the short story project

search

نبيل قديش | من:العربيّة

كلمة نابية

بينما كانت تنعطف يمينا لتطرق باب متجرٍ لبيع الأفلام رأت إشارة وسمعت جرسا منبّها. استغربت الأمر. لم تتوقّع أن يلفت أحدهم انتباهها في ذلك الوقت وفي ذلك المكان تحديدا. نادرا ما ترتاد متجرا من متاجر المدينة الباردة كما تناديها. ورغم غياب الولع بزيارة مثل  تلك الأماكن إلاّ أن الضرورة وحدها من تدفعها للتبضّع من هناك، خصوصا إذا ما كان الأمر مستعجلا والغرض الذي تبحث عنه لم ينزل بعدُ في الأسواق، ولأنها أيضا لا تحبّذ الأماكن المزدحمة والتدافع والوقوف في الطوابير. التفتت وراءها. لاحظت وجود طيف يقف على أطراف أصابعه ويشرئب نحوها برأسه.  كان يشير لها بيديه راسما فوق شفتيه ابتسامة طفولية واسعة كاتساع الفضاء الأزرق من حولها. أشارت له بدورها أن ينتظر قليلا ريثما تبتاع الفيلم الذي أتت لأجله، فجفناها يوشكان على الإقفال وهي لا تريد أن تنام قبل أن تشاهد الفيلم الجديد.

 رأته يبتسم ورآها توافق ببلاهة. تجوّلت مسرعة بين رفوف المتجر والشاب يشغل عقلها. أجالت بصرها بين العناوين المعروضة بعينين حالمتين زائغتين. كان طيف ابتسامته العريضة فوق وجهه الطفوليّ ينعكس في كلّ “أفيش” من “أفيشات” الأفلام تستعجلها في الخروج. وجدت ضالّتها أخيرا. وضعت الفيلم في سلّة المقتنيات وقلبها يخفق بشدّة ووجيبه يُسمع بجلاء في صوان أذنيها. أدخلت معطيات بطاقة الدفع الذكيّة بسرعة خياليّة غير متأكدّة من صحتها، وعينها عليه من كوّة المتجر.

توشك على تذكّره لكنّ خيطا رفيعا مفصولاً في الذاكرة يمنع ذلك. وجهه مألوف. إشارته تبدو مأهولة أيضا. لم تتأمّل قسماته بدقّة لكنّ ابتسامته العريضة تشي بأنّهما أصدقاء أو معارف. لكنّه مرّ هكذا سريعا كخاطر جميل في مخيلتها. لا تذكر أنهما التقيا أو دردشا معاً في السابق. الأرجح أنه زميل دراسة انبثق فجأة من ألبوم السنين. أحيانا تطفو وجوه غريبة على سطح الذكريات دون موعد سابق. إنّها تعتصر نفسها لتذكره. توشك أن تطاله لكن طيفه يختفي فجأة في متاهة الذاكرة. تحاول مرّة أخرى لكنّ الصوت الروبوتيّ للبائعة الشابّة الجميلة يشوّش تركيزها. تُوضع نصب عينيها ساعة رمليّة مقلوبة تحثّها على الاصطبار ثوان قليلة ريثما يتمّ التأكّد من معطيات بطاقة الدفع ومن ثمّة يصير الفيلم في سلّتها.

الفيلم الآن بحوزتها لكنّها لا تستطيع الخروج. وها هي مسئولة البيع ترسم على محياها ابتسامة أسف عميقة. تطلب منها بالودّ السابق إدخال معطيات بطاقتها مجدّدا لأنّ عملية الدفع فشلت. زفرت زفرة ضيق عميقة. قضمت شفتيها بقوّة محاولة منع تلك الكلمة النابية من الخروج. لكنّها خرجت رغما عنها: “فكككككككك”… كانت عادة سيئة حين تشعر بالضيق والاستياء، ويقف أحدهم في وجه مقاصدها الملحّة. وضعت باطن يديها فوق شفتيها خشية من أن تكون بذاءتها قد سُمعت في الخارج. ربّما خشيت أن يكون هو من سمعها وهو يقف وقفته المتأملة تلك، مشرئبا بأذنيه ناحية كلّ نأمة يمكن أن تتسرّب من المتجر. ابتسمت في سرّها على تلك الفكرة التحريضيّة البائسة، فجدران المتجر، وزجاجه السميك، والضجة العميقة من حولهما لا يمكن لها تسريب كلمتها المحرّمة. لكنّها عادت لتفكّر وتقول: “فليكن قد سمعني. ما الضير في ذلك؟ أنا هي، مثلما كنت ومثلما سأكون دائما، و كما ينبغي لي أن أكون. لا أحد هنا ليحاسبني على أيّ شيء أفعله أو أقوله. ثم ماذا يعني ذلك بالضبط؟ أنا متأكدة أنه يعرف فتيات بعدد شعر رأسه، يقلن كلاما نابيا، ويأتين سلوكا مشينا. أمّا أنا فأقتصر على مجرّد كلمات، تخرج جزافا هكذا دون أن أعيها أو أقصدها”.

كانت تحاول السيطرة على انفعالها وهي تهمّ بالخروج من المتجر بعد أن أتّمت عملية الدفع، وصار الفيلم بين يديها. حاولت أن تبدو رصينة قدر المستطاع وأن تسيطر على كلماتها لكنّها لم تجده في انتظارها. اختفى ولم يعد له أثر. فكرت أنّ صبره نفد بعد أن أضناه الوقوف. وقفت تجيل بصرها باحثة عنه. قامت بجولة في محيط المتجر. لا أثر له. سرعان ما وجدت إشارة مختفية خلف واجهة المتجر. اقتربت منها. دققت البصر. كانت نافذة الدردشة المفتوحة منذ أكثر من ساعة تشير بأنّه قد غادر للتوّ. قرأت أسطرا طويلة من لطيف الكلام كان فيه الغزل مستترا والكلمات أنيقة ومختارة بدقّة…

 يا إلهي، قالت، لقد كان هو بعينه، يعود بعد سنين طويلة…

تثبتت جيّدا وهي فارغة الفيه والرعب يشعّ من عينيها. الكلمة النابية كانت أرسلتها له على صفحة الدردشة على الفايسبوك. كان قد حظرها وغادر إلى الأبد. أغلقت الحاسوب فرأت المتجر يغلق آليا وحسابها الفايسبوكي والنظرة الكابية للإيموجيس التي ملّت الانتظار فنامت. أطفأت الضوء. أرخت جسدها فانزلق في خمول تحت اللحاف ونامت وحيدة مرّة أخرى.     

 

6
    guest
    0 تعليقات
    Inline Feedbacks
    View all comments

    arrow2right arrow2right Other readers liked

    إن كانت القصة قد نالت إعجابك، إليكَ المزيد من القصص التي نعتقد أنّها ستعجبك أيضًا