تحرير معسكر بيرجن بيلسن.

أكثر ما أعجبني في ندوة مايكي (بصرف النظر عن الاهتمام الخاص الذي أولاه لي، الإطراءات التي أغدقها على تعليقاتي وضحكه المدوي عندما أصاب بالبلبلة بين العقل الباطن واللاوعي) هو الطريقة التي قرأ لنا فيها أدورنو. حيث تحولت شلة الفنانين المتعجرفين على الفور إلى دائرة من الأطفال المفتونين في ساعة سرد قصة، بحيث يسيل لعابهم على الصفحات. خلال فترة الاستراحة، لم نكن نعرف كيف نتعامل مع أنفسنا، فجأة تراجع نشاط الدماغ إلى الصفر، بدا العالم يائسًا جدًا، وكنا بالكاد نستطيع قضم الشطيرة. وحده مايكي كان يجلس تحت شجرة الأوكالبتوس ويدخن مستمتعا، وهو الشخص الوحيد في جامعة كاليفورنيا الذي سمح له بالتدخين في الحرم الجامعي. سمحوا له بسبب الكاريزما التي تحلى بها ولكن أيضا لأنه كان مدمرا، حيث أصبح مدمنا على الكحول منذ توفي ابنه في حادث سيارة.

في قسم الفن قالوا إنه يحب النساء البدينات، وقد أخبر طلابه بذلك بنفسه في إحدى محاضراته حول ماركس، وضحكوا من أنه على الرغم من كونه ماركسيًا متزمتًا، شيوعية طوابير الطعام، لم يكن هناك من يمارس الجنس معه.

في البداية اعتقدت أنني أريد أن أنام مع مايكي، ظننت أنني أريده أن يضاجعني في مكتبه، في حمام مطعم، في السرير أيضا. في البداية اعتقدت أنني أريد بشدة مضاجعة مايكي، وآمنت أيضا أنه كان من حقي كطالبة وفنانة مضاجعة أستاذ الفلسفة.
في اليوم الذي جاء فيه إلى الصف بحذاء مسنن من المقدمة مثل الإيطاليين المشبوهين، مثل البورتوريكيين الذين يضعون الجل على الشعر، مثل أساتذة الفلسفة،  أدركت أن مايكي وأنا يجب أن نسافر معاً إلى المكسيك. قلت ، سنأخذ سيارتك الـBMW ونعبر الحدود إلى تيخوانا، يتطلّب الأمر ساعتين ونصفًا بالسيارة، هذا كلّ شيء. أنت تجهز الحقيبة في المنزل، وأنا أجهز الحقيبة في المنزل ونسافر معاً بعد الدرس. أعتقد أن ميكي تردد في البداية حول ما إذا كان من المحبذ أن يسافر معي إلى المكسيك. كان خائفا من فقدان وظيفته، وبحق. حاليا من المستحيل النوم مع الطالبات ببال هادئ. أكدت له أنه لو كانت هناك طالبة واحدة في الكون كله يمكنه أن  يشعر معها أنه آمن، فتلك هي أنا. وأنني لا أهتم به سوى لرغبتي في الحصول على قصة جيدة حول مغامرتي الرومانسية القصيرة مع أستاذ الفلسفة في المكسيك. ضحك مايكي كثيرا من جوابي، ثم وضع ملبسة النعناع في فمه ووافق. كانت ابتسامته جميلة جداً، وعيناه تلمعان كالبنانير. عندما ابتسم مرة أخرى شاهدت مجددا السن المفقود من فكه السفلي وامتلأت بخوف رهيب، لكنه بحكمته أغلق شفتيه فورا، وقال إن الدرس كان على وشك أن يبدأ. غادرنا مكتبه معاً وعدنا إلى الفصل الدراسي.

واصل قراءة أجزاء من Minima Moralia لأدورنو لأكثر من نصف مدة ساعة بعد انتهاء الدرس لكن ذلك كان ممتازا بحيث لم يجرؤ أحد على القيام، ولا حتى أولئك الذين كان لديهم درس بعدها أو أولئك الذين كان من المفترض أن يتوجهوا إلى المكسيك.

بعد وقت قصير من اختفاء جميع الطلاب، نزلنا أنا ومايكي إلى موقف السيارات ودخلنا سيارته الـBMW السوداء، التي كانت تفوح بعطر بوربون. استقر مايكي أمام عجلة القيادة ، أخرج ملبس النعناع من الصندوق المعدني، ورفع صوت المذياع.

About some useless information

Supposed to fire my imagination

I can’t get no, oh no no no

أطلق بشدة ضحكته المغرغرة ونظر إلي.

” لا أعرف، أنا لا أؤمن بالمصادفات”، قلصت كتفي.

ابتسم لي ابتسامته المرحة التي تخص العقل الباطن واللاوعي حيث سخن خدي فورا وجسدي كله الذي لم يكن يعرف ماذا يفعل، وكيف يجلس وكيف يضع حزام الأمان ومايكي بجانبي يقلص شفتيه ويحدق بي. هو أيضا لم يكن يعرف ما يجب القيام به، وكيفية بدء تشغيل المحرك، وكيفية الرجوع إلى الخلف. في النهاية نجح وغادرنا موقف السيارات ومن ثمّ الحرم الجامعي كله.
فكرت بأمور أستطيع أن أقولها لمايكي، أمور غريبة، أمور مضحكة، أمور يرويها الأشخاص من الجانب الآخر من العالم. ولكن بالنسبة لي، كان مايكي نفسه شخصًا من الجانب الآخر من العالم، وكان طريفًا جدًا بالنسبة لي لدرجة أنني بالكاد كنت أفكر به كإنسان. مرّرنا الرحلة بأكملها حتى الحدود بصمت غريب غير محرج، غير مريح. صمت قائم. شعرت أحيانًا وكأنني سأبكي، ولكن حينها نظرت إلى مايكي فانبلعت دموعي راجعةً إلى مكانها.

أشعل مايكي سيجارة وقدم لي واحدة، على الرغم من أنني مصابة بالربو وسيجارة واحدة يمكن أن تدمر رحلتي بأكملها إلى المكسيك لم أستطع كبح جماح نفسي.

“قد أموت، أعاني من الربو، ربو صعب للغاية. قد لا نصل إلى الحدود.” استنشق بعمق من المارلبورو إلى رئتي الضعيفة.

“ومع ذلك، كان الأمر جديرًا”، يغمزني ضاحكًا.

أخرج رأسي من النافذة، تاركة الريح تصفعني أعتق السيجارة على الطريق السريع. لم ينتبه مايكي، فقد قاد بسرعة كبيرة، يائسا لعبور الحدود إلى المكسيك. حيث لا توجد حروب ولا قوانين.

“لقد لاحظت على الأرجح أن الناس في كاليفورنيا يرتدون سياراتهم”، قال ذلك وتجاوز بقسوة سيارة هوندا عائلية. تذكرت سيارة التويوتا سولارا الحمراء التي كانت ستصبح ملكنا تقريبا، وقد ملأني الحزن ومن ثم الخجل من أننا ساومنا في نهاية الأمر على مازدا 6 موديل 2006.

طلب مني مايكي أن أحدثه عن عائلتي فحدثته عن والدَي وأخي. وقد حرصت على إدراج التفاصيل الأكثر بديهية ومللا ومع ذلك كان يبدو مصغيا للغاية، أطعمني المزيد والمزيد من الأسئلة وأعاد ورائي نهايات جملي. بعدها طلبت منه أن يحدثني عن عائلته فحدثني عن المدرسة الثانوية التي أدارها والداه في برونكس، حيث كان أبوه المدير وأمه معلمة للإنجليزية. وحول أخيه الذي أدركوا من جيل صغيرة أنه سيصبح محافظا متزمتا وحول أخته الكبرى التي استأجرت شقة لوحدها في منهاتن وهي في الثامنة عشرة، في سنوات الخمسينيات، حقا؟ كان يبحث عن انفعالي وقد حصل عليه دون أدنى عناء.

” ماذا كنتم تتناولون على العشاء؟” سألته.

“نقانق، بطاطا، فاصوليا خضراء، وجزر سوتيه كنت أكرهه”، أجاب.

واصلنا هكذا مع التفاصيل الأكثر بديهية والأكثر مللا إلى أن وصلنا حدود سان دييغو– تيخوانا، معبر الحدود الأكثر اكتظاظا في العالم كله.

ترك مايكي سيارته الـ BMW في الموقف على الجانب الأمريكي ثم تخطينا الحدود سيرا، لم يسألنا موظفو المعبر المكسيكيون شيئًا. استقلينا سيارة أجرة.

“فندق لوكارنا، لو سمحت”، قال للسائق.

” هل تعرف المكان؟” سالت.

“كنت هنا عدة مرات، أنا أحب هذا الفندق” قال وحدق في الخارج عبر نافذة المقعد الأمامي، عبر نظاراته الراي-بان السوداء.

“ذات الخراء الموحد مثل كل الفنادق التي لا تكلف ألف دولار في الليلة، وتلك أيضا موحدة بذات الشكل”. أدار لي رأسه للحظة ومن ثم أعاد بصره نحو الخارج، لم يقل شيئا، لا للسائق، ولا لي. ترددت بقول أي شيء لكن ذهني كان خاليًا من الأفكار وفمي كان فارغًا من الكلمات. عيناي فقط كانتا تتابعان مختلف الألوان منحولهما، لم أجرؤ على القول لمايكي أن تلك كانت المرة الأولى لي في المكسيك.

كان لوكارنا بحق فندقًا موحدًا. زينت كل غرفة في المبنى بشرفة دائرية محددة بالحديد المذهب. اتفق مايكي لنا على غرفة لليلة، أعطونا الجناح الممتاز. تم كل شيء بهدوء وبشكل رسمي، تخيلت أن مايكي سوف يمزح ويتحدث إلى الجميع، وأن الجميع سيحبونه ويضحكون على نكاته. لكنه لم يتحدث إلى أحد؛ ليس مع الحارس على الحدود، وليس مع سائق سيارة أجرة، وليس مع موظفي الاستقبال في الفندق، وبالكاد معي.

حتى داخل الغرفة كان عامًا جدا، لكن كبيرا ونظيفا وقد أعجبني ذلك. دخل مايكي للاستحمام واستلقيت أنا على السرير وشغلت التلفزيون، صاح مختلف الأشخاص باللغة الإسبانية، وصفق آخرون بحماس، ابتسمت سيدة جميلة. تذكرت فجأة أن مايكي كان يكره التلفزيون، “التلفزيون هو رسول الشمولية”، قال لنا في أحد الدروس. “كل شيء مجنّد، حتى ما تعتقدون بأنه نقدي فهو مجند”. أطفأت الجهاز وخرجت إلى الشرفة الدائرية مع القفص الذهبي  لتأمل تيخوانا في فترة ما بعد الظهر. كان الهواء رماديًا، كذلك المتاجر وبشرة وجوه الناس.

خرج مايكي من الدش نظيفًا وحليقًا، وهو يرتدي بنطال جينز وقميصاً أبيض مزررًا وجاكيتًا مخمليًا أسود. حتى أنه انتعل حذاءه المسنن. قال أنه سينزل إلى البار لتناول مشروب وأن أنضم إليه بعد أن أنظم أموري.

عندما خرج من الباب، تساءلت عمن كان هذا الرجل  الغريب الذي يشاركني غرفة فندق في تيخوانا، لكن لم يكن لدي أي جواب. ما هو مؤكد أنه لم يكن البروفسور مايكل رايت الذي أردت السفر معه إلى المكسيك.
بعد الحمام وجدت مايكي في الطابق السفلي في حانة الفندق. كان قد تناول مشروبين، والآن كان أشبه بأستاذ مايكل رايت الذي أردت أن أسافر معه إلى المكسيك. تحدّث إلى النادل وكان سعيدا جدا لرؤيتي. شعرت أن كل شيء طبيعي وليس جنسيًا، وفي نفس الوقت كان غريباً وخياليا كما لو كنت أقضي عطلة نهاية الأسبوع مع إرنست همنغواي.

سألني بينما كنت أجلس بجانبه في البار: “كيف كان الحمام؟”

“عظيم، حقا” أجبته، وأنا أتلصص داخل كأس شرابه الفارغة. ضحك.

“ما الذي كان عظيما جدا به؟”

“لا أعرف، الماء المغلي ورائحة الكلور؟ أوه، كما لم يكن لدي أي تأنيب ضمير بشأن الماء الذي أهدرته”.

“سبب مقنع لقضاء العطلة في المكسيك” قال، وفي هذه المرة جعل نفسه يضحك.

طلبت مارغريتا مجمدة وحصلت على كوب كامل من البراد الكحولي مع مظلة صفراء. سألت ميكي إذا كان يعتقد أنه من المحرج طلب المارغريتا في المكسيك، وكأنه كليشيه سياحي مبتذل. بالكاد كان لديه رد فعل، ثم قال لا، على الإطلاق، ولكن يبدو أنه لم يفهم سؤالي.

ذهبنا لتناول العشاء في مطعم أسماك كان يعرفه، والتهمنا المحار هناك بمتعة كبيرة. أثناء الوجبة، لم يظهر مايكي فكه السفلي، حتى ولو لمرة واحدة. شربنا المزيد من كؤوس النبيذ الأبيض مع الطعام، ولنقل أننا ثملنا كما يجب. مع الثمالة كانت هناك أحاديث مثيرة للاهتمام، النميمة حول الأساتذة في القسم، الجنس المحور مع الطالبات، تجارب الـLSD وغيرها من القصص عن الجنس ، غير المحور  ولكن ليس الأقل إثارة. مثلا في المقعد الخلفي للسيارة، في المراحيض الجامعية، في الطبيعة، إلخ. سررت بأن مايكي قد تحدث وداهمته هذه المرة بالأسئلة مع تكرار نهايات جمله.
بعد كأسين من البينديكتين، طلب مايكي الحساب. بالكاد نظر إلى النادل، فتى مكسيكي نحيل يبلغ من العمر خمسة عشر أو ستة عشر عاما. حاولت أن أنظر إليه، أمنحه ابتسامة متعاطفة، أعبر له عن تضامني، لكنني لم أتمكن من القبض على عينيه.

اقترحت أن نخرج لنزهة سير قصيرة، لهضم الطعام، لكن مايكي قال بأنّه لا يشعر بخير فاستقلينا سيارة أجرة مباشرة إلى الفندق. عندما اقتربت العربة من الفندق، اجتاحتني موجات من الخوف والرعب. ماذا سيحدث في الغرفة؟ ما الذي سنفعله في الغرفة؟ ماذا عن مايكي؟ من هو مايكي؟ ثم وصلنا إلى مدخل فندق لوكارنا، وعندما شعرت بأنني سوف أتقيأ كل المحار المحشور في معدتي، توقف السائق وخرجنا من سيارة الأجرة. لا أعرف ما الذي فعله مايكي عندما كنت أتقيأ في الحمام  ولكن عندما خرجت من هناك بمعدة خاوية وجدته مستلقٍ على السرير يحدق في السقف. الغرفة، التي كانت كبيرة جدا عندما دخلتها لأول مرة، تقلصت إلى حجم زبيبة. جلست على المقعد جوار التلفزيون ونظرت إليه. لم يكن لدي ما أقوله وربما له أيضا. كان يدخن ويدخن حتى امتلأت الغرفة بالدخان. بعد ساعة من التحديق والجلوس على المقعد، استسلمت وانتقلت للاستلقاء على السرير جواره.

All Okay? Yes, all Okay.

لم يعد باستطاعتي تحمّل الصمت أكثر ولا حتى عدم الحركة في السرير، فجأة امتلكت الشجاعة لأسأله كيف مات ابنه. استدار مايكي إلي، وكرشه يتدحرج ببطء باتجاهي.

“حادث طرق. كان في السابعة عشرة من عمره وكان يقود سيارته مع صديقته تايلور. انقلبت سيارتهم على طريق 5. نجت لكن ساقيها بترتا، وهي الآن على كرسي متحرك. أحيانا أتصل بها لكنني أسمع بصوتها أنها لا تحب ذلك. كان لديها شعر أشقر طويل، عيون زرقاء، وجه ملاك أميركي، كما تعلمين. كانت دائما ترتدي المعاطف العسكرية. أنا وليندا أحببناها كثيراً، لقد كانوا مقيمين لدينا في البيت طوال الوقت. ثم ثمل جويل في إحدى الليالي وهكذا”.

استدار مايكي إلى الجانب الآخر وانكمش مثل الجنين. فجأة أصبح جسمه ثقيلاً على السرير، وكأن حجرًا بوَزن طنّين نام هناك. خفت أن يغرق أسفل من خلال الفرشة وأن يعلق جسمه في الأعمدة الخشبية وألا أجد طريقة لإنقاذه. أعتقد أنني سمعته يبكي ولكن ربما يكون قد اختنق فقط من كثرة السجائر. بحذر وضعت رأسي على كتفه ووعدته بعدم إخبار أي أحد.

* * *

 

3. جيرشون واليوم الأول الذي كنت فيه سعيدة في أمريكا

في البداية لم ندرك أننا فقراء، ولكن منذ وصولنا إلى أمريكا، أصبحنا فقراء. ليس ذلك معناه أننا كنا في تل أبيب أغنياء، ولكن هنا بذرنا المال. أحضرنا  من البلاد عشرة آلاف دولار بأوراق من فئة مئة دولار وربطناها في محفظة تحت الحجاب الحاجز. تلك كانت أموال هجرتنا، خططنا لشراء سيارة، دفع إيجار شقة، النفقات الأساسية. عمليًا، ما حدث هو أننا كنا نمد أيدينا لمحفظة الحجاب الحاجز كل يوم.

أمضينا أسابيع في الفنادق وقاعات الطعام إلى أن ننظم حياتنا الجديدة. كنا منهكين من قضاء الليالي على المراتب المكورة، من الحمامات مع العفن والطعام دون قيمة غذائية. كنت انفجر في البكاء، وأعتقد أننا لن نتدبر أبدا. لكن جيرشي لم ينكسر، كان من الواضح أن الهزات والموتيلات لم تؤثر عليه. قال إننا سننجح بالتدبر، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فإن الفشل دائمًا هو احتمال.

في كل مرة كنت في حالة يائسة كان يقول “يمكننا دائما العودة الى تل ابيب”.

صرخت، وبدأت أتشاجر معه: “لن نعود أبداً إلى تل أبيب!”

لكن جيرشي لم يوافق على الخصام، فقد تراجع داخل نفسه وتجاهلني، فواصل القيادة بهدوء أو مشاهدة التلفزيون. سرعان ما كنت أمد له يدي، لنتبادل القبل ونتصالح ونصبح  سعداء مرة أخرى مثل أسماك ذهبية دون ذاكرة.

بعد أن اشترينا المازدا 6، كانت المهمة التالية هي العثور على منزل. كانت الشقة التي رأيناها في شارع فينش جميلة مثل منزل الأحلام، مع أرضية خشبية ونوافذ في كل اتجاه. كلانا وقع في حبها فورا. أيضا، وبما أننا أردنا إنهاء العلاقة مع الموتيلات، قررنا الاستئجار بما يتجاوز قدرتنا. فلم نساوم قط.

“نعم، سوف نأخذ الشقة”، أبلغنا الوكيل العقاري.
قد نكون أخطأنا في الحساب أو أننا ببساطة انبهرنا بسحر العقار، ولكن اتضح مما لا شك فيه أن هذا ما قضي علينا. ذهب 90 في المئة من الراتب إلى الإيجار وخصصت البقية للاستثمار في الغذاء والوقود. قمنا بتأثيث المنزل مجانًا تقريبًا من الأشياء التي وجدناها في الشارع أو اشتريناها بثمن بخس بمبيعات عرضية. كل دولار صرفناه خرج بمعركة. من ناحية، أصر على الحفاظ على مكانه في أسفل المحفظة، ومن ناحية أخرى أصرت أصابعنا اللاصقة على اجتثاثه ونقله إلى المالكين الجدد.

توقفنا عن تناول الطعام في الخارج، لم يلامس الكابتشينو شفاهنا. قمنا بالتسوق في سوبر ماركت مكسيكي في جنوب المدينة كنا نسافر إليه لمدة أربعين دقيقة حيث باعوا هناك كميات هائلة من المواد الغذائية بأسعار رخيصة. كان ذلك جهنمًا ضخما من أجنحة الدجاج في حزم من مائة ومايونيز في دلاء. عند المدخل أخذنا عربة وسرنا يدا بيد بين الممرات. كنا نشعر بالدوار، تواجدت هناك كل خيرات استيراد القارة العظيمة، ولكن لم يتم وضع أي منتج في عرباتنا قبل أن نناقش ضرورته المطلقة. اشترينا نس كافيه

 في إبريق بلاستيكي وشوالا يحوي كميّة تسع كيلوغرامات من الأرز. تبادلنا القبل قرب الخضار.

قال لي جيرشي: “هذه ليست باريس”.

“أفضل من باريس”، أجبته.

في الصندوق دفعنا 92.80 دولارًا وخرجنا بأكياس معبأة وعيون متلألئة. خطّطنا تناول كلّ شيء معا، خطّطنا لمدة أسبوع.

وقال جيرشي مشيرًا الى شوال الارز الضخم “هذا غراؤنا”.

بدأت دراستي بالفعل وقضيت معظم أيام دراستي بالجامعة. لم يعثر جيرشي على وظيفة، وفي نفس الوقت لم يبحث أصلا، كانت تلك شهور عطلته. أمضى الأيام ببطء، فالشمس أقل سخونة الآن، وقد تجول مع كتاب تحت ذراعه، فنجان من النسكافيه بمتناول اليد. طهى لنا العشاء يوميًا، مستفيدًا من كل منتج في الخزانة حتى منتهاه.

لم نخرج إلى أي مكان، لا إلى المطاعم، ولا إلى الحانات، لم نذهب إلى السينما حتى مرة واحدة. قررنا أيضًا تعليق اتصال الإنترنت مؤقتًا في المنزل. ولأننا كنا جددًا في القارة، لم يكن لدينا أصدقاء بعد. كنا فقط أنا وجيرشي، بدون مال، بدون إنترنت. خرجنا في جولات مشي طويلة، قرأنا الكتب في السرير، خبزنا الكعك. أصبح التجول في السوبر ماركت نزهتنا الليلية. في السوبرماركت الموجود في أعلى شارعنا، باهظ الثمن بالنسبة لوضعنا الجديد، كانت هناك واجهة عروض بخصم كبير. كانت هناك مختلف أنواع المنتجات التي تضررت عبواتها؛ معلبات مبعوجة، أكياس الطحين الممزقة. بحثنا هناك كل مساء وترامت منتجات العروض في حضننا واحدة تلو الأخرى . النبيذ الأبيض، شوكولاته جوز الهند، سداسية بيرة وبودنج الفانيليا. في كل مساء كنا نعود إلى البيت بغنيمة أخرى، جهزنا وجبات ملوكية ببضع سنتات.

ولكن في اليوم الذي تجمعنا فيه معا على الأريكة، فحصنا حسابنا المصرفي واكتشفنا أنه لم يتبق لنا سوى 380 دولارًا، أدركنا أننا قد انتهينا حقًا، ما يسمى .Totally broke

لقد أصبت بضيق حقيقي، وكنت أخشى أن تكون حياتي القديمة قد انتهت، وأنني لن آكل أبدا في مطعم مرة أخرى، ولن أرتدي ملابس جميلة، وأنني سأفكر طوال الوقت فقط في المال، في القروش بالأحرى. كان جيرشي معتدلاً في رد فعله، حيث ظل يذكرني بأننا إذا نظرنا للأمر من جميع الزوايا، فإننا في الواقع أغنياء. إنه المال السائل الذي لا يسيل الآن. لكن جسدي وعقلي دخلا حالة من صراع البقاء لم أتمكن من السيطرة عليها. حسدت جيرشي على رباطة جأشه، حضوره الآمن في العالم، كان الناجي الحقيقي هنا. لا شيء يهدده ، لا الكوارث الطبيعية ولا الأزمات الاقتصادية.

“انسابي مع التيار، ثقي في جيرشون”، ردّدت في نفسي مثل تعويذة. تشبثت به وحاولت أن التصق بطمأنينته، لكن الخوف لم يتوقف عن الضخ في عروقي. فجأة رغبتُ في حرق الأوراق النقدية، وشراء جزمة جلدية، وشرب الموكا وقضم جبنة الجرويير. بعد فترة، حتى جيرشي انتابه شعور بالضيق، لم يعد يقرأ بسرور، وصار يدور في المنزل ، يفرك المواقد في المطبخ.

“ماذا حدث لي؟” سألت جيرشي والدموع في عيني. “أنا أفكر فقط في المال، أرغب فقط في شراء الأشياء والمزيد من الأشياء. بحياتي لم أرغب في الشراء بهذا الشكل”، اعترفت، على أمل ألا ينتقدني..

 قال:”هذا فقط لأننا لا نملكها الآن. إنها الفاكهة المحرمة، فأنت لا تريدين هذه الأشياء حقًا، إنها مجرد وهم”.

” اعرف. لكن الوهم قوي لدرجة أنني صرت أؤمن به”.

“دعينا نرى ما إذا كان هناك من جديد في بسطة المنتجات المخفضة” قال، وابتسم.

“لا،لا رغبة لي بذلك. اذهب أنت” قلت.

دخلت الفراش في وقت مبكر مع بيجامتي وكآبتي، ذهب جيرشي إلى السوبر ماركت لالتقاط بعض الحلويات. عاد بالأكياس وطلبت منه  منه أن يريني الغنائم. كانت هناك زجاجة من النبيذ الاحمر والافوكادو. ثم سحب من محفظته ثلاث أوراق من فئة خمسة دولارات .

“ما هذا؟” سألته.

قال: “لقد حظيت بها”. “اشتريت بدولار بطاقة كشط وحصلت على خمسة عشر دولاراً!” أعطاني الفواتير وعيناه تلمعان.

نظرت إلى الأوراق النقدية الجميلة فوق الكومودينو، أردت حفظها إلى الأبد داخل مفكرتي مثل الورود المجففة.

انقضى نصف الفصل الدراسي بالفعل وأصبحت الأيام التي قضيتها في الاستوديو أطول وأطول. جاءت أيام لم أكن أتناول فيها أي شيء، مجرد تفاحة أو مندلينا ألقاها جيرشي في حقيبتي، أو بيتزا وزعت مجاناً في الحرم الجامعي. في إحدى الأمسيات رجعت إلى البيت بمجاعة حقيقية، قال جيرشي أنه جائع أيضا بشكل فظيع. ذهبت إلى المطبخ للبحث عن بقايا الطعام لتناول العشاء. عندما عدت مع بيضتين مقليتين والبندورة وجدت جيرشي في غرفة الصالون، يجري شتى أنواع الحسابات على هاتفه. حتى من تلك الزاوية كان أيضًا أحد أجمل الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي.

“ذهبت إلى السوبر ماركت في الصباح، هنا فوق. سألتهم عن عمل. لقد ملأت نموذج طلب للعمل كمنظم بضائع”، قال ذلك ، فاحتضنته  حضنًا محطمًا للأضلاع.

بدأ جيرشي بالعمل في السوبر ماركت بعد يومين. خضع للتدريب السريع وأعطوه مريولا أحمر وشارة باسمه GERSHON. كان يعمل في ورديات المساء التي بدأت في السادسة وانتهت عند منتصف الليل. كنت أزوره كل ليلة، متظاهرة بأني زبونة بعربة بينما كان يقوم بترتيب زجاجات النبيذ على الرفوف أو محلّيات الحليب في الثلاجة. أخذ استراحة لمدة نصف ساعة حصل فيها على قهوة مجانية. كان يجلب لي كوبا وكنا نجلس على مقعد في الشارع، نأكل السندويشات التي كنت أعدها ونتحدث عن تقنيات ترتيب المنتجات التي كان قد خبرها.

كان الأجر 12.02 دولارًا للساعة، وقد أجرينا حسابات لا نهاية لها للراتب الذي سيحصل عليه في نهاية الشهر. كان الرقم النهائي الذي وصلنا إليه 1،370.28 دولارًا، ولم تتوقف الخيالات حول الشيك عن إضاءة خيالنا. في المال الذي كنا سنتلقاه، قررنا عدم شراء أي شيء، فسوف نواصل العيش هكذا على المليم حتى ينفجر حسابنا المصرفي، ضحكنا. عاد جيرشي إلى ورديته وذهبت أنا إلى البيت.

في إحدى الليالي، عندما قرأت كتابًا في السرير، بعث لي رسالة بالقدوم إلى السوبرماركت مع كيس القماش متعدد الاستخدام لمقابلته في الطابق السفلي في موقف السيارات. وجدته يقف بجانب عربة مليئة بالكرتون.

“هيا، رافقيني إلى حاوية المهملات”، أمسك يدي.

وقفت إلى جانبه بينما أخرج كتلاً من الجبن الأصفر من الكراتين. “انتهت صلاحياتها. طلبوا منّي أن أرميها في حاوية المهملات. انها جبن بروفولون” قال.

“لماذا يرمونها؟” سألت.

“ابتداء من الغد لا يمكنهم بيعها. لذلك سأرميها في حاوية المهملات وسأخذ واحدة؟ “نظر إلي بعينين جاحظتين، للتأكد من أن لديه شريكة في المهمة.

“يمكنني أخذ اثنتين. بالإمكان تجهيز فطيرة”، اقترحت. ابتسم جيرشي وواصل عمله. وضعت كتلتين من البروفولون في كيس القماش وغادرت موقف للسيارات بخطوات بطيئة.

عدت إلى المنزل وبدأت على الفور بتجهيز الفطيرة. عندما عاد جيرشي في منتصف الليل، التهمنا الفطيرة كالمجانين.

“ماذا ترمون هناك أيضًا؟” سألت.

“العديد من الأشياء التي انتهت صلاحيتها. رأيت هناك بسكويت شوكولاطة شيبس، في إحدى المرات ألقوا أوراك الدجاج أيضا. تلك بضاعة جيدة، طازجة. تاريخ الصلاحية غير دقيق، إنه تاريخ ضمان. يمكنك تناول هذه الاشياء لأسابيع لاحقا”، قال.

“بالفعل؟” تعجبت.

“بالتأكيد، هم فقط لا يريدون المخاطرة. الجبنة التي احضرناها؟ سنأكل منها في الأسبوع المقبل أيضًا. سترى، سوف أعد اللازانيا، لن يحدث لنا شيء”، ابتسم واستمر في التهام الفطيرة.

لقد وثقت به لأنه مع ذلك كان عالمًا بيولوجيًا وفهم في أمر البكتيريا. في الأيام التي تلت ذلك، توقفت عن زيارة جيرشي أثناء قيامه بترتيب المنتجات. كنا نلتقي بجانب القمامة، أنا مع كيس القماش متعدد الاستخدام وهو مع عربة مليئة بالمنتجات منتهية الصلاحية. سجق سلامي، دواجن، جبنة، موز مسود، بطاطا طرية، كلّ شيء كان موجوداً هناك. كنت أحمّل الغنيمة وأذهب للمنزل لطهي الطعام، تحولت وجبات العشاء إلى وجبات منتصف الليل عالية الدهون.

في إحدى الليالي كان جيرشي على وشك رمي صوانٍ من عجين الخبز، بعث إليّ برسالة ليسألني إن كنت معنية. أشعلت الفرن وركضت إلى السوبر ماركت خلال ثلاث دقائق. لطالما حلمت بخبيز الخبز في المنزل. عندما عدت إلى المنزل اكتشفت أن البيض نفذ لدينا، وأنا أردت أن يكون الخبز لامعًا وبراقًا لذلك عدت إلى السوبر ماركت، هذه المرة لشراء رزمة من البيض.

كان جيرشي يقوم بترتيب كرتون الحليب، عندما رافقني إلى رف البيض، لأنه أراد أن يذوّب قليلا من المكوث بجانب الثلاجات.

قال لي عندما التقطت البيض: “ضعيه في الكيس”.

” هل أضع؟” سألت.

أومأ برأسه بثقة.

قال: “سأرافقك للمخرج”، وعدل بعض الكراتين في الخط.

“لحظة، أريد أيضا بذور السمسم. وزيت الزيتون” قلت، وبدلت بعلبة من البيض العضوي.

توسعت عينا جيرشي الماسيتان، ارتفع الحاجبان. ذهبت لجلب المنتجات. في المرة الأولى كنت لا أزال خائفة، اكتفيت بالبيض العضوي ،بذور السمسم، الزيت والزيتون الأسود. في المخرج دق قلبي ولكن جيرشي رافقني وقبّلني قبل أن أغادر كي لا يشك أحد، لم ينظر إلي أحد حتى.

ومنذ ذلك اليوم توقفت عن ملاقاة جيرشي في الموقف بالقرب من القمامة، وبدلا من ذلك ذهبت لزيارته قرب الرفوف حوالي الساعة العاشرة. لم يكن هناك العديد من الزبائن في مثل هذه الساعة وعادة ما كان عاملو الفترينا والمخبز قد غادروا. امتلأ كيس القماش بأغلى المنتجات العضوية التي أمكنني أن أجدها. زيت اللوز، كرز أمارنا، بارميجيانو راجيانو، صابون الدكتور برونر، شوكولاطه ليندت. في إحدى المرات أدخلت حتى فرشاة أسنان كهربائية. لم أحشو الكيس القماشي، حرصت دائما أن يبدو وكأنه حقيبة عادية لامرأة.

قبل عودة جيرشي من الوردية كنت أرتب المنتجات المسروقة على الطاولة وكنا نحسب الأسعار سوية. كم ضحكنا، مرتسيبان لوبك 24.99دولارًا! زيت اللوز النقي، 23.33 دولارًا بري دي مو 21.42 دولارًا!

في اليوم الذي تم فيه فصل جيرشي، بلغت قيمة المسروقات 1323.15 دولارًا. وافقوا على عدم التوجه للشرطة ، لكنهم لم يدفعوا له راتب ذلك الشهر. من الصعب القول أننا كنا حزينين، لا أعتقد حتى أننا كنا خائفين. ذهب لرد المريول الأحمر وشارة اسمه، انتظرته في الأسفل. حتى أنه عاد مع كوبين من القهوة.

وقال: “تذكار للمرة الأخيرة”.

ترجلنا إلى البيت، بأيادٍ متشابكة، ونحن نحتسي القهوة الساخنة. لم نتحدث في تلك المسيرة، ليس لأننا حاسبنا أنفسنا أو شيئًا من هذا القبيل، داهمنا السكوت. في المنزل، فتحنا جميع خزائن المطبخ، كانت هناك حبوب بن من سومطرة، العدس الأسود والأحمر، مجموعة كبيرة من المعكرونة الحلزونية. استلقت في الثلاجة أفضل الأجبان من فرنسا وسويسرا والنقانق من إيطاليا. في الفريزر انتظر السوربيه الذي عشقناه، كان لدينا المانجو، الباسيفلورا، الليمون الصقلي. وكانت الخزانة الموجودة تحت الحوض معبأة أيضا بالمنظفات الطبيعية للحمام، المطبخ، تلميع الأرضيات الخشبية. كنا سعداء، كنا أغنياء.

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا