اكتب القصص

وسام جبران | من:العربيّة

زَبدٌ فوق رمال عكّا

Introduction by ريم غنايم

الكتابة الحسّاسة والساذجة والوقحة.هكذا يمكنني تعريف عوالم الشّاعر والفنان الفلسطينيّ وسام جبران وأنا أقدّم للقراء هنا نصّه النثريّ "زبدٌ فوق رمال عكّا". وسام، الذي يشكّل كلّ من الشّعر والموسيقى حاضنته الأولى، ينزاحُ هنا نحو عالَم القصة ليحقّق انجازًا في محور ثالث دون أن يُفقد هويّاته الأولى، الأصيلة والأصليّة، شيئًا من بريقها. دون أن يغدرَ في مجازه الشّعريّ والموسيقيّ. على الرغم من أنّه يرتكب جريمة الشّعراء المعتادة في الانتقال من عالم الشعر إلى عالم النّثر، إلا أنّه  يحافظُ بوعيٍ على المسافات الفاصلة بين الأجناس الأدبيّة.

لدى جبران، لا شيء يسيطر على شيء. كلّ نوع أدبيّ يتحكّم في نفسه، مستقلا، بعيدًا، واثقًا من نفسه دون إخلال أو تهافت في شروط الكتابة، ودون طبخٍ عشوائيّ بين أدوات الشعر وأدوات النثر.

بين ليلى وعازم، قصّة حبّ محرّمة، يطوّقها الغزو من جهاتها الأربع، في زمان غير زماننا، وزمان ما زال يشبه زماننا. ووسام يشيد هنا معماريّة تبدأ من الوادع والمستكين، بعدّته النثريّة الواضحة، الجريئة، وينهيها بمخيال إيروتيكيّ حادّ ينزل به كالمطرقة على رؤوسنا، ليبرهن أن الشّاعر في أصله يحمل هنا كومة من الحجارة ويضربُ بها أحلامنا الوديعة عن الحبّ.

لا يستقيل جبران من الشّعر، ولا يطيح بالموسيقى ولا يتملّق للنثّر. لا يؤسس لبنية قصصيّة جديدة، ولا يحمّل الجنس الأدبيّ أكثر من طاقته. لكنّه يضخّ حركةً جديدة، ساخنة وخافتة في معماريّة القصّة.

اقرأ المزيد

لا يُنظَرُ الى الناس هنا إلاّ بأعْيُن العسس. لم يكن سورُ عكّا قد اكتمل بناؤه بعد. ولا فنارتُه التي تطلُّ على البحر الى الغرب. حجارةٌ يغسلها عَرَقُ البنّائين الحارِّ نهارًا لتبترد ليلاً بموج البحر.

تنام العائلة فتخرجُ ليلى تحت جنح الظلام، تحتمي بين رُكام الحجارة الكبيرة المصقولة المصفوفة شرق البحر وبين موجه الآتي من الغرب. لا يخطر على بال المرء أن للعسس عيونًا هنا بين الموجة والموجة وفي متاهات الفراغ بين الحجارة.

كان حُبُّهما ممنوعًا. فعازم جنديٌّ في حرس أحمد البوشناقيّ الجزّار لا يُسمحُ له بالزواج، وليلى ابنة عائلةِ تاجرٍ غنيّ. كانا يلتقيان سرًّا هناك، تحت ظلال القمر حيث تُلاقي عكّا موجَها.

“انظر يا عازم الى رمال الشاطئ تتلذّذُ بالموج يترامى عليها.”

“سأحبّك يا ليلى طوال العمر، ونجلسُ هنا وحدنا نراقب رمالنا.”

“لكن رمال عكّا لا تكتفي بموجةٍ واحدة تترامى فوقها.”

***

عند انبلاج الفجر يتعالى ضجيج البنّائين وتتحرّك الحجارةُ المكعّبة الكبيرة تحت سواعدهم لتصطفّ داخل السّور العظيم المتعالي يومًا بعد يوم. لا يخطر على بال أحدٍ أنّ بقعةً رطبةً لم تجفَّ بعد فوق ذاك الحجر هي مَنيُّ عازم. فهي ليست وحيدة فوق الحجارة.

“عُيونُ العسس لا تنام”، همسَ شريك عازم في الثّكنة في أذن صديقه.

في هذا الصباح، الثالث والعشرون من تشرين الأول عام 1784، لم يكن ضجيجُ البنّائين عاديًّا، توارت فيه طرقاتُ الأزاميل لدقائقَ، ولم تُسمع غير الصّيحات.

لم يكن في المكان المُعدّ لتشييد فنار عكا غير الرجال وامرأة واحدة سيقَتْ لتُحاكم على خيانةِ زوجها مع عاشقٍ من القرية المُجاورة، يُقالُ إنه صانع خزفٍ ماهرٍ وفنان مُبدع، تملأ تُحفُه بيوت عكا الغنيّة والميسورة. أما هي فلم يُذكر لها اسمٌ ولا صفة، وكلّ ما قيل إن زوجها كان قصّابًا أصابه المرض منذ زمن وامتلأ جلده بالبُثور، وإنه تزوج قبلها من أربع نساءٍ ولم يُنجب.

في هذا الصباح، دُفن الاثنان أحياءً تحت حجارة الفنار التحتيّة، وغطّى طين البنّائين جسديْهما حتى الاختناق.

لم يخفت الضّجيج في المكان، لكنّه تبدّل كما تتبدّل ألوان الموسيقى في سمفونيّةٍ هائجة، فبعد الصُّراخ والاستجْداء وزمجرة الجنود وشتائم الزوج الغاضب، يأتي دور الأزاميلِ وأوامر الجنود في سَعْيِها الى تسيير العمل بانتظام من جديد.

عادت الحياة الى طبيعتها الرّتيبة حتى مغيب الشمس.

***

يسير عازم بين التخوم خارجًا من ثكنته نحو الغرب. ستكون ليلى هناك في انتظاره الليليّ. لو رآه أحدٌ في هذا العتم لما خفي عنه ارتيابه، بل تكاد أفكارُه المُضجّة في رأسه تُسمع خلف النوافذ المعتمة النائمة. “عيون العسس لا تنام”، تتردّد هذه العبارة في ذهنه دون توقّف. يبتسم فجأة في سرّه: “لكنني أعرفهم جميعًا، هل سيشون بي وبليلى إن رآني أحدٌ منهم؟” يعود ليبتسم ويهزّ رأسه. “لا مُستحيل… وفي كل الأحوال، سأعرف كيف أحمي نفسي وأحميها من الوشايات… سأذهب الى ليلى وأقطف ثمرتها بعد تعب هذا النهار”. هكذا كان عازم يفكر فيما هو ذاهبٌ إلى ليلى.

كانت في انتظاره. تجلس فوق الحجارة التي صُفّت هذا النهار وأغلقت كل حواشيها بالطين الرّخوِ. وصل عازم. كان مثل بركانٍ على وشك الانفجار من الشوق إليها، وكانت حِممُها قد بدأت بالتطاير حين رأته. تعانقا. تبادلا قُبلاً شهوانيّةً على طريقة الغزاة، مُستخدمين كل ما في أفواههم من أسلحة. رفعا أثوابَ بعضهما بانفعال لا يصبر. عصر نهديْها بيديه الخشنتين. وبيديها المرتبكتين أخذت تحلّ حبل سرواله بحثًا عن قضيبه. قبضت عليه من الأسفل. من خصيتيه. رفعته الى مستوى فمها الجائع. كانت تعشق التلذّذ بسخونته داخل فمها، وتستمتع بتضخمه التدريجيّ متباهيةً في سرّها بقُدرتها على إيقافه. نظرت إليه وقد انتصب الى أقصاه. قالت ضاحكة: “لا حاجة أن يستيقظ البنّاؤون غدًا، فها هو الفنارُ جاهزٌ يُضيء”.

كان القمر هلالاً. يُراقبُ الأرض متلصّصًا. عيُون العَسَسِ لا تنام.

***

يجب أن أعود الى الثكنة الآن، قبل أن يشعروا بغيابي. مسح رأس قضيبه بصدرها، وكان فمها لا يزال ممتلئًا. هزت رأسها موافقةً. بلعت ريقها وما معه. قالت: “اذهب أنت أولاً، ثم أتبعك بعد قليل”. هكذا كانت العادة، كي لا يُشاهدا معًا.

عاد عازم الى ثكنته. نام عميقًا وطويلاً.

***

عند الشاطئ الغربيّ. الموج يترامى تباعًا بعنفٍ فوق الرمال.

ركعت ليلى على رُكبتيها فوق الحجارة الباردة الخشنة، وأخذت تمصُّ أزباب العسس تباعًا.

زبدُ الموج يغمر الرمال.

*

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا