the short story project

search

نبيل قديش | من:العربيّة

  جسد سفليّ وشقّة عالية

Introduction by ريم غنايم

يُعَدّ الجَسدُ أحد أهمّ ركائز الكتابة الأدبيّة، فعليه تُبنى فرضيّات وتُهدَم فرضيّات، ومن خلاله تُقرأ أوهام المجتمعات وعقائده، وفيه أيضًا يعادُ تشييدُ الزمان والمكان في فضاء الجسد عاريًا ومفضوحًا ومنتهكًا، أو مكتملاً ومحجوبًا ومصانًا.

في هذا النصّ، ثمّة تناولٌ للجسد الميّت واستكشاف للطّاقة الحيّة التي يصدّرها عبر موته للأحياء، وانتهاكٌ لمفهوم الحياء والخجل. الجسد، بقسمه السّفليّ، الميّت هو العنصرُ الحيّ الوحيد الذي يستقبلُ أجسادَ زائريه واحدًا واحدًا، ليمارسَ تماما ما كان يمارسهُ في حياته ونبضه. يرسم القاصّ نبيل قديش هذه النيكروفيليا ببرودٍ وميكانيكيّة سرديّة لا عاطفة فيها، على نحو يحاكي فيه الفعلَ نفسه: عشق الجسد الميّت والرغبة في مواقعته، ليصبحَ السّرد حالةَ صمتٍ مطبق يتستّر هو أيضًا على الفعل.

في نصّ لبوكوفسكي بعنوان "مواقعة حوريّة البحر في فينيسيا" يتناوبُ صديقان على مواقعة جثة امرأة جميلة ويتحوّل فعل خطف الجسد وانتهاكه إلى مهرجان من الفرح والعشق في حوار كلّه ضوضاء يبدّد حالة الخوف والحياء. في حالةٍ شبيهةٍ هنا، يتحوّل انتهاكُ الجسد الجميل الميّت إلى مهرجان من الصّمت والآليّة و "تُسمع آهة ذكورية طويلة يسود على إثرها سكون عميق". إلى أن يختفي الجسد الهامد في سيارة الإسعاف.

على عكس بوكوفسكي، يقفُ الفعلُ هنا تعبيرًا عن فكرٍ عنيف وعدائيّ لمفهوم الجسد، الجسد الأنثويّ، الجسد الأنثويّ الحيّ في موته. مكانٌ لإفراغ غريزة جنسيّة بهيميّة في منتصف الليل تماما. هو الجسد المباح لامرأة أصابها الجنون. هنا، يتركنا الكاتب مع هذه الطاقات لمفهومَي الحيّ والميّت ومفارقات العلويّ والسفليّ.  

اقرأ المزيد

في عتمة منتصف الليل كان الرجل مقوّس الحاجبين قد دلف الزقاق الضيق المظلم. حثَّ الخطوَ خافضا رأسه، داسّا يديه في جيبي بنطاله “الكاكي”. رفع رأسه مرّة يتيمة، سدّد خلالها نظرة عدائيّة حازمة إلى المجهول كما لو أنّه يتوعّد بالويل أوّل آدميّ تضعه الصدفة في وجهه. وقف فجأة في منتصف الزقاق في مقابل مدخل عمارة متهالك، أمامها حاوية زبالة خضراء فاضت بما حملت، وتراقصت حولها قطط سوداء لئيمة. سوّى ياقة قميصه. لمس عضوه لمسة خاطفة وابتسم. تلفّت خلفه. شيّع بصره إلى الأمام، ثم إلى الأعلى كما لو أنّ السماء يمكن أن تجود بطالب عراك في المتناول.

 اندفع كطلقة إلى داخل العمارة مسدّدا بصره الثاقب ناحية كتلة ظلام استقرّت في العمق. كان هناك حشيّة بالية مبقعة ببقع دم وبول ومنيّ تمدّد فوقها جسد لا يعرف عامة الناس هناك إن كان لرجل أو امرأة. المارة ليلا أو نهارا في الشارع يرون من البعيد جسدا مغطّى بلحاف سميك يقيه العراء وبرودة البلاط المبتل غالبية الوقت. المقتربون قليلا بدافع الفضول يعاينون ضخامته وبدانته فيوشكون على القول بأنّه جسد امرأة في منتصف العمر. لكنّ زبائنه القلائل يعرفون تماما أنّه لأنثى يافعة، انتفخ بفعل إدمان صاحبته على حبوب منع الحمل والأعصاب بكل أنواعها، فقيل إنّها مجنونة أو هكذا رآها الناس. قيل إنّها طُردت من شقّة في الأعلى لتستوطن مدخل العمارة بالقوّة منذ ما يربو من سنة. قيل أيضا إنّ جسدها أغوى الجميع وأنّ اسمها “راكيل” لفرط جمالها.

رفع مقوّس الحاجبين اللّحاف دون كلام أو سلام. انسلّ تحت الغطاء وانضمّ إلى الجسد النائم ليصبحا كتلة واحدة.

لم يبدِ الجسد النائم أيّ اعتراض ولا مقاومة، بل بالعكس، بدا مرحّبا إذ سحب نفسه قليلا ليترك المجال لتقاسم الحشيّة مع الزائر الغريب.

لا يُسمع أي صوت في البداية بخلاف همهمات وحشرجات متقطّعة تصدر عن الجسدين النائمين.

سرعان ما يمتطي أحدهما الآخر. ينقطع السفليّ عن الحركة تماما ويستسلم كليّا. ينخرط العلويّ في حركة دؤوبة مثابرة.

تُسمع آهة ذكورية طويلة يسود على إثرها سكون عميق…

بعد فترة وجيزة ينسلُّ الزائر من تحت الغطاء مداعباً عضوه كما المرّة الأولى تماما بنفس تلك النظرة العدائية التي يسدّدها إلى المجهول. يجتاز الردهة مسرعا ويغطس في عتمة الزقاق بنظرات زائغة. يعود الجسد السفليّ الممدّد إلى سبوته.

يقبل زائر آخر بعد نصف ساعة تقريبا. يفعل ما فعله الأول مستغرقا نفس الوقت القصير وعمقه وتركيزه ثم يمضي لحال سبيله.

زائر ثالث يقبل بعد نصف ساعة أو أكثر…

زائر رابع…

زائر خامس…

زائر سادس…

***

يتواصل نسق الزيارات الخاطفة بتلك الوتيرة العاتية. لا يمنح الجسد السفليّ النائم نفسه فسحة من راحة، بل الأحرى أنّه لا يُمنح تلك الاستراحة التي كان يحتاجها بشدّة. 

 عند الخامسة فجرا يأتي زائران جديدان. يقفان عند مدخل العمارة. يتبادلان الوشوشة بينهما. يبدوان متردّدين. سرعان ما ينسلّ أحدهما إلى الداخل بينما يقف الثاني ليحرس المكان بثبات. يرفع الأول الغطاء عن الجسد السفليّ. يقلّب نظره في الجسد الساكن. يقف على تلك الحالة للحظات. يسترق النظر إلى زميله الذي تحجبه واجهة مدخل العمارة. يحشر نفسه تحت الحشية مسرعا. يهتزّ اهتزازات عصبيّة مذعورة فوق الجسد النائم. سرعان ما يسحب نفسه خارج الحشيّة كأنّه ندم على فعلته.

يسوّى هندامه ما أمكن. يتفقّد سحّابة سرواله. يثبّتها في وضع الإغلاق. يمرّر يده على شعره وذقنه وربطة عنقه السوداء وعيناه القلقتان لا تفارقان الجسد السفليّ البارد. ينادى زميله. يلتحق به بخطوات ركيكة. يقفان جنبًا إلى جنب. يتحدّث الثاني عبر جهازه اللاسلكيّ.

عند الساعة السابعة صباحا تأتي سيّارة إسعاف لترفع الجسد السفليّ الجامد تحت أعين المتساكنين والمارّة والشرطيين، وتحت أعين الصباح الذي بدا يسرى دبيبه في شارع الشوارع. في الردهة كانت امرأة في روب نوم شفاف، لكنها تسدل غطاء رأس على وجهها، تحاول تحريك الحشيّة وتنظر إلى الأعلى. كان يبدو عليها التوتر وهي تفكر في شخص يساعدها على رفع الحشيّة المبقعة بالبول والدم والمنيّ إلى شقتها العالية.  

 

41
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا