اكتب القصص

محمد خلفوف | من:العربيّة

شتاءٌ عاديّ

Introduction by ريم غنايم

"عفاك اعتقني..أنا مسكينة..سيقتلو.."

ربّما تكون هذه الجملة المقطوعة آخر ما يتردّد صداه على مسامعنا في هذا النصّ القصصي الذي يصوّر مشهدًا رئيسيًا لا يتجاوز الدّقائق، هو مشهد عابر عاديّ، أو صارَ عاديًا من فَرط تكراره وابتذاله. لا يبتكرُ الكاتب هنا شيئًا جديدًا، ولعلّه قصديّ في هذا الجانب، متقصّدًا أيضًا تعميق الرّتابة في السّرد، الرّتابة التي تشبه مونوتونيّة اليوميّ. لكنّه يرتكب فعل الكتابة بدون ترهّل، دون أن يُشحن النّثر بالشعرية، دون أن يرتكزَ على فلسفة المكان والزمان والحدث. لا نقطة ارتكاز سوى آنية المشهد الذي يظلّ راسخًا يردّد صوت الضّعيف قليل الحيلة في مواجهة ستنتهي إلى المصير المحتوم. القصّة القصيرة هنا تعود لتؤكّد هويتها عبر ومضتها التي تعزّز المشهديّة وترسّخ عريّ السّرد وتقشّفه وصدقه وهو يصف الواقع كما هو، سارحًا في هذه الومضة: رجلٌ يضرب امرأة، ورجلٌ آخر يوشك أن يغيّر مصيرها ولا يفعل. خصاءان يتخذان هيئتين: الهجوم على الضعيف"، و "الهروب" من الضعيف، الضعيف الذي يتمثّل في جسد الأنثى وتوسّلات صوتها، لكنّه يبقى الصّوت الأكثر خصوبةً وحضورًا في هذا المشهد لأنّه كَشف عن المشكلة وعن مأزق حلّها.   

بينَ وفرة العنف في الواقع الرّديء ورتابة إيقاع الحياة الشبحية في حيّز المدينة، ماذا عسانا أن نفعل؟ ربّما نجد إجابةً في فنّ كتابة القصّة القصيرة القادرة على أن تقول الكثير من خلال القليل.

اقرأ المزيد

لم يكن صعبًا على عُمر أن يجد غرفة في هذه المدينة الموغلة في الغموض والوحشية.. والتي تأكل البشر كل يوم.

غرفة صغيرة، تقع فوق عمارة من خمسة طوابق. جاء إليها يحمل حقيبته قادمًا من تلك القرية المنسية في الشمال. كانت صغيرة، مطلية بالأزرق، يدخلها ضوءُ لوحة الاعلانات الأصفر. وكانت أيضا مليئة بالجرائد والكتب. “كان يسكنها صحفيّ”، قال السمسار. لكنه باع الجرائد والكتب ل “مول الزريعة” مقابل عشرين درهما وحفنة من الكاوكاو. الكتب والجرائد غير مهمة. المال مهم. والكاوكاو أيضا.

ولأنه لم يكن يدخن أو يشرب – وهذا أمر نادر- فقد كان راتبه من المقهى، الذي وجد فيه عملا بسهولة أيضا، ربما بفضل دعوات تلك العجوز التي هي أمه، يكفيه.

وكان شتاءً غير عاديّ. هذه عبارة أدبية تافهة. كان شتاءً عاديا، عاديا تماما: انخفاض في درجات الحرارة مع احتمال نزول بعض الزخات المطرية التي قد تستمر إلى منتصف الليل، وقد تمطر الآن، وهو يسير قادما من المقهى، بعد أن أنزلوا الريدو وأغلقوا الأقفال، فتفرقوا، الباطرون بسيارته، وعامل الكونطوار على دراجته، وهو على قدميه، يسير ويسير.. في شوارع المدينة المظلمة، يراقب المحلات تقفل أبوابها والقطط والكلاب المتسكعة.

اللعنة على هذه المدينة القذرة! لا ترحم أحدا. هناك تجار النفوس، العاهرات، الشواذ، البوعارة، رجال المخزن الفاسدون، أغنياء وفقراء، النازحون من الجوع.. جوعنا وجوعهم…كل شيء موجود هنا، ستجده بكل سهولة وأنت تتعمق في الدروب المعتمة، التي لا  يدري أحد ما بداخلها. وحده الله يعلم ذلك.

المدينة قبور عالية..المدينة غول عفن..

الأغاني تأتيه من البارات، صاخبة، مختلفة: راي، غربي، شعبي…ممزقة محصوبة بالشتائم والصراخ. يخرج من فمه بخار يشبه دخان السجائر، لكنه لا يدخن ولا يشرب، لذلك اشترى مذياعا يستمع فيه الى الأغاني والبرامج الليلة التي تطرح مشاكل الناس. يرفع من صوت المذياع، وحين يتأثر بقصة ما يطلق: لاحول ولا قوة إلا بالله..

فتح سرواله وأخد يطلق الماء على البقعة المظلمة من حائط السينما المهجورة. لم يكن يسمع سوى الشرشرة ورذاذ الأغاني القادمة من البارات، لكن هذه الأصوات، مع الهدوء، اختلطت بأصوات أخرى: أصوات بكاء وترجٍ وشتائم. زرر بنطاله فابتلّت يداه وهو يفعل، وسار ناحية الأصوات، التي كانت ظلالا تتحرك، ومع اقتراب أكثر، بحذر، اتضحت الظلال: رجل وامرأة يتحركان…وباتّضاح الظلال اتضحت الأصوات أيضا، فسمع:

-تهربين مني أيتها القحبة..سأقتلك..

ينظر عمر وقد انتبه إلى رجل يدخن، صاح به الرجل:

-هيه إلامَ تنظر؟ اذهب إلى حال سبيلك..

لكنّ عمر ظل ينظر، وظل الرجل يضرب المرأة التي تعرى فخداها. كانت تصرخ، وبدا وجهها ملطخا بالدم. وظل الرجل الذي يدخن يجذب صديقه محذرا: دعها يا مراد.. ستدركنا الشرطة.. التفت عمر باحثا عن الشرطة، لكنه لم يجدها، لا صوات ولا غوات. .بل وجد مراد، يدفع صاحبه الذي يدخن، ويكيل لها الضربات:

-أيتها الكلبة..أيتها العاهرة..سأحرق…

-لن أعيدها ثانية…لن أفعل. كانت تعوي ككلبة.

-ألم أقل لك انصرف أيها النم؟!

فبرز النصل، وشعر عمر بالرعب. التفت إليه مراد:

-فاش كتشوف!!اذهب وإلا خلينا دار بوك…

-أرجوك يا أخي اعتقني..سيقتلونني..أنا بئيسة..اعتقني…توسلت.

أخد مراد يسكتها بضرباته القوية الصادرة عن جسده الضخم، وظل النصل مرفوعا والدخان يخرج من الفم.. أراد عمر أن يقول:

-حشومة..إنها فتاة مسكينة..ارحموها…لكنه تراجع لأنه تخيل بركة من الدم، وجثة متعفنة على الرصيف عثر عليها زبال في الفجر.. فتراجع، وانعطف عبر الزقاق اﻵخر، لكنه ظل يسمع صوتها تستنجد: “عفاك اعتقني..أنا مسكينة..سيقتلو…”. لكنه تجاهلها لأن الجو كان باردا، والجوع يخز مصارينه. وتخيل زلافة من الحريرة، وغرفته الصغيرة التي كانت مليئة بالكتب والجرائد، والمذياع الذي يبث برامج ليلية…

أسرع الخطى نحو الزلافة والغرفة والمذياع…وكان الصوت المستنجد الباكي قد اختفى، والمطر ينزل، لأنه شتاء عاديّ، عاديّ تماما…

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا