مشروع القصة القصيرة

search

خليل ناصيف | من:العربيّة

سوسة

منذ طفولتي وأنا أحلم بتعلُّم العزف على الجيتار، ومع الوقت تحوّل الموضوع إلى سوسة تعشش في دماغي، سوسة مفجوعة، كبرت معي وشاركتني حياتي.
ولكنّ الموضوع تحوّل إلى نحس. كلما ادَّخرت ثمن الجيتار حدثت مصيبة أكَلت المدخرات. عندما كنت في المدرسة ادخرت مصروفي لسنة كاملة، في العطلة الصيفية كسرت الحصّالة، كان مبلغا محترما يكفي لشراء جيتار جيد. نزلت لألعب مع الأولاد، لعبنا كرة القدم وبدلا من إصابة الهدف اصبتُ الواجهة الزجاجية لبرندة الجيران. أمطرَت السماء زجاجًا وشتائم وكرة مقطوعة بالسكين. في الليل جاء الجار إلى منزلنا وقال بأنني كسرت مزهرية أمه، وهكذا تحول الجيتار إلى مزهرية.
عندما عيّنوني شرطيّ مرورٍ قلتُ  سوف أشتري جيتارا براتبي الأول، ولكن عندما عدت إلى البيت، قالت أمي بأنّ سخّان المياه في الحمام انفجر وخرّب السيراميك، وهكذا تحول الجيتار إلى بلاط سيراميك بنقوش نوتات موسيقية.
ثم تزوّجت. ومع راتبي الضئيل والغلاء الفاحش تحول الجيتار إلى خبز ولبنة وبيض، وفواتير علاج وحفاظات أطفال وعلب حليب وهدايا صغيرة لزوجتي.
كبر الأولاد وتزوجوا واقتربت من التقاعد. السوسة الآن ترقص مسرورةً في رأسي. سوف أشتري جيتارا وقبعة مكسيكية وأظل أدندن بقية حياتي .
قالت زوجتي بأنها هي أيضا لديها سوسة قديمة تريد السفر إلى بيروت.
سافرنا إلى بيروت وفي يومنا الأول  اشتريت جيتارا واحتضنتُه  على طول الطريق من المتجر إلى الفندق.
غالبا بدوتُ كالأحمق ولكنّني خفت أن يقفز مثلا أو يتحول إلى شيء آخر غير ممتع.
وصلت الفندق، لم أنتظر حتى الصعود إلى غرفتي، جلست على الأريكة الكبيرة وطلبت زجاجة ماء، أخذت نفسًا عميقًا، وبدأت أعزف لحني الأول على جيتاري .
تحركت  أصابعي على الأوتار. حركة واحدة فقط، ثم انفجر كلّ شيء. سقطت واجهة الفندق الزجاجية كلها، والمزهريات والثريات، كل هذا بفعل الجيتار المنحوس.
في المستشفى، عندما سمعوا كلامي ضحكوا كثيرا مني، قالوا لي حتى إن جيتاري كان مغشوشًا ومصنوعًا من خشب مسوّس.

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا