اكتب القصص

ليلى عبد الله | من:العربيّة

خارج النص

Introduction by ريم غنايم

بينَ نصّين متوازيين، وبحركة سرديّة خافتة وناعسة، تحاول الكاتبة ليلى عبد الله أن تكشفَ عن مسألتين تتحاوران دون حوار مباشر في سياق الخلق والتأليف: خلق النصّ وعبثُ الآخرين فيه، وخلق الإنسان داخل النصّ الإلهي وعبث الآخرين فيه. هذا التوازي بينَ العالمين، ومفهوم الوساطة والخروج من النصّ الإلهي-البشريّ، قسرًا وطواعيةً، يخلقُ من ذاته أسئلة حول الخروج الطوعي البشريّ من الحياة، انتحارًا، وخروج الكلمات من نصّ المؤلّف طواعيةً أيضًا، ليُطرح سؤال جوهري حول مفهومَي الحريّة والإرادة، ابتداءً من الكلمات التي تعلن مللها واحتجاز المؤلّف الإله لها وقرارها مغادرة النصّ بإرادتها، وانتهاءً بالراوية التي تتابعُ سلطة الخالق وقمع المخلوق، لتعلنَ هي أيضًا عن خروجها من “النصّ” الأكبر بإرادتها في تصريحٍ وجوديّ أخير يعزز فلسفة الانتحار وعلاقته بالحريّة.

 
اقرأ المزيد

طاولة بدعامة حديدية تجاور السرير، رزمة من الكتب النقدية و الفلسفية، روايتان ومضخم صوت يحتلان أحد أركانها، يتوسط الحاسوب الطاولة أين فُتح على إحدى القنوات الوثائقية.

كتَبَ في خانة البحث كلمتَين، “خارج النص”، فتبادرَ إلى ذهني مباشرة سؤال كيف يمكن أن نكون خارج النص؟ أو كيف للكاتب أن يكون خارج نصّه؟

تناسيت الأسئلة وأنا أتابع سهم الفأرة على الشاشة. أختار عنوانا من أرشيف البرنامج وأنقر عليه مرّتين، ففُتحت نافذة فيديو لا تتجاوز مدّته خمسًا وعشرين دقيقة. كان موضوع الحلقة حول كتاب الهويات القاتلة لأمين معلوف.

متكئةً على ذراعه بينما يده الأخرى تداعب شعري، صببت جلّ انتباهي على حلقة البرنامج. كان الموضوع شيقًا جدًا حدّ أنني لم أحرك ساكنًا إلى أن انتهت الحلقة.

 “من أين لك بهذه التحفة؟”سألته مثل طفلٍ عثر لتوّه على منبع لا نهائي من الحكايات. “البرنامج موجود من فترة طويلة على اليوتيوب”، أجاب بنبرة العارف الذكيّ.

أخذني البرنامج، الموسيقى، طريقة التقديم، موضوع الحلقة وخاصة العنوان. لم أتفطن إلا ليده وهي تسحبني من بطني. أحب هذه الحركة، تشعرني بالأمان والاحتواء وأنا التي أعيش غربتي من زمن.

 “من فترة طويلة لم أشعر بهذا الإشباع المعرفيّ، لقد تركت فيّ  الحلقة أثرًا والكثير من الأسئلة”، قلت وأنا أقرأ عناوين بقيّة الحلقات.

 “تعالَي حتى أترك عليك أثري وألج نصّك”، قالها وهو يحاول تحريري من قميصي القطنيّ.

***

أغلق الحاسوب ثم وضعه في حقيبته السوداء. كثيرا ما كان يحملها على كتفه الأيسر وهو في طريقه إلى الجامعة. وضع الكرسي أمام الخزانة وسحب من فوقها حقيبة سفر صغيرة الحجم  يستعملها عادةً عند تنقله من مدينة إلى أخرى لإلقاء محاضرة أو المشاركة في ندوة.

وضع حقيبة الحاسوب السوداء داخل الأخرى وأقفلها مستعملا قفلا حديديًا. صحيح أنه صغير الحجم لكنّه يفي بالغرض. هذه المرة لا يمكنها الفرار، فقد حجزها داخل حقيبتين. كان هذا آخر الحلول التي لجأ اليها بعد أن فشلت سابقاتها.

اعتقدتُ في بادئ الأمر أنه نسي ذكر اسمه لكن الأمر أصبح أكثر من غياب اسم، فقد اختفت الأوصاف ثم الأفعال. فَبَعد كل ليلة يترك فيها الحاسوب يستيقظ في الغد ليجد جُملا ناقصة من نصّه. استغرب ما حدث لكن الأمر أصبح محيرًا أكثرـ خاصة عندما يجد فراغاتٍ بيضاءَ مكانَ الكلمات التي اختفت.

قرّر في البداية إغلاقَ حاسوبه فكثيرا ما كان ينساه مفتوحا إلى أن ينطفئ لوحده. لكن الأمر لم ينجح، فما زالت الكلماتُ والجمل تطير من نصّه مخلّفةً البياض مكانها. حاول بطرق مختلفة إلا أنه كان يفشل في كلّ مرة، والليلة قرّر أن يقفل على حاسوبه داخل حقيبتين علّه ينجح في إبقاء الكلمات في مكانها. 

لم يغمض له جفن وهو يراقب الحقيبة الموضوعة قبالته بجانب الحائط. قرر أن لا ينام حتى الصباح. ظلّ يدخن ويشرب القهوة تلو الأخرى إلى أن لاحت له من خلال النافذة خيوط الفجر الاولى. اتكأ على السرير محاولا أن لا يشيح بنظره عن الحقيبة، لكنّ النعاس قد أخذ منه مأخذًا، فلم يفق إلا على صوت المنبه وهو يزعق معلنًا الثامنة صباحًا.

قفز إلى الحقيبة الأولى، فتحها بقوة جاعلا القفل يطير في الهواء ثم الثانية، وضع الحاسوب أرضًا، تطلب الأمر دقيقتين ونصف الدقيقة أو اكثر بقليل، لفتحه، ثم بنقرتين ظهر النص أمامه. أمسك برأسه بحركة عصبيّة وهو يصرخ “كيف يمكن لهذا أن يحدث، كيف كيف؟”

كان النص شبه فارغ فاغلب الفقرات يكسوها البياض مثل رأس كردي غزاه الشيب، فجأة لكن المفاجأة التي جعلته يصرخ هو ما كتب بالخط العريض في أسفل الورقة:

“لقد مللت احتجازك لي، أغادر نصك هذه المرة بإرادتي، أنا الآن حرّ، أنا خارج النص”.

***

وضعَت الظرف فوق الطاولة بجانب سريرها بشكل يمكنُ رؤيته بسهولة، ثم أفرغت كلّ ما في القنينة من حبوب في حفنتها وبحركة واحدة رمتها كلّها في فمها و ألحقت بها جرعة من الماء.

تدحرجت الحبيبات البيضاء داخل بلعومها بشكل منتظم وكأنها قد نظمت في خيط رفيع إلى أن وصلت إلى فتحة المعدة فتوقّفت الحبة الأولى بشكل مفاجئ جعل من الأخريات يتصادمن وراءها ويتكدسن فوق بعضهن. تساءلن عن سَبب هذا التوقف المفاجئ فصاحت الأولى برعب قائلة بأنها تخاف الأماكن السحيقة والمعدة تبدو من فوق كثقب أسود مستعد لالتهام وطحن كل شيء.

أحست بشيء يسد آخر البلعوم فأخذت الكأس من جديد وعبأت منه جرعة ثانية أكبر من الأولى، تعالت صيحات الحبيبات وهن يشاهدن الموجة العملاقة تقترب منهن لتحملهن بقوة إلي جوف المعدة. تناثرت الحبات وارتطمت على جدار المعدة مفتتة العقد الذي نظمن فيه كحبات لؤلؤ يمنيّ.

بحركة جميلة، أسدلت شعرها على الوسادة ثم أراحت خدها أولا وبالتدريج بقية رأسها. أرادت التأكد أن وضعية رقبتها مريحة. لن يمرّ وقتٌ طويل حتى يأخذها النعاس، نعاسٌ أبديٌّ تغادر فيه الحياة  بهدوء دون ضوضاء، موت رومانسي يداعب أجفانها ثم يسري إلى بقية جسدها فتتخدر أعضاؤها تدريجيا إلى أن يصل الخدر إلى القلب فيتوقف عن النبض بهدوء.

 ” ذاهبة أنا إلى الاعلى إلى المؤلف الأول لأخبره انني لم أجدني يومًا في نصّه وأنّ عليه في المرة المقبلة أن يرسله على شكل إيميلات، فالكلّ يمتلك الانترنت ولن يحتاج الى وسيط يعبث بنصّه في كلّ مرة”.

 

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا