اكتب القصص

روعي حين | من:العبرية

قَلبُ من حجر

ترجمة : مرزوق حلبي

Introduction by إيتاي تيران

قصة "قلب من حجر" هي مجرّد حجر كريم تمّ تضمينه داخل المواضيع الفريدة التي يطرحها روعي حين في مجموعته القصصية "حكايات من تل أبيب". إنها مونولوغ حاد ومجنون لرجل قتلته الغيرة يشيد سورًا حجريًا ليسجن عشيق زوجته صعبة المراس . تتراوح نظرة حين الفريدة على المدينة بين ثلاثة مدارات: الناس والحيوانات والحجارة، ويتمكّن من التوفيق بين الأساليب المختلفة، كما ويمزج بأناقة آسرة  بين المَسرحة الروسية والأسلوب النثريّ الروتينيّ لحياة المدينة.   

 
 
اقرأ المزيد

سأطلب من كل الحجارة أن تواصل غفوتها دون أي تغيير، أن تواصل تفتّتها البطيء، الكسول، أن تواصل بلادتها العموميّة، في التراجع والسكون. جميعها عدا تلك التي في الطابق الخامس في تلك العمارة هناك، في زقاق “جان مئير”، تمامًا حيثما تتعرّى بصّاقة لزجة قبالة حلزون في صدفته، يبدو مُحرجًا وغاضبًا. انفصلن من فضلكنّ واكشفن لقارئي المخلوق العجيب القابع خلفكنّ.

بالتأكيد، بالتأكيد، هو ليس فريدا من نوعه، كلّنا مخلوقات عجيبة على نحو ما، وكلّنا متحصّنون وراء جدران الحجارة من دهور. كل هذه المدينة مزروعة بالأهرامات المربّعة التي دُفنت فيها أسرارنا القاسية: علاقتنا الحقيقية مع أولادنا، مع شريكنا، أو حتى أسوأ من ذلك، مع أنفسنا. بل هناك أسرار أبسط من هذه مخبّأة بين لبِنات بيوتنا. مجرد تفكيرنا بأنهم سيرون كيف سنقفز ببؤس في إطار معركة مع حشرة جزعة، أو تعابير النفور على وجوهنا بعد أن أغلقنا الباب بابتسامة ونحن نرافق أفرادًا من العائلة، معارف أو زملاء، أو الشكل الذي ندور فيه دون أي عمل، في لحظات الوحدة التي لا تُطاق، أو الأكثر فظاعة من ذلك ـ عندما نرقص دون خجل لحظة انتصار أو احتلال. جدران الحجارة موجودة لهذا الغرض.

سيقولون لي، مجرّد تفاهة رومانسية للأدباء، لأننا محاطون بالحجارة للدفاع عن أنفسنا أمام ظواهر الطبيعة، أو ضد غرباء يزرعون الشرّ. بيد إن لا شخص هنا بهذه السذاجة، صحيح؟ من المعروف في القرن الحادي والعشرين أن بمقدور الطبيعة أن تمحق في لحظة سرايانا الحديثة، وأن الطبيعة لا تعترف بحلول التصميم المعماري مثل: درابزين الأمان، السطيْح الواقي، الملاجئ، إلى الجحيم ـ ولماذا عليها أن تنفعل من كل هذا، ولماذا عليها أن تيفرّق بيننا وبين النحل الذي يبني قفيره بعد تفكير والنمل الذي يحفر أعشاشه بإتقان؟ وبالنسبة لزارعي الشرّ: سارق، صديق أو عدوّ، هؤلاء سيحققون مرامهم حتى لو احتمينا نحن وأعزّاؤنا خلف ألف سور.

كان لي مرّة صديق طلب خارطة الكواكب على سقف غرفة النوم. أريد أن أشعر أنني أعيش تحت قبّة السماء، قال بينما داعبت زوجته يده برقّة. في ذلك ما يشرح الصدر، أليس كذلك؟ لكن تخيّلوا أنكم كنتم ستستيقظون في إحدى الليالي لتروا قبة السماء حقًا؟ كنتم ستُصابون بسكتة قلبية.

هكذا، انفصلت الحجارة بسهولة مُثيرة للرعب بحيث نستطيع أن نرى دون أي عائق هذا المخلوق المألوف، ذو الأعضاء الجامحة ـ ها؟ نعم، اخترتُ هذا المخلوق المألوف بالذات. ليست لدي أي رغبة في أن أكشف أمامكم الكوخ المُظلم لـبيدوفيل الحيّ أو وكر امرأة بغيباغية، ولا حتى بيت قمار غير قانوني أو صومعة أديب منكمش يهمّ أن يرمي في النار جنى عمره.

ها هو المخلوق المألوف الغارق في أحلامه العادية، التي لا تختلف في شيء عن أحداث حياته اليومية. مُحيط أغطيته منقّط بجزر بيضاء لرغبة  تحققت (سنعود إلى هذا لاحقا)، أصداف من العملات منثورة هنا وهناك، قنينة على شكل زورق غرقت في قعره بقايا السجائر بينما طفت هي على موجات من الجرائد القديمة. جرس يرنّ يُستعمل في صيد جنّيات البحر يتمرّغ هناك، يلمع بخفوت في العتمة. وحوت ضخم، له فروة وشوارب يسبح على ظهره، يحكّ ويتثاءب، وفي بطنه خنفساء كان تناولها، ربّما كانت نبيّة لشعب صغير، هربت من وجه ربّها. مرساة الوسادة اقتُلعت ورُميت تحت، تشدّ إليها باقة من الجوارب النتنة. مخلوقات كهذه، ليست بهذه الندرة في مدينتنا الساحليّة.

ها هو ينهض، لا يفتح عينيْه، لا يحرّك أي عضو، تتصاعد في تنفّسه خرخرة، ووعيٌ يصحو، هذه هي علامات الاستيقاظ الوحيدة. الحوت بالذات يعمل فور شعوره بعلامة الاستيقاظ الخافتة. فهو ينقضّ على عبده (هو كذلك في نظره) ويطلب الغذاء. هذا المخلوق المألوف يأتي من البحر إلى اليابسة، يقفز فوق الحجارة الباردة على طول الرواق ويتخلّص من الإله المدلّل فقط عندما  يقدم له سمكات سردين دبِقة ونتنة قربانًا.

اسمحوا لي أن أتحاشى وصف المهمات المملة التالية: تنظيف عورته، إفراغ الأمعاء وما إلى ذلك، والانتقال إلى لحظة مُشرقة، مشرّفة، كلّها عجب وانذهال، صراخ (آمل ذلك) وتنهدات (من يدري ربمّا، أيضا،  إغماءة أو نوبة ما،… يللا، حسنا، سنرى).

مخلوقنا المألوف يرتدي الآن سروال الجينس الذي كان فضفاضًا حتى في يوم اقتنائه وقميص تريكو مع رسم رخيص تقشّر جزئيًا. لم يكن في نيتي كشف تفاصيل حميمة لكني لا أستطيع أن أحتفظ لنفسي بحقيقة أنه لا يرتدي ملابس داخلية. هل تفهمون الآن مع مَن نتعامل؟ ومع ذلك ـ مألوف جدا.. مكرور. وها هو يقترب من الباب…

لحظة! قبل أن يحدث كل هذا، أريد أن تعرفوا شيئا عنّي. أنا لست شخصا انتقاميا. كما إنني لست معتلّ النّفس (وإن كنتُ سرّحتُ من الخدمة على خلفية نفسية، لكن صدّقوني أن…لا يهمّ). على كل حال، رغم أنني لست مخلوقا مألوفًا، لكني لست حالة مرَضية ـ في أقصى حدّ، أنا أصيل. هذه الكلمة التي كانت ستناسبني لو أردتم أن تعرّفوني. مهما يكن أطلب أن تفهموا فعلي في سياقه المناسب (أية كلمة هذه ـ سياق! ـ دولاب إنقاذ حقيقي لحالات محددة في الحياة). باختصار، ها نحن نبدأ.

يقترب من الباب، يفك لسان القفل العلوي، يتريّث بُرهة أخرى، يركل برجله الحوت، بعنف لا يُمكن تأويله، مثلنا عندما نطرد عنّا ربّنا في فورة غضب، والتافه يتراجع باستعلاء ـ كأنه يقول، ستعود إليّ زحفا، أيها العبد. انتهى، يتأكّد بواسطة مرآة مغطّاة ببصمات الأصابع أن شعره الأسود مسرّح بعناية إلى الوراء، يجذب مقبض باب المدخل… تفضل. ماذا قلتُ لكم!

صرخته المدوّية تفاجئني، أنا أيضا، وقد توقّعتها، إذ أن الهواء لم يُنفث إلى الخارج وإنما إلى الداخل، واللحن المنطلق من حنجرته لا يعبّر عن قُدرات أوتار الصوت، بل بدا كأنه ينبثق من أعماق المعدة، مثل الانبثاق من قمقم عتيق. تجمّد للحظات طويلة أمام منظره الذي لا يُعقل ومن ثم بدأ بالتراجع إلى الوراء، بدون وعي، من منطلق حدس لا يتصل بالحالة الموضوعية. إذ إن الموضوع الذي يهرب منه لا يستطيع أن يلحقه. أعرف ذلك جيدا! كيف؟ لأنني أنا الذي وضعته هناك، على عتبة داره! أنا! أنا!

وضعتُ. كلمة غير دقيقة تمامًا، بنيتُ، هي الكلمة! بنيت طيلة ليلة كاملة. تخيّلوا، شخصا يفتح باب بيته، يهمّ بالخروج، في يوم عادي، وفجأة: سور من الحجارة. حجر على حجر، مع قِصارة وشيد وكل شيء. كم من الليالي انتظرت، بحثت، تفحّصتُ، تعقّبت وسجّلتُ حقائق وفرضيات إلى أن اخترت الليلة الأنسب، في الليلة التي خرج فيها أصحاب الشقتّين المتجاورتين (عمليا أفراد أسرة واحدة) في رحلة إلى إيلات (حُجبت عني هذه المعلومة تقريبًا، لولا ابنهم الثرثار والسمين). طبيعي أني اتخذت الاحتياطات، لافتة: “الرجاء عدم اللمس” على هذا الجدار الغريب. هكذا بدون توقيع، بدون عنوان. ربما تكون الشرطة، ربما شرطة سرّية، ما أدراك. سيمرّ الجيران ويسألون: ماذا يُمكن لهذا أن يكون؟ لحظة، مَن يسكن هناك؟ آه..هو. أولئك الشبان، من يدري، مَن لا يطرح الأسئلة لا يتورّط في المشاكل.

الآن، وقع مخلوقنا المألوف في الفخّ. يُقال أحيانًا: لا شيء يضاهي البيت. لكن ماذا لو كان لنا بيت فقط؟ بيت وحسب؟ هل سيكون مُتعة كبيرة؟ بماذا يختلف عن السجن، هذا البيت الذين نكيل له المديح بهذا الشكل، نستثمر في الأثاث، في ترتيبه. الحجارة، هي كل ما فيه. ألعاب تبلى أدخلناها إلى هناك بأنفسنا، وحجارة.

المعذرة، لا أستطيع التحدث أكثر. علي أن أعمل تركيزي فيه وفي ردّ فعله. فرك عينيه، مدّ يدًا مرتجفة ولمس الحجارة. لا تزال رطبة. إلا إن القِصارة كانت قد جفّت بفضل الحرّ الشديد الذي يسود مدينتنا لليوم الثالث. لو إنه خرج من بيته أمس لكان هدم السور بسهولة، لكنه بقي، غرق في الّلا شيء، شاهد أفلاما مع ضحكات مسجّلة، تناول طعاما جافًا، وشرب جعة باردة. وعليه، من الأفضل الوقوف بالمرصاد.

الآن كلكم تسألون وبحقّ ـ لماذا؟ لغرض التخويف طبعا. لأوضح أنني أنا أيضا إنسان، وربّما أكثر من ذلك. أنه ليس لدي حدود، وأنه من الأفضل عدم العبث معي… تذكرون الجزر البيضاء، جزر الرغبة على الأغطية. إذن فليكن معلوما لديكم…الأمر صعب عليّ. لحظة. أوف. هذا الرجل، هذا المخلوق المألوف، يمسح زغبه القذر بزوجتي. و.. لن تصدقوا، هذا الأحمق… عرفت بكل القصّة، الأمر استمرّ أكثر من سنة. وهي عرفت أنني أعلم. وهو عرف، أيضا، حسب رأيي. ولدي شكّ أن أولادنا كانوا على علم. ربما الابنة الصغيرة لم تعرف، لكن الابن الكبير يشكّ بالتأكيد. مهما يكن، قبل أسبوعين اقتنى لها حجرا. وأنتم تعرفون بالضبط أي حجر أقصد، ليس كريستال أخرق، وليس حجر حظّ خِرائي من ذلك المتجر في شارع أللنبي، اقتنى لها حجر الأحجار كلّها. مخلوق مألوف، قلت لكم، ماذا أريد في نهاية الأمر، قال لها، أريدك معي، بيت وزفاف.

ها هو، عرفت، يُحاول الاتصال بشخص عبر الهاتف، أجل، بالشرطة. ها هو يُبلّغ و.. الردّ المتوقّع: “أيها الفتى لا وقت عندنا الآن للنكات، لدينا مجرمون نعالج أمورهم!” اتصال آخر: “ها أنا أحوّلك،” وتنبعث موسيقى مهدّئة. لا أكثر منها ضغطا عندما تتصل بمراكز الطوارئ في حالات الضائقة. وهو الآن يتصل بها بالتأكيد. لا تردّ؟ لماذا؟ يُفكّر. تنازلت عنّي. بالغت مع الخاتم، يقول لنفسه. لكن لا. فهي تتوق لترك زوجها، تركي أنا. أقول هذا من معرفة أكيدة، بمرارة وخيبة من الجنس اللطيف والجنس البشري عمومًا. لكنها لا تُجيبه، لأن هاتفها النقّال موجود هنا. عندي في جيبي. ها أنا أرى. النقّال يرتجّ. حتى لو كان معها ما كانت لتستطيع أن تردّ الآن.

قلب من حجر، هكذا قالت. قلب من حجر. من كل الألفاظ الاعتيادية والخرائية الموجودة في اللغة العبرية الرائعة أختارت هذه الحماقة المكرورة. ماذا لو إني لا أسمح لك بالزواج من عشيقك، هل معناه أن لي قلبا من حجر؟ أجل. الأمر بسيط وسهل. قلب من حجر؟ تْفو!

لماذا تنظرون إليّ على هذا النحو؟ ماذا؟ ما الذي لا يُعجبكم؟ هل توافقونها؟ جميل جدا! أنا هنا أتلهّى بالكلمات، أفصل الحجارة عن بعضها وأكشف كل أسراري حتى تصدروا حكمكم عليّ بسبب تعبير أصاب عندكم وترا ما: قلب من حجر؟ الزوج دائما مذنب، الحب ينبغي كسبه، كان حياتها مملة معك، لم تُشبعها عاطفيًا، أنت عاجز ـ لدي أخبار جديدة لكم! ينتصب لي مثل صارية! وهذا ليس من شأنكم.

على العموم ـ سئمت. أيتها الحجارة انغلقي. انغلقي فورًا. ولا يهمني مصيره. أو مصيره. لي قلب من حجر. انغلقي! فليُغطّ كل شيء بالحجر. هذا ما أريده.

 

    Liked the story? Comment below.

    avatar

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا