عَلماه چنيهار | من:العبرية

عدوّة قصّة الحبّ

ترجمة : مرزوق حلبي

Introduction by يفتاح ألوني

هل يمكن وصف وإظهار ما نراه عندما نُغمض العينين ونفتحهما تباعًا؟ الرحلة التي تقود علما جنيهار القارئ فيها عبر حدث قصصي يعبّر عن الأمل والترقّب، يخترقه سيلٌ من الأحداث الواقعية التي تشبه الحلم أو الوهم. أفكار ومشاهد قاسية وقبيحة للواقع تكاد توجب استعراضًا ذاتيا متشدّدًا للوجه: الشفتان المشقّقتان، الأسنان المزروعة دونما ترتيب ومغطّاة بالكلس الأصفر، والبثور. هل صرنا نُشبه العجول، بحيث أن عيوننا البارزة لم تعد تأبه بما تُصادفه؟ هل إن الشعور لم يعد يتذكّر الثورة عندما يُصادف الغبن والظلم؟ علما جنيهار لا تتنازل، تصرّ أن نتأمّل هذه الصورة البهومية، لنتعرّف فيها على أنفسنا. ليس لهذه الصورة كما يبدو أي شيء خاص تقوله لنا. هي جدّ بسيطة، كعِجل، كحجر أو ماء. تتأمّلنا بأدب غرائبي، بأدب يسمح لنا (القرّاء) أن نتأمّلها. أن نتأمّلها بالفعل. من دواعي العجب أن نكتشف أن العِجل الظاهر في المرآة المشروخة لا يُبدي مقاومة ولا يردّ. خنوعه واضح، يبعث على الهدوء فالقلق ـ في نهاية الأمر يخفت لأن في هذه القصّة أمرًا مقلقًا جدًّا.

اقرأ المزيد

فرانشيسكا، امرأة شابة طويلة الساقيْن يفرق شعرَها المحمرّ خطّ أزرق، تعبر الحديقة بخطوات سريعة. تدوس أوراق الشجر المتراكمة فتُصدر أصوات طقطقة لطيفة، ورائحة كستناء محمّصة قوّية آتية من الجادة المجاورة للحديقة وتسمع طقطقة المعالق التي تدقّ بالأكواب في المقهى ذي الكراسي الحمراء. الاسترخاء الكسول لجلساء المقهى ورائحة القهوة تُغريانها وهي تَعِد نفسها أن تعود إلى هنا معه.

الظلّ الشتائي الثقيل الذي ربض على الحديقة من ساعات الصباح تراجع ببطء إلى أطرافها وأشعّة الشمس المتوهّجة تشقّ طريقها من خلال الغيوم وتشعل شعر فرانشيسكا، الذي يبدو الآن كتاج من نار. البركة ذات الثمانية الأضلاع غُمرت بلون ذهبي، والبنات اللاتي يلعبن بجوارها بدونَ كجنيّات. بدا لها أن الحديقة برمّتها كرة بلورية وهي في داخلها، ملفوفة بنثارٍ من السعادة. هذه قوة الحب الأول: تُنزل المطر، تجعل الشمس تغرب، وتجعلها تُشرق، وتُحي القِفار. تضحك فرانشيسكا، غير قادرة على احتواء السعادة ولا تزال صغيرة لتُدرك كم نادر هو هذا الحبّ وإلى أي مدى ينبغي الاحتفاظ به لأيام سيئة آتية.

بدا لفرانشيسكا أنّ مئة سنة قد مرّت منذ انفصلت عن باولو، على الرغم من مرور أسبوع واحد فقط. تتخيّل لحظة وقوف القطار ورؤيتها وجهه الأسمر في النافذة. سيبتسم لها ابتسامته السهلة، شيفرة السرّ، وينزل السلّم الحديدي إلى الرصيف، حقيبته على كتفه، ثم يشعل سيجارة فورا. ستقبّل خدّه فتخدش شعيرات لحيته شفتيها ويذهبان متعانقيْن إلى مقهاهما المفضّل. ستشرب هي نبيذا أبيض ويشرب باولو بسرعة شيئا ما قويًّا، ربما ويسكي، وسيُريها صورا عن الاحتفال وسوف تحسد كل امرأة مسّته وستضع يده على ساقها وتشعر بدفئه ـ فجأة يُسمع وقع خطى سريعة، تنفّس ثقيل، مضغوط. امرأة نحيفة تلبس خِرقا، وجهها المتغضّن شاحب وغاضب ورأسها ملفوف بمحرمة مغبّرة، تندفع إلى داخل الكرة البلورية، وقبل أن تدرك فرانشيسكا ما الذي يحدث، تدفعها المرأة فتسقط فورا على الحجارة الصغيرة، فيتأذّى ظهرها وتتناثر محتويات حقيبتها على الممر. تصرخ فرانشيسكا إلا أن أيا من روّاد الحديقة لا يسمع. لا أحد يأتي لمساعدتها. الظل المتراقص للمرأة يسوط فرانشيسكا التي تصرخ مرة أخرى. تضحك المرأة بصوت عالٍ وتدوس حقيبة التبرّج الصبيانية نوعا ما لهذه المرأة الشابة وعلى الهدية التي اشترتها لمحبوبها.

أرى العينين الكدرتين للمرأة، وبشرتها المجعّدة، وعنقها المتسخ. نتانة ملابسها تطغى على رائحة عطر فرانشيسكا الخفيف ورائحة المطر المنعشة.

“مَن أنت؟” أسأل بجزع. “من أين أتيت فجأة؟”

لا تُجيبني، حتى أنها لا تنظر إليّ. تختفي بين الأشجار.

أسرع إلى فرانشيسكا. “أنت بخير؟” أسألها باهتمام، فتردّ هازّة رأسها. أساعدها في النهوض وفي لملمة أغراضها وأجلسها على المقعد وأقدم لها كوب ماء. تشكرني وتشرب. تتأمّلني، مرتبكة، وتسألني إذا كنتُ أعرف لماذا دفعتها المرأة النحيفة.

“لا، أنا لا أعرف،” أجيبها. للحظة تتوزّع نظرات عينيها في كل اتجاه، لحظتها تقول لي أنها تعرف أنها مسرعة لمكان ما، لكن نسيت إلى أين. أذكّرها أنها كانت في طريقها إلى محطة قطار “جار دي نورد” للقاء باولو، شكرتني وركضت مسرعة من الحديقة. نسيت البلوزة على المقعد.

أخرج سدادتي الأذن. في لحظة، انقطع السكون واخترقت رأسي جوقة مقادح عملاقة من موقع البناء كعصابة من السرّاقين وضربت بغير رحمة. أذهب إلى المطبخ وأعدّ لنفسي شطيرة من الأبوكادو، إلا أنني أشعر بالقرف فأبصق كل شيء. الهواء مضغوط وحار، أتصبب عرَقًا. العينان الكَدرتان للمرأة النحيلة تنظران إليّ من كل ناحية. أذهب إلى الحمام وأغسل وجهي، أسكب لنفسي قليلا من الويسكي وأدخل غرفتي، أغلق الشبابيك وأشغّل المكيّف. أُعيد تركيب سدادتي الأذن. يهرب السرّاقون. يعود الهدوء. وأجلس مقابل الحاسوب.

تصل فرانشيسكا رصيف القطار ركضا. قطرات العرق تحت إبطيها، ينقصها الهدوء بسبب التهجم العدواني والغريب في الحديقة، وتشعر بالقلق لأن فستانها قد اتسخ من الخلف عندما سقطت على الممرّ، وشعرها الذي غسلته قبل خروجها، امتلأ بالغبار. تكتشف أنها نسيت البلوزة الرقيقة فتأسف. تركض باتجاه رصيف رقم ثلاثة، تصلّي أن تجده في انتظارها. جمهور كبير من المسافرين في المحطّة. يُسرعون، يجرّون الحقائب، مزالج الثلج. يتعانقون، يفترقون أو يلتقون، أذرع تنفتح وتُغلق، وكلّهم يسدّون عليها طريقها. تنحشر، تحاول النفاذ بينهم، يزجرونها لكنها تتجاهل وتنطلق نحو الرصيف رقم ثلاثة. الرصيف خالٍ. وهي غير واثقة ـ هل توقّف القطار ثم واصل سيره، أم أنه لم يصل بعد؟ ركضت نحو الشاشة الرقمية التي تبثّ مواعيد القطارات وتتأمله بعينيها وتهدأ فورا ـ قطاره سيتأخر وسيصل بعد إحدى عشر دقيقة. تتنفّس فرانشيسكا الصعداء. لديها الوقت الكافي لترتب هندامها. تُسرع إلى حمامات النساء. تفتش في حقيبتها، تُخرج قطعة نقدية وتعطيها للمرأة الواقفة في الباب. تدخل فتُطالعها نتانة مواد التنظيف المخلوطة بالبول. يدور رأسها فتتكئ على حوض الغسيل، فتنظر إلى وجهها في المرآة. شعرت أن شيئا ما في وجهها قد تغيّر ولم تعرف ما هو. لا تبدو مثل فرانشيسكا التي خرجت من البيت صباحًا. تملأ كفّيها بالماء وتغسل وجهها. تشعر بتحسن، وتنتصب. عاد اللون إلى وجهها. أخرجت حقيبة أدوات التبرّج التي داسها حذاء المرأة النحيلة وسرّت أن تكتشف أن أصبح أحمر الشفاه قد نجا من الهجمة. تطلي شفتيها بالأحمر القاني وترش قليلا من العطر على معصميها وعنقها وتمشّط شعرها الكثيف والخصلة الزرقاء أيضا. عيناه تُبرقان من جديد انفعالا قبيْل اللقاء معه. تخرج من الحمامات. بقيت دقيقتان حتى يصل قطاره بينما هي تدير ظهرها محطّة التي تغص بالناس وتنظر إلى شبكة السكك المائلة إلى سواد وإلى كوابل الكهرباء المجدولة على بعضها وعلى العشب الطالع بشكل حرّ. هي تحبّ قصصا عن مدن كبيرة تبدأ بقطار يصل إلى المحطّة. مجموعة فتيان تمرّ أمامها. يتفوهون بكلام نابٍ. توجّه نظراتها إليهم. الفتيان لا يتوقفون. تبتعد ناحية مجموعة من السياح واقفة غير بعيد وتندمج بهم، تسمع كلمات غير مفهومة باليابانية فتشدها نغمتها. الفتيان لا يقتربون منها بل ينظرون إليها ويواصلون الشتم.

لاثنين منهم بثور قبيحة في الوجه بينما الثالث يبدو طفلا كبير الحجم. يرى الطفل نظرتها فيتندّر مع رفيقيه بفظاظة. فيضحك رفيقاه.

صوت الإعلان يُدوّي في المحطة الهائلة، ويظهر القطار من المنعطف. ترى شرر النار على خطوط السكة المشتعلة. تترك فرانشيسكا مجموعة السياح وتذهب باتجاه الرصيف. يُسرع الفتيان وراءها ويُحيطون بها. تنظر إليهم. يبدون لها غرباء، كأنهم لا ينتمون لنوع بشري. أي جنون غريب في عيونهم. خافَت وصرخت. جندي مسلّح، من الجنود الذين يُشاهدون في كل زاوية من المدينة منذ الاعتداء الإرهابي يرى ضائقتها ويقترب. يهرب الفتيان في طريقهم. تسمع ضحكاتهم تبتعد. يقف القطار وتحاول أن تتكهّن من أين سيصل. تنفتح الأبواب ويبدأ الناس بالنزول، يجرون وراءهم حقائب وشِنَط منتفخة. لم ينزل هو حتى الآن، بيد أن فرانشيسكا غير مهتمّة أبدًا. هناك الكثير من المسافرين لا يزالون في القطار. تُخرج جراب التبغ وورقة، تلمّ بأصابعها القليل من التبغ تضعه على الورقة وتفتلها. تسمع عجلات الحقائب تصرّ على الأرصفة. ترطب الورقة بلسانها وتلفّ السيجارة وتشعلها وتنتظر. وعدها أن يعود. إنها تثق بهذا. مسموح لها. وهي شابة ولديها حق في ذلك.

نقرة خفيفة على باب غرفتي. لقد حلّ المساء. لم أنتبه. “حقًا،” أقول بينما هو يدخل، يضمّني من الخلف. قميصه دبق. أُخرج سدادتي الأذنين لأكتشف أن المقادح العملاقة قد سكنت. “كيف حال فرانشيسكا خاصتك؟” سألني بابتسامة. أخبره أن حالها تمام ولا أحكي له أي شيء عن المرأة ذات البشرة المجعّدة. يقترح أن نخرج قليلا، أوافقه. ظهري يؤلمني. يغتسل وأنا أبدّل ملابسي ونخرج إلى الشارع. إنها المرة الأولى هذا اليوم التي أخرج فيها. منذ الصباح كتبت دون توقّف. في بداية الشارع الأمور تبدو كديكور فاخر لكنه يعود لاحقا ليكون شارعًا. نذهب متعانقين إلى حانة في شارع جِئولا. قطط تتمطّى على حاويات النفايات. الهواء مضغوط وحار، وثمّة رائحة بحر. نجلس في الخارج، أشرب العرق. يصل صديقه فيثرثران. يصعد العرق رويدا رويدا إلى رأسي فأمتلئ هدوءً ورقّة. أغمض عيني وأتنهّد بمتعة. انقضى النهار. “كيف تستطيعين؟” صوت امرأة خافت ومبحوح يهمس في أذني باللغة العربية. “هكذا تتمتعين في الوقت الذي أكاد أموت فيه؟” أستدير بذهول لأرى المرأة النحيفة ذات العينين الكَدرتين تجلس إلى الطاولة المجاورة تلتهم الترمس من صحن صغير. غريب، أفكّر، فقط للتو بدأت تعلّم العربية، ومع هذا فأنا أفهمها جيدا كأنها لغة أمي.

“كيف وصلت إلى هنا؟ ومن أنت؟” أسألها بالعربية التي أجدتها فجأة.

“أنا من اليرموك،” أجابتني.

عندها أدرك: “اسمعي،” أقول لها، “لا أعرف أحدًا من اليرموك، لم أكن هناك. ولا أريد أن أسافر إلى هناك. أخطأت الكاتبة”.

أنا فخورة أن اللغة العربية في فمي مكتملة تماما. تحدجني، تبتسم، ويطلع من عينيْها الكدرتين فجأة بريق حاد شقيّ مثل السكين.

“لم أخطئ.” قالت لي “هذه أنت.”

“لا يُمكن،” أصححها. “مخيم لاجئين هذا ليس أسلوبي.”

تنفجر بضحكة سرعان ما تتحوّل إلى سعال ثقيل.

“كفى،” أقول لها. “ليس لدي وقت ولم تعد لدي طاقة.”

“ماذا يعني لم تعد لديك طاقة؟” تتساءل. “هذه حياتي.”

“أفهمك،” أقول لها. “لكن هذه هي القصة نفسها. والآن عذرا، أنا هنا مع صديقي وأنا متعبة وليس لدي وقت لك.” تقترب مني تكاد تضطجع علي. أختنق من رائحتها. “أريدك أنت،” همست لي.

كفى! انقلعي عنّي،” أصرخ وأصدّها، فتختفي.

هو ينظر إليّ ويسأل: “ماذا يحدث لك؟” أبتسم بحرج وأعتذر.

أشرب بعدها كأسا أخرى وأطلب العودة للبيت. أنا متعبة. غرفة النوم معتمة وباردة. نضطجع جنبا إلى جنب. ملفوفان بالأغطية. رائحة عطرة لمسحوق غسيل تنبعث منها. قبل أن يغفو قال “ربما ذهبنا في الصباح إلى البحر معا؟” فقلت “ربّما.” لا أعِد. وغفا في الحال. أحاول النوم، تنفّسه ثقيل إلى جانبي، ومهدّئ. أغفو قرابة الساعة ثم أستيقظ. أذهب إلى المطبخ وأشرب كوب ماء باردة وأصحو تمامًا فأدخل غرفتي وأشغّل الحاسوب، لأجد فرانشيسكا في المحطّة، تُدخّن وتنتظر باولو. وهي تفكّر أن عليها التوقف عن التدخين حتى لا تظهر بقع بنّية على أسنانها وحتى لا تضرّ بشرة وجهها ـ فجأة، تختفي فرانشيسكا ومحطّة القطار برمّتها دُفعة واحدة وتتلاشيان في العدم، بدلهما أرى المرأة تجلس على سرير مبعوج في غرفة جدرانها متصدّعة واسمع دويّ قنابل وصواريخ. غيمة من الغبار تدخل الغرفة، وتمرّ طائرة حربية بصفيرها في السماء الرمادية. لا ترمش لها عين. أصرخ بجزع. “كل شيء على ما يرام،” تهدئ من روعي. “سينتهي فورا، افعلي مثلي.” تغطي أذنيها بيديها وتخفي رأسها بين رجليها النحيفتيْن. أفكّر في أنها جُنّت تمامًا. “ماذا تفيد اليدان على الأذنيْن والرأس بين الركبتيْن؟” أسألها بارتياع. لا تُجيبني. سُمع صوت انفجار آخر، وأشعر أن الأرض ترتجّ تحتي، أو تطير فوقي، وأشعر بالجدران ترقص حولي.

“قانون الجاذبية غير قائم هنا. بدل أن يسقط الناس يطيرون.” تضحك وتكشف عن أسنان مكسورة. السكون يُخيم. والغبار يحطّ.

هذا هو،” قالت وأضافت: “مؤقّتا.”

“أنت لا تخافين؟” سألتها. مرة أخرى ضحكت. “أخاف؟” لم يبق شيء يُمكن أن أخاف منه”. رغم أني لم أتعلّم بعد الفعل المضارع إلا أنني أفهم كل شيء وفخورة بنفسي.

كيف تستطيعين مواصلة العيش كأن شيئا لم يحصل؟” سألتني مرة أخرى.

“كس أمك،” تصرخ واحدة فأسرع إلى الشبّاك وأرى امرأة ترمي الحجارة على الكنيس مقابل بيتي. صافرة سيارة شرطة تقترب. جابي الكنيس اتصل بهم بطبيعة الحال ليقول إن أحدهم يدنّس الكنيس. وأظنّني غفوت.

في الصباح أصحو على الأريكة في غرفة عملي. قرب رأسي قصاصة “أنا في البحر، قُبلاتي”. أقفز إلى الحاسوب. أتنفّس الصعداء. اختفت المرأة معكورة العينيْن. أغضب على نفسي. فرانشيسكا المسكينة نائمة على المقعد. باولو لم يصل.

الساعة مبكرة جدا فقط القليل من المسافرين يتجولون في المحطّة. تصحو فرانشيسكا فجأة، كأن صفارة إنذار داخلية قطعت منامها. القطار قد غادر الرصيف منذ زمن، وجاء سواه وغادرها، أيضا. باولو لم يأتِ. تفرك فرانشيسكا عينيها وتنظر في هاتفها. لقد انطفأ. تشعر أن لسانها منتفخ ويابس. مهتمّة بباولو وقلقة. تشمّ رائحة قهوة طازجة من المقهى الكبير في المحطّة، تمطّ جسدها المتصلّب من نوم غير مريح وتسوّي فستانها وتدخل إلى المقهى. تطلب إسبرسو وشطيرة ريثما تشحن هاتفها النقال. اتصلت به ولا جواب. تترك له رسالة في المِجواب “باولو، هذه أنا فرانشيسكا. أنا لا أزال في المحطّة أنتظرك. أين أنت باولو؟” صفير يقطع سيل كلماتها فتغلق الهاتف. تسترق النظر إلى عناوين الصحف، تبحث عن حادثة قطار. ليس هناك ليلة واحدة بدون حوادث. هاتفها يرتجّ. تقفز إليه. تذكير. أن تحجز مكانا لهذا المساء في المطعم المحبّب عليه، تلك التي في بلاس دي فوج. يقدّم لها النادل القهوة وقصعة بالخبز المحلّى. إلى جانبها مرطبان صغير وفيه مربّى توت العلّيق. مطرٌ يبدأ بالسقوط، فرانشيسكا تشعر انقباض خوف في الصدر.

أنا مُتعبة وظهري يوجعني من الانحناء المتواصل. أنهض وأذهب إلى المطبخ وأعدّ لنفسي شايا باردا وأعود إلى طاولة الكتابة. أسمع من بعيد زعقات نوارس ضاجّة فأعرف أنها غربان تحاول تقليدها. زعقت قرابة الساعة كأنهم يحذرون من مصيبة ما ويبتعدون، ومرة أخرى سكون. بعد ذلك سأجد على أرضية غرفة عملي ريشة سوداء وأستغرب كيف وصلت إلى هناك، لأن الشاباك كان مُغلقا. أمطّ ظهري وأعود إلى ملفّي على شاشة الحاسوب. وي لمفاجأتي الكبيرة، في المقهى في محطة جار دي نورد، جلست المرأة ذات العينين المعكورتيْن، وفرانشيسكا تجلس بجانبها هادئة ومكتئبة.

أعطني اسمًا،” تقول المرأة.

“لماذا؟!” أجيبها.

“لماذا؟” تسالني. “لأنني أستحقّ أن يكون لي اسم.” تُجيبني.

أضرب بقوة على لوحة المفاتيح، لكن بدل أن أطردها، تمتلئ الشاشة بإشارات غريبة وأحرف بغير ترتيب تحجب فرانشيسكا، وهناك تماما تحت المقعد حيث غفت من قبل، ينفتح شباك وأرى مياها سوداء من الدخان وشوارع ضيقة وغسيلا رماديا معلّقا على السطوح. على جدار محطّم عُلّقت طاولة، أرجلها إلى أعلى. مرة كان هناك مَن جلس إليها وأكل أو شرب أو قرأ جريدة. الآن الطاولة مقلوبة على الجدار. على الأرض معالق و شُوَك وشرشف أزرق ممزق. مرة كان الشرشف على سرير وأدوات الطعام على الطاولة. وطفلة ترتدي ملابس رثّة تجرّ وراءها درّاجة عُملاقة.

“كانت هنا حياة كاملة مرة،” تقول المرأة. “كانت جزيرة من الهدوء في قلب جهنّم. “الآن أراها تتكئ على أثاث ما مهشّم لا يُذكّر بشيء. تبدو نحيفة وصغيرة إلى حدّ كبير. “لم أعد أميّز بين مُطلقي النار والميّتين. أنا جوعى وعطشى وقد طلعت روحي من زمان.”

الجملة الأخيرة كانت بلغة الماضي، أفهمها وأستطيع أن أصرّفها بضمير المذكّر إذا أردتُ. وسيكون معلّم العربية فخورا بي.

أخرج من البيت. أتجوّل في الشارع، ليلة عيد. يقدم الناس على المشتريات كالمجانين، ويضحكون. رياح تهبّ، تُخرج أمواج البحر إلى الشاطئ أقراص خبز الفصح مالحة يودّ الكلب لو يتناولها. أغضب منه، كفى. ريح صيفية بدأت. كلّما ابتعدت عن البيت تحسّن شعوري. كابوس أقول لنفسي، كابوس وكفى. أفكّر بفرانشيسكا خاصتي، حمراء الشعر، وبحبيبها باولو. هل سيأتي إليها؟ هل ستعصد إلى القطار وتذهب للبحث عنه؟ ربّما ستجده في كنيسة القرية مع أمّه المتدينة؟ ربّما وجدته منحنيًا على قبرها؟ أو بين ذراعي امرأة أخرى؟ تتساءل فرانشيسكا: هل ستعود مرة أخرى أيام الهناء؟

فجأة تنغرس في لحم يدي أظافر حادة.

“انتظري لحظة! لا تركضي.” قالت. “أنظري الفستان الجميل في شباك العرض. أي فستان جميل، أرتقيه لي.”

أنظر إليها مرتبكة، “أنت هناك، في اليرموك، كيف يُمكنني أن أشتري لك فستانًا؟”

“يُمكن،” تقول بسخرية. “كما هو ممكن أن تكون محطّة قطار جار دي نورد في فرنسا.”

أنظر في شباك العرض. الفستان جميل حقّا، فستان صيفي أحمر مع ورود صغيرة زرقاء. أبتسم: “لن يناسبك، الفستان للشابات.”

“ومن يهتمّ،” تتساءل، “إذا ما ناسبني أو لا. أريد ورودا صغيرة زرقاء على جسدي اليابس.”

“سيُناسب فرانشيسكا جدا،” أقول، “لساقيها الجميلتين والمُسمرتيْن، لذراعيها الطويليْن، لكتفيها الرقيقيْن. هذا الفستان سيبدو رائعا عليها.”

“رجاءً؟” تتوسّل.

“لن أشتري لكِ!” أعلنها وأنفضها عنّي وأدخل سوق الكرمل. مزدحم جدا. يتدافعون، ورائحة الكلمنتينا المفعوسة. أسمع اللغة الفرنسية. لاجئون من أريتريا يجرّون عربَات محمّلة بالطماطم. أتنفّس الصعداء، في الزحمة فقدتها، كما أمِلت. لا أستطيع أن تكون طيلة الوقت في رأسي مثل قملة لاصقة، فلتنتقل إلى رأس آخر. أملأ السلة بالفواكه المعطرة، خوخ وَبري ودرّاق.

إذا سكنت عندك في رأسك،” تهمس في أذني وأنا أملأ سلّتي، “سيكون الأمر لطيفا وسأكون في مأمن.” “ولماذا أنا؟” أصرخ في وجهها، “ماذا بشأني؟ لدي عائلة، أصدقاء، هوايات، أحبّ القراءة والكتابة. لماذا علقت بي؟ أذهبي إلى أناس من نوعك، من الدول التي لك، حيث لا أحد يعرف مَن يُقاتل ولماذا. انقلعي عني وكفى..”. أسرع الخطى وأختفي بين الجموع مرة أخرى. لكنها لم تتركني، تنسلّ ورائي. “انتظريني!” تصرخ. “لا أحد يفهم! أنا مسنّة،” تتنهّد، “أنا موجوعة، وأشعر بالسوء.” تسعل وتبصق. “ماذا تريدين مني؟ أصرخ في وجهها وأجرّ عربة السوق إلى البيت، تصكّ أسنانها وتتمتم. تقع حبّة بطاطا وتتدحرج وهي تضحك بصوت ضاحك خشن. “لو أني استطعت أن آكلها، حتى دون أن أطهوها كنتُ أودّ أكلها. بدون ملح،”قالت بينما تلاشت ضحكتها وهي تسعل سعالا مشبعا بالرطوبة ومُقرفا.

“مرة كنت جميلة،” قالت وأجبتها ـ “لا يهمني ماذا كنتِ أو لم تكوني.”

أسير بسرعة في مُنحدر شارع جِئولا وأنا أفكّر بوجبة أعدّها لي وله. سأفتح زجاجة نبيذ أبيض. سنجلس في الشرفة وندخّن وأصغي لقصصه. سيضمني إلى صدره وأستطيع أن أبكي قليلا إذا شئت. سأحكي له المزيد عن فرانشيسكا وباولو. سأسأله هل سيعود باولو، سأسأله ما تريد فرانشيسكا أن تفعله من أجل الحب ـ

“وماذا عن حبيبي أنا؟” تصرخ “ضربوه وقتلوه وهو ينام الآن في حفرة ما بدون شاهد أو وردة. مَن سيحكي عن حبّنا الكبير؟ مَن سيحكي كيف أنه كان يأخذ من سيجارته نفسا عميقا، ويُخرجه غيمة زرقاء؟ مَن سيحكي أننا رقصنا كمجنونيْن؟ وأننا نزلنا الماء بثيابنا؟ مَن سيحكي عن حبّنا؟” أقف في حديقة هكوبشيم الصغيرة، مقابل المطعم اليمني، وأتنفّس بصعوبة. رجلاي ترتجفان فأجلس على مقعد موشّى بزرف الحمامات. أغمض عيني وأحاول أن أرى فرانشيسكا حلوتي، لكنها تتلاشى ويتلاشى بعدها المقهى الذي تجلس فيه ومحطة القطار والأرض حيث أوراق الشجر المتساقطة، وبدلها أجد نفسي أحلّق فوق غيمة غبار كثيفة أنظر إلى أسفل لأجد بيوتا مفغورة بدون سطوح، أرى في السماء بناية متطايرة، لبِنات تطير كالعصافير. أشم رائحة المجاري والعفن. بين ألسنة اللهب أرى محاربين مسلّحين بالبنادق يقفون وراء سور من الحجارة. أشم رائحة قوية من عرق الرجال والنار. أرى غرابا يقف على سلك كهرباء ومنقاره أحمر من الدم. أسمع خطى ثقيلة، أحذية بمسامير. كتيبة جنود مُسرعة، تركض في الأزقة الضيقة. أحد الجنود المسلحين يركل كرة صفراء نسوها على الشارع، وللحظة لمعت عيناه ببريق صبياني. على حفّة شباك تهدّم أوراق نعناع ذابلة. صحون التقاط مقعرة نحو السماء من سطوح مهشّمة، ومن مكان ما ينبثق رنين تلفون مرح، دون رد.

“أتريْن” تهمس فجأة، “ليس لي بيت.”

“وعدتني أن تنصرفي” أذكّرها بغضب.

“مُضحكة. هل يبدو لكِ أنه بقي لدي طاقة للانصراف؟ لو كان لي، لكنتُ هربت من زمان. لكنني مسنّة وضعيفة ولا مال معي حتى جواز سفر لا أملك.” تضحك بصوتٍ عالٍ.

“كفى!” أصرخ في وجهها ولا أتعرّف على صوتي ـ “كل ما أردته أن أحكي قصة حبّ جميلة!”

” قصة حب يُمكنك غدا. رجاء، دعيني أرتاح، ليوم أو يومين في رأسك، بدل فرانشيسكا، ولو إلى جانبها إذ لم يكن مفرّ. في المقهى، في المحطّة، في الحديقة… لا يهمّ … رجاء أيتها السيّدة الكاتبة. رجاءً. لحظة واحدة، قصيرة. دعيني أرتاح من فضلك.”

أغمض عيني بقوة، وأنظر إلى المقاتل المتصبّب عرقا الذي ينتظر وأهمس في اذنه: “اهجمّ” وهو ينظر إليّ بعينين مشتعلتيْن. “سأقتلها،” يقول لي، كأنه يُريد أن يتأكّد أنني أفهم ما سيحدث. “اقتل!” أصرخ ويمتلئ فمي دما “اقتل!”

مرّت السكين أمام عيني كخط من فضة. فجأة نسيت كل اللغة العربية التي عرفت.

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا