the short story project

search

شيخة حليوى | من:العربيّة

حياة من خشب

Introduction by سفيان رجب

يتشكّل مشروع شيخة حليوى الأدبي كمشروع قاصة عربية متميزة، تمتلك قدرة عالية على بناء عوالم قصصية مدهشة وغنيّة بالرّموز الإنسانية التي تستمدّها القاصة من الكتب ومن حياتها. تبدو عوالم شيخة القصصية مزيجا بين حميمية ووحشيّة، أماكن هادئة وذات ديكور عتيق: نزل قديمة، بيوت ذات ستائر سوداء وخزائن خشبية قديمة، بيوت نوم ممتلئة بالرسائل... لكن تسكنها أشباح وشخصيات مجنونة. كلّ ما تفعله شيخة في قصصها أنها تأخذ الواقع كما هو وتضيف إليه قليلا من الفانتازيا الخفيفة، وهذا ما يخلق التباسا في ذهن قارئها الذي ما يكاد يعدّل مقروئيّته على الحدث العجائبي الذي تختلقه حتى تعود به إلى عالم واقعيّ، ثمّ تنسفه بجملة مربكة تنهي بها قصّتها، وتفعل تلك الجملة ما تفعله الرّصاصة الخارجة من مسدس مصوب نحو المشاهد في فيلم يُبثّ على شاشة ثلاثية الأبعاد. في هذا النصّ، حياة من خشب، تروي حليوى حياة نساء كثيرات، نساء من الشّرق، بدوّيات وغير بدويّات، تحوّلت حيواتهنّ إلى مجرّد خزانة أو صورة أو صندوق. إنّها تروي قصّة تحنيط الزّمن وتعليبه في قالب سرديّ يطرح تفاصيل بسيطة لكن عميقة في حياة امرأة مهمّشة، تحوّلت حياتها إلى مجرّد غرض عتيق لا يقدّر غيرها ثمنه. كأغلب قصص حليوى، تقوم القصّة على التكثيف وعلى توظيف الرموز، لتتحوّل النهاية إلى صرخة تقوّض تدجين الإنسان، صرخة صامتة تشبه صرخة مونش، لا صوت لها، لكنها قادرة على إيقاظ العالم النائم.

اقرأ المزيد

يخالُ الناظر إلى الصّورة الكبيرة المُعلقة على حائط الصالون الواسع أنّ فيها خللا ما. هو خلل لا يستطيعُ تحديده من النظرة الأولى، وربّما ليس من الثانية، ثمّ لا حرجَ عليه إن أدام النظرَ إليها، فهذه الصور الكبيرة وإطارها المختار بعناية علّقت هناك كي ينظر الجميع إليها ويُدقّق في تفاصيلها الثابتة. لكنّ هذه الصّورة ليست كصور الزّفاف الصخريّة الصّامدة التي تطلّ منها وجوه مبتسمة ونظرات متعلّقة ببعضها أو بالمدى المُمتد أمامها. هي صورة قديمة وربّما باهتة قليلا، النظرات ليست عاديّة، أو ربّما لعبة النظرات ليست مألوفة.

  • أرجوك يا عروس انظري إليّ، هنا هنا نحو الكاميرا. لا لا ليس نحو هذه الزاوية! نعم أنت أمسكها من يدها وانظر في عينيها وأنت أيضا انظري في عينيه، لا ليس هكذا! يا إلهي ما هذه الورطة؟ أرجوكِ انظري نحو عين الكاميرا أو نحو عين عريسك!
  • لا لا تنظري نحو هذا المارد اللعين، قالها في سرّه ثمّ استسلمَ.

وتوقّفت الصورة عند تلك اللحظة، جمعتها كلّها بوضوح وبساطة. عريس جامد الملامح ينظرُ إلى الفراغ أمامهُ، وعروسٌ تنظرُ إلى يمينها الذي يظهر منه طرف خشبيّ ضخم لشيء يشبه الخزانة. هكذا يتمّ تعليب الزّمن دون مراعاة تاريخ انتهاء الصّلاحيّة، ومعه نحفظ في الإطار بعض القناعات الخفيّة وبعض الرضا أيضا لأيّام نسأل فيها: هل حقّا مضتْ عشرون سنة؟ ثلاثون؟

المرآة المعلّقة في غرفة النوم بما تحملهُ من ندوب بشعة على سطحها تُطيح بأكذوبة الصّور والزّمن المعلّب. أمامها تُحصي العروس القديمة التجاعيد الجديدة وتنعى النضارة الزّائلة ثمَّ تُربّت على كتف القناعة والرضا قبل أن تنتهي صلاحيّتهما.

القناعة أنّها تزوّجت مقابل ثروة حضاريّة على شكل خزانة خشب عملاقة. هي القناعة الّتي أورثتها الرضا، وكلاهما كانا كفيليْن أن تعيش. لا تعرف إلى متى يعود تاريخ هذه الخزانة، ولكنّها كانت سببا في حياة زوجيّة هادئة لجيلين أو ثلاثة من النساء تنتهي بحماتها. وتبدأ بها جيلا رابعا.

هذه تزوجت مقابل عشر أساور ذهب، وتلك مقابل غرفة واسعة أنيقة في بيت حماتها، وأخرى ضرّة مدلّلة على زوجة عاقر. 

ووردة تزوّجت مقابل خزانة خشب تلمُّ بين دفّتيها المتينتيْن فرشات صوفٍ سميكة.

كانت عروسا نضرة حين سمعت إحداهن من وراء الحائط تقول للأخرى بينما كانت هي تنشر غسيلها :

  • تزوجت مقابل خزانة. الكلّ يعرف ذلك. أمّها لم تخفِ ذلك يوما، يقولون أنّها في يوم زفاف ابنتها قالت بين زغرودة وأخرى “ابنتي العروس عندها ما لا تملكه واحدة منكن! خزانة خشب من الأرض إلى السقف، عشرة رجال لا يحرّكونها من مكانها.

ماردٌ من خشب يطغى على حضور عروسيْن في صورة زفافٍ تقليديّة. وقفا بجانبه يُرتّبان نظراتهما ووقفتهما المرتبكة.

كانت تكن له تقديرا عظيما، لذلك العملاق الخشبيّ. أمّا زوجها فكانت مطمئنّة أنّها تقوم بواجبها اتّجاهه زوجة مطيعة ومدبّرة، ولا مجال للمقارنة بينهما. الغلبة للأوّل، ولولا شموخه في غرفة الصالون الواسعة لخالطها شعور بأنّها سيقت إلى بيت الزوجيّة كنعجة عجفاء. حافظت عليه كما تحافظ على كرامتها. مجوهراتها القليلة باعتها كلّها، ملابسها لم تعد تحتفظ إلا ببعض قطع لم تتلف ولم تتلاشى رائحة الذاكرة فيها.

إلا الخزانة! حرصت على الاعتناء بها كواحد من أولادها الأربعة. طقوس تنظيفها وترميم أطرافها التي تخدشها مكنسة عمياء أو عابر مُتكاسل كانت تحاكي طقوس الفرح في أسرتها القريبة. وأحيانا تتفوّق عليها. هذه المقارنة في أعماق تفكيرها لم تكن تسبب لها الحرج.

كل بيوت القرية معظمها استغنت عن فرشات الصوف واللحف الثقيلة، فلم تعد هناك حاجة إلى خزانة كبيرة مبتورة الأبواب يحفظون فيها فراشهم. قلّة من البيوت كانت تجعل من غسيل الفرشات وتنجيدها موسما احتفاليّا لتُرتّبها بعدها زاهية في خزانة خشب متواضعة. وهي كانت مواسمها أكبر من غسل فرشات لم يعد لهنّ استخدام إلا نادرا، كانت مواسم لإعادة البهاء لفكرة أنّها زوجة ممهورة وأنّ مهرها لا يقلُّ عن أيّ من قريناتها المتزوجات.

كبر أبناؤها وزوّجتهم جميعا دون قلقٍ كبير. لم تعرف أنّها ستتعوّض بكثير منه، ذاك القلق عندما يتقدّم لابنتها شابٌ لا يملك سوى غرفة صغيرة متواضعة اقتسمها من بيت أهله، وأنّ ابنتها ستحبّه وتتمسّك بالزواج منه رغم شُحّ حاله. لم تسمح قديما لنساء الحيّ أن يسخرن من حالها، أو لم ترضَ أن يتسلّل إلى قلبها إحساس بأنّها أقلّ من أيّ واحدة منهنّ. ولكنّها الآن وهي تزوّج ابنتها مقابل لا شيء كيف ستحميها من أن تصغر أمام صبايا القرية؟ لا يبدو أنّ هذا الأمر يعني ابنتها من قريب أو بعيد، فكيف ستحمي نفسها وهي تسلّم ابنتها عروسا مقابل لا شيء؟

لا شيء.

في ساعات الصّباح والبيت كلّه منشغلٌ في الاستعداد لزفاف البنت الوحيدة توقّفت أمام البوابة الكبيرة شاحنة عملاقة نزل منها خمسةُ رجال أقوياء بعضلات تكاد تخترق أكمام قمصانهم الضيّقة.

خلال دقائق كان الرجال الخمسة يحملون بصعوبة خزانة ثقيلة ويضعونها في الشاحنة متّجهين نحو بيت العروس هديّة من أمّها. العيون التي كانت تتفحّص العروس الخجولة راحت تُتابعُ المشهد المُثير وتراقب الأمّ وهي تنبّه الرجال ألاّ يخدشوا حملهم:

على مهلك، على مهلك! احذر هذه الحافّة، انتبه يا رجل هناك عتبة! أووووف ألا تفهمون كم تساوي مثل هذه الخزانة؟

ربّما أرادت أن تقول: ألا تعرفون أنّني قايضتُ بها حياة كاملة؟

قد لا يكون أحدٌ منهم يعرف ماذا يعني هذه الّتي قايضت بها حياة كاملة؟ هو ليس أكثر من خزانة ثقيلة مبتورة الأبواب.

“طلعة خزانة أم طلعة عروس؟”

 لا بدّ أنّ هذه العبارة كانت على لسان كثيرين أو في أقلّ تقدير حضرت في محاولتهم لنقل تفاصيل العرس الغريب لمن فاتته المُشاركة. في أحاديث النميمة الصباحيّة كانت حاضرة بقوّة، لا شكّ في ذلك.

“طلعة خزانة أم طلعة عروس؟”

  • لو حملوا معهم الفرشات أيضا. ألم تكن هذه الفرشات حجّة للإبقاء على الخزانة؟ الأشياء حجّة الوعاء، أيُّ ظلمٍ هذا!

لأيّام طويلة وبعد أن احتلّ صالون بيتها فراغ واسع ألحّ عليها سؤال غريب:

أليست الحياة التي عشتها هي وعاء أيضا؟ وأيّ حجج تعلّقتُ بها للإبقاء عليه، أقصد عليها؟

بعد أيّام كانت أريكة الزّوج ذات العشرين عاما تحتلّ المساحة التي تركتها الخزانة وفوقها مباشرة صورة الزّفاف القديمة الباهتة. الزّوج لم يسأل ولم يعترض. جلس على حافتها وصرخ متجهّما كعادته طالبا قهوته.

ضحكت من قلبها وهي تقدّم له فنجانه.

ليس هناك أمرٌ مسلٍّ أكثر من زوجٍ خشبيّ يلحُّ في طلب قهوته الحلوة.

* قصّة من المجموعة (الطلبيّة C345) الحائزة على جائزة ملتقى القصّة القصيرة العربية عام2019

 

6
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا