نجم والي | من:العربيّة

حروب فوق أراضٍ بعيدة

عندما أخرجت البطاقة البريدية التي بعثتها تيريزا، من صندوق البريد، كانت الساعة الثالثة ظهرًا. لم أقرأها بصورة دقيقة في البداية، إنما ألقيت عليها نظرة عابرة ودخلت البيت وهي لازالت في يدي الفارغة. رميت الحقيبة الصغيرة التي كنت أحملها فوق المائدة التي توسّطت الصالون، ودخلت الحمام مباشرة. كان يوماً حاراً بصورة غير معتادة. فتحت ماء الصنبور ـ كما هي عادتي في كل الأيام الحارة ـ وتركت الماء البارد يملأ حوض البانيو. نزعت ملابسي بسرعة، ودخلت إلى الماء، قبل أن يمتلئ الحوض، وبعد أن وضعت ساعة يدي والبطاقة إلى جانب المجلات والرسائل التي تكدست فوق كرسي صغير كنت أتركه تحت متناول يدي بجانب الحوض مباشرة. لبرهة غطست رأسي في الماء ثم نفضته، حتى تناثر الماء فوق الأوراق. سحبت منشفة قريبة ونشفت يدي المبللة، ثم تناولت البطاقة بيد مرتعشة. تطلعت بالصورة. لأرى حانة قديمة، بخشب عتيق وكراسٍ وموائد زرقاء، فيما وقف رجل أسود ذو ملامح جميلة، عند طاولة الخدمة، أضاف الشعر الأبيض سحرًا على خصلات شعره. “حانة همنغواي في الـ لاهافانا”، كُتب بالإسبانية خلف البطاقة. ولكن تيريزا لم تكتب الكثير. اكتفت بتدبيج جملٍ قصيرة خاطفة، تشبه أسلوب همنغواي في الكتابة: “جوال الآفاق والكلمات… أيها البحار الأرضي… لا تندهش من بطاقتي هذه. كان علي أن أرسلها إليك من الـ “لاهافانا” ولكني سافرت إلى مدريد فجأة. وها أنا أرسل هذه البطاقة من مدريد. انتظرني يوم 16 يونيو الساعة السابعة عند المحطة في مقهى “Regreso”. إلبس البدلة الكاريبية البيضاء والقبعة البَنَمِيّة والحذاء الأبيض. مازال بيتك قلبي”، ثم كتبت ملاحظة تحت: “آمل أن تكون قد نسيت الحرب! ولكن أنت على حق، أي حرب؟!”. لم تنسَ أن تلحق نكتة قديمة على البطاقة “أكيد ستصلك البطاقة في نفس يوم وصولي”، وهي تعرف أن حياتي مجموعة مصادفات لا غير. إذن مازالت أمامي أربع ساعات لحين ذهابي إلى المحطة لاستقبال تيريزا. لكن تلك الأربع ساعات التي تبدو في الأيام العادية قصيرة جدًا، صارت لي تلك الظهيرة عذابًا لا يطاق، لم أكن أصدق مجيئها بعد هذه المدة الطويلة. كنت يقينًا أحتاج أكثر من أربع ساعات لاستيعاب أمر لقائنا من جديد. بالطبع كان بإمكاني تمزيق البطاقة، أو التصرف كما لو أنني لم أستلمها، ولكن كيف سأواجه نظراتها لي عندما تفتح باب الدار وتراني هنا؟

أعرف تيريزا منذ خمس سنوات، منذ زيارتي الأولى لمدريد وقبل انتقالنا أخيرًا إلى لشبونة. أحببنا بعضنا بعنف وكرهنا بعضنا بنفس القدر من العنف. إنفصلنا عن بعضنا ما يقارب خمس مرات على الأقل، ورجعنا إلى بعض بنفس الوجد السابق، لنبدأ شجاراتنا بعدها بحماس جديد. وعندما أقول انفصلنا عن بعضنا، فأنا لا أعني تلك الانفصاليات التي تدوم لليلة أو ليليتين، والتي عشناها مئات المرات في قصص حبنا، بل أعني تلك الانفصاليات التي تستغرق وقتًا طويلًا، كما حدث في المرة الأخيرة. لم ألقِ بأشيائها بعيداً، إنما حرصت على الإبقاء عليها في مكانها، كما تَرَكَتْها هي. في الغرفة مازال يقبع دولاب ملابسها، وفي الحمام مازالت أدوات زينتها هناك، مجموعة إيف سان لورين، وعطر الكارتييه موست وشانيل كوكو وبالوما بيكاسو، وعند حافة البانيو توزعت قناني الشامبو “بودي شوب” الجوز البرازيلي وعسل النحل، قناني الصابون السائل من المسك الأبيض وسائل البرقوق، فيما استقر عند حافة شباك الحمام، بالضبط فوق الحوض، السائل الحليبي الأبيض الذي كانت تستخدمه لدهن جسمها والذي بعد كسري لعلبته الأصلية ذات مرة دون أن أدري، وَضَعته لها في علبة نسكافيه فارغة! ما أزال أتذكر ضحكتها عندما رأت العلبة في اليوم الأخير قبل أن تذهب. رأيتها تتفحصها، مقلبة إياها بين يديها، وعندما رأتني أتطلع إليها، ضحكت وقالت لي أنها ستترك لي الدهن لكي أستخدمه.

كانت مرت سبعة أشهر وأسبوعان وثلاثة أيام على تلك الظهيرة، عندما نَزَلَت من البيت مع حقيبة صغيرة، بعد سماعها صوت رنين الجرس. حينها مددت رأسي من الشباك، فرأيت رجلًا غريبًا ينتظرها تحت. تبعتُها حين خرجت، دون أن تدري أو ربما لاحظت ذلك، حتى وصلت إلى الميناء، ورأيتها تتجه متأبطة ذراعه إلى باخرة رست هناك، كان يرتفع فوقها العلم الكوبي. لم أحقد عليها، ولم أغضب لذهابها مع رجل آخر، بالرغم من تألمي لِما حدث بيننا، لا لأني رجل “عصري وليبرالي”، بل لحبي لبحارّة العالم. ولقد تصالحت مع نفسي بطريقة ما، قائلًا، “ولمَ لا؟ أنت السبب، فبالرغم من تبجّحك أمامها في أيام العلاقة الأولى بكونك “بحارًا على اليابسة”، لا ينافس حبه لها غير السفر، وأنها هي التي كانت مستعدة لترك عملها الصحفي، المسكونة بشغف الترحال، الكائنة التي كنت تبحث عنها من أجل التجوال والضياع معها على سطح هذه الكرة، ليكون وطنكما حيث تطأ أحذيتكم، إلا أنك منذ تعرّفك عليها، وأنت باقٍ في مكانك. في مدريد كنتَ تتحجّج قائلًا، آه لو كانت مدريد مفتوحة على البحر، لسافرتُ كل يوم، حينها سَأَلت أين تريد أن تسكن، فقلت لها “في لشبونة”. فسألتك لماذا، فقلت لها مستعيرًا بيتًا من الشعر لرافائيل ألبرتي كان يقصد روما به “لشبونة خطر على الجوالين”، ثم أعقبتَ “أعشق الموانئ وأحبها بقدر حبي للبصرة”. لم تعلّق في حينه، ولكنها بعد أربعة وعشرين يوماً، جاءت وطلبت منك أن تستعد لحزم الحقائب وللذهاب إلى لشبونة. كانت قد طلبت من الجريدة التي تشتغل بها الانتقال إلى هناك دون أن تُعلمَك بذلك. هكذا ذهبتما إلى لشبونة. بعد ثلاثة عشر شهرًا وعشرة أيام، كشفت لك بأنك تكذب وبأنك لم تعد تتحرك كما كنت سابقًا. قالت “ربما هرمت”. وإذا نفيت ذلك، متحججاً هذه المرة بـ”خراب البصرة”، فبعد البصرة من الصعب عليك محبة ميناء آخر، تعلق هي: “إذن هي الحرب التي مازالت تشلّك!”. ألحرب، الحرب. أي حرب؟ الأولى؟ الثانية؟ الثالثة التي قد تحدث؟ أم هي الحرب الأبدية المشتعلة أبدًا هناك؟ ربما لم أفكر بما قالته بجدية، لولا ذهابها مع البحار الكوبي.

سبعة أشهر وأسبوعان وثلاثة أيام وأنا أفكر بوضعي، أحاول ترتيب حياتي بدونها. طبعًا تألّمت كثيرًا، وبكيت رحيلها أكثر من مرة. كنت أعتقد أن رحيلها عني سيدوم إلى الأبد. فطوال علاقتنا لم تخفِ رغبتَها بالذّهاب إلى جهة الأطلسي الأخرى. مرات عديدة حدثتني عن أجدادها الذين كانوا يعيشون في مدينة قاديش الأندلسية قبل أن يرحلوا إلى كوبا. كانت صغيرة آنذاك، عندما كانت أمها تريها صور أهلها الذين رحلوا بعد الحرب الأهلية الإسبانية إلى “لا هافانا”، قبل أن تلحق الأم بهم هي الأخرى وتترك الأب الذي لم يكره في حياته شيئًا مثل السفر. كانت قد مرت خمسة وعشرون عامًا على تلك الجملة التي قالها لها “لماذا أرحل وقاديش هي لاهافانا”. منذ طفولتها وهي تحلم بالرحيل إلى كوبا. “وأنت؟”، تسألني. فأقول لها، نعم سنرحل سوية، ولكن تمّهلي، لأنني ما أن أطير إلى الجزء الآخر من العالم حتى لن أرجع. فتسألني “ما الذي يربطك بهذا الجزء من الأرض؟”. أصمت. فتقول “أعرف، ستقول البصرة. ولكنها لم تعد البصرة. لا شئ غير الحرب!”.

ألحرب، الحرب، ولكن أي حرب؟ ليست تيريزا الوحيدة التي تقول لي ذلك، إنما أنا أيضا أعتقد أنني مسكون بالحرب. أكثر من خمس سنوات وأنا لم أتعب من رواية أحداث الحرب لها. لا يهم ما تكون المناسبة. سيان إن كنا نجلس أمام التلفزيون، أو عندما نرى جنودًا في المدينة، أو حتى عند سماع أشرطة موسيقية. كل شئ يذكرني بالحرب.

لم تنسَ تيريزا من طرفها كل ذلك، ففي رسالة قديمة كتبتها لي قبل رحيلها، بالرغم من أننا كنا نسكن سوية، والتي استقرت مع حزمة مبعثرة تحوي رسائلها القديمة الأخرى وبعض رسائل أختي وأخي والأصدقاء، أضعها على عادتي القديمة قريبا مني أثناء استحمامي لأستّل واحدة منها أو أكثر كلما غطست في البانيو (كانت تكره العادة هذه وتقول لي “لا عجب إذن أنك لم تنسَ الحرب فهل هناك رسالة منها لا تتحدث عن الحرب وشجونها؟”) لم تعرف أنني كنت أضع رسائلها هناك أيضًا، ربما لأنني كنت أدفع بها عمدًا تحت كومة الرسائل، أقول في تلك الرسالة والتي قرأتها للمرة العشرين، ذكرتني بكل تلك التفاصيل، بإصراري على سماع موسيقى بوني إم (السخيفة كما تسميها) وتوم وايتز بسبب حب صديقي مُلهَم لهم والذي أُسِر منذ أيام الحرب الأولى وما يزال. ولكن أية حرب منها؟ بل ذكرتني حتى بشكوى الأصدقاء “لا همّ له غير الحرب، وكأنها لعنة ما برحت تُطارده” لم تنسَ قصة البدلة البيضاء والقبعة البَنَمِيّة والأحذية البيضاء، التي أهدتني إياها صاحبة الحانة ماتيلدا قبل مغادرتي البصرة. تلك الأيام عندما سمعت تيريزا أنني أضعتُها، فاجأتني بشراء بدلة وقبعة بَنَمِيّة وأحذية بيضاء في إحدى رحلاتنا إلى فلورنسا. (ولكن ماذا أقول لها الآن إذ كما ترون ها أنني أجلس بينكم من دون الحذاء الأبيض الذي أضعته مرة أخرى؟). ذلك اليوم قالت لي عندما سلمتني البدلة، “هل تعرف لماذا أهدتك ماتيلدا تلك البدلة؟”، فقلت لها متحديًا “ها،  ماذا تعتقدين؟”، فقالت ضاحكة “إنك لا تفهم يا عزيزي، لكي تخرج من جحيم الحرب؟” فسألتها وماذا يعني ذلك بالنسبة لي الآن، فأجابت “كفّ عن هذه اللعنة التي تُطاردك”. الحرب. الحرب. أية حرب؟ كم رغبت بالفكاك منها ونسيان كل ما جرى لي. بل أقول بصدق أنني حاولت بكل حماس نسيان يوم اندلاعها. ولكن يبدو أنها قَدَر يُطاردني، ابتداء من مغادرتي البلاد لحد الآن. فالرسائل التي تأتيني طوال هذه السنين مثقلة بكل ما جرى بسببها.

ألحرب. ألحرب. كم مر على اشتعالها؟ خمسة عشر عامًا وتسعة أشهر ويومان؟ أم خمس سنوات وإحدى عشر شهرًا وثلاثة أسابيع وثلاثة أيام؟ أم خمس سنوات وسبعة أشهر وسبعة أيام؟ أم هي بطول حياتنا؟ ألم تنشب منذ مجيئي أو مجيئكم إلى هذا العالم، في تلك البلاد التي لا تبدو بعيدة جغرافيًا الآن عنا وحسب، إنما هي بعيدة بسبب ما جرى لها وبسبب ما جرى لنا مئات السنين الضوئية. تلك البلاد التي لست الوحيد الذي نسيها، بل لست الوحيد الذي ما عاد يتذكر منها غير الحرب. تيريزا كانت تقول لي “كأن الحرب نشبت بينك وبين تلك البلاد!” ملاحظة ليست في غير محلها. لكنها لا تقدم لي الكثير من العزاء. والآن وأنا أروي القصة لكم، أحاول تذكر أشياء أخرى منها، مثلًا: الأصدقاء، أماكن الطفولة، الحب الأول، التجربة الإيروسية الأولى، الكأس الأول… عبثاً، لا تحضرني غير الحرب. حتى وإن أنجح في طردها بعض المرات، فإنها تنقض علي مثل طاعون مصر، أنها تقتحمني مثل لعنة يهوا، مثل أمطار الثأر التي بعثها ضد المدن المسحوقة في بداية العالم.

تلك الظهيرة في لشبونة، وبعد أن انتهيت من حمامي، ومن وجع رأس استحوذ علي ساعات طويلة، قررت الانتهاء من الحرب تمامًا، بل رميت شريط بوني إم وفالس مع ماتيلدا، ولبست البدلة الكاريبية البيضاء والقبعة البَنَمِيّة، للأسف مع حذاء أسود، (لعدم عثوري على الحذاء الأبيض في فوضى بيتي)، فعلت ما طلبته مني تيريزا. تلك الظهيرة أيضا أيقنت أنني أحب هذه المرأة حد العبادة، ولا ينفعني لا كبريائي ولا تبجحي في الاستغناء عنها أو نسيانها. ولا يهم إن تركتني وذهبت مع من تشاء من الرجال، فأنا أحبها. أفعل ما تراه. من الغريب أننا ندور وندور ونلتقي بنساء كثيرات حتى نتعرف على واحدة، واحدة ستكون هي مركز العالم، لا يهم من تكون وماذا تفعل. لا يهم تلك الحروب المعلنة والغير معلنة بيننا. هي فقط. والسلام. هل قلت السلام؟ هل كانت تيريزا بديل الحرب؟ أهي السلام؟ لا أدري. فضلًا عن ذلك السؤال، طنَّت في رأسي أسئلة أخرى، وأنا أقود السيارة باتجاه محطة لشبونة، لدرجة أنني لم أشعر بالمسافة التي قطعتها من بيتي في شارع دوس دورادوريس وحتى الكراج التحتي التابع للمحطة. لم أنتبه للزمن إلا عندما أصبحت عند صحن المحطة وتواجهني الساعة الكبيرة: السادسة وعشر دقائق. إذن ما زال أمامي الكثير من الوقت. توجهت إلى كشك الجرائد اشتريت جريدة الحياة وإلبائيس الإسبانية والبوبليكو البرتغالية ولاريبوبليكا الإيطالية وزوددويتشه تزايتونغ الألمانية والغارديان البريطانية ونيويورك تايمز الأميركية (عادة أفعلها كلما سافرت في القطار أو انتظرت في مقهى، لأستمتع بإثارة فضول الناس أنني أقرأ بلغات متعددة!)، وتوجهت إلى المقهى الكبيرة عند المحطة “Regreso” حيث طلبت مني أن أنتظرها عند السابعة مساءً. كنت مبتهجاً بالفعل، وكنت متيقناً أنني سأفاجئ تيريزا بالبدلة البيضاء والقبعة البنَمِيّة وبقراري الذي انتهيت منه في البانيو هذه المرة. سأقول لها، أننا سننتقل إلى ريف إسبانيا أو إلى ريف التوسكانا، أو إذا شاءت سنذهب إلى الباراغواي ونربي البقر هناك، سنعيش سوية هذه المرة وللأبد، لن أسألها عن الرجل الكوبي ولا عن الرجال الآخرين، بل سأحبها أكثر، سأنسى الحرب تمامًا، وسننجب أطفالا.

حدث ذلك ـ حسب ما أتذكر ـ في أحد أيام الآحاد من الصيف، في شهر يونيو/حزيران منه، كنت قطعت المحطة متوجهاً إلى مقهى “ٌRegreso” القريب، بعدما تصفحت الجرائد ثم ضممتها تحت ذراعي، لمّا سمعت صوتاً ينادي بالإسبانية من بعيد:

“كامبوس، كامبوس”

في الوهلة الأولى اعتقدت أن الشاب الذي كان يلبس ملابس الجنود البحرية يقصد شخصاً آخر، ولكن عندما رأيته يقترب مني، ويعانقني، لم يعد عندي أي شك بأنه يعنيني، “كامبوس، أيها الرجل العنيد، كيف حالك يا شبيهي؟”، قلت له، بعد أن تطلعت به ووجدت أنه يشبهني بالفعل، “أرجوك تفحصني جيدًا، ألا تعتقد أنك تبالغ، فأنا من مواليد البصرة.” ضحك، ثم ضربني على كتفي، وعلق، “غريب، لم تترك أحلامك، كنت تحلم دائماً بالسندباد والبصرة.”، سكت. ابتسمت، وهززت كتفي.

في الحقيقة فكرت حينها، لمَ لا؟ فمازال لدي خمسين دقيقة من الوقت. وهي قصة جميلة. تذكرت أننا يجب أن نخترع القصة أثناء كتابتها، فلماذا لا نفعل ذات الشيء عند روايتها! وأنا الآن أخترع القصة أثناء سردي لمجرياتها. ولقول الحقيقة، فبطريقة ما، أحسست بحنين قديم لملابس البحرية التي لبستها على مدى ستة أشهر من 1 أكتوبر 1978 حتى 1 مارس 1979، عندما كنت في القاعدة البحرية في البصرة مترجمًا لجنرالين ألمانيين شرقيين. كانت أيام خدمتي الذهبية. وكانت جارة بيت جدي المتزوجة تنتظرني بوجد وتصر على لبسي الملابس البحرية عند لقائي بها. وما أزال أتذكر أيضًا، عندما انتهى استخدامي في شعبة الرياضة التابعة للقوة البحرية، والتحاقي بمعسكر المحاويل في الحلة، كيف أن ضابط بطرية المدفعية التي نُقلت إليها صرخ بي: “انزع ملابس النسوان هاي، قشمر”. لم يكتفِ بذلك إنما عاقبني بالزحف على طول ساحة العرضات وعرضها قائلاَ “راح أراويك العسكرية شنو معناها، وشلون راح نحرر فلسطين”.

“قل لي…”، “آليخندرو”، أجابني عندما كنت أسأله ونحن نجلس في مقهى “Regreso”. “آليخندرو، هل صنف البحرية عندكم مكروه أيضاً بين الأصناف العسكرية الأخرى؟”، ضحك وسحب سيجارتين من علبة سجائره. قدم واحدة، فأخذتها رغم تركي التدخين منذ زمن طويل، “أومبرة، سيجارتك الكوبية المفضلة.”، قال لي ذلك وهو يشعلها، “كامبوس، كيف نسيت ذلك.”، أضاف وهو ينفث دخان سيجارته، “ألا تتذكر ضابط المشاة زين العابدين، الذي جعلنا نقف في الشمس يومين في بوينس أيريس، عندما كنا عائدين للتو؟”، علق، وقد بدأت أسارير وجهه تتقلص، “عائدين؟ آليخندرو، من أين كنا عائدين؟”، سألته، فنظر إلي متفحصًا. صاح بالجرسون ليجلب لنا كوبين من الكابيتشينو، ثم فتح فمه، “كنتَ دائمًا ذكيًا يا كامبوس، تلعب أدوارًا عديدة. مرة الأصم. مرة الأعمى. مرة الأبكم. أنني أحسدك”، توقف قليلًا ليرى ردة فعلي، ثم استمر بالكلام هذه المرة دون أن ينظر إليّ، متفحصًا سيجارته التي أتى على أكثر من نصفها، “أنت صاحب اللسان السليط المثقف، لم تقل كلمة للضابط الذي عاقبنا في ثكنة بوينس آيريس لا لشيء إلا لأننا تابعين للقطعات البحرية، وكان يعتقد أن كل القوات البحرية خانت الجيش في حرب الفولكلاند لأن تربيتهم إنكليزية.”، لم أعلق. جاء الجرسون بأكواب الكابيتشينو. أوقف آليخندرو الجرسون وهو يأتي على كوب الكابيتشينو كله ليطلب واحدًا آخر. رمى ببقايا سيجارته على الأرض، “كنت تقول أننا نستحق ذلك، لأننا كنا هناك، بالرغم من معرفتك أننا لم نقاتل.”، دفعت له بكوبي الذي أشربه وقلت له سأنتظر الكوب الذي سيأتي. أخذ آليخندرو هذه المرة جرعة كبيرة أيضاً، “كنت أسألك هل نحن على حق أم الإنكليز. وطبعاً كان جوابك الذكي دائماً”، توقف قليلاً، أخذ جرعة أخرى، وأشعل سيجارة جديدة، ثم أكمل محاولًا تقليد صوتي، “أعرف إذا انهزم الإنكليز فأن حكم الجنرالات سيطول”، صمت، ثم أعقب:

“بالرغم من أنك لم تكن مع الإنكليز.”

جاء الجرسون بكوب الكابيتشينو الثالث. رحت أرتشفه بهدوء. هكذا بقينا جالسين لمدة ما يقارب أربعين دقيقة، لا أدري كم سيجارة دخنّا وكم كوبًا من الكابيتشينو شربنا واحدًا تلو الآخر. آليخندرو يروي القصة تلو القصة عن الحياة هناك، في الفولكلاند. وأنا لم أحاول مقاطعته أو تكذيبه. لماذا؟ كان الشاب يُلقي جمله بقناعة تامة، فيما كان الأمر يلتبس عليّ بسبب ما يقوله، لا يهم إن كنت مقتنعًا بما يرويه أم لا، إنما المهم بالنسبة لي كان رواية الحكاية. طبعاً، كان بإمكاني إيقافه وإشهار هويتي الشخصية أمامه، ولكن كيف أقنعه بجنسيتي الألمانية وقد قلت له في البداية أني من مواليد البصرة؟ وحديثي مع الجرسون باللغة البرتغالية! بل كيف أفسر له إجادتي الحديث معه بلغته الإسبانية (بالرغم من أنه كان يعتبر عدم تحدثي معه بلهجته الأرجنتينية له علاقة بخروجي من الأرجنتين وهي محاولة ذكية مني لتغيير هويتي). ولكن ما هو المنطق أمام شخص يروي القصص على طريقته. ألا يمكن أننا نخترع القصة أثناء روايتنا لها؟ فآليخندرو لم يتحدث عن ماضٍ بتفاصيله فقط ـ حتى أنني كنت أشعر أنني كنت معه بالفعل ـ إنما عن حاضر.

سألته ما الذي يفعله في لشبونة، فحدثني عن باخرتهم القادمة من الأرجنتين، هم في زيارة سريعة لتبادل الخبرات العسكرية، “لم أذهب مع الآخرين، كان هناك نداء يناديني ويقول لي أن كامبوس، شبيهك الذي فقدته في بوينس أيريس، بعد الحرب، لم يقتلوه، إنما هرب ليلجأ إلى موانئ الله، فهو الوحيد الذي نجا من قدرنا، أنت تعرف أننا: إما مدفونون أو مسجونون أو مبعدون.”، تُرى هل أفكر بصديقي ملهم، الأسير بنفس الطريقة. حينها فكرت بالفعل بحماقة الاعتراض على ما يرويه، “ها أنت ترى يا صديقي، السندباد لا يموت.”، قال لي وافتر ثغره عن ابتسامة عريضة، “ها أنا أراك مثلما كنت تقول دائمًا بحارًا على اليابسة”، بعد تلك الجملة التي خرجت من فمه بصوت فيه نغمة لاتينية جميلة، أضاف وهو يؤشر إلى ملابسي الكاريبية، “أنت رجل كاريبي، لا تعوزك إلا أنثى الدلفين!”، فسألته ماذا يعني، فأجاب، “ألا تذكر القصة التي روتها لك صاحبة الحانة عن رجال الأمازون في مدينة ماكوندو؟”، وعندما رآني صامتاً، أكمل، “عندما يرى هناك نفر من الرجال إناث الدلفين تلعب، يحملوهن إلى اليابسة، يلعبون معهن ثم ينامون معهن الليلة كلها”، ضحك وغمز في عينيه، “أنت تعرف أنها تمنح القوة”، لم تتوقف يده من مداعبة أطراف قبعته البحرية، فيما لم تفارق الابتسامة شفتيه، “وأنت أين دلفينك؟”، فقلت له، “رحلت مع بحار كوبي. هل تعرف أنه يشبهك؟”، ضحك وسألني، “لم تنسَها طبعًا؟”، هززت رأسي بالنفي، فقال، “عجيب، في حديثك الكثير من الصحة، فنحن ندور وندور وفي النهاية نستقر عند واحدة، لا يهم من تكون وماذا تفعل بنا”، فسألته متأففًا، “وما هو العلاج برأيك؟”، تطلع بي لوقت غير قصير، حتى شعرت بتوقف كل شئ: دقات قلبي، لغط رواد المقهى، حركة الدخان.

“فقط هو الموت الذي سيحررك منها”، فقلت له، “ولكني لا أريد أن أموت”، فأجابني وهو يسحق السيجارة العاشرة، ربما، تحت قدميه، “أعرف. لذلك هربت من الحرب”، لبرهة سكت، ثم سألني فجأة، “هل عندك دهن الدلافين؟”، فتساءلت متعجبًا، “دهن ماذا؟”، “كامبوس، أنك تنسى كثيراً في السنوات الأخيرة، ألم تقص علي أنت حكاية رحلتك إلى مدينة ماكوندو؟”، وعندما لا حظ صمتي، أضاف بحماس، “من غيرك كان يطوف على المواقع العسكرية عندما كنا مدفونين في جحورنا هناك، وكان يروي لنا القصة تلو الأخرى. كانت قصصك نعيمًا وسط ذلك الجحيم”، في تلك اللحظة وكأن الإلهام هبط علي مرة واحدة، وجدتني أقول له، “تقصد عندما وصلت ذلك المساء أطراف مدينة ماكوندو؟”، فأجاب بحماس، وكأنه لم يصدق، “نعم، نعم”، قبل أن أفتح فمي، أتيت على بقايا الكابوتشينو التي استقرت في قعر الكوب باردة كثيفة قليلاً: “عند المساء وقبل أن تغيب الشمس بقليل، كنت أتجول عند أطراف ماكوندو، تحت عند النهر. طاولات المهربين الممتدة كانت مليئة بكل البضائع النادرة من كل الكرة الأرضية ـ  مسك أيل الهملايا، أبسطة من سمرقند، عطور فيتشي من باريس، رويال لافانديل من لندن، زبد رائب من دبلن، جلد حيوان متوحش من مراكش، زجاجات التكيلا بالأفاعي الصغيرة من المكسيك، طيور الأمازون النادرة، فول زنوج السودان، دفوف خشابة البصرة، وزهرة سوق الشيوخ. وهناك عند أحد زوايا السوق التقيت بامرأة تبيع الأعشاب التي تطيب الدمل الجلدية، وجذور الأشجار التي تنظف الجسد. خلف أهرامات الأوراق اصطفت سلسلة من زجاجات الجوني ووكر المملوءة بسائل حليبي أبيض. سألتها ما هذا، فأجابتني أنه دهن دموع إناث الدلفين. إذا أخذت بعض القطرات ودهنت جفن عيونك، وجهك، يديك فإن الإنسان الذي يحبك سوف لن ينفصل عنك!!”

هذه المرة سألني آليخندرو، فيما إذا كنت قد اشتريت زجاجة من هذا السائل، بعد أن نسى أنه قال لي قبل قليل أنه يعرف القصة، ولكننا نعرف أننا كلما روينا القصص كلما تبدل مجراها؟!

“طبعًا. استعملته. كان زمنًا جميلًا، لم تبق امرأة ولم أجذبها مثل المغناطيس، حتى وجدت تيريزا المرأة التي كنت أبحث عنها منذ زمن طويل لم أشأ أن أقضي معها وقتًا عابرًا فقط. هكذا أردت البقاء معها إلى الأبد. سكت للحظة، كنت أنتظره يسألني ولكني رأيته مخدرًا بقصتي، فتابعت ببطء، “لسوء الحظ بدأت هي أثناء غيابي بدهن نفسها، بالرغم من أنني أخفيت الدهن بعلبة نسكافيه فارغة. في اليوم الثاني، ظهر عند باب البيت رجل غريب. لم يمضِ وقت طويل حتى ظهر آخر وآخر، إلى أن قَدِمَ رجل ضرب على جرس البيت. ناداها باسمها، فنزلت مسرعة بحقيبتها دون أن تودعني. تبعتها فرأيتهما عند الميناء. كان بحارًا كوبيًا!”، أشعل سيجارة جديدة، قدم لي واحدة فرفضت.

“وما هي مشاريعك الآن؟”، سألني، فأجبته، “أحاول استرجاعها والذهاب للعيش معها في الريف، لأنني تعبت من المدينة وثانيًا لأنني أريد إنجاب الأطفال منها، وهناك أحسن لنا وللأطفال”، ضحك وقال: “لا داعي للانتقال إلى الريف من أجل الأطفال، فهم يولدون مثل نبات الفطر أينما كنت، حتى في المزابل. ثم كيف تستطيع إرجاعها؟”

لم أجب. سكتُ. بل سكت هو أيضاً وكأننا كنا متفقين على نهاية القصة. فكما تعرفون كل قصة يجب أن تنتهي بشكل ما، أن تنتهي ربما بنفس الشكل الذي بدأت فيه، حلقة مفرغة تدور حول نفسها، لنجلس بعدها هناك، ولا نعرف من كان يروي القصة، نحن؟ أم صوت في داخلنا؟ أم هي القصة التي تروينا؟ تبادل أدوار لا يعرف فيه، من ينصب شرك القصة لمن؟ وللحقيقة فأننا، آليخندرو وأنا نسينا أمرنا نحن الاثنين لبعض الوقت. نسيت أنا هكذا مرة واحدة أمر الجرائد، أمر الساعة ودخلت معه في الحديث وكأننا بالفعل نخترع القصة لأنفسنا ونعيشها بأنفسنا. فسألته أنا هذه المرة: “ولكن ماذا عنك أليخندرو، ألم تفكر بالهروب من الجيش أنت أيضاً؟” إنفتحت أساريره وكأنه ينتظر هذا السؤال مني، “طبعًا. بسبب ذلك الكتاب الذي كنت أحدثك عنه دائماً”، نظر لي. لم يقنعه هز رأسي له وتصنعي فهم ما يعنيه، فأكمل، ” بوّدي تأليف كتاب عن الوجودية والعسكرية لكن اللعنة على الجيش، لا أستطيع الهرب، لدي أطفال أربعة، مثل نبات الفطر”.

لقد أحزنني بالفعل. ولم أعرف ما أقوله بعدها. سكتنا لبرهة وسرحت طويلًا. ارتسمت أمامي صورتي وأنا في ملابس البحرية. هل هو قدري الذي بعث لي بآليخندرو ليعيد لي ذلك الحنين لتلك الملابس؟ ليست كل السنين التي فاتت على حرب عشتها بكل لهيبها ولا الزمن الذي مرّ عليّ وأنا في هذه المدن الجديدة التي عشت فيها ولا كل النساء التي عرفتهنّ، بل حتى عودة تيريزا يبدو أنها لم تستطع تغيير ما هيأه لي قدري ما عدا ظهور هذا الرجل الأرجنتيني القادم من حروب فوق أراضٍ بعيدة؟ أسئلة كثيرة انهالت فوق رأسي. كنت غائبًا بالفعل، لولا صوته الذي أيقظني: “وماذا تريد أن تفعل الآن؟”، نظرت له بارتباك، كمن صحي من غفوة طويلة. تطلعت بالساعة الكبيرة المعلقة وسط صحن المحطة والتي كنت أراها من مكاني. رأيته يبتسم متطلعًا إليّ. فجأة وجدتني أسأله: “آليخندرو، أنت تعرف محبتي لملابس البحرية.”، هز رأسه مؤكداً، “وأنتَ تحب الكاريبيين، وتريد الهروب من الجيش، مثلما أعرف.”، لم يكن هناك شك بأنه يوافقني على ما أقول، “ما هو رأيك أن نستبدل ملابسنا؟”، فسألني وقد استحوذت عليه الدهشة، “الآن؟”، فأجبته، وأنا أنهض، “نعم، الآن.”

نهض هو الآخر. أراد أن يُخرج محفظة نقوده ليدفع، فقلت له ألا يفعل لأننا سنرجع. كنت أعرف مكان التواليت. توجهت إلى هناك فتبعني. دخلنا توالتين متجاورين. سلمنا الملابس واحدا للآخر من فوق الحاجز الكونكريتي الواطئ. عندما انتهينا قلت له، “أخرج أنت قبلي، سألحق بك”، فقال لي، “كامبوس فيك من العبقرية ما يُخرس”، سمعته وهو يصفق الباب خلفه ويصعد السلم المؤدي إلى المقهى.

غادرت التواليت بعده بدقيقتين. وعندما أصبحت فوق، تذكرت أنني تركت هويتي الشخصية والنقود في جيوب بدلتي. لم أتجه إليه حيث جلسنا، إنما سرت صوب الباب الخلفي المواجه لباب الحمام حريصًا على ألا يراني، وأنا أخرج من هناك. لم يستغرق الأمر غير ثوانٍ قليلة عندما أصبحت في صحن المحطة. عاينت ساعة المحطة الكبيرة، كانت السابعة بالضبط. ولكن لا حاجة لمعاينتها أصلًا، لأن صوت فرامل قطار تيريزا الذي انتهى إلى رصيفه المعد له وصل سمعي، بالرغم من أنني كنت أدرت له ظهري وأنا أتجه إلى باب المحطة الآن.

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا