the short story project

search

تمار عيلام غيندين | من:العبرية

داراب في النّهر

ترجمة : ريم غنايم

ابنة بهمان، هي الملكة هوماي،

نالت حظّها من النّصر.

رغبَت عن توريث وَلَدها كرسي الحُكم.

فألقت به في النهر.

غاسلان انتشلا الولد،

الذي نشأ وكبر بقلب أسد.

سمّوه داراب، وللمعارك انجذب

وعن إيران بالروح والدم حارَب.

كان للملك بهمان ابن وابنة. اسم الابن ساسان، والابنة ايمها هوماي. كانت هوماي آيةً في الجمال، والذكاء والموهبة. حتى أنّ كلّ من رآها فاضَ قلبه فرحًا وحبًا. أحبّها بهمان أكثر من حبّه لأخيها. عندما اعتلّته علّة وأشرفَ على الموت، استدعى بهمان كبار رجال المملكة وأمرهم أن ترث هوماي العرش، وإذا ولدت ذكرًا وكبر- يرث تاجه وعرشه ويكون ملك الملوك. أثارت هذه الوصية حفيظة ساسان فغادر المملكة في فورة الغضب.

بعد وفاة الملك بهمان، تربّعت ابنته هومي على العرش إلى حين إتمامها أيام حملها. عندما أنجبت هوماي ولداً ذكرًا، كان عليها أن  تنقل الملكية إليه. لكنّ هوماي كانت ملكةً، وأيّ ملكة. أمدّت المقاتلين في جيشها بأجود الأسلحة، وكانت حاكمة عادلة وكريمة وطيّبة مع رعاياها. ازدهرت إيران وشعرت هوماي أن أيام تولّيها الحكم لم تنته بعد. إلى جانب ذلك، رغبت في الحكم والقيادة بشدّة، وحزّ في نفسها أن تتنازل عنهما. لذلك سلّمت الولد سراً لمرضعة، وكلما سأل أحدهم عنه، قالت إن المولود مات.

عندما بلغ عمر الطفل ثمانية أشهر، أمرت هوماي أحد النجّارين ببناء صندوق خشبيّ من شجرة فريدة تنمو في الجبال. وقد بطّنته بالحرير وطلته بالطين والزفت. ووضعت الرضيع على الحشية الرقيقة الناعمة وربطت حجارة ياقوت حول ذراعه، ونثرت حول مرقده الأحجار الكريمة والعملات الذهبية التي لا حصر لها، وغطّته ببطانية حريريّة ناعمة لتبقيه دافئًا، وعند منتصف الليل، بعد أن غطّ الطفل في نومه، سدّت هوماي  غطاء الصندوق وتركته في مياه نهر الفرات. أبحر الصندوق في النهر مثل سفينة يتبعه خادمان مخلصان وأمينان على السّر، كي يراقبا الصندوق وأين سيتوقف ومن سيعثر عليه وماذا سيفعل به.

عند طرف النهر، كان هناك منزل صغير عاش فيه غاسلٌ وزوجته. وُلد لهذين الزّوجين طفلٌ من مدّة وجيزة  لكنه توفي، وكانا الاثنان كسيرَين يعتصرهما الألم، وقضيا الأيام في البكاء.

في ذلك اليوم فجرًا، خرج الغاسل ليجلب الماء من النهر، فرأى صندوقًا يطفو فوق مياه النهر وقد أوقفه حجر استخدمه الغاسلون في تنظيف الملابس. انتشل الصندوق من النهر وفتحه وإذا به يفاجأ بالطفل نائمًا. بعد هنيهات من أثر المفاجأة عاد إلى رشده وأخذ الصندوق وعاد به إلى المنزل.

أحضر الغاسل الصندوق إلى المنزل، وفي يده ملابس رطبة. قالت زوجته في غضبٍ: “كيف سنعيد لزبائننا ملابس رطبة؟ من سيدفع لك لقاء هذا العمل؟ من أين سنأتي بخبزنا؟” ردّ عليها الغاسل: “لا حاجة لنا بأجر العمل بعد اليوم. جئت لك بماسة ومعها أحجار كريمة ثمينة لا حصر لها. سوف تضيء حياتك وتوسّع رزقنا.” فتح غطاء الصندوق ورأت الزوجة الرضيع النائم، جميلا ووديعًا كالبدر يشعّ بوهجٍ ملوكيّ. حول رأسه اللؤلؤ وعند قدميه العقيق وأحجار الزمرّد واليَشب، وعن شماله الدنانير، وعن يمينه أحجار الياقوت الأزرق والأحمر. فاض قلبها حبًا وسعادةً. وعلى الفور ضمّت الطفل إلى حضنها وأخذ تُرضعه.

بعد مضي ثلاثة أيام، حان الوقت ليمنحا الطفل اسمًا. بما أنّ “الماء” بالفارسيّة تعني آب، فقد أطلقا عليه اسم “داراب”، لأنهما انتشلاه من الماء.

بعد مدة من الزمن، قال الغاسل لزوجته: “سيءٌ هو حظّنا هنا، والجميع يعرفنا كغاسلين فقيرين. لقد تبدّل حظنا. والآن تعالي نغير مكاننا أيضًا، وننتقل إلى مدينة لا يعرفنا فيها أحد.” وانتقلا مع ابنهما داراب إلى مدينة أخرى، على بعد ستة فراسخ من المكان. ببعض الأحجار الكريمة والذهب اقتنيا منزلا فسيحًا من حوله بستانًا وأراض، وعاش الاثنان حياة يغمرها النعيم والسعادة. قالت المرأة لزوجها: “الآن وقد أصبحنا أثرياء، لا حاجة لك بالبحث عن عمل.” لكنّ الأب، الذي أحبّ مهنة غسل الملابس، أجابها: “كلّ عملٍ يحترم صاحبه!” وهكذا واصل الأب العمل وتوفير سبيل للعيش لعائلته، بينما اهتمت الأم بتربية الطفل ورعايته.

كانت نشأة داراب مثار إعجاب وقد تحوّل إلى فتى وسيم. بدا عليه أنّه فتى استثنائيّ. كان فتيًا ويشعّ منه مجد الملوك، وفي المصارعة هزم جميع أقرانه. في يومٍ استدعاه والده وقال له: “أنك في غنى عن البحث عن عمل. تعال أعلمك كيف تضرب الملابس في الحجر وتنظفها.” لكنّ داراب هرب إلى ركنٍ حيث بنى قوسًا ونشابًا من غصن وجده ومن حبل مرن، وخرج ليصطاد الطير. لم يرق للأب عمل الابن، لكنّ داراب لم يرغب قطّ في أن يصبح غاسلا. طلب من والده أن يجد له معلّمين يدرّسونه الكتب المقدّسة والفنون. تعلّم داراب القراءة والكتابة وكان بارعًا في ركوب الخيل، والرمي بالقوس والنشاب، وبفنون القتال والفنون الأخرى.

بعد مضيّ عدّة سنوات، وكان داراب ما زال بهيّ الطلعة، طويل القامة كثير المواهب، حضر إلى والده وقال له:” يا أبي! إنني في الظاهر ابنك، لكنّني لا أشبهك في شيء. قل لي أرجوك من أنا وما أصلي!”

قال له الأب: “الباحث عن أبيه، تجد سرّه عند أمّه.”

ذهب داراب إلى أمّه واستلّ سيفًا وقال: “ها أنا أسألك وأريد منك أن تجيبيني بصراحة: من أنا؟”

ذُهلت الأم ورَوَت له سيرته كما هي: “كنت طفلا معافىً وجميلا، لكننا لا نعلم شيئًا عن مولدك. في يومٍ، نزل والدك ليجلب الماء للغسل ووجدك تطفو فوق مياه النهر داخل صندوق على حشية حريريّة ومن حولك الأحجار الكريمة والعملات الذهبيّة، والياقوت مربوط إلى ذراعك- الياقوت الأحمر ذاته الذي تضعه حتى يومك هذا.”

سألها داراب: “هل بقي شيء من هذه الكنوز؟”

أجابت المرأة: “نعم”. ناولته الدنانير التي تبقت من الكنز واشترى داراب بها خيلا وسلاحًا وغادر لخدمة حارس الحدود في بلاده. راق داراب لحارس الحدود واهتمّ بترقيته وعيّنه في منصب كبير.

ثمّ أغارَ الرومان على إيران، تماما عند هذه النقطة الحدوديّة. قُتِلَ حارس الحدود في المعركة، وأرسل نائبه  للملكة هوماي إخطارًا بالأمر. عيّنت هوماي قائد جيشها رشنواد كي يحشد لها جيشًا ويخرج لمواجهة جيش روما، والتحقَ داراب بالمقاتلين.

قبل مواجهة روما، حضرت هوماي بجلالها في زيارة لجنودها. مرّ الجنود جنديًا جنديًا من أمامها وعندما جاء دور داراب انحبست أنفاسها عند رؤيتها له. فقد أسرها عنقه المنتصب، وقوّته وبهاؤه وجلال وجهه الملوكيّ. وفجأة، ودون نية أو سيطرة، صار صدرها ينزّ حليبا. سألت: “من أين هذا الفارس؟  يبدو بطلا حقيقيًا لا خوف يتملّكه، بقامته المنتصبة، وقوّته والمجد الساطع منه. لا بد أنه سليل ملوك وأبطال! لكن سلاحه لا يناسب مقامه وقدراته.” طلبت من رشنواد أن يزوّده بأجود الأسلحة.

واصلت التنقل والتعرّف إلى مقاتليها واحدًا واحدًا، واهتمّت بطلباتهم. اختارت يوما تسطع فيه نجوم إيران وأمرت رشنواد أن يشن هجومًا على روما في ذلك اليوم.

في يومٍ، وهم في طريقهم، كدرت السماء وهطل مطر غزير على الأرض. رعدت رعودٌ تصمّ الآذان وبروق تعمي العيون. أسرع كل الجنود إلى نصب خيام على الساحل وإيجاد ملاذ من المطر. لم تكن لداراب، الذي كان يمتطي الخيل لوحده، خيمة يهرب إليها. وجد خرابة متهافتة، وهناك، تحت  سقف آيل للسقوط، تمدد كي ينام على الأرض العارية الجافّة.

تجوّل رشنواد بين جنوده ليتفقد أحوالهم. فجأة، سمع صوت نشيد يأتي من إحدى الخرائب المجاورة.

يا سقفًا متهافتًا، اسمعني، ساعدني!

احم ملك إيران وصُنه.

لم يكن له ملجأ، فجاء إلى هنا.

ومن تحتك يمرّ ليله.

فكّر رشنواد: “هل أسمع كلامًا في رياحٍ تهب وفي رعودٍ تتدحرج؟” وفيما هو يفكّر، سمع النشيد ثانية:

أيها السقف الآيل للسقوط، اصغ إليّ رجاء:

لا تعمِ عينيك عن الحكمة!

فمن تحتك ابن الملك بهمان.

احمه من المطر، واستجب للدعاء.

هذه المرة كان رشنواد واثقًا من أن النشيد يأتي من الخرابة، وأصابته الدهشة لأنه لم ير إنسًا هناك.

أيها السقف الواهن، قف حارسًا!

صن من الأذى وقِ من المطر.

شدّ الأزر، استعد، احم ابن

بهمان شاه، ابن اسفنديار!

عندما تكرر النشيدُ ثلاثًا قرّر رشنواد أن يرى من في الخرابة ومن ينشد هناك. وجد الرسول جوادًا مبللا حتى عظامه وجنديا يرقد نائما على الأرض تحت سقف آيل للسقوط.

أخبر رشنواد بالأمر، وقد طلب الأخير إحضار داراب ولحظة خرج داراب من تحت السقف وامتطى جواده انهار السقف محدثًا صوتًا هائلا وانذهل الجميع. أوقدوا نارًا بمختلف العطور وشكروا الإله  أهورامزدا. سأل رشنواد داراب عن اسمه وأصله لكن داراب لم يعرف شيئًا عنها سوى ما سمعه من الغاسل وزوجته: ” نزل والدي ليجلب الماء للغسيل ووجدني أطفو فوق مياه النهر داخل صندوق على حشية حريريّة ومن حولي الأحجار الكريمة والعملات الذهبيّة، والياقوت مربوط إلى ذراعي- الياقوت الأحمر ذاته الذي أضعه حتى يومي هذا.. ها هو، هو آخر ما تبقى لي من هويتي السابقة.”

أعطى رشنواد داراب ملابس جميلة، أداة موسيقيّة وسلاحًا، ولأن المطر كان توقّف وطلع الفجر، انطق الجميع إلى ساحة المعركة بطاقات متجددة.

في ساحة المعركة أظهر داراب قدراته وسيطرته في فنّ القتال. أسقط عددًا كبيرًا من جنود العدو وفصل الجيش إلى قسمين. بفضل بطولته انتصرت ايران في المعركة وهُزم الرومان شر هزيمة ولاذوا بالفرار. أرسل قيصر روما رسولا يطلب السلام ووافق على حُكم إيران ودفع الجزية للملكة.

عاد رشنواد إلى إيران بمجد الانتصار محمّلاً بغنائم الحرب.

عندما وصل إلى منطقة الخرابة، استدعى إلى هناك الغاسل وزوجته وسألهما عن نسب داراب. رووا له القصة كما وقعت: “كنا غاسلين فقيرين فقدنا للتو طفلنا”، روى الأب. “في يومٍ، وجدتُ رضيعًا يطفو فوق مياه النهر داخل صندوق. أخذته معي الى المنزل لزوجتي، وتبنيناه. منذ ذلك الوقت ربيناه بحب وسرورٍ، لكننا لم نعلم شيئًا عن أصله. منذ نعومة أظفاره شدّه كلّ ما شغل المقاتلين والملوك، دون أن نوجّهه إليها.”

كتب رشنواد إلى هوماي كي يحكي لها عن انتصار الجيش. أثنى على بطولة داراب وأشار إلى أنّه بفضله انتصرت إيران واحتلت روما. كما روى لها بأدقّ التفاصيل حكاية النشيد الذي سمعه من الخرابة الخاوية، والسقف الذي سقط مباشرة بعد أن خرج داراب، وحكاية الغاسل وزوجته.

استدعته وطلبت منه الصفح والغفران عن الماضي. ثمّ جمعت كبار المملكة وروَت لهم القصّة وتوّجت داراب ملكًا. قدّمت له المشورة في طريقة قيادة الشعب.

مع بداية حكمه، كان قد وصلت هوماي إلى نهاية حكم امتدّت اثنين وثلاثين عامًا.

عندما تربع داراب على العرش قال لكبار المملكة والكهنة وكلّ الأبطال الشهيرين: “لم أبلغ العرش بجهد ومعاناة. القدر المفاجىء الذي كُتب لي كانت يد الله فيه بلا شك. لذلك، شكرًا لله، سأقود الناس دوما بالعدل والمساواة.” استدعى الغاسل وزوجته، الوالدان المتبنّيان، وأغدق عليهما الهدايا.

بعد بضعة معارك في الجبهات الأخرى، عاد داراب لمحاربة روما. خرج القيصر في اتجاهه، وبين الجيشين دارت معركة. هزم الرومان في المعركة. وهذه المرة أيضًا طلب القيصر معاهدة سلام. أشار مستشارو داراب عليه بالموافقة على طلب القيصر وإبرام ومعاهدة السلام مع روما لكن شريطة أن يدفع الرومان الجزية لإيران وأن يزوّج القيصر ابنته ناهيد لداراب.

وافق القيصر على دفع جزية قدرها مائة ألف بيضة ذهبيّة في السنة وأرسل ابنته ناهد لتكون زوجة لداراب في قافلة من الجِمال المحمّلة بالمال والذهب والثياب الملوكيّة.

في إحدى الليالي رقد داراب بجانب ناهيد، وفاحت من فمها رائحة كريهة. استدار داراب إلى الجهة الأخرى، وفي الصباح توجّه إلى الأطباء. أعطوه عشبة مداوية تدعى اسكندر تبدد الرائحة الكريهة، لكن ذاكرة الرائحة لم تتبدد من رأس داراب.

في نهاية المطاف، أعاد داراب ناهد إلى والدها، فيلكوس، قيصر روما. لكنّ داراب كانت حاملا، دون علم داراب، وبعد تسعة شهور جاء الطفل إلى العالم. سمّته أمّه اسكندر، على اسم العشبة المداوية التي تبدد الرائحة الكريهة من الفم.

في نفس الليلة، وُلد مهرٌ أبيض في مزرعة القيصر. رأى فيلكوس في ولادة المهر فأل خير. تبنّى اسكندر ابنًا له، حتى لا يقولوا في روما إنّهم أعادوا إليه ابنته الحامل من إيران.

كبر اسكندر بصفته ابن قيصر روما وصار فتى قويًا وبهي الطلعة وكثير المواهب.

أما داراب فقد تزوج من أخرى، وولدت له ابنا اسمه دارا.

بعد مضي اثني عشر عامًا في الحكم، توفي داراب بالمرض، وورث دارا العرش. وبعد مرور سنوات على الأمر، عاد اسكندر من مقدونيا إلى إيران، احتلّها وأنهى عصر الامبراطوريّة الفارسيّة العظمى.

********************

* القصّة مأخوذة من كتاب: أبطال، ملوك وتنانين- أساطير إيرانيّة لكلّ الأجيال (منشورات زرش، 2017).

 

0
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا