مايكل كانينغهام | من:انجليزي

طائرُ البَجع الجامح

ترجمة : ريم غنايم

هنا، في المدينة، يقيمُ أميرٌ ذراعهُ اليسرى كذراع أيّ شخصٍ عاديّ وذراعه اليمنى جناح بجعة.

هو وأخوته الأحد عشر تحوّلوا إلى طيور بجع على يد زوجة أبيهم الشّتامة، التي لم تكن لديها نية لتربية الأبناء الاثني عشر لزوجة زوجها السابقة (والتي كان وجهها الشاحب المهان يحدق، بنظرة لا حياة فيها، من صورة وراء صورة؛ وكان حملها المتواصل قد قضى عليها  قبل أن تتمّ الأربعين). اثنا عشر ولدًا مغرورًا من هواة المشاجرات؛ اثنا عشر مراهقًا- قُدّموا للملكة الجديدة بصفتهم جزءًا روتينيًا من عملها. هل نلومها؟ هل، حقًا، نلومها؟

حوّلت الأولاد إلى طيور بجع، وأمرتهم بالطيران.

حُلّت المشكلة.

وقد استبقت الطفل الثالث عشر، أصغرهم، لأنّه كان فتاة، على الرغم من أن أحلام زوجة الأب حول الأسرار المشتركة ورحلات التسوق الطويلة سرعان ما تبدّدت. لمَ، في النهاية، لا تُبدي الفتاة شيئًا سوى الفظاظة والوقاحة تجاه المرأة التي حوّلت إخوتها إلى طيور؟ وهكذا- بعد إظهار رأفة حليمة تجاه الصمت الدّامس، وبعد شراء عدد من فساتين السهرة التي لم يتم ارتداؤها، استسلمت الملكة. عاشَت الأميرة في القلعة مثل قريبة أُفقِرَت، حصلت على الغذاء والمسكن، عوملت بتسامح ولكنها لم تكن محبوبة.

عاش الأمراء الاثنا عشر من طيور البجع على صخرة بعيدة في قلب البحر وسُمح لهم بالعودة السنوية لمدة يوم واحد فقط إلى مملكتهم، وهي زيارة كانت مرتقبة بلهفة وحرج لدى الملك ومستشاريه. كان من الصعب الإحساس بالسعادة يومًا برفقة اثني عشر ابنًا كانوا في الماضي من البواسل الشجعان، وفي الاستراحة السنوية لم يكن في مقدورهم الا الصياح وحكّ أرياشهم ونقر العث والخفق بأجنحتهم في أرجاء فناء القلعة. بذل الملك قصارى جهده في التظاهر بالسعادة لرؤيتهم. وقد عانت الملكة من صداع نصفي من أصعب الحالات.

مرت سنوات. و … في النهاية.

في إحدى الإجازات السنوية لطيور البجع الأمراء، أزالت أختهم الصغيرة السحر، بعد أن تعلمت من سيّدة متسولة صادفتها وهي تجمع التوت في الغابة، أن العلاج الوحيد المعروف للعنة التحوّل إلى بجع هو المعاطف المصنوعة من القراص.

لكن. أجبرت الفتاة على نسج المعاطف في الخفاء، لأنها كانت بحاجة (أو هكذا أخبرتها المتسوّلة) ليس فقط لتصنعها من القراص، بل من القراص الذي تم جمعه من المقابر، بعد حلول الظلام. إذا تم القبض على الأميرة وهي تجمع القراص من بين شواهد القبور، بعد منتصف الليل، فإن زوجة أبيها ستتهمها بالتأكيد بممارسة السحر، وستحرقها مع بقية القمامة. الفتاة، التي لم تكن حمقاء، عرفت أيضًا أنه لا يمكنها الاعتماد على والدها، الذي كان وقتها قد بيّت رغبة خفيّة (لم يعترف بها لنفسه) بأن يتخلّص من جميع أبنائه.

تسلّلت الأميرة ليلا إلى المقابر في المنطقة لجمع القراص، وأمضت أيامها تنسجها إلى معاطف. اتضح لاحقًا إنّها كانت نعمة من السماء بأن أحدًا في القلعة لم يول اهتماما كبيرا لها.

كانت على وشك الانتهاء من المعاطف الإثني عشر عندما رآها رئيس الأساقفة المحلي (الذي لم يُسأل عن سبب وجوده في المقبرة في وقت متأخر من الليل) وهي تجمع القراص، وقام بالقبض عليها. قّنت الملكة من شكوكها (هذه الفتاة التي لم تشاركها سرًا عذريًا واحدًا، التي أبدت لامبالاة تامة بالأحذية الرائعة بما يكفي ليتم عرضها في المتاحف).انصاع الملك، على نحو غير مفاجئ، على أمل أن يرتسم كشخص قويّ وغير عاطفي، ملك حقيقي، ملك يكرّس نفسه لحماية شعبه من القوى المظلمة لدرجة أنّه وافق على إعدام ابنته، إذا كان ذلك سيحمي رعاياه من الخطر واللعنات والمسوخات الشيطانيّة.

عندما أوشكوا على إعدام الأميرة حرقًا، نزل الأخوة البجعات من سماء مدخنة، وألقت أختهم المعاطف عليهم. فجأة، مع صوت طقطقة عالٍ، وسط موجة من الرياح المتلألئة، وقف اثنا عشر شابًا وسيمًا، عراة تحت معاطف القراص، وقفوا في الفناء، وبضع ريشات بيضاء تهب من حولهم.

في الواقع…

… كان هناك أحد عشر أميرًا سليمًا بالكامل وواحد، هو الثاني عشر، والذي أعيد ترميم شكله الخارجيّ باستثناء تفصيل واحد- بقي ذراعه الأيمن جناح بجعة لأن شقيقته، التي تمّ قطعها أثناء عملها، اضطرت إلى ترك معطف واحد بكمّ ناقص.

بدا ذلك ثمنًا صغيرًا لدفعه.

سرعان ما تزوج أحد عشر شابًا من بينهم وأنجبوا أطفالا، وانضموا إلى منظمات، وأقاموا حفلات أثارت الجميع، حتى الفئران الموجودة في الجدران. أما زوجة أبيهم الخائبة، المهزومة أمام هذا العدد الفائق على نحو صاخِب، فاقدة الأمومة، فقد انزوت في دير، الأمر الذي ألهم الملك على افتعال ذكريات حول الولاء الدائم لأبنائه المتحوّلين وحول قلّة حيلته أمام زوجة سليطة وهي رواية كان الفتيان على أتم استعداد لتصديقها.

نهاية القصة. “وعاشوا في سعادة وهناء إلى يومنا هذا” سقطت على الجميع مثل شفرة المقصلة.

على الجميع تقريبا.

واجه الأخ الثاني عشر، صاحب جناح البجعة، صعوبات. لم يكن أبوه وأعمامه وعماته، السادة والسيدات، راضين عن تذكيرهم المتواصل بمواجهة عناصر شريرة إلى هذا الحد، أو رغبتهم غير الأخلاقية في إعدام الأميرة أثناء عملها من أجل إنقاذ إخوتها.

تندّر مستشارو الملك نكتة حول الأمير صاحب الجناح، وانضمّ إليهم إخوته الأحد عشر كاملي الهيئة وأصرّوا على أنهم كانوا يقصدون المتعة. اختبأ أبناء وبنات الإخوة الصغار، أطفال الإخوة الأحد عشر، كلما دخل الابن الثاني عشر إلى الغرفة، وضحكوا من وراء الأرائك والستائر. وقد طلبت زوجات إخوانه مرارًا وتكرارًا أن يبذل قصارى جهده للحفاظ على هدوئه على وجبة العشاء (إذ كان معرضًا للإيماء بالجناح بينما كان يروي نكتة، وذات مرة طيّر ورك غزال بأكمله على الجدار المقابل).

مالَت قطط القصر إلى التشاجر والابتعاد كلما اقترب نحوها.

أخيرا قام بتجميع بعض الأشياء وخرج إلى العالم. ومع ذلك، اتّضح له أنّ الحياة في العالم لم تكن أهون من الحياة داخل القصر. أمكنه العثور على بعض الأعمال الوضيعة فقط. لم تكن لديه مهارات قابلة للتسويق (الأمراء يفتقرون إليها)، وكان بيد عاملة واحدة فقط. بين الحين والآخر كانت هناك امرأة تنجذب إليه، ولكن دائما ما تبين أن انجذابها إليه كان فانتازيا لأن تكون ليدا لبعض الوقت، أو ما هو أسوأ، أملت أن يعيد حبّها ذراعه إليه. لم يدم شيء. أثار الجناح حرجًا في مترو الأنفاق، كان شيئا مستحيلا في سيارات الأجرة. كان لا بد من فحصه باستمرار بسبب القمل. وإذا لم يتم غسله يوميًا، ريشة ريشة، تحوّل من اللون الأبيض القشديّ الملوّن، إلى الرماديّ الكتانيّ المُحبط.

عاش مع جناحه، كما يعيش رجل آخر مع كلب متبنّى من مربى الكلاب: عذب، ولكنه عصبي ولا يمكن ترويضه. كان يحب جناحه إلى حدّ العجز. كما أنّه اعتقد أن جناحه مثير للغضب وخلاب ومزعج ومرهق ومُحزن. لقد سبّب له الحرج، لا لأنه أخفق في إبقائه نظيفا، أو لأنه وجد صعوبة في تخطي الأبواب العادية والدوارة دون أن يبدو ثقيلا، بل لأنه فشل في الإصرار على اعتباره مُلكًا. والذي لم يكن من الصعب تخيله. في نظره، باع نفسه كمسخ مُقنِع، إله شاب، مغرور حتى الغطرسة المثيرة جنسيًا لانحرافه التشريحي: 90٪ لحم رجل مفتول العضلات خصب، و 10٪ جناح ملاك أبيض مهيب.

يا حبيبتي، هذا الريش سيأخذك حتى منتصف الطريق الى الجنة، وهذا الجزء الرجولي سيأخذك بقية الطريق.

سأل نفسه، أين نسخته؟ أي جبن هذا الذي أصابه بمضيّ الأعوام التي تكرّش فيها وارتخى كتفاه وصار اعتذارًا متحركًا؟

لماذا لم يستطع العودة إلى لياقته وتبنّي أسلوب، والتجول بلا مبالاة في النوادي ببدلة سوداء مزركشة ذات كمّ واحد؟

نعم ، صحيح، يا حبيبتي، إنه جناح، أنا نصف ملاك، لكن صدّقيني، الباقي شيطان صرف.

لم يبد قادرًا على تولّي الأمر. حاول كذلك أن يركض مسافة ميل في ثلاث دقائق، أو أن يتعلّم العزف على الكمان.

لا يزال موجودًا. يدفع إيجار الشقة بطريقة أو بأخرى. يلتقط الحبّ حيثما يجده. في أواخر منتصف العمر صار ساخرًا، ومبتهجا مثل رجل ذي بأس رأى كلّ شيء. أصبح مسكونًا بالدعابة المتبرمة من الحياة. أدرك أنه بإمكانه إما أن ينزل إلى المرارة أو أن يصبح أحمق مقدسًا متحذلقًا. من الأفضل هكذا، أقلّ إحساسًا بالخزيّ أن يكون المرءُ اللبيبَ الذي يضحك الجميع على حسابه، وأول من يضحك في خاتمة الدعابة.

معظم إخوته في القصر كانوا متزوجين للمرة الثانية أو الثالثة. أطفالهم، المدللين الذين تلقّوا الرعاية طيلة حياتهم، قد يصعّبون الأمور. يقضي الأمراء أيامهم في إلقاء الكرات الذهبية في الكؤوس الفضية، أو تسييخ فراشات العثة بسيوفهم. ليلاً، يتفرجون على المهرجين المهرجانات ومنفّذي ألعاب الخفّة والبهلوانات.

أمكن العثور على الأخ الثاني عشر، في معظم الليالي، في إحدى الحانات عند أطراف المدينة، تلك التي تلبي احتياجات الأشخاص الذين تعافوا جزئيًا من لعناتهم، أو لم يتعافوا على الإطلاق. هناك المرأة التي تبلغ من العمر ثلاثمائة عام ولم تكن دقيقة بما فيه الكفاية عندما تحدثت إلى السمكة السحرية، ووجدت نفسها تصيح: “لا، انتظري، قصدتُ أن أعيش وأكون فتيّة إلى الأبد” ، صوب بحر فرغ فجأة. هناك الضفدع صاحب التاج الصغير الذي لا يمكن أن يبدو محبًا حقا لأي من النساء الراغبات في تقبيله وإزالة السحر. هناك الأمير الذي قضى سنوات في محاولة العثور على مكان الأميرة النائمة التي كان يقصد إحياءها بقبلة، وكان في الآونة الأخيرة أقل إصرارًا على البحث عن الجبل والوادي، وأكثر ميلا إلى الزحف باتجاه الحانات وإلى الحكايات الطويلة عن الفتاة التي أفلتت منه.

في مثل هذه الحانات، يعتبر الرجل ذو جناح البجعة محظوظًا.

كما يقول لنفسه، ليست حياته هي الأسوأ على الإطلاق. لعل هذا يكفي. لعل هذا هو ما نأمل أن يكون – ألا يزيد الأمر سوءًا.

في بعض الليالي، عندما يعود الى البيت وهو يترنح محطمًا (وكثيرة مثل هذه الليالي)، يتم صعود الطوابق الخمسة إلى شقته، يشغّل التلفزيون، ثم يستلقي على الأريكة مغمى عليه، ويستفيق بعد ساعة، حيث أول الضوء يلوّن باللون الرمادي شرائح الستائر الفينيسية، وحيدًا مع صداع الخمار، ويكتشف أنه لف صدره وبطنه بالجناح؛ أو بالأحرى (هو يعرف أن هذا مستحيل، ولكن …) التف الجناح بنفسه، بمحض إرادته، فوقه، بطانيةً أو رفيقةً على حد سواء، دخيلٌ يقيم عنده وفيّ له، ملحاح ومتحمس ومزعج مثل الكلب المتبنى من مَربى الكلاب. عشيره المرعب. عبؤه، صديقه الحميم

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا