the short story project

search

شيخة حليوى | من:العربيّة

زيارة ليليّة

Introduction by لونيس بن علي

المسافة التي كان يقطعها الوالد بين البيت والمقبرة هي نفسها المسافة التي ستولّد سيلا من الإبهامات، تبدأ في شكل سؤال: ما الذي يفعله الأب في المقبرة كلّ ليلة؟. في قصة  زيارة ليلية  ينتظر الابن والدَه كل ليلة قافلا من مقبرة القرية. كانت عادة الابن  إخفاء عصا والده. لكن لماذا العصا بالذات؟ كانت الوالدة تعاتب بشدة زوجها على استعماله عصاه لضرب ابنه على رأسه، لأنّ الضربة كانت قاتلة. وفي تلك الأثناء، يتحسّس الولد رأسه ليكتشف دمًا جافًا على جرح عميق. لقد قتله والده. متى؟ لا يعلم. تنقلب الفرضية رأسا على عقب، فالابن هو الشبح الذي لم يغادر منزله، وكان يجهل ذلك. والعصا التي كان يخفيها عنه هي أداة الجريمة. يبدو الموت في هذه القصة استمرار للحياة بطريقة ما. صحيح أنّ الشاب، بعد أن اكتشف الحقيقة، يعود إلى عالم المقبرة المظلم، في حين سيعود والديه إلى البيت محمّلين بهذا السر الكبير. ما أثارني في القصة أني لم أجد أثراً لإدانة الجريمة، كأنّ الموت يُعطّل عند الموتى جهازهم الأخلاقي. فلا يجب أن ننسى بأنّ القصة رُويت على لسان شاب ميّت. في حين كانت الأم تعاتب زوجها دون أي إحساس بالحزن. يعود الفتى إلى المقبرة فيبتلعه ظلامها المُوحش، في حين كانت عودته مُبهمة جدا، ابتلعه الصمت، ترك نهاية مفتوحة ومُلغزة.

قوة القصة هي قدرتها على اللعب بين الحدود الوهمية بين الحياة والموت.

 
 
اقرأ المزيد

كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، واتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

أراقبهُ بنصف عينٍ حتّى يعجز، ثمّ يتكوّر على الأرضِ بائسًا متعبًا. أقومُ من فراشي وأمسكُ بيده وأرافقهُ حتّى باب المقبرةِ قبل أن يستيقظَ أهلُ البيت، يدخلُ بثقة وأمان وأراقبه من بعيد وهو يختفي بين القبور.

لم أفكّر مرّة في التخلّص من العصا، كأن أرميها في النهر، أو أكسرها على سور الحديقة، بل صرتُ أحرص عليها أكثر منذ بدأت زيارات أبي الليليّة. بعد كلّ زيارة أشطب ندبة تركتها عصاهُ يومًا ما؛ واحدة على كتفي اليمنى، أخرى على ساقي اليُسرى وندوبًا صغيرة كثيرة موزّعة على جلدي، وتحتهُ.

أوشكتُ أن أشطبها جميعًا إلا واحدة، تركتها في ذيل القائمة، كنتُ أجهل مكانها على جلدي أو تحته. زيارة واحدة منه وأخيرة وينتهي الأمر وأشطبها كلّها، سأطيلُ هذه المرّة تكوّره البائس في زاوية الغرفة وقد أنتظرُ حتّى الفجر أو حتّى يتجاوز كبرياءه ويطلب صراحة أن أرافقه إلى قبره قبل أن تشرق الشمس.

 لكنّه لم يأتِ منذ ثلاث ليالٍ، أقلقني غيابه كثيرًا، هل يكونُ قد فهم اللعبة؟ أم يئس من إيجاد عصاهُ؟

في الليلة الرّابعة قرّرتُ أن أبحثَ عنهُ فربّما يكون قد ضلّ الطريق أو أخذتهُ غفوة قبرٍ طويلة، ولتكن زيارتهُ الأخيرة لنا وبعدها سأتركُ له عصاهُ فوق قبره ولن يتكلّف عناء المسير ليلا ميّتا أعمى.

في الثانية بعد منتصف الليل خرجتُ من غرفتي بهدوء مُحاذرًا أن أوقظَ أمّي وهي تتركُ باب غرفتها مواربًا، ثمّ اجتزتُ الصالون والحديقة وأكملتُ طريقي نحو المقبرة. لم أفكّر كيف سأقنع أبي أن يزورنا لآخر مرّة، لم تكن في رأسي خطّة مُعيّنة، فأيُّ ميّتٍ لا يتمنّى دعوة مُشابهة لنزهة ليليّة يتنفّس فيها هواء منعشًا باردًا؟

عند بوّابة المقبرة لمحتُ من بعيدٍ خياليْنِ يتحركان لم أتبيّن ملامحهما في الظلمة، اقتربتُ بهدوء ورحتُ أراقبهما من وراء الشجرة الضخمة. كانت أمّي تنهالُ بالعصا على أبي وهو يحاول تفادي ضرباتها دون أن يتحرّك من مكانهِ أو يصدرَ صوتًا.

سمعتها من مخبئي تقول له:

قلتُ لكَ أيّها اللعين لا تضربهُ على رأسهِ، لا تضربهُ على رأسهِ ستقتلهُ.

تحسّستُ رأسي وكان الدم الجاف قد غطّى جرحًا غائرًا فيها.

بعد دقائق كان الاثنان يجرّان أقدامهما بتعب وتثاقل نحو البيت.

وكنتُ أنا أجتازُ بوّابة المقبرة وأغيبُ بين القبور الغارقة في الظلمة.


*من المجموعة القصصيّة “الطلبيّة C345″، منشورات المتوسّط، ميلانو، 2018.

 

10
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا