the short story project

search

زياد عبد القادر | من:العربيّة

طاحونة بلا ذرة

Introduction by ريم غنايم

تمرّ ثلاثة أعوام على حدث النجاة، ويمرّ وقتٌ طويل ونحن نجاهدُ في أن نمسكَ الحدث: الراوي؟ القبطان؟ المركب؟ من مات؟ ولماذا يبكي الراوي؟

هنا، جُهد الكلمات يقابله جهد الصّمت أيضًا، ويقابلهما جهد القراءة ونحنُ نبحثُ عن الصّوت المتواري في ثنايا الاعتراف.

إنه اعترافُ من الدرجة الثانية، اعترافُ لا يبالي بالحدث، بقدر ما يبالي بالراوي بنرجسيّته ويحافظ عليها خوف أن يجرحها الاعتراف.

نحن أمام مفهوم الجهد في الرويّ ومفهوم الجهد في حشد الاقتباسات وأصحابها: سالنجر، أوستر، مجهول، فان غوخ جويس... مجسّاتُ الراوي تتحرّك بصمت في كلّ الاتجاهات، عالمه الداخليّ هو عالمه الخارجيّ، وبينهما جهدُ الصّمت، وجهد الصّوت-الاعتراف.

في هذا النصّ، لا يعني الحدث شيئًا مهما حاولنا الإمساك به، إنّه حدثٌ لا يُروَى تماما، وإن رُوِيَ سيصيرُ حدثًا طارئًا عرضيًا كأي حدث نجاةٍ آخر. كلّ الحكاية تبقى تلويحة الراوي (ولربّما الكاتب) إلى نقل الحدث والذاكرة إلى كلمات، "ومن ثمّ تحويله إلى صورة من صور الفكر".  

من مات يا ترى؟

اقرأ المزيد

” لم أكتب كلمة منذ عام (…) لقد حاولتُ الكتابة. كل يوم أجلس أمام الآلة الكاتبة، ولكن لا يمكنني البدء”. جي. دي. سالينجر.

“ما المخرج إذا لم يستطع أن يمارس الإخراج؟ إنه عامل عرض أفلام بدون فلم، أو كطاحونة بلا ذرة. إنه لا شيء. نكرة”. مجهول.

“حتى في أحسن الأيام، لم أتمكّن من كتابة ما يزيد على صفحة أو اثنتين. يبدو أنني مبتلى أو ملعون بإخفاق ذهني، ما يمنعني من التركيز على ما أقوم به”. بول أوستر.

سالنجر. مجهولٌ. أوستر. لا تدعوا الأسماء تخيفكم. قرأتُ هذه الاعترافات أكثر من مرة. إنها مجرد وخز شوكة. أسألكم: ما وخزُ الشوكة أمام حديد مُحمّى تُكوى به جباهكم وجُنوبكم؟

عامان ونصف. فلأقل ثلاثة أعوام، لم أجد خلالها الكلمات. تبخّرت فجأة. كتابة جملة من فعل وفاعل ومفعول به باتت جهدا خارقا وغير محمود العواقب. للأسف لم يكن لي حظّ أرتورو بانديني لأجد محرّرا عظيما إسمه هاكموث أراسله شاكيًا: “يا إلهي! سيد هاكموث، لديّ مشكلة، فقدتُ الحيوية وقدرتي على الكتابة. هل تظن يا سيد هاكموث أنّ للطقس هنا علاقة بالأمر؟ أرجوك انصحني. انصحني أرجوك”. فيجيبني هذا الأخير مطَمْئنا: “هوّن عليك. أخرج وتعرّف إلى الحياة. لا يمكن للكلمات أن تهجرك إلى الأبد. نصيحة أخيرة: لا تجهد بصرك. تذكر ما حصل لكل من تاريكنجتون وجيمس جويس”.

أطول حصار من العزم. أطول حصار في التاريخ. أطولُ حتى من حصار لينينغراد. أحبّ شكل هذه الجملة بالروسية . Блокада Ленинграда.  والنتيجة؟ لا شيء. لن أخوض في أسباب هذا العجز الذي سأحمل آثاره داخلي إلى الأبد. أمّا عن جسدي، فالبصمة لم يعد من سبيل لإخفائها. عينان غائرتان، ونظرة بعيدة، أقرب إلى نظرة شيطان يتعذب وسط قهقهات حشد من الملائكة.

خلال كل هذه المدة، شاهدت أفلاما كثيرة، وقرأت كتبا أكثر. نمت كدبّ القطب، دون أمل في أيّ شيء. الشِعر الذي ألبسني تاج الذهب ألقيت به في التراب.

أقرأ فتزداد نباهتي. حساسيّتي تجاه الكلمات، وفطنتي التي لا مراء فيها تزداد اتساعا، فيما الكلمات تزداد ابتعادا. بمجرّد أن أضع يدي على لوحة الحروف، ترفع آذانها الطويلة كآذان الأرانب، قبل أن تفرّ مذعورة لتختبئ في حقل الكتابة. ثم لا يكون شيء، ما عدا حركة الأعشاب اليابسة.

أترك الطاولة. أقف عند النافذة التي تفتح على الجبل. لكنّ حركة الأعشاب تظل مسموعة. أندسّ في الفراش، فتندسّ الحركة معي. أعشاب كئيبة وطويلة، مثل أقواس كمنجات المآتم، تتحرّك بلطف أسود، كما لو أنها تهنّئ نفسها على وفرة الماء والغذاء في تربتي الغنية بالكوابيس.

عيناي تغوران، ونظرتي تزداد بعدا. يوما بعد آخر تصبح أكثر شبهًا بنظرة فان غوغ. أجل. فانسنت فان غوغ الذي تعرفونه. أقول هذا حقيقة لا مجازا. أرعبتني نظرتي. الغضب الذي يجيش في صدري أرعبني. لكنني لم أخف. صدّقوني، لم يحدث طوال هذه المدة أن خفت ولو مرة. تعرفون ما الذي فعلَته حركة الأعشاب هذه بفان غوغ. ذهبت بعقله. تعرفون ما الذي فعلته بهيمنغواي. تحمّل إلى حين، قبل أن يفجّر رأسه ببندقية الصيد. صدّقوني، حتى مع صورة دماغه الذي تجلّط على حائط المطبخ كمعجون السفرجل، لم أشعر بذرة واحدة من الخوف. لا أقصد أن أبدو متبجحا، ولكنها الحقيقة. ليس مقارنة بهما فقط، وإنما بالجميع، قدرتي على التحمل لا تقارن. جرّبتها في أكثر من مناسبة. في الثكنة العسكرية، أيام الجندية، أطحت بالجميع، جنودا ومدرِّبين. حين تنكمش الرئات جميعها وتزرقّ الوجوه من الإعياء، كانت هناك رئة واحدة تظلّ تعمل. رئة واحدة تظل تتنفس مرتاحة. وحين يتوقف الجميع، شخص واحد كان يتابع الركض على طول مضمار الثكنة. قلتُ لا أقصد أن أكون متبجحا، ولكن أظنّكم تعرفون من هو صاحب الرئة.

لم أعرف أبدا مصدر هذه القوة العضليّة. ولكنني عرفت أنها لا بد وأن تكون مصدر كل قوة أخرى، روحيّةٍ أو عاطفيةٍ. أمّا كيف أحوّل ما هو عضليّ فائقٌ إلى مناعة روحيّة وسيكولوجيّة، وخلاصٍ شِعريٍّ وجماليّ، فهذا هو اللغز الذي كان عليّ أن أحُلّه.

ثلاث سنوات في مدينة غريبة، في بيت من غرفتين ضيّقتين وحمّام مساحة مترين مربّعين، وما يشبه ممرّا لقطع التذاكر يُفترض أنه مطبخ. كرسيّ واحد وطاولة للأكل والقراءة. تلفاز. آلة كاتبة من طراز (Olivetti) . أريكتان بنّيّتان. سرير مزدوج. نافذة طوليّة تفتح على شرفة تفتح على الجبل. نافذة عرْضيّة تفتح على الغابة. مزهريّتان. لوحتان زيتيّتان. إطاران من البرونز الفاخر مشغولان بصورة أبي وأمّي. مكتبتان طوليّتان مثبّتتان في غرفة الجلوس. تحتهما كتبٌ فوق مسند من الخشب. كتبٌ على الأرض. مكتبة في غرفة النوم. ثم لا شيء. لااااا شيء، عدا صوت يتجوّل بين الغرف، صوتٍ يشبه حركة الأعشاب اليابسة في حقل مات أهله جميعا.

في كلّ هذا، كان ثمة ما يشعرني بالفخر. حتى وأنا أركب الميترو مجهولا وسط ناس مجهولين. حتى وأنا أشرب القهوة في بيفاتات عمّال السكك وفي مطاعم الموظفين الصغار بتاج الشوك الذي حلّ مكان تاج الذهب فوق رأسي، كان ثمة ما يشعرني بالفخر.

إنه ما لا يفسَّر. فلأقل إنّ لديّ تقديرا لنفسي هو ما أنقذني طوال هذه المدة. حتى عندما بلغ الماء ربلتيْ ساقيّ كنت واثقا أنني سأخرج بالمركب من العاصفة. تقديري لنفسي منعني أن أفلت الدفة حتى والمياه تبلغ خصري الرجّولي مقاس 40. حتى وهي تغمرني إلى فمي، وعيناي فقط تبحلقان في سقف القمرة بقيتُ أمسك بها ساحبًا بأنفي هواء المحيطات.

في اليابسة، في صخب الحانات، الجميع تناقلوا خبر غرق المركب وهلاك القبطان، حتى أنّ أقداحا كثيرة قُرعت بهذه المناسبة وأنخابا فوّارة شُربت وسط عناقات وتربيتات على الأكتاف.

القبطان الذي انقطعت أخباره حتى نساه الجميع صار “هو”، حرًّا وسط المياه ومستقلاّ. وفيما “هو” يصارع الأمواج وحده، كنت “أنا” أتابع دورة الحياة الرتيبة نفسها:  أشرب، أقرأ، أنام، أستيقظ، أتبوّل، أستحمّ، أركب الميترو، أعمل، أغادر. كلّ شيء كان ساكنا، إلى أن سمعتُ صوت المحرّك وهو يهدر من جديد، وجملةَ السيد المسيح التي أحبّها تدوّي في سكون البيت: “لقد كان مجهولا عندما كان حيّا”.

“أبكي بدموع ساخنة”.

نمت عيناي مبلولتان، وبينما جفناي يرتخيان كان “أنا” و “هو” يغوصان في بعضهما بلطف ساق الوردة  وهي تغوص في التربة. وشيئا فشيئا، ذلك الزمن الذي فرّقنا تلاشى مخلّفا خطّا رغويًّا كالذي يخلّفه مرور السُفن.

الشمس تشرق.

استيقظت وأنا تحت ثقل الشعور بأنّ حقلا مغناطيسيا يستمرّ في سحبي نحو اليابسة. في لحظةٍ ما لم أعد واثقا ممّا إذا كنتُ في الغرفة أم في عرض المحيط، إن كنتُ “أنا” أم “هو”.

يُتعبني المركب وهو يُسحبُ.

أستمرّ في التقلب تحت أغطية خفيفة وأنا أفكّر في أنّ ساعات نومي الطويلة لم تكن تخلو من العزم. أفكّر في الورقة البيضاء التي أذلّتني خلال هذه السنوات الثلاث، كيف يمكن أن أُخرج المشقّة التي فيها إلى العلن، وإن كان على نحو من يُفرغ بالسطل مركبًا تسرّبت إليه المياه.

نقلُ هذا الجهد إلى الكلمات، ومن ثمّ تحويله إلى صورة من صور الفكر، هو ما دفعني إلى التذرع بالصمت.

وهو  نفسه ما يدفعني الآن للاعتراف بأنّ الأسلوب الذي لا يُمليه عليك وضعك سينتهي عاجلا أم آجلا.

 

19
    guest
    1 تعليق
    oldest
    newest most voted
    Inline Feedbacks
    View all comments
    Ghazi Dali

    Dear Slimen, I can only commend the strenuous efforts exerted in the translation of such material. Indeed, literary texts are the hardest to render due to
    their expressive function requiring from the translator close atrachment to the source
    text.
    Word-for-word is your unit of translation so as to grasp indepth details, pictures, images and innuendos conveyed by the original author, hence
    the extreme hardship the translator experiences in maintaining the literality and idiomacity of the source text. I recommend that by rereading your final rendering you try to substitute some expressions by others that collocate better with Arabic idioms even if that can be prejudicial to literary loyalty. Congratulations for this great rendering of yours. Keep it up
    G.D

    0

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا